فيض العليم … سورة النساء، الآية: 65
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
(65)
قولُه تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ عَلَى أنَّ أولَئِكَ الذِينَ رَغِبُوا عَنِ التَّحَاكُمِ إلى الرَّسُولِ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ المُنَافِقِينَ، لاَ يُؤْمِنُونَ إيمَاناً حَقّاً (أَيْ إيمَانَ إِذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ) إلاّ إذَا كَمُلَتْ لَهُمْ ثَلاثُ خِصَالٍ:
ـ أنْ يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ فِي القَضَايَا التِي يَخْتَصِمُونَ فِيهَا، وَلاَ يَبِينُ لَهُمْ فِيهَا وَجْهُ الحَقِّ.
ـ ألاّ يَجِدُوا ضِيقاً وَحَرَجاً مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ، وَأنْ تُذْعِنَ نُفُوسُهُمْ لِقَضَائِهِ، إذْعَاناً تَامَاً دُونَ امِتْعَاضٍ مِنْ قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، لأَنَّهُ الحَقُّ وَفِيهِ الخَيْرُ.
ـ أنْ يَنْقَادُوا وَيُسَلِّمُوا لِذَلِكَ الحُكْمِ، مُوقِنِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فِي حُكْمِهِ، وَبِعِصْمَتِهِ عَنِ الخَطَأ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أَرَادَ التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَوْلُهُ “فَلا” رَدَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بِقَوْلِهِ: “وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ“. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا قَدَّمَ “لَا” عَلَى الْقَسَمِ اهْتِمَامًا بِالنَّفْيِ وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ الْقَسَمِ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَّفْيِ، وَكَانَ يَصِحُّ إِسْقَاطُ “لَا” الثَّانِيةِ وَيَبْقَى أَكْثَرُ الِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِ الْأُولَى، وَكَانَ يَصِحُّ إِسْقَاطُ الْأُولَى وَيَبْقَى مَعْنَى النَّفْيِ وَيَذْهَبُ مَعْنَى الِاهْتِمَامِ. وَ”شَجَرَ” مَعْنَاهُ اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلَافِ أَغْصَانِهِ. وَيُقَالُ لِعِصِيِّ الْهَوْدَجِ: شِجَارٌ، لِتَدَاخُلِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
نَفْسِي فَدَاؤُكَ وَالرِّمَاحُ شَوَاجِرُ ………………. وَالْقَوْمُ ضَنْكٌ لِلِّقَاءِ قِيَامُ
وَقَالَ طَرَفَةُ:
وَهُمُ الْحُكَّامُ أَرْبَابُ الْهُدَى …………… وَسُعَاةُ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ الشَّجِرْ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْرِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتِ الْخُصُومَةُ فِي سَقْيِ بُسْتَانٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ لِلزُّبَيْرِ: ((اسْقِ أَرْضَكَ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى أَرْضِ جَارِكَ)). فَقَالَ الْخَصْمُ: أَرَاكَ تُحَابِي ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: ((اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ)). وَنَزَلَ: “فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ“. والْحَدِيثُ ثَابِتٌ صَحِيحٌ رواه البخاري ومُسْلِمٌ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الرَّجُلِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ. وَقَالَ مَكِّيٌّ وَالنَّحَّاسُ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ: هُوَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ. وَقِيلَ غَيْرُهُ: وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مُسَمًّى، وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ. كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ، ثُمَّ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا قِصَّةَ الزُّبَيْرِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَكُلُّ مَنِ اتَّهَمَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ، لَكِنَّ الْأَنْصَارِيَّ زَلَّ زَلَّةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَقَالَ عَثْرَتَهُ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ يَقِينِهِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةٌ وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِذَا كَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ فَفِقْهُهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ سَلَكَ مَعَ الزُّبَيْرِ وَخَصْمِهِ مَسْلَكَ الصُّلْحِ فَقَالَ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ)) لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ ((ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ)). أَيْ تَسَاهَلْ فِي حَقِّكَ وَلَا تَسْتَوْفِهِ وَعَجِّلْ فِي إِرْسَالِ الْمَاءِ إِلَى جَارِكَ. فَحَضَّهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالتَّيْسِيرِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَغَضِبَ، لِأَنَّهُ كَانَ يُريدُ أَلَّا يُمْسِكَ الْمَاءَ أَصْلًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ الْجَائِرَةِ الْمُهْلِكَةِ الْفَاقِرَةِ فَقَالَ: آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ بِمَدِّ هَمْزَةِ (أَنْ) الْمَفْتُوحَةِ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، أَيْ أَتَحْكُمُ لَهُ عَلَيَّ لِأَجْلِ أَنَّهُ قَرَابَتُكَ؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لِلزُّبَيْرِ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ مُسَامَحَةٍ لَهُ. وَعَلَيْهِ لَا يُقَالُ: كَيْفَ حَكَمَ فِي حَالِ غَضَبِهِ وَقَدْ قَالَ: ((لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ))؟ فَإِنَّا نَقُولُ: لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي التَّبْلِيغِ وَالْأَحْكَامِ، بِدَلِيلِ الْعَقْلِ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ مِثْلَ غَيْرِهِ مِنَ الْحُكَّامِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِرْشَادُ الْحَاكِمِ إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَإِنْ ظَهَرَ الْحَقُّ. وَمَنَعَهُ مَالِكٌ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنِ اصْطَلَحُوا وَإِلَّا اسْتَوْفَى لِذِي الْحَقِّ حَقَّهُ وَثَبَتَ الْحُكْمُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي صِفَةِ إِرْسَالِ الْمَاءِ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ، فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُدْخِلُ صَاحِبُ الْأَعْلَى جَمِيعَ الْمَاءِ فِي حَائِطِهِ وَيَسْقِي بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ مِنْ قَاعَةِ الْحَائِطِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْقَائِمِ فِيهِ أَغْلَقَ مَدْخَلَ الْمَاءِ، وَصَرَفَ مَا زَادَ مِنَ الْمَاءِ عَلَى مِقْدَارِ الْكَعْبَيْنِ إِلَى مَنْ يَلِيهِ، فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ السَّيْلُ إِلَى أَقْصَى الْحَوَائِطِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا انْتَهَى الْمَاءُ فِي الْحَائِطِ إِلَى مِقْدَارِ الْكَعْبَيْنِ أَرْسَلَهُ كُلَّهُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا فِي حَائِطِهِ.
رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَيْلٍ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ، وهما واديان بالمدينة يسيلان بماءِ المَطَر: ((يُمْسِكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ)). قَالَ أَبُو عُمَرَ: (لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَّصِلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَرْفَعُ أَسَانِيدِهِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ أَهْلُ مَهْزُورٍ فَقَضَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَحْبِسِ الْأَعْلَى. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى فِي سَيْلٍ مَهْزُورٍ أَنْ يُحْبَسَ عَلَى كُلِّ حَائِطٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثمّ يُرسَلُ. وغيرُه مِنَ السُيولِ كذلك. وسئلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ فَقَالَ: لَسْتُ أَحْفَظُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا يَثْبُتُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِي هَذَا الْمَعْنَى ـ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ. رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (يُرْسِلُ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ (إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَحْبِسِ الْأَعْلَى) يَشْهَدُ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْأَعْلَى لَوْ لَمْ يُرْسِلْ إِلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي أَقَلِّ مُدَّةٍ، وَلَمْ يَنْتَهِ حَيْثُ يَنْتَهِي إِذَا أَرْسَلَ الْجَمِيعَ، وَفِي إِرْسَالِ الْجَمِيعِ بَعْدَ أَخْذِ الْأَعْلَى مِنْهُ مَا بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ أَعَمُّ فَائِدَةً وَأَكْثَرُ نَفْعًا فِيمَا قَدْ جُعِلَ النَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءَ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مِلْكًا لِلْأَسْفَلِ مُخْتَصًّا بِهِ، فَإِنَّ مَا اسْتَحَقَّ بِعَمَلٍ أَوْ بِمِلْكٍ صَحِيحٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ قَدِيمٍ وَثُبُوتِ مِلْكٍ، فَكُلٌّ عَلَى حَقِّهِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَعَلَى أَصْلِ مَسْأَلَتِهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} أَيْ ضِيقًا وَشَكًّا، وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ: حَرَجٌ وَحَرَجَةٌ، وَجَمْعُهَا حِرَاجٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ إِثْمًا بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ. “وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً” أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ في القضاء. وقال الزجاج: “تَسْلِيماً” مصدر مؤكدٌ، فَإِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا فَكَأَنَّكَ قُلْتَ لَا أَشُكُّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ “وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً” أَيْ وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَكًّا.
قوله تعالى : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فَلاَ وَرَبّكَ: أي فوربك و (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه، أعني قولَه تعالى: “لاَ يُؤْمِنُونَ” لأنّها تُزاد في الإثبات أيضاً كقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم} الواقعة، وفي هذه المسألةِ أربعةُ أقوال، أحدُها: وهو قولُ ابنِ جريرٍ أنَّ “لا” الأولى رَدٌّ لِكلامٍ تقدَّمها، تقديرُه: فلا تعقِلون، أو: ليس الأمرُ كما يزعمون مِنْ أنَّهم آمنوا بما أُنزِل إليك، ثمَّ استأنفَ قَسَماً بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على “لا” تامًّا. الثاني: أنَّ “لا” الأُولى قُدِّمَتْ على القَسَمِ اهتماماً بالنفي، ثمَّ كُرِّرت توكيداً، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الأولى ويبقى معنى النفيِ ولكن تفوتُ الدلالةُ على الاهتمامِ المذكورِ، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الثانيةِ ويبقى معنى الاهتمامِ، ولكن تفوتُ الدلالةُ النفي، فجُمع بينهما لذلك. الثالث: أنَّ الثانيةَ زائدةٌ، والقَسَمُ معترِضٌ بين حرفِ النفي والمنفي، وكأنَّ التقديرَ: فلا يؤمنون وربِّك. الرابع: أنَّ الأُولى زائدةٌ، والثانيةَ غيرُ زائدةٍ، وإنَّما هي لتأكيدِ معنى القَسَمِ كما زِيدتْ في {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} الحديد: 29. لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و”لا يؤمنون” جوابُ القسم، فإنْ قلتَ: هَلاَّ زعمتَ أنَّها زِيدتْ لتُظاهِر “لا” في “لا يؤمنون” قلتُ: يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإثباتِ فيه، وذلك قولُه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} الحاقة: 38. يَعني أنَّه قد جاءت “لا” قبلَ القَسَمِ حيثُ لم تكن “لا” موجودةً في الجوابِ، ف “لا” في قولِه تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون} الحاقَّة: 38. زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القَسَمِ، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخرُ كقولِ الطَبَرِيِّ المُتَقَدِّمِ، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ مُسلمٍ بنِ مَعْبَدَ الوالِبي وهو من شعراءِ الدولةِ الأموية:
فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي …………………… ولا لَلِما بهم أبداً دواءُ
والتفتَ في قولِه: “ربِّك” منَ الغَيْبة في قولِه {واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسولُ} رجوعاً إلى قولِه {ثمَّ جاؤوك}.
قوله: {حتى يُحَكِّمُوكَ} حتى” غايةٌ متعلِّقةٌ بقولِه: “لا يؤمنون” أي: ينتفي عنهم الإيمانُ إلى هذه الغاية وهي تحكيمُك وعدمُ وجدانِهم الحَرَجَ وتسليمُهم لأمرِك.
وقرأ أبو السَّمَّال: “شَجْر” بسكون الجيم هرباً من توالي الحركات وهي ضعيفةٌ، لأنَّ الفتحَ أخو السُكونِ. و”بينهم” ظرفٌ منصوبٌ بـ “شَجر” هذا هو الصحيح، ويجوزُ فيه أنْ يكونَ حالاً، وفي صاحِبِ هذهِ الحالِ احْتِماليْن، أحدُهُما: أنْ يَكونَ حالاً من “ما” الموصولة، والثاني: أنَّه حالٌ من فاعلِ “شَجَرَ” وهو نفسُ المَوصولِ أيْضاً في المعنى، فعلى هذا يتعلَّقُ بِمحذوفٍ، و”ثمَّ لا يَجِدوا” عطفٌ على ما بعد “حتّى“، و”يَجِدُوا” يَحْتمِلُ أنْ تَكونَ المُتَعدِّيةَ لاثْنينِ، فيكونُ الأوَّلُ “حرجاً” والثاني الجارُّ قبلَه فيَتعلَّقُ بمحذوفٍ، وأنْ تكونَ المُتعدِّيَةَ لواحدٍ فيجوزُ في “في أنفسهم” وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ بـ “يَجِدوا” تعلُّقَ الفَضَلات. والثاني: أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ “حَرَجاً” لأنَّ صفةَ النَكِرَةِ لَمَّا قُدِّمَتْ عليها انتصبَتْ حالاً.
و{مِّمَّا قَضَيْتَ} متعلقٌ بـ “حَرَجًا”؛ لأنَّك تَقولُ: “حَرَجْتُ مِن كذا” أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ، فهو في محلِّ نصبٍ لأنَّه صفةٌ لـ “حرجاً” و”ما” يَجوزُ أنْ تكونَ مَصدرِيَّةً، وأنْ تكونَ بمعنى الذي، أي: حَرَجاً مِنْ قضائك، أو من الذي قضيتَه، وأنْ تكونَ نَكِرةً مَوصوفةً، فالعائدُ على هذين القوليْن مَحذوفٌ.
فيض العليم … سورة النساء، الآية: 64
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً.
(64)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} فِيمَا أمَرَ بِه ونَهى عنه. وهو تمهيدٌ لِبيانِ خَطئهم باشْتِغالِهم بِسَتْرِ نارِ جِنايتِهم بِهَشيمِ اعتِذارِهم الباطلِ وعدمِ إطفائها بماءِ التوبةِ “بِإِذْنِ اللَّهِ” بأمرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِتَوْفِيقِ اللَّهِ. وقيل: “بِإِذْنِ اللَّهِ“، بمشيئة اللَّه؛ أي: من أطاع الرسولَ إنَّما يُطيعُه بِمَشيئَتِه ـ سبحانه ـ ومَنْ عَصاه كذلك. وقيل: بِعِلمِ اللهِ أي: إنَّه يَعلمُ مَنْ يُطيعُه ومَنْ يَعصيه، وكلُّ ذلك إنَّما يكون بِعلمِه، لا عنْ غَفْلَةٍ منه وسَهْوٍ، كَمُلوكِ الأرضِ فإنَّ ما يكون من عصيانِهم إنَّما يكون في غفلةٍ منهم، فأمَّا اللَّه ـ سبحانَه وتَعالى ـ إذا بَعَثَ رُسُلًا بَعَث على عِلمٍ منه بالطاعةِ لَهمْ وبالمَعصيةِ.
إي لا نُرسِلُ أيَّ رَسولٍ في أيَّةِ أُمَّةٍ، إلَّا لِيُطاعَ، وهذه الطاعةُ لازمةٌ على مَنْ أُرسِلَ إليْهم وهي إنّما تكون بإذنِ اللهِ، فاللهُ تعالى هو الذي أمَرَ بطاعتِه، ومَنْ عَصاه فإنَّما يَعصى اللهَ: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء: 80. وفي الأثر الصحيح: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)). متّفقٌ عليه. أيْ أنَّ مَن يَعصي الأميرَ المُعَيَّنَ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، أوِ الذي عُيِّنَ على مُقتَضى أَحكامِ شَريعَتِهِ، فقد عصى اللهَ وليس كلُّ أميرٍ.
وقوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ” يدُلُّ على أبلغِ عُمومٍ وأَبلَغِ اسْتِغْراقٍ، إذْ تَأَكَّدَ الاسْتِغراقُ بالتَنْكيرِ”رسول” وبِحرْفِ “من” وبالنَفيِ والإثْباتِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الطاعةَ هي مُقتَضى الرِّسالةِ، فأَساسُ الإيمانِ بالرِسالةِ الإيمانُ بأنَّ ما يُبلِّغُ إنَّما يُبلِّغُ عنِ اللهِ تعالى، ولقد أيَّدَ ـ سبحانَه ـ هذا المعنى وهو التبليغُ عن اللهِ تعالى بقولِه: “بِإِذْنِ اللَّهِ“، فكلُّ أمرٍ يأمُرُ بِهِ هو مِنَ اللهِ تعالى، وكلُّ ما يَنهى عنْه هو مِنَ اللهِ، كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 4. ويَجُرُّنا الكلامُ في هذا إلى الكلامِ في اجْتِهادِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّم: هل طاعتُه واجبةٌ فيهِ بإذنٍ مِنَ اللهِ، وبعبارةٍ أُخرى: أهو لَا يُخْطِئُ فتَجِبُ الطاعةُ، ويَكونُ ما يَنْتَهي إليْه في الاجْتِهادِ هو كالمُوحَى به؟ والجوابُ عن ذلك أنَّه يَجوزُ الخَطأُ على النبي ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ في الاجْتِهادِ في بيان بعضِ الأَحكامِ، ويَجوزُ الخطأُ عليْه في القضاءِ إذا لَبَّسَ الخُصومُ. والخَطَأُ الأوَّلُ قدْ وقَعَ فقدْ اجْتَهَدَ مَعَ أصحابِه في معاملةِ الأَسْرى، وخَطَّأَهُمُ اللهُ في اجتهادِهم في ذلكَ المَوضِعِ. قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الأنفال: 67. وقد نَزَلَتْ هذه الآيةُ يومَ بَدرٍ، عتابًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لأصحابِ نَبِيِّه ـ والنبيُّ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّم ـ لم يأمرْ باسْتِبْقاءِ الرِجالِ وقتَ الحربِ، ولا أَرادَ قَطُّ عَرَضَ الدُنيا، وإنَّما فعلَه جُمهورُ مُباشِرِي الحَرْبِ؛ فالتَوبيخُ والعِتابُ إنَّما كانَ مُتَوَجِّهًا بسببِ مَنْ أَشارَ على النبيِّ ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ بأَخْذِ الفِديَةِ.
وقد فرضَ ـ عليْه الصلاةُ والسلامُ ـ جَوازَ الخَطأِ في القضاءِ، فقال ـ عليْه الصلاةُ والسَلامُ: ((إنَّكم تَخْتَصمون إليَّ ولَعَلَّ بعضَكم أنْ يَكونَ أَلْحَنَ بِحجَّتِه مِنْ البَعْضِ الآخَرِ، فمَنْ قَضَيْتُ لَه بِحَقِّ أَخيهِ، فإنَّما أَقْتَطِعُ له قطعةً مِنَ النَّارِ)) متَّفقٌ عليه. ولكنَّ الخطأَ في الأحكامِ لَا يُمكِنُ أنْ يُقرَّهُ اللهُ تعالى عليْهِ، بلْ يُبَيِّنُه، لِسَلامَةِ النَّقْلِ عَنِ اللهِ تعالى، ولِيَكونَ كلٌّ ما يأمُرُ بِه النَبِيُّ ـ صَلَى اللهُ عليْه وسلَّمَ ـ حَقًّا، ولِيَتَحَقَّقَ معنى قولِهِ عليْه الصلاةُ والسلامُ فيما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )). وكذلك لَا يَجتهدُ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ في قضائِه ويكونُ باطلًا؛ لأنَّه يَكون ظُلمًا، ولا يَقَعُ منه عليه الصلاةُ والسلامُ، وقوله السابق في هذا من قبيلِ فَرَضِ التَقصيرَ في نَفْسِهِ، كما فَرَضَ التقصيرَ في كثيرٍ مِنَ أَمْرِه تَنَزُّهًا عَنِ الغُرورِ، وتوجيهًا لَنَا وتأكيداً منه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ لِطبيعتِهِ البَشَرِيّةِ حتّى لا يُغالي أَتْباعُهُ ومُحِبُّوهُ في محبَّتِه فيؤلِّهونَهُ كما أَلَّهَ بَعْضٌ مِنَ الأمَمِ السابقةِ أَنْبياءَهم فقالتِ اليَهودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وقالتِ النَصارى المسيحُ ابْنُ اللهِ. ولَعَلَّ قولَه ـ عليْه الصلاةُ والسّلامُ ـ لِتعليمِ الناسِ قولَ الحَقِّ في مَجلِسِ القَضاءِ، ولِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ إثْمَ خَطَأِ القاضي يَقعُ عليهم، والقَضاءُ لا يُبَرِّرُ الباطِلَ ولا يَغْمُطُ الحَقَّ، فإنْ أَخْطَأ لَا يَحِلُّ دِينًا لِمَنْ كان الخَطَأُ لِمَصْلَحَتِهِ أنْ يأكُلَ مالَ أخيه، أوْ يَغْمِطَ حَقَّه.
ولقد ذهبتِ الجُرْأةُ ببعضِ الذين يَتَكلَّمون في الفِقْهِ إلى أنَّ ما يَكونُ باجْتِهادٍ مِنَ النّبِيِّ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّم ـ لَا يَكونُ حُجَّةً. كأنَّ النَبِيَّ يُمْكِنُ أنْ يُقَرَّ على الخَطأِ في اجْتِهادِه! وذلك كلامٌ باطلٌ لَا يَكونُ إلَّا مِن مُسْتَهينٍ بمَقامِ النُبُوَّةِ، وتبليغِ الرِّسالةِ! فكلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطَعنَ فيه ورَدَّهُ، فهو مرتدٌّ يُستَتابُ. وقد مرَّ حكمُ سيدنا عمر رضي ا، وتوجيهًا لنا لله عنه فيمن لم يقبلْ حُكمَ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم فيه وكيفَ نَزَلَ القُرآنُ تأييدًا لِحُكمِه فيه بأنَّه غيرُ مؤمنٍ، وكذلك قولُه تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65. فطاعة الرسولِ واجبةٌ في كلِّ ما يَأمُرُ بِه على أنَّه دِينٌ واجبٌ الأخذُ بِه، وكلُّ مَنْ يُعانِدُ الرسولَ في حُكمِه يَكونُ ظالِمًا لِنَفسِهِ؛ لأنَّه تَمَرَّدَ على أمرِ رَبِّه، ولأنَّه اختارَ الباطلَ بَدَلَ الحَقِّ، ويَجِبُ عليْه التوبةُ والاسْتِغْفارُ. ولذا قال تعالى في أولئك الذين يتمرَّدون على أحكامِ الرَّسولِ وقَضائِه. “وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا”.
وهنا إشارةٌ يَجِبُ التَنبيهُ إليْها وهي أنَّ اللهَ تعالى قَرَنَ الاستغفارَ مِنه بالمجيء إلى رسولِه وباستِغفارِه ـ صلى اللهُ عليه وسلم، للمذنبين تكريماً لمَقامِ الرسالةِ، و”وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ” فيه الْتفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ذلك أنَّه لم يَقُلْ “واستغفرتَ لهم” بَلْ عَدَلَ عنه إلى الالْتِفاتِ، تَفخيمًا لِشأنِ رَسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، وتعظيمًا لاسْتِغفارِه. وتَنبيهًا على أنَّ شفاعتَه مِن اللهِ بِمكانٍ. فالالتِفاتُ للتَنبيهِ إلى مَكانَةِ الرِسالةِ، وتفخيمِها، ولِبيانِ أنَّ شفاعةَ الرَسولِ بِمُقْتَضى كونِه رسولًا، لَها مَقامُها مِنْ
اللهِ تعالى.
قولُه: “لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً” أَيْ لوجدوا اللهَ قَابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ ريماً بهم، غافراً لذنوبهم ساتراً لعيوبهم {ومن يغفر الذنوب إلا الله}.
رَوَى أَبُو صَادِقٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ علينا أعرابيٌّ بعد ما دَفَنَّا رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ تُرَابِهِ، فَقَالَ:
يا خير من دفنت في الترب أعظمه …… فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ………… فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قُلْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَمِعْنَا قَوْلَكَ، وَوَعَيْتَ عَنِ اللَّهِ فَوَعَيْنَا عَنْكَ، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ “وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ” الْآيَةَ، وَقَدْ ظَلَمْتُ نفسي وجئتُكَ تَسْتَغْفِرُ لِي. فَنُودِيَ مِنَ الْقَبْرِ إِنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَكَ.
قولُه تعالى: {من رسولٍ إلّا ليطاعَ بإذنِ اللهِ} مِنْ: زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. “ليطاع” هذه لامُ كي، والفعلُ بعدَها منصوبٌ بإضْمارِ “أنْ” وهذا استثناءٌ مُفرَّغٌ من المَفعولِ لَه، والتقدير: وما أرسلنا مِنْ رسولٍ لِشيءٍ من الأشياءِ إلَّا للطاعَةِ. وقيلَ: هو مفعولٌ بِه أي: بسببِ أمر الله. و”بإذن الله” متعلقٌ بـ “يُطاع“، والباءُ للسببيَّةِ، أو متَعلِّقٌ بـ “أرسلنا” أي: وما أَرْسلنا بأمرِ اللهِ أي: بشريعَتِه. ويمكن أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنَ الضمير في “يطاعَ“، وعلى التعليقيْن: بـ “يُطاعَ” أو بـ “أَرْسلنا” فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى؛ لأنَّا نقطعُ أنَّ اللهَ تعالى قد أرادَ مِن بعضِهم ألاَّ يُطيعوهُ، ولِذلكَ تَأوَّلَ بعضُهم الإِذنَ بالعلمِ وبعضُهم بالإِرشاد. ولا يُحتاج لذلك لأنَّ قولَه “عامُّ اللفظِ” ممنوعٌ، فـ “أن يُطاعَ” مبنيٌّ للمَفعولِ، فيُقدَّرُ ذلك الفاعلُ المحذوفُ خاصًّا، وتقديره: “إلا لِيُطيعَه مَنْ أَرادَ اللَّهُ طاعتَه”.
قولُه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ} قد تقدَّم الكلامُ على “أنَّ” الواقعةِ بعد “لو” و”إذ” ظرفٌ معمولٌ لِخبَرِ “أنَّ” وهو “جاؤوك”
قولُه {لوجَدوا اللهَ توّابًا رحيمًا} وجد: هنا يُحْتَملُ أن تكونَ العِلْمِيَّةَ فتتعدّى لاثْنيْنِ، الأوّلُ هو لفظُ الجلالةِ والثاني “توّاباً” ويُحْتَمَلُ أنْ تَكونَ غيرَ العِلْمِيَّةِ فتتعدّى لِواحدٍ، ويَكونُ “توّابًا” حالاً. وأمَّا “رحيماً” فيُحتَمَلُ أنْ يَكون حالاً مِنْ ضميرِ “تَوَّابًا” أو أنْ يَكونَ بَدَلاً من “توابًا” ويُحتمل أنْ يكونَ خبرًا ثانيًا في الأصلِ بناءً على تَعَدُّدِ الخَبَرِ وهو الصحيحُ، فلمَّا دخل الناسخُ نُصِبَ الخبرُ المتعدِّدُ تقول: “زيدٌ فاضلٌ شاعرٌ فقيهٌ عالمٌ” ثمَّ تقول: “علمتُ زيدًا فاضلاً شاعراً فقيهاً عالماً” إلّا أنَّه لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ هنا: “وشاعرًا: مفعولٌ ثالثٌ، وفقيهًا: رابعٌ، وعالمًا: خامسٌ”.
فيض العليم … سورة النساء، الآية: 63
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا.
(63)
قولُه ـ تعالى شأنه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أولئك الفارّون من حُكمِ اللهِ إلى حُكمِ الطّاغوت والشيطان والهوى، الزاعمون أنَّهم مِن أهلِ الإيمان والتقوى. يعلمُ اللهُ ما تُكِنُّ صدورهم من نفاق، وما هو دافُعُهم إلى أَعمالهم تلك، وسببُ خُروجِهم على حُكمِ الحَقِّ ورضاهم بحكمِ الهوى.
وكانوا قد قالوا في الآيةِ السابقة: ما أَرَدْنا إلَّا عَدْلاً وحَقًّا مثلَ قولِه {ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنا إلَّا الحُسْنى} التوبة: 107. فكذَّبَهُمُ اللهُ بقوله: “أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم” مِنَ النِّفاقِ والعَداوةِ للحَقِّ، وكَذَّبَهم في عُذْرِهم هذا، والإبْهامُ في قولِه تعالى: “يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ” فلم يَذْكُرْ لَنا الحَقُّ ـ جَلَّ وعَلا ـ ما في قلوبِهم للإشارَةِ إلى خَفائِه إذْ يُخْفُونَهُ ويُبْدونَ غيرَه، وللإشارةِ إلى أنَّه شيءٌ كثيرٌ مِنْ فَسَادٍ وانْحِرافٍ نَفْسِيٍّ يُحْكِمونَ إخْفاءَهُ، وللإشارة كذلكَ إلى تَنَوُّعِه مِنْ رَغْبةٍ في الكَيْدِ والأَذى، والتَفريقِ بين المؤمنين، ومُمالأةِ المُشركين، وغير ذلك.
وإذا كان اللهُ يُعلمُ ما في نفوسِهم عِلْمًا دَقيقًا، لَا يَغيبُ عنه شيءٌ؛ لأنَّه وحدَه العليمُ بذاتِ الصُدورِ الذي لَا يَخفى عليْه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، فإنَّه ـ سبحانَه وتعالى ـ مُجازيهم في الآخِرَةِ بأعمالِهم ودوافِعِها المَكنونةِ في قلوبِهم، إنِ استمرّوا على حالِهم، ولكنْ عليك أنتَ أيُّها الرسولُ أنْ تُبَلِّغَهمُ الحقَّ، وتَدعو إلى سبيلِ ربِّك بالحِكْمَةِ والمَوعِظةِ الحَسَنَةِ.
قولُه: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} أي: إذا كانوا على هذه الدرجةِ من السُوءِ فأعرضْ عنهم، ولكن بيّن لهم وعِظْهم. وقيلَ أَعرِضْ عنهم في المَلأِ، وقلْ لَهم في الخَلْوةِ، لأنَّه في السِرِّ أَنْجَعُ، وقيلَ هذا الإعراضُ مَنْسوخٌ بآيةِ القِتالِ.
وفي هذا النصِّ بيانٌ لِطُرُقِ عِلاجِ مُنحرفِيّ النفُوس إذا كانوا صالحين للعِلاجِ. فقد ذكرَ لنا الحَقُّ ـ سَبْحانَه ـ ثلاثَ مَراحلَ مُتَداخلةٍ للعِلاجِ، أُولاها: الإعراضُ عن هؤلاءِ المَرضى ـ مَرْضى النُّفوسِ ـ بألَّا يُقْبِلَ عَليهِم لِيَشعُروا باستنكارِه لأعمالِهم، وأنَّه غيرُ راضٍ عنهم، وذلك في غيرِ جَفْوَةٍ؛ لأنَّه إذا كانتِ الجَفوَةُ كانَ العِنادُ، فلا يُمكِنُ أنْ يَصِلَ إلى المَرحَلَةِ الثانيةِ. وهذه المرحلةُ الأُولى هي التي عَبَّرَ عنْها ـ سبحانَه ـ بقوله ـ تعالى: “فَأعْرِضْ عَنْهُمْ“. الثانية: الوعظُ، وهو الزَّجْرُ معَ التَخويفِ بسوءِ العاقبَةِ والمآلِ ونَتائجِ أَعمالِهم، فإنَّ ذلك قد يَدفَعُهم إلى التَفكيرِ، ومعَ التَفكيرِ في العاقبةِ يَنفَتِحُ بابُ الهِدايةِ وسُلوكِ الطريقِ المُستقيمِ.
قولُه: {وقل لهم في أنفسهم} أي في حَقِّ أنْفُسِهم الخَبيثةِ وقلوبِهِمُ المَنْطَوِيَةِ على الشُرورِ التي يَعْلَمُها اللهُ، وقيلَ مَعناه قُلْ لَّهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم.
قولُه: {قولاً بليغاً} أي بالغاً في وَعظِهم ومؤثِّراً فيهم، واصلاً إلى كُنْهِ المُرادِ، مُطابِقًا لِما سِيقَ لَه مِنَ المَقصودِ، وذلك بأنْ يُوعِدَهم بِسَفْكِ دِمائهم وسَبْيِ نِسائهم وسَلْبِ أَموالِهم، والإيذانِ بأنَّ ما في قُلوبِهم مِنْ مَكنوناتِ الشَرِّ والنِّفاقِ غيرُ خافٍ على اللهِ تَعالى، وأنَّ ذلك مُستَوْجِبٌ لأشَدِّ العُقوبات.
وقيلَ المُرادُ بالقولِ البَليغِ ما كان مُشْتَمِلاً على الترغيبِ والتَرهيبِ والإعْذارِ والإنْذارِ والوَعْدِ والوَعيدِ، وإذا كان كذلك عَظُمَ وَقعُه في القُلوبِ وأثرُه في النُفوسِ.
قوله تعالى: {في أَنْفُسِهِمْ} فيه أَوْجُهٌ، أَوْجهُها: أنْ يَتَعلَّقَ بـ “قل” وفيه معنيان، الأوَّلُ: قلْ لَّهم خاليًا لا يَكونُ معهم أَحدٌ، لأنَّ ذلك أَدْعى إلى قَبولِ النَّصحيةِ. الثاني: قلْ لَّهم في معنى أنْفُسِهِمُ المُنْطَوِيَةُ على النِّفاقِ قولاً يَبْلُغُ بِهم ما يَزْجُرُهم عن العَوْدِ إلى النِّفاقِ. والثاني مِنَ الأَوْجُهِ أَنْ يَتَعلَّقَ بـ “بليغاً” أي: قوْلاً مؤثِّراً في قلوبِهم يَغْتَمُّون بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرون بِه اسْتِشْعاراً، وَقَدْ بَلُغَ الْقَوْلُ بَلَاغَةً، وَرَجُلٌ بَلِيغٌ يُبْلِغُ بِلِسَانِهِ كُنْهَ مَا فِي قَلْبِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَحْمَقُ بَلْغٌ وَبِلْغٌ، أَيْ نِهَايَةٌ فِي الْحَمَاقَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَبْلُغُ مَا يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ أَحْمَقَ. والبلاغَةُ إيصالُ المَعْنى إلى الفَهمِ في أَحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ اللَّفْظِ، وقيلَ حُسْنُ العِبارَةِ مَعَ صِحَّةِ المَعنى، وقيلَ سُرْعَةُ الإيجازِ مَعَ الإفْهامِ وحُسْنِ التَصَرُّفِ مِنْ غيرِ إضْجارٍ، وقيلَ ما قَلَّ لفظُه وكَثُرَ معناهُ، وقيلَ ما طابَقَ لَفظُه مَعناهُ ولم يَكُنْ لَفظُهُ إلى السَمْعِ أَسْبَقَ مِنْ معناه إلى القلب.
وهذا مَذْهَبُ الكُوفيّين، إذْ فيه تقديمُ معمولِ الصِفَةِ على المَوصوفِ، فلو قلتَ: جاءَ زيْداً رجلٌ يَضرِبُ. لم يَجُزْ عندَ البَصْرِيّين؛ لأنَّه لا يَتَقَدَّمُ المَعمولُ إلّا حيثُ يَجوزُ تقديمُ العامِلِ، والعاملُ هُنا لا يَجوزُ تقديمُه؛ لأنَّ الصِفَةَ لا تَتقدَّمُ على المَوصوفِ، والكُوفِيّون يُجيزون تقديمَ مَعمولِ الصِفةِ على المَوصوفِ.
وأمَّا قولُ البَصْرِيين: إنَّه لا يَتقدَّمُ المَعْمولُ إلَّا حيثُ يَتَقَدَّمُ العاملُ ففيه بحثٌ، وذلك أنَّا وَجَدْنا هذه القاعدةَ مُنْخَرِمةً في قولِه: {فَأَمَّا اليتيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السائلَ فَلاَ تَنْهَرْ} الضحى: 9 ـ 10. فـ “اليَتيمُ” معمولٌ لـ “تقهر“، و”السائل” معمولٌ لـ “تنهر” وقد تقدًّما على “لا” الناهيَةِ، والعاملُ فيهما لا يَجوزُ تقديمُه عَليْها، إذِ المَجزومُ لا يَتَقدَّمُ على جازِمِه، فقد تقدَّمَ المَعمولُ حيثُ لا يَتَقدَّمُ العاملُ، وكذلك قالوا في قولِه:
قنافِذُ هَدَّاجون حولَ بيوتِهم ………………. بما كان إيَّاها عطيَّةُ عَوَّدا
خَرَّجوا هذا البيتَ على أنَّ في “كان” ضميرَ الشأنِ، و”عَطِيَّةُ” مبتدأ و”عَوَّدَ” خبرُه، حتى لا يَليَ “كان” معمولُ خبرِها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا شِبْهِه، فلَزِمَهم مِن ذلك تقديمُ المَعمولِ وهو “إياهم” حيثُ لا يَتقدَّمُ العاملُ؛ لأنَّ الخبرَ متى كان فعلاً رافعاً لِضميرٍ مُستَترٍ امْتَنَعَ تقديمُه على المبتدأ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بالفاعِل، نحوَ: “زيدٌ ضَرَبَ عَمْراً” وأصلُ مَنْشَأِ هذا البحثِ تقديمُ خبرِ “ليس” عليها، أَجازَه الجُمهورُ لِقولِه تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} هود: 8. ووجهُ الدَّليلِ أنَّ “يومَ” معمولٌ لـ “مصروفاً”، وقد تقدَّم على “ليس” وتقديمُ المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديمِ العاملِ، فَعُورضوا بما ذكرنا. الثالثُ: ونُقِلَ عن مُجاهدٍ أنَّه مُتَلِّعقٌ بـ “مصيبة” فهو التقديم والتأخير، وهو ضعيف.
فيض العليم … سورة النساء، الآية: 62
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا
(62)
قولُه تبارك وتعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} فَكَيْفَ يكونُ حالُهم إِذَا نالتهم نَكبةٌ تُظهِرُ نِفاقَهم بسببِ ما عَمِلوا مِن الجِناياتِ كالتَحاكُمِ إلى الطاغوتِ والإعراضِ عن حُكمِكَ.
وقولُه: {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} ثمّ جاؤوك للاعتذار، والمُرادُ تهويلُ ما دهاهم، حالفين لك بالله ما أَرَدْنَا بتحاكٌمِنا إلى غيرِكَ إِلَّا إحسانًا إلى الخُصومِ وَتَوْفِيقاً بينَهم ولم نُرِدْ بالمُرافعةِ إلى غيرِك عَدَمَ الرِضا بِحُكمِكَ، فلا تُؤاخذْنا بِما فَعَلْنا، وهذا وعيدٌ لَهم على ما فعلوا وأنَّهم سَيَنْدَمون حينَ لا يَنفعُهمُ الندمُ، ويَعتذرون ولا يغني عنهم الاعتذارُ.
وقيلَ: جاءَ أصحابُ القَتيلِ طالبين بِدَمِه، وقالوا: إنْ أَرَدْنا بالتَحاكُمِ إلى عُمَرَ رَضيَ اللهُ تعالى عنْه إلَّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحبِنا ويُوفِّقَ بينَه وبين خَصمِه.
وقيل: المعنِيُّ بالآيةِ عبدُ اللهِ بنُ أُبيّ والمُصيبةُ ما أصابَه وأصحابَه مِنَ الذُلِّ بِرُجوعِهم مِن غزوةِ بني المُصْطَلِقِ، حين نَزَلَتْ سُورةُ المُنافقين فاضْطُروا إلى الاعتذارِ، وقالوا: ما أَرَدْنا بالكَلامِ بين الفريقين المُتنازعيْن في تِلكَ الغَزْوَةِ إلَّا الخيرَ.
أو مصيبةُ الموتِ لَمَّا تَضَرَّعَ إلى رسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليْه وسلَّمَ في الإقالَةِ والاسْتِغفارِ واسْتَوْهَبَه ثوبَه لِيَتَّقي بِه النَّارَ.
وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: “فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ” نَزَلَ فِي شَأْنِ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ، فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: مَا أَرَدْنَا بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ إِلَّا طَاعَةَ اللَّهِ وموافقة الكتاب.
قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} كيف: يجوزُ أنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ، والتقدير: فكيف تَراهم. ويجوزُ أن تكونَ في محلِّ رفعِ خبرٍ لِمُبتدأٍ محذوفٍ، أيْ: فكيف صنيعُهم في وقت إصابةِ المُصيبةِ إيَّاهم؟ و”إذا“: معمولةٌ لذلك المُقدَّرِ بعدَ “كيف“. و”بما” الباء للسببيَّةِ، و”ما” يجوزُ أنْ تكونَ مصدريةً أو اسْميَّةً، فالعائدُ محذوفٌ.
قوله: {ثمَّ جاؤوك يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} يحلفون: حالٌ مِنْ فاعِلِ “جاؤوك” أي جاؤوك حالفين لك، و”إنْ” نافية أي: ما أَرَدْنا، و”إحسانا” مفعولٌ به، أو استثناءٌ.
فيض العليم … سورةُ النساء، الآيةُ: 61
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً.
(61)
كلُّ شيءٍ سِوى كَلِمَةِ الحَقِّ فهو خَفيفٌ على المُنافقين، فأمّا التوحيدُ فلا يَسمَعُ كَلِمَتَه إلَّا مُخْلِصٌ، وأهلُ الفَتْرَةِ في اللهِ وأصحابُ النَفْرَةِ عنْه لا يَسمَعُون ما هو الحقّ؛ لأنَّ مُخالَفَةَ الهَوى تَشُقُّ على غيرِ الصِدِّيقين. وكما أنَّ ناظِرَ الخَلْقِ لا يَقوى على مُقابَلَةِ الشَمْسِ فكذلِكَ المُنافقون لم يُطيقوا الثَباتَ لَه ـ صلى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ ـ فلِذلك كان صُدودُهم.
قولُه تبارك وتعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرسول رأيتَ المنافقين يَصُدّون عنكَ صُدودًا} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ” أي لأولئك الزاعمين {أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أَنَزلَ مِن قَبْلِكَ} “تَعَالَوْاْ” نِداءٌ بمعنى: أقْبِلوا، ولكنَّ كَلِمَةَ “أقبلوا” تَعني الإقبال على المُساوي لكَ، أمَّا كلمةُ: “تعالوا” فهي تَعني الإقبالَ على الأعلى. “إلى مَا أَنزَلَ الله” في القرآنِ الكريمِ مِنَ الأحكامِ “وَإِلَى الرسول” المبعوثِ للحُكمِ بِذلك “رَأَيْتُ” أي أبصرتَ أو عَلِمْتَ، فهي مِن رُؤيةِ البَصَرِ، أي: مُجاهَرَةً وتصريحاً. أو مِنْ رُؤيةِ القَلْبِ، أي: “عَلِمْتَ”. “المنافقين” وهمُ الزّاعمون، وهذا الإظهارُ في مقامِ الإضمارِ للتَشنيعِ عليهم بالنِّفاقِ وذَمِّهم بِه والإشعارِ بعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: رأيتَهم لِنِفاقِهم “يَصِدُّونَ” أيْ: يُعْرِضونَ “عَنكَ صُدُوداً” أيْ: إعْراضًا أيُّ إعْراضٍ.
وهذه الجُملةُ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَعجيبِ بِبيانِ إعْراضِهم عنِ التَحاكُمِ إلى كتابِ اللهِ ـ تعالى ـ ورسولِه ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ صَريحًا، إثْرَ بَيانِ إعراضِهم عن ذلكَ في ضِمْنِ التَحاكُمِ إلى الطاغوتِ.
قوله تعالى: {يصدُّون} في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ. أو في محلِّ المَفعولِ.
وقولُه: {صدوداً} أيضاً فيه وجهان، إمَّا أنَّه اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصدرُ إنَّما هو الصَدُّ، وهذا اختيارُ ابنِ عطيَّة، وعزاه مكيّ للخليلِ بنِ أَحمد. أو هو مصدرٌ بنفسِه، يُقالُ: صَدَّ صَدًّا وصُدوداً، وقالَ بعضُهم: الصُّدودُ: مصدرُ “صَدَّ” اللازم، والصَّدُّ مصدرُ “صَدَّ” المُتَعدي، نحو: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل} النمل: 24، والفعل هنا مُتَعدٍّ بالحرفِ لا بِنَفسِه، فلذلك جاء مصدرُه على “فُعُول” لأنَّ فُعولاً غالباً للازم. وهذا فيه نظرٌ، إذْ لِقائلٍ أَنْ يقولَ: هو هنا مُتَعَدٍّ غايةُ ما فيه أنَّه حَذَفَ المَفعولَ أي: يَصُدُّون غيرَهم ـ أوْ يَصُدُّون المُتَحاكمينَ عندَك صُدودًا، وأمَّا فُعول في المتعدي نحو: لَزِمَه لُزومًا وفَتَنهُ فُتُونًا.
وقرأ الحَسَنُ “تَعَالَوْاْ” بضمِّ اللّامِ على أنَّه حَذفَ لامَ الفِعلِ اعْتِباطًا
كما قالوا: ما باليتُ بِه بالةً، وأصلُها “بالِيَةً” كَ “عافِيَةٍ”، وكما قال الكسائيُّ في “آيةٍ”: إنَّ أصلَها “آيِيَةٌ” كَ “فاعِلَةٍ” فصارتِ اللّامُ كالواوِ فضُمَّتِ للواو، ومِنْ ذلكَ قولُ أهلِ مَكَّةَ: “تعالِي” بكسرِ اللامِ للمَرأةِ، وهي لُغَةٌ مَسموعَةٌ أَثْبَتَها ابْنُ جِنّيٍّ فلا عِبْرةَ بِمن لَحَنَ فيها (كابْنِ هشامٍ) الحمدانيِّ، وهو المُلَقَّبُ بأبي فِراسٍ، حيثُ يقول:
أيا جارَتا ما أَنْصَفَ الدَّهرُ بَيْنَنا ……….. (تعالَيْ أقاسِمْكِ الهُمومَ تَعالِي)
ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ “تَعالَيْ” الأولى: مفتوحةُ اللّامِ، والثانيةُ: مَكسورَتُها للقافيةِ كما لا يَخفى، وأصلُ معنى هذا الفعلِ طلبُ الإقبالِ إلى مَكانٍ عالٍ ثمَّ عُمِّمَ.
فيض العليم … سورة النساء، الآية: 60
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا.
(60)
قولُه ـ تعالى شأنُه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَدِّعِي الإِيمَانَ بِاللهِ ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَهُوَ مَعْ ذَلِكَ يُرِيدُ أنْ يَتَحَاكَمَ فِي فَصْل ِالخُصُومَاتِ إلى غَيْرِ كِتَابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ. فقد أَظهروا الإخلاصَ، ونافقوا في السِّر، ففضَحَهُمُ اللهُ ـ سبحانَه ـ على لِسانِ جِبريلَ ـ عليْه السلامُ. “أَلَمْ تَرَ” خطابٌ للنبيِّ الكريم ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، وتعجيبٌ له. أي أَلمْ تَنظرْ أو ألَمْ يَنْتَهِ علمُك. “إِلَى الذين يَزْعُمُونَ” مِنَ الزَعْمِ، وأكثرُ ما يُقالُ فيما يُشَكُ فيه. ومِن هُنا قيلَ: إنَّه قولٌ بِلا دَليلٍ، وقدْ كَثُرَ استعمالُه بِمعنى القولِ الحَقِّ، وفي الحديثِ عنِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((زعمَ جِبْريل)) وفي حديثِ ضمام بن ثعلبة ـ رضي الله تعالى عنه: ((زعَمَ رَسولُك)) وقد أكثر سيبويْهِ في الكِتابِ مِنْ قولِه: زعمَ الخليلُ كذا في أشياءَ يَرتَضيها، وفي “شرحِ مُسلم للنووي” أنَّ زعم في كلِّ هذا بمعنى القولِ، والمُرادُ بِه هُنا مُجرَّدُ الادِّعاءِ، أيْ يَدَّعون.
قولُه: {أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أَنَزلَ مِن قَبْلِكَ} أي القرآن. “وَمَا أَنَزلَ” إلى موسى عليْه السلامُ وهو التوراةُ، ووُصِفوا بهذا الادِّعاءِ لتَأكيدِ التَعجيبِ وتشديدِ التوبيخِ والاسْتِقْباحِ.
قولُه: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت} بيانٌ لِمَحَلِّ التعجيبِ على قياسِ نظائرِه؛ يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَعْدِلُونَ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ، إلَى مَا سِوَاهُمَا مِنَ البِاطِلِ (وَهُوَ المُرَادٌ هُنَا بِالطَّاغُوتِ)، وَقَدْ أُمِرُوا بِأَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَبِحُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ، ولَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوهُمْ الى اتِّبَاعِهِ لِيُضِلَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ وَهُدَى رَبِّهِمْ، وَيُبْعِدَهُمْ عَنْهَا .
عن ابنِ عبّاسٍ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنهما ـ (أنَّ رجلاً من المنافقين يُقالُ له بِشْر: خاصم يهودياً فدعاه اليهوديُّ إلى النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ ودعاه المُنافقُ إلى كَعْبَ بنِ الأَشْرَفِ، ثمَّ إنَّهما احْتَكَما إلى النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ فقضى لليهوديِّ فلم يَرْضَ المُنافِقُ وقال: تعالَ نَتَحاكَمُ إلى عُمرَ بنِ الخَطّابِ، فقالَ اليَهوديُّ لِعُمرَ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنه: قَضَى لنَا رَسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ ـ فلم يَرْضَ بِقَضائه، فقالَ للمُنافِقِ أكذلك؟ قال: نعم، فقال عُمَر: مكانَكُما حتَّى أَخرجَ إليْكُما فدخلَ عُمر فاشْتَمَلَ على سَيْفِهِ ثمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ عُنُقَ المُنافقِ حتَّى بَرَدَ، ثمَّ قال: هَكذا أَقضي لِمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقضاءِ اللهِ تَعالى ورَسُولِه ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ فَنَزَلَتْ). وفي بعضِ الروايات (وقال جبريلُ ـ عليْه السلامُ ـ إنَّ عُمَرَ فرَقَ بيْنَ الحَقِ والباطلِ وسمَّاهُ النَبِيُّ ـ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ الفاروق رضيَ اللهُ تعالى عنه). والطاغوتُ على هذا كَعْبٌ بْنُ الأَشْرَفِ، وإطلاقُه عليه حقيقةً بناءً على أنَّه بمعنى كَثيرِ الطُغيان، وفي مَعناهُ كلُّ مَنْ يَحكُم بالباطِلِ، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ الطاغوتُ بمعنى الشيطان، وإطلاقُه على ابنِ الأَشرَفِ إمَّا استعارةً أو حقيقةً، والتَجَوُّزُ في إسنادِ التَحاكُمِ إليْه بالنِسْبَةِ الإيقاعيَّةِ بين الفعلِ ومفعولِه بالوِساطَةِ، وقيل: إنَّ التحاكُمَ إليْه تَحاكُمٌ إلى الشيطانِ مِنْ حيثُ إنَّه الحاملُ عليْه، فنقلُه عن الشيطان إليه على سبيلِ المَجازِ المُرسَلِ، وأَخرجَ الطبرانيُّ بِسَنَدٍ صحيحٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أيْضاً قال: كان أبو بَرْزَةَ الأَسْلمِيُّ كاهِناً يَقضي بيْنَ اليَهودِ فيما يَتَنافرون فيه، فتنافَرَ إليْه ناسٌ مِن المُسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية.
وأخْرجَ ابنُ جَريرٍ عنِ السُدِيِّ أنّه كان ناس مِنَ اليهودِ قد أَسلَموا ونافَقَ بعضُهم، وكانت قُريظةُ في الجاهلية حُلَفاءَ الخَزْرَجِ و وكانت النَّضيرُ حلفاءَ الأَوْسِ، وكان إذا قَتَلَ رَجُلٌ منْ بَني قُريظةَ رجلًا مِن بني النَّضيرِ قُتِلَ بِه أوْ أُخِذَتْ دِيَّتُه مئةَ وَسْقٍ مِنْ تَمرٍ ـ الوَسْقُ حِمْلُ بعيرٍ ويقدَّرُ بستينَ صاعاً بصاعِ النبيِّ، وإذا قَتَلَ رجلٌ مِن بَني النَّضيرِ رَجُلًا مِنْ قُريْظَةَ لمْ يُقتَلْ بِهِ وأَعْطى دِيتَهُ سِتينَ وَسْقًا فلَمَّا جاءَ الإسلامُ وهاجَرَ النبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ إلى المَدينةِ قَتَلَ رَجُلٌ مِن النَّضيرِ رَجلًا مِنْ قُريْظَةَ فاخْتَصَمُوا في ذلك، فقال بَنُو النَّضيرِ كنَّا وأَنْتُمْ قدِ اصْطَلَحْنا على أنْ نَقْتُلَ مِنْكم ولا تَقتُلوا مِنَّا ودِيَتُنا مئةُ وَسْقٍ ودِيَتُكم سِتُّون وَسْقًا فنحنُ نُعطيكم ذلك، فقالتِ الخَزْرَجُ هذا شيءٌ كنتُم فَعَلْتُموهُ في الجاهليَّةِ لِكَثْرَتِكم وقِلَّتِنا فقَهَرْتُمونا على ذلك، فاليومَ نحنُ إخوةٌ في الدِّينِ فلا فضلَ لَكم عَلَيْنا فقالَ المُنافِقون منهم نَنْطَلِقُ إلى أَبي بُرْدَةَ الكاهنِ الأَسْلميِّ وقال المُسلمون مِنَ الفَريقيْنِ بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَبِيِّ ـ صلَّى اللهُ عليْه وسَلَّمَ ـ فأَبَى المُنافقونَ وانْطَلَقوا إلى أَبي بُرْدَةَ الكاهِنِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فقالَ: أَطْعِمُوا اللُّقمةَ، يَعني الخَطَرَ فقالوا لكَ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ، فقالَ: لا، بَلْ مِئةُ وَسْقٍ دِيتي فأبَوا أنْ يُعْطوهُ إلَّا عَشَرَةَ أَوْسُق وأَبى أنْ يَحكُم بَيْنَهم فأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَتَيْ القِصاصِ وأَنْزَلَ هذِهِ الآية. وهو أيضاً أَنْسَبُ بوصفِ المنافقين بادِّعاءِ الإيمانِ بالتوراةِ، ويُمكن حملُ خبرِ الطَبَرانيِّ عليْه بحملِ المُسلمين فيه على المنافقين ممّن أَسْلَمَ مِن قُريْظَةَ والنَّضيرِ.
قولُه تعالى: {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} في مَوضِعِ الحالِ مِنْ ضميرِ “يُرِيدُونَ” وفيه تأكيدٌ للتَعجيبِ كالوصفِ السابقِ، والضميرُ المَجرورُ راجعٌ إلى الطاغوت، وهو ظاهرٌ على تقديرِ أنْ يُرادَ منه الشيطانُ وإلا فهو عائد إليه باعتبارِ الوصفِ لا الذاتِ، أيْ أُمِروا أنْ يَكفُروا بِمَنْ هو كثيرُ الطُغْيانِ أوْ شَبيهٌ بالشَيطان، وقيلَ الضميرُ للتَحاكُمِ المَفهومِ مِنْ “يَتَحَاكَمُواْ” وفيه بُعْدٌ، وقرأَ عبَّاسٌ بْنُ المُفَضَّلِ بِها، وقُرِئَ بِهِنَّ، والضَميرُ أيْضاً للطاغوتِ لأنَّه يَكونُ للواحِدِ والجَمْعِ، وإذا أُريدَ الثاني أُنِّثَ باعتِبارِ معنى الجَماعَةِ وقد تقدَّمَ
قولُه: {وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً} عطفٌ على الجُملةِ الحاليَّةِ، داخلةٌ في حُكمِ التَعجيبِ، وفيها على بَعضِ الاحْتِمالات وضعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضمَرِ على معنى: يُريدون أنْ يَتَحاكَموا إلى الشيطانِ وهو بِصَدَدِ إرادةِ إضْلالِهم، ولا يُريدون أنْ يَتِحاكَموا إليْكَ وأنتَ بصدَدِ إرادةِ هِدايتِهم، و”ضَلاَلاً” إمَّا مصدرٌ مؤكِّدٌ للفِعلِ المَذكورِ بحَذفِ الزَّوائدَ على حَدِّ ما قِيل في {أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً} نوح: 17. وإمَّا مُؤكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَدلولِ عليْه بالمَذكورِ أيْ (فيَضُلّون ضَلالاً)، ووصْفُه بالبُعْدِ الذي هو نعتُ مَوصوفِه للمُبالَغَةِ.
وقولُه: {يَزْعُمُونَ} مثلُ ظنَّ وأخواتِها بشرطِ ألاَّ تكونَ بمعنى كَفِلَ ولا كَذَبَ ولا سَمِنَ ولا هَزَل، و”أنَّ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفعولَيْها.
وقرأ الجمهور: “أُنْزل إليك وما أُنْزلَ مِنْ قَبْلِكَ” مَبْنِيًّا للمَفعولِ، وقُرِئا مَبْنِيَّيْنِ للفاعِلِ وهو الله تعالى. والزعم ـ بفتحِ الزايِ وضمِّها وكسرِها ـ مصدرُ زَعَم، وهو قولٌ يَقترِنُ بِه اعتقادٌ ظَنِّيٌّ قال أبو ذؤيب الهذلي:
فإنْ تَزْعُميني كنتُ أجهلُ فيكُمُ …….. فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدَك بالجَهْل
قال ابنُ دريدٍ: أكثرُ ما يَقعُ على الباطلِ، وقالَ ـ عليه الصلاةُ
والسلام: ((بئسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَموا)) وقال الأعشى قيساً بن معد يكرب الكندي:
ونُبِّئْتُ قيساً ولم أَبْلُه ………………….. كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنْ
فقال الممدوح: وما هو إلَّا الزَعْمُ، وحَرَمَهُ ولمْ يُعْطِه شيْئاً. وذكرَ صاحبُ “العين” أنَّها تقعُ غالباً على “أنَّ” قال: وقد تقع في الشعر على الاسْمِ وأنشدَ بيتَ أبي ذُؤيبٍ، وقولُ أبي أميَّةَ أَوْسٍ الحَنَفيِّ:
زَعَمَتْني شيخاً ولستُ بشيخٍ …………….. إنما الشيخُ مَنْ يَدِبُّ دبيباً
وتكون “زعم” بمعنى “ظَنَّ” فتتعدَّى لاثنين، وبمعنى “كفِل” فتَتعدّى
لِواحِدٍ، ومنه {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 72. وبمعنى “رَأَسَ” وبمعنى “سَمِن”
وتكون بمعنى “هَزَلَ” فلا تتعدّى.
قولُه: {يُرِيدُونَ} حالٌ من فاعل “يَزْعُمون” أو من “الذين يزعمون”.
وقولُه: {وَقَدْ أمروا} حالٌ مِنْ فاعِلِ “يريدون” فهما حالان متداخلان.
وقولُه: {أن يكفروا} في محلِّ نصبٍ فقط إنْ قَدَّرْتَ تَعْدِيةَ “أمر” إلى الثاني بنفسِه، وإلَّا ففيها الخلافُ المشهور، والضميرُ في “به” عائدٌ على الطاغوتِ، وقد تقدَّم أنَّه يُذَكَّر ويُؤنَّثَ، وما قال الناس فيه في البقرة. وقرأ عبَّاسٌ بْنُ الفَضْلِ: :أنْ يَكفُروا بِهنَّ” بضميرِ جميعِ التأنيثِ.
قوله: {أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً} ضلالاً” مصدرٌ على غير الصَدرِ نحو: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} نوح: 3. والأصلُ “إضْلال” و “إنبات” فهو اسْمُ مَصدَرٍ لا مَصدرٌ. أو هو مصدرٌ لِمُطاوِعِ “أَضلَّ” أي: أضَلَّهم فضلُّوا ضلالاً. ويمكنُ أنْ يكونَ مِنْ وَضْعِ أحدِ المَصدرَيْن موضِعَ الآخر.