RSS

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 90


وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ

(90)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُهُ: {وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} تقدَّمَ غيرَ مَرَّةٍ أنَّ المَلَأَ مِنَ القومِ هُمْ زُعماؤهم وكبراؤهم ومُتْرَفوهم، أَيْ قَالُ هؤلاءِ الزعماءُ لِمَنْ دُونَهُمْ من العامَّةِ الذين يتبعونَهم ويأتمرونَ بأمرِهم. وَوَصْفُ الْمَلَأِ هُنَا بِالْكُفْرِ لِمُنَاسَبَةِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ، الدَّالِّ عَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ، كَمَا وُصِفُوا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِالِاسْتِكْبَارِ لِمُنَاسَبَةِ حَالِ مُجَادَلَتِهِمْ شُعَيْبًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَحَصَلَ مِنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ كَافِرُونَ. وهُنا نَلْمَحُ أَنَّ المَلَأَ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ قدْ يَئِسوا مِنِ اسْتِمالَةِ شُعَيْبٍ وأَتْباعِهِ إلى مِلَّتِهم، فأَخذوا يُحذِّرونَ النّاسَ مِنَ السَّيْرِ في طَريقِهِ.

قولُهُ: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ} لِشَرَفِكُم ومَجْدِكُم، أَيْ هَالِكُونَ، بإيثارِ مِلَّتِهِ على مِلَّةِ آبائكم وأَجْدادِكُم، أو خاسرون لِثَرْوَتِكمْ وأَرباحِكم الماديَّةِ. لأنَّ اتِّباعَكُمْ لَهُ سَيَحولُ بَينَكم وبَينَ التَطفيفِ في الكَيْلِ والمِيزانِ، وهُوَ مَدارُ غِناكُمْ واتِّساعِ أَمْوالِكم. ذلك لأنَّ شعيبًا ـ عليه السلامُ ـ كان يُحَذِّرُ قومَهُ منَ التَطفيف في الكيل والوَزْنَ، ويَأْمُرُهُم بِوفاءِ حقوقِ الناسِ. وكان يُحَذِّرُهم من عِبادةِ الأَصْنامِ والأَوْثان، ويَدْعوهم إلى عبادةِ الله الواحد ـ سبحانَه ـ ويُرغِّبٌهم في ذلك، وكانوا يَعبُدون تَلْكَ الأَصْنامَ لِتُقرِّبَهم إلى اللهِ زُلْفى، وتَكونَ لَهُمْ شُفعاءَ في الآخرةِ، فقالوا: لَئِنْ اتَّبعتم شُعيبًا فيما يَدعوكم إليهِ ويَنهاكُم عَنْه، لكنتم مِنَ الخاسرين، لا شُفعاءَ لَكُمْ في الآخرةِ.

وهم يَقصدون بهذا تَنَفير الناسِ مِنْ دَعوةِ شُعيبٍ، وتَثبيطَهم عَنِ الإيمانِ بِهِ، وإغراءهم بالبَقاءِ على عَقائدِهم الباطلةِ، وتَقاليدِهم التي وَرِثوها عَنْ آبائهم وأَجدادِهم، فهم لم يَكْتَفُوا بِضَلالِهم في أَنْفُسِهم، بَلْ عَمِلوا على إضْلالِ غيرِهم. وقولُهم هذا مَعْطوفٌ على قولِهِ ـ تعالى ـ فيما سَبَقَ: {قَالَ الملأُ الذين اسْتَكْبَروا مِنْ قَوْمِهِ}. وليسَ رَدّاً على شُعيبٍ، لأنَّه لو كان كذلك لَجاءَ مَفْصولاً بِدونِ عَطْفٍ، وقد أَكَّدوا قولَهم بِعِدَّةِ مُؤكِّداتٍ مِنْها اللامُ الموطئةِ للقَسَمِ، والجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ المُصَدَّرةِ بـ “أن” وذلك لكي يَخْدَعوا السامعين بأنَّهم ما يُريدون إلاَّ خيرَهُم وعَدَمِ خُسرانِهم.

قولُهُ تعالى: {وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} قال:فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ الظاهِرِ على آخِرِهِ. “الملأُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضَمَّةُ الظاهرةُ على آخِرِهِ، “الذين”اسْمٌ مَوصولٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ في مَحَلِّ رَفعٍ نَعتاً لـالمَلأ“. “كَفَروا فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بِواوِ الجَماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ في مَحلِّ رَفْعِ فاعلٍ، والألفُ فارقة. “من” حرفُ جرٍّ، “قومِه“، قومِ: مضافٌ مَجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنْ فاعلِ “كَفَروا“، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرِّ مُضافٍ إليهِ. جُمْلةُ “قال الملأ” معطوفة على جملة: “قال الملأ الذين استكبروا” الاستئنافيَّة، فهي مثلُها لا مَحَلَّ لها مِنَ

الإعْرابِ. وجُملةُ “كَفَروا” صِلَةُ المَوْصُولِ “الذين” لا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ.

قولُهُ: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} لئن: اللام: موطّئةٌ للقَسَمِ، و”إن” حرفُ شَرْطٍ جازمٌ. “اتَّبَعْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على السُكونِ الظاهرِ في مَحَلِّ جَزْمِ فعلِ الشَرْطِ. والتاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفع فاعلٍ والميمُ علامةُ جمع الذكور. “شعيبا” مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ. وجُملةُ: اتَّبعتم في مَحَلِّ نَصْبِ مَقولِ القَوْلِ.

قولُهُ: {إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ} إنّكم: إنَّ: حرفٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ، والكافُ: ضَميرٌ متَّصِلٌ في مَحَلِّ نَصْبِ اسْمِ “إنَّ” والميمُ عَلامَةُ جَمْعِ الذكور. “إذاً” حرفُ جوابٍ وجزاءٍ، وهي هُنا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الاسْمِ والخَبَرِ. وقدْ تَوَهَّمَ بعضُهم فجَعَلَ “إذاً” هذِهِ “إذا” الظَرْفِيَّة في الاسْتِقبالِ نحوَ قولَكَ: (أَلزَمُكَ إذا جِئتَني) أيْ وَقْتَ مَجيئِكَ. قال: “ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافةُ هي إليها، والأصل: إنَّكم إذا اتَّبَعْتَمُوهُ لَخاسِرون، فـ “إذا” ظَرْفٌ والعاملُ فيه “لخاسرون“، ثمَّ حُذِفَتِ الجُمْلَةُ المُضافُ إليْها وهيَ اتَّبَعْتُموهُ، وعُوِّضَ مِنْها التَنْوين، فلَمَّا جِيءَ بالتَنْوين، وهو ساكنٌ الْتَقى بِمَجيئِهِ ساكِنان هُوَ والأَلِفُ قَبْلَهُ، فحُذِفَتِ الأَلِفُ لالْتِقاءِ الساكنيْنِ، فبَقِيَ اللَّفظُ “إذاً” كما تَرى. وزَعَمَ هذا القائلُ أَنَّ ذلك جائزٌ بالحَمْلِ على “إذا” التي للمُضِيِّ في قولِهم: “حينئذ” و”يومئذ” فكَما أَنَّ التَنْوينَ هُناكَ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ عندَ الجُمهورِ كذلك هنا. وَرَدَّ الشَيْخُ هَذا بأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ هذا الحُكْمُ لـ “إذا” الاسْتِقبالِيَّةِ في غيرِ هذا المَوْضِعِ فيَحْمِلَ هذا عليه. وهذا ليس بلازمٍ إذ لذلك القائلِ أنْ يقولَ: قَد وَجَدْتُ موضعاً غيرَ هذا وهو قولُه تعالى: {إِنَّا إِذاً لَّظَالِمُونَ} سورةُ يُوسُف: 79.

. و”لخاسرون” اللامُ: لامُ القَسَمِ التي تُفيدُ رَبْطَ الجَوابِ بالقَسَمِ، وهِيَ المُزَحْلَقَةُ مِنْ غَيْرِ القَسَمِ، “خاسرون” خَبَرُ “إنّ” مَرْفُوعٌ، وعَلامَةُ الرَّفْعِ الواوُ لأنَّهُ جمعٌ مُذَكَّرٌ سالمٌ، والنونُ عِوَضاً عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ. وجُملةُ: “إنَّكملخاسرون” جوابُ القَسَمِ لا محلّ لها منَ الإعرابِ. وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ.

 
صورة

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 89


إحدى الأوابد الشاهدة على عظمة السلطنة العثمانية

قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.

(89)

قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها} لَمَّا كانَ العَرَبُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ مُطْلَقِ الكَذِبِ وأَشَدَّهم لَهُ تَحامِياً ومِنْهُ نَفَرَةً، فكيفَ بالكَذِبِ على الأَكابِرِ، فكيفَ بِهِ على المُلوكِ، فكيفَ بِهِ على مَلِكِ المُلوكِ! فَبَيَّنَ ـ عليه السلامُ ـ اسْتِحَالَةَ عَوْدِهِمْ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ بِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَيْهَا يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى مِنْ إِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ فَذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى اللهِ عَنْ عَمْدٍ، لِأَنَّ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ، وَيَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ عَلَى اللهِ حَيْثُ أَيْقَنُوا بِأَنَّ شُعَيْبًا مَبْعُوثٌ مِنَ اللهِ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ فِي كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ: افْتَرَيْنا وعُدْنا ونَجَّانَا ونَعُودَ ورَبُّنا وتَوَكَّلْنا. وَالرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابه ربط التّبيُّنِ وَالِانْكِشَافِ. لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ حُصُولِ الِافْتِرَاءِ بِالْعَوْدِ فِي مِلَّةِ قَوْمِهِ، فَإِنَّ الِافْتِرَاءَ الْمَفْرُوضَ بِهَذَا الْمَعْنَى سَابِقٌ مُتَحَقِّقٌ وَإِنَّمَا يَكْشِفُهُ رُجُوعُهُمْ إِلَى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ، أَيْ إِنْ يَقَعْ عَوْدُنَا فِي مِلَّتِكُمْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّنَا افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا، فَالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: افْتَرَيْنا مَاضٍ حَقِيقِيٌّ كَمَا يَقْتَضِيهِ دُخُولُ قَدِ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ لَا تَقْلِبُهُ “إِنْ” لِلِاسْتِقْبَالِ، أَمَّا الْمَاضِي الْوَاقِعُ شَرْطًا لِـ “إِنْ” فِي قَوْلِهِ: “إِنْ عُدْنا” فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ “إِنْ” تَقْلِبُ الْمَاضِي لِلْمُسْتَقْبَلِ عَكْسَ “لَمْ”. وإيثارُ “قَدْ” والماضي الدالَّيْن على التَأْكيدِ إمَّا لأَنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أوْ لأَنَّهُ تَعْجيبٌ على مَعْنى ما أَكَذَبَنا إنْ عُدْنا. ووَجْهُ التَعْجيبِ أَنَّ المُرْتَدَّ أَبْلغُ في الافْتِراءِ مِنِ الكافِرِ لأَنَّ الكَافِرَ مُفْتَرٍ الكَذِبَ عَلى اللهِ تَعالى، حيثُ يَزْعمُ أَنَّ للهِ ـ سُبْحانَهُ ـ نِدّاً، ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدُّ مِثْلُهُ في ذلكَ وزائدٌ عَلَيْه حيثُ يَزعمُ أَنَّه قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا خَفِيَ عَليهِ مِنَ التَمييزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطلِ، والحَمْلُ على التَعَجُّبِ أَوْلى لأنَّ حَذْفَ اللامِ ضعيفٌ. أوْ يَكونُ مَعنى “بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها” عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ لِلدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي اتَّبَعْنَاهُ بِالْوَحْيِ فَنَجَّانَا مِنَ الْكُفْرِ، فَذَكَرَ الْإِنْجَاءَ لدَلالَتِهِ على الإهْداءِ، وَأعْلَنَ بِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْكُفْرِ نَجَاةٌ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ أَوْ كِنَايَةٌ. فإذا فَعَلْنا ذلك فَقَدِ ارْتَكَبْنا أَقْبَحَ القَبائَحِ مُتَعَمِّدينَ ذلك، فهو تعليق على مُحالٍ عادَةً، ومنه قولُ الأَشْتَرِ النُخَعِيِّ:

بَقَّيْتُ وَفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ……………. وَلَقيتُ أَضْيافي بَوجْهِ عَبوسِ

إنْ لَمْ أَشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غَارَةً ……………. لَم ْتَخْلُ يَوْماً مِنْ نِهابِ نُفُوسِ

غيرَ أَنَّ المُعَلَّقَ في البيتِ تَقْديرِيٌّ، بينما هو في الآية تَحْقيقيٌّ، لأنَّهم أَخبروهُم أَنَّ اللهَ تَعالى نَهى عَنِ الكُفْرِ وأَمَرَهُم بإنْذارِ كُلِّ كافِرٍ، فمَتى تَرَكُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الكَذِبُ حَتْماً.

وَ”بَعْدَ” هنا لَيْسَتْ قَيْدًا لِـ “افْتَرَيْنا” وَلَا هِيَ مُوجبٌ، كَونَ الْعودِ فِي مِلَّتِهِمْ دَالًّا عَلَى كَذِبِهِ فِي الرِّسَالَةِ، بَلْ هَذِهِ الْبَعْدِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ “عُدْنا” يُقْصَدُ مِنْهَا تَفْظِيعُ هَذَا الْعَوْدِ وَتَأْيِيسُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَوْدِ شُعَيْبٍ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ، بِخِلَافِ حَالِهِمُ الْأُولَى قَبْلَ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ يُوصَفُونَ بِالْكُفْرِ لَا بِالِافْتِرَاءِ إِذْ لَمْ يَظْهَرُ لَهُمْ وَجْهُ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْصِدُهُ الْعَاقِلُ فَيَلْقِي نَفْسَهُ فِي الضَّلَالِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْعَذَابِ. وَقَدْ رَتَّبَ عَلَى مُقَدِّمَةِ لُزُومِ الِافْتِرَاءِ نَتِيجَةَ تَأْيِيسِ قَوْمِهِ مِنْ أَنْ يَعُودَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها فَنَفَى الْعَوْدَ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلَامِ الْجُحُودِ.

وَقَوْلُهُ: {وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا} أَيْ: أَيْ فِي الْقَرْيَةِ بَعْدَ أَنْ كَرِهْتُمْ مُجَاوَرَتَنَا، بَلْ نَخْرُجُ مِنْ قَرْيَتِكُمْ مُهَاجِرِينَ إِلَى غَيْرِهَا. أَوِ المقصودُ أنَّه ليسَ لَنَا أَنْ نَعودَ في ملَّتكم، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَّا أَبَداً، إِلَّا أَنْ يُقَدِّرَ اللهُ لَنَا مثلَ هذا الْعَوْدَ، فَإِنَّهُ لَا يسْأَل عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْأَلون، وهو مِنْهُ ـ عليهِ السَّلامُ ـ تَأَدُّبٌ مَعَ اللهِ وَتَفْوِيضٌ إِلَيْهِ، وقَيدَ عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْكُفْرِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ الدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى الْكُفْرِ مُسَاوٍ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّأَدُّبُ وَتَفْوِيضُ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَقْبَلِ إِلَى اللهِ. فَأَمَّا ارْتِدَادُ شُعَيْبٍ بَعْدَ النُّبُوءَةِ فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا لِعِصْمَةِ اللهِ لِلْأَنْبِيَاءِ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ سَلَبَ الْعِصْمَةَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُحَالٌ عَقْلًا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا، لأنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعصومونَ مِنَ الشِّرْكِ ومِنِ اقْتِرافِ الكَبائرِ وكلِّ ما يشينُ قَبْلَ النُّبُوءَةِ وبَعْدَها. وَأَمَّا سِواهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعَوْدُهم مُمْكِنٌ فِي الْعَقْلِ حُصُولُهُ وَلَا يَسْتَحيلُ شَرْعاً، وَقد وَقَعَ الِارْتِدَادُ فِي طَوَائِفَ مِنْ بعضِ الأُمَمٍ.

وَمِنْ هُنَا يُسْتَدَلُّ على صحَّةِ قَوْلِ الْأَشاعِرَةِ: أَنَّ للمُسْلِمَ أن يَقُولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يُخْتَمُ لَهُ بِهِ، وَيُضَعَّفُ قَوْلُ الْمَاتُرِيدِيَّة: بأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَقُولُ ذلك، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ مِنْ إيمانِهِ، فَلَا يَقُول كَلِمَةً تُنْبِئُ عَنِ الشَّكِّ فيه. والخلافُ بين الفريقين لفظيٌّ كما قَالَ عددٌ مِنَ الْمُحَقِّقينَ، كتَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ وتِلْمِيذِهُ نُورِ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ ـ رحِمَهُما اللهُ.

وليس معنى ذلك أنَّه يَجِبُ على الْمُؤْمِنِ أَنْ يَقولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُقَابِلُونَ قَوْلَ الْقَائِلِينَ بِالْمَشِيئَةِ بِقَوْلِ الْآخَرِينَ: أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللهِ، وإنَّما الخلافُ على جَوازِ قَولِ ذلك وحسْبُ. فَرَجَعَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى اخْتِلَافِ النَّظَرِ فِي حَالَةِ عَقْدِ الْقَلْبِ مَعَ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ مِنْ خَاتِمَتِهِ، وَبِذَلِكَ سَهُلَ إِرْجَاعُ الْخِلَافِ إِلَى الْخِلَافِ اللَّفْظِيِّ.

وَالْإِتْيَانُ بِوَصْفِ الرَّبِّ وَإِضَافَتُهُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ: إِظْهَارٌ لِحَضْرَةِ الْإِطْلَاقِ، وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا.

قَوْلُهُ: {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أَيْ عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. فأعَادَ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ إِظْهَارِ وَصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَتَأْكِيدِ التَّعْرِيضِ الْمُتَقَدِّمِ، حَتَّى يَصِيرَ كَالتَّصْرِيحِ. وتَفْوِيضٌ محضٌ لِعِلْمِ اللهِ، أَيْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنَّا. وَانْتَصَبَ عِلْماً عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنِ الْفَاعِلِ لِقَصْدِ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِلِاهْتِمَامِ. وَانْتَصَبَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِـ “وَسِعَ“، أَيْ: وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنَا كُلَّ شَيْءٍ. وَالسِّعَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ هنا مَجَازًا وهي كنايةٌ عنِ الْإِحَاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاسِعَ يَكُونُ أَكْثَرَ إِحَاطَةً. وَهو ـ عليه السلامُ إنما يريد فِي هَذِهِ الْمُجَادَلَةِ تَعْلِيمَ بَعْضِ صِفَاتِ اللهِ ـ تبارك وتعالى ـ لِأَتْبَاعِهِ وَلِغَيْرِهِمْ.

قولُهُ: {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا} أَيِ على اللهِ اعْتَمَدْنَا. فقد أَخْبَرَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ بِأَنَّهُ وَمَنْ تَبِعَهُ قَدْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَالتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ مُبَاشَرَةِ صَلَاحِ الْمَرْءِ إِلَى غَيْرِهِ والتَفْوِيضُ يَقْتَضِي طَلَبَ الْخَيْرِ، أَيْ: رَجَوْنَا أَنْ لَا يَسْلُبَنَا الْإِيمَانَ الْحَقِّ وَلَا يُفْسِدُ خَلْقَ عُقُولِنَا وَقُلُوبِنَا فَلَا نُفْتَنُ ونَضِلَّ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَكْفِيَنَا شَرَّ مَنْ يُضْمِرُ لَنَا شَرًّا وَذَلِكَ شَرُّ الْكَفَرَةِ الْمُضْمَرُ لَهُمْ، وَهُوَ الْفِتْنَةُ فِي الْأَهْلِ بِالْإِخْرَاجِ، وَفِي الدِّينِ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى اتِّبَاعِ الْكُفْرِ. وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى الفِعْلِ تَوَكَّلْنا لإِفَادَة الِاخْتِصَاص تَحْقِيقا لِمَعْنَى التَّوْحِيدِ، والتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ فِي كِفَايَتِهِمْ أَمْرَ أَعْدَائِهِمْ.

قَوْلُهُ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ} هو وإقبالٌ على الله ـ تعالى ـ مِنْ نَبِيِّ اللهِ شُعَيْب ـ عليهِ السلامُ ـ بالتَضَرُّعِ والدُعاءِ، وإعْراضٌ منهُ عَنْ مُجادَلَتِهم ومُفاوَضَتِهم، بَعدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ عِنادُهُم وسَفَهُهم. والفتحُ: أَصْلُهُ إزالةُ الأَغْلاقِ عَنِ الشَيْءِ، واسْتُعْمِلَ فى الحُكْمِ، لِما فيهِ مِنْ إزالةِ الإشكالِ في الأمرِ. ومنْهُ قيلَ للحاكِمِ: فاتِحٌ وفتَّاحٌ لِفَتْحِهِ أَغْلاقَ الحَقِّ، وقِيلَ للحُكومَةِ: الفتَّاحَةُ ـ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِها. أَخْرجَ البَيْهَقِيُّ عنْ عبد اللهِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رضي اللهُ تعالى عنهما ـ قال: ما كُنْتُ أَدْري قولَهُ ـ تعالى: “رَبَّنَا افتحْ” حتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذي يَزَن تَقولُ لِزَوْجِها ـ وقدُ جَرى بَيْنَها وبَيْنَهُ كلامٌ: تَعالَ أُفاتِحْكَ، تُريدُ أُقاضيكَ وأُحاكِمُكَ. فالْفَتْحَ هُنَا يعني الْقَضَاءَ وَالْحُكْمِ، وَقَالُوا: هُي لُغَةُ أَزْدِ عُمَانَ مِنَ الْيَمَنِ، وتَعنيِ أَنِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَتْحِ بِمَعْنَى النَّصْرِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا لَا يَتَحَاكَمُونَ لِغَيْرِ السَّيْفِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّ النَّصْرَ حُكْمُ اللهِ لِلْغَالِبِ عَلَى الْمَغْلُوبِ. وهذا منه ـ عليه السَّلامُ ـ دعاءٌ عليهم. قَالَ قَتَادَةُ: بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أُمَّتَيْنِ: أَهْلِ مَدْيَنَ، وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا طَالَ تَمَادِي قَوْمِهِ فِي كُفْرِهِمْ وَغَيِّهِمْ، وَيَئِسَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، دَعَا عَلَيْهِمْ فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فَأَهْلَكَهُمْ بالرجفة. و”بالحق” في هذا القيدِ إظهارٌ للنَصَفَةِ والعَدالَةِ.

قَوْلُهُ: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ} كَقَوْلِهِ في سورةِ الأَعْرافِ: {وَهُوَ خَيْرُ

الْحاكِمِينَ} الآيَة: 87. أَيْ وَأَنْتَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ: {خَيْرُ النَّاصِرِينَ} سورة آلِ عُمرَان، الآية: 150. و{خَيْرُ الْماكِرِينَ} سورة آل عمرَان، الآية: 54.

و إذا تَأَمَّلْتَ رَدَّ شُعَيْبٍ ـ عليه السلامُ ـ على ما قالَهُ المُسْتَكْبِرون مِنْ قومِهِ، وجدتَه يُمَثِّلُ اَسْمى أَلوانِ الحِكْمَةِ، وحُسْنِ البَيانِ، فهو يَرُدُّ على وَعيدِهم، وتهديدِهم، بالرَّفْضِ التامِّ لِما يَبْغونَ، وبالبِغْضِ السافِرِ لِما يُريدونَهُ مِنْهُ، ثمَّ يَكِلُ الأُمورَ كلَّها إلى اللهِ، مُظْهِراً الاعْتِمادَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، ثمَّ يَتَّجِهُ إليْهِ ـ سبحانَهُ وتعالى ـ بالدُّعاءِ مُلْتمِساً مِنه أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قومِهِ بالحَقِّ الذي مَضَتْ بِهِ سُنَّتُهُ ـ سبحانَه ـ في التَنازُعِ بَيْنَ المُرْسَلينَ والكافرينَ بهم، وبَيْنَ سائرَ المُحِقّين والمُبْطِلين.

قولُهُ تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً} قَدِ: حرفُ تَحقيقٍ. “افْتَرَيْنا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلٍ، “على الله” جارٌّ ومَجرورٌ مُتعلِّقٌ بـ “افترينا“، “كذباً” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحِ الظاهرِ على آخرِهِ. أو هُوَ مفعولٌ مُطْلَقٌ نائبٌ عَنِ المَصْدَرِ، إنْ ضُمِّن افترى معنى كَذَبَ. وهذه الجملةُ اسْتِئْنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

قولُهُ: {إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ} إن: حَرْفُ شَرْطٍ جازِمٍ، “عُدْنا” مِثْلُ افْتَرِيْنا، والفعلُ في مَحَلِّ جَزْمٍ فعلَ الشَرْطِ، وجوابُهُ مَحذوفٌ عِنْدَ الجُمهورِ، والتقدير: (إنْ عُدْنا فقدِ افْتَرَيْنا) حُذِفَ لِدَلالَةِ مَا تقدَّم عَلَيْهِ، وعند المُبَرِّدِ والكوفِيِّينَ هو قولُهُ: “قدِ افترَيْنا“، وهو مَردودٌ بِأَنَّهُ لو كانَ جَواباً لَوَجَبَتْ فيهِ الفاءُ. وقالَ أَبو البَقاءِ: “قد افترَيْنا” بمَعنى المُسْتَقْبَلِ لأنَّهُ لَمْ يَقَعْ وإنَّما سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ “إنْ عُدْنا” وساغَ دُخولُ “قد” هُنا لأنَّهم نَزَّلوا الافْتِراءَ عِنْدَ العَوْدِ مَنْزِلَةَ الواقِعِ فَقَرَنُوهُ بِـ “قَدْ“، وكأَنَّ المَعنى: قدْ افْتَرَيْنا الآنَ إنْ هَمَمْنا بالعَوْدِ. “في ملّتكم” مِثْلُ في مِلَّتِنا. وهذِهِ الجُمْلَةُ استئنافُ إخْبارٍ فيهِ مَعْنى التَعَجُّبِ كأنَّه قيلَ: ما أَكْذَبَنا على اللهِ إنْ عُدْنا في الكفر. ويمكن أنْ تكونَ جوابَ قَسَمٍ مَحْذوفٍ حُذِفَتْ اللامُ مِنْهُ، والتَقديرُ: واللهِ لَقدْ افْتَرَيْنا، وهي في الحالين لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها} بعد: ظَرْفُ زَمانٍ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “عدنا“، “إذ” اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مبنيٌّ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليهِ. “نجّانا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ للتَّعذُّرِو”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ. “الله” لَفْظُ الجَلالَةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ على آخرِهِ. “من” حرفُ جَرٍّ، و”ها” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرٍّ بحرف الجرِّ مُتَعلِّقٌ بـ “نَجّانا” وجُمْلَةُ: “نجّانا الله” في مَحلِّ جَرٍّ بإضافةِ “إذ” إليها. و”بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا” مَنْصوبٌ بـ “نَعودَ” أيْ: ما يَكونُ ولا

يَسْتَقيمُ لَنا عَوْدٌ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ لَنا التَنْجِيَةُ مِنْها.

قولُهُ: {وَما يَكُونُ لَنا}و” حرفُ عطفٍ، “ما” نافيةٌ، “يكون” مُضارِعٌ تَامٌّ بِمَعْنَى يَنْبَغي، مَرْفوعٌ، وعلامة رفعِهِ ظاهرةٌ على آخره. “لنا” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرٍّ بحرفِ الجرِّ، مُتَعَلِّقٌ بـ “يكون“، وجُمْلَةُ: “ما يكون” ليس لها محلٌّ من الإعرابِ لأنَّها مَعطوفةٌ على جُمْلَةِ “قد افترينا” التي ليس لها محلٌّ من الإعرابِ، ولأنَّ الفِعْلَ “افترينا” بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ “نَفْتَري” على الرَّغْمِ مِنْ تَقَدُّمِ “قد” عليه.

قولُهُ: {أَنْ نَعُودَ فِيها} أن: حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ ونَصْبٌ، “نَعودَ” هو فعلٌ

مُضارِعٌ مَنْصوبٌ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ وجوباً تَقديرُهُ “نحنُ“، “فيها” مِثْلُ “مِنْها” مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ حالٍ.والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ من (أن نعود) في مَحَلِّ رَفْعِ فاعلِ “يَكونُ”. وجُمْلَةُ: نَعودُ صلةُ المَوصولِ الحَرْفِيِّ “أنْ” فلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا} إلّا: أداةُ اسْتِثناءِ، “أن يشاء” مثلُ “أنْ نَعودَ“. “الله” لَفظُ الجلالةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ. “ربّ” نَعْتٌ للَفظِ الجَلالَةِ مَرْفوعٌ مِثْلُهُ، وهو مضافٌ و”نا” ضَميرٌ متًّلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه.والمَصْدَرُ المُؤوّلُ من “أن يشاء الله” في مَحَلِّ نَصْبٍ على الاسْتِثْناءِ مِنْ عُمومِ الأَحْوالِ، أيْ إلَّا حالَ مَشيئةِ اللهِ. وفي هذا الاستثناءِ وجهانِ، أَحَدُهُما: أَنَّهُ مُتَّصلٌ. والثاني: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. ثمَّ إنَّ القائلين بالاتصالِ مُختَلِفون فمِنْهم مَنْ قال: هو مُسْتَثْنى مِنَ الأَوْقاتِ العامَّةِ، والتقديرُ: وما يَكونُ لَنا أَنْ نَعودَ فيها في وقتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلاَّ في وَقْتِ مَشيئةِ اللهِ ذلك، وهذا مُتَصَورٌ في حَقِّ مَنْ عَدا شُعَيباً، فإنَّ الأَنبياءَ لا يَشاءُ اللهُ ذلك لَهُم لأنَّهُ عَصَمهم، وقد تقدَّمَ. ومِنْهم مَنْ قالَ: هُوَ مُسْتَثْنى مِنَ الأَحْوالِ العامَّةِ. والتقديرُ: ما يَكونُ لَنا أنْ نَعودَ فيها في كُلِّ حالٍ إلاَّ في حالِ مَشيئةِ اللهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أَنْ يُريدَ اسْتِثناءَ ما يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَبَّد اللهَ بِهِ المُؤمنين ممَّا تفعلُه الكَفَرَةُ مِنَ القُرُباتِ، فلَمَّا قال لَهم: إنَّا لا نَعودُ في مِلَّتِكم، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُتَعَبَّدَ اللهُ بِشَيءٍ مِنْ أَفعالِ الكَفَرَةِ، فيُعارِضُ مِلْحِدٌ بِذلك ويَقول: هذه عودةٌ إلى مِلَّتِنا. اسْتَثْنى مَشيئَةَ اللهِ فيما يُمكِنُ أَنْ يُتَعَبَّدَ به.

قال الشيخ أبو حيّانَ التوحيدي: وهذا الاحتمالُ لا يَصِحُّ لأنَّ قولَهُ: “بَعْدَ إذْ نجَّانا اللهُ منها” إنَّما يَعني النَّجاةَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصي، لا مِنْ أَعْمالِ البِرّ. وقدْ حَكى ابْنُ الأنْباريِّ هذا القولَ عَنِ المُعْتَزِلَةِ الذين لا يُؤمنون بالإِرادَةِ ثمَّ قال: وهذا القول مُتَنَاوَلُهُ بعيدٌ، لأنَّ فيه تبعيضَ المِلَّةِ.

قولُهُ: {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} وسع: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح الظاهرِ. “ربُّناربُّ: فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامة رفعِه ظاهرة على آخره، وهو مضافٌ، و”نا” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه. “كلّ” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه ظاهرةٌ على آخره، وهو مضافٌ. “شيءْ” مُضافٌ إليهِ مَجرورٌ، وعلامةُ جَرِّهِ ظاهرةٌ على آخرِه. “علماً” تَمْييزٌ مَنْصوبٌ مُحَوَّلٌ عنِ الفاعِلِ تَقديرُهُ: وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنا كُلَّ شيءٍ، كما هو في قولِهِ تعالى في سورةِ مريم: {واشتعل الرأس شَيْباً} الآية: 4. وجُمْلَةُ: “وَسع ربّنا” استئنافيَّةٌ فيها معنى التَعليلِ لا محلّ لها من الإعرابِ.

قولُهُ: {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا} على الله: جارٌّ ومَجرورٌ مُتعلِّقٌ بـ “توكّلنا” وهوَ مِثْلُ “افْتَريْنا“. وجملةُ: “توكّلنا” اسْتِئْنافِيَّةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ} رَبَّنا: ربَّ: مُنادى مُضافٌ مَنْصوبٌ مَحْذوفٌ أداةُ نِدائه، و”نا” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ. “افتحْ” فِعلُ أَمْرٍ للدُعاءِ، مَبْنِيٌّ على السُكونِ الظاهِرِ على آخرِهِ، والفاعِلُ ضميرٌ مستترٌ وجوباً تقديرُ “أنت”. “بيننابينَ: ظَرْفٌ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “افتح“، وهو مضافٌ و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه. “وبين” الواو: حرفُ عطفٍ. “بين” مثلُ الأوَّلِ ومَعطوفٌ عَلَيْهِ. “قومناقومِ: مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وهو مضافٌ و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه. “بالحقِّ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتعلِّقٌ بـ “افتح” بِتَضْمينِهِ مَعنى احْكُمْ. وجُملةُ النداءِ: “ربّنا” استئنافيّة لا محلّ لها من الإعرابِ. وجُملةُ: “افتحْ” جوابُ النداءِ فلا محلَّ لها من الإعرابِ كذلك.

قولُهُ: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ} و: للاسْتِئناف، “أنت” ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ. “خيرُ” خَبَرُهُ مَرفوعٌ، وهو مضافٌ. “الفاتحين” مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنّه جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ، والنونُ عوضاً عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ. وجُملةُ: “أَنْتَ خَيْرُ الفاتحين” استئنافيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف الآية: 88


لموسوعة القرآنية

 

 

فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ

 

تفسير ـ أسباب نزول ـ قراءات ـ أحكام ـ إعراب ـ تحليل لغة

 

اختيار وتأليف :

 

الشاعر عبد القادر الأسود

 

 

الجزء التاسع ـ المجلد التاسع

قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ

(88)

 

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أيْ: قالَ الكُبَراءُ والأَشْرافُ والسادةُ، الذينَ اسْتَكْبَروا وعَتَوْا وكَذَّبوا بآياتِ الله تَعالى، وصَمُّوا آذانَهم عَنِ الحَقِّ، وهو اسْتِئنافٌ بيانيٌّ، فكأنَّما قِيلَ: فماذا قالوا بعدَ أَنْ سَمِعوا مَواعِظَ نبيِّهم شُعيبٍ ـ عليهِ السَّلامُ ـ ونُصْحَهُ لَهُم وإرْشادَهُ وتَحذيرَه إياهم من غَضَبِ اللهِ وانْتِقامِه وعِقابِهِ؟. وَوَصَفَهُمْ بِالِاسْتِكْبَارِ هُنَا دُونَ الْكُفْرِ، لأَنَّهم اسْتَضْعَفُوا الْمُؤْمِنِينَ، ولِتَوعُّدِهِمْ شُعَيْبًا بِالْإِخْرَاجِ أَوِ الْإِكْرَاهِ عَلَى اتِّبَاعِ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَبَّارِينَ أَصْحَابِ الْقُوَّةِ.

قولُهُ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا}هكذا كان جَوابُهم لِنبيِّهم شُعَيْبٍ ـ عليْه السّلامُ ـ ورَدُّهم على تَحذيرِهِ لَهُم، مِنْ عَذابِ اللهِ إذا هُمْ اسْتَمَرّوا في تَكذيبِهم رِسَالَتَهُ إلَيْهم ونَبِيَّهُ، وإذا ما أَصَرّوا على مَعْصِيَتِه ـ تعالى. فقد كان ردُّهم أنْ سوفَ يُخْرِجُونَهُ، هو ومَنْ آمَنَ بِهِ واتَّبَعَ هُداهُ مِن بلادِهِمْ بالقُوَّةِ، مؤكِّدينَ ذلك بالقَسَمِ. وبِذلِكَ يَكونُونَ قَدْ هَمُّوا بالانْتِقالِ مِنْ مَرْحَلَةِ مُقاوَمَةِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ بالرَّفْضِ السَلْبِيِّ، إلى مَرحَلَةِ اسْتِخْدامِ القوَّةِ للقَضاءِ عليها، فهم قَدْ أَعْلَنُوا ـ إذاً ـ الحَرْبَ عَلى دِينِ اللهِ وشريعتِهِ ورَسولِهِ ـ شعيب ـ وعلى مَنْ آمَنَ مَعَهُ وصدَّقَه واتَّبَعَهُ.

وَكَانَ إِخْرَاجُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنْ دِيَارِ قَبِيلَتِهِ عُقُوبَةً مُتَّبَعَةً فِي الْعَرَبِ إِذَا أَجْمَعَتِ الْقَبِيلَةُ عَلَى ذَلِكَ وَيُسَمَّى هَذَا الْإِخْرَاجُ عِنْدَ الْعَرَبِ بِالْخَلْعِ، وَيُسَمُّونَ الْمُخْرَجِ خَلِيعًا، كما قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ في معلَّقتِهِ:

وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ ………….. بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالْخَلِيعِ الْمُعَيَّلِ

وَقد أَكَّدُوا وَعيدَهم هذا بِلَامِ الْقَسَمِ وَنُونِ التَّوْكِيدِ الثقيلة: لِيتيقَّنَ شُعَيْبٌ بِأَنَّهُمْ مُنْجِزُو وَعِيدِهم وليسَ لمُجرَّدِ التهديدٍ.

قولُهُ: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا} أَيْ لَتَرجِعُنَّ إِلَيْنَا كَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ، وهذا يعني أنَّ أَتْبَاعَ شُعَيْبٍ ـ عليه السلامُ ـ كانوا كُفَّاراً قَبْلَ الْإِيمَانِ بِهِ وبرسالته. ويَجُوزُ في اللغةِ أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ، فيُقَالُ: عَادَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانٍ مَكْرُوهٌ، أَيْ صَارَ إليَّ مكروهٌ مِنْه ابْتَدَأَني بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَيْ لَحِقَنِي ذَلِكَ مِنْهُ. وهذا هُوَ شَرْطُهُمُ الوَحيدُ الذي اشْتَرَطوهُ على نَبِيِّهم والذين آمنوا، لِيَكُفُّوا عَنْ حَربِهِم لَهم وإخراجِهم.

وهو دَأْبُ الكافرين في كُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، لا هَمَّ لَهُمْ سِوَى القَضَاءِ على الدِّينِ القَويمِ، وطَمْسِ نُورِ الهِدايَةِ الذي يَأْتي بِها المُرْسَلُونَ مِنْ ربّهم، فَيَسْتَحِقُّون عِقابَهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى ـ فيَنْزِلُ بهم سَخَطُه فيَكونَ الهَلاكُ مَصيرَهم. ولكن النَّاسَ لا يَتَّعِظون بِأَسْلافِهم ومَنْ سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ بِرَغْمِ رؤيتهم آثارَ هؤلاءِ المُهْلَكين، وتحذيرِ رُسُلِ ربِّ العالمين، صلواتُ ربّي وسلامُهُ عليهم أجمعين.

قَولَهُ: {قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ}: هو رَدُّ نَبِيِّ اللهِ شُعَيْبٍ ـ عليه السلامُ ـ على تهديدِهم ووعيدِهم لَهْ ولِمَنِ آمنَ معهُ واتَّبَعَهُ، ولإعلانِهِمُ الحَرْبَ على دينِ اللهِ ورسالتِهِ: “أولو كنا كارهين” أَيْ وَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ هذه العودةِ إلى ما كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وضَلالٍ، أَفَتَجْبُرُونَنَا عَلَى ذلك؟! أَوْ أَوَلَوْ كنَّا كارهين الْخُرُوجَ مِنَ وَطَنِنا وديارنا؟. وَالِاسْتِفْهَامُ هنا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعَجُّبِ تَعَجُّبًا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا الْمُؤْذِنِ مَا فِيهِ مِنَ الْمُؤَكِّدَاتِ بِأَنَّهُمْ يُكْرِهُونَهُمْ عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ التَّعَجُّبُ تَمْهِيدٌ لِبَيَانِ تَصْمِيمِهِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْإِيمَانِ، لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أَنَّهُ أَحَاطَ خَبَرًا بِمَا أَرَادُوا مِنْ تَخْيِيرِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: الْإِخْرَاجُ أَوِ الرُّجُوعُ إِلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ، شَأْنَ الْخَصْمِ اللَّبِيبِ الَّذِي يَأْتِي فِي جَوَابِهِ بِمَا لَا يُغَادِرُ شَيْئًا مِمَّا أَرَادَهُ خَصْمُهُ فِي حِوَارِهِ.

وفي ردِّهِ ـ عليه السَّلامُ ـ تنبيهٌ على أَنَّ المُلْحِدين، لا مَنْطِقَ لَهم، وفيه وتَعْرِيضٌ بِحَمَاقَةِ خُصُومِهِ، ولذلك يَلْجَؤون إلى مَنْطقِ القُوَّةِ عندمَا تُعْييهِمُ الحُجَّةُ، مَعَ أَنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أَنْ يَتْرُك لِلْحَقِّ سُلْطَانَهُ عَلَى النُّفُوسِ وَلَا يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَا الضَّغْطِ وَالْإِكْرَاهِ، بينما يَلْجَأُ الذي يَمْلُكُ الحُجَّةَ والمَنْطِقَ إلى الحُجَّةِ والإقْناعِ، ويَبْتَعِدُ عَنِ الإكْراهِ والإجبارِ، فلا يَحْمِلُ الآخَرين على سُلوكِ سَبيلِ الهِداية، فهو كما قالَ الله في مُحْكَمِ كتابِهِ العزيز: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} سورة البقرة، الآية: 256. فَإِنَّ الْتِزَامَ الدِّينِ عَنْ إِكْرَاهٍ لَا يَأْتِي بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنه، وَهُوَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَتَكْثِيرُ الملتزمين بالْحَقِّ وَالصَّلَاحِ.

قولُهُ تعالى: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} قال:فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ الظاهِرِ على آخِرِهِ. “الملأُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضَمَّةُ الظاهرةُ على آخِرِهِ، “الذين”اسْمٌ مَوصولٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ في مَحَلِّ رَفعٍ نَعتاً لـالمَلأ“. “اسْتَكْبَروافعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بِواوِ الجَماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ في مَحلِّ رَفْعِ فاعلٍ، والألفُ فارقة. “من” حرفُ جرٍّ، “قومِه“، قومِ: مضافٌ مَجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنْ فاعلِ “استكبروا“، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرِّ مُضافٍ إليهِ. جُمْلةُ “قال الملأ” استئنافيَّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. وجُملةُ “استكبروا” صِلَةُ المَوْصُولِ “الذين” لا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ.

قولُهُ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا}اللامُ: مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ “نخرجنّ” مُضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ لاتَّصالِه بنون التوكيدِ الثَّقيلةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ. والنُونُ هي نُونُ التَوكيدِ الثقيلةِ، والكافُ: ضَميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتَرٌ وجوباً تقديرُه “نحن“. “يا شعيبُيا:أَداةُ نِداءٍ، “شعيب” مُنادى مُفرَدٌ عَلَمٌ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ على النداءِ. “والذين” الواوُ: حَرْفُ عَطْفٍ، الذين: اسمٌ مَوصولٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عطفاً على ضَميرِ المُخاطَبِ في “نخرجنّك“. “آمنوا” إعرابُها مِثْلُ إعرابِاسْتَكْبَروا” وقد تقدَّمَ أعلاه. “معكمع:ظَرْفُ مَكانٍ مضافٌ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “آمنوا“، والكافُ: ضَميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْهِ. “من قريتنامن:حرفُ جَرِّ، قريةِ: مُضافٌ مَجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُتَعَلِّقٌ بـ “نُخْرِجَنَّ“، نا: ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْهِ. وجُمْلَةُ “نُخْرِجَنّك” واقعةٌ جوابَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُملةُ القَسَمِ المُقَدّرِ في مَحَلِّ نَصبِ مَقولِ القَوْلِ. وجُمْلَةُ النِداءِ “يا شعيب” مُعْتَرِضَةٌ للتَهديدِ، فهي لا مَحلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. وجُمْلَةُ: “آمَنوا” صِلَةُ الاسْمِ المَوصولِ “الذين” فلا مَحلَّ لها من الإعرابِ، أَوْ هيَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفاً عَلى الكافِ في “نخرجَنَّك“.

قولُه: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا} أو:حَرْفُ عَطْفٍ، “لتعودُنَّ” اللامُ: تقدَّم إعرابُها أعلاه، “تعودنّ” مُضَارِعٌ مَرْفوعٌ، تَامٌّ أوْ ناقِصٌ. ويُقَدَّرُ ناقصاً بِمَعْنى “تَصيرونَنْ” لأنَّ شُعيباً لَمْ يَكُنْ مِنْ مِلَّتِهِم حَتّى يَعودَ إليْها. وحينئذٍ تَرفعُ الاسْمَ وتَنْصِبُ الخبرَ، فلا تَكْتَفي بِمَرْفوعٍ وتَفْتَقِرُ إلى مَنْصوبٍ، ويُؤوَّلُ تَامّاً على قاعدَةِ التَغْليبِ، إذْ أَنَّ قومَ شُعيْبٍ كانوا مِنْ مِلَّةِ المُسْتَكْبِرينَ. وعلامةُ الرَّفعِ ثُبوتُ النُونِ المَحْذوفةِ لِتَوالي الأَمْثالِ. والواوُ المَحذوفَةُ لالْتِقاءِ الساكنَيْنِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٍ، أَوْ هِي اسْمُ للفِعْلِ إذا قُدِّرَ ناقصاً. والنونُ: للتوكيدِ. و”أو لَتَعُودُنَّ” عَطَفٌ على جَوابِ القَسَمِ الأَوَّلِ، إذِ التَقديرُ: واللهِ لِنُخْرِجنَّكَ والمؤمنين، أوْ لَتَعودُنَّ في ملَّتنا. فالعَوْدُ مسندٌ إلى ضَميرِ النَبِيِّ ومَنْ آمَنَ مَعَهُ. فمِنْ مَجيئِها بمَعنى صارَ عِنْدَ بعضِهم قولُ الشاعرِ قَرمانُ بْنُ الأَعْرَفِ في ابْنِهِ مُنازِل، وكانَ عاقّاً لَه:

وبالمَحْضِ حتَّى عادَ جَعْداً عَنَطْنَطاً …….. إذا قامَ ساوى غارِبَ الفَحلِ غاربُهْ

فَرَفَعَ بـ “عاد” ضميرَ الأوَّلِ ونَصَبَ بِها “جَعْداً”، ومَنْ مَنَع ذلك يَجْعلُ المَنْصوبَ حالاً، ولكنِ اسْتَشْكَلوا على كونِها بِمَعْناها الأَصْلِيِّ أَنَّ شُعَيْباً ـ عليه السلامُ ـ لمْ يَكنْ قَطُّ على دِينِهم ولا في مِلَّتِهِمْ. فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَنْ يُقالَ “أو لتعودُنَّ” أيْ: لَتَرْجِعُنَّ إلى حالَتِكم الأُولى، والخطابُ له ولأتْباعِهِ؟ وقدْ أُجِيبَ عَنْ ذلك بِثلاثةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُها: أَنَّ هذا القولَ مِنْ رؤسائهم قَصَدوا بِهِ التَلْبيسَ على العَوامِّ والإِبهامَ لَهم بأنَّهُ ـ عليه السلامُ ـ كان على دِينِهم وفي مِلَّتِهِمْ. الثاني: أَنْ يُرادَ بعَوْدِهِ رُجوعُه إلى حالةِ سُكوتِهِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ؛ لأنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ إليهم كانَ يُخْفِي إيمانَهُ وهو ساكتٌ عَنْهم. الثالث: تَغليبُ الجماعةِ على الواحِدِ لأنَّهُمْ لَمَّا صَحِبوهُ في الإِخْراجِ سَحَبوا حُكمَ العَوْد في الملَّة عَليه وعليهم تغليباً لهم عليه. وأَمَّا إذا جَعَلْناها بمعنى صيَّر فلا إشكالَ في ذلك، إذِ المعنى: لَتَصِيرُنَّ في ملَّتِنا بَعدَ أَنْ لَمْ تَكونوا، فـ “في مِلَّتِنا” حالٌ على الأوَّلِ، وخَبَرٌ على الثاني.

والبيتُ السابقُ مِنْ قَصيدةٍ مُطوَّلةٍ للشاعرِ، رُوِيَ أَنَّ أميرَ المؤمنين عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ رأى شاباً مَلْوِيَّ اليَدِ، قَدْ يَبِسَتْ على الالْتِواءِ، فسَأَلَهُ فقالَ: ما لِيَدِكَ هَذِهِ؟ قالَ: دَعْوَةُ أَبي، فقالَ: مَاذا قالَ؟ فأنْشَدَهُ أبياتاً لِوالِدِهِ مِنْ قَصيدةٍ لَهُ مُطَوَّلَةٍ يَقولُ فيها:

وَرَبَّيْتُه حتى إذا ما تركتُه …………… أَخا القومِ واسْتَغنى عن المسحِ شاربُهْ

وبالمَحْضِ حتَّى عادَ جَعْداً عَنَطْنَطاً ……. إذا قامَ ساوى غارِبَ الفَحلِ غاربُهْ

فَلَمَّا رَآنِي أَحْسَبُ الشَّخْصَ أَشْخُصًا ……. بَعِيدًا وَذَا الشَّخْصَ الْبَعِيدَ أُقَارِبُهُ

تَعَمَّدَ حَقِّي ظَالِمًا وَلَوَى يَدِي …………….. لَوَى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هُوَ غالِبُهْ

قالوا: فَلَوى اللهُ يَدَ الابْنِ إلى وراءِ ظَهْرِهِ حتَّى ماتَ وهِيَ مَلْويَّةً! وما ينتظره في الآخرة أدهى وأمَرَّ والعياذُ بالله تعالى، قال ـ سبحانَه وتعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} سورة فُصِّلت، الآية: 16. وعَدَّى “عاد” بـ “في” الظَرْفِيَّةِ كأنَّ المِلَّةَ لَهُمْ بمَنْزِلَةِ الوِعاءِ المُحيطِ بهم.

في ملَّتنافي: حرفُ جَرٍّ، و”ملَّةِ” مَجْرورٌ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ حالٍ مِنْ فاعلِ “تَعُودُنَّ” وهو مُضافٌ، و”نا” ضَميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليهِ والجارّ والمجرورُ خَبَرٌ للفِعْلِ إذا قُدِّرَ ناقصا. وجملة “تعودنَّ” جَوابُ قَسَمٍ مَقَدَّرٍ فلا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ، وجُملةُ القَسَمِ المُقَدَّرِ في مَحلِّ نَصْبٍ عَطْفاً على جُملةِ القَسَمِ الأُوْلى.

قولُهُ: {قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ} قال: تَقَدَّمَ إعْرابُها أعلاهُ، أ: للاسْتِفهامِ الإنْكارِيِّ، و: هي عندَ الزَمَخْشَرِيِّ واوُ الحالِ، وهي عندَ أبي حيَّانَ التوحيدِيِّ: واوُ العَطْفِ، عَطَفَتْ على حالٍ مَحْذوفةٍ، كما هي في قولِهِ ـ عليْهِ الصلاةُ والسلامُ: ((رُدُّوا السائلَ وَلَوْ بِظَلْفٍ مُحْرَقٍ)) فليسَ المَعْنى رُدّوهُ في حالِ الصَدَقَةِ عَلَيْهِ بِظَلْفٍ مُحْرَّقٍ، بَلْ المَعْنى رُدّوهُ مَصْحوباً بالصَدَقَةِ ولَوْ مَصْحُوباً بِظَلْفٍ مُحَرَّقٍ. وقد تقدَّمتْ هذه المسألةُ وأَنَّه يَصِحُّ أن تُسَمَّى واوَ الحال، وواوَ العَطْفِ. لو: وَصْلِيَّةٌ تُفِيدُ أَنَّ شَرْطَهَا هُوَ أَقْصَى الْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ مَعَهَا الْفِعْلُ الَّذِي فِي جَوَابِهَا، فَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا أَحْرَى بِالتَّعَجُّبِ، وقالَ الجملُ في حاشِيَتِهِ على الجلالين: “لو” في مثلِ هذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشِيْءِ لانْتِفاء غَيْرِهِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ. وقالَ أبو البَقاءِ: لو: هنا بمعنى “إنْ” لأنَّها للمُسْتَقْبَلِ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ على أَصْلِها، ويَكونُ المعنى: لَوْ كنَّا كارهينَ في هذِهِ الحالِ. وقولُهُ: “لأنَّها للمستقبل” ممنوعٌ. “كنّا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ ناسِخٌ ـ مَبْنِيٌّ عَلى السُكونِ لاتّصاله بـ “نا” العَظَمَةِ الدالَّةِ على الجَماعةِ وهي ضَميرٌ متَّصلٌ في مبنيٌّ على السكونِ في مَحلّ رفعِ اسْمِها، “كارهين” خَبَرُها مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جَمْعٌ مُذَكَّرٌ سَالمٌ. وجُمْلَةُ “قال” استئنافيّةٌ بَيانيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ. وجُمْلَةُ مَقولِ القَوْلِ مَحذوفةٌ والتَقديرُ: أَنَعودُ فِيها. وجُمْلَةُ: كُنّا كارهينَ في مَحلِّ نَصْبٍ على الحالِ منَ الضَميرِ في الفِعْلِ المُقَدَّر “نَعودُ“.

 

 

الود


 

كم من صديق قد خسرتُ ودادَه … فإذا خليلي في العداوة يُسرعُ

لمّا تيقن صاحبي فيما مضى … من أن مثلي لا (يضُرُّ وينفع)

فالودُّ إمّا نعمةٌ موفورةٌ … تسع الجميعَ وثروةٌ تتوزَّعُ

أو منصب يخشى ويرجى ظلُّه … والخلُّ مَنْ يخشاك أو مَنْ يطمعُ

 

الموسوعة القرآنية: فيض العليم من معاني القرآن العظيم سورة الأعراف، الآية: 87 ختام الجزء الثامن


وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ

(87)

قولُهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا} الطائفة الْجَمَاعَةُ ذَاتُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وهو خِطابٌ للكُفَّارِ ووعيدٌ لهم، فيه توصيفٌ مِنْ نَبِيِّ اللهِ شعيب ـ عليه السلامُ ـ بأنَّ جماعةً من قومِهِ قد آمنوا به وصدَّقوه، واتَّبعوا الشرعَ الذي أنزل عليه من ربِّه كالإخلاصِ لله في العبادة، وتركِ مَعصِيَتِهِ، والابتعادِ عن ظُلمِ النّاسِ، وبَخْسِهِم في المِكاييلِ والمَوازين، والإيقان بعذاب اللهِ وعقابه وانتقامِهِ إنْ هم خالفوا أَمْرَهُ، وأنهُ ثَمَّةَ جَماعةٌ أُخْرى لَمْ يُصَدِّقوا بِذلِكَ، بل كذّبوه ولَمْ يَتَّبِعوهُ ـ عليه السلامُ ـ وهزئوا به لمَّا حَذَّرَهم غضبَ اللهِ وسريعَ انتقامه في الدنيا، وشديدَ عذابِه في الآخرة.

قولُهُ: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ} الصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ فِي حَالِ التَّرَقُّبِ، سَوَاءٌ كَانَ تَرَقُّبَ مَحْبُوبٍ أَمْ تَرَقُّبَ مَكْرُوهٍ، وَأَشْهَرُ اسْتِعْمَالِهِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى حَبْسِ النَّفْسِ فِي حَالِ فُقْدَانِ الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ الْفَرِيقَانِ: الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ، وَصَبْرُ كُلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ، فهو وعيدٌ منه ـ عليه السلامُ ـ للكافرين وتخويفٌ لهم من بطشِ الجَبَّارِ المُنْتَقِمِ، أو هُوَ خِطابٌ للمُؤمِنينَ ومَوْعِظَةٌ لَهُمْ، وحَثٌّ على الصَبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِنْ أذى المُشْرِكينَ، إلى أَنْ يَحْكُمَ اللهُ تَعالى بَيْنَهم، ويَنْتَقِمَ لَهم مِنْهم. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ خِطاباً للفَريقيْنِ، أيْ لِيَصْبِرَ المُؤمِنون على أَذَى الكُفَّارِ، ولِيَصْبِرَ الكُفَّارُ على ما يَسُوؤهم مِنْ إيمانِ مَنْ آمَنَ مِنْهم، حتَّى يَحْكُمَ فَيَمِيزَ الخَبيثَ مِنَ الطَيِّبِ، والأوّلُ أَظْهَرُ. والمَقصودُ أَنَّ إيمانَ البعضِ منكم لا يَنْفَعُكُمْ في دَفْعِ بلاءِ اللهِ تَعالى وعَذابِهِ. وَحُكْمُ اللهِ أُرِيدَ بِهِ حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا بِإِظْهَارِ أَثَرِ غَضَبِهِ عَلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَرِضَاهُ عَلَى الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ، فَيَظْهَرُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَهَذَا صَدَرَ عَنْ ثِقَةِ شُعَيْبٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ بِأَنَّ اللهَ سَيَحْكُمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ اسْتِنَادًا لِوَعْدِ اللهِ إِيَّاهُ بِالنَّصْرِ عَلَى قَوْمِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِسُنَّةِ اللهِ فِي رُسُلِهِ وَمَنْ كَذَّبَهُمْ بِإِخْبَارِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى يَوْمِ الْحِسَابِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ مِنْ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: فَاصْبِرُوا إِذَا كَانَ خِطَابًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً صَحَّ إِرَادَةُ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا. وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي الْمَحْكُومِ بَيْنَهُمْ بِضَمِيرِ الْمُشَارَكَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفَرِيقِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يُعْتَبَرُ شَامِلًا لَهُ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِرِسَالَةِ نَفْسِهِ.

قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} خَيْرُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ أَصْلُهُ أَخْيَرُ فَخَفَّفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال. والآيةُ تَذْيِيلٌ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ بِأَنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لَا يَحْتَمِلُ الظُّلْمَ عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَاكِمِينَ يَقَعُ مِنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا. إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ فهُوَ في غايَةِ السَّدادِ. لأنَّ الحاكمَ من المخلوقاتِ، قد يَميلُ بِهِ هوًى أوْ تَسْتَميلُهُ عاطفةٌ، أوْ يؤثِّرُ عَلَيْهِ وضعٌ، أوْ يُضَلِّلُه شُهودٌ، أمَّا سامِعُ السِرِّ والنجوى، وعالمُ الغيبِ والشهادة، الذي ما مِنِ اثنين إلا وهو ثالثهم ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثرَ إلاَّ وهو معهم أينما كانوا، وهو سبحانهُ لا مع قِّب لحُكمِه فينقضُه، ولا رادَّ لأمرِهِ فيدفعُه، ولا شفاعةَ عنده إلاَّ بإذنِه، لِمَنِ ارْتَضَى من أنبيائه وأوليائه، تكريماً لهم وإعلاءً لِشَأْنِهم، لما يحملون من إيمانٍ به ويقين، ولِما يَعتَلِجُ في أَنْفُسِهم مِنْ حُبٍّ لَهُ وتقديسٍ وتَعْظيمٍ. هُو الواحدُ في مُلْكِهِ، والغالبُ على أَمْرِهِ، وهو خيرُ الحاكِمين.

قولُهُ تعالى: {وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ} و: اسْتِئْنافيَّةٌ “إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازِمٌ يَجْزِمُ فِعْليْنِ مُضارِعَيْنِ، “كان” فِعْلٌ ناقصٌ ناسخ مَبْنيٌّ في مَحَلِّ جَزْمِ فِعْلِ الشَرْطِ، “طائفة” اسْمُ كانَ مَرْفوعٌ، “من” حَرْفُ جَرٍّ و”كم” ضَميرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ نَعْتٍ لِـ “طائفةٌ”. والوصفُ بقولِهِ “منكم” الظاهرِ أَوْ المُقَدَّرِ هُوَ الذي سَوَّغَ وُقوعَ “طائفةٌ” اسْماً لـ “كان” مِنْ حَيْثُ إنَّ الاسْمَ في هذا البابِ كالمُبْتَدَأِ، والمُبْتَدَأُ لا يَكونُ نَكِرَةً إلاَّ بِمُسَوِّغٍ تَقَدَّمَ التَنْبيهُ عَلَيْهِ، والمسوغُ هو كونُهُ موصوفاً. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرِ كانَ.

قولُهُ: {آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ} “آمنوا” فعلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ، لاتصالِهِ بواو الفاعل، وهي “الواوُ” ضميرٌ مُتَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٌ، والألفُ للتفريق. “بالذي” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ، “الذي” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرٍّ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بـ “آمنوا”، “أُرْسِلْتُ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتصاله بضمير رفع متحرِّكٌ. و”التاءُ” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ نائبِ فاعلٍ. “به” مِثْلُ الأَوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بـ “أُرْسِلْتُ” أَوْ بِمَحذوفِ حالٍ مِنْ نائبِ الفاعلِ في “أُرْسِلْتُ. وجُملةُ “آمنوا” في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرِ كان. وجُملةُ “أُرْسِلْتُ” في مَحَلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُمْلَةِ آمَنوا. ومُتَعَلَّقُ هذا الفِعلِ مَحذوفٌ دَلَّ عليه مُتَعَلَّقُ الفِعْلِ السابقِ، أيْ لَمْ يُؤمِنوا بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ.

قولُهُ: {وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا} و: عاطفةٌ، “طائفةٌ” مَعْطوفٌ على اللَّفْظِ الأَوَّلِ، وقد حُذِفَ نَعْتُهُ لِدَلالَةِ نَعْتِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ. “لم” حَرْفُ نَفْيٍ وقَلْبٍ وجَزْمٍ. “يؤمنوا” مُضارِعٌ مَجْزومٌ وعَلامَةٌ جَزْمِهِ حَذفُ النُونِ مِنْ آخِره لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخَمْسَةِ. والواوُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رَفْعِ فاعلٍ، والألفُ للتفريق. وجُمْلَةُ “وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ” عَطفٌ على “طائفة” الأولى، فهي اسْمُ كان. وجملة “لم يؤمنوا” معطوفٌ على “آمَنوا” الذي هُو خبرُ كانَ، عَطَفَتْ اسْماً على اسْمٍ وخَبَراً على خَبَرٍ، ومِثْلُهُ، لو قُلْتَ: “كان عبدُ الله ذاهباً وبكر خارجاً” عَطَفْتَ المرفوعَ على مِثْلِهِ وكذلكَ المَنْصوبَ. وقد حُذِفَ وَصْفُ “طائفةٌ” الثانيةِ لِدَلالَةِ وَصْفِ الأُوْلى عَلَيْهِ، إذِ التَقديرُ: وطائفةٌ مِنْكُمْ لَمْ يُؤمِنوا، وحُذِفَ أَيْضاً متعلَّقُ الإِيمانِ في الثانيةِ لِدَلالَةِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ، إذِ التَقديرُ: لَمْ يُؤمِنوا بالذي أُرْسِلْت بِهِ.

قولُهُ: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا}فاصبروا: الفاء: رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَرْطِ، “اصبروا” فعل أمرٍ مبني على حذف النون من آخره لأنَّه من الأفعال الخمسةِ، والواو: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفع فاعل، والألفُ فارقة. “حتى” حرفُ غايةٍ وجَرٍّ. “يَحْكُمَ” فعلٌ مُضارِعٌ مَنْصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ، بعدَ “حتّى”، “الله” لَفْظُ الجَلالَةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ. “بينَ” ظَرْفٌ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “يَحكُمَ”، و”نا” العَظَمَةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليهِ. والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ من “أن يحكم اللهُ” في مَحَلِّ جَرٍّ بـ “حَتَّى” مُتَعَلِّقٌ بـ “اصبروا”. وجمُلةُ “اصبروا” في مَحَلِّ جَزْمِ جَوابِ الشَرْطِ مُقْتَرِنَةٌ بالفاء. وجُمْلَةُ “يحكم” صلةُ الموصول الحرفي “أن” المضمرة فلا مَحَلَّ لَها من الإعراب.

قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ} و: حَالِيّةٌ، “هو” ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ “خير” خَبَرٌ مَرْفوعٌ، وهو مضافٌ. “الحاكمين” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّه الياءُ لأنَّه جمعٌ مذكرٌ سالمٌ والنونُ عوضاً عن التنوين في الاسمِ المُفْرَدِ. وجُملةُ “هو خير” في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ اسْتِئْنافاً بَيانياً فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمَّ بفضلِ اللهِ وكرمِهِ الجزءُ الثامنُ مِنْ هذِهِ المَوْسوعةِ المُبارَكَةِ: (فيض العليم من معاني الذكر الحكيم) في بيتي بأرمنازَ، مَساءَ اليومِ الخامِسِ والعشرينَ مِنْ رَجَب الخير، عام 1435 لِهِجْرةِ النبيِّ المُصطفى ـ عليه وآله وصحبِه الصَلاةُ والسّلامُ ـ وسيليه الجزء التاسعُ إنْ شاءَ اللهُ وأَعانَ، فَلَهُ الحمدُ، ولَهُ المِنَّةُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلاَّ باللهِ العَلِيِّ العَظيمِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 86


وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

(86)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ} الصِراطُ: السبيلُ أوِ الطَريقُ، قال الشاعر عُبيدٌ بْنُ الأَبْرَصِ:

شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى …………….. تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ

ونسِب هذا البيتُ لعامرٍ بنِ الطفيل أيضاً. والصِراطُ مُشْتَقٌّ من “السَّرْطِ” وهو: الابتِلاَع؛ إِمَّا لأنَّ سالكَهُ يَسْتَرِطُه, أَوْ لأنَّهُ يَسْتَرِطُ سَالِكَه؛ أَلا تَرى إلى قولِهم: قَتَلَ أَرْضَاً عَالِمُهَا، وقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلُها؛ وبهذَيْن الاعتباريْن قال أبو تَمَّام:

رَعَتْهُ الْفَيَافي بَعْدَ مَا كَانَ حِقْبَةً ……… رَعَاهَا وَمَاءُ المُزْنِ يَنْهَلُ سَاكِبُهْ

وعلى هذا سُمِّيَ الطريقُ لَقَماً ومُلْتَقِماً؛ لأنَّه يلتقِمُ سالِكَه, أو يلتقمُهُ سالِكُه. وأَصْلُهُ: السّين، وإنَّما أُبْدِلَتْ صَاداً، لأَجْلِ حَرْفِ الاسْتِعْلاَءِ، وإبْدالُها صاداً مُطَّرِدٌ، نحوَ: “صَقَر” في “سَقَر”، و”صَلَخ” في “سَلَخ”، و”أَصْبغ” في “أَسْبَغ”، و”مُصَيْطر” في “مُسَيْطر” لما بينهما من التَّقارب. ولمْ تُرْسَمْ في المُصَحَفِ إلا بالصَّادِ، مَعَ اخْتِلافٍ في قِراءَتِهم فيها.

و”الصِّراطَ” يُذْكَرُ ويُؤَنَّثُ: فالتذكيرُ لُغَة تَميم, والتَّأنيثُ لغةُ “الحِجَازِ”، فإِنِ اسْتُعمِلَ مُذكَّراً، جُمِعَ على “أَفْعِلَة” في القلّةِ، وعلى “فُعُل” في الكَثْرَةِ، نحو: “حِمَارِ”، و”أَحْمِرَة” و”حُمُر”. وإِنِ اسْتُعْمِلَ مُؤَنَّثاً، فقياسُه أَنْ يُجْمَعَ على “اَفْعُل”، نحوَ: “ذِرَاع” و”أذْرُع”.

و”المُسْتَقيمَ” اسمُ فَاعِلِ مِنِ اسْتَقامَ, بمَعْنى المُجَرّدِ، ومعناه: السَّوِيِّ مِنْ غَيْرِ اعْوِجَاج، واَصْلُهُ: “مُسْتَقْومٌ” ثُم أُعِلَّ كإعْلالِ “نَسْتَعِيْن”

والحَقُّ ـ سبحانَهُ وتعالى ـ يَنْهى عَنِ القُعودِ بِكُلِّ صِراٍط؛ لأنَّ الصِراطَ سَبيلٌ، واللهُ يَجمَعُ السُبُلَ لِيَنْهى عَنْها، وللحقِّ صِراطٌ مَسْتَقيمٌ واحِدٌ، وسَبيلٌ واحدٌ يأمُرنا أَنْ نَتَّبِعَهُ فيقول في سورة الأنعام: {وأنْ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} الآية: 153. فسبيلُ الاسْتِقامَةِ واحدٌ، وهو الذي توعَّدَ الشَيطانُ بأنْ يَقْعُدَ لِيَحْرِفَنا عَنْه حين قالَ مخاطباً ربَّه ـ سبحانَه وتعالى: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقيمَ} سورةُ الأعراف: 16. أَمَّا الشَيْطانُ فَلَهُ سُبُل مُتَعدِّدةٌ لأنَّ طُرُقَ الغوايات متعددة، كطريقِ الغوايةِ بالمالَ، وطريق الغوايةِ بالمَرْأةِ، والغوايةِ بالجاهِ. فالغِواياتُ مُتَعَدِّدَةٌ متنوعَةٌ وكذلك طرقُها. أمَّا طريقُ الهدايَةِ التي يَدْعُو إليها كلُّ رَسُولٍ فهي واحدةٌ شائعةٌ في كلِّ ما حَوْلَه؛ فمَنْ يَأْتيها سَيَجِدُ مَنْ يَصُدَّهُ عنها. ومنْ يَطْلُبها سَيَلْقى التَهديدَ والوَعيدَ والإغوء عنها، والمَنْعَ عَنْ سَبيلِ الحَقِّ. ولماذا يَفْعلونَ ذلك؟ تأتي الإجابةُ مِنَ اللهِ ـ تبارك وتعالى: “وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً”. فهم يريدونَ طرقاً معوجةً ولا يريدون الطريق المستقيم الموصِلَ إلى الحقِّ، فهي مهمَّةُ إبليس وجندِه ـ أخزاهُ الله وإيّاهم.

قولُه: {تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} أيْ: “تُوعِدونَ” مَنْ لَا حُكْمَ لَكُمْ عَلَيْهِ ولا سَلْطان، وَ”تَصُدُّونَ” مَنْ يتبعُ لكم ويَنقادُ ويُطيعُ أَمْرَكم. جاءَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعن مَجاهد ـ رضي اللهُ عنهم: أَيْ تَتَوَعَّدُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْآتِينَ إِلَى شُعَيْبٍ لِيَتَّبِعُوهُ.وقَالَ السدّيُّ، أَيْ: تَتَوَعَّدون النَّاسَ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يُعْطُوكُمْ أَمْوَالَهُمْ. لأنَّهم كانوا عَشَّارين.فإنَّ شُعَيْباً ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ نهَاهُمْ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. وهَذَا هو الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ دُونَ الْإِيمَانِ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ لصَلَاحِ أَنْفُسِهِمْ، فالمعنى: أَصْلِحُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَمْنَعُوا مَنْ يَرْغَبُ فِي إِصْلَاحِ نَفْسِهِ. وذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَصُدُّونَ وُفُودَ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا لِئَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ. فَالْمُرَادُ بِالصِّرَاطِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ إِلَى لِقَائهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنْ لَازِمَهِ وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ وَالِاسْتِقْرَارُ، فقد ذُكِرَ أَنَّ قومَ شعيبٍ ـ عليه السلامُ ـ كانوا يَجْلِسونَ على الطُرُقاتِ، ويُخَوِّفون مَنْ يُريدُ أَنْ يُؤمِنَ باللهِ وبِرَسُولِهِ شعيب، ويَمنعونَهم، ويقولون لهم إنَّ شُعيباً كاذبٌ، ويُخَوِّفُونَهُم بالقَتْلِ إنْ هُمْ آمَنَوا بِشُعَيْب واتَّبَعَوهُ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: كانوا يَجْلسون على الطريق فيُخْبِرون مَنْ أَتى عليهم أَنَّ شُعَيْباً الذي تُريدونَهُ كَذَّابٌ فلا يَفْتِنكم عَنْ دِينِكم. وقيل: “وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله” أيْ: تصُدّنَ عن الطَريقِ المُوصِلَةِ إليْهِ ـ سبحانَه ـ وهي الإيمانُ، فهو السَبيلُ الذي قَعَدوا عليه فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَياناً لِكُلِّ صِراطٍ، ودَلالةً على عِظَمِ ما يَصدونَ عَنْهُ، وتَقْبيحاً لِما كانوا عَلَيْه.

قولُهُ: {وَتَبْغُونَها عِوَجاً} وهذا إخبارٌ فيهِ مَعْنى التَوْبيخِ، وقَدْ يَكونُ تَهَكُّماً بِهم، حيثُ طَلَبوا ما هُوَ مُحالٌ، إذْ طَريقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ، كأنَّهُ قيلَ: ما كَفاكُم أَنَّكم تُوعِدون الناسَ على مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدونَهم عنْ سبيلِ اللهِ تعالى حتَّى تَصِفونَه بالاعْوِجاجِ لِيَكونَ الصَدُّ بالبُرْهانِ والدَليلِ. والمعنى إنَّهم يَبْغونَ ويَوَدُّون شَريعةَ اللهِ مِعْوَجَّةً ومائلةً عَنِ الاسْتِقامَةِ لِيَستَفيدوا هُمْ مِنِ اعْوِجاجِها. أَوْ المَعْنى أَنَّهم يَصِفُونَ شريعةَ اللهِ بأَنَّها معوجةٌ وغيرُ مُستقيمةٍ، لِيَصُدوا النّاسَ عنِ الدُخولِ فيها، ولِيُنَفِّرونهم مِنها. وقيلَ بأَنَّ المعنى: تَبْتَغونَ عِوَجاً لِمَنْ يُطالِبُكم بالدَليلِ، وتَعلمونَ أَنَّ لَهُ نَظَراً واعتِباراً وتَأَمُّلاً، وهُو إشارةٌ إلى اخْتِلافِ حالِهم باعْتِبارِ مَنْ يَصُدُّونَه، فمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ ولا فِطْنَة، يَكْتَفونَ فيهِ بالصَدِّ والتَوَعُّدِ، ومَنْ لَهُ بَعْضُ علمٍ وممارسةٍ يُظْهِرونَ لَهُ اعْوجاجاً. و جاءَ عَنْ أَبي هُريْرَةَ وعنِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّه يُرادُ بِتَبْغونَها عِوَجاً عَيْشُهمْ في الأَرْضِ، واعْوِجاجُ الطَريقِ عِبارةٌ عَنْ فَواتِ أَمْنِها.

قَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} أَيْ كَثَّرَ عَدَدَكُمْ بالبَرَكَةِ في النَّسْلِ، كما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما. وحُكِيَ أَنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ فَوَلَدتْ، فرَمى اللهُ تَعالى في نَسِلِها البَرَكَةَ والنَّماءَ فَكَثُروا وفَشَوا. أَوْ كَثَّرَكُمْ بِالْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ، أَيْ كُنْتُمْ فُقَرَاءَ فَأَغْنَاكُمْ، وكَثَّرَكم بالقُوَّةِ بَعْدَ الضَعْفِ، ووجْهُ ذَلكَ أَنَّهم إذا كانوا فُقَراءَ ضُعَفاءَ فهُم بِمَنْزِلَةِ القَليلِ، والمعنى إنَّهُ كَثَّرَكم بَعدَ القِلَّةِ، وأَعَزَّكم بَعْدَ الذِّلَّةِ.

قولُهُ: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أي: انظروا نَظَرَ اعتبارٍ كيف كانت آخِرَةُ أَمْرِ مَنْ كان قبلكم من الأمم فأَفْسَدَ، كقومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ، فاعْتَبِروا بِهم وبما انتهى إليه أمرهم، حيث أهلَكهمُ اللهُ تعالى، فلم يبقَ منهم إلاَّ الأثرُ والذكرُ السيِّءُ، لكنّهم لم يعتبروا، ولم يتّعظوا، فأصابهم ما أصاب الأممَ قبلهم من عذابٍ وهلاكٍ، وكذلك هو شأنُ أكثر الناسِ في كلِّ عصرٍ وأوانٍ، فإنَّ القليلَ منهم هُمُ الذي يتذكَّرُ ويتفَكّرُ ويَعتبرُ، وقد قيل: والعاقلُ منِ اعتبرَ بغيره.

قولُهُ تعالى: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ} و: حرفُ عطفٍ، “لا” ناهيةٌ جازمة، “تقعدوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بـ “لا” الناهية، وعلامة جزمه حذفُ النونِ مِنَ آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواو الدالّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق بين واو الجماعة والواو التي من أصلِ الكلمة. “بكل” الباء: حرفُ جَرٍّ والباءُ للإلْصاقِ، أو للظَرفيَّةِ، وَ”كُلِّ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُتَعلِّقٌ بـ “تَقْعُدوا” وهو مضافٌ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الباءُ للمُصاحَبَةِ فيتعلَّقَ المجرورُ بمحذوفِ حالٍ مِنَ الفاعِلِ، والتقدير: مُتَلَبِّسين بِكُلِّ صِراطٍ، و”صراطٍ” مُضافٌ إليهِ مَجْرورٌ. وهذه الجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَزْمٍ عطفاً على جُمْلَةِ لا تُفْسِدوا.

قولُهُ: {تُوعِدُونَ} فعلٌ مُضارعٌ مَرفوعٌ، وعلامَةُ رفعِهِ ثُبوتُ النُونِ في آخرِهِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٌ، وهذه الجُملةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “تَقْعُدوا”. أي: لا تقعدوا مُوْعِدين. ولم يُذْكَرِ المُوْعَدُ بِهِ لِتَذْهَبَ النَّفُسُ في تصوُّره كلَّ مَذْهَبِ.

قولُه: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} و: حرفُ عطفٍ،

“تصدون” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخره لأنّهُ من الأفعال الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ لـ “تَصُدّون”. “عَنْ” حرفُ جرٍّ، “سبيلِ” مجرور بحرف الجرِّ متعلِّقٌ بـ “تصدّون”، وهو مضافٌ، و”اللهِ” لَفظُ الجَلالَةِ مُضافٌ إليْهِ. “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفٍعولٍ بِهِ لـ “تصدون”، لا مفعول “توعدون” إذْ لو كانَ مَفعولاً للأوَّلِ لَقالَ: “تَصُدُّونهم”. يعني أنَّه لو كان كذلك لكانتِ المَسْألةُ مِنَ التَنازُعِ، وإذا كانتْ مِنَ التَنازُعِ وأَعْمَلْتَ الأوَّلَ لأَضْمرْتَ في الثاني فقلتَ: تَصُدُّونهم، لكنه ليس القرآنُ كذا، فدلَّ على أَنَّ “توعدون” ليسَ عامِلاً فيه، وهذا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكونَ المَسأَلَةُ مِنَ التَنازُعِ ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مُخْتارُ البَصْريّين، وحذف مِنَ الأوَّلِ وأَلاَّ تكونَ وهوَ الظاهر. وقال: الزمخشريُّ فإنْ قلتَ: إلامَ يَرْجِعُ الضميرُ في “مَنْ آمن به”؟ قلتُ: إلى كلِّ صِراطٍ، تقديرُه: تُوْعِدون مَنْ آمَنَ بِهِ وتَصُدُّون عَنْهُ، فوضعَ الظاهِرَ الذي هوَ “سبيلُ اللهِ” مَوْضِعَ المُضْمَرِ زَيادَةً في تَقبيحِ أَمْرِهِمْ. وظاهرُ كلامِهِ أَنَّها مِنَ التَنازُعِ، وأَنَّهُ مِنْ إعْمالِ الأوَّلِ.

قال الشيخ أبو حيّانٍ التوحيديُّ: وهذا تعسُّفٌ وتَكَلُّفٌ مَعَ عَدَمِ الاحتياجِ إلى تقديمٍ وتأخيرٍ ووضْعِ ظاهرٍ موضعَ مُضمَرٍ، إذِ الأَصْلُ خلافُ ذلك كلِّه، ولا ضرورةَ تدعو إليه، وأيْضاً فإنَّهُ مِنْ إعْمالِ الأَوَّلِ وهوَ مَذْهَبٌ مَرْجوحٌ، ولو كان مِنْ إعْمالِ الأَوَّلِ لأُضْمِرَ في الثاني وُجُوباً، ولا يجوزُ حَذْفُهُ إلاَّ في ضَرورةِ شعرٍ عِنْدَ بَعْضِهم كقولِ عاتكةَ

بِنْتِ عبدِ المُطَّلِبِ، تَصِفُ سِلاحَ قومِها:

بعكاظَ يُعْشي الناظِرِيْ …………………. نَ إذا هُمُ لَمَحُوا شعاعُهْ

وقبلَهُ قَوْلُها:

سائِلْ بنا في قومنا ……………………… وليَكْفِ من شر سماعُهْ

قيسًا، وما جمعوا لنا …………………….. في مجمع باقٍ شناعُهْ

فيه السنوَّر والقنا ………………………… والكبش ملتمع قناعُهْ

فأُعْمِلَ “يُعْشي” ورُفِعَ بِهِ “شُعاعُه” وحُذِفَ الضَميرَ مِنْ “لَمَحوا” تقديرُه: لَمَحوهُ. وأَجازَهُ بعضُهم بِقِلَّةٍ في غيرِ الشِعرِ. “آمن” فِعلٌ ماضٍ، والفاعلُ هو وهو العائد. “بِهِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ لِلْإِلْصَاقِ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى “فِي” كَشَأْنِهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى أَسْمَاءِ الْمَنَازِلِ. كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: بِسِقْطِ اللِّوَى الْبَيْتَ.والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “آمن”، والضميرُ في “به”: إمَّا يعودُ على كُلِّ صِراطٍ، وإمَّا يعودُ على اللهِ للعِلْمِ بِهِ، وإمَّا يعودُ على سبيلِ اللهِ، وجازَ ذلك لأنَّه يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جَمَعَ بينَ الاسْتِعْماليْن هُنا حيثُ قالَ “به” فَذَكَّرَ، وقال: “وتَبْغُونها عِوَجاً” فأنَّثَ، ومثلُهُ قولُهُ تعالى: {قُلْ هذِهِ سبيلي} سورة يُوسُف، الآية: 108. وقد تقدَّمَ نَحْوُ قولِهِ: “تَبْغونها عِوَجاً” في سورة آلِ عُمرانَ فأَغْنى عَنْ إعادتِهِ. وَهذه الجُمْلَةُ: في محلِّ نصبِ حَالٍ من فاعل “تقعدوا” أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين.

قولُه: {وَتَبْغُونَها عِوَجاً} و: حرفُ عطفٍ، “تبغون” مثلُ “تُوعدون” والهاء: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، “عوجاً” مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحَالِ أي: مُعْوَجَّةً، مَنْصوبٌ وعلامة نصبِهِ ظاهرة على آخره. وهذه الجملةُ في مَحلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُمْلَةِ “تُوعِدون”. أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغين.

قولُه: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} و: عاطفة، “اذكروا” فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ في محلِّ رفعِ فاعلِه، والألفُ فارقة. “إذ” ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الظَرْفِيَّةِ مُتَعلِّقٌ بِمَحذوفٍ هوَ مَفعولُ به للفعلِ “اذكروا” أَيْ اذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ في هذا الوَقْتِ، ويَجوزُ نَصْبُ “إِذْ” على أَنَّهُ هُوَ المَفعولُ بِهِ حيثُ يَقَعُ الذِكْرُ على الوَقتِ الذي يتَحَدَّثُ عَنْه. “كنتم” فِعْلٌ ماضٍ ناسِخٌ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتِّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ، والتاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ رَفْعِ اسْمِها، والميمُ: علامةُ جمعِ المُذكَّر. “قليلاً” خَبرُها منصوب، “فكثَّرَكم” الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ، “كَثَّرَ” فعلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهر، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُه “هو” يعودُ عليهِ تعالى، والكافُ ضَميرٌ مَفعولٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ، والميم: للمذكّر. وجملةُ “اذكروا” في مَحَلِّ جَزْمٍ عطفاً على جُملةِ “لا تقعدوا”. وجملةُ “كنتم قليلا” في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ “إذ” إليها. وجُمْلةُ “كثّركم” في مَحَلِّ جَرٍّ عطفاً على جُمْلَةِ “كُنْتُم قليلاً”.

قولُهُ: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} و: عاطفة، “انظروا” فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخره لأنه من الأفعال الخمسة، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والألفُ فارقة. “كيف” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرٍ مقدَّمٍ لـ “كان”، وهي وما في َحَيِّزِها مُعَلِّقَةٌ للنَظَرِ عَنِ العَمَلِ، فهي وما بَعدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ على إسقاطِ الخافَضِ. والنَّظرُ هُنا التَفَكُّرُ، و”كيف” خَبَرُ كان، واجبُ التَقديم. و”كان” فعلٌ ماضٍ ناسخ. “عاقبة” اسْمُ كانَ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعهِ ظاهرةٌ على آخره، وهو مضافٌ. و”المفسدين” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّه جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسْمِ المُفردِ.. وجملة “انظروا” في محلِّ جزمٍ عطفاً على جُمْلَةِ “اذْكُروا”. وجملة “كان عاقبة” في مَحَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ لِفِعْلِ “انْظُرْ” المعلَّقِ بالاسْتِفهامِ “كيف”.

وقد قرأ الجمهورُ: “الصراطَ” بالصادِ وقَرَأَ قُنْبُل ـ رحمه الله تعالى: “سِراط” بالسين على الأصلِ حيثُ وَرَدَ، وقدْ تُشَمُّ الصَادُ في “الصِّرَاطِ” ونحوه زَاياً وبه قَرَأَ خَلَفٌ، وحَمْزَةُ حَيْثُ وَرَدَ، وقرأَ خَلاَّد: الأَوَّلَ فَقَط. وقدْ تُقْرأُ زاياً مَحْضَةً.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 86


وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

(86)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ} يَنْهى الحَقُّ ـ سبحانَهُ وتعالى ـ عن القعودِ بِكُلِّ صِراٍط؛ لأنَّ الصِراطَ سَبيلٌ، واللهُ يَجمَعُ السُبُلَ لِيَنْهى عنها، وللحقِّ صِراطٌ مَسْتَقيمٌ واحِدٌ، وسَبيلٌ واحدٌ يأمُرنا أَنْ نَتَّبِعَهُ فيقول في سورة الأنعام: {وأنْ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} الآية: 153. فسبيلُ الاسْتِقامَةِ واحدٌ، وهو الذي توعَّدَ الشَيطانُ بأنْ يَقْعُدَ لِيَحْرِفَنا عَنْه حين قالَ مخاطباً ربَّه ـ سبحانَه وتعالى: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقيمَ} سورةُ الأعراف: 16. أَمَّا الشَيْطانُ فَلَهُ سُبُل مُتَعدِّدةٌ لأنَّ طُرُقَ الغوايات متعددة، كطريقِ الغوايةِ بالمالَ، وطريق الغوايةِ بالمَرْأةِ، والغوايةِ بالجاهِ. فالغِواياتُ مُتَعَدِّدَةٌ متنوعَةٌ وكذلك طرقُها. أمَّا طريقُ الهدايَةِ التي يَدْعُو إليها كلُّ رَسُولٍ فهي واحدةٌ شائعةٌ في كلِّ ما حَوْلَه؛ فمَنْ يَأْتيها سَيَجِدُ مَنْ يَصُدَّهُ عنها. ومنْ يَطْلُبها سَيَلْقى التَهديدَ والوَعيدَ والإغوء عنها، والمَنْعَ عَنْ سَبيلِ الحَقِّ. ولماذا يَفْعلونَ ذلك؟ تأتي الإجابةُ مِنَ اللهِ ـ تبارك وتعالى: “وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً”. فهم يريدونَ طرقاً معوجةً ولا يريدون الطريق المستقيم الموصِلَ إلى الحقِّ، فهي مهمَّةُ إبليس وجندِه ـ أخزاهُ الله وإيّاهم.

قولُه: {تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} أيْ: “تُوعِدونَ” مَنْ لَا حُكْمَ لَكُمْ عَلَيْهِ ولا سَلْطان، وَ”تَصُدُّونَ” مَنْ يتبعُ لكم ويَنقادُ ويُطيعُ أَمْرَكم. جاءَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعن مَجاهد ـ رضي اللهُ عنهم: أَيْ تَتَوَعَّدُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْآتِينَ إِلَى شُعَيْبٍ لِيَتَّبِعُوهُ.وقَالَ السدّيُّ، أَيْ: تَتَوَعَّدون النَّاسَ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يُعْطُوكُمْ أَمْوَالَهُمْ. لأنَّهم كانوا عَشَّارين.فإنَّ شُعَيْباً ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ نهَاهُمْ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. وهَذَا هو الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ دُونَ الْإِيمَانِ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ لصَلَاحِ أَنْفُسِهِمْ، فالمعنى: أَصْلِحُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَمْنَعُوا مَنْ يَرْغَبُ فِي إِصْلَاحِ نَفْسِهِ. وذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَصُدُّونَ وُفُودَ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا لِئَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ. فَالْمُرَادُ بِالصِّرَاطِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ إِلَى لِقَائهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنْ لَازِمَهِ وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ وَالِاسْتِقْرَارُ، فقد ذُكِرَ أَنَّ قومَ شعيبٍ ـ عليه السلامُ ـ كانوا يَجْلِسونَ على الطُرُقاتِ، ويُخَوِّفون مَنْ يُريدُ أَنْ يُؤمِنَ باللهِ وبِرَسُولِهِ شعيب، ويَمنعونَهم، ويقولون لهم إنَّ شُعيباً كاذبٌ، ويُخَوِّفُونَهُم بالقَتْلِ إنْ هُمْ آمَنَوا بِشُعَيْب واتَّبَعَوهُ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: كانوا يَجْلسون على الطريق فيُخْبِرون مَنْ أَتى عليهم أَنَّ شُعَيْباً الذي تُريدونَهُ كَذَّابٌ فلا يَفْتِنكم عَنْ دِينِكم. وقيل: “وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله” أيْ: تصُدّنَ عن الطَريقِ المُوصِلَةِ إليْهِ ـ سبحانَه ـ وهي الإيمانُ، فهو السَبيلُ الذي قَعَدوا عليه فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَياناً لِكُلِّ صِراطٍ، ودَلالةً على عِظَمِ ما يَصدونَ عَنْهُ، وتَقْبيحاً لِما كانوا عَلَيْه.

قولُهُ: {وَتَبْغُونَها عِوَجاً} وهذا إخبارٌ فيهِ مَعْنى التَوْبيخِ، وقَدْ يَكونُ تَهَكُّماً بِهم، حيثُ طَلَبوا ما هُوَ مُحالٌ، إذْ طَريقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ، كأنَّهُ قيلَ: ما كَفاكُم أَنَّكم تُوعِدون الناسَ على مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدونَهم عنْ سبيلِ اللهِ تعالى حتَّى تَصِفونَه بالاعْوِجاجِ لِيَكونَ الصَدُّ بالبُرْهانِ والدَليلِ. والمعنى إنَّهم يَبْغونَ ويَوَدُّون شَريعةَ اللهِ مِعْوَجَّةً ومائلةً عَنِ الاسْتِقامَةِ لِيَستَفيدوا هُمْ مِنِ اعْوِجاجِها. أَوْ المَعْنى أَنَّهم يَصِفُونَ شريعةَ اللهِ بأَنَّها معوجةٌ وغيرُ مُستقيمةٍ، لِيَصُدوا النّاسَ عنِ الدُخولِ فيها، ولِيُنَفِّرونهم مِنها. وقيلَ بأَنَّ المعنى: تَبْتَغونَ عِوَجاً لِمَنْ يُطالِبُكم بالدَليلِ، وتَعلمونَ أَنَّ لَهُ نَظَراً واعتِباراً وتَأَمُّلاً، وهُو إشارةٌ إلى اخْتِلافِ حالِهم باعْتِبارِ مَنْ يَصُدُّونَه، فمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ ولا فِطْنَة، يَكْتَفونَ فيهِ بالصَدِّ والتَوَعُّدِ، ومَنْ لَهُ بَعْضُ علمٍ وممارسةٍ يُظْهِرونَ لَهُ اعْوجاجاً. و جاءَ عَنْ أَبي هُريْرَةَ وعنِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّه يُرادُ بِتَبْغونَها عِوَجاً عَيْشُهمْ في الأَرْضِ، واعْوِجاجُ الطَريقِ عِبارةٌ عَنْ فَواتِ أَمْنِها.

قَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} أَيْ كَثَّرَ عَدَدَكُمْ بالبَرَكَةِ في النَّسْلِ، كما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما. وحُكِيَ أَنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ فَوَلَدتْ، فرَمى اللهُ تَعالى في نَسِلِها البَرَكَةَ والنَّماءَ فَكَثُروا وفَشَوا. أَوْ كَثَّرَكُمْ بِالْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ، أَيْ كُنْتُمْ فُقَرَاءَ فَأَغْنَاكُمْ، وكَثَّرَكم بالقُوَّةِ بَعْدَ الضَعْفِ، ووجْهُ ذَلكَ أَنَّهم إذا كانوا فُقَراءَ ضُعَفاءَ فهُم بِمَنْزِلَةِ القَليلِ، والمعنى إنَّهُ كَثَّرَكم بَعدَ القِلَّةِ، وأَعَزَّكم بَعْدَ الذِّلَّةِ.

قولُهُ: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أي: انظروا نَظَرَ اعتبارٍ كيف كانت آخِرَةُ أَمْرِ مَنْ كان قبلكم من الأمم فأَفْسَدَ، كقومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ، فاعْتَبِروا بِهم وبما انتهى إليه أمرهم، حيث أهلَكهمُ اللهُ تعالى، فلم يبقَ منهم إلاَّ الأثرُ والذكرُ السيِّءُ، لكنّهم لم يعتبروا، ولم يتّعظوا، فأصابهم ما أصاب الأممَ قبلهم من عذابٍ وهلاكٍ، وكذلك هو شأنُ أكثر الناسِ في كلِّ عصرٍ وأوانٍ، فإنَّ القليلَ منهم هُمُ الذي يتذكَّرُ ويتفَكّرُ ويَعتبرُ، وقد قيل: والعاقلُ منِ اعتبرَ بغيره.

قولُهُ تعالى: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ} و: حرفُ عطفٍ، “لا” ناهيةٌ جازمة، “تقعدوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بـ “لا” الناهية، وعلامة جزمه حذفُ النونِ مِنَ آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواو الدالّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق بين واو الجماعة والواو التي من أصلِ الكلمة. “بكل” الباء: حرفُ جَرٍّ والباءُ للإلْصاقِ، أو للظَرفيَّةِ، وَ”كُلِّ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُتَعلِّقٌ بـ “تَقْعُدوا” وهو مضافٌ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الباءُ للمُصاحَبَةِ فيتعلَّقَ المجرورُ بمحذوفِ حالٍ مِنَ الفاعِلِ، والتقدير: مُتَلَبِّسين بِكُلِّ صِراطٍ، و”صراطٍ” مُضافٌ إليهِ مَجْرورٌ. وهذه الجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَزْمٍ عطفاً على جُمْلَةِ لا تُفْسِدوا.

قولُهُ: {تُوعِدُونَ} فعلٌ مُضارعٌ مَرفوعٌ، وعلامَةُ رفعِهِ ثُبوتُ النُونِ في آخرِهِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٌ، وهذه الجُملةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “تَقْعُدوا”. أي: لا تقعدوا مُوْعِدين. ولم يُذْكَرِ المُوْعَدُ بِهِ لِتَذْهَبَ النَّفُسُ في تصوُّره كلَّ مَذْهَبِ.

قولُه: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} و: حرفُ عطفٍ،

“تصدون” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخره لأنّهُ من الأفعال الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ لـ “تَصُدّون”. “عَنْ” حرفُ جرٍّ، “سبيلِ” مجرور بحرف الجرِّ متعلِّقٌ بـ “تصدّون”، وهو مضافٌ، و”اللهِ” لَفظُ الجَلالَةِ مُضافٌ إليْهِ. “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفٍعولٍ بِهِ لـ “تصدون”، لا مفعول “توعدون” إذْ لو كانَ مَفعولاً للأوَّلِ لَقالَ: “تَصُدُّونهم”. يعني أنَّه لو كان كذلك لكانتِ المَسْألةُ مِنَ التَنازُعِ، وإذا كانتْ مِنَ التَنازُعِ وأَعْمَلْتَ الأوَّلَ لأَضْمرْتَ في الثاني فقلتَ: تَصُدُّونهم، لكنه ليس القرآنُ كذا، فدلَّ على أَنَّ “توعدون” ليسَ عامِلاً فيه، وهذا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكونَ المَسأَلَةُ مِنَ التَنازُعِ ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مُخْتارُ البَصْريّين، وحذف مِنَ الأوَّلِ وأَلاَّ تكونَ وهوَ الظاهر. وقال: الزمخشريُّ فإنْ قلتَ: إلامَ يَرْجِعُ الضميرُ في “مَنْ آمن به”؟ قلتُ: إلى كلِّ صِراطٍ، تقديرُه: تُوْعِدون مَنْ آمَنَ بِهِ وتَصُدُّون عَنْهُ، فوضعَ الظاهِرَ الذي هوَ “سبيلُ اللهِ” مَوْضِعَ المُضْمَرِ زَيادَةً في تَقبيحِ أَمْرِهِمْ. وظاهرُ كلامِهِ أَنَّها مِنَ التَنازُعِ، وأَنَّهُ مِنْ إعْمالِ الأوَّلِ.

قال الشيخ أبو حيّانٍ التوحيديُّ: وهذا تعسُّفٌ وتَكَلُّفٌ مَعَ عَدَمِ الاحتياجِ إلى تقديمٍ وتأخيرٍ ووضْعِ ظاهرٍ موضعَ مُضمَرٍ، إذِ الأَصْلُ خلافُ ذلك كلِّه، ولا ضرورةَ تدعو إليه، وأيْضاً فإنَّهُ مِنْ إعْمالِ الأَوَّلِ وهوَ مَذْهَبٌ مَرْجوحٌ، ولو كان مِنْ إعْمالِ الأَوَّلِ لأُضْمِرَ في الثاني وُجُوباً، ولا يجوزُ حَذْفُهُ إلاَّ في ضَرورةِ شعرٍ عِنْدَ بَعْضِهم كقولِ عاتكةَ بِنْتِ عبدِ المُطَّلِبِ، تَصِفُ سِلاحَ قومِها:

بعكاظَ يُعْشي الناظِرِيْ …………………. نَ إذا هُمُ لَمَحُوا شعاعُهْ

وقبلَهُ قَوْلُها:

سائِلْ بنا في قومنا ……………………… وليَكْفِ من شر سماعُهْ

قيسًا، وما جمعوا لنا …………………….. في مجمع باقٍ شناعُهْ

فيه السنوَّر والقنا ………………………… والكبش ملتمع قناعُهْ

فأُعْمِلَ “يُعْشي” ورُفِعَ بِهِ “شُعاعُه” وحُذِفَ الضَميرَ مِنْ “لَمَحوا” تقديرُه: لَمَحوهُ. وأَجازَهُ بعضُهم بِقِلَّةٍ في غيرِ الشِعرِ. “آمن” فِعلٌ ماضٍ، والفاعلُ هو وهو العائد. “بِهِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ لِلْإِلْصَاقِ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى “فِي” كَشَأْنِهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى أَسْمَاءِ الْمَنَازِلِ. كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: بِسِقْطِ اللِّوَى الْبَيْتَ.والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “آمن”، والضميرُ في “به”: إمَّا يعودُ على كُلِّ صِراطٍ، وإمَّا يعودُ على اللهِ للعِلْمِ بِهِ، وإمَّا يعودُ على سبيلِ اللهِ، وجازَ ذلك لأنَّه يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جَمَعَ بينَ الاسْتِعْماليْن هُنا حيثُ قالَ “به” فَذَكَّرَ، وقال: “وتَبْغُونها عِوَجاً” فأنَّثَ، ومثلُهُ قولُهُ تعالى: {قُلْ هذِهِ سبيلي} سورة يُوسُف، الآية: 108. وقد تقدَّمَ نَحْوُ قولِهِ: “تَبْغونها عِوَجاً” في سورة آلِ عُمرانَ فأَغْنى عَنْ إعادتِهِ. وَهذه الجُمْلَةُ: في محلِّ نصبِ حَالٍ من فاعل “تقعدوا” أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين.

قولُه: {وَتَبْغُونَها عِوَجاً} و: حرفُ عطفٍ، “تبغون” مثلُ “تُوعدون” والهاء: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، “عوجاً” مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحَالِ أي: مُعْوَجَّةً، مَنْصوبٌ وعلامة نصبِهِ ظاهرة على آخره. وهذه الجملةُ في مَحلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُمْلَةِ “تُوعِدون”. أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغين.

قولُه: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} و: عاطفة، “اذكروا” فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ في محلِّ رفعِ فاعلِه، والألفُ فارقة. “إذ” ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الظَرْفِيَّةِ مُتَعلِّقٌ بِمَحذوفٍ هوَ مَفعولُ به للفعلِ “اذكروا” أَيْ اذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ في هذا الوَقْتِ، ويَجوزُ نَصْبُ “إِذْ” على أَنَّهُ هُوَ المَفعولُ بِهِ حيثُ يَقَعُ الذِكْرُ على الوَقتِ الذي يتَحَدَّثُ عَنْه. “كنتم” فِعْلٌ ماضٍ ناسِخٌ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتِّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ، والتاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ رَفْعِ اسْمِها، والميمُ: علامةُ جمعِ المُذكَّر. “قليلاً” خَبرُها منصوب، “فكثَّرَكم” الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ، “كَثَّرَ” فعلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهر، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُه “هو” يعودُ عليهِ تعالى، والكافُ ضَميرٌ مَفعولٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ، والميم: للمذكّر. وجملةُ “اذكروا” في مَحَلِّ جَزْمٍ عطفاً على جُملةِ “لا تقعدوا”. وجملةُ “كنتم قليلا” في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ “إذ” إليها. وجُمْلةُ “كثّركم” في مَحَلِّ جَرٍّ عطفاً على جُمْلَةِ “كُنْتُم قليلاً”.

قولُهُ: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} و: عاطفة، “انظروا” فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخره لأنه من الأفعال الخمسة، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والألفُ فارقة. “كيف” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرٍ مقدَّمٍ لـ “كان”، وهي وما في َحَيِّزِها مُعَلِّقَةٌ للنَظَرِ عَنِ العَمَلِ، فهي وما بَعدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ على إسقاطِ الخافَضِ. والنَّظرُ هُنا التَفَكُّرُ، و”كيف” خَبَرُ كان، واجبُ التَقديم. و”كان” فعلٌ ماضٍ ناسخ. “عاقبة” اسْمُ كانَ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعهِ ظاهرةٌ على آخره، وهو مضافٌ. و”المفسدين” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّه جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسْمِ المُفردِ.. وجملة “انظروا” في محلِّ جزمٍ عطفاً على جُمْلَةِ “اذْكُروا”. وجملة “كان عاقبة” في مَحَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ لِفِعْلِ “انْظُرْ” المعلَّقِ بالاسْتِفهامِ “كيف”.

 
 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.