RSS

فيض العليم …سورة الأعراف، الآية: 45


الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ.

(45)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} أيْ يَصُدّون بأنفُسِهم عنْ دينِ اللهِ ـ سبحانَه ـ ويُعرِضونَ عنه، لأنَّ هذا الإعراضَ لازمٌ لكلِّ ظالِمٍ، أَو الَّذِينَ كَانُوا يَصُدُّونَ فِي الدُّنْيَا النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ. بنهيهم عنْه، وإدْخالِ الشُّبَهِ في دلائلِهِ، والتَلبيسِ عليهم، فَهُوَ مِنَ الصَّدِّ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ.

قولُهُ: {وَيَبْغُونَها عِوَجاً} يَطْلُبُونَ اعْوِجَاجَهَا وَيَذُمُّونَهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، ويُنَفِّرون الناسَ عنْها، ويَقدَحونَ في اسْتِقامَتِها، بقولهم إنها ليستْ بحَقٍّ، وإنَّ الحَقَّ ما هم فيه، من سلوكٍ ومعتقدات.أو يَطلبونَ لها تَأْويلاً وإمالَةً إلى الباطلِ،أو: يَبْغونَ الدِّين الذي فيه عِوَجٌ، وهو دينُ الشَيْطانِ؛ كما قال في سورة الأنعام: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الآية: 153، فالعِوَجُ هنا هوَ التَفَرُّقُ الذي ذُكر هناك في تلك الآيةِ. والعِوَجُ إمَّا على أَصْلِهِ وهو المَيْلُ أَوِ الإمالَةُ، ويُقالُ فيما يُدْرَكُ بالبَصَرِ كالخَشَبِ المُنْتَصِبِ ونَحْوِه، أو فيما يُدْرَكُ بِفِكْرٍ وبَصيرَةٍ. فهو يشمَلُ ما هو حِسِّيٌّ، وما هو معنويٌّ. والعربُ تقولُ للميلِ في الدِّين والطريقِ: “عِوَج” بِكسر “العين”، وفي المَيْلِ على الشيءِ تقولُ: “عاجَ إليه يَعُوج عِيَاجًا وعَوَجًا وعِوَجًا”، بكسرِ العينِ وفتحها، قال الشاعر:

قِفَا نَسْأَلْ مَنَازِلَ آلِ لَيْلى…………………. عَلَى عِوَجٍ إلَيْهَا وَانْثِنَاءِ

فأَمَّا ما كانَ خُلقةً في الإنسان، فإنَّه يُقالُ فيه:”عَوَجُ ساقِهِ”، بِفَتْحِ العَيْنِ.

قولُهُ: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ} غَيرُ مُعترفين بالقِيامَةِ وما فيها، أَيْ وَكَانُوا بِهَا كَافِرِينَ، فَحُذِفَ وَهُوَ كثير في كلامِ العربِ،وقد عُدِلَ عَنِ الجُملةِ الفعلِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ للدَلالَةِ على الدَوامِ والثَباتِ إشارةً إلى رًسوخِ الكُفرِ فيهم، وقُدِّمَ الجارُّ والمجرورُ “بالآخرة” على مُتَعَلَّقِه “كافرون” لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. فالأصلُ أنْ يقالَ: وهم كافرون بالآخرة.

قولُهُ تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} الذين: اسم موصول مبني في محلّ رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره “هم” أو في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره أعني. أو في محلّ جرّ نعت للظالمين أو البدل أو عطف البيان. ويصدّون” فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه ثبوتُ النون لأنَّه من الأفعال الخمسةِ. والواوُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، ومَفعولُه محذوفٌ أي: يَصُدُّون النَّاسَ. ويَجوزُ أَلاَّ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعولٌ، والمَعنى: الذين مِنْ شأنِهِمُ الصَدُّ، كقولِهم: “هو يُعطي ويَمنَعُ”. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “يَصُدُّون” بمَعْنى يُعْرضون، مِنْ صَدَّ صُدوداً فيَكونُ لازِماً ولا يطلُبُ مفعولاً البتةَ.”عن سبيل” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “يصدّون” و”سبيلِ” مضافٌ، و”اللهِ” لَفْظُ الجَلالَةِ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. وجملةُ “الذين” استنافيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وكذلك وجملة “يصدّون” لا مَحَلَّ لَها من الإعراب لأنها صلةُ الاسمِ الموصولِ “الذين”.

قولُهُ: “ويبغونَها عِوَجاً” الواو: عاطفة، “يبغون” مثل يَصُدُّون، و”ها” ضمير مفعول به، “عوجاً” مَصدَرٌ بِتأويلِ مُشتَقٍّ، أيْ: مُعْوَجَّةً، وهو في مَوْضِعِ نَصْبِ حالٍ، وجُملةُ “يَبْغونَها” مَعْطوفةٌ على جُملَةِ الصِلَةِ فَلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ} الواو: عاطفة، أوْ حاليَّةٌ. “هم” ضميرٌ مُنفصلٌ مَبْني على السكونِ في مَحَلِّ رَفعِ مُبْتَدأٍ. “بالآخرةِ” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “كافرون” و”كافرون” خبرُ المُبتَدَأِ مَرْفوعٌ وعلامةُ رفعِه الواوُ لأنَّه جمع مذكَّرٍ سالمٌ، والنون عوَضاً عن التنوين في الاسمِ المفرد. وجملةُ “هم كافرون” إما معطوفة على حملة الاستئناف قبلها فلا مَحلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 44


وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

(44)

قولُهُ ـ سُبحانَه وتعالى: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} يقولُ أهلُ الجَنَّةِ لأهلِ النّارِ، الذين كانوا يستهزئون بهم في الحياة الدنيا، ويَسخرون مِنْ عِباداتِهم، ويُكَذِّبونَ مُعْتَقداتِهم، ويُعذِّبون المُسْتَضْعفين منهم، فاليومَ هو وَقْتُ اسْتِردادِ الحُقوقِ، ورَدِّ المَظالِمِ، فيَقولُ المُؤمنون لأولئك الكُفّارِ الذين ظَلَمُوهم، وحارَبوهم: يا أَهْلَ النّارِ، إنَّنا وَجَدْنا كُلَّ ما كُنّا نُؤمِنُ بِهِ مِنْ نَعيمٍ، وَعَدَنا بِهِ رَبُّنا ـ جَلَّ وعَزَّ ـ جَزاءً على ما قدَّمْنا مِنْ تَصديقِ رَسولِه، وما أَدَّيْنا مِنْ طاعتِهِ ـ تعالى ـ وعِبادَتِه. فهلْ وَجَدْتُم أنتم ما تَوَعَّدَكم اللهُ بهِ على لِسانِ رَسُولِهِ، مِنْ عَذابٍ أَليمٍ مهينٍ، جَرّاءَ عِصيانِكم أَوامِرَهُ، وتَكذيبِكم رُسُلَه؟.

وفي هَذَا السُؤَالٌ مِنَ التَقْرِيعِ وَالتَبكيتِ والتَوبيخٌ، والتشَفي الشيءُ الكثيرُ، وذلك لمزيدِ حَسْرَتِهم، على ما فوّتوا على أَنْفُسهم من نعيم، وما أَوقعوها فيه منْ عَذابِ اللهِ وسَخَطِهِ، و شدَّةِ انْتِقامِهِ، ولِعذابهم النفسيِّ، مع عذبهم الجَسَديِّ. وإنّما يكون ذلك بعدَ اسْتِقْرارِ أَهْلِ الجَنَّةِ في الجِنَّةِ وأَهْلِ النَّارِ في النَّارِ.  

وظاهِرُ قولِهِ: “ونادى أصحابُ الجنّةِ أصحابَ النَّارِ” يُفيدُ العُمومَ، فُكُلُّ فريقٍ مِنْ أَهْلِ الجَنِّةِ، يُنادي مَنْ كانَ يَعْرِفُهُ مِنْ الكُفَّارِ في الدارِ الدُنيا، والجَمْعُ إذا قابَلَ الجَمْعَ يُوزَّعُ الفَرْدُ على الفَرْدِ. والله ـ سبحانَه ـ قادرٌ على إيصالِ هذه المحادثة بين الفُرَقاءِ وكلٌّ منهم في مكانِهِ الذي هو فيه، حتى ولو كانتِ الجَنَّةُ في السَماءِ، وكانتِ النارُ في الأرضِ، وقد شهدْنا في هذا العصرِ التحادثَ بين الناسِ بالصوتِ والصُورَة، وكأنهم على صعيدٍ واحدٍ أو في غرفة واحدة، رَغمَ أنَّ المسافةَ بين المتحادثين، قد تَبلُغُ آلافَ الأميالِ. وقد جرَّبنا كذلك المحادثات الجماعية. وذلك مِنْ فَضْلِ اللهِ على عِبادِه.

وهذا كلُّه من شأنِه أن يُقَرِّبَ إلى أذهاننا الحقائق الإيمانية المغيَّبَةَ. فسُبْحانَ مَنْ علَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. وجيء بصيغةِ الماضي “نادى” لِتَحَقُّقِ وُقوعِ ذلك.  

قولُهُ: { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} تَصويرٌ قويٌّ بارعٌ للنِهايَةِ الأَليمَةِ للكافرين المكذِّبين، بتَسجيلِ اللعنةِ عليهم، وطردِهم مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وحِرْمانِهم مِنْ نَعيمِ الآخرةِ، بِأَنْ يُنَادي مَلَكٌ ـ أو غيرُه ـ وسَطَ الجمعينِ بذلك، بَعدَ أَنْ قامتِ الحُجَّةُ على الكافرينَ وثَبَتَ الفَوْزُ للمؤمنين. يُصرِّحُ الملكُ المؤذِّنُ بأمرٍ من الله ـ تعالى ـ بأنْ لَعْنَةُ اللهِ على الظالِمين لأنْفسِهم بأنْ أوردوها أوخم موردٍ، عذابٌ لاينتهي، وذلٌّ لا يُحتَمَلُ، لأنَّهم ظلموها وظلموا غيرهم عندما حاولوا أنْ يَمْنَعوا الناسَ عن اتِّباعِ شرعِ اللهِ القويمِ، وسراطه المستقيم، سواءً بالكذب على اللهِ وتزوير دينِهِ وتحريف تعاليمِهِ، أوْ بمحاربةِ المؤمنين لِثَنْيِهم عَنِ الإيمانِ بما جاءَ بِهِ رسُلُ اللهِ واتباعهم، وهُمْ بالآخرة وما فيها مِنْ ثوابٍ وعِقابٍ جاحدون مَكَذِّبون.

أَمَّا ما ادَّعاهُ الشِيعةُ مِنْ أَنَّ المُؤذِّنَ هُوَ الإمامُ علِيٌّ ـ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ ـ فهو لم يَصِحَّ عندَ أَهْلِ السُنَّةِ نَقلاً، وهو عَقلاً لا يَليقُ بِمَقامِ هذا الإمامِ الجَليلِ أَنْ يكونَ مؤذِّناً وهو إذْ ذاكَ في حَظائرِ القُدْسِ بجِوارِ الرسولِ الكريمِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبه وسلَّم.

يُرْوَى أَنَّ طَاوُسًا دَخَلَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ وَاحْذَرْ يَوْمَ الْأَذَانِ. فَقَالَ: وَمَا يَوْمُ الْأَذَانِ؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: “فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ” فَصُعِقَ هِشَامٌ. فَقَالَ طَاوُوسٌ: هَذَا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ الْمُعَايَنَةِ.

قولُهُ تعالى: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ} و: الواو اسْتِئْنافيَّةٌ، “نادى” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقدَّرِ على الأَلِفِ لتعذُر لفظه، و”نادى”، فيهِ إعْلالٌ بالقَلْبِ، أَصْلُهُ “نادَيَ” بالياءِ، جاءتْ الياءُ مُتَحَرِّكةً بَعْدَ فَتْحٍ فقُلِبَتْ أَلِفا.”أصحابُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. “الجنَّةِ” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ. “أصحاب” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. “النّارِ” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامة جرِّه الكسرةُ الظاهرةُ. وجملةُ: “نادى” استئنافيَّةٌ، لا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ.

قولُهُ: {أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا} “أنْ” هي تَفسيريَّةٌ للنداءِ، أو هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقيلةِ، واسْمُها ضَميرُ الشأنِ، مَحذوفٌ، والتقدير: أَنَّهُ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقّاً، وخَبَرُها الجُملةُ بعدَها. وقد حُذِفَ تخفيفاً لِدَلالةِ “وَعَدْنا” عليه. و”قد” حَرفُ تَحقيقٍ، “وَجَدْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السكون لاتِّصالِه بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعل، “ما” اسْمٌ موصولٌ بمعنى الذي، مَبْنِيٌّ في محلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِه. “وَعَدَنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ على آخره، ويلاحظُ هنا أنَّ الفعلَ الماضي بني على الفتحِ ولم يبنَ على السكون كسابقه مع أنَّ كلاً منهما اتصل به الضميرُ “نا” وذلك لأنَّ “نا” الأولى ضمير رفعٍ فيهو في محلِّ رفع فاعلٍ، بينما “نا” هنا ضمير متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، وليست ضميرَ رفع. “ربُّ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ. “حقّاً” مَفعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ، أَوْ حالٌ إنْ كانَ الفِعْلُ “وعدنا” بمَعْنى “لَقينا” أي مُتَعدِّياً لِواحِدٍ فقط. وجملةُ “قَدْ وَجَدْنا” تَفْسيريّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وجُمْلَةُ “وَعَدَنا” صِلَةَ المَوْصولِ “ما” لا مَحَلَّ لَها أيضاً.

قولُهُ: {فهل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقاً} فَهَلْ: الفاءُ حرفُ عطفٍ، “هل” للاستفهامِ، “وجدتم” مثل “وجدنا” و”ما وعد ربّكم حقّاً” مثل “ما وعدنا ربّنا حقّاً” والمفعولُ الأوَّلُ مَحْذوفٌ، والتقدير: وَعَدَكم أو وَعَدَنا …، وجملةُ “وَعَدَ ربُّكم” صلة الموصول (ما) الثاني، ولا محلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُهُ: {قالوا: نعم} قالوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتصالِه بواو الجماعة، وواوُ الجماعة ضميرٌ متصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِه، “نعم” حَرْفُ جَوابٍ، وهي ك “أَجَل” و”إي” و”جَيْر” و”بلى”. ونَقيضَتُها “لا”. وتكونُ “نَعَمْ” لِتَصديقِ الإِخْبارِ، أو إعلامِ اسْتِخْبارٍ، أو وَعْدِ طالبٍ، وقدْ يُجابُ بِها النَفْيُ المَقْرونُ باسْتِفْهامٍ، وهو قليلٌ جِدّاً كَقولِ جحدر بنِ مالكٍ الحَنيفيّ:

أليس الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ………………… وإيَّانا فذاك بنا تَدَاني

نعم وترى الهلالَ كما أراه …………….. ويَعْلوها النهارُ كما عَلاني

فأَجابَ قولَه: “أليس” بـ “نعم”، وكان مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقولَ: بَلى، ولذلك يُروى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ في قولِهِ تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} سورةُ الأعرافِ، الآية: 172: لو قالوا: نَعَمْ لَكَفَروا.

وجُملةُ “قالوا” استئنافٌ بيانيٌّ، لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ، ونابَ حرفُ الجَوابِ “نعم” عَنْ جُملةِ مَقولِ القولِ، أيْ: نَعَم قدْ وَجَدْنا ذلك.

قولُهُ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} فأذَنَ: الفاءُ اسْتِئنافيَّةٌ، “أذّن” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، “مؤذِّنٌ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمُّ الظاهرُ. و”مؤذِّنٌ”، اسْمُ فاعلٍ مِنْ أَذَّنَ الرُّباعيِّ، ووزنُه “مُفَعِّلٌ” بضمّ الميم وكسرِ العينِ المُشَدَّدَةِ. “بينهم” بين: ظَرْفُ مَكانٍ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “أذن” أو بـ “مؤذِّن”، أو بمحذوفِ نعتٍ لـ “مؤذِّن”، وهو مضافٌ، و”هم” الهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه، والميم للتذكير. وجملةُ: “أَذَّنَ مؤذّنٌ” اسْتِئنافيَّةٌ فيها مَعْنى التَعليلِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {أنْ لعنَةُ اللهِ على الكافرين} أن: مثل الأُولى، “لعنة” مبتدأٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ على آخره، وهو مضافٌ. “اللهِ” لَفْظُ الجَلالةِ مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ، وعلامة جَرِّه الكسْرةُ الظاهرةُ على آخره. “على الظالمين” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ خَبَرِ المُبْتَدأِ، تقديرُهُ مستقِرٌّ.وهذه الجُملةُ الاسميَّةُ تفسيريَّةٌ لا مَحَلَّ لَها من الإعراب.

قرأَ الكِسائيُّ والأعْمشُ ويَحيى بْنُ وثّابٍ:”نعِم”، وهي لغةُ كنانة وهذيل، ولا عِبْرَةَ بِمَنْ أَنْكَرَهُ مَعَ القِراءَةِ بِهِ وإثباتِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَهُ بالنَّقْلِ الصَحيحِ. فقد طَعَنَ أَبو حاتِمٍ عليها وقال: “ليس الكسر بمعروف”. واحتجَّ الكِسائيُّ لِقِراءَتِهِ بِما يُحْكى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رضي اللهُ عنه ـ أَنَّه سألَ قوماً فقالوا: (نَعَم) يَعني بالفتح فقال: (أَمَّا النَّعَم فالإِبِلُ فقولوا: نَعِم). أيْ بالكَسْرِ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: ولم نَرَ العَرَبَ يَعْرِفون ما رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ، ونَراهُ مُوَلَّداً. وهذا طَعْنٌ في المُتَواتِرِ فَلا يُقْبَلُ مِنْ أَبي عُبيْدٍ ولا مِنْ غيرِه. وتُبَدَّلُ عَينُها حاءً، وهي لُغةٌ فاشِيَةٌ، كما تُبَدَّلُ حاءُ

“حتّى” عيناً.

وَقَرَأَ الْبَزِّيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: “أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ” وَهُوَ الْأَصْلُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ “أَنْ” وَرَفْعِ اللَّعْنَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. فَـ “أَنْ” فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاطِ الْخَافِضِ. وَيَجُوزُ فِي الْمُخَفَّفَةِ أَلَّا يَكُونَ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَتَكُونُ مُفَسِّرَةً كما تقوم. وَحُكِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَرَأَ: “إِنَّ لَعْنَةَ اللهِ” بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهَذَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ كما قرأ الكوفيون: “فناداه الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ”.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 43


وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

(43)

قولُه ـ تعالى شأنُه: {وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} إخْبارٌ مِنَ اللهِ ـ تعالى ـ أَنَّهُ يُنَقي قلوبَ ساكني الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ والحِقدِ، وذلك أنَّ صاحبَ الغِلِّ معذَّبٌ بِهِ، ولا عَذابَ في الجَنَّةِ وهذا مِمَّا يُنْعمُ بِهِ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، نَزْعُ الْغِلِّ مِنْ صُدُورِهِمْ.

وَالنَّزْعُ: الِاسْتِخْرَاجُ، أو القلعُ وهو أشَدُّ من الاستخراجِ، وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ الْكَامِنُ فِي الصَّدْرِ، وَالْجَمْعُ غِلَالٌ. أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّةِ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ فِي الدُّنْيَا. وقد جاءَ بِصيغةِ الماضي (نَزَعْنا) إيذاناً بِتَحَقُّقِه.

قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْغِلُّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ قَدْ نَزَعَهُ اللهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَميرَ المؤمنين ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: “وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ”. أخرجَهُ البَيْهَقِيُّ في السُنَنِ الكُبْرى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ. وأخرجه الحاكمُ في مُسْتَدرَكِه. وَقِيلَ: نَزْعُ الْغِلِّ فِي الْجَنَّةِ أَلَّا يَحْسُدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُلِ مَنَازِلِهِمْ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قولُهُ: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ” في الدنيا، يَنْزِعُ الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ مِنْ قُلوبِهم الغِلَّ، يَعني: مِنْ قُلوبِ المؤمنين، ويَجعَلُهم إخْوانًا بالإيمان؛ وهو كقولِهِ: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} سورة ألِ عُمرانَ، الآية: 103. أَخْبَرَ أَنَّهم كانوا أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهمْ بالإيمان الذي أَكْرَمَهم بِهِ؛ حتّى صاروا إخواناً بعدَ ما كانوا أعداءً.

وقال الحَسَنُ: ليس في قلوبِ أَهْلِ الجَنَّةِ الغِلُّ والحَسَدُ؛ إذْ هُما يُهِمّانِ ويُحْزِنان؛ إنَّما فيها الحُبُّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الآخِرَةِ، يَنْزِعُ اللهُ ـ تعالى ـ مِنْ قُلوبهِمُ الغِلَّ الذي كان فيما بَيْنَهم في الدُنيا، ويَصيرون جَميعًا إخْوانًا؛ كَقولِهِ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} سورة الحجر، الآية: 47. ذلك أنَّه لِطَهارةِ الجنَّةِ فإنَّ كلَّ مَنْ فيها مُطهَّرٌ حِسِّيّاً ومعنَويّاً، طهارةً كامِلَةً، طهارةَ الأَبْدانِ وطَهارةَ القُلوبِ التي في الصُدور، وإنَّ أَشَدَّ ما يُدَنِّسُ القلبَ الغِلُّ والحَسَدُ، والأحقادُ الدُنْيَويَّةُ. وهذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ ـ سُبْحانَهُ ـ مِنْ لَعْنِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضَهم بَعْضاً.

وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عن السُّدِّيِّ أنَّه قال: (إنَّ أَهلَ الجَنَّةِ إذا سِيقوا إلى الجَنَّةِ فبلغوها، وجَدوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً، في أَصْلِ ساقِها عَيْنانِ، فيَشْرَبون، مِنْ إحداهُما، فيُنْزَعُ ما في صُدورِهِم مِنْ غِلٍّ، فهُوَ الشَرابُ الطَّهورُ، ويَغْتَسِلون، مِنَ الأُخْرى، فتَجْري عليهم نَضْرَةُ النَّعيمِ، فلن يَشْعَثوا، ولن يَشْحَبوا بعدَها أَبَداً). وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ الحسَنِ قالَ: (بَلَغَني أَنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ قال: ((يُحْبَسُ أَهْلِ الجَنَّةِ بَعدَما يَجوزون الصِّراطَ، حتّى يُؤخَذُ لِبَعضِهم مِنْ بَعْضٍ ظُلاماتِهم في الدنيا، فيَدْخُلونَ الجَنَّةَ وليس في قلوبٍ بَعْضٍ على بَعْضٍ غِلٌّ)).

قولُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ} أي تَجْري مياهُ الأنهارُ مِنْ تَحْتِ غُرفهم في الجنَّة زِيادةً في سرورِهم ولَذَّةِ نَعيمهم.

قولُهُ: {وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا} أَيْ لِهَذَا الفوز العظيم بالثَّوَابِ العميم، والنَّعيمِ المُقيمِ، بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَةَ. فالمُرادُ أنْ هداهم لِما أَدَّى إلى ذلك الفوزِ بالجَنَّةِ، والفَلاحِ في الآخرةِ، مَنَ الأَعْمالِ القَلْبِيَّةِ، والطاعاتِ الجِسْمِيَّةِ، بالتَوفيقِ لَها وصَرْفِ المَوانِعِ عَنِ القيامِ بها. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. وقيل: المُرادُ بالهِدايةِ هنا أن هداهم لِما هُم فيهِ مِنْ مُجاوزَةِ الصِّراطِ إلى أنْ وَصَلوا إلى النعيم. ومِنهم مَنْ قال المرادُ بالهدايةِ هنا نَزْعُ الغِلِّ مِنَ الصُدورِ، وليس بشيء.

قولُه: {وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ} يقولون ذلك شاكرين لله أنعُمه معترفين بفضلِهِ، إظهاراً للسُرورِ بما فازوا به مِنْ جزاءٍ، وما هم فيه من نعيمٍ مُقيم، وتَلَذُّذاً بالتَكَلُّمِ بِه، وليس للتَعَبُّدِ لأنَّ الدارَ الآخرة دارُ تَلَذُّذٍ بالنعيم، وليست دارَ عبادة.

قولُهُ: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ} بيانٌ لِصِدْقِ وَعْدِ الرُسُلِ ـ عليهِمُ الصلاةُ والسلام ـ بما وعدوهم به مِنْ جَنَّةٍ عَرضُها السمواتُ والأرضُ، وما فيها مِنْ أَلوانِ الملاذِّ وأصنافِ النعيم، وقيل: هو تعليلٌ لهدايتِهم. ولا يخفى ما في هذه الآيةِ مِنَ الرَدِّ الواضِحِ على القدريَّةِ المعتزلةِ الزاعمين أنَّ كلَّ مُهْتَدٍ خَلَقَ لِنَفْسِهِ الهُدَى ولَمْ يَخْلُقْه الله تعالى له، فهم يقولون: المُهْتَدي مَنِ اهْتَدى بِنَفْسِهِ واللهُ يقولُ حكايةً لقولِ المُوَحِّدين في مَقْعَدِ صِدْقٍ: “وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ”.

قولُهُ: { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أَيْ قِيلَ لَهُمْ: “تِلْكُمُ الْجَنَّةُ” لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا، أَيْ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ حِينَ عَايَنُوهَا مِنْ بُعْدٍ. وَقِيلَ: “تِلْكُمُ” بمعنى هذه. ومعنى “أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلَهَا بِعَمَلِكُمْ، وَدُخُولُكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ. كَمَا قال في سورة النساء: {ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ} الآية: 70. وَقَالَ: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} سورة النساء، الآية: 175. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْهُ وَفَضْلٍ)). وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ: لَيْسَ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَنْزِلٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ رُفِعَتِ الْجَنَّةُ لِأَهْلِ النَّارِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللهِ. ثُمَّ يُقَالُ: يا أهلَ الْجَنَّةِ رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَتُقْسَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلُهُمْ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ((لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)). فَهَذَا أَيْضًا مِيرَاثٌ، نَعَّمَ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ وَعَذَّبَ بِعَدْلِهِ مَنْ شَاءَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجَنَّةُ وَمَنَازِلُهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ، فَإِذَا دَخَلُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَقَدْ وَرِثُوهَا بِرَحْمَتِهِ، وَدَخَلُوهَا بِرَحْمَتِهِ، إِذْ أَعْمَالُهُمْ رَحْمَةٌ منه لهم وتفضل عليهم.

وجاء في سببِ النزولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ـ أَنَّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وأَبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُبيرِ، وابْنِ مَسْعودٍ، وعَمَّارَ، وسُلمانَ، وأَبي ذَرٍّ ـ رُضْوانُ الله عليهم أجمعين.

وعن أمير المؤمنين عليّ بنِ أبي طالب أنّه قال: (نَزَلَتْ في ثلاثةِ أَحياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَني هاشِمٍ، وبَني تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فيَّ، وفي أَبي بَكْرٍ، وفي عُمَرَ) كنزُ العُمَّالِ: 4470. رضي اللهُ عنهم أجمعين، فعليٌّ من هاشم، والصدّيقُ من تَيْمٍ، والفاروقُ من عديٍّ.

قوله تعالى: {وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} و: حرفُ عطفٍ، “نزعْنا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكون لاتصاله بضمير رفعٍ متحركٍ، و”نا” العَظَمَةِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ له، و”ما” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، مفعولاً بِه. و”في” حرفُ جرٍّ، و”صدورِ” مَجرورٌ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ صَلَةِ “ما” أي: كائناً مِنْ غِلٍّ. وهو مضافٌ، و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في محلٍّ جَرِّ مُضافٍ إليْه، والميم علامة المذكَّرِ. و”من” حرف جرٍّ لِبَيانِ جِنْسِ “ما”، و”غِلّ” مَصْدَرٌ سَماعيٌّ لِفِعلِ “غلّ، يَغلّ” بابُه ضَرَبَ، ووزنُهُ “فَعَلَ”، مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُتَعلِّقٌ بحالٍ مِنَ العائدِ في الصَلَةِ، أوْ بحالٍّ مِنَ المَوصولِ. وجملةُ “نَزَعْنا” في مَحَلِّ رَفْعٍ عطفاً على جُمْلَةِ “أولئك” في الآيةِ السابِقَةِ.

قوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ} تجري: فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ وعَلامَةُ رفعه الضمَّةُ المُقدَّرةُ على الياءِ منعَ من ظهورها الثقلُ، و”من تحتِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “تَجْري” أوْ بِمَحذوفِ حالٍ مِنَ الأنْهارِ. و”هم” تقدّم إعرابها، و”الأنهارُ” فاعلٌ مَرفوعٌ. وجُملةُ “تجري” في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الضَميرِ في “صدورهم”. والعامِلُ في هذِه الحالِ مَعنى الإِضافة. أو أَنَّها حالٌ، والعامِلُ فيها “نزعنا”، أو أنَّها اسْتِئنافُ إخْبارٍ عَنْ صِفَةِ أَحوالِهم.

وردَّ الشيخُ أبو حيّانَ التوحيديُّ الوَجْهيْنِ الأوَّلَ والثاني: أَمَّا الثاني فلأنَّ “تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار” ليس مِنْ صِفَةِ فاعِلِ “نَزَعْنا” ولا مَفْعُولِهِ، وهُما “نا” و”ما” فكيفَ يَنْتَصِبُ حالاً عَنْهُما؟ وهُوَ واضِحٌ. وأَمَّا الأوَّلُ فلأنَّ مَعْنى الإِضافةِ لا يَعمَلُ إلاَّ إذا أَمْكَنَ تَجريدُ المُضافِ وإعمالُهُ فيما بَعْدَهُ رَفعاً أَوْ نَصْباً. وقد تقدَّمَ غيرَ مَرَّةٍ أَنَّ الحالَ تَأْتي مِنَ المُضافِ إليهِ إذا كان المُضافُ جُزءً مِنَ المُضافِ إليْه.

قولُه: {وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا} و: حرف عطفٍ، “قالوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتصالهِ بواو الجماعةِ، وواوُ الجماعة: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. “الحمد” مُبْتَدأٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ، “للهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقان بِخَبَرٍ مَحْذوفٍ، “الذي” اسْمٌ مَوْصولٌ في مَحَلِّ جَرِّ نَعْتٍ للفظِ الجَلالَةِ. “هدى” فعلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، لتعذُّر لفظِ الفَتْحَةِ على الأَلِفِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ بِهِ، والفاعلُ: ضميرٌ مستترٌ جواراً تقديرُهُ “هوَ” يعودُ على اللهِ تعالى. “لِـ” حرفُ جَرٍّ “ها” حَرْفُ تَنْبيهٍ، “ذا” اسْمُ إشارَةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرِّ مُتعلِّقٌ بـ “هدى”. وجُمْلَةُ “قالوا” في مَحَلِّ نَصْبٍ مَعطوفةٌ على جُملةِ “تَجري”. وجملةُ: “الحَمْدُ للهِ” في مَحَلِّ نصبٍ مقولَ القولِ لا مَحَلَّ لَها. وجُمْلَةُ “هدانا لهذا” صِلَةُ المَوْصولِ “الذي” لا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُه: { وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ} و: حرفُ عطف، أَوِ اسْتِئْنافٍ. “ما” نافيةٌ، “كنا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ من النواسخ ـ و”نا” اسْمُهُ، و”لـ” لامُ الجُحودِ، “نَهْتَديَ” مُضارعٌ مَنْصوبٌ، بأنْ مُضْمَرَةٍ، بَعْدَ اللامِ، “لولا” حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجودٍ فيهِ معنى الشَرْطِ، “أنْ” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، “هدانا” فعلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، لتعذُّر لفظِ الفَتْحَةِ على الأَلِفِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ بِهِ. و”الله” لَفْظُ الجَلالةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ.

والمَصْدَرُ المُؤَّولُ من “أن نهتدي” في مَحَلِّ جَرٍّ باللامِ مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفٍ خَبَرَ “كُنا”.

والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ مِنْ “أَنْ هَدانا” في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحذوفٌ وُجوباً، والتقديرُ: لولا هدايةُ اللهِ لَنا مَوجودَةٌ. وجَوابُ “لولا” مَدْلولٌ عليْهِ بقولِهِ: “وما كنا” تقديرُه: لولا هدايةُ اللهِ لنا مَوجودةٌ لَشَقِيْنا أو ما كُنَّا مهتدين. وجُملةُ “ما كُنّا لِنَهْتَديَ” في مَحَلِّ نَصْبٍ، عطفاً على جُمْلَةِ مَقولِ القَوْلِ. وجُمْلَةُ “نَهْتَديَ” صلة الموصول الحرفي “أن” المُضْمر. لا مَحَلَّ لها من الإعراب. وجُملةُ: “هَدانا اللهُ” لا مَحَلَّ لَها صِلَةُ المَوْصولِ الحَرْفِيِّ “أَنْ” الظاهر. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ “لولا أَنْ هدانا الله”: في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ، أوْ استئنافٌ في حَيِّزِ القَوْلِ فلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قوله: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ} لـ: لامُ القَسَمِ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، “قد” حَرْفُ تَحْقيقٍ، “جاء” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح الظاهر، و “ت” تاءُ التَأْنيثِ، “رُسُلُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، “رَبّ” مُضافٌ إليْه مجرورٌ، وهو مضافٌ أيضاً، و”نا” ضَمِيرٌ متَّصلٌ في محلٍّ جرٍّ بإضافةِ “ربّ” إليه. “بالحق” الباء حرفُ جَرٍّ، و”الحقِّ” اسمٌ مجرورٌ بحرف الجرِّ، مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “رُسُل” أيْ: جاؤوا مُتَلَبِّسين بالحَقِّ. ويجوزُ أنْ تَكونَ للتعديةِ، وعليه فـ “بالحق” مَفعولٌ مَعنًى، وجملةُ: “لقد جاءت” جَوابُ قَسَمٍ مُقَدِّرٍ. وجُملةُ: “جاءت رسل” جوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قولُه: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ}و: حرفُ عَطفٍ، “نودوا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ ومَبْنيٌّ على الضَمِّ لاتصالِهِ بواو الجماعة، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ نائبِ فاعلٍ. و”نُودُوا” أَصْلُهُ. نُودِيُوا. و”أنْ” حرفُ تَفْسيرٍ، أوْ هو مُخَفَّفٌ مِنْ “أنَّ” واسْمُهُ ضَميرُ الشأنِ مَحذوفٌ، والجُمْلَةُ بَعدَهُ خَبَرٌ له. و”تلكم” اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ الظاهِرِ على الياءِ المَحذوفةِ لالْتِقاءِ الساكِنَيْنِ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدأٍ، و”لـ” للبُعْدِ، و”ك” للخِطابِ، و”مُ” لِجَمْعِ الذُكورِ. “الجَنَّةُ” بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارةِ مرفوع، أوْ هي عَطفُ بيانٍ لَهُ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خَبَراً لاسْمِ الإشارةِ، فتكونُ الجُمْلَةُ بَعدَهُ حالاً مِنْهُ. وجُمْلَةُ “نودوا” في محلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُمْلَةِ “قالوا” أوْ هي مقطوعةٌ على الاسْتِئنافِ، فلا محلَّ لها. وجملةُ “تِلْكُمُ الجنّةُ” تفسيريَّةٌ فَسَّرَتِ النِّداءَ، وهو الظاهرُ بما بعدَها، فلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ المُخَفَّفَةَ، واسْمُها ضَميرُ الأمْرِ مَحذوفاً، وأَنْ وما بعدَها في مَحَلِّ نَصْب أوْ جَرٍّ؛ لأنَّ الأصلَ: “بأنَّ تِلْكُمُ”، وأُشيرَ إليها بإشارةِ البَعيدِ لأنَّهم وُعِدوها في الدُنيا. وقال بعضُهم “هي إشارة لِغائبةٍ” إلاَّ أنَّ الإِشارةَ لا تَكونُ إلاَّ لِحاضرٍ، ولكنَّ العُلَماءَ تُطْلِقُ على البَعيدِ غائباً مَجازاً .

قوله: {أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أُورث: فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، ومَبْنِيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِه بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و”ت” ضميرٌ مُتَّصلٌ في مَحلِّ رفعِ نائبٍ عن الفاعلِ، و”و” زائدةٌ لإشْباعِ حَرَكَةِ الضَمِّ، و”ها” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ. و”بـ” حرفُ جَرٍّ “ما” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، “كنتم” فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ ـ ناسخٌ ـ واسْمُهُ، “تعملون” مُضارعٌ مَرفوع، والواو فاعلٌ. والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ من “ما كنتم” في مَحَلِّ جَرٍّ بالباءِ، مُتَعَلِّقُ بـ “أورثتموها”. وجملةُ “أُورِثْتُموها” يَجوزُ أَنْ تَكون حاليةً كَقولِهِ: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} النمل: 52، ويَجوزُ أنْ تَكونَ خبراً عنْ “تلكم”. وجملةُ “كنتم” لا مَحَلَّ لَها، صِلَةُ المَوْصولِ الحَرْفيِّ “ما”. وجُملةُ “تعملون”: في محلِّ نَصبِ خَبَرِ كُنْتم.

قرأَ الأخوان (حمزة والكسائي) وأبو عَمْرٍو: “أورثتموه” بإدغامِ الثاء في التاء، وقرأ الباقون بإظهارها.

وقرأ الجماعةُ: “وما كنّا” بواوٍ، وكذلك هي في مَصاحِفِ الأَمْصارِ غيرَ الشامِ. وفيها وجهان، أَظْهَرُهُما: أَنَّها واوُ الاسْتِئْنافِ، والجُمْلَةُ بعدَها مُسْتَأْنَفَةٌ. والثاني: أَنَّها حاليَّةٌ.

وقرأَ ابْن عامرٍ: “ما كنا” بدونِ واوٍ، والجملةُ على ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتمالَيْ الاسْتِئنافِ والحالِ، وهي في مصحف الشاميين كذا، فقدْ قرأَ كلٌّ بِما في مُصْحَفِهِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 42


وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ

(42)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} أيْ الذين صَدَقوا اللهَ ورَسولَه، وأَقَرّوا بما جاءَهُم مِنْ وَحْيِ اللهِ، وتنزيلِهِ عليه مِنْ شرائعِ دِينِه، وعَمِلوا بِما أَمَرَهم بِهِ، وأَطاعوهُ في ذلك، وتجنَّبوا ما نَهاهُم عَنْهُ، فجَمَعوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصَالِحِ، فالإيمانُ هو الأساس، ولذلك به بَدَأ، والعملُ الصالحُ هو المُتَرَتِّبُ، على الإيمان. فمن آمَنَ باللهِ ـ سبحانَهُ ـ خلقاً، وبمحمدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ نبياً ورسولاً من اللهِ إلى خلقه، ويؤمن بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب لكلٍّ بما قدمَ من عمل، لا بُدَّ لإيمانِه هذا من أَنْ يحملَه على العملِ الذي من شأنِه أنْ يُكْسِبَهُ رضا مولاه وخالقه ليفوز بثوابه، وإلا كان الإيمان ناقصاً وفيه خلل.

وَوقولُهُ: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} أي: لا نُكلِّفُ نَفْسًا مِنَ الأعْمالِ الصالِحات إلاَّ وُسْعَها، بَلْ نُكَلِّفُها دون وُسْعِها، ودون طاقتِها، ونَظِيرُهُ قولُه: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا}. والوُسْعُ: ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ ولا يُعْجَزُ عَنْهُ، وقدْ جاءتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ معترضةً بيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو الاسْمُ المَوْصولُ “الذين” والخبر، وهو اسم الإشارةِ “أُولئك” للتَرْغيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤدّي إلى النَّعيمِ المُقيمِ بِبيانِ سُهولةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحصيلِهِ، لأنَّه ـ سبحانه ـ لم يكلفْ النفسَ البشريةَ ما لا تطيقُ، إنَّ كلَّ ما كلَّفها به من فعلٍ أو تركٍ هو في وُسعها، وهو ـ جلَّ وعلا ـ خالقُها والأدرى بما تستطيعُه وما لا تستطيعُه.

قولُهُ: {أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ} وبهذا يُخْبِرُنا الحَقُّ أَنَّ الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ، هُمْ أَصْحابُ الجَنَّةِ وَهُمْ فِيها خالدون، ويَضَعُ لَنا الحَقُّ تَنْبِيهاً بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الآيَةِ وتَذْييلِها: “لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا” لِنَفْهَمَ أَنَّ المُسْرِفين على أَنْفُسِهم بالكُفْرِ، وتكذيبِ الآياتِ لَمْ يَفهَموا حقيقةَ الإِيمانِ، وأَنَّ حَبْسَ النَّفْسِ عَنْ كَثيرٍ مِنْ شَهَواتِها هُوَ في مَقدورِ النَّفْسِ، وليس فوقَ طاقتِها؛ لذلك أَوْضَحَ لَنا ـ سُبحانَهُ ـ أَنَّهُ كَلَّفَ بـ “افْعَلْ ولا تَفْعَلْ” وذلك في حدودِ وُسْعِ المُكَلَّفِ.

قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} الواو: استئنافيَّةٌ، “الذين” اسمٌ مَوْصولٌ في محلٍ رفعٍ مُبتَدأً، وخبرُهُ هو جملةُ: “أولئك أَصْحَابُ”، وهذا هو الوجهُ، أو أنَّهُ جُملةُ: “لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً” وعليه فلا بُدَّ مِنْ عائدٍ وهًو مُقدَّرٌ، وتقديرُهُ: نَفْساً مِنْهم. و”آمنوا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعة. وواوُ الجماعة ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٍ. وجملةُ “آمنوا” واقعةٌ صلةَ الموصولِ “الذين” فلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “الذين آمنوا” استئنافيَّةٌ فلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كذلك.

قولُهُ: {وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} الواو: عاطفةٌ، و”عملوا” مثل: “آمنوا”، و”الصالحاتِ” مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ النَّصْبِ الكَسْرَةُ نيابةً عنِ الفتحةِ لأنَّهُ جمعٌ مؤنّثٌ سالم. وهذه الجملة لا محلَّ لها من الإعراب أيضاً لأنها معطوفةٌ على جملة الصلة التي لا محلَّ لها.

قولُهُ: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} لا: حَرْفُ نَفْيٍ، “نُكَلِّفُ” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ على آخره، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ تقديرُهُ “نحنُ” للتَعظيمِ، و”نفساً” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ. “إلا” أداةٌ للحَصْرِ، “وُسْعَ” مَفْعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ، وهو مضافٌ، و”ها” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُضافاً إليْه. وهذه الجملةُ اعتراضيّةٌ فلا محلَّ لها من الإعراب، أو هي في محلِّ رَفْعِ خَبَرِ الاسْمِ المَوْصولِ، كما تَقَدَّمَ بيانُهُ آنفاً.

قولُهُ: {أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ} أُولاء: اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٍّ في محلِّ رَفْعِ مُبْتَدأٍ، و”الكافُ” للخطابِ، و”أصحابُ” خَبَرٌ مَرْفوعٌ، وهو مضافٌ، و”الجنَّة” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامة جرِّه الكسرةُ الظاهرة. وهذه الجملةُ في محلِّ رفعِ خبر الاسمِ الموصول: “والذين”

قولُهُ: {هُمْ فِيها خالِدُونَ} هم: ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدأ، “فيها” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “خالدون”، و”خالدون” خَبَرٌ مَرْفوعٌ وعلامةُ رَفْعهِ الواو لأنه من الأسماءِ الخَمْسةِ، والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسمِ المُفردِ. وهذه الجُملةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ حالاً مِنْ أَصْحابِ، والعامِلُ فيه الإشارةُ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 41


لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ

(41)

قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ} قيل لهم فُرُشٌ مِنْ نارِ جهنَّم، والمِهادُ: المَكانُ المُمَهَّدُ للإقامةِ فيهِ، وفيه تهكُّمٌ بهم، وهو في مقابلِ ما أَعَدَّه اللهُ ـ سُبْحانَه ـ للمؤمنين في الجَنَّةِ مِنْ: {سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * ونمارِقُ مصفوفةٌ * وزرابيُّ مبثوثة} سورة الغاشية، الآيات: 13 و 15 و 16.

قولُهُ: {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ} غواش: جَمْعُ غاشِيَةٍ، وهي الغِطاءُ، فغِطاؤهم من نارٍ مُوقَدَةٍ، بَعد أنْ كانوا يَلْتَحِفُونَ بالرِياشِ، ويَفْتَرِشون الأَسِرَةَ المترفة والفُرُشَ الوثيرةَ الوَسائدَ اللَّيِّنَةَ، صارَ مِهادِهُمْ جَهَنَّمُ، وغِطاؤهُم نارٌ ملتهبة.

قولُهُ: {وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} وهكذا يُجازي اللهُ مَنْ ظَلَمَ نفسَهُ في الدُنْيا بالكُفْرِ باللهِ، وبآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، والتَكَبُّرِ على خَلْقِ اللهِ، والاسْتِكْبارِ عَنْ سُلوك طَريقِ الحَقِّ، والإذْعانِ إليه. وظلمَ غيرَهُ مِنَ المُسْتَضْعفين أَوِ الحَمْقى فأَضَلَّهم عَنْ طَريقِ اللهِ القويمِ، وصِراطِهِ المُسْتَقيم، أوْ ظَلَمَهم بأنْ صدَّهم عن دين اللهِ وشَرعِهِ القَويم، أوْ ظَلَمَهم بِهَضْمِ حُقوقِهم والتَعَدّي عليهم. فكما أَحاطَتِ العُقوباتُ بِهم في الدُنيا فَتَدَنَّسَ بالغَفْلَةِ باطِنُهم، وتَلَوَّثَ بالزَّلَّةِ ظاهِرُهم، فكذلك أَحاطَتْ العقوباتُ بِجوانِبِهم؛ فَمِنْ فوْقِهم عَذابٌ، ومِنْ تَحْتِهم عَذابٌ، وكذلك مِنْ جوانِبِهم في القَلْبِ مِنْ ضِيقش العَيْشِ واسْتيلاءِ الوَحْشَةِ ما يَفي ويَزيدُ على الكُلِّ.

ووصفَهم اللهُ ـ تعالى ـ في الآيةِ السابِقةِ بالمُجْرِمين؛ ووصَفَهم هُنا بالظالمين، لأنَّ الوَصْفيْنِ مُتَحقِّقان فيهم، فهم أَجرَموا في حَقِّ المُجْتَمَعِ فأَفْسَدوهُ؛ وظَلَموا أَنْفُسَهم، وظَلموا الخلائقَ بما ارْتَكبوه، وتَعَدَّوا حُدودَ اللهِ، {ومَنْ يتَعَدَّ حُدودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه} سورة الطلاق، الآية: 1. {وما ربُّك بظلاّمٍ للعبيد} سورة فُصّلت، الآية: 46.

قولُه تعالى: {لهم مِنْ جَهنَّمَ مِهادٌ} لهم: مثلُ الأَوَّلِ مُتَعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقدَّمٍ، “من جهنم” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “مِهادٌ” ـ نَعْتٌ تَقَدَّمَ على المَنعوتِ ـ “مهاد” مُبْتَدأٌ مُؤَخَّرٌ مَرفوعٌ. مِنْ قَبيلِ الجُمَلِ ويَجوزُ أنْ تَكونَ فاعلاً بـ “لهم” فتكونُ الحالُ مِنْ قبيلِ المُفْرَدات.

وهذه الجملة إمَّا استئنافيَّة لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ هي في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ المُجرمين.

قولُهُ: {ومن فوقهم غوش} الواو: عاطفة “من فوق” جار ومجرور متعلّق بخبرٍ مُقَدَّمٍ، و”الهاء” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلَّ جرِّ مُضافٍ إليه، والميم للمذكّر، “غواش” مُبْتَدأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضَمَّةُ المُقَدَّرَةُ على الياءِ المَحذوفةِ، لأنَّه اسْمٌ مَنْقوصٌ وهذهِ الجُمْلَةُ مَعطوفةٌ على سابقتِها، ولها مِنَ الإعْرابِ مِثْلُ ما لِتِلكَ.

و”غَواشٍ” جَمْعُ غاشيةٍ. وللنُحاةِ في الجَمْعِ الذي على “مَفاعِل” إذا كان مَنْقوصاً بِقياسٍ خلافٌ: هلْ هُو مُنْصَرِفٌ أَوْ غَيرُ مُنْصَرِفٍ؟ فبَعضُهم قالَ: هو مُنْصَرِفٌ لأنَّه قد زال منه صيغةُ مُنْتَهى الجُموعِ فصارَ وزنُهُ وزْنَ جَناحٍ وقَذَالٍ فانْصَرَفَ. وقالَ الجُمهورُ: هو مَمْنوعٌ مِنَ الصَرْفِ، والتنوينُ تنوينُ عِوَضٍ. واختُلِفَ في المُعَوَّض عنه ماذا؟ فالجُمهورُ على أَنَّهُ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحذوفةِ. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ حَرَكَتِها. والكسرُ ليس كَسْرَ إعْرابٍ، وهكذا جَوارٍ ومَوالٍ. وبعضُهم يَجُرُّهُ بالفَتْحَةِ قال:

ولو كان عبدُ الله مولىً هجوتُه …………. ولكنَّ عبدَ اللهِ مَوْلَى مَواليا

وقال آخر:

قد عَجِبَتْ مني ومن يُعَيْلِيا ……………….. لَمَّا رَأَتْني خَلَقاً مُقْلَوْلِيا

وهذا الحكمُ ليس خاصّاً بِصيغَةِ “مَفاعِل”، بَلْ كُلُّ غيرِ مُنْصَرِفٍ إذا كان مَنْقوصاً فَحُكْمُهُ حَكْمُ ما تَقَدَّمَ نحو: يُعَيْلٍ تَصغيرُ يَعْلى، ويَرْمٍ اسْمُ رَجُلٍ، وعليْه قولُه: “ومَنْ يُعَيْلِيا”، وبعضُ العرب يُعْربُ “غواشٍ” ونحوَه بالحَرَكاتِ على الحَرْفِ الذي قبلَ الياءِ المَحْذوفةِ فيَقول: هؤلاءِ جَوارٌ.

قولُهُ: {وكذلك نجزي الظالمين} إعرابها مثل: وكذلك نَجزي المُجرمين من الآية السابقة. وقولُهُ: “الظالمين” يُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ مِنْ بابِ وُقوعِ الظاهرِ مَوقِعَ المُضْمَرِ. والمُرادُ بالظالمينَ المُجرمون، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونوا غيرَهم، وأنَّهم يُجْزَون كَجَزائهم. والجملةُ استئنافيَّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.

وقُرئ: {وَمن فوقهم غواشٌ} بِرَفعِ الشينِ، وهي كَقراءةِ عَبْدِ اللهِ في سورة الرحمن: {ولَهُ الجَوارُ} الآية: 24. برفعِ الراءِ.

مَحَلِّ نَصْبٍ حالاً مِنْ أَصْحابِ، والعامِلُ فيه الإشارةُ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 40


إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ

(40).

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها} أيْ: كَذَّبُوا بِدلائلِ التَوحيدِ، الدالَّةِ على أَصولِ الدّينِ القَويمِ وأَحْكامِ الشَرْعِ، كالأَدِلَّة على وجودِ الصانِعِ ـ سبحانَه ـ ووحدانيَّتِه، والدالَّةِ على النُبُوَّةِ والرسالةِ والمَعادِ ونحوِهِ، فلم يُصَدِّقوا بذلك كُلِّهِ، ولم يَتَّبِعوا رُسُلَنا، “وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها” أيْ: وتَكَبَّروا عَنِ الإيمانِ بِها والتصديقِ لها، وأَنِفوا عنِ اتَّباعِها والانقيادِ لَها، وأبوا العمَلَ بِمُقْتَضاها تعالياً واستكباراً، لأنَّ مقتضها الإذعان للهِ وأوامرِهِ، والتواضُعُ لخلقِهِ، فأبوا ذلك عُتُوّاً واستكباراً، لا سيما وأنَّ في المؤمنين، منْ هم من الفقراء والضعفاءِ، ومن بينهم مواليهم وعبيدُهُم، فكيفَ سيجالِسونَهم، وكيف يُخالطونهم، ويتواضعون لهم، وخفض الجناح للمؤمن من الواجبات التي جاء بها الشرعُ القويم.

قولُهُ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ} كَونُ السَّمَاءِ لَهَا أَبْوَاب ثابتٌ فيما ورد من السُنَّةِ المطهّرةِ، وَمِنْ ذلك حَدِيث الْمِعْرَاج. وَهُوَ ثَابت فِي الْكتب الصَّحِيحَة وَفِيه ذكر أَبْوَاب السَّمَاء على وَجه لَا يقبلُ التَّأْوِيلَ وَهُوَ أَمْرٌ مُمكنٌ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ المصدوقُ وقد تَفَتَّحت لَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم ـ أَبْوَابُها بالْقبُولِ، فَلَا حَاجَة إِلَى تَأْوِيله.وهي تُفَتَّحُ للأَعْمالِ الصَّالِحَة والأرواحِ الطّيبَة أيضاً، فقد أخرجَ ابْنُ جَريرٍ الطَبَرِيُّ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله: “لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء” يَعْنِي لَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْ عَمَلِهم شَيْءٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدٌ بْنُ حَميدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ “لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء” قَالَ: لَا تُفَتَّحُ لَهُم لِعَمَلٍ وَلَا دُعَاءٍ، وَأخَرَجَ عَبْدٌ بِنُ حَميدٍ، وَابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وَابْن أبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَن ابْن عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ فِي قَوْله: “لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء” قَالَ: عَيَّرَتها الْكفَّارُ إِنّ السَّمَاءَ لَا تُفَتَّحُ لأَرْواحِهم، وَهِيَ تُفَتَّحُ لأَرواحِ الْمُؤمنِينَ.

وَأَخْرَجَ أَحْمدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ ماجةَ، وَابْنُ جَريرٍ الطَبَرِيُّ، وَابْنُ حبَّانٍ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الْبَعْث) عَن أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذا كَانَ الرجلُ صَالِحاً قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبَةُ، كَانَت فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ. اخْرِجِي حَميدةً وأَبْشِري بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَربٍّ رَاضٍ غيرِ غَضْبَان، فَلَا يزَال يُقَالُ لَهَا ذَلِك حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة فَإِذا كَانَ الرجلُ السوءُ قَالَ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفسُ الخَبيثةُ، كَانَت فِي الْجَسَدِ الْخَبيث، اخْرُجِي ذَميمَةً وأَبْشِري بِحَميمٍ وغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزوَاجٌ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِك حَتَّى تَخْرُجَ، ثمَّ يُعْرَجُ بهَا إِلَى السَّمَاءِ فيُسْتَفْتَحُ لَهَا فَيُقَال: مَنْ هَذَا فَيُقَالُ: فلَانٌ، فَيُقَال: لَا مرْحَبًا بِالنَّفسِ الخَبيثَةِ ،كَانَت فِي الْجَسَدِ الْخَبيثِ، ارْجِعِي ذَميمَةً فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ، ثمَّ تَصيرُ إِلَى الْقَبْرِ، وَفِي صَحِيحِ، مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يَصْعَدَانِ بِهَا”. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَابْنُ أَبي شيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الْبَعْث) عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: تَخْرُجُ نفسُ الْمُؤمِنِ وَهِي أَطْيَبُ رِيحًاً مِنَ الْمِسْكِ فيَصْعَدُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الَّذين يَتَوَفَّوْنَها فَتَلقاهُمْ مَلَائِكَةٌ دونَ السَّمَاء فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا مَعكُمْ فَيَقُولُونَ: فلَانٌ ويَذْكُرونَهُ بِأَحْسَنِ عَمَلِهِ فَيَقُولُونَ: حيَّاكُمُ اللهُ وَحيَّا مَنْ مَعَكُمْ، فَتُفتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فيُصْعَدُ بِهِ مِنَ الْبَاب الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ عَمَلُهُ مِنْهُ، فيُشرِقُ وَجْهُهُ، فَيَأْتِي الربَّ ولِوَجْهِهِ بُرهَانٌ مِثلُ الشَّمْسِ. قَالَ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْرُجُ نَفسُهُ وَهِي أَنْتَنُ مِنَ الجيفَةِ فيَصْعَدُ بهَا الْمَلَائِكَةُ الَّذين يَتَوَفَّوْنَها، فَتَلقاهُمْ مَلَائِكَةٌ دونَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا فَيَقُولُونَ فلَانٌ ويَذْكُرونَهُ بأسْوَأ عَمَلِهِ فَيَقُولُونَ: رُدُّوهُ فَمَا ظَلَمَهُ اللهُ شَيْئًا فَيُرَدُّ إِلَى أَسْفَلَ الْأَرْضين، إِلَى الثَّرى. وَقَرَأَ أَبُو مُوسَى “وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط”.

وَأَخْرَجَ الطَّيَالِسِيّ وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وابْنُ السّريّ، وَابْنُ حَميدٍ وَأَبُو دَاوُودَ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، فِي كتابِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَنِ الْبَراءَ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَجَلَسْنَا حولَهُ وَكَأنَّ على رُؤوسِنا الطَّيرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ ينْكُثُ بِهِ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: اسْتَعيذوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ـ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ـ ثمَّ قَالَ: إنَّ العَبْدَ الْمُؤمِنَ إِذا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وإقبالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نًزًلً إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضَ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجوهَمُ الشَّمْسُ، مَعَهم أَكْفانٌ مِنْ كَفَنِ الْجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسُ عِنْدَ رَأسِهِ، فيقولُ: أَيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ. فَتَخْرُجُ تَسيلُ كَمَا تَسيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقاءِ ـ وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ غيرَ ذَلِك ـ فيَأْخُذَها، فَإِذا لم يَدَعُوها فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذوها، فيَجْعَلوها فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِك الحَنُوطِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وَجْهِ الأَرْضِ، فيَصعَدونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ على مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوْحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ: فلَانٌ بْنُ فلَانٍ ـ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمّونَه بهَا فِي الدُّنْيَا ـ حَتَّى يَنْتَهوا بهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فيَسْتَفْتِحونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُم، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبوها إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ: اكْتُبُوا كِتابَ عَبْدِي فِي عِلِّيينَ، وأَعيدوهُ إِلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهمْ، وفيهَا أُعيدُهم، وَمِنْهَا أُخْرِجُهم تَارَةً أُخْرَى، فتُعادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فيَأْتيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟. فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟. فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟. فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ اللهِ. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عَمَلُك؟. فَيَقُولُ: قَرَأتُ كتابَ اللهِ فآمَنْتُ بِهِ وصَدَّقْتُ. فيُنادي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فافْرشوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وأَلْبِسوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وافْتَحوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجنَّةِ فيَأْتيهِ مِنْ رَوْحِها وطِيبِها، ويُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، ويأتيهِ رَجُلٌ حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُول: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فوَجْهُكَ الْوَجْهُ، يَجِيءُ بِالْخَيرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهلِي وَمَالِي. قَالَ: وَإِن العَبْدَ الْكَافِرَ إِذا كَانَ فِي إِقْبالٍ مِنَ الْآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهم المُسوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجلِسَ عِنْدَ رَأسِهِ فَيَقُول: أَيَّتُها النَّفسُ الخَبيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ فَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فيَنْتَزِعُها كَمَا يُنْتَزَعُ السُفُودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فيَأْخُذُها فَإِذا أَخَذَهَا لم يَدَعوها فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَجْعَلوها فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جيفَةٍ وُجِدَتْ على وَجْهِ الأَرْضِ، فيَصَعدونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا على مَلإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبيثُ، فَيَقُولُونَ: فلَانٌ بْنُ فُلَانٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسمَّى بهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فيَسْتَفْتِحُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ. ثمَّ قَرَأَ رَسُول اللهِ ـ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تفتح لَهُم أَبْوَابُ السَّمَاء” فَيَقُولُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبوا كِتَابَهُ فِي سِجِّين فِي الأَرْضِ السُّفْلى فتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحاً ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمن يُشْرك بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ، أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ} سورةُ الْحَجِّ، الْآيَة: 31. فتُعادُ روحُه فِي جَسَدِهِ، ويأتيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟. فَيَقُولُ: هاهْ .. هاهْ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟. فَيَقُولُ: هاهْ .. هاهْ. لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرجلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟. فَيَقُولُ: هاهْ .. هاهْ. لَا أَدْرِي. فيُنادي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فأفْرِشوهُ مِنَ النَّارِ، وافْتَحوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فيَأتيهِ مِنْ حَرِّهَا وسُمُومِها، ويَضيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ، ويَأْتيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسوؤُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟. فوجهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. وَقِيلَ: الْمَصودُ أنَّهم لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ} الوُلوجُ: الدُخُولُ بِشِدَّةٍ، ولِذلكَ يُقالُ: هُو الدُّخولُ في مَضيقٍ فهُوَ أَخَصُّ مِنَ الدُخولِ. والوَليجَةُ: كُلُّ ما يَعْتَمِدُهُ الإِنسانُ، والوَليجَةُ: الداخلُ في قَوْمٍ لَيْسَ مِنْهم.

والجملُ هو البَعيرُ إذا بَزَلَ. أو بَلَغَ أَرْبَعَ سِنينَ، ويقال لَهُ: سليل أَوَّلَ ولادتِهِ ولمْ تُعْرَفْ ذُكوريَّتُهُ أوْ أُنوثَتُهُ، فإنْ كانَ ذَكَراً فهو سَقْبٌ، وإن كان أنْثى فهي حائلٌ، ثمَّ هُوَ حُوارٌ إلى الفِطامِ، وبعدَهُ فَصيلٌ إلى سَنَةٍ، وفي السنة الثانيةِ هو ابْنُ مَخاضٍ وهي بِنْتُ مَخاضٍ، وفي الثالثةِ هو ابْنُ لَبونٍ وهي بِنْتُ لَبون، وفي الرابعةِ هو حِقٌّ وهي حِقَّةٌ، وفي الخامِسَةِ هو جَذَعٌ وهي جَذَعَةٌ، وفي السادسةِ هو ثَنِيٌّ وهي ثَنِيَّةٌ، وفي السابعة رَباعٌ ورَباعِيَةٌ، وفي الثامِنَةِ يقال لهما “سَديس”، ذَكَراً وأنثى، وقيل: يقال للأنْثى “سَديسةٌ”، وفي التاسِعَةِ بازِلٌ وبازِلَةٌ، وفي العاشِرَةِ مُخْلِفٌ ومُخْلِفَةٌ، وليس بَعدَ البُزُولِ والإِخْلافِ سِنٌّ، بَلْ يُقالُ: بازِلٌ عامٌ أوْ عامين، ومُخْلِفُ عامٌ أوْ عامَيْن حتّى يَهْرَمَ فيُقالُ لَهُ فَوْدٌ.

وسَمُّ الخياطِ ثُقْبُ الإِبْرَةِ، وسينُه مُثَلَّثةٌ، فيقالُ: “سُمٌّ”، و”سَمٌّ” و”سِمٌّ” وكلُ ثُقْبٍ ضَيِّقٍ “سَمٌّ”. وقيلَ: كلُّ ثُقْبٍ في البَدَنِ، وقيلَ: كلُّ ثُقْبٍ في أَنْفٍ أو أُذُنٍ فهو سَمٌّ، وجَمْعُهُ سُمومٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ:

فَنَفَّسْتُ عن سَمَّيْهِ حتى تَنَفَّسَا ……… وقلت له لا تخش شيئاً ورائيا

والسُّمُّ: القاتلُ سُمِّيَ بِذَلكَ لِلُطْفِهِ وتَأْثيرِهِ في مَسامِّ البَدَنِ حتَّى يَصِلَ إلى القَلْبِ، وهوَ في الأَصْلِ مَصْدَرٌ، ثُمَّ أُريدَ بِهِ مَعْنى الفاعِلِ لِدُخُولِهِ باطِنَ البَدَنِ، وقدْ سَمَّهُ إذا أَدْخَلَهُ فيه، ومنْه “السَّامَّة” للخاصَّةِ الذين يَدْخُلونَ في بَواطِنِ الأُمورِ ومَسَامِّها. والسَّمومُ: الريحُ الحارَّةُ لأنَّها تُؤثِّرُ تَأثيرَ السُّمِّ القاتِلِ.

والخِياطُ، والمِخْيَطُ: الآلةُ التي يُخاطُ بِها على وزْنِ: “فِعالٍ”، و”مِفْعَلٍ”، كإزارٍ ومِئْزَرٍ، ولِحافٍ ومِلْحَفٍ، وقِناعٍ ومِقْنَعٍ.

وهو تَشْبيهٌ في غايةِ الحُسْنِ، وذلك أَنَّ الجَمَلَ أَعْظَمُ حَيَوانٍ عِنْدَ العَرَبِ وأَكْبَرُهُ جُثَّةً حتّى قال حسّان:

لا عيبَ بالقومِ مِنْ طُولٍ ومِنْ عِظَمٍ … جسمُ الجِمالِ وأحلامُ العَصافِيرِ

وقوله:

لقد كَبُر البعيرُ بغير لُبٍّ … . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وسُمُّ الإِبرةِ في غايةِ الضِيقِ، فلَمَّا كانَ المَثَلُ يُضْرَبُ بِعِظَمِ هَذا وكِبَرِهِ، وبِضيقِ ذاكَ حتّى قيلَ: أَضْيَقُ مِنْ خُرْتِ الإِبْرَةِ، ومِنْه الخِرِّيْتُ وهو البَصَيرُ بِمَضايِقِ الطُرُقِ، قيلَ: لا يَدْخلون الجَنَّةَ حتَّى يَتَقَحَّمَ أَعْظَمُ الأَشْياءِ وأَكْبَرُها عِنْدَ العَرَبِ في أَضْيَقِ الأَشْياءِ وأَصْغَرِها، فكأَنَّه قيلَ: لا يَدْخُلونَ حتّى يُوجَدَ هذا المُسْتَحيلُ، ومثلُهُ في المَعنى قولُ مَنْ بَقِيَ في جزيرةٍ بلا زادٍ فقالَ بطريقِ اليأس متمثِّلاً:

إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أَهْلِي …………. وصارَ القارُ كاللّبَنِ الحَليبِ

وَالْجَمَلُ لَا يَلِجُ فَلَا يَدْخُلُونَهَا الْبَتَّةَ. وَهَذَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُمْ. وَعَلَى هَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ أَنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا إِجْمَاعًا مِنَ الْأُمَّةِ؟ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَنَّ مُقَلِّدَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ لَيْسُوا فِي النَّارِ. قِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ كَافِرًا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْمُقَلِّدَ كَافِرٌ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّارِ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّ الْمُقَلِّدَ كَافِرٌ أَوْ غَيْرُ كَافِرٍ طَرِيقُهُ النَّظَرُ دُونَ التَّوْقِيفِ وَالْخَبَرِ.

قولُهُ: {وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين.

قولُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} إنَّ: حرفٌ مُشبَّهٌ بالفِعل ـ ناسخ ـ “الذين” اسْمٌ مَوصولٌ مَبْنيٌّ في مَحَلِّ نَصْبِ اسْمِ إِنَّ “كذّبوا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعة. والواوُ ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٍ. و”بآياتِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “كذّبوا”، و”نا” ضَميرٌ كتَّصلٌ في محلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْهِ. الجملةُ الاسميَّةُ من “إنَّ” واسمِها وخبرها، جملةٌ استئنافيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها منَ الإعْرابِ. وجُملَةُ “كذّبوا” صِلةُ الموصولِ “الذين” لا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُهُ: {واسْتكبروا عنها} “الواو” عاطفة، “استكبروا” مِثْل “كذبوا” “عن” حَرْفُ جَرٍّ، و”ها” ضَميرٌ متَّصِلٌ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بـ “استكبروا” بِتَضْمينِهِ مَعْنى تَرَفَّعوا. وهذه الجملةُ معطوفةٌ على جُمْلَةِ “كذَبوا” وهي لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ أيضاً.

قولُهُ: {لا تُفَتَّحُ لهم أبوابُ السماء} لا: حَرْفُ نَفْيٍ، “تُفَتَّحُ” فعلٌ مُضارِعٌ مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ، مَرْفوعٌ، “اللاّمُ” حَرْفُ جَرٍّ، و”هُمْ” الهاء: ضَميرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “تًفَتَّحُ”، “أبوابُ” نائبُ فاعِلٍ مَرْفوعٌ، “السماءِ” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ. وجملة “تفتح” في محلِّ رَفْعِ خَبَرِ إنَّ.

قولُهُ: {ولا يدخُلون الجنَّةَ حتّى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِياطِ} الواو: عاطفةٌ “لا” مِثلُ الأَوَّل، “يَدْخُلونَ” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ ثُبوتُ النونِ في آخره لأنَهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ رفعِ فاعلٍ، “الجنَّةَ” مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، “حتّى” حَرْفُ غايةٍ وجَرٍّ، “يَلِجَ” فعلٌ مُضارِعٌ مَنْصوبٌ بِـ “أَنّ” مُضْمَرَةٍ بعدَ حَتَّى، “الجمل” فاعِلٌ مَرْفوعٌ، “في” حرفُ جرٍّ، “سَمٍّ” اسمٌ مجرورٌ بحرف الجرِّ وهو مُضافٌ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقان بـ “يَلِجَ”، “الخياط” مضافٌ إليْهِ مَجرورٌ. والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ من “أنْ يَلِجَ الجَمَلُ” في مَحَلِّ جَرٍّ بـ “حتى” مُتَعَلِّقٌ بـ “يدخلون”. وجملة “يدخلون” في محلِّ رفعٍ عطفاً على جُمْلَةِ: “تفتح”. وجملةُ “يلجَ” صلةُ المَوصولِ الحَرْفي “أنْ” المضمَرِ بعد “حتى” لا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُهُ: {وكذلك نَجْزي المُجرمين} الواو: استئنافيَّةٌ، أوْ اعتراضيَّةٌ، والكاف: حَرْفُ جَرٍّ وتَشْبيهٍ، “ذا” اسْمُ إِشارةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ مَفْعولٍ مُطْلَقٍ عامِلُهُ “نَجزي” واللامُ: للبُعْدِ، والكافُ الثانيةُ: للخِطابِ، “نجزي” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ وعَلامَةُ رفعِهِ الضَمَّةُ المُقَدَّرَةُ على الياءِ، “المجرمين” مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الياء لأنَّهُ جمعُ مذكَّرٍ سالمٍ، والنونُ عِوَضاً عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ. وهذه الجملةُ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.

وقرأَ أبو عَمْرٍو: “لا تُفْتَحُ” : بضم التاءِ مِنْ فوق، وبالتخفيفِ. وقَرَأَ الأَخَوانِ حمزةُ والكِسائيُّ بالياءِ مِنْ تَحْت وبالتخفيفِ، وقرأ الباقونَ بالتأنيثِ والتَشْديدِ. فالتَأنيثُ والتَذْكيرُ باعْتِبارِ الجَمْعِ والجَماعَةِ، والتَخفيفُ والتَضْعيفُ باعْتِبارِ التَكْثيرِ وعَدَمِهِ، والتَضْعيفُ هُنا أَوْضَحُ لِكَثْرَةِ المُتَعَلِّقِ. وهو في هذِهِ القِراءاتِ مَبْنِيٌّ للمَفْعولِ. وقرَأَ أَبو حَيَوَةَ “تَفَتَّح” بِفَتْحِ التّاءِ مِنْ فَوق وبالتَضعيف، والأصل: لا تَتَفَتَّحُ بِتاءَيْنِ فحُذِفَتْ إحْداهُما، وقدْ تَقَدَّمَ في “تذكَّرون” ونحوِهِ، فـ “أَبْواب” على قِراءَةِ أَبي حَيْوَةَ فاعِلٌ، وعلى مَا تَقَدَّمَ مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُهُ. وقُرِئَ: “لا تَفْتَحُ” بالتاءِ ونَصْبِ “الأبواب” على أَنَّ الفِعْلَ للآياتِ، وبالياءِ على أَنَّ الفِعْلَ للهِ.

وقرأ عامَّةُ القرّاءِ:”الجَمَلُ”، وقَرَأَ ابْنُ عَبّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ في روايةِ ابْنِ حَوْشَب، ومُجاهِد، وابْنِ يَعْمُر، وأَبو مجلز، والشَعبيّ، ومالك بْنُ الشخير، وابنُ مُحَيْصِنٍ، وأَبو رَجاء، وأَبو رَزينٍ، وأَبانٌ عنْ عاصمٍ: “الجُمَّل” بِضَمِّ الجيمِ وفَتْحِ الميمِ مُشَدَّدَةً وهوَ القَلْسُ. والقَلْسُ: حَبْلٌ غَليظٌ يُجْمَعُ مِنْ حِبالٍ كَثيرةٍ فَيُفْتَلُ، وهو حبلُ السّفينةِ، وقيلَ: الحَبْلُ الذي يُصْعَدُ بِهِ إلى النَّخْلِ، ويُروى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قال: إنَّ اللهَ أَحْسَنُ تَشْبيهاً مِنْ أَنْ يُشَبِّهَ بالجَمَلِ. كأنَّه رأى ـ إنْ صَحَّ عنْه ذلك ـ أَنَّ المُناسِبَ لِسُمِّ الإِبْرَةِ شَيْءٌ يُناسِبُ الخَيْطَ المَسْلوكَ فيها. وقالَ الكِسائيُّ: الراوي ذَلك عنِ ابْنِ عبّاسٍ أَعْجَمِيٌّ فَشَدَّدَ الميمَ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ قولَ الكِسائيِّ بِكَثْرَةِ رُواتِها عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قراءةً. وهي قراءةٌ مَشْهورةٌ. ورَوى مُجاهد عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ضَمَّ الجِيمِ وفَتْحَ الميمِ خَفيفةً، وهي قراءةُ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادةَ وسالِمٍ الأَفْطَسِ.

وقرأ الضحَّاكُ والجحدَرِيُّ، وابْنُ عبَّاسٍ أيْضاً في روايةِ عَطاء: “الجُمُلُ” بِضَمِّ الجيمِ والميمِ مُخفَّفةً.

وقرأَ عِكْرِمَةُ وابْنُ جُبيْر، بِضَمِّ الجيمِ وسُكونِ الميمِ. وقرأ المُتَوَكِّلُ وأبو الجَوزاءِ بالفَتْحِ والسُّكونِ، وكُلُّها لُغاتٌ في القَلْسِ المَذْكورِ آنفاً.

وقرأَ عبدُ اللهِ وقَتادةُ وأبو رَزينٍ وطَلْجة وابنُ سيرين: “سُمّ” بِضَمِّ السين. وقرأ أبو عُمران الحوفِيُّ، وأبو نَهَيْكٍ، والأَصْمَعِيُّ عَنْ نافعٍ: سِمِّ بالكَسْرِ. وقدْ تَقَدَّمَ أَنَّها لُغاتٌ.

وقرأَ عبدُ اللهِ وأَبو رَزين وأَبو مِجلزٍ: المِخْيَطَ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكونِ الخاءِ وفتْح الياءِ. وقرأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ. وهذه القراءةُ مُخالِفَةٌ للسوادِ الأعظمِ من القراّءِ.

وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: “حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الْأَصْفَرُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ”. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ابنُ الْأَنْبَارِيُّ.

وقرأ حَمْزَةُ والكِسائيُّ: “لا يُفَتَّحُ” بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ عَلَى تَذْكِيرِ الْجَمْعِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيثِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا قَالَ: “مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ” فَأَنَّثَ. وَلَمَّا كَانَ التَّأْنِيثُ فِي الْأَبْوَابِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ جَازَ تَذْكِيرُ الْجَمْعِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْيَاءِ وَخَفَّفَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ التَّخْفِيفَ يَكُونُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالتَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَا غَيْرَ، وَالتَّشْدِيدُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ عَلَى الْكَثِيرِ أَدَلُّ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 39


وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
(39)
قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ} أي قالتِ الأممُ السابقةُ بعد أن سمعوا ردَّ اللهِ عليهم، للأممِ المتأخرةِ، الذين جاءوا مِنْ بعدِهم فَسَلَكوا سَبيلَ مَنْ مَضى قَبْلَهم، فأُولاهم هي المَتْبوعَةُ أَيْ هي السَّلَفُ، والثانيةُ الخَلَفُ، وهذِهِ مَعانٍ نِسْبِيَّةٍ، فَكُلُّ جِيلٍ يَكونُ طائفةً أُولى لِمَنْ يَليهِ، وتَكونُ أُخرى بالنِسْبَةِ لَه، وهَكذا تتعاقَبُ الأَجيالُ، وتَتَطارَحُ الأوزارَ، كلٌّ منها تَطرحُه على التي سبقتْها والكلُّ في ضَلالٍ مُبينٍ. أَوْ قالَ أَهْلُ الرِياسَةِ والزَّعامَةِ المَتْبوعين، للأتْباعِ المُسْتَضعفين، أَوْ قالَ المُشَرِّعونَ لأنْفُسِهم ما يشتهون، ممّا لمْ يأْذَنْ بِهِ اللهُ، ثمَّ تَبِعَهم غيرُهم في ضَلالِهم.
قولُه: {فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ} يُحْتَمَلُ: ماكان لَكم علَيْنا مِنْ فَضْلٍ في شَيْءٍ؛ فقدْ ضَلَلْتُم كما ضَلَلْنا، أيْ: لَم يَكُنْ لَنا عليْكُم فَضْلُ سُلْطانٍ، ولا كانَ مَعَنا حُجَجٌ وآياتٌ قَهَرْناكُم عَلَيْها، إنَّما دَعَوْناكم إلى ذَلِكَ فاسْتَجَبْتم لَنا، وقد كانَ بُعِثَ إليكمُ الرُسُلُ مَعَ حُجَجٍ وآياتٍ فلم تُجيبوهُم، وهُو كَما قالَ إبليسُ: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة إبراهيم، الآية: 22. فيقولُ هَؤُلَاءِ القادةُ للأتباعِ مثلَ قولِ الشَيْطانِ لِجُمْلَتِهم. وقيل: قولهُ: “فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ”، يَعني: في تَخفيفِ العذابِ. أيْ: نحنُ وأَنْتُمْ في العذابِ سَواءٌ، لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا مِنْ تَخفيفِ العَذابِ في شيءٍ. فـ “من” هُنا للاسْتِغْراقِ، أيْ ليسَ لَكُمْ عَلَيْنا أَيُّ فَضْلٍ يُخَفِّفُ العَذابَ، أوْ يُوجِبُ أَنْ يُشدَّدَ العَذَّابُ علينا؛ فأَنْتمْ ضَلَلْتُم كَما ضَلَلْنا، والعذابُ للضَلالِ والعِنادِ، أوْ الكُفْرِ، وقد شاركْتُمونا في ذلك، وإذا كُنَّا قدْ أَضْلَلناكم واتَّبَعْتُمونا في ضلالِنا، فقدْ أَضْلَلْتُم غَيرَكم، واتَّبَعوكم في ضَلالِكُمْ كَما اتَّبَعْتُمونا.
قولُهُ: {فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} بيانٌ لأَسْبابِ الحُكْمِ عَلَيْهِم، أيْ: فذوقوا العذابَ المضاعَفَ مِثْلَنا بِسَبَبِ ما اكْتَسَبْتُموهُ في الدُنيا مِن قَبائحَ ومُنكراتٍ، وقال “تَكْسِبون” ولم يقلْ تَكْتَسِبون، لأنَّ اكْتِسابَهم للسَيِّئاتِ صارَ بالنسبةِ لهم أَمْراً طَبيعيّاً ولَمْ يَعُدْ فيهِ افْتِعالٌ أبّداً. ثمَّ إنَّهم ما وَرَدوا هذا المَصيرَ الأَليمَ إلاَّ بِسَبَبِ ما اكْتَسَبوهُ مِنْ آثامٍ، واجْتَرَحوهُ مِنْ سَيِّئاتٍ. وليس ذلكَ تَجَنِّياً مِنَ اللهِ، ولا بِسُلْطَةِ القَهْرِ لِعِبادِهِ، ولكنْ بِعَدالَةِ الحُكْمِ؛ لأنَّ ذلك إنَّما حَدَثَ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ. والتذوق إنّما يَكونُ في الطُعومِ، لكنَّ الحَقَّ قد جَعَلَ كلَّ جارِحَةٍ فيهم تَذوقُ العَذابَ، فهو حين يُريدُ شُمولَ العَذابِ للجِسْمِ يَجْعَلُ لِكُلِّ عُضْوٍ في الجِسْمِ حَاسَّةَ الذَوْقِ كالّتي في اللِّسانَ، قالَ سُبحانَهُ: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} سورةُ النحل، الآية: 112. فكأن هذه الإذاقةَ صارت لباساً مِنَ الجُوعِ يَشْمَلُ الجَسَدَ كُلَّهُ، لأنَّ التذوُّقَ أَشَدُّ الإِدراكات تَاثيراً، واللباسُ أَشْمَلُ للجَسَدِ.
قولُهُ تعالى: { وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ} الواو: عاطفةٌ، و”قالت لأخراهم” مثل قالتْ لأولاهم في الآية السابقة، والجملة لا محلَّ لها لأنها معطوفة على جملة “قالت أخراهم لأولاهم” التي ليس لها محلٌّ مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ} الفاء: رَابِطَةٌ لِجوابِ شَرْطٍ مُقُدَّرٍ. وقيل هي عاطفةٌ، عطفت هذهِ الجُملةَ المَنْفيَّةَ على قولِهِ تعالى: “لكلٍ ضِعْفٌ”، و”ما” نافية، و”كان” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ من النواسخ ـ واللام: حرفُ جَرٍّ، والكاف: ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ جَرٍّ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لـ “كان” والميم: علامة جمع المذكر. و”على” حَرْفُ جَرٍّ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرٍّ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “فَضْلٍ” “من” حَرْفُ جَرٍّ زائدٍ للاستغراق، و”فضل” مَجْرورٌ لَفْظًا مَرْفوعٌ مَحلاًّ، على أنَّه اسم مؤخَّرٌ لـ “كان”. وجملة “ما كان” جوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتقدير: إنْ كُنتم ضالّينَ بِسَبَبِنا “فما كان”، وجملةُ الشَرْطِ المُقَدَّرَةِ معَ جَوابِها في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقولَ القَوْلِ.
قولُهُ: {فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} الفاء: لِرَبْطِ المُسَبَّبِ بالسَبَبِ “ذوقوا” فعلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على حذْفِ النونِ من آخره لأنَّه من الأفعال الخمسةِ، والواو: ضميرٌ متَّصل دالٌّ على الجماعةِ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، و”العذاب” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ بـ “ذوقو”، وعلامةُ نصبه الفتحةُ الظاهرةُ على آخره، و”بما” والباء: للسَبَبية حرفُ جَرٍّ، و”ما” حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ، والمَصْدَرُ المُؤُوَّلُ من “ما كنتم تكسبون” تقديرُهُ: “اكتسابِكم” في محلِّ جرٍّ بالباءِ، متعلّق بـ “ذوقوا”. وقيل أنَّ “ما” هنا اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي، والعائدُ مَحذوفٌ، والتقديرُ: تكسبونَهُ. و”كنتم” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ناسِخٌ، والتاء: اسْمُهُ والميم للمذكَّر، و”تكسبون” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ، وعلامة رفعِهِ ثبوتُ النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعل. وجُملةُ “ذوقوا” في محلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُملةِ مقولِ القولِ “ماكانَ”. جملةُ “كنتم تكسبون” صلةُ الموصولِ الحَرْفي “ما” لا مَحلَّ لَها من الإعرابِ. وجملةُ “تكسبون” في مَحلِّ نَصْبٍ خبراً لـ “كنتم”.

 
 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.