فيض العليم …. سورة الأعراف، الآية: 114


قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

(114)
قولُه ـ تباركت أسماؤه: {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَونُ مُشَجِّعاً، إنَّهُ سَيُعْطِيهِمْ عَطَاءً جَزِيلاً، وَسَيَجْعَلُهُمْ مِنْ جُلَسَائِهِ وَالمُقَرَّبِينَ إِلَيهِ. قَالَ نَعَمْ” أي: “إنَّ لكم لأجراً” وإنَّكم مع ذلك لمن المقربين، أي إني لا أقتصر لكم على العطاء وحدَه، وأنَّ لكم معه ما هو أعظم منه وهو التقريب والتعظيم، لأنَّ مَنْ أُعْطِي شيئاً إنما يتهنأ به ويغتبط إذا نال معه الكرامة والرفعة، وفي ذلك من المبالغة في الترغيب والتحريض ما لا يخفى، وروى عن الكلبي أنه قال لهم: تكونون أَوَّلَ مَنْ يدخُل مجلسي وآخر من يخرج عنه.
وقوله: {لَمِنَ المقربين} يدلُّ على فسادِ حكمِ فرعون؛ لأنَّ الحاكمَ عليه أنْ يُساويَ بين المحكومين. لكن إذا ما كان هناك مقربون فالدائرة الأولى منهم تنهب على قدر قربها، والدائرة الثانية تنهب أيضاً، وكذلك الثالثة والرابعة فتجد كل الدوائر تمارس فسادها مادام الناس مصنفين عند الحاكم.
ولذلك كان رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ما جلس
الصحابة يستمعون إليه كان يسوّي الناس جميعاً في نظره حتى يظنَّ كلُّ منهم أنَّه أَولى بنظرِ رسولِ الله، ولا يدنى أحداً أو يقربه من مجلسه إلا من شهد له الجميع بأنه مقرب.
وتدلُّ هذه الآيةُ المباركة على أنَّ كلَّ الخلقِ كانوا عالمين بأنَّ فرعون كان عبداً ذليلاً عاجزاً، وإلاَّ لما احتاجَ إلى الاسْتِعانَةِ بالسَحَرَةِ في دفع موسى ـ عليه السلام، ويدلُّ على أن السَّحَرَة لم يقدروا على قلب الأعيان، وإلاَّ لما احتاجوا إلى طلبِ الأجْرِ والمالِ من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان فَلَمَ لم يقلبوا التراب ذهباً، ولِمَ لَمْ ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم، ولِمَ لَمْ يجعلوا أنفسهم مُلُوك العالم.
قوله تعالى: {نعم} حرفُ جَوابٍ قائمة مقام جملة تقديرها: “لَكمُ أَجْرٌ”.
وقولُه: {وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين} هذه الجملةُ نَسَقٌ على الجملة المحذوفةِ التي نابَتْ “نعم” عنها في الجواب، إذ التقديرُ: قال: نعم إنَّ لكم لأجراً وإنَّكم لمن المقربين.

لولا غرامي



جلَّ الذي خلق الجمالَ وأبدعا
فغدا فؤادي بالجمال مُوَلَّعا

فهو الذي فطر الفؤاد على الهوى
لولاه ما عَشِقَ الفؤادُ ولا وَعى

رباهُ إنّي بالجَمالِ مُوَلَّعٌ
ما ذنبُ قلبٍ بالجَمالِ تَوَلَّعا؟

أنت الذي صُغْتَ الغواني فتنةً
وكَسَوْتَهُنَّ تَدَلُّلاً وتَدَلُّعا

ووهبتَني قلباً وحِسَّاً مُرْهَـفاً
وأمرتَ قلبي أن يَتوبَ ويَرْجِعا

ربّاهُ عفوَكَ إن ذللتُ فإنَّ لي
قلباً بحبِّ الغانياتِ تَوَلَّعا

***

يا ساحرَ اللَّفَـتاتِ يا حُلْوَ اللَّمى
أحْبَبْتَ قـتلي ما عسى أن أَصْنَعا؟

وطلبتَ روحي يا جميلُ تَدلُّلاً
فوَهَبْـتُها ووددتُ أن لا تَرجِعا

كم ذا أُمَنّي مُقلتَيَّ بطيفِهِ
ويبيتُ طرْفي ساهراً مُتطلِّعا

يَكفيه أَنّي قد كَسَـوْتُه أَجْـفُـني
وجعلتُ من أهداب عيني بُرْقُعا

وجعلتُ قلبي مَسْكناً لخيالِهِ
وخَشيتُ من ناري عليهِ تَوَجُّعا

***

أَتُرى عَرَفتَ بأنّني بك هالكٌ
ورضيتَ لي رغم الهوى أُصرَعا؟

فـلَأدعُوَنَّ عليك بالكأسِ التي
أَرغـمتَني يا حُلوُ أنْ أَتَجَرَّعا

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 113


وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ

(113)

قولُه ـ سبحانَه وتعالى: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} في الكلامِ حذفٌ يَقتضيهِ المعنى، تقديره: فأرْسَلَ حاشرين إلى جميع المدن، فجمعوا السحرة، وأمروهم بالمجيءِ إلى فرعون، وجاء السحرة .. ولكن حُذِفَ ذِكْرُ الإرسالِ لِعِلْمِ السامِعِ بِهِ. وكان عددهم كبيراً، وكان معهم من الحبالِ والعِصِيِّ الشيءُ الكَثيرُ ـ فيما رُوِيَ ـ حتى إنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ كان محملةً على ثلاثمئةِ بَعيرٍ، فالتَقَمَتِ الحَيَّةُ ذلك كلَّه.
قولُه: {قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} وَسَأَلَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ حِيْنَمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَائِلِينَ: هَلْ لَنَا مِنْ أَجْرٍ عَلَى مَا نَقُومُ بِهِ إِذَا تَغَلَّبْنَا عَلَى مُوسَى، وَأَبْطَلْنَا مَفْعُولَ سِحْرِهِ؟ أيْ جائزةً ومالاً. ولم يقل فقالوا بالفاءِ؛ لأنَّه أَرادَ لما جاؤوا قالوا. وقد حذفت همزة الاستفهام هنا فلم يقل أ “إنَّ لنا لأجراً” ومثل هذا كثيراً في كلامِ العرب، من ذلك نحو قول الشاعر عمر ابن أبي ربيعة:
قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً …………… عَدَدَ النَّجْمِ وَالحَصَى والتُّرَابِ
أي: أتحبها؟. وقولُ الكُمَيْتُ الأسدي:
طَرِبْتُ وما شَوْقاً إلى البيضِ أَطْرَبُ … ولا لعباً مني وذو الشيبِ يَلْعَبُ
أي: أَوَ ذو الشيب يلعب؟
وقوله: “إنَّ لنا لأجراً” يدُلُّ على أَنهم كانوا غيرَ مُكرَهين على مبارزة موسى ـ عليه السَّلامُ ـ بالسحر، وللعلماءِ عَنْ هذا السؤالِ أَجوِبَةٌ، أظهرُها: أنَّهُ أَكْرَهَهم على الشُخوصِ مِنْ أَماكِنِهم لِيُعارِضوا مُوسى بِسِحْرِهم، فلمَّا أُكرِهوا على القُدومِ وأُمِروا بالسِحْرِ أَتَوْهُ طائعين، فإكراهُهم بالنِسبةِ إلى أَوَّلِ الأَمْرِ، وطَوْعُهم بالنِسْبةِ إلى آخِرِ الأمْرِ، فانْفَكَّتْ الجِهَةُ وبذلك ينتفي التعارض، ويَدُلُّ لهذا قولُه: {وابْعثْ فِي المدائنِ حَاشِرِينَ} سورةُ الشعراءِ، الآية: 36، وقولُهُ: {وَأَرْسِلْ فِي المدئنِ حَاشِرِينَ} سورة الأعراف، الآية: 111.
ومنْها: أنَّه كان يُكرِهُهم على تَعليمِ أَوْلادِهم السِحْرَ في حالِ صِغَرِهِم، وأنَّ ذلك هو المُرادُ بإكراهِهم على السحر، في قولِه في سورة طه على لسانهم: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر} الآية: 73. ولا يُنافي ذلك أنهم فعلوا ما فَعلوا مِنَ السِحْرِ بَعْدَ تَعلُّمِهم وكِبَرِهِم طائعين.
ومنها: أنهم قالوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائماً: ففعلَ فوَجَدوهُ تحرُسُهُ عَصاهُ، فقالوا: ما هذا بسِحْرِ الساحِرِ! لأنَّ الساحرَ إذا نام بَطُلَ سِحْرُه. فأبى عليهم فرعون ذلك، وأَلزَمَهم بمعارضة موسى ومبارزته، فلمّا لم يجدوا بُدّاً مِنْ ذلك فعَلُوهُ طائعين. والله أعلم.
وقوله تعالى هنا: “وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين” فلم يقل هنا “قالوا لفرعون” أمَّا في سورة الشعراءِ فقال تعالى: {قالوا لفرعون أئنَّ لنَا لأجراً إن كنا نحن الغالبين} أي أصبح القول موجهاً إلى فرعون لأنَّ التَحدّي أَكبر في سورة الشعراءِ، وفيها تأكيد أيضاً بقولِهِ “أئن لنا لأجراً”، أما هنا فقال: “إنَّ لنا لأجراً” لأنَّ المقام يقتضي الحذف فالتَفصيلَ هنا أَقَلُّ.
قولُهُ تعالى: {قالوا إنَّ لنا لأجراً} جملة “قالوا” من الفعل والفاعل في محل نصبٍ على الحالِ مِنَ السَحَرَةِ. وجملةُ: “إنَّ” واسمها وخبرها مقول القول فلا محلَّ لها من الإعراب.
وقولُه: {إنْ كنا نحن الغالبين} إنْ: شرطيَّة، وجوابَ الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله. و”نحن” ضميرٌ منفصلٌ لتوكيد الضمير المتصل “نا” العظمة، وجملةُ “إن كنا نحن الغالبين” مستأنفة، لا محلَّ لها من الإعراب.
قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وحفْصٌ “قالوا إن لنا لأجراً” على الخبر، وقرأ أبو عَمْرو: “إين لنا” بالمد، وقرأ هشام بهمزتين بينهما مَدَّةٌ، وقرأ الباقون “أئن” بهمزتين وقد ذكرنا الحجة عند قوله: {أئنكم لتأتون الرجال شهوة} الآية: 81، من هذه السورة، فأغنى ذلك عن الإعادة.

من كنوز السنة النبوية المطهَّرة


من كنوز السنة النبوية المطهرة

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات، فأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما الكفارات فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السّبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات: فإطعام الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام).

رواه الطبراني بسند حسن. صحيح كنوز السنة النبوية – (1 / 126)

السبرات: جمع سبرة بفتح السين المهملة وسكون الموحدة التحتية وهي شدة البرد.

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 112


يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ

(112)

قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي فَيَجْمَعُوا لَكَ كُلَّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ وَاسِعٌ بِالسِّحْرِ، فيكشفون لك حقيقة ما جاء به موسى. حتى لا يفتتن به أحدٌ. وتدلُّ هذه الآية على أنَّ السَحَرَةَ كانوا كثيرين في ذلك الزمان، وهذا يَدُلُّ على صحَّةِ ما يَقولُه المتكلِّمون، مِنْ أَنَّ اللهَ ـ سبحانه وتعالى ـ جعلَ مُعجزةَ كلِّ نَبيٍّ من جنسَ ما كان غالباً على أَهْلِ ذلك الزمان، فلمَّا كان السحرُ هو الغالبُ على أهلِ زمانِ موسى ـ عليه السلامُ ـ كانت معجزتُه شبيهةً بالسِحْرِ، وإنْ كان مخالَِفاً للسِحرِ في الحقيقة، ولمَّا كان الطبُّ هو الغالبُ على أهل زمان عيسى ـ عليه السلامُ ـ كانتْ مُعجزتُه مِنْ جنسِ الطُبِّ، فشفى المرضى وأحيا الموتى، ولما كانت الفصاحةُ غالبةً على أهلِ زَمانِ سيدنا محمَّدٍ كانَتْ مُعجزتُه ـ صلى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم ـ مِنْ جِنسِ ما هُمْ فيه بارعون.
وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن مشورة الملأ من قوم فرعون على فرعون، أن يرسل في المدائن حاشرين يحشرون كل ساحر عليم.
قولُهُ تعالى: {يأتوك بكلِّ ساحرٍ عليم} يأتوك: جوابُ الطلبِ مجزومٌ وعلامة جزمه حذف النون لآنه من الأفعال الخمسة والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره: (هم) يعود على حاشرين، والكاف ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، وجملة “يأتوك” من الفعل والفاعل والمفعول به جوابُ الأمر. و “بكلِّ” يحتملُ أنْ تَكونَ الباءُ هنا لتعديَةِ الفعل “يأتوك“، ويحتَمَلُ أَنْ تَكونَ بمعنى “مَعَ” والوجهُ الأولُ أوجَهُ.
وفي الكلامِ محذوف، اكْتُفِيَ بدَلالةِ الظاهرِ مِن إظْهارِهِ، وهو: {فأرْسل في المدائن حاشرين}، يحشرون السحرة.
قولُه: {يأتوك بكلِّ ساحرٍ} قراءةُ الجمهورِ هنا: “ساحرٍ“، وقرَأَ الأخوان (حمزةُ والكسائي): “سَحَّارٍ” بالتشديد وقد تقدَّم، وجاءَ فيه الإمالَةُ وعدمُها. وهو صيغةُ مُبالغةٍ؛ وفَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّه الذي يُديمُ السِّحرَ، والساحرُ مَنْ يكونُ قد سَحَرَ في وقت دون وقت، وقيل: الساحر: هو المبتدئُ في السِّحرِ، والسَحَّارُ: هو المُنْتَهي الذي يُتَعلمُ منه.
فمن قرأ “سَحَّار” فحُجَّتُهُ أنَّه قد وُصِفَ ب “عليم“، ووصفُه بِهِ يَدُلُّ على تَناهيهِ فيهِ وحِذقِه به، فحَسُنَ لذلك أنْ يُذْكَرَ بالاسْم الدالِّ على المُبالَغَةِ في السِحرِ، ومَنْ قَرَأَ “ساحر” فحُجَّتُه قولُه: {وَأُلْقِىَ السحرة} سورة الأعراف، الآية: 120. وقولُه في سورة الشعراء: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَحَرَةَ} الآية: 40. والسحرة جمعُ ساحِرٍ مثلُ “كَتَبَةٍ” جمع “كاتبٍ”، و”فجرة” جمع فاجر، و”فَسَقة” جمع فاسقٍ. واحتجّوا أيضاً بقوله: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس} سورة الأَعْراف، الآية: 116. واسْمُ الفاعِلِ مِنْ سَحَروا: ساحر.

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 111


قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ

(111)
قولُهُ ـ جلَّ شأنُهُ: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} ما زَالَ سياقُ الآياتِ الكريمة يتحدَّث عن تفاصيلِ قصَّةِ موسى مَعَ فِرْعونَ، فبَعْدَ أنْ قدَّمَ مُوسى ما طلبه منه فرعون من الآيةِ، فأراه العصا التي تحوَّلت بقدرة الله تعالى إلى ثعبان عظيمٍ صعقَ أنفسهم هلَعاً وخوفاً، واليَدَ التي تحوَّلت إلى مصباحٍ منيرٍ كأنها الشمسُ في رابعة النهار، أو كأنها فلقةُ القمر، وشاهدُ فرعونُ وملؤه هاتين الآيتين العظيمتين، وقالوا: {إنْ هذا لَساحِرٌ عَليم} فاتهموا موسى ـ عليه السلامُ ـ بالسياسةِ، والطمع في كرسيِّ الحكم، وأنَّه يريد إخراجَهم مِنْ بِلادِهم ليَستولي عليها هو وقومُه مِنْ بَني إسرائيل، وسألهم فرعون الرأيَ والمشورة قائلاً: {فماذا تأمُرون}؟ وبمَ به عليَّ تُشيرون؟. وبَعدْ َأَنْ قَلَّبُوا أَوْجُهَ الرَّأْيِ، أجابوهُ قائلين: “أرجه وأخاه” أي أوقفهما عندك، وأَخِّرِ البَتَّ فِي أَمْرِهِما، وإجابتهما إلى ما يطلبان منك، وقد سَبَقَ أن وعده أن يؤمن برسالته من ربه إذا ما كفَّ عنه أذى عصاه حين أصبحت ثعباناً يهم بابتلاعه.
وقيل إنَّ المقصود ب “أرجه” احبسْهُ، وهذا الرأي مدعومٌ بقولِهِ تعالى في سورة الشعراء: {لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين}، الآية: 29. وهو بعيدٌ لأنَّه لم يثبت ذلك تاريخياً ثم إنَّ فرعون وملأه كانوا حينها في حالةٍ منَ الخوفِ والهلع مما رأوا مِنْ مُعجِزَةِ مُوسى، ما يجعلهم بعيدين عن التفكير بمثل هذا الأمر أو الجرأة عليه، أمّا قولُه: {لأجعلنك ..} فقد كان قبل أن يرى ما رأى. ثمِّ إنَّ الأرجاء في كلام العربِ يعني التأخير كما سبق بيانُه.  
و”أرجه” هي إمَّا بالهمزِ من أَرْجَأَ يرجئُ إرجاءً، والمعنى أَخِّرْهُ، كما جاء في سورة في الآية 106. من سورة التوبة بحق الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إحدى غزواته فقال {وآخرون مُرْجَوْنَ ..} أي مؤخَّرون للحكم عليهم. وقد قرِئَ “أرجِهْ” بدون همْزٍ للتَسْهيل، وإمّا أن يكون مِنَ الرَّجاءِ، أيْ: أطْمِعْهُ وعِدْهُ بما يجعلُه يَنْتظر.
وقد طلبوا الإرجاءَ بعد طلب فرعون مشورتهم كما تقدمَ بقوله {فماذا تأمرون} وكأنَّه يريد منهم رأياً مستعجلاً لكنَّ المسألةَ أَخْطَر من أن يُتَصَرَّف فيها تصرفاً سريعاً، بلْ تحتاج إلى وقت كافٍ ومتَّسع للتفكر والتدبير والتدبّرِ. ولأنهم اتهموا موسى بالسحر، فإنَّ الأمر يتطلب مشاركة أهل الاختصاص في هذا المجال، فيرى الجميع كيفيّة مواجهة هذه المشكلة، فهي مسألة ليست هينة لأن فيها نقض ألوهية فرعون، وفي هذا دك لسلطان الفرعون وإنهاءٌ لانتفاعِهم هُم مِن هَذا السلطان. وقد كان السحرُ منتشراً بكثرة في المدائن آنذاك، والسحرةُ المهرةُ كثرٌ ولذلك قالوا: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}.
قولُهُ: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} وَأَرْسِلْ فِي مَدَائِنِ مَمْلَكَتِكَ “حاشرين” أي أرسلْ رجالاً يَجْمَعُون لَكَ السَّحَرَةَ الخبراءَ في فَنِّ السِّحْرِ للمُناظَرَةِ، وَكَانَ السَّحَرَةُ كَثيرينَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ.
قيل: المقصود بالمدائن هي مدائنُ صعيدِ مصرَ وكان رؤساءُ السحرةِ ومَهَرتُهم بأقصى مدائنِ الصعيد. قال ابنُ عبَّاسٍ، وابْنُ إسحاقَ والسُّدِّيُّ: قال فرعون لمَّا رأى مِنْ سُلطانِ اللهِ في العَصا ما رَأَى: إنَّا لا نُغالِبُ إلاَّ بمن هو أعلمُ مِنْه، فاتخذَ غِلماناً مِنْ بني إسرائيلَ فبعثَ بهم إلى قريةٍ يُقالُ لها الفرحاءُ يُعلمونهم السِّحْرَ، فعلموهم سِحْراً كَثيراً، وواعَدَ فِرْعونُ مُوسى مَوعِداً فبَعثَ إلى السَحَرَةِ فجاءوا ومُعَلِّمُهم معهم، فقال لَهُ: ماذا صَنَعْتَ؟ قال: قدْ علَّمْتُهم سِحْراً لا يُطيقُه سَحَرَةُ أَهْلِ الأَرْضِ، إلاَّ أَنْ يَكونَ أَمْراً مِنَ السّماءِ، فإنَّه لا طاقةَ لهم بِهِ، ثم بَعَثَ فِرْعونُ في مملكتِهِ، فلم يَتْرُك في سُلْطانِهِ ساحراً إلاَّ أَتى به.
واختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، وهما رأسا القومِ، وسبعونَ مِنْ بَني إسْرائيل. وعن ابن عباسٍ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنهما ـ أنهم كانوا سَبعينَ ساحراً أَخذوا السِحْرَ مِنْ رَجلين من أهلِ نينَوى مدينةِ يونسَ ـ عليه السلام ـ بالمَوْصِل من العراق. وقال الكَلْبِيُّ: كان الذين يُعلمونهم رَجلين مجوسيين من أهلِ نينوي، وكانوا سَبعينَ غيرَ رئيسيهم. وقيل في عددهم غير ذلك والله أعلم.
قوله تعالى: {أَرْجِهْ} في هذه الكلمة هنا، وفي سورة الشعراء سِتُّ قراءاتٍ في المَشهورِ المُتَواتِرِ، ثلاثٌ مع الهمزِ وثلاثٌ مَعَ عَدَمِه.
فأمَّا الثلاث التي مع الهمز فأوّلُها قراءةُ ابْنِ كَثيرٍ، وهشامٌ عَنِ ابْنِ عامرٍ: أَرْجِئْهو بهمزةٍ ساكنة وهاء متصلة بواو. وثانيها قراءة أبي عمرو: أَرْجِئْهُ كما تقدَّم إلاَّ أنَّه لم يَصِلْها بواو. الثالثة: قراءةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: أَرْجِئْهِ بهمزةٍ ساكنةٍ وهاءٍ مكسورَةِ مِنْ غيرِ صِلَةٍ.
وأَمَّا الثلاثُ التي مَعَ غير الهمز فأوَّلها قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ: أَرْجِهْ بكسرِ الجيمِ وسُكونِ الهاءِ وَصْلاً وَوَقْفاً. ثانيها قراءة الكسائي: أَرْجِهي بهاءٍ مُتَّصِلَةٍ بياءٍ. وثالثُها: قراءةُ قالون بهاءٍ مَكْسورةٍ دونَ ياءٍ.
فأمَّا ضمُّ الهاء وكسرُها فقد عُرِف مما تقدَّم. وأمَّا الهمزُ وعدمُه فلُغتان مشهورتان، يُقالُ: أَرْجَأْتُه وأَرْجَيْتُه أي: أخَّرته، وقد قُرِئ قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَاءُ} الأحزاب: 51. بالهمزِ وعَدَمِه. وهذا كقولهم: توضَّأْتُ وتوضَّيْتُ. وهَلْ هما مادَّتان أَصْلِيَّتان أَمِ المبدلُ فَرْعُ الهمز؟ احتمالان.
وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة ابنِ ذَكوان، فقال الفارسيُّ: ضمُّ الهاءِ مع الهمزِ لا يجوزُ غيرُه، وروايةُ ابنِ ذَكوان عن ابنِ عامرٍ غَلَطٌ. وقال ابنُ مجاهد: وهذا لا يجوز، لأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلاَّ بعدَ كَسْرةٍ أَوْ ياءٍ ساكنةٍ. وقالَ الحُوفيُّ: ومِنَ القرَّاءِ مَنْ يَكْسرُ مَعَ الهمزِ وليس بجيِّدٍ. وقال أبو البقاء: ويُقْرأُ بكسرِ الهاءِ مَعَ الهمزِ وهو ضعيفٌ، لأنَّ الهمزةَ حرفٌ صَحيحٌ ساكنٌ فليسَ قبلَ الهاءِ ما يَقتَضي الكسرَ.
وقد اعتذر الناسُ عن هذه القراءة على سبيلِ التَنازُلِ بوَجْهَين: أَحَدُهما: أنَّ الهمزةَ ساكنةٌ والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، ولَهُ شَواهدُ مذكورةٌ في موضعها، فكأنَّ الهاءَ وَلِيَتِ الجيمَ المكسورةَ فلِذلك كُسِرت. الثاني: أَنَّ الهمزةَ كثيراً ما يَطْرأُ عليها التغييرُ، وهي هنا في مَعْرِضِ أَنْ تُبْدَلَ ياءً ساكنةً لِسُكونِها بعدَ كَسْرةٍ فكأنها وَلِيَتْ ياءً ساكنةً فلِذلك كُسِرَتْ.
وقد اعتَرضَ أَبو شامةَ على هذين الجوابين بثلاثةِ أَوْجُهٍ. الأوَّلُ: أنَّ الهمزَ معتدٌّ به حاجزاً بإجماعٍ في {أَنبِئْهُمْ} سورةُ البقرة، الآية: 33. و {نَبِّئْهُمْ} سورة القمر، الآية: 28، والحكمُ واحدٌ في ضمير الجمعِ والمفردِ فيما يرجع إلى الكسر والضمِّ. الثاني: أنَّه كان يلزمُهُ صلةُ الهاء إذ هي في حكمٍ كأنها قد وَلِيَتِ الجيم. الثالث: أنَّ الهمزَ لو قُلِبَ ياءً لكان الوجهُ المختارُ ضمُّ الهاءِ مَعَ صَريحِ الياءِ نَظراً إلى أنَّ أصلَها همزة، فما الظنُّ بمَنْ يكسر الهاءَ مع صريح الهمزة.

فيض العليم ,,, سورة الأعراف، الآية: 110.


يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ

(110)

قولُه ـ تبارك وتعالى: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} أي إنَّ غَايَتَهُ مِنْ سِحْرِهِ هذَا أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْكُمْ بِاسْتِمَالَةِ الشَّعْبِ إِلَيهِ، وَأَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، يَعنونَ أنَّه ما فعلَ ما فعلَهُ مِنْ سِحْرٍ، ولا طَلَبَ من فرعونَ إخراجَ بَني إسرائيلَ حين قال له: {فأرسلْ معي بني إسرائيل} إلاَّ ذَريعةً لإخراجِ كلِّ مَنْ يُؤمِنُ بِهِ لِيَتَّخِذَهم تَبَعًا ويُقيمَ بهم مُلْكاً خارجَ مِصْر، فزَعَموا أنَّ تلكَ مَكيدةٌ مِنْ مُوسى ـ عليه السلامُ ـ لِثَلْمِ مٌلكِ فِرعوْنَ وتقويضِه. أو أنْ في ملأِ فرعون رجالٌ مقرَّبون مِنْ بَني إسرائيلَ وهم منْ أهلِ الرأْيِ في مملكته، إذا فكاف الخطابِ موجَّهٌ إليهم، وهمُ المقصودُ، أي: يُريدُ إخراجَ قومِكمْ مِنْ أَرْضِكم التي اسْتَوْطَنْتُموها أربعةَ قُرونٍ وصارتْ لَكم مَوْطِناً كما هي للمصريين، والقْصدُ تذكيرُهم بحبِّ وطنِهم، وتقريبُهم من أَنْفُسهم، وإنساؤهم ما كانوا يَلقوْن مِنِ اضْطِّهادِ القُبْطِ واسْتِذْلالهم.
أو أنهم عَلِموا أَنَّه إذا شاع في الأمَّة ظُهورُ حُجَّةِ مُوسى وعَجزِ فرعون ومَلَئِهِ، أحدثَ ذلك فتنةً في عامَّة الأمَّةِ فآمنوا بموسى وأصبحَ هوَ الملكَ على مِصْرَ فأَخْرجَ فِرْعونَ ومَلأَهُ منها.
ويجوزُ أنْ يَكونَ الملأُ خاطبوا بذلك فِرعونَ. فَجَرَتْ ضمائرُ الخطابِ في قوله: “أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ” على صيغةِ الجمعِ تَعظيماً للمَلِكِ كما في قولِه تَعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} سورة المؤمنون، الآية: 99. وهذا مُطَّرِدٌ في خطاب الملوك والعظماء.
قولُهُ: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} فَمَا الذِي تَرَوْنَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِ لِنَتَجَنَّبَ حُصُولَ ذَلِكَ؟ وهو من قولِ الملأِ أوْ منْ قولِ فِرْعونُ، ويؤيِّدُ أنَّه من قولِ فرعون قولُهُ بعد ذلك: {قالوا أَرْجِهْ}.
ويجوز أن يكون “يريد أن يخرجكم ..” من قول الملأ، و”فماذا تأمرون” من قول فرعون” فاتَّصلَ قولُهُ بقولهم، وهو كقولِه تعالى في الآية: 59. من سورة: ص: {هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} وهي الأُمَّة تدخل بعد الأُمَّة النارَ، ثم قَالَ: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} فالكلامُ متَّصل، كأنه قولٌ واحِدٌ، وإنما قولُه: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} من قولِ أهلِ النارِ، بدليل قولِه في الآية التي بعدها: {قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ}. الآية: 60.
و”تأمرون” هو من المؤامَرِةِ، أيْ المُشاورةِ، أو مِنَ الأمْرِ الذي هو ضِدُّ النَهي. وهو من باب التواضع للمخاطبين والتَلَطُّفِ بهم، ووجههُ طلَبُ الرأيِ والمَشورةِ وحسْب، لأنَّ أَمْرَهُم لا يَتَعَيَّنُ العملُ بِهِ، هذا إذا كان فرعونُ هو صاحبَ الخطابِ، والملأُ هم المتوجَّه إليهم به، إمّا إذا كانَ المُخاطَبُ هو فرعون، فالمراد مِنَ الأَمْرِ هو الطَلَبُ الذي يجبُ امْتِثالُهُ، وهو كما قال ملأُ بلقيس في الآية: 33. من سورة النَمْلِ: {فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} أي أمراً نافذاً واجبٌ علينا تنفيذُه. وقال تعالى هنا: “يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ” وقال في الآية: 35. من سورة الشعراء: {يُريدُ أنْ يخرجَكم مِنْ أرضِكم بِسِحْرِهِ} فزادَ “بِسِحْرِهِ”، لأنَّ أوَّلَ هذه الآيةِ مبنيٌّ علىَ الاخْتِصارِ.
هذا وقدْ جاءَ ذِكْرُ موسى في نحوِ اثْنَتَيْنِ وعشرين سُورَةً بينَ مختصَر ومطوّلٍ، وذُكِرَ اسمُهُ أكثرَ مِنْ مئةٍ وثلاثين مَرَّةً. ذلك لأنَّ حالَهُ مع قومِه شبيه بحال نبيِّنا ـ عليهما الصلاةُ والسلامُ ـ مع كفارِ مكّةَ، فقد لقي كلٌّ منهما من أمَّته عنتاً كبيراً، ولأنَّ شريعتَه كانت دِينيَّةً ودنيويَّةً أيضاً، وثمَّة سببٌ آخرُ ـ واللهُ أعلم ـ وهو أنّه سيكون بين الأمّتين جدالٌ طويل وخصامٌ مستمِرٌ إلى أمَدٍ طويلٍ حتى يتحقَّقَ ما أخبر عنه نبيُّنا ـ عليه الصلاة والسلامُ ـ فيما رواه الإمام مسلم: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ المُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذا يَهُوِدٌّي خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلاَّ الغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ)).
قوله تعالى: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} ما: استفهام في محلِّ نَصبٍ على أنَّه مفعولٌ ثانٍ ل “تأمرون” بحذفِ الجَارِّ، والمفعولُ الأوَّلُ محذوفٌ، والتقديرُ بأيِّ شيءٍ تأمرونَني؟. وقيل: “مَا” خبرٌ مُقدَّمٌ و “ذَا” اسمٌ مَوصولٌ وهو مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، أَيْ: ما الذي تأمرون به؟، أو: أيَّ أمرٍ تأمرونَ؟ ومَحَلُّ “مَاذَا” النَّصْبُ على المَصْدَرِيَّةِ، والجمهور على “تأمرون” بفتحِ النون. ورَوى كُرْدُمٌ عنْ نافعٍ كَسْرَها. وعلى كِلْتا القراءتين يَجوزُ أنْ يكونَ “ماذا” كُلُّه اسماً واحداً في محلِّ نَصْبٍ على أنَّه مفعولٌ ثانٍ ل “تأمرون” بعد حَذْفِ الياءِ، ويكون المفعولُ الأوَّلُ ل “تأمرون” وهو ياءُ المتكلم محذوفاً، والتقديرُ: بأيِّ شيءٍ تأمرونني؟ وعلى قراءةِ نافعٍ لا تقول: إنَّ المفعولَ الأوَّلَ محذوفٌ بل هو في قوَّةِ المَنطوقِ بِه؛ لأنَّ الكسرةَ دالَّةٌ عليه، فهذا الحذفُ غيرُ الحذفِ في قراءةِ الجماعةِ.
ويجوزُ أنْ تَكونَ “ما” اسْتفهاميَّةً في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و “ذا” موصولٌ، وصِلَتُه “تأمرون“، والعائدُ محذوفٌ، والمفعولُ الأولُ أيضاً محذوفٌ، على قراءةِ الجماعة، وتقديرُ العائدِ منصوبُ المحلِّ غيرُ مُعَدَّى إليْهِ بالباءِ فتَقديرُه: فما الذي تأمرونِيهُ؟

من كنوز السنة النبوية المطهرة


عن على قال : إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض ولا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم قلوبهم كزبر الحديد هم أصحاب الدولة لا يفون بعهد ولا ميثاق يدعون إلى الحق وليسوا من أهله أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى وشعورهم مرخاة كشعور النساء حتى يختلفوا فيما بينهم ثم يؤتى الله الحق من يشاء (نعيم) [كنز العمال 31530]
أخرجه نعيم بن حماد (1/210 ، رقم 573) .

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com