فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 135


فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ

(135)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} أي لما كَشَفَ اللهُ تَعَالَى عَنْ فرعونَ وقومه البَلاَء والعذابَ بأَلوانِه التي سَبَقَ ذِكرُها في الآية السابقة، والتي كان آخرَها الطاعونُ، بِدُعَاءِ مُوسَى ـ عليه السلامُ ـ، بعد أنْ رَجا فِرْعَوْنُ مِنْه ذلك، ووعَدَهُ عَلَيْه أَنْ يَسْمَحَ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنْ بَني إسرائيلَ بالخروجِ مِنْ تحت ملكه وسطوته بمصرَ إلى أيِّ أرضٍ يَشاؤون لِيَعبُدوا ربهم فيها، وبذلك يَتَحرَّرونَ مِنْ خِدْمَةِ فِرْعَوْنَ وقومِهِ القِبْط. وقد دعا لهم موسى اللهَ رَبَّه بذلك، فاسْتَجابَ اللهُ رجاءَ رسولِهِ موسى ـ عليه السلامُ ـ ودعاءَهُ وكَشفَ عن فرعونَ وقومه ما كانَ حَلَّ بهم مِنْ عَذابٍ.

قولُه: {إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ} أي إلى حَدٍّّ مِنَ الزَمَنِ وإلى موعد آخر هم مدركوهُ لا مَحالةَ حيث سيهلكهُمْ فيه، كما سَنَرى لأنّهم ما تابوا إلى بارئهم ولن يتوبوا، ولَنْ يَرْعَوُوا عَنْ غَيِّهم حتى يهلكهمُ اللهُ، حيث لن ينفعَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الإمْهالِ لهم، وكَْشفِ العذابِ عنهم إلى الوقْتِ المعلومِ. الذي حدَّده الحكيمُ العليمُ وهو وقتُ غرقهم في اليمِّ كما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ الموتُ كما رُويَ عنِ الحَسَنِ البصريِّ ـ رضي اللهُ عنه، والمرادُ أَنجيناهم مِنَ العذابِ إلى ذلك الوقت، وروى ابنُ أبي حاتمٍ في تفسيره عَنْ مُجَاهِدٍ، قال: “إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ” أيْ: عَدَد مُسَمًّى مَعَهُمْ مِنْ أَيَّامِهِمْ”. وروى الطبريُّ في تفسيره عن أبي جعفر قال: لِيَسْتَوفوا عَذابَ أَيَّامِهمُ التي جَعَلَها اللهُ لهم مِنَ الحياةِ أَجَلاً إلى وَقْتِ هَلاكهم.

قولُهُ: {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} أي عَائدُون إلى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، نَاكَثُون بِوَعْدِهِمْ لموسى. وكان لهم مَعَ كلِّ آيةٍ نقضٌ للعهدِ، وأَصلُ النَكْثِ فَكُّ طاقاتِ الصُوفِ المَغزولِ لِيُغْزَلَ ثانيةً، ثمَّ اسْتُعيرَ لِنَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ إبْرامِهِ. كما اسْتُعيرَ الحَبْلُ للعَهْدِ في قولِه تَعالى في سورة آل عمران: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} الآية: 112. وهي

استعارة تَبَعِيَّةٌ حَسَنَةٌ.

وذلك أَنَّ فِرْعونَ بعد أنْ أَذْنَ لِبَني إسرائيلَ بالخُروجِ من مصرَ وخَرجوا مِنْها لَيْلاً، قالَ لَهُ بَعْضُ خاصَّتِه: ماذا فَعَلْنا وكَيْفَ أَطْلَقْنا إسرائيلَ مِنْ خِدْمَتِنا؟ فَنَدِمَ فِرعونُ، وجَهَّزَ جَيْشاً عظيماً للَّحاقِ بهم ليردَّهم إلى مَنازِلهم، كما جاء في الإصحاحِ الرابعَ عَشَرَ مِنْ سِفرِ الخُروج.

قولُهُ تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} الرِّجْزُ بِكَسْرِ الرّاءِ، والرُّجْزُ، بِضَمِّها سَواءٌ وقرئَ بهما ومعناه: القَذَرُ، والعذابُ. والرَجَزُ بالتَحريك: ضَرْبٌ مِنَ الشِعْرِ وزْنُهُ: مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرَّاتٍ، سمِّيَ بذلك، لِتَقارُبِ أَجزائهِ وقلَّةِ حُروفِه. وزَعَمَ الخَليلُ أنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّما هو أَنْصافُ أَبْياتٍ وأَثْلاثٌ. والرُجْزُ أيضاً: داءٌ يُصيبُ الإبِلَ في أعْجازِهَا، وتَرَجَّزَ الرَّعْدُ وارتجز: صاتَ، والسَّحابُ: تَحَرَّكَ بَطيئاً لكَثْرَةِ مائِهِ، والحادي: حَدا بِرَجَزِهِ. وتَراجَزُوا: تَنَازَعُوا الرَّجَزَ بينهم. والمقصودُ به هنا: ما حلَّ بفرعون وقومه من عذاب.

قولُه: {إلى أَجَلٍ} جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ ب “كَشَفْنا”، وهوَ المشهورُ عندَ المُعْرِبين. واسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ الشيخ أبو حيّان، أنَّ ما دَخَلَتْ عليه “لمَّا” يترتَّبُ جَوابُهُ على ابتداءِ وُقوعِهِ، والغايةُ تُنافي التَعليقَ على ابْتِداءِ الوُقُوعِ، فلا بدَّ مِنْ تعَلُّقِ الابْتِداءِ والاستمرارُ حتى تَتَحَقَّقَ الغايةُ، ولذلكَ لا تَقَعَ الغايةُ في الفِعْلِ غيرِ المُتَطاوِلِ، لا يُقالُ: لَمَّا قَتَلْتَ زَيْداً إلى يَومِ الخميس جَرَى كذا، ولا يقالُ: لَمَّا وثبتُ إلى يومِ الجُمُعَةِ اتَّفَقَ كذا. وهذا كلامٌ حسنٌ. وقد يُجابُ عَنْهُ بأنَّ المُرادَ بالأجَلِ هُنا وَقتُ إيمانهم، وإرسالِهم بني إسرائيل معَهُ، ويَكونُ المرادُ بالكَشْفِ اسْتِمْرارَ رَفْعِ الرُجْزِ، كأنَّهُ قيلَ: فلمَّا تمادَى كشَفْنا عَنْهم إلى أجَلْ. وأَمَّا مَنْ فسَّرَ الأَجَلَ بالموتِ أوْ بالغَرَقِ فيَحتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ تقديرُه: فلمّا كَشَفْنا عنهم الرِجْزَ إلى قُرْبِ أَجَلٍ هُمْ بالِغوهُ. وإنَّما احتاجَ إلى ذلك لأنَّ بَينَ موتِهمْ أَوْ غَرَقِهم حَصَلَ مِنْهم نُكْثٌ فكيفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكونَ النُكْثُ مِنهم بعدَ موتِهم أوْ غَرَقِهم.

ويمكن أن يُعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنَ “الرِّجْزِ” أي: فلمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ كائناً إلى أَجَلٍ. والمعنى أَنَّ العذابَ كان مُؤَجَّلاً. ويقوِّي هذا التأويلَ كونُ جوابِ “لمَّا” جاءَ بِ “إذا” الفُجائيَّةِ، أيْ: فلمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ المُقرَّرَ عَلَيْهِم إلى أَجَلٍ فاجَؤُوا بالنُكْثِ، وعلى مَعْنى تَغْيِيَتِهِ الكَشْفَ بالأَجْلِ المُبلوغِ لا تَتَأَتَّى المُفاجَأَةُ إلاَّ على تَأْويلِ الكَشْفِ بالاسْتِمْرارِ المُغَيَّا فَيُمْكِنُ المفاجأةُ إذْ ذاك بالنُكثِ.

قوله: {هُم بَالِغُوهُ} هذه الجملة في محلِّ جَرٍّ صِفَةً لأَجَلٍ. والوَصْفُ بهذِهِ الجُملةِ أَبْلغُ مِنْ وَصْفِهِ بالمُفْرَدِ لِتَكَرُّرِ الضَميرِ المؤذنِ بالتَفْخيم.

وقوله: {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} إذا: هي الفُجائِيَّةُ، و “هم” مُبْتَدَأٌ و “ينكثون” خبرُهُ، و “إذا” جَوابُ “لَمَّا” كما تَقَدَّمَ بالتَأْويلِ المَذْكورِ، يَعْني فلمَّا كَشَفْنا عَنْهم العَذابَ فاجؤوا النُكْثَ وبادروه، ولم يؤخِّروه، ولكن لَمَّا كَشَفَ عنهم نكثوا. قال الشيخ: لا ولا يمكن التَّغْيية مع ظاهرِ هذا التقدير. يَعني فلا بُدَّ مِنْ تَأويلِ الكَشْفِ بالاسْتِمرارِ كَما تَقَدَّمَ حتّى يَصِحَّ ذلك. وهذه الآيةُ تَرُدُّ مَذْهَبَ مَنْ يدَّعي في “لَمَّا” أنها ظرفٌ، إذْ لا بُدَّ لها حينئذٍ مِنْ عاملٍ. وما بعد “إذا” لا يَعمَلُ فيما قبلَها.

قرأَ الجمهورُ: “ينكُثون” بضمِّ الكاف، وقرأ أبو حَيَوَةَ وأَبو هاشِمٍ بكسرِ الكافِ، وهما لُغَتانِ في المُضارِعِ.

فيض العليم … سورة الفاتحة، الآية: 1


الحمد لله ربِّ العالمين

(1)

قولُه ـ سبحانَه وتعالى: {الحمدُ لله} الحمدُ: في كلامِ العربِ معناهُ: الثناءُ الكامِلُ، والأَلِفُ واللاَّمُ في “الحمد” لاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، فهو ـ سُبْحانَه ـ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بأجمَعِهِ، والثَّناءَ المُطلَقَ. والحمدُ” نقيضُ الذمِّ. وهو أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لأنَّ الشُّكرَ يكونُ مُقابِلَ النِعمَةِ بخِلافِ الحَمْدِ، تقولُ: حَمَدْتُ الرَّجُلَ على شَجاعَتِه، وعلى عِلْمِه، وتقول: شكرتُه على إحْسانِه.

والحمْدُ يَكون باللِّسانِ، وأَمَّا الشُّكرُ فيكون بالقلبِ واللِّسانِ مَعًا. وقالَ بعضُ العُلَماءِ: إنَّ الحمْدَ أَعَمُّ مِنَ الشُكْرِ، لأنَّ الحمْدَ تَعظيمُ الفاعلِ لأجْلِ ما صدَرَ عنْه مِنَ الإِنْعامِ. سواءٌ أَكان ذلك الإِنعامُ واصلاً إليكَ أو إلى غيرِك. وأمَّا الشُّكرُ فهو تعظيمُه لأجْلِ إنْعامٍ منْه وَصَلَ إليْك.

رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رضي اللهُ عنهم ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ للهِ، قَالَ صَدَقَ عَبْدِي الْحَمْدُ لِي)). وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا)). وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلاَّ وَالْحَمْدُ للهِ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنَّ رَسُولَ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ للهِ إِلاَّ كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ)). وَفِي نَوَادِرِ الأُصُولِ أيضًا عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِحَذَافِيرِهَا بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ للهِ لَكَانَتِ الْحَمْدُ للهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ)). مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِي عَلَى أَثَرِهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَفْضَلَ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْكَلِمَةَ بَاقِيَةٌ، فهِيَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى في سورة الكهف: {وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}. الآية: 46. وَقِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: لَكَانَ مَا أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ. فَصَيَّرَ الْكَلِمَةَ إِعْطَاءً مِنَ العبد، والدنيا أخذًا من الله، وَكِلاهُمَا مِنَ اللهِ فِي الأَصْلِ، الدُّنْيَا مِنْهُ وَالْكَلِمَةُ مِنْهُ، أَعْطَاهُ الدُّنْيَا فَأَغْنَاهُ، وَأَعْطَاهُ الْكَلِمَةَ فَشَرَّفَهُ بِهَا فِي الآخِرَةِ. ومما مَنَّ اللهُ عليَّ بهِ قولي في هذا المعنى:

أَطْلِقْ لسانيَ بالتمجيدِ منك ندًى ……… وامْنُنْ عليَّ بحمدِ العارِفِ الأرِبِ فالحمدُ والشُكْرُ نُعمى من سابغةٌ ……….. لم يُؤْتَها غيرُ أهلِ الفضلِ والأَدَبِ

رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رضي اللهُ تعالى عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَدَّثَهُمْ: ((أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ قَالَ يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ. فَعَضَلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالا يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا قَالَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ ـ مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالا يَا رَبُّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ: “يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ”. فَقَالَ اللهُ لَهُمَا: اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزَيهُ بِهَا)). قَولَُهُ، أَعْضَلَ الأَمْرُ: أي اشْتَدَّ وَاسْتَغْلَقَ، وَالْمُعَضِّلاتُ “بِتَشْدِيدِ الضَّادِ”: الشَّدَائِدُ. وَعَضَّلَتِ الْمَرْأَةُ وَالشَّاةُ: إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فَلَمْ يَسْهُلْ مَخْرَجُهُ، بِتَشْدِيدِ الضَّادِ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: أَعْضَلَتِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ عَضَّلَتِ الْمُلْكَيْنِ بِغَيْرِ بَاءٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وروى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ ـ أَوْ تَمْلأُ ـ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)). والطُّهورُ “بالضمِّ”: التطَهُّرُ، والطَّهورُ: “بالفتح” الطاهر، وماءُ الوُضوءِ.

ولم يَذْكُرْ ـ سبحانَه ـ لحمدِهِ هنا ظَرْفاً مَكانِيّاً، ولا زَمانياً. وذَكَرَ في سُورَةِ الرُومِ أَنَّ مِنْ ظُروفِهِ المَكانِيَّةِ: السَماواتُ والأرضُ فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية: 18، وذكر في سورة القصص أنَّ مِنْ ظُروفِه الزَمانِيَّةِ: الدنيا والآخرَةِ فقال: {وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ} الآية:70. وقال في أَوَّلِ سورةِ سَبَأ: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}. ذلك لأنَّ الحمدَ هنا مطلقٌ مختَصٌّ بالذات المقدَّسةِ، وواجبٌ لها، وقد حمَدَ به ذاتَه العليَّةَ قبلَ أنْ يَخلُقُ زماناً ولا مكاناً، واللهُ أعلمُ بمرادِهِ.

واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهمَا أَفْضَلُ، قَوْلُ الْعَبْدِ : “الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ قَوْلُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ من أهل العلمِ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفْضَلُ، لأَنَّ فِي ضِمْنِهِ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَفِي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وَحَمْدٌ، وَفِي قَوْلِهِ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ تَوْحِيدٌ فَقَطْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ أَفْضَلُ، لأَنَّهَا تَدْفَعُ الْكُفْرَ وَالإِشْرَاكَ، وَعَلَيْهَا يُقَاتَلُ الْخَلْقُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)). وَالْحَاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له)).

وأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ مَحْمُودٌ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ، وَأَنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ على عبادِهِ الإِيمَانَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ. فَهُوَ ـ سُبْحَانَهُ ـ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ بِأَجْمَعِهِ إِذْ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلا. وَقَدْ جُمِعَ لَفْظُ الْحَمْدِ جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ……………. بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِي

تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ. والمُحَمَّدُ: الذي كثُرتْ خِصالُهُ الْمَحْمُودَةُ. قَالَ الأعشى:

إِليكَ ـ أَبَيْتَ اللَّعْنَ ـ كانَ كَلالُها ….. إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ

وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ ـ رضيَ اللهُ عنه:

فَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ……………… فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ

وَالْمَحْمَدَةُ: خِلافُ الْمَذَمَّةِ. وَأَحْمَدَ الرَّجُلُ: صَارَ أَمْرُهُ إِلَى الْحَمْدِ. وَأَحْمَدْتُهُ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، تَقُولُ: أَتَيْتُ مَوْضِعَ كَذَا فَأَحْمَدْتُهُ، أَيْ أَلفيْتُهُ مَحْمُودًا مُوَافِقًا، وَذَلِكَ إِذَا رَضِيتَ سُكْنَاهُ أَوْ مَرْعَاهُ. وَرَجُلٌ حُمَدَةٌ مِثْلُ هُمَزَةٍ يُكْثِرُ حَمْدَ الأَشْيَاءِ، وَيَقُولُ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا. وَحَمَدَةُ النَّارِ بِالتَّحْرِيكِ: صَوْتُ الْتِهَابِهَا.

وذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ هذا منهما بِمَرْضِيٍّ. وَحَكَاهُ أيضاً أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ “الْحَقَائِقِ” لَهُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: مَعْنَاهُ الشُّكْرُ للهِ، إِذْ كَانَ مِنْهُ الامْتِنَانُ عَلَى تَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ حَتَّى حَمِدْنَاهُ. واسْتَدَلَّ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الْحَمْدُ للهِ شُكْرًا. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلَى خِلافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، لأَنَّ قَوْلَكَ شُكْرًا، إِنَّما خَصَصْتَ بِهِ الْحَمْدَ، لأَنَّهُ عَلَى نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ مِنَ الحمْدِ، لأنَّهُ باللِّسانِ وبالجَوارِحِ وَالْقَلْبِ، وَالْحَمْدُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً. وقد تقدَّم. وَقِيلَ: الْحَمْدُ أَعَمُّ، لأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الشُّكْرِ وَمَعْنَى الْمَدْحِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لأَنَّ الْحَمْدَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الشُّكْرِ وَلا يُوضَعُ الشُّكْرُ مَوْضِعَ الْحَمْدِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ للهِ. وَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. سورة المؤمنون، آية: 28. وَقَالَ على لسانِ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ}. سورة إبراهيم، آية: 39.

وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: {وَقالا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}. سورة النمل، آية: 15. وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}. سورة الإسْراء، آية: 111. وَقَالَ على لسانِ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}. سورة فاطر، آية: 34. وقال في سورة يونُس: {وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ}. الآية: 10. فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ.

والصَّحِيحُ أَنَّ الْحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِصِفَاتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ إِحْسَانٍ، وَالشُّكْرَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَشْكُورِ بِمَا أَوْلَى مِنَ الإِحْسَانِ. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالوا: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، لأَنَّ الْحَمْدَ يَقَعُ عَلَى الثَّنَاءِ وَعَلَى التَّحْمِيدِ وَعَلَى الشُّكْرِ، وَالْجَزَاءُ مَخْصُوصٌ إِنَّمَا يَكُونُ مُكَافَأَةً لِمَنْ أَوْلاكَ مَعْرُوفًا، فَصَارَ الْحَمْدُ أَعَمَّ فِي الآيَةِ لأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الشُّكْرِ..

وَيُذْكَرُ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الرِّضَا فيُقال: بَلَوْتُه فحَمَدْتُه، أيْ رَضيتُه. ومنه قوله تَعَالَى في سورةِ الإسراءِ: {عسى أن يبعثك ربُّك مَقامًا مَحْمُودًا}، آية: 79. ومن ذلك ما رواه ابنُ شيبة في مصنَّفه قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحْمَدُ إلَيْكُمْ غَسْلَ الإِحْلِيلِ. أَيْ أَرْضَاهُ لَكُمْ. مصنف ابن أبي شيبة – (1 / 54). وَيُذْكَرُ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ فِي قَوْلِهِ: “الْحَمْدُ للهِ“: مَنْ حَمِدَهُ بِصِفَاتِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ حَمِدَ، لأنَّ الحمدَ حاءٌ وَمِيمٌ وَدَالٌ، فَالْحَاءُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْمِيمُ مِنَ الْمُلْكِ، وَالدَّالُ مِنَ الدَّيْمُومِيَّةِ، فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالدَّيْمُومِيَّةِ وَالْمُلْكِ فَقَدْ عَرَفَهُ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْحَمْدُ للهِ.

وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ البلخي فِي تَفْسِير “الْحَمْدُ للهِ” قَالَ: هُوَ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا إِذَا أَعْطَاكَ اللهُ شَيْئًا تَعْرِفُ مَنْ أَعْطَاكَ. وَالثَّانِي أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ. وَالثَّالِثُ مَا دَامَتْ قُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ أَلاَّ تَعصيَه، فهذهِ شَرائطُ الحَمْدِ.

وقد أَثْنَى اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بِالْحَمْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِحَمْدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، بَلْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ ـ فَقَالَ في سورة النجم: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى}، الآية: 32. وَقَالَ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ ـ فيما رواه أحمد في مسنَدِه عن المقداد بنِ الأسود، قال: ((احْثُوَا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ)) قَالَ الزُّبَيْرُ أَمَّا الْمِقْدَادُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْه. مسند الصحابة في الكتب التسعة: (44/64).

فَمَعْنَى “الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ” أَيْ سَبَقَ الْحَمْدُ مِنِّي لِنَفْسِي أَنْ يَحْمَدَنِي أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَحَمْدِي نَفْسِي لِنَفْسِي فِي الأَزَلِ لَمْ يَكُنْ بِعِلَّةٍ، وَحَمْدِي الْخَلْقَ مَشُوبٌ بِالْعِلَلِ. قَالَ عُلَمَاءُ المالكيَّةِ: فَيُسْتَقْبَحُ مِنَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَمْ يُعْطَ الْكَمَالَ أَنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ لِيَسْتَجْلِبَ لَهَا الْمَنَافِعَ وَيَدْفَعَ عَنْهَا الْمَضَارَّ. وَقِيلَ: لَمَّا عَلِمَ ـ سُبْحَانَهُ ـ عَجْزَ عِبَادِهِ عَنْ حَمْدِهِ، فحَمِدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فِي الأَزَلِ، فَاسْتِفْرَاغُ طَوْقِ عِبَادِهِ هُوَ مَحَلُّ الْعَجْزِ عِنْ حَمْدِهِ. أَلا تَرَى كَيْفَ أَظْهَرَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ الْعَجْزَ بِقَوْلِهِ: ((لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ)). وَأَنْشَدُوا لأبي نُواس الحسنِ بْنِ هانئ:

إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِحٍ ………….. فَأَنْتَ كَمَا نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي

هذا البيت من قصيدةٍ لَهُ قالَها في مدحِ الخليفة العباسي “الأَمين” ومنها:

ملكْتَ على طير السعادة واليُمنِ ……….. وجاءت لك العلياءُ مُقْتَبِلَ السِّنِّ

بمحيا وجود الدّين تحيا مهنأ ……………. بحسن وإحسان مع اليُمْن والأمْن

لقد طابتِ الدنيا بطيبِ ثنائِه …………… وزادت به الأيامُ حُسْناً إلى حُسْن

لقد فكَّ أرقاب العُفاة محمدٌ …………. وأسكن أهل الخوف في كَنَفِ الأمْنِ

إذا نحْنُ أثْنَينا عليكَ بصالحٍ …………….. فأَنتَ كما نُثني وفوق الذي نثْني

وإن جَرَت الألفاظُ يوماً بِمِدْحَةٍ …………… لغيركَ إنساناً فأنْتَ الذي نَعْني

وَقِيلَ: حَمِدَ نَفْسَهُ فِي الأَزَلِ لِمَا عَلِمَ مِنْ كَثْرَةِ نِعَمِهِ على عِبادِهِ وعجزِهم عن الْقِيَامِ بِوَاجِبِ حَمْدِهِ فَحَمِدَ نَفْسَهُ عَنْهُمْ، لِتَكُونَ النعمةُ أهنأَ لديهم، حيثُ أَسقَطَ عنهم بِهِ ثِقَلَ الْمِنَّةِ.

وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى رَفْعِ الدَّالِ مِنَ {الْحَمْدُ للهِ}. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: {الْحَمْدَ للهِ} بِنَصَبِ الدَّالِ، وَهَذَا عَلَى إِضْمَارِ فَعِلَ. وَيُقَالُ: “الْحَمْدُ للهِ” بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَسَبِيلُ الْخَبَرِ أَنْ يُفِيدَ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ الْحَمْدُ للهِ بِالرَّفْعِ فَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مِثْلُ مَا فِي قَوْلِكَ: حَمِدْتُ اللهَ حَمْدًا، إِلاَّ أَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ للهِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْحَمْدَ يُخْبِرُ أَنَّ الْحَمْدَ مِنْهُ وَحْدَهُ للهِ. وَقَالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ. إِنَّمَا يُتَكَلَّمُ بِهَذَا تَعَرُّضًا لِعَفْوِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَتَمْجِيدًا، فَهُوَ خِلافُ مَعْنَى الْخَبَرُ وَفِيهِ مَعْنَى السُّؤَالِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ((مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ)). وَقِيلَ: إِنَّ مَدْحَهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ عِبَادَهُ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: قُولُوا الْحَمْدُ للهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: {الْحَمْدُ للهِ} ثَنَاءٌ أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قولواالحمدُ لله” وعلى هذا يَجيء قُولُوا إِيَّاكَ. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْعَرَبِ مَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلامِ عَلَيْهِ، كَمَا أنشدَ شاعِرٌ من بني عامرٍ:

وَأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا ……………………. إِذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ

فَقَالَ السَّائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُمْ …………………… فَقَالَ الْقَائِلُونَ لَهُمْ وَزِيرُ

والنواعج جمعُ ناعِجة: وهي الإبلُ السِراعُ، ونَعجتْ في سَيرِها، أي سارت في كلِّ وجهٍ مِنْ نَشاطِها، والْمَعْنَى: الْمَحْفُورُ لَهُ وَزِيرٌ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ظَاهِرِ الْكَلامِ عَلَيْهِ، وَمثلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ: {الْحَمْدُ للهِ} بِضَمِّ الدَّالِ وَاللاَّمِ عَلَى إِتْبَاعِ الثَّانِي الأَوَّلَ، وَلِيَتَجَانَسَ اللَّفْظُ، وَطَلَبُ التَّجَانُسِ فِي اللَّفْظِ كَثِيرٌ فِي كَلامِهِمْ، نَحْوَ: “أنا أُجُوؤُك وأُنْبُؤُك، يريد: “أنا أُجِيئُك وأُنْبِئُك” فقلب الياءَ من “أُجْيِئُك” واواً لأنَّه ضَمَّ الجيمَ لِضَمَّةِ الهمزةِ. قَالَ من الطويل:

……………………………………….. اضْرِبِ السَّاقَيْنُ أُمُّكَ هَابِلُ

بِضَمِّ النُّونِ لأَجْلِ ضَمِّ الْهَمْزَةِ. وروي: “الساقينِ إِمُّكَ” بكسرِ الهمزةِ إتباعًا للنون، وأُمُّكَ هابلٌ أي ثاكلٌ. وَفِي قِرَاءَةٍ لأَهْلِ مَكَّةَ “مُرُدِفِينَ” بِضَمِّ الرَّاءِ إِتْبَاعًا لِلْمِيمِ، وَعَلَى ذَلِكَ “مُقُتِّلِينَ” بِضَمِّ الْقَافِ. وَقَالُوا: لإِمِّكَ، فَكَسَرُوا الْهَمْزَةَ إِتْبَاعًا للامِ، وَأُنْشِدَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ:

وَيَلِ امِّهَا فِي هَوَاءِ الْجَوِّ طَالِبَةً ………. وَلا كَهَذَا الَّذِي فِي الأَرْضِ مَطْلُوبُ

فقد وصف عُقابًا تتبّعَ ذئبًا لتَصَيُّدِهِ. ونَسَب سيبويه هذا البيت في كتابه مرَّةً

للنُّعمانِ وأُخرى لامْرِئ القيس. ونسبَه البَغدادي في خِزانةِ الأِدِبِ الشاهد: 266. لامرئ القيسِ أيضًا. وقد وَرَدَ في ديوانِه:

……………………………………. لا كالذي في هواءِ الجوِّ مَطلوبُ

والأَصْلُ: وَيْلٌ لأُمِّهَا، فَحُذِفَتِ اللامُ الأُولَى وَاسْتُثْقِلَ ضَمُّ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ فَنَقَلَهَا للامِ ثُمَّ أَتْبَعَ اللامَ الْمِيمَ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: {الْحَمْدِ للهِ} بِكَسْرِ الدَّالِّ عَلَى اتْبَاعِ الأَوَّلِ الثَّانِيَ.

قولُهُ تعالى: {الحمدُ للهِ} بضمِّ الدالِ على الابْتداءِ، وخَبرُهُ فيما بعدَه. وقيل: على التقديمِ والتأخيرِ، أي للهِ الحمدُ، وإذا وقع الجارُّ والمجرورُ والظرفُ صلةً أو صفةً أو حالاً أو خبراً تعلَّقا بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَه اسْمًا وهو المُختارُ، وإنْ شئتَ قدَّرْتَه فِعْلاً، أيْ: الحمدُ مستقرٌّ للهِ أو اسْتَقرَّ لله. وهو وإنْ ابتدأتَه ففيه معنى المَنْصوبِ ـ كما قال سيبويْهِ ـ وهو بَدَلٌ مِنَ اللفظِ بقولِكَ: أحمَدُ الله. فكثيراً ما تقولُ العربُ: التُرابُ لكَ والعُجْبُ لكَ، فتَفسيرُ نَصبِ هذا كَتَفْسيرِهِ حيثُ كانَ نَكِرَةً، كأنَّك قلتَ: حمْداً وعَجَباً، ثمَّ جِئْتَ بِ لَكَ لِتُبَيِّنَ مَنْ تَعني ولم تجعلْهُ مَبْنِيّاً عَلَيْهِ فتَبْتَدئهُ، وقيل: بِنَصْبِ الدّالِ على الإضْمارِ، أيْ أحمَدُ الحَمْدَ؛ لأنَّ الحمدَ مصدرٌ لا يُثَنَّى ولا يُجمع. و لله” على قراءةِ النصبِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ لا بالمَصدرِ لأنَّها للبَيان، تقديرُه: أَعْنِي “للهِ” ولذلك فقراءةُ الرَّفعِ أَمْكَنُ وأَبْلَغُ من قراءةِ النَّصبِ ومِن قراءةِ الكَسرِ، لأنَّ الرفعَ في بابِ المَصادر التي أصلُها النيابةُ عن أفعالِها، يَدُلُّ على الثُبوتِ والاسْتِقرارِ، بِخلافِ النَّصبِ فإنَّه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحُدوثِ.

وقُرئ أَيْضًا بكسرِ الدالِ، ووجهُه أنَّها حركةُ إتباعٍ لِكَسرةِ لامِ الجَرِّ

بعدَها، وهي لغةُ تميمٍ وبعضِ غَطَفانَ، يُتْبِعُون الأوَّلَ للثاني للتَجانُسِ.

وقُرئ أيضاً: “لُلَّهِ” بضمِّ لامِ الجرِّ، وهي إتْباعٌ لحركة الدالِ، وقد فضَّلها

الزَّمخشريُّ على قراءةِ كسرِ الدالِ مُتَعَلِّلاً لذلك بأنَّ إتْباعَ حَرَكَةِ البِناءِ لِحَرَكَةِ الإِعْرابِ أَحْسَنُ مِنَ العكسِ وهي لُغةُ بعضِ قيْسٍ.

و “لله” قيلَ إنَّ اللامَ ـ حرفُ جرِّ للاستحقاقِ أي الحمدُ مستحقٌّ لله، ولَها معانٍ أُخَرُ، منها المُلْكُ، نحو: المالُ لِزيدٍ، ومنها التَمليكُ: نحو قولِهِ تَعَالى في سورة النَّحلِ: {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَة} الآية: 72. ومنها النَسَبُ، نحو: لزيدٍ عَمُّ. ومنها التعليلُ، نحو قولِه تعالى في سورة النساء: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} الآية: 105، ومنها التبليغُ، نحوَ: قلتُ لك كذا وكذا، ومنها التَعَجُّبِ، ويكون في القَسَمِ خاصَّةً، كقولِ الشاعر عبد مَناةَ الهذلي:

للهِ يَبْقى على الأيام ذو حِيَدٍ …………………. بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ

ومنها التَّبيينُ نحو قوله تعالى في سورة يوسف: {هَيْتَ لَكَ} الآية: 23. ومها الصيرورةُ نحو قولِهِ تعالى في سورة القصص: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} الآية: 8. ومنها الظرفيَّةُ: إمَّا بمعنى “في”، كقولِه تعالى في سورة الأنبياء: {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامةِ} الآية: 47. أو بمعنى عِنْدَ، كقولهم: كتبتُ الكتابَ لِخَمْسٍ مِنَ الحُضورِ، أيْ عندَ خمسٍ. أو بمعنى بَعْدَ، كقولِه تعالى في سورة الإسراء: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الآية: 78. أي: بعد دُلُوكِها. أو الانتهاءُ، كقولِه تعالى في سورة الرعد: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مسمّى} الآية: 2. وتكون للاستعلاءُ نحو قولِه تعالى في سورة الإسراء: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}. الآية: 107. أيْ على الأذقان. وزَعَمَ السهيلي وأبو بكرٍ ابن العربي أَنَّ “أل” في الله مِنْ نَفْسِ الكلمة، ووُصَلَتِ الهمزةُ لِكَثْرَةِ الاسْتِعمالِ، وهو اختيارُ ، وهو خطأ، لأنَّ وَزْنَهُ إذْ ذاك يَكونُ فَعالاً، وامتناعُ تَنْوينِه لا مُوجِبَ لَهُ، فدلَّ على أَنَّ “أل” حرفٌ داخلٌ على الكَلِمةِ سَقَطَ

لأجْلِها التَنوينُ.

ذكرَ الإمامُ السُيُوطِيُّ نَقلاً عن الشيخِ بهاءِ الدينِ أنَّه قال اتَّفقوا على أنَّ في قولِه: “للهِ: الْتِفاتًا واحدًا وفيه نَظَرٌ لأنَّ الزَّمخشرِيَّ ومَنْ تابَعَه على أنَّ الالْتِفاتَ خِلافُ الظاهرِ مُطلَقًا، فإنْ كان التقديرُ: قُولوا: “الحمدُ للهِ، ففي الكلامِ المأمورِ بِه التِفاتان، أحدُهما في لَفظِ الجَلالَةِ وأصلُه الحمدُ لكَ لأنَّه تعالى حاضرٌ، والثاني في {إِيَّاكَ} لِمَجيئه على خِلافِ أُسلوبِ ما قبلَه، وإنْ لم يُقدَّرْ كان فيالحمدُ للهالتفاتٌ مِنَ التَكَلُّمِ إلى الغَيْبةِ لأنَّه تعالى حَمِدَ نفسَه. و”رَبِّ الْعالَمِينَ” مَالِكُهُمْ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا فَهُوَ رَبُّهُ، فَالرَّبُّ: الْمَالِكُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالرَّبُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَلا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ إِلاَّ بِالإِضَافَةِ، فنقول: رَبُّ البيت، وربُّ الأسرة، وهكذا..، وَقَدْ قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يو …………….. مِ الحيارين والبلاءُ بلاءُ

الحياران: مَوضِعٌ غَزا أهلَه المنذرُ بنُ ماءِ السماءِ.

والرَّبُّ أيضاً: السَّيِّدُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى على لسان نبيِّهِ يُوسُفَ ـ عليه السلامُ ـ مخاطباً سجيناً كان معه، وصدر الأمرُ بخروجه من السجن: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} الآية: 42. يقصدُ سَيِّدَه ومليكَه. وَفِي الْحَدِيثِ الشريف الذي ذَكرَ فيه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ بعضَ أَشْراطِ الساعةِ، يقولُ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا)). أَيْ سَيِّدَتَهَا. وهذا جزْءٌ مِنْ حديثٍ مُطوَّلٍ، رواهُ الشيخان وغيرُهما، عن سيِّدِنا عمرَ ـ رضيَ اللهُ عنه ـ والذي أوَّلُه: (بينما نحن جلوسٌ عند رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ إذا طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثِيابِ شديدُ سوادِ

الشَعْر….إلخ.

وَالرَّبُّ: الْمُصْلِحُ وَالْمُدَبِّرُ وَالْجَابِرُ وَالْقَائِمُ. قَالَ الْهَرَوِيُّ وغيرُه: يُقالُ لِمَن قامَ بإصلاحِ شيْءٍ وَإِتْمامِهِ: قَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ فَهُوَ رَبٌّ لَهُ وَرَابٌّ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّبَّانِيُّونَ لِقِيَامِهِمْ بِالْكُتُبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ)). أَيْ تَقُومُ بِهَا وَتُصْلِحُها، وهذا جزءٌ من حديث أخرجه مسلمٌ وغيرُه عن سَيِّدِنا رسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ قال: ((زارَ رَجُلٌ أَخاً لهُ في قَرْيَةٍ، فأَرْصَدَ اللهُ لَهُ مَلَكاً على مَدْرَجَتِهِ فقال: أَيْنَ تُريدُ؟ فقال: أُريدُ أَخاً لي في هذه القريةِ. قالَ: هل لَّك مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّها عَليْهِ؟ قالَ: لا، غيرَ أَنّي أَحبَبْتُهُ في اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ. قالَ: فإني رَسولُ اللهِ إليك بأنَّ اللهَ قدْ أَحَبَّكَ كما أَحْبَبْتَهُ فِيه)). وَالرَّبُّ: الْمَعْبُودُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ غَاوِي بنُ ظَالمٍ السُّلَمِيُّ:

أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ ………… لَقَدْ ذُلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ

وقِيلَ هو لأَبُي ذَرَ الغِفَارِيِّ وقيل: للعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِي. وَيُقَالُ عَلَى التَّكْثِيرِ: رَبَّاهُ وَرَبَّبَهُ وَرَبَّتَهُ. وَرَبَّ فُلانٌ وَلَدَهُ يَرُبُّهُ رَبًّا وَرَبَّبَهُ وَتَرَبَّبَهُ بِمَعْنى أَيْ رَبَّاهُ. وَالْمَرْبُوبُ “الْمُرَبَّى”.

وكأن سائلاً سأله حين قال “الحمدُ لله” لمَ اخْتَصَصْتَ بالحمدِ؟ فقال: لأني رَبُّ العالمين، أَنَا أَوْجَدْتُهم بِرَحمتي، وأَمْدَدْتُهم بِنِعْمَتي، فلاَ مُنْعِم غيري، فاسْتَحْقَقْتُ الحَمْدَ وَحْدِي، مِنِّي كان الإيجادُ وعَليَّ تَوالي الإِمْدَاد، فأَنَا رَبُّ العِبادِ، فالعَوالِمُ كُلُّها ـ على تَعَدُّدَ أَجْناسِها واخْتِلافِ أَنْواعِها ـ في قَبْضَتي وتحتَ تَرْبِيَتي و رِعايتي.

وقد أشارَ ـ سبحانَه وتعالى ـ بقوله: {رَبّ العالمين} إلى حضرةِ الرُّبوبِيَّةِ التي هي مَقامُ العارفين، وهي اسمٌ للمَرتَبَةِ المُقْتَضِيَةِ للأسماءِ التي تَطلُبُ الموجوداتِ، فدَخَلَ تحتَها العَليمُ والسَّميعُ والبَصيرُ والقَيُّومُ والمُريدُ والمَلِكُ وما أَشبَهَ ذلك، لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن هذه الأسماءِ والصفاتِ يَطْلُبُ ما يَقعُ عليه، فالعليمُ يقتضي معلومًا والقادرُ مقدورًا والمُريدُ مُرادًا إلى غيرِ ذلك، والأسماءُ التي تحتَ اسمِ الرَبِّ هي الأسماءُ المُشْتَرَكَةُ بيْن الحَقِّ والخَلْقِ، والأسْماءُ المُختَصَّةُ بالخَلْقِ اختِصاصًا تأثيريّاً. فمِن القِسْمِ الأوّلِ: العليمُ ـ مثلاً ـ فإنَّ لهُ وجهيْن، وجهٌ يَختَصُّ بالجَنابِ الإلهيِّ، ومنه يُقال: يَعلَمُ نفسَه ووجْهٌ يَنظُر إلى المَخلوقات، ومنه يُقالُ: يَعلَمُ غيرَه. ومن القِسْم الثاني: الخالقُ ونحوه مِن الأَسماءِ الفِعْلِيَّةِ، فلَه وجْهٌ واحدٌ، ومنه يُقال: خالقٌ للمَوجوداتِ، ولا يُقالُ: خالقٌ لِنَفْسِه، تعالى عن ذلك. وهذا القسمُ مِنَ الأسماءِ تحتَ اسمِهِ المَلِك، ومنه يَظهَرُ الفرقُ بينَه وبيْن الرَبِّ، وأمَّا الفرقُ بيْن الرَّبِّ والرَّحمنِ فهو أَنَّ الرحمنَ عندَهم اسمٌ لمَرْتَبَةٍ اختصَّتْ بِجميعِ الأَوصافِ العَلِيَّةِ الإلهيَّةِ، سواءً انْفردتِ الذاتُ بِه كالعَظيمِ والفَرْدِ، أو حصَلَ الاشْتِراكُ أو الاختِصاصُ بالخَلْقِ كالقِسْميْنِ المُتَقَدِّميْن، فهو أكثرُ شُمُولاً مِن الرَبِّ. ومِن مَرتَبَةِ الرُبوبيّةِ يَنظُرُ الرحمنُ إلى المَوجودات. وأَمَّا اسْمُه تعالى: “اللهُ” فهو اسمٌ لمَرْتَبَةٍ ذاتيَّةٍ جامعةٍ وفَلَكٍ مُحيطٍ بالحَقائقِ وهو مُشيرٌ إلى الأُلوهيَّةِ التي هي أعلى المَراتِبِ وهي التي تُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتحتَها الأَحديَّةُ، وتحتَها الواحِديَّةُ، وتحتَها الرحمانيَّةُ، وتحتَها الرُبوبيَّةُ، وتحتَها المُلْكيَّةُ. ولهذا كان اسْمُه “اللهُ” أعلى الأسماءِ وأعلى من اسْمِهِ الأحدُ، فالأَحَديَّةُ أَخَصُّ مَظاهِرِ الذاتِ لنَفْسِها، والأُلُوهيَّةُ أَفضَلُ مَظاهِرِ الذاتِ لنَفْسِها ولِغيرِها، ومِن ثَمَّ مُنِعَ أهلُ اللهِ تَجَلِيَ الأَحَدِيَّةِ ولَمْ يُمْنَعوا تَجَلِيَ الأُلوهِيَّةِ، لأَنَّ الأَحَدِيَّةَ ذاتٌ مَحْضٌ لا ظُهُورَ لِصِفَةٍ فيها، فضلاً عن أنْ يَظهَرَ فيها مَخْلوقٌ، فما هي إلاَّ للقديمِ القائمِ بذاته.

ومن هنا يُعْلَمُ سِرُّ كَثْرَةِ افتِتاحِ العَبدِ دُعاءَه ب “يا ربُّ، يا ربّ” معَ أنَّهُ تعالى ما عَيَّنَ هذا الاسمَ الكريمَ في الدُّعاءِ ونَفى ما سِواهُ، بَلْ قال: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرحمنَ} الإسْراء، الآية: 110. وقال: {وَللهِ الأسْماءُ الحُسْنَى فادْعوهُ بِهَا}. سورة الأعراف، الآية: 180 والسببُ عندَ عُلَماءِ الظاهِرِ أَنَّ الداعيَ لا يَطلُبُ إلا ما يَظُنُّه صَلاحاً لِحالِه وتَرْبيَةً لِنَفسِهِ، فناسَبَ أَنْ يَدْعوهُ بِهذا الاسْمِ “رَبّ” ونِداءُ المُربِّي في الشاهدِ بِوصْفِ التربيةِ أقرب ُلِدَرِّ ثَدْيِ الإجابةِ وأَقوى لِتحريكِ عِرْقِ الرَّحمَةِ. أَمَّا عندَ ساداتِنا الصُوفِيَّةِ ـ قَدَّسَ اللهُ تعالى أسرارَهم ـ فيَختلِفُ الكلامُ باختِلافِ المَقامِ فَرْقًا وجَمْعًا، فالأَرْواحُ أَوَّلَ ما شُنِّفَتْ آذانُها وعُطِّرَتْ أَرْدانُها بسَماعِ وصْفِ الرُّبوبِيَّةِ كما يُشعِرُ بذلك قولُه تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ: بلى}. سورة الأَعراف، الآية: 172. فهم يُنادونَه ـ سُبحانَه ـ بأوَّلِ اسْمٍ قَرَّرَهم بِه فأقَرُّوا، وأخَذَ به عليهِمُ العهدَ فاسْتقاموا واسْتقَرّوا، فهو حبيبُهم الأوَّلُ ومَفْزَعُهم إذا أَشْكلَ الأمرُ وأَعْضَلَ يُرَدِّدون مَعَ الإمامِ الغَزالي:

تركت هوى سُعدى وليلى بمعزِلِ …. وعدتُ إلى مصحوبِ أَوَّلِ مَنْزِلِ

ونادتْنيَ الأهواءُ مَهْلاً فهذِهِ ………… مَنازلُ مَنْ تَهوى رُويدَك فانْزِلِ

وقريبٌ من هذا ما ذَكَرَهُ الشيْخُ الأَكْبَر قُدِّسَ سِرُّهُ الأََنْورُ، ممّا حاصِلُه أَنَّ اللهَ تعالى لَمَّا أَوْجَدَ الكَلِمةَ المُعبَّرَ عنْها بالرُّوحِ الكُلِّيِّ إيجادَ إبْداعٍ وأَعْماهُ عن رُؤْيَةِ نَفسِه فبَقِيَ لا يَعرِفُ مِنْ أينَ صَدَرَ ولا كيف

صَدَرَ، فَحَرَّكَ هِمَّتَه لِطَلَبِ ما عندَه ـ سبحانَه ـ ولا يَدري أَنَّه عِنْدَهُ:

قدْ يَرحَلُ المَرْءُ لِمَطلوبِه ……………. والسَّبَبُ المَطلوبُ في الرَّاحِلِ

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَريدِ} سورة (ق)، الآية: 61. فأخذَ في الرِّحلةِ بِهِمَّتِه فأَشْهَدَهُ الحَقُّ ذاتَه فعَلِمَ ما أَوْدَعَ اللهُ تعالى فيه مِن الأَسْرارِ والحِكَمِ وتَحقَّقَ عندَه حُدوثُه، وعَرَفَ ذاتَه مَعرِفَةً إِحاطِيَّةً، فكانت تِلك المَعْرِفةُ غذاءً مُعينًا يَتَقوَّتُ به وتَدومُ حياتُه، فقال لهُ عندَ ذلك التَّجَلِّي الأَقْدَسِ: ما اسْمِي عندَك؟ فقال أَنْتَ رَبِّي، فلم يَعرِفْه إلَّا في حضْرَةِ الرُّبوبِيَّةِ وتَفَرُّدِ القديمِ بالأُلُوهِيَّةِ، فإنَّه لا يَعرِفُه إلا هوَ، فقال لَه ـ سبحانَه: أَنتَ مَربوبي وأَنا رَبُّك أَعطيتُك من أَسمائِي وصِفاتي، ولا يَحصُلُ لك العِلمُ إلَّا مِنْ حيثُ الوُجودُ، ولو أُحِطْتَ عِلماً بِي لَكُنتَ أنْتَ أَنا ولَكنتُ مُحاطاً لَك، وأُمِدُّكَ بالأَسْرارِ الإلهيَّةِ وأُربِّيك بها فتَجدُها مَجعولَةً فيكَ فتَعْرِفُها، وقد حَجَبْتُك عن معرِفَةِ كيفيَّةِ إِمدادي لَكَ بِها إذْ لا طاقَةَ لكَ أَنْ تَحْمِلَ مُشاهدتَها إذْ لَو عَرَفتَها لاتَّحدَتِ الأَنيَّةُ، وأَيْن المُركَّبُ مِن البَسيطِ ولا سَبيلَ إلى قَلْبِ الحَقائقِ .. إلى آخِرِ ما قال. ويُعلَمُ منه إشارةً سِرُّ افتِتاحِ الأوصافِ في الفاتِحةِ بِ “رَبِّ العالمين”، وفيه أيضًا مُناسَبَةٌ لِحالِ البِعْثَةِ وإرْسالِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ ـ إلى مَنْ أُرسِلَ إليْه، لأنَّ ذلك أَعظمُ تَربيَةٍ للعِبادِ ورَمزٌ خَفِيٌّ إلى طلَبِ الشَّفَقَةِ والرَّأْفَةِ بالخَلْقِ كيف كانوا لأَنَّ اللهَ تعالى رَبُّهم أَجمعين.

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الاسْمَ هُوَ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ، لِكَثْرَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِينَ بِهِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي آخِرِ “آلِ عِمْرَانَ” وَسُورَةِ “إِبْرَاهِيمَ” وَغَيْرِهِمَا، وَلِمَا يُشْعِرُ به هذا الوَصفُ مِن الصِلاة بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالافْتِقَارِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ، فَاللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في سورة النساء: {وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ} الآية: 23. فَسَمَّى بِنْتَ الزَّوْجَةِ رَبِيبَةً لِتَرْبِيَةِ الزَّوْجِ لَهَا. فَعَلَى أَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِخَلْقِهِ وَمُرَبِّيِهِمْ يَكُونُ “ربّ” صِفَةَ فِعْلٍ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالسَّيِّدِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ. ومَتَى أُدْخِلَتِ الأَلِفُ وَاللامُ عَلَى “رَبِّ” اخْتصَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ، لأَنَّهَا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ حُذِفَتا مِنْهُ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُقَالُ: اللهُ رَبُّ الْعِبَادِ، وَزَيْدٌ رَبُّ الدَّارِ، فَاللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ رَبُّ الأَرْبَابِ، يَملُكُ المالِكَ والمَمْلوكَ، وهو خالقٌ ذلك كلِّهِ ورازِقُه، وَكُلُّ رَبٍّ سِوَاهُ غَيْرُ خَالِقٍ وَلا رَازِقٍ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ فَمُمَلَّكٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ومُنتَزَعٌ ذلك من يَدِه، وإنَّما يَملُك شيئًا دون شيءٍ، وَصِفَةُ اللهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، فَهَذَا الفرقُ بيْن صِفَةِ الخالِقِ والمَخلوقين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْعالَمِينَ} لم يُبَيِّنْ هُنا ما العالمَون، وبَيَّنَ ذلك في سورة الشعراء: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِين} الآيات: 24 ـ 26. واخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي “الْعالَمِينَ” اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقَالَ قَتَادَةُ، الْعَالَمُونَ: جَمْعُ عَالَمٍ، وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى، وَلا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ مِثْلَ رَهْطٍ وَقَوْمٍ. وَقالَ الحسيْنُ بنُ الفَضلِ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ، لِقولِه تَعَالَى في سورة الشعراءِ: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ} الآية: 165. أَيْ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْعَجَّاجُ:

عِندَ كريمً منهُم مُكَرَّمِ ……………………. مُعَلَّمِ آيَ الهُدى مُعَلِّمِ

مُباركٍ للأنبياءِ خاتَمِ …………………… فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَألَمِ

خِندفٌ: أُمِّ بَني إلياسَ بنِ مُضَرَ ومُدْرَكةٍ وطابِخةٍ، وتَشَعَّبت مِنهم قواعدُ العَرَبِ الكُبْرى، وذَكر العلامةُ الشَّنْقيطِيُّ أنَّ العَجَّاجَ كان يُنشدُ: العأْلَم، بالهمزِ والإسْكانِ. وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى:

تَنَصَّفُهُ الْبَرِيَّةُ وَهُوَ سَامٍ ………………. وَيُضَحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالا

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما: الْعَالَمُونَ الْجِنُّ وَالإِنْسُ، لِقَوْلِهُ تَعَالَى في سورة الفرقان: {لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً} الآية: 1. وَلَمْ يَكُنْ نَذِيرًا لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ. وَلا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ: عَالَمٌ، لأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً. قَالَ الأَعْشَى:

…………………………… مَا إِنْ سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُرْتَزِقُونَ، وَنَحْوَهُ قَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ: هُمُ الرُّوحَانِيُّونَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كُلُّ ذِي رُوحٍ دَبَّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ـ رضي اللهُ عنه: إِنَّ للهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَالَمُونَ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَرِّ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ فِي الْبَحْرِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ ابن أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْجِنُّ عَالَمٌ، وَالإِنْسُ عَالَمٌ، وَسِوَى ذَلِكَ للأَرْضِ أَرْبَعُ زَوَايَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ أَلْفٌ وَخَمْسُمِئَةِ عَالَمٍ، خَلَقَهُمْ لِعِبادتِه. وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ هَذِهِ الأَقْوَالِ، لأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَوْجُودٍ.

وقال الفخرُ الرازي: رُوِيَ أنَّ بَني آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ، وبَنُو آدَمَ والجِنُّ عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ، وهؤلاءِ كُلُّهم عُشْرُ الطُيورِ، وهؤلاءِ كلُّهُمْ عُشْرُ حَيَواناتِ البِحارِ، وهؤلاءِ كلُّهم عُشْرُ مَلائكةِ الأَرْضِ المُوَكَّلينَ بِبَني آدَمَ، وهؤلاءِ كلُّهم عُشْرُ مَلائكةِ السماءِ الدنيا، وهؤلاءِ كلُّهم عُشْرُ مَلائكةِ السّماءِ الثانيةِ، ثمَّ عَلى هذا الترتيبِ إلى مَلائكةِ السَّماءِ السابعةِ، ثمَّ الكُلُّ في مُقابَلَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَليلٌ، ثمَّ هؤلاءِ (كلُّهم) عُشْرُ مَلائكةِ السُّرَادِقِ الوَاحِدِ مِنْ سُرادِقاتِ العَرْشِ، التي عددُها: مئةُ أَلفٍ، طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ وعَرْضُهُ ـ إذا قُوبلتْ بِهِ السَماواتُ والأرْضُ وما فيهِما وما بَيْنَهُما ـ يَكونُ شَيْئاً يَسيراً ونَزْراً قَليلاً. وما مِنْ مَوْضِعِ شِبْرٍ، إلاَّ وفيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أَوْ راكعٌ أَوْ قائمٌ، ولَهُ زَجَلٌ بالتَسْبيحِ والتَهْليلِ. ثمَّ هؤلاءِ كلُّهم في مُقابَلَةِ الذينَ يَجُولُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، ولا يَعْلَمُ عَدَدَهُم إلاَّ اللهُ ـ تَعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} سورة المدَّثِّر، الآية: 31.

وقال وَهْبُ بنُ مُنّبِّهٍ: قوائمُ العَرْشِ ثلاثُمئةٍ وسِتٌّ وسِتُّونَ قائمةً، وبينَ كُلِّ قائمةٍ وقائمةٍ سِتُّونَ أَلْفَ صَحْراء، وفي كُلِّ صَحْراءَ سِتُّونَ أَلْفَ عالَم، وكُلُّ عالَمٍ قَدْرُ الثَّقليْن (الإنس والجنَّ). وما زلنا نسمعُ في كلِّ يومٍ عن علماءِ الفَلَكَ في عصرنا عن تعداد النجوم التي يكتشفون وجودها أَرْقاماً خَيالِيَّةً لا يَسْتَطيعُ عَقْلُ المَرْءِ أن يستوعبها، وهذِه النجومُ والعَوالِمُ كُلُّها في قَبْضَةِ الحَقِّ ـ سبحانَهُ وتعالى ـ وتحتَ تَرْبِيَتِه وحِفْظِهِ، يُوصِلُ المَدَدَ إلى كُلِّ واحِدٍ فيها وهو في مُسْتَقَرِّهِ ومُسْتَوْدَعِهِ، إمَّا إلى رُوحانِيَّتِهِ مِنْ قُوَّةِ العُلومِ والمَعارِفِ، وإمَّا إلى بَشَرِيَّتِهِ مِنْ قُوَّةِ الأَشْباحِ، مِنَ العَرْشِ إلى الفَرْشِ، كُلُّها مُقَدَّرَةٌ أَرْزاقُها، محْصورَةٌ آجالُها، محفوظةٌ أَشْباحُها، مَعْلوماتٌ أَماكِنُها، لا يخفى عَلَيْه شَيْءٌ منها في أرضٍ ولا في سماءٍ، وهوَ السَمِيعُ العَليمُ. قالَ ـ تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين} سورةُ هود، الآية: 6. وقال في سورة الأنعام: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الآية: 59. فتبارك اللهُ ربُّ العالمين.

وقيلَ، العالمُ: هو اسْمٌ وُضِعَ لِذَوي العِلْمِ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقلين (الإنس والجِنِّ)، وتَناوُلُه لِغيرِهم إنّما هو على سَبيلِ الاسْتِتْباعِ. وقيلَ: عُنيَ بِهِ هُنا الناسُ، فإنَّ كُلَّ واحدٍ منهم عالَمٌ، حيثً إنَّهُ يَشْتَمِلُ على نَظائِرِ مَا في العالمِ الكَبيرِ، ولِذا سَوَّى بينَ النَظَرِ فيهِما فقال في الآية: 21. من سورةِ الذاريات: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}. وإلى ذلك أشارَ أبو العبَّاس المرسي فيما ينسَب إليه من قول ـ رَضِيَ اللهُ عنْه:

يا تَائهاً في مَهْمَهٍ عَنْ سِرِّه …………… انْظُرْ تجِدْ فِيكَ الوُجُودُ بأَسْرِهِ

أنْتَ الكمَالُ طَرِيقَةً وحَقِيقَةً …………….. يا جَامِعاً سِرَّ الإلّهِ بِأَسْرِه

ثُمَّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلامَةِ، لأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُوجِدِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْعِلْمُ وَالْعَلامَةُ وَالْمَعْلَمُ: مَا دَلَّ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْعَالَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْدِ: الْحَمْدُ للهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتِمَّهَا كَمَا قَالَ اللهُ، قُلْ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَن الْعَالَمِينَ حَتَّى تُذْكَرَ مَعَ الْحَقِّ؟ قَالَ: قُلْ يَا أَخِي، فَإِنَّ الْمُحْدَثَ إِذَا قُرِنَ مَعَ الْقَدِيمِ لا يَبْقَى لَهُ أثرٌ. فالْعَالَمُونَ جُمْلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الإِيمَانُ.

رُوِيَ عَنِ الشَيْخِ أَبي الحَسَنِ الشاذِلِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قال: قرأتُ الفاتحةَ، فقلتُ: الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين. فقالَ ليَ الهاتفُ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعالى: صَدَقْتَ، فقُلْتُ: الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فقالَ: صَدَقْتَ. فَقُلْتُ: مالِكِ يومِ الدِّينِ، فقالَ: صَدَقْتَ. فلمّا قلتُ: إيَّاكَ نَعْبُدُ، قالَ: كذبتَ؛ لأنَّكَ تَعْبُدُ الكَراماتِ، قالَ: ثمَّ أَدَّبَني، وتُبْتُ للهِ تعالى. أقولُ كان ذلكَ قبلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ على شيخِهِ عبدِ السلامِ ابْنِ مَشيشٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما ـ إذِ التَّصَوُّفُ هُو مَقامُ الإحْسانِ ـ كما هو معروفٌ ـ ويَقْتَضي أَنْ يَتَذوَّقَ المؤمنُ كُلَّ هذِهِ المعاني الساميةَ ويتمَثَّلَها، وأنْ تكونَ عِبادتُهُ للهِ وَحْدَهُ خالصةً مِنْ كُلِّ شائبةٍ، بما في ذلك الكرامات لأنَّها مِنْ حُظوظِ النَّفْسِ. فانْظرْ في قلبِكَ أَخي المُسْلِمَ حينَ تقولُ: إيَّاكَ نَعبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعين وسواها من آيات الذكر الحكيم وحين تذكرُ ربَّ العالمين أو تدعوه وغير ذلك من العبادات، إلى من تتوجّه في عباداتك، ومَنْ تخاطبُ في دعائك ومناجاتك، فإذا كان قلبُك حاضراً معهُ ـ سُبحانه وتعالى ـ وحدَه، وله يقولُ إيَّاكَ نعبُدُ وإيَّاك نَستَعين خالِصاً مِنْ كُلِّ عَلاقَةٍ مَعَ سِواهُ، فهو الفَلاحُ والنجاحُ في الدنيا والآخرة، وإلاَّ فإنَّ قلبَكَ مَريضٌ لأنَّ فيه ما سِواهُ تَعالى، والله يقولُ في محكم كتابه العزيز: {يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ * إلاَّ مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليم} الآيتان: 88 و 89. من سورة الشعراء. فأنتَ حينئذٍ بحاجة إلى طبيبٍ يُزَكِّي لَكَ سِرَّكَ مما سِوى اللهِ. وهذه هي وظيفةُ الشيخِ الذي وَرِثَ هذِهِ المُهِمَّةَ بالسَنَدِ المتَّصِلِ عن سَيِّدِنا رسول اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ الذي قالَ في حَقِّهِ مَوْلاهُ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} سورة الجمعة، الآية: 2. فإنَّ من العلماءِ مَنْ اختصَّ بإرثِ الفِقْهِ أوْ غيرِهِ مِنَ عُلومِ الرِسالَةِ ووظائِفِها، ومِنْهم منْ ورث هذا الجانِبَ “التزكية” واخْتَصَّ بِتَصْفِيَةِ القلوبِ، وتَنقيةِ السَرائرِ مما سوى اللهِ، وهم الذين سَماهمُ الناسُ “الصوفيَّةِ”، وهذا هو التَصوُّفُ الذي نعرفُ، وإليه نَدْعوا الخَلْقَ، ألا وهو الإحسانُ ثالث أركانِ الدينِ الحنيف، أمَّا ما سوى ذلك فهي طُقوسٌ لا شَأْنَ لنا بها البتَّةَ.

قولُه تعالى: {الحمدُ لله ربِّ العالمين} الحمدُ مبتدأٌ مرفوعٌ في جميع القراءات المَرْوِيَّةِ، و “للهِ” اللاَّمُ حَرْفُ جَرٍّ، ومعناهُ الاسْتِحقاقُ، أيْ أَنَّ اللهَ مُسْتَحِقٌّ لجميعِ المحَامِدِ، و “اللهُ” عَلَمٌ على ذاتِ الرَبِّ ـ تباركَ وتعالى. والجارُّ والمجرورُ متعلق بالخبر الذي هو الكون والاستقرارِ العامِ. والتقديرُ: الحمدُ كائنٌ أو مستقرٌّ لله ..، كَسائِرِ المجروراتِ المُخبرِ بها وهو هُنا مِنَ المَصادِرِ التي أَتَتْ بَدَلاً عَنْ أَفعالها في مَعنى الإخْبارِ، إذ أَصْلُهُ النَّصْبُ على المَفعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ على أنَّهُ بَدَلٌ مِنْ فِعْلِهِ وتَقديرُ الكلامِ نَحْمَدُ حَمْداً للهِ، فلِذلك الْتَزموا حَذْفَ أَفعالها مَعَها. وإنَّما اسْتَحَبُّوا الرَّفعَ فيهِ لأنَّه صارَ معرفةً، وهو خَبرٌ أيْ غيرُ إنْشاءٍ فقَوِيَ في الابْتِداءِ، أيْ أنَّهُ لما كان خَبَراً، لا دُعاءً، كقولك حمداً للهِ وشكراً، وكان معرَّفاً ب “أل” تهيَّأتْ فيه أَسبابُ الابْتَداءِ لأنَّ كونَه في معنى الإخْبارِ يُهيِّئُ جانبَ المعنى للخَبريَّةِ، وكونُه معرفةً يُصَحِّحُ أنْ يَكونَ مُبْتَدأً بمنزِلَةِ “عبدُ اللهِ”، و “الرَّجُلُ”، والذي تَعلَمُ مِنَ المَعارِفِ لأنَّ الابتداءَ إنما هُوَ خَبرٌ وأَحْسَنُهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفةٌ ونَكِرَةٌ أنْ تَبْدأَ بالمعْارفِ وهو أصلُ الكلامِ. و “الْحَمْدُ للهِ” وإنِ ابْتَدَأْتَهُ ففيهِ مَعْنى المَنْصوبِ وهوَ بَدَلٌ مِنَ قولكَ: أَحْمَدُ اللهَ.

ومِنْ شأنِ بُلُغاءِ العَرَبِ أَنهم لا يَعْدِلون عَنِ الأَصْلِ إلاَّ وَهُمْ يَرْمونَ إلى غَرَضٍ عَدَلوا لأَجْلِهِ، والعُدولُ عَنِ النَّصْبِ هُنا إلى الرَّفْعِ لَيَتَأَتَّى لهم: الدَّلالَةُ على الدَّوامِ، والثَباتُ بمصيرِ الجُمْلَةِ اسميَّةً؛ والدَلالَةُ على العُمومِ المُسْتَفادِ في المَقامِ مِنْ “أَل” الجِنْسِيَّةِ، والدَلالَةُ على الاهْتِمامِ المُسْتَفادِ مِنَ التَقديمِ. وليسَ واحدٌ مِنْ هذِهِ الثلاثةِ بممكِنِ الاسْتِفادةِ لو بقيَ المَصدرُ مَنصوباً إذِ النَّصْبُ يَدُلُّ على الفِعلِ المُقَدَّرِ والمقدَّرُ كالملفوظِ فلا تَكونُ الجُملةُ اسميَّةً إذْ الاسُمُ فيها نائبٌ عنِ الفِعْلِ فهُوَ يُنادي على تقديرِ الفِعْلِ فلا يَحْصُلُ الدَّوامُ. ولأنَّه لا يَصِحُّ معهُ اعتبارُ التَقديم فلا يحصُلُ الاهْتِمامُ، ولأنَّه وإنْ صَحَّ اجْتِماعُ الأَلِفِ واللامِ مَعَ النَّصبِ كما قرئَ بذلك وهي لُغةُ تميمٍ. فالتَعريفُ حينئذٍ لا يَكونُ دالاًّ على عُمومِ المحامِدِ لأنَّهُ إنْ قُدِّرَ الفِعْلُ “أحمد” بهمزةِ المُتَكَلِّمِ فلا يَعُمُّ إلاَّ تحميداتِ المتكلِّمِ دون تحميداتِ جميعِ الناسِ، وإنْ قُدِّرَ الفِعلُ “نحمدُ” وأُريدَ بالنون جميعُ المؤمنين بقرينةِ {اهدِنا الصراطَ المُستقيم} وبقرينةِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فإنما يَعُمُّ محامِدَ المؤمنينَ، أوْ محامِدَ الموحِّدين كلَّهم، كيفَ وقدْ حمدَ أهلُ الكتابِ اللهَ تَعالى وحمدَهُ العَرَبُ في الجاهليَّةِ. قالَ أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ:

الحمد لله حمدا لا انقطاع له …………… فليس إحسانه عنا بمقطوع

أمّا إذا صارَ الحمدُ غيرَ جارٍ على فِعلٍ فإنَّهُ يَصيرُ الإخبارُ عَنْ جِنْسِ الحَمْدِ بأنَّه ثابتٌ للهِ فيَعُمُّ كلَّ حمدٍ.

وقراءةُ النَّصْبِ وإنْ كانتْ شاذَّةً إلاَّ أَنها مُجْدِيَةٌ هُنا لأنَّها دَلَّتْ على اعتبارٍ عربيٍّ في تَطَوُّرِ هذا التَركيبِ المشهور، وأنَّ بَعضَ العَرَبِ نَطَقُوا بِهِ في حالِ التَعريفِ ولم يَنْسَوا أَصْلَ المَفعوليَّةِ المطلقةِ. فقد بان أَنَّ قولَهُ “الْحَمْدُ للهِ” بالرفع أَبْلغُ مِنْ “الْحَمْدَ للهِ” بالنصبِ، وأنَّ “الْحَمْدَ للهِ” بالنَّصبِ والتَعريفِ أَبْلَغُ مِنْ “حمداً لله” بالتَنكير. وإنما كان “الْحَمْدُ للهِ” بالرَّفعِ أَبْلَغُ لأنَّه دالٌّ على الدوام والثَباتِ والاستقرارِ، ومنهُ قولُه تعالى في سورة هود: {قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} الآية: 69. فرُفِعَ السلامُ الثاني للدَّلالةِ على أَنَّ إبراهيمَ ـ عليه السلامُ ـ حيَّاهم بِتَحِيَّةٍ أَحْسَن مِنْ تحيَّتِهم.

ووجودُ لامِ تَعريفِ الجِنْسِ في قولِهِ “الْحَمْدُ” ولامِ الاخْتِصاصِ في قولِهِ “للهِ” يَسْتَلْزِمُ انحصارَ أَفْرادِ الحمدِ في التَعَلُّقِ باسْمِ اللهِ تَعالى لأنَّه إذا اخْتَصَّ الجِنسُ اخْتَصَّتِ الأَفْرادُ؛ إذْ لو تحقَّقَ فَرْدٌ مِنْ أَفرادِ الحمدِ لِغيرِ اللهِ تَعالى لَتَحَقَّقَ الجِنْسُ في ضِمْنِهِ فلا يَتِمُّ مَعنى اخْتِصاصِ الجِنْسِ المُستفادِ مِنْ لامِ الاخْتِصاصِ الداخلةِ على اسْمِ الجَلالَةِ، ثمَّ هذا الاختصاصَ اختصاصٌ ادِّعائيٌّ فهو بمنزلةِ القَصرِ الادِّعائيِّ للمُبالَغةِ.

واللامُ في قوله تعالى {للهِ} يجوزُ أنْ يَكون للاختصاصِ على أنَّه اختصاصٌ ادِّعائيٌّ كما تقدّمَ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ لامَ التَقويَةِ، قوَّتْ تَعَلُّقَ العاملِ بالمفعولِ لِضَعْفِ العامِلِ بالفَرْعيَّةِ وزادَهُ التَعريفُ باللامِ ضَعفاً لأنَّه أَبعدَ شَبَهَهُ بالأَفعالِ، ولا يَفوتُ معنى الاخْتِصاصِ لأنَّه قد اسْتُفيدَ منْ تَعريف الجُزأيْنِ.

{رَبِّ العالمين} قَرَأَ الجُمهورُ “رَبِّ” مَجرورًا على النَّعْتِ “لله” أوِ البَدَلِ منه، وقُرِئَ منصوباً، وتقديرُهُ: أَحْمَدُ “ربَّ” العالمين، وقُرئ مَرفوعًا فيكونُ خبرًا لِمُبتدأٍ محذوفٍ أيْ هو “ربُّ”. و”العالمين” خفضٌ بالإِضافةِ، علامةُ خفضِه الياءُ لجريانِه مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، وهو اسمُ جمعٍ لأنَّ واحدَه مِن غيرِ لفظِهِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ جَمْعًا لِعالَم، لأنَّ الصحيحَ في “عالَم” أنَّه يُطلَقُ على كلِّ موجودٍ سوى الباري تعالى، لاشتِقاقِه من العَلامَة بِمعنى أنَّه دالٌّ على صانِعِهِ كما أسلفْنا، وعالَمون بصيغةِ الجمعِ لا يُطلَقُ إلاَّ على العُقَلاءِ دونَ غيرِهم، فاستَحالَ أنْ يَكونَ عالَمون جمعَ عالَمٍ؛ لأنَّ الجمعَ لا يَكونُ أَخَصَّ من المُفردِ، ونُقِلَ عن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما ـ أنَّ “عالَمين” جُمعُ جمعٍ لأنَّ المُرادَ به الملائِكةُ والجِنُّ والإِنسُ. وقيل العالَمون: أَهلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ.

فيض العليم …. سورة الأعلااف، الآية: 134


وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. (134)

قولُه ـ تعالى جَدُّه: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} قال مقاتلٌ هو العذابُ الذي كان قد نزل بهم، وأخرج ابنُ مَرْدَوَيْهِ عن السيدة عائشة أمِّ المؤمنين ـ رضيَ اللهُ عنها وأرضاها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنَّه قال: ((الرجزُ: العذابُ)). وأخرج عبدٌ بْنُ حميدٍ، وابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وأبو الشَيْخِ كلُّهم عن قتادةَ أنَّه قال: الرجز: العذابُ.

ويجوز أَنْ يكونَ المرادَ بالرِّجْزِ هنا الطاعونُ، أيْ أَصابهم طاعونٌ أَلجأهم إلى التَضَرُّعِ بموسى ـ عليه السلام ـ فَطُويَ ذِكْرُهُ للإيجاز، والتقديرُ: وأرسَلْنا عليهِمُ الرِّجْزَ، ولما وَقَعَ عَلَيْهم الخ.. فقد أخرجَ عبدٌ بْنُ حميدٍ عَنْ سعيدٍ بْنِ جُبَيرٍ: “لئن كشفت عنّا الرِجْزَ” قال: هو الطاعون. وهذا الطاعونُ هو المَوَتانُ الذي حُكِيَ في الإصحاحِ الحادي عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الخُروجِ: (هكذا يَقولُ الرَّبُّ إني أَخْرُجُ نحوَ نِصْفِ اللَّيْلِ في وَسَطِ مِصْرَ فيَمُوتُ كلُّ بَكْرٍ ـ فتىً ـ في أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَكْرِ فِرعونَ الجالِسِ على كُرْسِيِّهِ إلى بَكْرِ الجاريةِ التي خَلْفَ الرَّحى، وكلُّ بَكْرِ بهيمةٍ). ثمَّ قال في الإصحاحِ الثاني عَشرَ: (فحدَثَ في نِصْفِ اللَّيلِ أنَّ الرَبَّ ضَرَبَ كلَّ بَكْرٍ في أرْضِ مِصْرَ، فقامَ فرعونُ ليلاً هو وعبيدُه وجميعُ المَصْريّين، فدَعا مُوسى وهارونَ لَيْلاً وقالَ قُوموا اخْرُجوا أَنْتُمْ وبَنُو إسرائيلَ جميعاً، واذْهَبوا اعْبُدُوا رَبَّكم، واذْهَبوا وباركوني الخ..) قيل ماتَ سبعونَ أَلَف رَجُلٍ في ذلك اليومِ مِنَ القِبْطِ خاصَّةً، ولم يُصِبْ بَني إسرائيلَ مِنْه شيءٌ.

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ قَالَ: (أَمَرَ موسى قَوْمَهُ مِنْ بني إسرائيل، فَقَالَ: لِيَذْبَحْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَبْشًا، ثُمَّ لِيُخَضِّبْ كَفَّهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ لِيَضْرِبْ عَلَى بَابِهِ، قَالَ فَقَالَتِ الْقِبْطُ: فَمَا يَعْرِفُكُمُ اللهُ إِلاَّ بِهَذِهِ الْعَلامَاتِ، قَالُوا: هَكَذَا أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: فَأَصْبَحُوا وَقَدْ طُعِنَ مِنْ قَوْمِ فرعون سَبْعُونَ أَلْفٍ ذُرًى، قَالَ: فَأَمْسُوا وَهُمْ لا يَتَدَافَنُونَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ فرعون عَنْ ذَلِكَ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بني إسرائيل، وَالرِّجْزُ: الطَّاعُونُ، قَالَ: فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَكَانَ أَوْفَاهُمْ كُلُّهُمْ فرعون، قَالَ: اذْهَبْ بِ بني إسرائيل حَيْثُ شِئْتَ). وأَخْرجَ أَبو الشَّيْخِ عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيرٍ قال: أَلقى الله الطاعونَ على آلِ فِرعَوْنَ فَشَغَلَهم بِذَلِكَ حَتّى خَرَجَ مُوسى، فقال موسى لبني إسرائيل: اجعلوا أكُفَّكُمْ في الطِّينِ والرَّمادِ، ثمَّ ضَعُوهُ على أَبوابكم كيما يجتنبكم ملكُ الموتِ. قال فرعون: أمَا يموت مِنْ عَبيدِنا أَحَدٌ؟ قالوا: لا. قال: أَليسَ هذا عَجَباً أَنَّا نُؤخَذُ ولا يُؤخَذون . . . !

قولُهُ: { قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} ليسَ قولهُم “ادْعُ لَنَا” عن إيمانٍ منهم باللهِ ورسالةِ موسى، ولكنَّهم كانوا مشركين يُجوزون تعدُّدَ الآلهةِ، واختصاصَ بعضِ الأُمَمِ، وبعضَ الأقطارِ بآلهةٍ لهم، فهم قد خامَرَهم أنْ يكونَ لموسى رَبٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرةٌ، لكثرة ما رأوا من آيات ومعجزات، وأنَّ إلهَ موسى وبني إسرائيل قد أَصابهم بكلِّ هذه المصائبِ لأنهم آذوا عَبيدَه، فقد نظروا إلى المسألة على أنها حرب بين إله بني إسرائيل وآلهتهم، لأنَّ عقيدة الشرك وتعدُّدِ الآلهةِ كانتْ متمكِّنةً من نفوسهم، بحيث لم تنفعْهم كلُّ الآيات والمعجزات، بحيث يفهموا عقيدة التوحيد، فسألوا موسى أن يكفَّ عنهم ربَّه ويَكون جزاؤهُ الإذنُ لِبني إسرائيلَ بالخروجِ من مصرَ لِيَعبُدوا ربهم. وَكانوا من قبلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَنْزِلُ بِهِمْ عَذَابٌ، يَأْتُونَ إِلَيهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَدْعُوا رَبَّهُ لِيُنْقِذَهُمْ مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ، وَأنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ ذلِكَ البَلاءَ، وَيَتَعَهَّدُونَ لَهُ بِأَنْ يُؤْمِنُوا لهُ.

ثمَّ إنَّ قولَ فرعونَ لموسى: “بما عَهِدَ عندَكَ”، أي: بما عَرَّفَكَ وأَوْدعَ عِنْدَكَ مِنَ الأَسرارِ، يدُلُّ على أنَّ حالَ موسى ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ قد انْبَهَم عليه فلم يَدْرِ أَهُوَ رسولٌ مِنَ إلهٍ غيرِ آلهةِ القِبْطِ، ف حال موسى ـ عليه السلامُ ـ قد انْبَهَم على فرعون فلم يدرِ أَهُوَ رسولٌ مِنَ إلهٍ غيرِ آلهةِ القِبْطِ، فهذِهِ عِبارةُ مُتحيِّرٍ في الأَمْرِ مُلْتَبِسَةٍ عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ.

قولُهُ: {وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وَعدوه بِأَنْ يَسْمَحُوا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَكَانَ مُوسَى يَدْعُو اللهَ رَبَّهُ ويَسْأَلُهُ في كلِّ مرةٍ كَشْفَ البَلاءِ فَيَكْشِفُهُ، فَلاَ يَلْبَثُونَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى كُفْرِهِمْ وَعِنادِهِمْ، وَيُصِرُّونَ عَلَى عَدَمِ السَّماحِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، لأنهم كانوا يستعبدونهم ويسخرونهم في أعمالهم ـ كما ذكِرَ غيرَ مرَّةٍ ـ وكان اللهُ تعالى يَعُودُ إِلَى ابتلائِهِمْ بِبَلاءٍ آخَرَ يُرْهِقُهُمْ، بعدَ كلِّ نكثٍ لهم، فَيَعُودُونَ إِلَى رَجَاءِ مُوسَى وهكذا.

قوله تعالى: {الرجزَ} التَعريفُ باللامِ هُنا للعَهْدِ أَيْ العَذابُ المَذْكورُ، وقد تقدَّمَ بيانُه.

قولُه: {ادْعُ} حُذِفَ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ الدُعاءِ لِظُهورِ المُرادِ، أَيْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِأَنْ يَكُفَّ عَنَّا العذابَ. كَما دَلَّ عَليه قولُهُ على لسانهم بعدُ: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ}.

قولُهُ: {بِمَا عَهِدَ} الظاهرُ أنَّ باءَ الجرِّ هنا تَتَعَلَّقُ بِ “ادْعُ” أيْ: ادْعُهُ بالدُعاءِ الذي عَلَّمَكَ أَنْ تَدعوهُ بِهِ، وبحقِّ ما عِنْدَكَ مِنْ عَهْدِ اللهِ وكرامتِهِ إيَّاكَ بالنبوَّةِ، أو ادعُ الله لنا متوسِّلاً إليه بعهدِهِ عِنْدَكَ، ويجوزُ أنها باءُ القَسَمِ. وجوابُه “لنؤمِنَنَّ” أي: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللهِ عِنْدَكَ. وعليه فاللامُ هي الموطِّئةُ للقسم. و “ما” مصدرية والمعنى بعهدِهِ عِنْدَكَ وهو النُبُوّةُ.

وقولُهُ: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} مُسْتَأْنَفَةٌ استئنافاً بَيانِيّاً، لأنَّ طلبَهم مِنْ مُوسى الدُعاءَ بِكَشْفِ الرِجْزِ عَنْهُمْ مَعَ سابِقِيَّةِ كُفْرِهِم بِهِ يُثيرُ تسُاؤلَ مُوسى أنْ يَقولَ: فما الجزاءُ على ذلك.

قرأ الجمهورُ: “الرِجزَ” بكسرِ الراءِ، في جميع القرآنِ، وقرأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: “الرُّجز” بِضَمِّ الراءِ في جميعِ القُرآنِ، إلاَّ أَنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ كَسَرَها في موضعين: “رِجْزِ الشَيْطان” و “والرِجْزَ فاهْجُرْ”.

الجواري الكنس


‏هل تعرف ما هي الخُنّس الجوار الكُنّس ؟!!</p>
<p>هي مكانس تكنس السماء وتنظفها !!!!</p>
<p>اكتشفت وكالة الفضاء الامريكية ناسا شيئا عجيبا فى الفضاء<br />
فهناك من ينظف الكون من الغبار الكونى والدخان<br />
الناتج عن انفجارات النجوم<br />
نعم أنها بالظبط مكانس بما تعنيه الكلمة من معنى<br />
فهى تشفط هذا الدخان والغبار الكونى<br />
تماما كالمكنسة</p>
<p>أطلقت عليها ناسا " الثقوب السوداء "<br />
"The Black Holes"<br />
نظرا لانها لا ترى فهى تماما كثقب يشفط اى غبار او دخان فى الكون<br />
وفى الحقيقة هى نوع من أنواع النجوم<br />
وهى تجرى فى السماء<br />
وتنظفها<br />
أنظروا اليها وقولوا سبحان من خلقها<br />
ولكن هناك مفاجاة<br />
فاجأت الجميع<br />
وهى ان ناسا لم تكتشف شيئا<br />
لانها فقط التقطت صورا لشىء<br />
تكلم عنه خالقه الواحد الاحد<br />
فى القران الكريم</p>
<p>فقد أتى ذكر هذه النجوم<br />
فى قوله تعالى<br />
"فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس "<br />
أقسم الملك وله مايشاء ان يقسم به<br />
ووصفها وصفا دقيقا فهى :<br />
لاترى : فهى خنس<br />
وتجرى : فهى جوار<br />
وكالمكنسة : فهى كنس</p>
<p>الجوار الكنس أكبر بعشرين مرة من الشمس<br />
وهى كمكنسة كونية عملاقة<br />
تستطيع ان تبلع الارض بما فيها<br />
فهى لها جاذبية عظيمة تجذب اى شىء يمر امامها</p>
<p>فصدق الحق "سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق "</p>
<p>انشرها لنشر عظمه الخالق سبحانه وتعالى<br />
نفعنا الله واياكم بالعلم والقرآن .‏” width=”480″ height=”387″ /></p></div>
</div>
</div>
</div>
<div class=

هل تعرف ما هي الخُنّس الجوار الكُنّس ؟!!

هي مكانس تكنس السماء وتنظفها !!!!

اكتشفت وكالة الفضاء الامريكية ناسا شيئا عجيبا فى الفضاء
فهناك من ينظف الكون من الغبار الكونى والدخان
الناتج عن انفجارات النجوم
نعم أنها بالظبط مكانس بما تعنيه الكلمة من معنى
فهى تشفط هذا الدخان والغبار الكونى
تماما كالمكنسة

أطلقت عليها ناسا ” الثقوب السوداء “
“The Black Holes”
نظرا لانها لا ترى فهى تماما كثقب يشفط اى غبار او دخان فى الكون
وفى الحقيقة هى نوع من أنواع النجوم
وهى تجرى فى السماء
وتنظفها
أنظروا اليها وقولوا سبحان من خلقها
ولكن هناك مفاجاة
فاجأت الجميع
وهى ان ناسا لم تكتشف شيئا
لانها فقط التقطت صورا لشىء
تكلم عنه خالقه الواحد الاحد
فى القران الكريم

فقد أتى ذكر هذه النجوم
فى قوله تعالى
“فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس “
أقسم الملك وله مايشاء ان يقسم به
ووصفها وصفا دقيقا فهى :
لاترى : فهى خنس
وتجرى : فهى جوار
وكالمكنسة : فهى كنس

الجوار الكنس أكبر بعشرين مرة من الشمس
وهى كمكنسة كونية عملاقة
تستطيع ان تبلع الارض بما فيها
فهى لها جاذبية عظيمة تجذب اى شىء يمر امامها

فصدق الحق “سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق “

فيض العليم …. بسم الله الرحمن الرحيم، (4)



أعيد نشر (بسم الله الرحمن الرحيم) تلبية لرغبة بعض الإخوة الكرام، لكنني سأنشرها على مراحل لتسهل مطالعتها

فيض العليم …. بسم الله الرحمن الرحيم

(4)…

وقال بعضُهم من بابِ الإشارة: كُسِرَتِ الباءُ في البَسملةِ تعليماً للتوصُّلِ إلى اللهِ تعالى والتَعَلُّقِ بأسمائِهِ بِكَسْرِ الجَنابِ والخُضوعِ، وذُلِّ العُبوديَّة، فلا يُتوصَّلُ إلى نوعٍ من أنواعِ المعرفةِ إلاَّ بنوعٍ مِنْ أنواعِ الذُلِّ والكَسْرِ، كما أَشار إلى ذلك سيّدي عُمرُ بنُ الفارضِ قَدَّسَ اللهُ
تعالى سِرَّهُ الفائضَ بقولِه:
ولو كنتَ لي مِن نُقطَةِ الباءِ خَفْضَةً ……… رُفِعْتَ إلى ما لمْ تَنَلْهُ بِحِيلَةِ
بحيثُ نَرى أنْ لا تَرى ما عَدَدْتَهُ ……….  وأَنَّ الذي أَعْدَدْتَهُ غيرُ عُدَّةِ
فإنَّ الخفضَ يُقابلُ الرفعَ فمَنْ خَفَضَهُ النظرُ إلى ذُلِّ العُبوديّةِ، رفعَه القَدَرُ إلى مُشاهدةِ عِزِّ الربوبيّةِ، ولا يُنالُ هذا الرفعُ بحيلةٍ؛ بل هو بمحضِ الموهبةِ الإلهيّةِ الجَليلةِ، ومَنْ تَنَزَّلَ لِيَرتَفِعَ فتَنَزُّلُه مَعلولٌ، وسعيُه غيرُ مقبول.
وهو أمرٌ مخصوصٌ بباءِ البَسملةِ لا يمكن أنْ يَجري في باءِ الجرِّ مُطلَقاً كما لا يَخفى، وسِرُّ ذلك أنَّ الباءَ هي المَرتبةُ الثانيةُ بالنِسْبَةِ إلى الأَلِفِ البَسيطةِ المُجرَّدةِ المُتقدِّمةِ على سائرِ المَراتِبِ، فهي إشارةٌ إلى الوُجودِ الحَقِّ، والباءُ إمَّا إشارةٌ إلى صفاتِه التي أظهرتْها نُقْطَةُ الكَونِ ولذلك لمَّا قيلَ للعارِفِ الشِبْلِيِّ أنتَ الشِبْلِيُّ؟ قال أنَا النُّقْطةُ تحتَ الباءِ، وقال سيدي الشيخُ الأَكبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ:
الباءُ للعارِفِ الشِبْلِيِّ مُعْتَبَرٌ ……………. وفي نُقَيْطَتِها للقَلْبِ مُدَّكَرُ
سِرُّ العُبودِيَّةِ العَلْياءِ مازَجَها ……….. لذاك نابَ مَنابَ الحَقِّ فاعْتَبِروا
أَليْسَ يُحذَفُ من بِسمٍ حقيقتُه …………….. لأنَّه بَدَلٌ مِنه فَذا وَزَرُ
والصفاتُ إمَّا جَمَالِيَّةٌ أو جَلالِيَّةٌ، ولِلأُولى السَبْقُ، كما يُشيرُ إليهِ حديثُ أبي هريرة ـ رضي اللهُ عنه: ((.. سبقتْ رَحمتي غَضَبي)). رواه مسلمٌ في صحيحِه وغيرُه مِنَ الأئمة. وباءُ الجَرِّ إشارةٌ إليها لأنَّها الواسِطةُ في الإضافةِ والإفاضةِ فنَاسَبَها الكَسْرُ وخَفْضُ الجَناحِ ليَتِمَّ الأَمْرُ ويَظهَرَ السِرُّ، وفي الابتداءِ بها هنا تَعجيلٌ لِلبِشارةِ ورَمْزٌ إلى أنَّ المَدارَ هو الرحمةُ كما قال ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ فيما رواه الشيخان وأحمد عَنْ السيدة عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها: ((سَدِّدوا وقاربوا وأَبْشِروا واعْلَموا أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ قالوا ولا أَنْتَ يا رسول الله؟ قال: ((ولا أَنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني اللهُ برحمتِه)).
وقد تَدَرَّجَ ـ سبحانَه وتعالى ـ بإظهارِها فرَمَزَ بالباءِ وأَشارَ باللهِ وصَرَّحَ أَتَمَّ تصريحٍ بالرحمنِ الرحيمِ. وأمَّا الإشارةُ إلى الحقيقةِ المُحمَّديَّةِ والتَّعيينِ الأوَّلِ المُشارِ إليه بقولِه ـ صلى الله عليه وسلم: ((أوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ نورَ نبيِّكَ يا جابرُ)). ولا يلتفت إلى من طعن في هذا الحديث لما له من عواضِد في معناه، منها ما رواه الترمذي والحاكم وصحَّحاه عن أبي هريرة ـ رضي اللهُ عنه ـ وهو قولُه ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((كنت نبيّاً وآدمُ بينَ الرّوحِ والجَسَدِ))، وله رواية أخرى بلفظ: ((.. وآدمُ بين الماء والطين)). ومعناه أنَّه كانَ مكتوباً عندَ اللهِ نَبِيّاً وهذا التفسير هو من تفسيرِ الحديثِ بالحديثِ فقد رَوى ابْنُ حبّان والحاكِمُ في صَحيحَيْهِما عنِ العِرباضِ بْنِ ساريةَ ـ رضي اللهُ عنه مَرْفوعاً: ((إني عندَ اللهِ لمكتوبٌ خاتم النبيين وإنَّ آدمَ لمجنْدَلٌ في طِينَتِهِ)). ويَزيدُك وُضوحاً قولُه تعالى في آخرِ سورةِ الشُورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} الآية:52. وللإمامين الجلالين في تفسيرِهما لهذه الآية: “وَكَذَلِكَ” أَيْ مِثْل إيحَائِنَا إلَى غَيْرك مِنْ الرُّسُل “أَوْحَيْنَا إلَيْك” يَا مُحَمَّد “رُوحًا” هُوَ الْقُرْآن بِهِ تَحْيَا الْقُلُوب “مِنْ أَمْرنَا” الَّذِي نُوحِيهِ إلَيْك “مَا كُنْت تَدْرِي” تَعْرِف قَبْل الْوَحْي إلَيْك “مَا الْكِتَاب” الْقُرْآن “وَلا الإِيمَان” أَيْ شَرَائِعه وَمَعَالِمه وَالنَّفْي مُعَلَّق لِلْفِعْلِ عَنْ الْعَمَل وَمَا بَعْدَه سَدَّ مَسَدّ الْمَفْعُولَيْنِ “وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ” أَيْ الرُّوح أَوْ الْكِتَاب “نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاء مِنْ عِبَادنَا وَإِنَّك لَتَهْدِي” تَدْعُو بِالْوَحْيِ إلَيْك “إلَى صِرَاط” طَرِيق “مُسْتَقِيم” دِين الإِسْلَام، وقال تعالى في سورة الأعراف: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين} الآية: 172. نقل شيخ المفسرين ابنُ جريرٍ الطَبريُّ ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية عن ابنِ عباسٍ ـ رضي اللهُ تعالى عنهما ـ أنَّ رسول اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ قال في تفسيرها: ((أَخَذَ اللهُ الميثاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بنَعْمَان ـ يعني عرفة ـ فأخرج من صلبِه كلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَها، فنَثَرهم بين يديه كالذَرِّ، ثم كَلَّمَهم قِبَلاً فقال: “ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا؟ أنْ تقولوا…” الآية، ورواهُ مرفوعاً أَحمدُ في مُسْنَدِهِ برقم: 2455، منْ طريقِ حُسَينٍ بْنِ محمَّدٍ، وهو طَريقُ أبي جَعفر الطبري. ورواه مرفوعاً أيضاً، الحاكمُ في المُستدرك 1: 27، من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن وهب بن جريرٍ بنِ حازم، عن جريرٍ بْنِ حازم، بمثلِه، وقال: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، ولم يُخرجاه (أي البخاري ومسلم) وقد احتج مُسْلِمٌ، بكلثوم بنِ جَبر، و وافقه الذهبي، ثمَّ رواه في المستدرك2: 544 من طريق الحسين بن محمد، عن جرير بن حازم، وصحَّحَه، و وافَقَهُ الذَهَبيُّ. وأخرجَ الحافظُ أبو الحَسَنِ بْنِ بشران، بسندِهِ عن مَيْسَرةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نَبِيّاً؟ قال: ((لما خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ واسْتَوى إلى السماءِ فسَوّاهُنَّ سبعَ سماوات، وخَلَقَ العَرْشَ، كَتَبَ على ساقِ العَرْشِ: محمدٌ رسولُ اللهِ خاتمُ الأَنْبِياءِ، وخَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ التي أَسْكَنَها آدَمَ وحَوَّاءَ، فكَتَبَ اسْمي على الأَبوابِ، والأَوراقِ، والقِبابِ، والخِيامِ، وآدمُ بينَ الرّوح ِوالجَسَدِ، فلمّا أَحياهُ اللهُ تعالى: نَظَرَ إلى العرشِ، فرأى اسْمي، فأَخبرهُ اللهُ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِك، فلمّا غَرَّهما الشيطانُ، تابا واسْتَشْفَعا باسْمي إليه)). وأخرجَه كذلك ابْنُ الجوزيِّ في (الوفا بحقوق المصطفى) وذكرَهُ العلاّمةُ المحقِّقُ السَيّدُ عبدُ اللهِ بْنُ الصدِّيقِ الغِماريِّ ـ نوَّرَ اللهُ مَرْقَدَهُ ـ في كتابه (الردِّ المحكَمِ المتين) ص:138 – 139، وقال: إسنادُ هذا الحديث قويّ وهو أقوى شاهدٍ وَقَفْتُ عليْه … وكذا قال الحافظُ ابْنُ حَجَر. وقال الحافظُ الذهبي: (.. نعم ثبت عند الحاكم في مستدركه، وصحَّحَه، وأبي نُعيمٍ في حلْيَةِ الأولياء، والبُخاري في تاريخِه وأَحمدٍ في مُسنَدِهِ عَنْ مَيْسَرَةَ الضَبّيِّ، قلتُ يا رسولَ اللهِ مَتى كنتَ نَبِيّاً قالَ: وآدَمُ بين الرّوحِ والجَسَدِ. وعندَ البيهقيِّ وأَحمد مِنْ حديثِ العِرباضِ بْنِ ساريةَ مرفوعاً: إني عندَ اللهِ لَخَاتَمُ النَّبيين وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِه، وعند الترمذي عن أبي هريرة إنَّهم قالوا يا رسول الله متى وَجَبَتْ لكَ النُبُوَّةُ؟ قال: وآدمُ بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ والأدلَّةُ مِنَ الكتاب والسُنَّةِ على أنَّ الله تعالى قد خَلَقَ الأَرواحَ في عالمِ الأَنْوارَ قبل أنْ يخلق الأجساد في عالم المادَّة، مع ذلك تجدُ قوماً ينتسبون إلى هذا النبيِّ الكريم يُغلقون أسماعَهم وأَبصارَهم عن كل هذه النصوص ويتعلقون بنصٍ آخر في هذا المعنى فيه راوٍ ضعيفٍ أو مجهولٍ لينسفوا هذه الحقيقة مِنْ أَساسِها، ويَروحون يُشنِّعون على مُعتقِدِها ومُصَدِّقِها، ويَعلوا صُراخُهم حتى لَيَحْسَبَ العامَّةُ ومَنْ ليس لهم قَدَمٌ في البحثِ العلميِّ حولَ هذه الأُمورِ، أنَّ الحقيقةَ مَعَ هؤلاءِ. أنَا لا أفهم سَبَبَ عِنادِ بعضِ مَنْ يَدَّعي العِلْمَ وإصرارِهم على نَفيِ هذِه الحَقيقةِ وكأنَّما بينَهم وبينَ رسول الله ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ عداءٌ مُسْتَحْكم، فكلَّما رَأَوْا أَثَراً فيهِ تَفضيلٌ لَهُ وتقديمٌ انْبَرَوْا لِدَحْضِهِ، وتَنَطَّحوا لِتكذيبهِ، أو وَهَّنُوهُ وحَكَموا بوضعِهُ، ويدَّعون الإيمان به ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ وبرسالَتِهِ، أَبِهذا يَنْتَظرون شفاعتَه يومَ القيامة؟! فما المانعُ أنْ يكونَ قد خُلقَ سيدُنا محمدٌ ـ عليه الصلاة والسلامُ ـ كحَقيقَةٍ نُورانيَّةً قبلَ أنْ يُخلَقَ الخلقُ جميعاً في عالم الذَرِّ، سِيَّما وأَنَّهُ الرَّسولُ الخاتمُ الذي يحمِلُ الرِسالةَ الأتمَّ عنْ مولاه الأجلّ ـ تبارك وتعالى ـ وبوِساطتِه ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ تكون قد حَصَلَتْ الإفاضةُ، كما يُشيرُ إليه ((لولاكَ ما خلقتُ الأفلاكَ)) الذي نال منهم كما نال سابقُه من التكذيب مَعَ أنَّه ثمَّةَ عَواضِدُ لَهُ كثيرةٌ في معناه، مِنها ما رواه أبو الشيخ بِسَنَدِهِ عن ابْنِ عباسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما ـ قال: أَوْحى اللهُ تعالى إلى عيسى ـ عليه السلامُ: ((آمِنْ بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأْمُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُؤمِنوا بِهِ، فلولا محمَّدٌ ما خَلَقْتُ آدَمَ ولا الجَنَّةَ ولا النّارَ، ولَقَدْ خَلَقْتُ العَرْشَ على الماءِ فاضْطَرَبَ فكَتَبْتُ عليهِ لا إله إلاَّ الله محمّدٌ رسولُ اللهِ فَسَكَنَ)). ورواه الحاكم في مُسْتَدْرَكِهِ وصَحَّحَهُ، وأَقَرَّهُ السِبْكِيُّ في شِفاءِ السِّقامِ، والبَلْقينيُّ في فتاويه. وإذا كانتْ حقيقةُ محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ هي نور رِسالتِه مِن رَبِّهِ إلى الخلق أجمعين فمِنَ الطبيعي ألاّ يَسْتَقِرَّ الكونُ إلاَّ بهذه الرِسالَةِ إلى نبيّه محمدٍ التي هي الناظم للكون بأسْرِهِ. وليس هذا هو المكان المُناسِبُ لِتَقصّي كلُّ تلك الأخبار المؤيدة لهذه الحقيقة، ولا للإطالةِ فيه، إنَّما نَترُكُهُ لأهْلِ الحَديثِ، ولقد تَكَلَّموا فيه وبَيَّنوا ووضَّحوا، لكنَّ أُولئكَ الحانِقينَ على نَبِيِّنا لا يَقرؤونَ إلاَّ ما يَنْسَجِمُ مَعَ مُبْتَغاهم، ويتركون ما يُميطُ اللثامَ عَنْ الحَقيقةِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله العلي العظيم. والأنْكى مِنْ ذلك كلِّه أنَّهم يُحاوِلون اليومَ ـ بكلِّ ما أُوتوا مِنْ قُوَّةٍ ـ فرضَ معتقدِهم على المسلمين بِقُوَّةِ السِلاحِ، فحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيل.
ولِكونِ الغالِب عليه ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ صفةُ الرحمةِ لا سيَّما على مُؤمِني الأُمَّة، كما يُشيرُ إليه قولُه تعالى: {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} سورة الأنبياء، الآية: 107. وقولُهُ تعالى: {بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ} سورة التوبة، الآية: 128، ناسَبَ ظهورُ الكَسْرِ فيما يُشيرُ إلى مَرْتَبَتِه. وفي الابتِداءِ بِه ـ هُنا ـ رَمْزٌ إلى صِفَةِ مَنْ أُنْزِلَ عليه الكِتابُ، الداعي إلى الله. وفي ذلك مع بيانِ صِفَةِ المَدْعُوِّ إليْه بأنَّه الرَّحمنُ الرَّحيمُ تَشويقٌ تامٌّ وتَرغيبٌ عظيمٌ. وقد تَدَرَّجَ أيْضاً ـ جَلَّ شأنُه ـ في وصْفِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ بذلك في القرآن إلى أنْ قالَ سبحانَه: {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، سورة القلم، الآية: 4. واكْتَفى بالرَّمْزِ لِعَدَمِ ظُهورِ الآثارِ بعدُ، وأوَّلُ الغيثِ قَطرٌ ثمَّ يَنهمِلُ، ومَا مَنْ سُورَةٍ إلاَّ افْتَتَحَها الرَّبُّ ـ جلَّ وعَلا ـ بالرَّمِزِ إلى حالِه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعظيمًا لَهُ وبِشارةً لِمَن أَلقى السَمْعَ وهو شهيدٌ.
ولمَّا كان الجَلالُ في سورةِ: “براءةٌ” ظاهِراً ترَكَ الإشارةَ بالبَسْمَلَةِ وأتى بِباءٍ مفتوحةٍ لِتغييرِ الحالِ وإرخاءِ الستْرِ على عرائِسِ الجمالِ ولم يتركْ ـ سبحانَه وتعالى ـ الرمزَ بالكُلِّيَّةِ إلى الحَقيقةِ المُحمَّدِيَّةِ، ولا يَسَعُنا الإفصاحُ بأكثرَ من هذا في هذا البابِ خَوفاً مِنْ قالِ أَربابِ الحِجابِ وخَلفَه سِرٌّ جليلٌ، واللهُ تعالى الهادي إلى سواءِ السَّبيلِ.
والباء ـ هنا ـ للاسْتِعانَةِ لأنَّ المعنى: أَقرأُ مُستَعينًا بالله، أو باسْمِ اللهِ، ولها مَعانٍ أُخَرُ وهي:
ـ الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: “مَسَحْتُ بِرأْسي” على الحقيقة. و”مَرَرْتُ بزيدٍ “على سبيل المجاز.
ـ والسببيّةُ نحو: {فَبِظُلْمِ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} أي بِسَبَبِ ظُلْمِهم.
ـ والمُصاحَبَةُ نحو: خَرَجَ المُجاهِدُ في سَبيلِ اللهِ بمالِه، أيْ مُصاحِبَاً له، ويُقال كذلك خَرَجَ المَهْزومُ بثِيابِه.
ـ والبَدَلُ أو “العِوض” كقوله ـ عليه الصلاة والسلام: ((ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَمِ)). أيْ بَدَلها كما لو قلتَ هذا بذاك.
ـ والقَسَمُ: أي أَحْلِفُ باللهِ لأفعلنَّ كذا، أو بالله عليك إلَّا فعلتَ كذا.
ـ والظَرْفيَّةُ نحو قولِه تعالى: {إنَّ أوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ} أي فيها، وكذلك قولُك: نَهْرُ بَردى بالشام.
ـ والتَعْدِيَةُ نحو: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} لأنَّ هذا الفعل “ذَهبَ” فعلٌ لازمٌ في مثلِ قولِك: ذَهَبَ فُلانٌ، فالجُملَةُ ـ هنا ـ فعلٌ وفاعلٌ فقط دون مفعولٍ بِه، فإذا أردنا أنْ نُعَدَّيَه لِيتَّخِذَ مَفعولاً بِه وَجَبَ أَنْ نَقولَ: ذَهَبَ فلانٌ بفلانٍ.
ـ والتَبعيضُ كقول عَنترةَ:
شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ…..  زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عنْ حِيَاضِ الدَّيْلَمِ
أي بعضًا مِنْ مائِه. ولذلك قال بعضُ الفقهاء في “فامْسَحوا بِرؤوسِكم” أي ببعضِها.
ـ والمقابلة: “اشتريتُهُ بألفٍ” أي: قابلتُه بهذا الثمنِ.
ـ والمُجاوَزَةُ مِثلُ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماءُ بالغَمَامِ} أيْ عن الغَمَامِ، ونحو قولِه ـ سبحانَه: {الرحمنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} أي عنه.
ـ والاسْتِعلاء كقولِه ـ تعالى: {ومنهم مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} أي على قِنْطارٍ.
وقد تُزادُ مُطَّرِدةً وغيرَ مطَّرِدةٍ، فالمطَّردةُ في فاعلِ  “كفى” نحو: {وكفى باللهِ شَهيداً} وفي خبرِ “ليس” وخبرِ “ما” أُختِها، كقولِه تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} و {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عمَّا يَعمَلُ الظالمون} وفي: بِحَسْبِكَ زيدٌ. وغيرَ مُطَّرِدَةٍ في مفعولِ” كفَى” كقولِ حسّانٍ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ أَو كعب بن مالك ـ رضي الله عنهما:
فكفى بِنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا ……………… حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
أي: كَفانا فضلاً.
وفي المُبتدأِ غيرِ “حَسْبُ”، أو في خبرِ “لا” أُخْتِ “ليس”، كقولِ سَوادٍ بنِ قارِبَ الأَسديِّ يخاطبُ رسول اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم:
فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ……. بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
أي: مُغْنياً، وفي خبرِ “كان” مَنْفِيَّةً نحوَ قولِ الشَّنْفَرى:
وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ..  بأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ
أي: لم أكنْ أعجلَهم. وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقول دُريدٍ بنِ الصِّمَّة يَرثي أَخاه:
دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه …………. فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ
أي: لم يَجِدْني قُعْدَدًا. وفي خبرِ “إنَّ” كقول امرئ القيس:
فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها …………… فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي: فإنك المجرِّب.

فيض العليم …. سورة الأعراف، الآية: 133


فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ

(133)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى جَرَائِمِهِمْ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ الفَيَضَانَاتِ النَّاجِمَةَ عَنِ الأَمْطَارِ الغَزِيرَةِ. و”الطوفان” مِنَ الطوافِ، وهو ما طافَ بهم وغَشِيَ أَماكِنَهم وحروثَهم مِنْ مَطَرٍ أو سَيْلٍ، وقيلَ: إنَّه في الأصلِ مصدرٌ ك “نُقصان”، وهو اسْمٌ لكلِّ شَيْءٍ حادِثٍ يُحيطُ بالجهاتِ، ويَعُمُّ كالماءِ الكثيرِ والقَتْلِ الذَريعِ والموتِ الجارِفِ، وقد اشتُهِرَ في طَوَفانِ الماءِ.

وقد أَرْسَلَ اللهُ عليهم السماءَ حتى كادوا يَهْلَكونَ، وبيوتُ بني إسرائيل وبيوتُ القِبْطِ مُشْتَبِكَةٌ، فامتلأتْ بيوتُ القِبْطِ ماءً حتى قاموا في الماءِ إلى تَراقيهم، فمن جَلَسَ غَرِقَ، ولم تَدْخُلْ بُيوتَ بَني إسرائيلَ قطرةٌ، وفاضَ الماءُ على وجْهِ أَرْضِهم، ورَكَدَ فمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والبِناءِ والتَصَرُّفِ، ودامَ عليهم سَبْعَةَ أَيَّامٍ.

قولُهُ: {وَالْجَرَادَ} الجرادُ: هو المخلوق المعروفُ والمُصنَّفُ عندَ عُلَماءِ الحيوانِ في الحشَراتِ، واحدُهُ جَرادةٌ، سميَ بذلك لجَرْدِهِ ما على الأرضِ، وهو جُنْدٌ مِنْ جُنودِ الله تعالى يُسَلِّطُهُ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فقد أَخْرَجَ أَبو دَاوُود، وابْنُ ماجةَ، والطَبرانيُّ، وغيرُهُم، عن أبي زُهَيرٍ النُمَيريِّ مَرْفوعاً النَهْيَ عَنْ مُقاتَلَتِهِ مُعَلَّلاً بما ذُكِرَ. وأخرَجَ أبو نُعَيْمٍ في الحليَةِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ لي ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: مكتوبٌ على الجَرادَةِ بالسُريانيَّةِ: إني أَنَا اللهُ لا إلهَ إلاَّ أَنَا وَحْدي لا شريكَ لي، الجَرادُ جُنْدٌ مِنْ جُندي أُسَلِّطُهُ على مَنْ أَشاءُ مِنْ عِبادي. وأخرج أبو الشيخ في العَظَمَةِ عنْ سعيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: لما خَلَقَ اللهُ آدمَ فَضَلَ مِنْ طِينَتِهِ شيءٌ فخَلَقَ منها الجرادَ. وزُعِمَ أَنَّهُ مخلوقٌ مَنْ ذُنوبِ ابْنِ آدَمَ. وذَكَرَ البَيْهقِيُّ أَنَّ ذلك إنْ صَحَّ فإنَّهُ مُرادٌ بِهِ إذا لم يَتَعَرَّضْ لإفْسادِ المزارِعِ، فإذا تَعَرَّضَ لَهُ جازَ دَفْعُهُ بما يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مَنَ القِتالِ والقَتْلِ، أوْ أَريدَ بها الإشارةُ إلى تَعَذُّرِ مُقاوَمَتِهِ بذلك.

والجمهورُ متَّفقون على أَنَّهُ يجوزُ قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ لأنهما يُؤذيان الناسَ، فكذلك الجَرادُ. لما روى ابْنُ ماجةَ عن جابرٍ وأَنَسٍ بْنِ مالكٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النبيَّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم ـ كان إذا دَعا على الجَرادِ قال: ((اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبارَهُ، واقْتُلْ صِغارَهُ، وأَفْسِدْ بَيْضَهُ، واقْطَعْ دابِرَهُ، وخُذْ بأَفْواهِهِ عَنْ مَعايِشِنا وأَرْزاقِنا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ)). قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَدْعو على جُنْدٍ مِنْ أَجْنادِ اللهِ بِقَطْعِ دابِرِهِ؟ قال: ((إنَّ الجَرادَ نَثْرَةُ الحوتِ في البَحْرِ”.

روى محمَّدٌ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ بْنِ عبدِ اللهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ يقول: ((إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ سِتُّمِئةٍ مِنْها في البَحْرِ وأَرْبَعُمِئةٍ في البَرِّ، وإنَّ أَوَّلَ هَلاكِ هذِهِ الأُمَمِ الجَرادُ، فإذا هَلَكَتِ الجَرادُ تَتابَعَتِ الأَمَمُ مِثْلَ نِظامِ السِلْكِ إذا انْقَطَعَ”. ذَكَرَهُ الحكيم التِرْمِذِيُّ في “نوادرِ الأُصولِ” وقالَ: وإنَّما صارَ الجَرادُ أَوَّلَ هذِه الأُمَمِ هَلاكاً لأنَّه خُلِقَ مِنْ الطِينَةِ التي فَضَلَتْ مِنْ طِينَةِ آدَمَ. وإنَّما تَهْلِكُ الأُمَمُ لهَلاكِ الآدَميّينَ لأنها مُسَخَّرَةٌ لهم.

وأَخْرَجَ أَبو داوودَ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهَ ـ صَلى الله عليه وسلَّم ـ عنِ الجَرادِ فقال: ((أَكْثَرُ جُنودِ اللهِ تَعالى لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُه)). ولذلك لم يختلِفْ العُلَماءُ في جوازِ أَكْلِهِ على الجملة، فقد ثَبَتَ في صحيح مُسلِمٍ عنْ عبد اللهِ بْنِ أَبي أَوْفى ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: غَزَوْنا مَعَ رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ سَبْعَ غَزَواتٍ كُنَّا نَأْكُلُ الجَرادَ مَعَه.

وقد بَعَثَ اللهُ الجرادَ على قومِ فِرْعَونَ فأكَلَتْ عامَّةَ زُروعِهم وثمارهم، ثمَّ أَكَلَتْ كلَّ شيءٍ حتى الأبوابَ وسُقوفَ البُيوتِ والثِيابَ، ولم يَدْخُلْ بُيُوتَ بَني إسرائيلَ مِنْها شيءٌ، ففزِعوا إلى مُوسى ـ عليه السلامُ ـ ووعدوهُ التَوبَةَ، فخرجِ موسى إلى الفَضاءِ فأَشارَ بِعَصاهُ نحو المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فرَجَعَ الجَرادُ إلى النواحي التي جاء منها، فكُشِفَ عَنْهم فقالوا: ما نحن بتاركي دينِنا، فأقاموا شهراً، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ القُمَّل.

قولُه: {وَالْقُمَّلَ} هُوَ السُّوسُ الذِي يَأْكُلُ الحُبُوبَ، وروى ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: “وَالْقُمَّلَ”، قَالَ: الْجَرَادُ الذِّي لَيْسَ لَهُ أَجْنِحَةٌ، وَهُوَ الدُّبَى. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، مِثْلُ ذَلِكَ. وروى ابْنُ أبي حاتمٍ أيضاً بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما قولَهُ: (فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ: وَهُوَ هَذَا السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ بِالْحِنْطَةِ عَشْرَةَ أَجْرِبَةٍ إِلَى الرَّحَى، فَلا يَرُدُّ مِنْهَا بِثَلاثَةِ أَقْفِزَةٍ، قَالُوا: يَا موسى، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا هَذَا الْقُمَّلَ، فَنُرْسِلُ مَعَكَ بني إسرائيلَ، فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بني إسرائيل”.

وعن سعيدٍ بْنِ جُبيرٍ: هو السُوسُ، فأكلَ ما أَبْقاهُ الجَرادُ، ولحَسَ الأرضَ، وكان يَدْخُلُ بين ثَوْبِ أَحَدِهم وبينَ جِلْدِهِ فَيَمصُّهُ، وكانَ يَأْكُلُ أَحَدُهُمْ طَعاماً فيَمتلئُ قمْلاً، وكان يُخْرِجُ أَحَدُهم عَشْرَةَ أَجْرِبَةٍ إلى الرَّحى فلا يَرُدُّ مِنْها إلاَّ يَسيراً.

وعن سعيدٍ بْنِ جُبيرٍ، أَنَّهُ كان إلى جَنْبِهِمْ كَثَيبٌ أَعْفَرُ، فضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ فَصارَ قَمْلاً، فأَخَذَتْ في أَبْشارِهم وأَشْعارِهم وأَشْفارِ عُيُونهم وحَواجِبِهم، ولَزِمَ جُلودَهم كأنَّهُ الجُدَرِيُّ، فصاحُوا وصَرَخُوا وفَزِعُوا إلى مُوسَى فَرُفِعَ عَنهم، فقالوا: قدْ تحقَّقْنا الآنَ أَنَّكَ سَاحرٌ، وعِزَّةِ فِرْعونَ لا نُصَدِّقُكَ أَبَداً، فأَرْسَلَ اللهُ عليهم بَعْدَ شَهْرٍ الضَفادِعَ.

قولُهُ: {وَالضَّفَادِعَ} ابْتَلاَهُمْ اللهُ بِها فأََخَذَتْ تَمْلأُ بُيُوتَهُمْ وَتُزْعِجُهُمْ، روى ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: “فَبَيْنَا موسى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ جَالِسٌ عِنْدَ فرعون، إِذْ سَمِعَ نَقِيقَ ضِفْدَعٍ مِنْ نَهَرٍ، قَالَ: فَقَالَ: يَا فرعون، مَا تَلْقَى أَنْتَ وَقَوْمُكَ مِنْ هَذَا الضِّفْدَعِ؟ قَالَ: وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ هَذَا الضِّفْدَعِ، فَمَا أَمْسَوْا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ إِلَى ذَقْنِهِ فِي الضَّفَادِعِ، وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ وَثَبَ ضِفْدَعٌ فِي فِيهِ، وَمَا مِنْ آنِيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ وَهِيَ مُمْتَلِئَةٌ مِنَ الضَّفَادِعِ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا هَذِهِ الضَّفَادِعَ فَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنُرْسِلُ مَعَكَ بَني إسْرائيلَ، قَالَ: فَدَعَا رَبَهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمُ الضَّفَادِعَ”. قَالَ: ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَى آلِ فرعون مِنَ الضَّفَادِعِ، كَانَتْ تَأْتِي الْقُدُورَ وَهِيَ تَغْلِي مِنَ اللَّحْمَانِ، فَتُلْقِي أَنْفُسَهَا فِيهَا، فَأَثَابَهَا اللهُ بَرْدَ الْمَاءِ وَالثَّرَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَاءِ”.

وروى ابْنُ أبي حاتمٍ كذلك بسندِه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بنِ العاص ـ رضي اللهُ عنهما قال: “لا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ، فَإِنَّهَا لَمَّا أُرْسِلَتْ عَلَى بني إسرائيل، انْطَلَقَ ضِفْدَعٌ مِنْهَا، فَوَقَعَ فِي تَنُّورٍ فِيهِ نَارٌ طَلَبَتْ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ اللهِ، فَأَبْدَلَهُنَّ اللهُ أَبْرَدَ شَيْءٍ تَعْلَمُهُ الْمَاءَ، وَجَعَلَ نَقِيقُهُنَّ التَّسْبِيحَ”.

وأخرجَ الإمامُ أحمدٌ، وأَبو داوودَ، والنَّسائيُّ عَنْ عبدِ الرّحمنِ بْنِ عُثمانٍ التَيمِيِّ. أَنَّ طَبيباً ذَكَرَ ضفدعاً في دواءٍ عندَ رَسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنَهى رسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ قَتْلِهِ.

قولُهُ: {وَالدَّمَ} ثُمَّ ابْتَلاَهُمْ بِالدَّمِ، فَخَالَطَ طَعَامَهُمْ وَشَرَابَهُمْ، وَقَِيلَ إِنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّزِيفَ الدَّمُوِيَّ الذِي يَنْجُمُ عَنْ أَمْرَاضٍ كَثِيرَةٍ ابْتُلُوا بِهَا. فقد روى ابْنُ أَبي حاتمٍ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: “فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصَارَتْ أَنْهَارُهُمْ دَمًا، وَصَارَتْ آبَارُهُمْ دَمًا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى فرعون، وَمَا يَجِدُونَ مِنْ عِظْمِ الدَّمِ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ قَدْ سَحَرَكُمْ، فَقَالُوا: وَلَيْسَ نَجْدُ مِنْ مَائِنَا شَيْئًا فِي إِنَاءٍ وَلا بِئْرٍ وَلا نَهَرٍ، إِلاِّ وَنَجِدُ فِيهِ طَعْمَ الدَّمِ الْعَبِيطِ، قَالَ فرعون: يَا موسى، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا الدَّمَ، فَكُشِفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَفُوا”. وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: “سَالَ النِّيلُ دَمًا، فَكَانَ الإِسْرَائِيلِيُّ يَسْتَقِي مَاءً طَيِّبًا وَيَسْتَقِي الْفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، وَيَشْتَرِكَانِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ مَا يَلِي الإِسْرَائِيلِيَّ مَاءً طَيِّبًا، وَمَا يَلِي الْفِرْعَوْنِيَّ دَمًا”. وَعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: “ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ، تَحَوَّلَ ذَلِكَ الْمَاءُ دَمًا”. وعن زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قال: “وَأَمَّا الدَّمُ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرُّعَافَ”. نتيجة انحباسه فيسبِّبُ ارتفاعاً في الضغطِ فيَنْفَجِرُ وقد يُسَبِّبُ شَلَلاً، وربّما كان البولَ الدَمَوِيَّ بِسَبَبِ المرض المعروف اليوم بالبِلهارسيا ونحوها.

قولُهُ: {آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} وَكَانَتْ تِلْكَ كُلُّهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وسمى الله هاته “آيَاتٍ” لأنها دَلائلُ على صِدْقِ نبيِّه موسى لاقترانها بالتحدي، ولأنها إِذْ كَانَ تَوَعَّدَهُمْ بِوُقُوعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَقَبْلَ وُقُوعِها، وُصِفَتْ بأنها “مُفصّلاتٍ” لِتَكُونَ دَلاَلَةً عَلَى صِدْقِهِ لاَ تَحْتَمِلُ تَأْويلاً، وحقيقةُ الفَصْلِ التَفْرِقَةُ بين شيئين بحيْثُ لا يختَلِطُ أَحَدُهُما بالآخرِ، ويُسْتَعارُ الفَصْلُ لإزالَةِ اللَّبْسِ والاخْتِلاطِ في المعاني.

قال نَوْفُ الشَّامِيُّ: “مَكَثَ موسى فِي آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ مَا غُلِبَتِ السَّحَرَةُ عِشْرِينَ سَنَةً، يُرِيَهُمُ الآيَاتِ الْجَرَادَ، وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، فَأَبوا أَنْ يُ سْلِمُوا.

وأخرجَ الإمام أحمد في الزُهْدِ وابْنُ أبي حاتمٍ في تفسيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: “وَكَانَتْ آيَاتٌ مُفَصَّلاتٌ بَعْضُهَا عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ لِتَكُونَ للهِ الْحِجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، فَأَغْرَقَهُمُ اللهُ فِي الْيَمِّ”.

وأَخرَجَ ابنُ المنذرِ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ في قولِهِ تعالى: “آيات مفصلات” قال: يَتْبَعُ بعضُها بعضاً، تمكُثُ فيهم سَبْتاً إلى سَبْتٍ، ثمَّ تُرْفَعُ عنهم شَهْراً.

وأخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ عن سَعيدٍ بْنِ جُبيرٍ قالَ: كان بين كلِّ آيتين مِنْ هذه الآياتِ ثلاثون يوماً.

وأَخرَجَ ابْنُ أبي حاتمٍ أيضاً عنْ زيْدِ بنِ أَسْلَمَ قال: كانت الآياتُ التَسْعُ في تَسْعِ سِنينَ، في كلِّ سَنَةٍ آيةٌ.

قولُهُ: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} الاستكبارُ: شِدَّةُ التَكَبُّرِ، دلَّتْ على ذلك السينُ والتاءُ، أيْ: عَدُّ أَنْفُسِهِم كُبَراء، أيْ تَعَاظُمُهُم عنِ التَصَديقِ بموسى، الإِيمَانِ بِهذه الآياتِ المُفصَّلاتِ لِعُتُّوِّهِمْ وَرُسُوخِهِمْ فِي الإِجْرَامِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ رِسَالَتِهِ، وَصِحَّةَ قَوْلِهِ.

قوله تعالى: {فأرسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ} الفاءُ في “فأرسلْنا” للتفريعِ فرَّعت إصابتَهم بهذِهِ المَصائِبِ على عُتُوِّهم عن أمر ربهم وعِنادهم لنبيِّهم موسى ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ و “أرْسلنا”: حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني ب “إلى”، ويُضَمَّنُ مَعنى الإرْسالِ مِنْ فوق، فيُعدى إلى المفعولِ الثاني ب “على”، قال تعالى في سورة الفيل: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} الآية:3. وقال في سورة الذاريات: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} الآية:41. فحرفُ “على” دَلَّ على أَنَّ جملةَ أَرْسَلْنا مُفَرَّعَةٌ تَفريعَ العِقابِ لا تَفْريعَ زِيادةِ الآياتِ. “الطوفان” قيل هو مَصْدَرٌ كالنُّقْصان والرُّجْحان، وقيل هو اسْمُ جِنْسٍ كقَمْحٍ وقَمْحَةْ، وشَعيرْ وشَعيرة. وواحدتُهُ في القياس طُوْفانة، وأَنْشد:

غَيَّرَ الجِدَّةَ من آياتها ………………….. خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المَطَرْ

والطُّوفان: الماء الكثير قال العجَّاجُ:

حتَّى إذا ما يَوْمُها تَصَبْصَبا …………….. وعَمَّ طُوفانُ الظلامِ الأَثْأَبا

شبَّه ظلامَ الليل بالماء الذي يغشى الأمكنة. وقال أبو النجم:

ومَدَّ طوفانٌ مبيدٌ مَدَدا ……………….. شهراً شآبيبَ وشهراً بَرَدا

وقيل: الطُّوفان من كلِّ شيءٍ ما كان كثيراً محيطاً مُطْبقاً بالجماعة من كل جهة كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجارف. وقد فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بالموتِ تارةً وبأمرٍ من الله تارة، وتَلا قولَهُ تعالى في سورة القلم: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ} الآية: 19.

قولُه: {والجرادَ} جمعُ جَرادة، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. قال أهل اللغة: وهو مشتق من الجَرْد، قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليلٌ جداً، يقال: أرض جَرْداء أي: مَلْساء، وثوب جَرْد: إذا ذهبَ زِئْبَرُه.

قولُه: {والقُمَّلَ} قيل هي: القِرْدان، وقيل: دوابُّ تشبهها أصغرَ منها. وقيل: هي السُّوس الذي يخرج من الحنطة. وقيل: نوعٌ مِنَ الجَرادِ أَصغرُ منه. وقيل: الحِمْنان الواحدة حِمْنانة، نوعٌ مِنَ القِرْدان. وقيل: هو القُمَّل المعروف الذي يكون في بدن الإِنسان وثيابه. ويؤيد هذا قراءةُ الحَسَنِ “والقَمْل” بفتح القافِ وسُكونِ الميمِ فيَكونُ فيه لُغتان: القُمَّلُ كقراءة العامة، والقَمْل كقراءةِ الحسن البصري. وقيل: القمل: البراغيث. وقيل: الجِعلان.

قولُه: {والضفادعَ} جمع ضِفْدَع بزنة دِرْهم، ويجوزُ كسرُ دالِهِ فيَصير بِزِنَةِ زِبْرِج وقد تُبْدَلُ عينُ جمعه ياءً كقولِ خلفٍ الأحمر:

ومَنْهَلٍ ليس له حَوازِق …………………… ولِضفادي جَمِّه نقانِقُ

وشَذَّ جمعُه أيضاً على ضِفْدَعان، والضِّفدعُ مؤنَّثٌ وليسَ بمُذَكَّرٍ. فعلى هذا يُفَرَّق بين مذكَّرِهِ ومُؤنَّثِهِ بالوَصْفِ. فيقالُ: ضِفْدَعٌ ذَكَرٌ وضِفْدَعٌ أُنثى، كما قلنا ذلك في المتلبِّس بتاءِ التأنيث نحو: حمامةٍ وجَرادةٍ ونملةٍ.

وقولُهُ: {آياتٍ مفصَّلاتٍ} آياتٍ: نَصْبٌ على الحالِ مِنْ تلك الأشياءِ، أيْ: أَرْسَلْنا عليهم هذه الأشياءَ حالَ كونِها علاماتٍ مميَّزاً بَعضُها مِنْ بعضٍ. و “مُفَصَّلاتٍ” صفةٌ لـ “آيَاتٍ”، فيكون مراداً مِنْ هذه الصفةِ معنى الفَصْل المجازِيِّ وهوَ إزالةُ اللَّبْسِ، لأنَّ ذلك هو الأنْسَبُ بالآياتِ والدلائلِ، أيْ: هي آياتٌ لا شُبْهَةَ فيها. وقيل: المرادُ أَنها مفصولٌ بَعضُها عَنْ بَعْضٍ في الزَمانِ، أيْ لم تحدُثْ كلُّها في وَقْتٍ واحدٍ، بلْ حَدَثَ بعضُها بعدَ بعضٍ، وعلى هذا فصيغَةُ التفعيل “مفصّلات” للدلالة على تَراخي المدَّة بين الواحدةِ والأُخرى، وعليه فقد كان العذابُ أَشَدَّ وأَطْوَلَ زَمَناً. فيكون “مفصلات” حالاً ثانيةً مِنَ الطُوفانِ، والجَرادِ، والقمَّلِ، والدم. وليس صفةً لـ “آيات”.

قولُه: {فَاسْتَكْبَرُوا} فاستكبروا: الفاءُ هنا هي للتفريعِ والتَرَتُّبِ،

أيْ: فَتَفَرَّعَ على إرسالِ الطُوفانِ، وما بعدَهُ اسْتِكْبارُهم، كما تَفَرَّعَ على أَخْذِهم بالسِنينَ غُرورُهم بأنَّ ذلك مِنْ شُؤْمِ مُوسى ومَنْ مَعَه.

وقولُه: {وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ} هذه الجملةُ معطوفة على جملةِ “فَاسْتَكْبَرُوا”، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجُملةِ الاسمية للدَّلالةِ على ثباتِ وَصْفِ الإجرامِ فيهم، وتمكُّنِه مِنهم، ورسوخه فيهم مِنْ قبلِ حدوثِ الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، فـ “كان” دالَّةٌ على استمرارِ الخبرِ وهو وَصْفُ الإجْرام.

فيض العليم …. سورة الأعراف، الآية: 132


وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

(132)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا} قالوا بعدَ ما رأوا مِنَ العَصا، والسِنينَ، ونقصِ الثَمَراتِ “مهما تأتِنا به من آية” وهو شُروعٌ في بيانِ بعضٍ آخَرَ ممّا أُخِذوا بِهِ مِنْ ألوانِ العَذابِ التي هي في نَفْسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمُ إرْعِوائهم عمَّا همْ عليْه مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، فما زالُ الحديث عَنْ نَبيّ اللهِ موسى ـ عليه السلامُ ـ وما لاقاهُ مِنْ عَنَتِ فِرعونَ وقومِهِ، ومجادَلَتِهِمْ لَهُ بالباطلِ. هو يأتيهم بالآياتِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ وهُمْ يُكابِرونَ، ويُعاندونَ، وكلَّما جاءهم بآيةٍ بَيِّنَةٍ وفَنَّدَ لهمْ حُجَّةً طَلبوا منه آيةً أُخرى، حتي أُسْقِطَ في أيديهم، ونَفِدَتْ حُجَّتُهم، ولم يَبْقَ لَديهم ما يجادِلونَ بِهِ، قالوا: “مهما تأتِنا بِهِ مِنْ آيةٍ” وإنما سمَّوها آيةً على زَعْمِ مُوسى، لا اعتقاداً منهم بها أنّها آية، ولذلك قالوا: “لتسحرنا بها” أي: لِتَسْحَرَ بها أَعْيُنَنا وتُشَبِّهَ علينا، ومهما تَسُوقُ لنا من براهين، فإنَّنا على مَوْقِفِنا ثابتونَ لا نَتزَحْزَحُ، وبعقيدتنا متمسِّكون، وبدينِنا مُلْتَزِمون، ولَنْ تَسْتَطيعَ أَنْ تَسْحَرَ عُقولَنا لِنُؤمِنَ بربِّك إلهاً لنا، وبِكَ نَبيّاً منه مُرْسَلاً، ولَنْ نَتَّبِعَ ما جِئْتَ بِهِ مِنْ رِسالةٍ ديناً لنا ومنهاجاً، ولَنْ نَعْبُدَ إلهكَ ونَترُكَ آلهتَنا وديننا، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ.

قولُهُ: {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أيْ ما نحنُ بمصدِّقين لكَ، ولا مؤمنين بِنُبُوَّتِكَ أَصْلاً. وكان موسى ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ رَجُلاً حَديداً مُسْتَجابَ الدَّعوةِ، فدَعا عَليهم، فاسْتَجابَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ دُعاءَهُ فأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفان.

قولُهُ تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} مهما: جمهور النُحاةِ على أنّها اسْمُ شَرْطٍ يَجْزِمُ فِعْلَين، ك “إنْ”، و “تأتِنا”: شَرْطُها، وجملةُ: “فما نحنُ” جوابُها، فهي “ما” المُضَمَّنَةُ مَعنى الجَزاءِ، ضُمَّتْ إليها “ما” المَزيدَةُ المُؤَكِّدَةُ للجَزَاءِ كما في قولِكِ: مَتى ما تخرجْ أَخْرُج. وكَقولِهِ تَعالى في سورةِ النِّساءِ: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت} الآية: 78. وقد يأتي للاسْتِفْهامِ، وهو قليلٌ جداً، كقولِهِ مِنَ السّريعِ:

مهما لي الليلةَ مهما لِيَهْ …………………… أَوْدَى بنعلَيَّ وسِرْباليَهْ

يريد: ما لي الليلةَ ما لي؟ والهاءُ للسَّكْتِ.

وزَعمَ بعضُ النَّحْوِيّينَ أَنَّ الجازمَةَ تأتي ظَرْفَ زَمانٍ، وأَنْشَدَ عليْه مِنَ الطويلِ لحاتمٍ الطائيّ:

وإنك مهما تُعْطِ بطنك سُؤْلَه ………. وفَرْجَكَ نالا منتهى الذمِّ أجمعا

وقولَ الآخرِ مِنَ الكامِلِ:

عوَّدْتَ قومَك أنَّ كلَّ مُبَرَّزٍ ………………. مهما يُعَوَّدْ شيمةً يَتَعوَّدِ

وقولَ طُفَيْلٍ الغَنَوِيِّ مِنَ الكامِلِ أيضاً:

نُبِّئْتُ أن أبا شُتَيْمٍ يَدَّعي ……………. مهما يَعِشْ يُسْمِعْ بما لم يُسْمَعِ

قال: ف “مهما” هُنا ظَرْفُ زَمان. والجمهورُ على خلافِهِ. وما ذَكَرَهُ مُتَأَوَّلٌ، بَلْ بعضُهُ لا يَظْهَرُ فيه للظَرْفِيَّةِ مَعْنى.

وقال جمال الدين ابْنُ مالك: جميعُ النَّحْويين يَقولون إن “مهما” و “ما” مثل “مَنْ” في لُزومِ التَجَرُّدِ عَنِ الظَرْفِ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمالَهُما ظَرْفين ثابتٌ في أَشْعارِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ، وكفى بقوله: “جميع النحويين” دليلاً على ضَعْفِ القَوْلِ بِظَرْفِيَّتِهما.

ثمَّ هيَ اسْمٌ لا حَرْفٌ بدليلِ عَوْدِ الضَميرِ عَلَيْها، ولا يَعودُ الضَميرُ على حَرْفٍ كَقَوْلِهِ تعالى في هذه الآيةِ المباركة: “مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ” فالهاءُ في “بِهِ” تَعودُ على “مهما”. وشَذَّ السُهَيْليُّ فَزَعَمَ أَنَّها قدْ تَأْتي حَرْفاً.

واخْتَلَفَ النَّحْويّونَ في “مهما”: هل هي بَسيطةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ؟ والمشهورُ أنَّها بَسيطةٌ، وقال ابْنُ هشامٍ في حاشية التسهيل: يَنْبَغي لمن قال بالبساطةِ أَنْ يَكتُبَ “مهما” بالياءِ “مهمى” ولِمَنْ قالَ أصلُها “ما” “ما” أنْ يَكتُبها بالأَلِفِ، وفي (الشرح) وكذا إذا قيلَ أَصْلُها “مَه” “ما”. وتَعقَّبَ ذلك الأشموني بأنَّ القائلين بالأصلين المذكورين مُتَّفِقون على أنَّ “مهما” أَصْلٌ آخرُ، فما يَنْبَغي في كَتْبِ آخرِها على القولِ الأَوَّلِ يَنْبَغي على القولِ الثاني، وفيه نَظَرٌ. أَمَّا القائلونَ بِتَرْكِيبِها ـ وهمُ الخليلُ وأَتْباعُهُ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ ـ فقدِ اخْتَلَفُوا: فمِنْهُم مَنْ قالَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِنْ “ما” “ما”، كُرِّرَتْ “ما” الشَرْطِيَّةُ تَوكيداً فاسْتُثْقِلَ تَوالي لَفْظَيْنِ، فأُبْدِلَتْ أَلِفُ “ما” الأُوْلى هاءً. وقِيلَ: زِيدَتْ “ما” على “ما” الشَرْطِيَّةِ كما تُزادُ على “إنْ” في قولِهِ تعالى في الآيةِ (38) مِنْ سُورةِ البقرة: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم}. فعُمِلَ العَمَلُ المذكورُ للثِقَلِ الحاصِلِ. وقال الكِسَائِيُّ: هي مُرَكَّبَةٌ مِنْ “مَهْ” التي هِيَ اسْمُ فِعْلٍ معناهُ الزَّجْرُ، ومِنْ “ما” الشَرْطِيَّةِ، ثمَّ رُكِّبَتْ الكَلِمتانِ فصارتا شيئاً واحداً. وقالَ أَيضُاً: لا تَركيبَ فيها هُنا بَلْ كأنَّهم قالوا لَهُ: “مَهْ”، ثمَّ قالوا: “ما تَأْتِنا به” وليسَ بِشَيْءٍ؛ لأنَّ ذلك قد يأتي في موضِعٍ لا زَجْرَ فيهِ، ولأنَّ كتابَتَها مُتَّصِلَةً يَنْفي كونَ كلٍ مِنْهُما كلمةً مُسْتَقِلَّةً. وقال قوم: إنها مُرَكَّبَةٌ مِنْ “مَهْ” بمعنَى: اكْفُفْ، و “مَنْ” الشَرْطِيَّةِ، بدليلِ قولِ الشاعرِ:

أَ(مَاوِيَّ) “مَهْ” مَنْ يَسْتمعْ في صَدِيقِهِ….أَقاويلَ هذا الناسِ (ماوِيَّ) يَنْدَمِ

فأُبْدِلَتْ نونُ “مَنْ” ألفاً، كما تُبَدَّلُ النونُ الخفيفةُ بعدها فَتْحَةً، والتَنوينُ أَلِفاً. وهذا ليسَ بشيءٍ، بَلْ “مَهْ” على بابها مِنْ كونِها بمعنى اكْفُفْ. وقال مَكِيٌّ: بلْ هي مُرَكَّبَةٌ مِنْ “مَنْ” و “ما”، فأُبْدلت نونُ “مَنْ” هاءً، كما أَبْدَلوا مِنْ أَلِفِ “ما” الأُولى هاءً، وذلك لمؤاخاةِ “مَنْ” “ما” في أشياءَ، وإنِ افْتَرَقا في شيءٍ واحدٍ. أمَّا محلُّها مِنَ الإعْرابِ: فيجوزُ أنْ يكونَ الرَّفعَ على الابْتِداءِ، وما بَعْدَها خَبرُها، وهلِ الخبرُ فعلُ الشَرْطِ أَوْ فِعْلُ الجَزاءِ أَوْ هُما مَعاً، خلافٌ مَشهورٌ. ويجوزُ أنْ تَكونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ إمَّا على الاشْتِغالِ، وهو الأَظْهَرُ، ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُتَأخِّراً عَنِ اسْمِ الشَرْطِ، تقديرُهُ: مهما تُحْضِرْ تأتِنا بِهِ، ف “تَأْتِنا” مُفَسِّرٌ ل “تُحْضِرْ” لأنَّهُ مِنْ مَعْناهُ. وإمَّا على الظَرْفِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يَرى ذلك.

والضَميرانِ مِنْ قولِهِ: “به”، و “بها”، عائدان على “مهما”، عادَ الأوَّلُ على اللفْظِ لإبهامه فذُكِّرَ. وعاد الثاني على المعنى، فأنث للمُحافظةِ على جانِبِ المعنى لأنَّه إنَّما رَجَعَ إليهِ بعدما بُيِّنَ ب “آية”، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأَوْلى عَوْدُ الضَميرِ الثاني إلى “آيةٍ”، ولَعَلَّهُ راعى القُرْبَ، ومن ذهب إلى الأَوَّل راعى أنَّ “آيَةً” مَسوقَةٌ للبيان، فالأوْلى رُجوعُ الضَميرِ على المُفَسَّرِ المَقصودِ بالذاتَ، وإنْ كان المآلُ واحداً، أي: لِتَسْحَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ أَعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا. فإنَّ معناها الآيةُ المَذكورةُ. ومثلُهُ قولُ زُهيرٍ مِنَ الطَويلِ:

ومهما تكنْ عند امرئٍ من خَليقةٍ … وإن خالها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ

ومثلُه في ذلك قولُه تعالى في سورة البقرة: {ما نَنْسَخْ من آيةٍ أو نَنْسَأْها نأْتِ بخيرٍ منها أو مثلها} الآية: 106. فأعادَ الضميرَ على “ما” مؤنَّثاً لأنها بمعنى الآية.

وقولُهُ: {فَمَا نَحْنُ} يجوزُ أَنْ تَكونَ “ما” الحجازيَّةَ، ويجوزُ أَنْ تكونَ التميميَّةَ، والراءُ زائدةٌ على كِلا القولين، والجُملةُ في محلِّ جزمِ جوابِ الشرْطِ.

فيض العليم … بسم الله الرحمن الرحيم (5)


أعيد نشر (بسم الله الرحمن الرحيم) تلبية لرغبة بعض الإخوة الكرام، لكنني سأنشرها على مراحل لتسهل مطالعتها

فيض العليم …. بسم الله الرحمن الرحيم

(5)….

وقد اشتُهِرَ أنَّ معاني الكُتُبِ السَماويَّةِ كلِّها في القرآن، ومعاني القرآنِ في الفاتحةِ، ومَعاني الفاتِحةِ في البَسْمَلَةِ، ومعاني البسمَلَةِ في الباء. فالباءُ في “بسم الله” حرفُ التضمين؛ أيْ بِاللهِ ظَهَرَتِ الحادثاتُ، وبِه وُجِدَتِ المَخلوقاتُ. وقد أَوْدَعَ جميعَ العلومِ في الباءِ، أي بِي كانَ ما كانَ وبِي يكونُ ما يَكونُ فوُجودُ العوالِم بِي وليسَ لِغيري وُجودٌ حقيقيٌّ إلاَّ بالاسْمِ والمَجاز، وهو معنى قولهم ما نظرتُ شيئًا إلاَّ رأيتُ اللهَ فيه أو قبلَه، ومعنى قولِه ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ في الحديث القدسي: ((لا تَسُبُّوا الدهرَ فإنَّي أنا الدهرُ)) متّفقٌ عليه. سبحانَه الذي خَلَقَه وهو الفاعِلُ فيه ولا فِعلَ للدَّهْرِ نُسْنِدُهُ إليْه.
والاستعانةُ أَوْلى بلْ يكادُ أنْ تكونَ متعيِّنةً إذْ فيها مِنَ الأَدَبِ والاستكانَةِ وإِظهارِ العُبوديَّةِ ما ليس في دعوى المُصاحبَة ولأنَّ فيها تلميحاً من أوَّلِ وهلةٍ إلى إسقاطِ الحَوْلِ والقُوَّةِ ونفيِ استقلالِ قَدَرِ العبادِ وتأثيرِها. وهو استفتاحٌ لبابِ الرحمةِ وظَفَرٌ بكنْزِ لا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله.
وكان عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يقولُ فيها لِكُتَّابِهِ: (طَوِّلوا الباءَ وأظهِروا السين، وفرِّجوا بينهما، ودَوِّروا الميم تعظيمًا لِكلامِ اللهِ تعالى).
وقد أَسقَطوا الألفَ بعدَها للتخفيفِ، إذِ الأَصْلُ أنْ تَقولَ باِسْمِ اللهِ وفي الكَلامِ إضمارٌ واختصارٌ تقديرُه: قُلْ، أو ابْدَأْ “بسمِ اللهِ” والمعنى: بالله تكوَّنَت المَوجوداتُ، وبه قامتْ المَخلوقات.
فأمّا معنى الاسم، فهو عينُ المُسَمَّى وحقيقةُ المَوْجُودِ، وذاتُ الشيءِ وعيْنُه ونَفْسُه واسْمُهُ، وكُلُّها تُفيدُ معنًى واحدًا. والدليلُ على أنَّ الاسْمَ عينُ المُسمَّى قولُه تعالى في سورة مريم: {يا زكريا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُه يَحيى} الآية: 7. فأَخْبَرَ أنَّ اسْمَه يَحيى، ثمَّ نادى الاسمَ وخاطبَه فقال: {يا يحيى} فيحيى هو الاسْمُ، والاسمُ هو يَحيى. وقولُه تعالى في سورة يوسف: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أنتم وآباؤكم} الآية: 40. وأَرادَ الأَشخاصَ المَعبودةَ؛ لأنَّهم كانوا يعبدون المُسمَّياتِ. وقولُه تعالى في سورة الأعلى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى} الآية: 1. و قولُه في سورة الرحمن: {تَبَارَكَ اسمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَام} الآية: 78. وقولُه ـ صلى الله عليه وسلَّم: ((لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبادَ اللهِ حتَّى لا يُعبَدَ لَهُ اسْمٌ)). أيْ حتَّى لا يُعبَدَ هو.
والاسمُ عند البَصريِّين مِن الأَسماءِ العَشَرةِ التي بُنِيتْ أَوائلُها على السُّكونِ وهي: ابْنٌ وابنةٌ وابْنُمٌ واسْمٌ واسْتٌ واثْنان واثْنتان وامرؤٌ وامرأةٌ وأيْمُنُ اللهِ، وأيْمُ اللهِ منهُ، فإذا نطقوا بها زادوا همزةً لِبَشاعةِ الابتداءِ بالساكنِ عندَهم، وفيها يَمتنعُ والأمرُ ذوقاً، وهو مما حُذِفَ عجُزُه كَ “يَدٍ” واشتقاقُه مِنَ السُمُوِّ كالعُلُوِّ لأنّه لدِلالتِه على مُسمّاه يُعْليه مِنْ حَضيضِ الخَفاءِ إلى ذُروةِ الظُهورِ والجَلاء.
وأصلُه سِمْو “مِنَ السُمُوِّ” وجَمعُه: أَسماءٌ، مثلُ قِنْوٍ وأَقْناءٍ وحِنْوٍ وأَحْناء، فحُذفت الواوُ للاسْتِثْقال، ونُقِلت حَرَكَةُ الواو إلى الميمِ فأُعرِبت الميمُ بِحسَبِ مَحَلِّها في الإعْرابِ، ونُقِلَ سُكونُ المِيمِ إلى السين فسَكَنتْ، ثمَّ أُدخلتْ ألفٌ مهموزةٌ لسُكونِ السِّينِ “اسْم”؛ لأجلِ الابْتِداءِ يَدُلُّك عليه التصغيرُ والتصريفُ، يُقالُ: “سُمَيٌّ” في التذكير و”سُمَيَّةٌ” في التأنيث لأنَّ كلَّ ما سَقَطَ في التصغيرِ والتَّصريفِ فهو غيرُ أصليٍّ.
والاسمُ لُغةً: ما أَبانَ عن مُسَمًّى، واصْطِلاحًا: ما دَلَّ على معنًى في نفسِه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لِزمانٍ، بِعكْسِ الفِعلِ فهو مُتعلِّقٌ بِزمانٍ ما: “ماضٍ “الفعلُ الماضي أو “حاضرٍ “الفعلُ المُضارِعُ أو “المستقبلُ” فعلِ الأمرِ والمُضارعِ إذا سُبِقَ بالسِّينِ أو سوف والتَّسْمِيَةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
واختُلِف: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وقد بسَطْنا في ذلك آنفًا، وما يَعنينا مِن ذلك: أنَّ الاسمَ ـ هنا ـ بمعنى التسميَةِ، والتَسْمِيَةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التَسْمِيةَ هي اللفظُ بالاسْم والاسْمُ هو اللازمُ للمُسَمَّى.
ثمَّ إنَّ في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ، تقديرُه: باسمِ مُسَمَّى اللهِ. والاسْمُ مشتقٌّ مِن السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنَّه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيَرفَعُه ويُظْهِرُهُ، وذهبَ بعضُهم إلى أنَّه مُشتَقٌّ مِن الوَسْمِ، والوَسْمُ العلامةُ لأنَّ الاسمَ علامةٌ على مُسَمَّاه.
وقيل في “بسم”: إنَّ الباءَ بَهاءُ اللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ والسينَ سناءُ اللهُ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ والميمَ مَجْدُ اللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ فقد جاء في الحديث الشريفِ عن أبي سعيدٍ الخِدريِّ ـ رَضيَ اللهُ عنه ـ أنَّه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ عيسى بنَ مريمَ أسلمَتْهُ أمُّه إلى الكُتَّابِ لِيَتَعَلَّمَ، فقال له المُعلِّمُ: قلْ باسْمِ اللهِ. قال عيسى: وما باسْمِ اللهِ؟ فقال لَه المُعَلِّمُ: ما أدري. قال:  أي عيسى ـ عليه السلام” ـ الباءُ: بهاءُ اللهِ، والسِّينُ: سناءُ اللهِ، والميمُ: مَملَكَةُ اللهِ)). فاعْجَبْ لِمُتَعَلِّمٍ يُعَلِّمُ أستاذَه.
ولفظُ الجلالةِ “الله” عَلَمٌ على ذاتِ الخالقِ ـ عزَّ وجلَّ ـ تفرَّدَ
به  سبحانه ـ ولا يُطلَق على غيرِه، ولا يُشارِكُه فيه أَحَدٌ.
و “الله” اسمٌ لواجبِ الوجود، وليس مِنْ أَحَدٍ واجبٌ وُجودُهُ سواه ـ سبحانَه وتعالى. فقد قسَّمَ علماءُ التوحيدِ الوُجودَ إلى: واجبٍ، وهو وُجودُ خالقٍ للمَوجودات جميعِها، ووُجودٍ جائزٍ أو مُمكِنٍ، وهو وُجودُ العالَمِ وما فيه، ووُجودٍ مُستحيلٍ كوُجودِ شريكٍ للخالقِ ـ سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} الآية: 91.
وأصلُ هذه الكَلِمَةِ “إله” فأُدخلتْ الألفُ واللامُ فيها تفخيمًا وتعظيمًا لمّا كانَ اسمَ اللهِ ـ عزَّ وجَلَّ ـ فصار “الإلهُ” فحُذِفتْ الهمزةُ اسْتِثْقالاً لِكَثرَةِ جَرَيانِها على الأَلسُنِ، وحُوِّلتْ هُوِيَّتُها إلى لامِ التعظيمِ فالْتَقى “لامان”، فأُدغِمتْ اللامُ الأولى في الثانية، فقالوا: “الله”. وهو اسمٌ عَلَمٌ غيرُ مُشتقٍّ مِن صِفةٍ. قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} سورة مريم، الآية: 65. و”اللهُ” أكبرُ أسمائِه ـ سبحانَه ـ وأجمعُها، وهو اسمُ اللهِ الأعظمُ  ـ عندَ أهلِ التحقيق ـ الذي حَوى الأسماءَ كلَّها، وبيْنَ الألِفِ واللامِ منه حَرْفٌ مُكنَّى غَيْبٌ مِنْ غيْبٍ إلى غَيْبٍ، وسِرٌّ مِنْ سِرٍّ إلى سِرٍّ، وحقيقةٌ مِن حقيقةٍ إلى حقيقةٍ. لا يَنالُ فهمَه إلاَّ الطاهرُ مِنْ الأَدناسِ، كما قالوا.
ومِنَ العُلماءِ مَن عَدَّهُ مُشتَقًّا؛ واختَلَفوا في اشتِقاقِه، فقال بعضُهم هو مِنَ التَأَلُّهِ، وهو التَنَسُّكُ والتَعَبُّدُ، يُقالُ: أَلَهَ إلاهَةً، أي عَبَدَ عِبادَة. فقد قرأَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهُما: {ويَذَرَكَ وإلهَتَكَ} أيْ عبادَتَك.
وقيلَ هو مِنْ “الإلْهِ” وهو الاعتمادُ، يُقالُ: أَلَهْتُ إلى فُلانٍ، آلَهُ إلْهًا، أيْ فَزِعْتُ إليْه، واعتَمَدْتُ عليه. وقِيلَ هو مِنْ قولِهم “أَلِهْتُ في الشَيْءِ” إذا تَحَيَّرْتَ فيه فلم تَهْتَدِ إليه. وقيلَ هو مِن “أَلُهْتُ إلى فُلانٍ” أيْ سَكَنْتُ إليْه. وقيلَ أصلُه مِن “الوَلَهِ” وهو ذَهابُ العقلِ لِفُقدان مَنْ يَعِزُّ عليكَ. وأصلُه “أَلُهَ” ـ بالهمزةِ ـ فأُبْدِلَ مِنَ الألِفِ واوٌ فقيلَ الوَلَهُ، ومثلُ ذلك “إشاحٌ ووشاحٌ” و “وِكافٌ، وإكافٌ” و “أَرَّخْتُ الكِتابَ، ووَرَّخْتُهُ” و “وُقِّتَتْ، وأُقِّتَتْ”. فكأنَّه سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ القلوبَ تَوَلَّهُ لِمَحَبَّتِهِ وتَضْطَرِبُ وتَشتاقُ عندَ ذِكرِهِ.
وقيلَ: معناهُ مُحْتَجِبٌ؛ لأنَّ العَرَبَ إذا عَرَفَتْ شيئًا، ثمَّ حُجِبَ عن أبْصارِها سَمَّتْهُ إلَهًا، قيلَ: لاهَتِ العَروسُ تَلُوهُ لَوْهاً و لَوَهانًا، إذا حُجِبتْ. واللهُ تعالى هو الظاهرُ بالرُّبوبِيَّةِ ـ بالدلائلِ والأَعلامِ ـ المُحْتَجِبُ مِن جِهةِ الكيْفِيَّةِ عنِ الأَوْهامِ.
وقيلَ: معناه المُتعالي، يُقالُ: “لاهَ” أيْ ارْتَفَعَ” وقيلَ: هو مأخوذٌ مِنْ قولِ العَرَبِ: أَلِهْتُ بالمَكانِ، إذا أَقَمْتُ فيه. وقيلَ مِنْ “أَلَهَهُمْ” أيْ أَحْوَجَهم فالعِبادُ مَوْلُوهون إلى بارِئهم أيْ مُحتاجون إليه في المَنافِعِ والمَضَارِّ، كالوالِهِ المُضْطَرِّ المَغلوبِ.
وغَلَّظَ بعضٌ بقراءةِ اللامِ مِن قولِه: “اللهُ” حتَّى طَبَقوا اللسانَ بِهِ الحَنَكَ لِفَخامَةِ ذِكْرِهِ ـ جلَّ وعلا.
ولمْ يَتَسَمَّ بِه غيرُه ـ سبحانَه ـ ولذلك لمْ يُثَنَّ ولمْ يُجْمَعْ: فاللهُ اسمٌ للمَوجودِ الحَقِّ الجامِعِ لِصفاتِ الإِلهيَّةِ، المَنعوتِ بِنُعوتِ الرُّبوبِيَّةِ، المُنْفَرِدِ بالوُجودِ الحَقيقيِّ، لا إلهَ إلاَّ هو ـ سبحانَه وتعالى.
و “الرحمنُ” اسْمٌ فيه خاصِيَّةٌ مِنَ الحرْفِ المُكَنَّى بيْن الألفِ واللام الذي سَلَفَ ذِكرُهُ آنفًا.
و “الرحيمُ”: هو العاطفُ على عِبادِه بالرِّزْقِ في الفَرْعِ والابتداءِ في الأصلِ رَحْمَةً لِسابِقِ عِلمِه القديمِ وفضلِه. أي بِنَسيمِ رُوحِ اللهِ اخْتَرَعَ مِنْ مُلْكِهِ ما شاءَ، رَحْمَةً لأنَّه رَحيمٌ. وقالَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ ـ رَضيَ اللهُ عنه: “الرحمنُ الرحيمُ” اسْمانِ رَقيقان أَحدُهما أَرَقُّ مِن الآخَرِ، فنَفى اللهُ تعالى بهما القُنوطَ عنِ المُؤمنينَ مِن عِبادِه. وقيل “الرحمنُ الرَّحِيمِ” بمعنىً واحدٍ مثلُ (نَدْمانٍ، ونَديمٍ) و (سَلمانٍ، وسَليمٍ) و (هَوانٍ وهَوِينٍ) ومعناهما: ذو الرحمةِ، والرحمةُ: إرادةُ اللهِ الخَيْرَ بأهْلِهِ، وهي على هذا القولِ تكونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقيلَ: هي تَرْكُ عقوبةِ مَنْ يَستَحِقُّ العُقوبَةَ وفعلُ الخَيْرِ إلى مَنْ لمْ يَسْتَحِقَّ، وعلى هذا القولِ تَكونْ صِفَةَ فِعلٍ، يُجْمَعُ بينَهما للاتِّساعِ.
وفرَّقَ الآخرون بينهما فقال بعضُهم: الرَّحْمنُ على زِنَةِ فَعْلانٍ، وهو لا يَقَعُ إلاَّ على مُبالَغَةِ القَوْلِ. وقولُك: رَجُلٌ غَضبان، للمُمْتَلِئِ غَضَبًا، وسَكْران لِمَنْ غَلَبَ عليه الشرابُ. فمعنى “الرَّحْمن” الذي وسِعَتْ رَحْمَتُه كلَّ شيءٍ. وقال بعضُهم: “الرَّحْمنُ” هو العاطفُ على جميعِ خلقِهِ؛ كافرِهِم ومؤمِنِهم، بَرِّهِمُ وفاجِرِهمْ، بأنْ خَلَقَهم ورَزَقَهم. قال الله تعالى في سورة الأعراف: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} الآية: 156. و “الرَّحيمُ” بالمؤمنين خاصَّةً، بالهِدايَةِ والتَوفيقِ في الدُّنيا، وبالجَنَّةِ والرؤيَةِ في الآخرةِ. قال تعالى في سورة الأحزاب: {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً}. الآية: 43.
ف “الرَّحْمنُ” خاصُّ اللَّفظِ عامُّ المَعنى و “الرحيمُ” عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى. و “الرَّحْمنُ” خاصٌّ مِن حيثُ إنَّه لا يَجوزُ أنْ يُسمَّى بِه أَحَدٌ إلاَّ اللهُ تعالى، عامٌّ مِن حيثُ إنَّه يَشْمَلُ المَوجوداتِ مِن طريقِ الخلقِ والرزقِ والنفعِ والدّفعِ. و “الرحيمُ” عامٌّ مِن حيثُ اشْتِراكُ المَخلوقين في المُسَمَّى به، خاصٌّ مِنْ طريقِ المَعنى؛ لأنَّه يَرجِعُ إلى اللُّطفِ والتوفيقِ.
و “الرَّحْمنُ” اسْمٌ خاصٌّ بِصِفَةٍ عامَّةٍ، و “الرحيمُ” اسمٌ عامٌّ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ. وقيل: “الرَّحْمنُ” بأهلِ الدُّنيا، والرَّحيمُ بأهلِ الآخِرَةِ. وجاءَ في الدُّعاءِ: يا رحمنَ الدنيا ورَحيمَ الآخرة.
و “الرحمنُ الرحيمُ”: صفتان مشتَقَّتان مِنَ الرَّحمةِ، وقيلَ: “الرحمنُ” ليس مُشتَقًّا لأنَّ العَرَبَ لمْ تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرحمن} وأُجيبَ عنْه بأنَّهم جَهِلوا الصِّفَةَ دونَ المَوصُوفِ، ولذلك لم يَقولوا: وَمَنْ الرحمنُ.
وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ “الرحمنَ” بدلٌ مِنِ اسْمِ اللهِ لا نَعْتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبِه مِنْ أنَّ الرحمنَ عندَهُ عَلَمٌ بالغلَبَةِ. واستَدَلَّ على ذلك بأنَّه قد جاء غيرَ تابعٍ لِمَوصوفٍ، كقولِه تعالى في سورة الرحمن: {الرحمنُ * عَلَّمَ القرآنَ} الآيتان: 1 و 2. وقوله: {الرحمنُ عَلَى العرشِ اسْتَوى} سورة طه، الآية: 5. وقد رُدَّ عليْه بأنَّه لو كان بدلاً لَكان مُبيِّنًا لِما قبلَه، وما قبلُه ـ وهو الجَلالةُ ـ لا يَفتقِرُ إلى تبيِّينٍ لأنَّها أعرفُ الأعلامِ، أَلا تَراهم قالوا: {وَمَا الرحمنُ} ولم يقولوا: وما اللهُ.
أمَّا قولُه: “جاء غيرَ تابع” فذلك لا يمنعُ كونَه صِفَةً، لأنَّه إذا عُلِمَ المَوصوفُ جازَ حَذْفُه وبقاءُ صِفَتِه، كقولِه تعالى في سورة فاطر: {وَمِنَ النّاسِ والدَوابِّ والأنعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} الآية: 28. أيُّ نوعٌ مختلِفٌ، وكقولِ الأعشى
كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها ……….. فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
أي: كوعلٍ ناطح.
و “الرحمةُ” لغةً: الرِقَّةُ والانْعِطافُ، ومنه اشْتِقاقُ الرَّحِمِ، وهي البَطْنُ لانعِطافِها على الجَنينِ، فعلى هذا يَكونُ وَصْفُهُ تعالى بالرحمةِ مَجازًا عن إنْعامِهِ على عِبادِه كالمَلِك إذا عَطَفَ على رَعِيَّتِه أَصابَهم خيْرُه. ويَكونُ على هذا التقديرِ صِفَةَ فعلٍ لا صِفَةَ ذاتٍ.
وقيلَ: الرَّحمَةُ إرادةُ الخَيْرِ لِمَنْ أرادَ اللهُ بهِ ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذٍ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.
وقيل: الرَّحمَةُ رِقَّةٌ تَقتَضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستَعمَلُ تارةً في الرِّقَّةِ المُجَرَّدَةِ وتارةً في الإِحسانِ المُجَرَّدِ، وإذا وُصِفَ بِهِ الباري تعالى فليس يُرادُ بِه إلَّا الإِحسانُ المُجرَّدُ دونَ الرِّقَّةِ، وعلى هذا رُوي: “الرَّحمَةُ مِنَ اللهِ إنعامٌ وإفضالٌ، ومِنَ الآدَمِيِّينَ رِقَّةٌ وتَعَطُّفٌ”.
وقالَ ابنْ عبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما: (وهما اسمانِ رَقيقانِ أحدُهُما أَرَقُّ مِنَ الآخَرِ أي: أكثرُ رحمةً) ونُسب هذا القولُ لأميرِ المؤمنين عليٍّ
ـ رضيَ اللهُ عنه، كما سَلَفَ.
وقال ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِفْقَ، ويُعْطي عليه ما لا يُعْطي على العُنْفِ)). رواهم مسلم. وأَمَّا “الرحيمُ” فالرَّفيقُ بالمُؤمنين خاصَّةً.
واختلفَ أهلُ العلمِ في “الرَّحمنِ الرَّحيمِ” بالنِسْبَةِ إلى كَونِهما بِمَعنًى واحدٍ أو مُختًلِفيْن. فمِنْهم مَنْ قال: لِكُلِّ واحدٍ فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخَرِ، وجَعَلَ ذلك بالنِسْبَةِ إلى تَغايُرِ مُتعلِّقِهما إذْ يُقالُ: “رَحْمنُ الدنيا ورحيمُ الآخرةِ”. ويُروى ذلك عن النبيِّ ـ صلَى اللهُ عليْه وسَلَّمَ. وذلك لأنَّ رَحْمَتَهُ في الدُّنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرةِ تَخُصُّ المؤمنين فقط. ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرةِ، وفي المُغايَرة بينَهُما بهذا القَدْرِ وحدَهُ نَظَرٌ لا يَخْفى. وذَهبَ بعضُهم إلى أنَّهما مختلفان، ثمَّ اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيْضًا: فمِنْهم مَنْ قال: “الرحمنُ” أبلغُ، ولذلك لا يُطلَقُ على غيرِ الباري تعالى، ولذلك يقال: رَحمنُ الدُّنيا والآخِرَةِ ورَحيمُ الآخرةِ فقط، فكان القياسُ الترقِّيَ مِن الأدنى، إلى الأعْلى، كما يُقالُ: شُجاعٌ باسلٌ، ولا يقال: باسِلٌ شجاعٌ. ثمَّ أُرْدِفَ “الرحمنُ” الذي يَتناوَلُ جَلائلَ النِّعَمِ وأصولَها ب “الرحيمِ” لِيكونَ كالتَتِمَّةِ والرَّديفِ لِيَتَناوَلَ ما دَقَّ منها ولَطُفَ.
ومنهم مَنْ عَكَس فجعلَ “الرحيمَ” أبلغَ، ويُؤيِّدُهُ رِوايَةُ مَنْ قال: رَحيمُ الدُّنيا ورَحمنُ الآخِرةِ لأنَّه في الدُّنيا يَرْحَمُ المُؤمِنَ والكافرَ، وفي الآخرةِ لا يَرْحَمُ إلاَّ المؤمنَ. لكنَّ الصحيحَ أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الرِوايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأنَّ الرحمةَ في القيامةِ أكثرُ بأَضعافٍ، وأثرُها فيها أظْهَرُ، على ما يُروى أنَّه خَبَّأَ لِعِبادِه تسعًا وتسعينَ رَحمَةً لِيومِ القيامةِ ووَضَعَ لهم رَحمَةً واحدةً في الدُّنيا فَبِها يَتراحَمُ الخُلْقُ كُلُّهم.
يُروَى أنَّ سيِّدَنا موسى ـ عليه السلامُ ـ سألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ كيف تقوم الدنيا كلُّها على جزءٍ واحدٍ من مئةِ جزءٍ مِنْ رَحمَتِهِ ـ سبحانَه، وتَعَجَّبَ كيف يَسَعُ ذلك الخلقَ كُلَّهم فيتراحَمون بِجُزءٍ واحدٍ من رحمتِهِ جَلَّ شأنُه، فقالِ انْظُرْ يا موسى، فنَظَرَ فرَأى أُمًّا جالسةً أمامَ التَنُّورِ والعجينُ عن يَمينِها والحَطَبُ عَنْ شِمالِها وابْنُها في حِجْرِها مُنْحَنِيَةً عليه وهو يَرضَعُ، وهي تُغالِبُ الدُخانَ واللَّهَبَ فقال: سبحانَكَ يا رَبُّ ما أَعظَمَ رَحمَتَك! أكُلُّ هذا برحمةٍ واحدةٍ؟! ماذا لو لم تكن هذه الرحمة؟؟ فقالَ اللهُ ـ سبحانَه: انْظُرْ يا موسى، ونَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قلبِ هذهِ الأُمِّ، ولَفَحتِ النَّارُ وجهَها، وغَلَبَها الدُّخانُ فصَرَفَتْ وجهَها عنِ النَّارِ، فَخَرَجَتْ حَلْمَةُ ثَدْيها مِنْ فَمِ الطِّفْلِ فبَكى، فقالت: أَنَا أَحْتَمِلُ كُلَّ هذا مِنْ أَجلِكَ؟! وَقَذَفَتْ بِه فِي التَّنُّورِ قائلَةً: أنتَ أَوْلى بها منِّي، فاستغاثَ مُوسَى بالله، فأَعادَ اللهُ الرَّحمةَ إلى قلبِ الأُمِّ فسَحَبتْ الطِّفلَ مِنَ التَّنُّورِ ولمْ يُصَبْ بأذًى بمَشيئةِ اللهِ.
والظاهرُ أنَّ جِهةَ المُبالَغَةِ فيهما “الرحمنُ، الرحيمُ” مختلفةٌ، فمُبالَغةُ “فَعْلان” منْ حيثُ الامْتِلاءُ والغَلَبَةُ، ومُبالَغَةُ “فَعيل” مِنْ حيْثُ التَكْرارُ والوُقوعُ بِمَحَالِّ الرَّحْمَةِ.
وقيلَ إنَّ بِناءَ “فَعْلان” ليسَ كبِناءِ “فَعِيل”، لأنَّه لا يَقَعُ إلاَّ على مُبالَغةِ الفِعْلِ، نحو: رَجُلٌ غَضْبانُ للمُمْتَلِئِ غَضَبًا، و “فَعيل” يكون بمعنى الفاعلِ والمَفعولِ. قال عَمَلَّسُ ابنُ عَقِيلٍ:
فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ……… فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ
فالرَّحمنُ خَاصُّ الاسْمِ عامُّ الفِعْلِ. والرَّحيمُ عامُّ الاسْمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلِك لا يَتَعَدَّى “فَعْلان” ويتعدَّى “فَعيل”. والألِفُ واللامُ في “الرَّحمنِ” للغَلَبة، ولا يُطْلَقُ على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقولِه تعالى في سورة الإسراء: {قُلِ ادعوا اللهَ أَوِ ادْعوا الرَّحمَنَ} الآية: 110. فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه وهو اسمُ “الله”، بِخِلافِ “رحيم” فإنَّه يُطلَقُ على غيرِه تعالى أيْضًا. قال  تعالى  في حَقَّهِ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: {بالمُؤمنين رَؤوفٌ رَحيمٌ}سورة التوبة، الآية: 128.
وفي وصلِ “الرَّحيمِ” بالحَمْدِ ثلاثةُ أوْجُهٍ، فالَّذي عليهِ الجُمْهُورُ: “الرحيمِ” بِكسْرِ المِيمِ مَوْصولَةً بالحَمْدِ. وفي هذه الكَسْرَةِ احتِمالان: أحدُهُما ـ وهو الأصحُّ ـ أنَّها حَرَكةُ إعْرابٍ، وقيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الميمَ سَكَنَتْ على نِيَّةِ الوَقْفِ، فلمَّا وَقَعَ بعدَها سَاكِنٌ حُرِّكَتْ بالكَسْرِ. والثاني مِنْ وَجْهَيِ الوَصْلِ: سُكونُ المِيمِ والوَقْفُ عليْها، والابْتِداءُ بِقَطْعِ أَلِفِ “الحَمْدُ” رَوَتْ ذلك أمُّ سَلَمَةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ عنه ـ عليه الصلاة والسلامُ.
وقَرَأَ بعضُهم: “الرَّحيمَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمين”، بفتحِ المِيمِ ووصلِ ألفِ “الحَمْدُ”، كأنَّه سَكَّنَ للوقفِ وقَطَعَ الأَلِفَ، ثمَّ أَجْرى الوَقْفَ مُجْرى الوَصْلِ، فأَلْقى حَرَكَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ على المِيمِ السَّاكِنَةِ.
وفي فضلِها قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَكْتُبُ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ” فَقَالَ لَهُ: جَوِّدْهَا فَإِنَّ رَجُلاً جَوَّدَها فغُفِرَ له. قال سعيد: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً نَظَرَ إِلَى قِرْطَاسٍ فِيهِ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ” فَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَغُفِرَ لَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي، فَإِنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الرُّقْعَةَ الَّتِي فيها “بسمِ اللهِ” وَطَيَّبَهَا طُيِّبَ اسْمُهُ. ونَصُّ القِصَّةِ كَما في وفَياتِ الأَعيان والرِّسالةِ القُشيْريَّةِ: .. وسببُ توبتِه أنَّه أَصابَ في الطريقِ ورَقةً مكتوبًا فيها اسْمُ اللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ وقد وَطَأَتْها الأَقدامُ، فأَخَذَها واشْترى بِدراهمَ كانت معَه غالِيَةً (الغاليةُ مزيجٌ مِنْ أَفْخَرِ أَنواعِ الطِيبِ يَقتنيهِ المُلوكُ والأمراءُ وعِلْيَةُ القَومِ) فطَيَّبَ بِها الوَرَقَةَ وجَعَلَها في شِقِّ حائطٍ، فرَأى في النَّومِ كأنَّ قائلاً يقولُ لهُ: يا بِشْرُ، “طيَّبْتَ اسْمِي لأُطَيِّبَنَّك في الدُّنيا والآخِرَةِ” فلَمَّا انْتَبَهَ مِن نَومِهِ تابَ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ رِدْفِ رَسُولِ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاس ٍـ رَضي اللهُ عنهما، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((إِذَا عَثَرَتْ بِكَ الدَّابَّةُ فَلا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولُ: بِقُوَّتِهِ صَنَعْتُهُ. وَلَكِنْ قُلْ: “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” فَإِنَّهُ يَتَصاغَرُ حتَّى مِثْلَ الذُّبَابِ)). أخرجه النسائي في السنن الكبرى وأحمد في المسند وأخرجه الحاكم في مستدركه وصححه. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى في سورة الإسراء: {وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً} الآية: 46. قَالَ مَعْنَاهُ: إِذَا قُلْتَ: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ”. وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابنِ مسعودٍ، قُل: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ” لِيَجْعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ. فَالْبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلَى عَدَدِ مَلائِكَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قال اللهُ فيهم: {عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ} سورة المدَّثّر، الآية: 30. وَهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِمْ: “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ” فمِنْ هناك هِيَ قُوَّتُهُمْ، وَبِ “بِسْمِ اللهِ” اسْتَضْلَعُوا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُمْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، مُرَاعَاةً لِلَفْظَةِ “هِيَ” مِنْ كلماتِ سُورةِ {إِنَّا أَنْزَلْناهُ} وذلك في حسابِ الجُمَّلِ، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي عَدَدِ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا قَوْلُ الْقَائِلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَإِنَّهَا بِضْعَةٌ وَثَلاثُونَ حَرْفًا، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ)). أخرجه عدد من الأئمة منهم ابن حبان في صحيحه: (5 / 236) والإمام مالك في الموطأ: 1/211-212: باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى وأبو داوود، وأحمد والبغوي في
شرح السنة وهو صحيح على شرط البخاري.
وروى الشَعْبِيُّ والأَعْمَشُ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَكْتُبُ: “بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ” حَتَّى أُمِرَ أَنْ يُكْتُبَ: “بِسْمِ اللهِ” فَكَتَبَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ} كَتَبَ: “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ” فَلَمَّا نَزَلَتْ: ِ{إنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ”} كَتَبَهَا.
وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُودَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ وَثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ: إِنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ لم يكتبْ “بسم الله الرحمن الرحيم” حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ “النَّمْلِ”. ورُوِيَ عَنْ جَعْفَر الصَّادق ـ رضي اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ تِيجَانُ السُّوَرِ.
وإنَّما جعلَ اللهُ البسملةَ مبدأَ كلامِه لوجهين، أمَّا الأوّلُ فلأنَّها إجمالُ ما بعدَها، وهي آيةٌ عظيمةٌ ونِعمةٌ للعارفِ جَسيمةٌ لا نهايةَ لِفوائدِها ولا غايةَ لقيمةِ فرائدِها. والباحثُ عنها ـ مع قِصَرِها ـ إذا أرادَ ذرَّةً من عِلْمِها ودُرَّةً مِن عالَمِها احتاجَ إلى باعٍ طويلٍ في العلومِ واطلاعٍ عريضٍ في المَنطوقِ والمَفهومِ، فإذا أرادَ أنْ يَبحثَ عن الباء ـ مثلاً ـ من حيثُ إنَّها حرفُ جَرٍّ، بل عن سائرِ كلماتِها من حيثُ الإعرابُ والبناءُ احتاج إلى عِلْمِ النحوِ، وإذا أراد أنْ يَبحثَ عن أصولِ كلماتِها كيف كانت وكيف آلت احتاج إلى عِلْمَي الصَرْفِ والاشتقاقِ، وإن أرادَ أنْ يَبحثَ عن نحوِ القَصْرِ بأقسامِهِ، وهلْ يُوجدُ فيها شيءٌ منه، احتاج إلى عِلْمِ المَعاني، وإنْ أرادَ أنْ يَبحثَ عمَّا فيها من الحقيقةِ والمَجاز احتاجْ إلى علمِ البَيانِ، وإنْ أرادَ أنْ يَبحثَ عمَّا بيْن كلماتِها من المُحَسِّناتِ اللفظيّةِ احتاجَ إلى عِلْمِ البديعِ، وإنْ أرادَ أنْ يَبحثَ عنها من حيثُ إنَّها شِعْرٌ أو نَثْرٌ مَوزونٌ أو غيرُ موزونٍ ـ مثلاً ـ احتاج إلى عِلْمي العروض والقوافي، وإنْ أراد أن يَعرِفَ مدلولاتِ الألفاظِ لغةً احتاج إلى مُراجعةِ اللُّغةِ، وإنْ أرادَ أنْ يَعرِفَ مِن أيِّ الأقسامِ وَضْعُ ها تيكَ الألفاظِ احتاجَ إلى عِلْمِ الوَضْعِ، وإنْ أرادَ مَعْرفةَ ما في رسمِها احتاجَ إلى عِلْمِ الخَطِّ، وإنْ أرادَ البحثَ عن كونِها قضيّةً ومِن أيِّ قسمٍ مِن أقسامِها أو غيرَ قضيّةٍ احتاج إلى عِلْمِ المَنْطِقِ، وإنْ أرادَ أنْ يَعرِفَ أنَّ كُنْهَ ما فيها من الأسماءِ هل يُعلَمُ أوّلاً احتاج إلى عِلْمِ الكلام، وإنْ أرادَ معرفةَ حُكمِ الابتداءِ بها وهلْ يَختلِفُ باختِلافِ المَبدوءِ به احتاج إلى عِلْمِ الفِقهِ، وإن أراد معرفةَ أنَّ ما فيها ظاهرٌ أو نَصٌّ ـ مثلاً ـ احتاج إلى عِلْمِ الأُصولِ وإنْ أرادَ معرفةَ تَواتُرِها احتاج إلى علم المصطلح، وإنْ أرادَ معرفةَ أنَّها من أيِّ مَقولةٍ من الأعْراضِ احتاج إلى عِلْمِ الحِكْمةِ أو الفلسفة، وإن أرادَ معرفةَ طبائِعِ حُروفِها احتاج إلى عِلْمِ الحَرْفِ، وإنْ أراد معرفة ما يُمكنُ التخلُّقُ به ممَّا تَدُلُّ عليه الأسماءُ احتاجَ إلى عِلمِ الأخلاقِ، وإنْ أرادَ معرفةَ ما خَفيَ على أربابِ الرسومِ من الإشاراتِ فلْيضرَعْ إلى ربِّه، وإنْ أرادَ أن يَقِفَ على جميعِ ما فيها مِنَ الأَسرارِ فليَعُدَّ غيرَ المُتناهي وكيف يُطمَعُ في ذلك وهي عُنوانُ كلامِ اللهِ تعالى المَجيدِ، وخالُ وجْنةِ القرآنِ الذي لا يأتيهِ الباطلُ مِنْ بيْن يديْه ولا مِن خلْفِه تنزيلٌ من حكيم حميد.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com