فيض العليم …. سورة يونس الآية:20


وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
(20)
قولُهُ تعالى شأنُه: {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} يُريدونَ آيةً أُخْرى، أَيْ: معجزةً أخرى غيرَ مُعْجِزَةِ القُرآنِ الكَريم، والقائلونَ هُمْ كُفّارُ مَكَّةَ، الذين قالوا: لَوْلاَ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ آيَةٌ، مِِنْ رَبِّهِ، كَمَا أُعْطِيَ المُرْسَلُونَ مِنْ قَبْلِهِ، كَأَنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً، أَو يُعيدَ الحياةَ إلى آبائهم، أَوْ يُزِيحَ عَنْهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ، وَيَجْعَلَ مَكَانَهَا بَسَاتِينَ وَأَنْهَاراً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلاّ اللهُ سبحانَهُ، لتَكونَ شاهدةً له بالنبوَّةِ. وإنَّما طَلَبوا هذه المطالبَ على سَبيلِ العِنادِ والتَعَنُّتِ وليس علىَ سَبيلِ الاسْتِرْشادِ والاهْتداءِ والثبت، ولوا أنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أُوتيَ كلَّ ما طَلَبوهُ ما آمنوا، بدليلِ آية الإسراءِ والمعراج وما كان فيها من آياتٍ باهراتٍ لم يؤتَ مثلها نبيٌّ منْ قبل، وبدليل آيَةِ انشقاق القمرِ إلى نصفين، رأوا ذلك بأمِّ أعينهم، وهي أيضاً أعظم مما أوتيه جميع الأنبياء ـ عليهِمُ السلامُ، والقرآنُ حافلٌ بالمعجزاتِ والمغيباتِ الأخرى، كانتصار الروم على الفرس التي أخبرَ عنها وعَنْ وقتها. فلقرآنُ هو المعجزةُ الأعظمُ وهو خالدٌ على مرِّ الأيامِ وكَرِّ الدهورِ لو كانَ الحقُّ مرادَهم، قالَ تعالى في سورة العنكبوت: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الآية:51. ومَعَ ذلك كلِّه، فقد ظَلُّوا على عِنَادِهم، وتَشَبَثوا بِكُفْرِهم، قال تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ} الآية: 111.
قولُهُ: {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ الغَيْبَ وَالعَوَاقِبَ فِي الأُمُورِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَرَوا مَا سَأَلْتُمْ، فَانْتَظِرُوا حُكْمَ اللهِ فِيَّ وَفِيكُمْ. وَلَوْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اسْتِرْشَاداً وَتَثْبِيتاً لأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْأَلُونَ عِنَاداُ، فَلَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَا طَلَبُوهُ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ، كَمَا أَهْلَكَ مَنْ كَذَّبَ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ تَعَالَى لاَ يُرِيدُ إِهْلاَكَهُمْ لأَمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ. وهو أَمْرٌ مِنَ اللهِ تعالى لِرَسُولِهِ ـ صلى الله عليه وسلم، بَأَنْ يَرُدَّ عليهم بما يُفْحِمُهم. وفيها تهديدٌ لهم على تَعَنُّتِهم وجَهْلِهم، وتهوينِهم مِنْ شَأْنِ القُرآنِ الكَريمِ، مَعَ أَنَّهُ أَصْدَقُ مُعْجزَةٍ للرَسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأَعْظَمُها.
قولُهُ تعالى: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} حرف تحضيضٍ، وشأنُ التَحضيضِ أَنْ يُواجَهَ بِه المحَضَّضَ لأنَّ التَحضيضَ مِنَ الطَلَبِ، وشأنُ الطلبِ أَنْ يُواجَهَ بِهِ المَطلوبُ، ولِذلِكَ كانَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الإنْزالِ بِضميرِ الغائبِ في هذِه الآيةِ مؤوَّلاً بأَحَدِ وَجهين:
إمَّا أَنْ يَكونَ الْتِفاتاً، وأَصْلُ الكَلامِ: لولا أُنزِلَ عَليكَ وهو مِنْ حِكايَةِ القَوْلِ بالمعنى كَقَوْلِهِ تَعالى في سورة إبراهيم: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} الآية: 31. أيْ: قل لهم أقيموا، ونكتة ذلك نكتة الالْتِفاتِ لَتَجديدِ نَشاطِ السامِعِ.
وإمَّا أَنْ يَكونَ هذا القَوْلُ صَدَرَ مِنْهم فيما بَيْنَهم لِيُبَيَّنِ بعضُهم لِبَعْضٍ شُبْهَةً على انْتِفاءِ رِسالَةِ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، أَوْ صَدَرَ منهم للمُسلمين طمعاً في أَنْ يَرُدّوهم إلى الكُفْرِ. و “من ربه” الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل “آية”.
قوله: {فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ للهِ} اللامُ للاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ دونَ التَكْوينيِّ فإنَّ الغَيْبَ والشهادةَ في ذلك الاخْتِصاصِ سِيَّانِ. وقد جاء بفاء التفريع هنا دون بعض نظائره للإشارة إلى تعقيب كلامهم بالجواب شأن المتمكن من حاله المتثبت في أمره. واللامُ في قولِهِ: “لله” للمُلْكِ، أَيْ: الأُمورُ المُغَيَّبَةُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلاَّ اللهُ. وجاءَ الكلامُ بِصيغَةِ القَصْرِ “إنَّما” للرَدِّ عليهم في اعْتِقادِهم أَنَ في مُكْنَةِ الرَسُولِ الحقِّ أَنْ يَأْتيَ بما يَسْأَلُهُ قومُهُ مِنَ الخَوارِقِ، فجَعَلوا عَدَمَ وُقوعِ مُقْتَرَحِهم علامةً على أَنَّهُ ليسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللهِ، فَلِذلكَ رَدَّ عَلَيْهِم بِصِيغَةِ القَصْرِ الدالَّةِ عَلى أَنَّ الرَّسولَ ليسَ لَهُ تَصَرَّفٌ في إيقاعِ ما سَأَلوهُ. وجملةُ “فقل” مُسْتَأْنَفَةٌ.
قولُهُ: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} تَفْريعٌ على قولِهِ: {إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ} أيْ: ليسَ دَأْبي ودَأْبُكم إلاَّ انْتِظارُ ما يَأْتي بِهِ اللهُ. وجملة “فانتظروا” مُسْتَأْنَفَةٌ، وكذلك جملةُ التَأكيد “إني من المنتظرين”. والظرف “معكم” مُتَعَلِّقٌ بالمُنْتَظرينَ، والجار في “من المنتظرين” مُتَعَلِّقٌ بخبر “إنّ”.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 19


وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
(19)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} يُبَيِّنُ ـ تَبارَكَ وتَعالى، أَنَّ التَوحيدَ مِلَّةٌ واحدةٌ مِنْذُ القديمِ أَجمعتْ عليْهِ الأُمَّمُ قاطِبةً، فِطْرَةً وتَشْريعاً. وذلكَ مِنْ عهدِ آدَمَ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ، إلى أَنْ قَتَلَ قابيلُ هابِيلَ، وقيل: إلى زَمَنِ إِدْريسَ ـ عَليهِ السَّلام، وقيل: إلى زَمَنِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، حينَ لم يَذَرِ اللهُ مِنَ الكافرينَ على الأرضِ دَيّاراً بالطوفانِ، وكانوا عَشَرَةَ قُرونٍ، إلى أَنْ ظَهَرَ الكُفْرُ فيما بَيْنَهم، وقيل: مِنْ لَدُنْ إبْراهيمَ الخليلِ ـ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ، إلى أَنْ أَظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لَحي عبادةَ الأَصْنامِ. وعَنِ الكَلْبيِّ أَنَّ مَعنى كونهم أُمَّةً واحدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ، وذلكَ في زَمَنِ إبْراهيمَ ـ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلاَّ أَنَّهُ قالَ: كانوا كذلك مِنْ لَدُنْ وَفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثمَّ آمَنَ مَنْ آمَنَ، وبَقِيَ مَنْ بَقِيَ عَلى الكُفْرِ. فإنَّ الشِرْكَ وما يتفَرَّعُ عنهُ إنّما هو أَمْرٌ طارئٌ على هذه الجماعاتِ وشاذٌّ عنها، وإنَّما هِيَ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافاً للعامَّةِ، وشَقّاً لِعَصا جماعتِهم.
و “الناس” هو اسْمُ جمعٍ للبَشَرِ وتَعريفُهُ للاستغراق. والأمة: الجماعةُ العظيمةُ التي لها حالٌ واحدٌ في شيءٍ مَّا. والمُرادُ هُنا أُمَّةٌ واحدةٌ في الدين. والسِياق يَدُلُّ على أنَّ المرادَ أنها واحدةٌ في الدين الحقِّ، وهو التوحيدُ لأنَّ الحقَّ هو الذي يمكنُ اتِّفاقُ البَشَرِ عَلَيْهِ لأنَّه ناشئٌ عنْ سلامَةِ الاعْتِقادِ مِنَ الضَلال والتحريف. والإنسانُ لما أُنْشِئَ على فِطرةٍ كاملةٍ بعيدةٍ عن التكلُّفِ. ومِنَ المستحيلِ أَنْ تحمِلَ النَّاسَ عَلى الاتِّفاقِ على منهجٍ واحدٍ في الحياةِ، وقناعاتٍ واحدة.
وقيلَ إنَّ المُرادَ بالنَّاسِ العَرَبُ خاصَّةً وهُوَ يناسِبُ إيرادَ هذه الآيَةِ الكريمةِ لأنهم كانوا موضوع الآيةِ السابقة، وجوّزَ ذلك قرينةُ الخطاب. ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ كان هُوَ وأَبناؤهُ وذُريَّتُهم على الحنيفيَّةِ والتوحيدِ، كما قالَ تَعالى في سورة الزخرف: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الآيات: 26 ـ 28، أي في عقبه من العرب، فيكون التعريف للعهد.
قولُهُ: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} بِتَأْخيرِ القَضَاءِ بَيْنَهم، والحلمِ عليهم، وإمهالهم إفساحاً في المجالِ لهم ليتوبوا إلى اللهِ مولاهم الحقِّ، أَوْ بِتَأْخيرِ العَذَابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فإنَّهُ يومُ الفصل، حيث يفصلُ سبحانه بين الفريقين ويقضي بين المتخاصمين ويجازي كلاًّ بما قدَّمَ، إنْ خيراً فخيرٍ أو شرّاً فشرٌّ. فلولا أَنَّ اللهَ أرادَ إمهالَ البشرِ إلى يومِ الجزاءِ لأراهم وجهَ الفَصْلِ في اخْتِلافِهم باستئصالِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقّ. وهذه الكلمة أُجمِلَتْ هُنا، وجاءت في سورة الشورى بشيءٍ من التفصيلِ فقال: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} الآية: 14. والأجل هنا: هو أجل بقاء الأمم، وذلك عند انقراض العالم، فالقضاءُ بينهم إذاً مؤخَّرٌ إلى يوم الحساب. وفَصَّلَ بأكثر من ذلك في بيانِ معنى: “الكلمة” فقال في سورة هود: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} الآية: 118.
قولُهُ: {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بتمييز الحقِّ من الباطل بإبقاء الحقِّ وإهلاكِ المبطلين بِأَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهم آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعَ الحَق ِّورَفْعِ الاخْتِلافِ، وصيغةُ الاسْتِقْبالِ لحكايَةِ الحالِ الماضيةِ وللدَّلالَةِ على الاسْتِمْرارِ.
قولُه تعالى: {وما كان الناسُ إلاًّ أُمَّةً} كان واسمُها وخبرُها ، و “إلاّ” أداةُ قصرٍ، وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحكم العمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى، إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبت ونفي عما عداه، فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار. وقد حَسَّنَ القصرَ هنا وقوعُه عَقِبَ الجِدالِ مَعَ الذينَ غَيَّروا الدين الحقَّ وروّجوا نِحْلَتَهم بالمعاذير الباطلة كقولهم: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} الآية: 18 والجملةُ معترضةٌ بين المتعاطفين: “يقولون” في الآية (18) و”يقولون” في الآية (20). ومناسبة الاعتراضِ قولُه: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ} لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها في أول النشأة، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله: {أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} الآية: 18.
قولُه: {ولولا كلمةٌ} لولا: حرفُ امتناعٍ لوُجودٍ، و “كلمة” مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُهُ موجودٌ، وهذه الجملة معطوفةٌ على جملة “ما كان”، وجملةُ “سبقت” نَعْتٌ ل “كلمة”.
قولُهُ: {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} تقدمَ المجرورُ “فيه” للرعاية على الفاصلة.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 18


وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
(18)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ} وهذه جِنايةٌ أُخْرى مِنْ جِناياتهم، نَشَأَتْ عنها جِنايَتُهم الأُولى، وهي معطوفةٌ على قولِهِ تَعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ } الآية، عَطْفَ قِصَّةٍ على قِصَّةٍ، وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً غَيْرَ اللهِ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ أَصْنَامٌ مِنْ حِجَارَةٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ. أَيْ: ما لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الضَرُّ والنَفْعُ مِنَ الأَصْنامِ التي هي جماداتٌ، وقيلَ المعنى: أنّّهم لا يَنْتفِعون إنهم عَبَدوها، ولا يَضُرُّهم تَرْكُ عِبادَتَها. وتقديمُ نَفْيِ الضَرَرِ لأنَّ أَدْنى أَسبابِ العِبادَةِ دَفْعُ الضَرَرِ الذي هُوَ أَوَّلُ المَنَافِعِ، فحيثُ لم تَقْدِرِ الأَصْنامُ على دفعِ الضَرَرِ لم يُوجَدْ سَبَبٌ لِعبادَتها.
قولُهُ: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا لِتَكُونَ شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، قيلَ: إنهم كانوا يَعْتَقِدونَ أَنَّ المُتَوليَ لِكُلِّ إِقليمٍ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أَرْواحِ الأَفْلاكِ، ثمَّ اعْتَقَدوا أَنَّ ذلكَ الروحَ إنّما يَكونُ عِنْدَ الإلَهِ الأَعْظمِ مُشْتَغِلاً بِعبودِيَّتِهِ، فَعَيَّنُوا لِذلِكَ الرُّوحِ صَنَماً مُعَيَّناً مِنَ الأَصْنامِ، واشْتَغَلوا بعبادَتِهِ، ومعبُودُهم على الحقيقةِ ذلِكَ الرُّوحُ. وقيلَ: إنَّهم كانوا يَعبُدونَ الكواكِبَ، فاتَّخذوا لها أَصْناماً، واشتغلوا بعبادتها قَصْداً إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ.
ولم تَكنِ العَرَبُ تعبُدُ صنماً واحداً، فقدَ كانَ أَهْلُ الطائفِ يَعبُدونَ اللاتَ، وأَهْلُ مَكَّةَ يَعبُدون العُزّى ومَناةَ وهُبَلَ وإسافاً ونائلةً، وَيَقُولُونَ: “هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ اللهِ” وتقدَّمَ أنَّ النَضْرَ بنَ الحارِثِ كان يقولُ: إذا كانَ يَومُ القيامَةِ يَشْفَعُ لي اللاَّتُ.
وقيلَ: إنهم وَضَعُوا طَلْسَماتٍ مُعَيَّنَةً على تِلْك الأَصْنام ثمَّ تَقَرَّبوا إليها، وقيل: إنَّهم وَضَعُوا هَذِهِ الأَصْنامَ على صُوَرِ أَنْبِيائِهم وأَكابِرِهم، وزَعَموا أَنَّهم مَتى اشْتَغَلوا بِعِبادَةِ هذِهِ التَمَاثيلِ، فإنَّ أُولئكَ الأَكابرَ يَشْفَعون لهم عِنْدَ اللهِ تعالى، فالحمدُ لله الذي كرّمَ عقولنا وأكرمنا بعبادته.
قولُهُ: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} يُقال: أنبأ ونبَّأ ك أخبرَ وخبَّر. فاسْأَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ تُخْبِرُونَ اللهَ بِشَرِيكٍ لَهُ لاَ يَعْلَمُ اللهُ لَهُ وُجُوداً فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ، وَفِي الأَرْضِ مِنْ خَوَاصِّ خَلْقِه؟ وفيهِ تقريعٌ لهم، وتهكّمٌ بهم وبما يَدَّعونَهُ مِنَ المُحالِ الذي لا إمْكانِ لوجودِهِ أَصْلاً، وَلَوْ أنّه كَانَ لَهُ شُفَعَاءَ يَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَهُ، لَكَانَ هُوَ الأَعْلَمُ بِهِمْ مِنْكُمْ، وذَكَرَ “السَّمَاواتِ” لأنَّهُ كانَ في العَرَبِ مَنْ يَعْبُدُ الملائكةَ، ومِنْهمْ مَنْ يَعْبُدُ كَوْكَبَ الشِعْرى، ومنهم الحنفيَّةُ الذين كانوا على دين الخليلِ عليه السَّلامُ، وهم قلَّةٌ.
قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} سُبْحَانَهُ: أي تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ اسْمُهُ تَعَالَى. إِذْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، فقد نَزَّهَ اللهُ تَعَالَى ذاتَهُ المُقدَّسَةَ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ.
قولُهُ تعالى: {ويعبدون مِنْ دُونِ اللهِ} هذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ “يعبدون” ومحلُّه النَّصْبُ على الحاليَّةِ مِنْ فاعِلِهِ، أي: مُتَجاوِزينَ اللهَ سُبْحانَهُ، لا بمعنى تَرْكِ عِبادتِه بالكُلِّيَّةِ، بَلْ بمعنى عَدَمِ الاكْتِفاءِ بها وجَعْلِها قَريناً لِعِبادَةِ الأَصْنَامِ كما يُفْصِحُ عَنْهُ سِياقُ النَظْمِ الكَريم.
قولُهُ: {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} ما: موصولة، أو نكرةٌ موصوفةٌ وهي واقعةٌ على الأصنام، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله: “مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ” ومعناها فجَمَعَ في قوله: “هؤلاء شفعاؤنا”.
قوله: {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} ما: كسابقتها أي: موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة. وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف، أي: يعلمه. والفاعل هو ضمير الباري تعالى، والمعنى: أتنبِّئوون الله بالذي لا يعلمه الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً استحالَ وُجودُ ذلك الشيء، لأنه تعالى لا يَعْزُب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، ف “ما” عبارة عن الشفاعة. والمعنى: أَنَّ الشفاعةَ لو كانَتْ لَعَلِمَهَا الباري تعالى الذي إنّما يَتَشَّفَعُ الشفعاءُ عندَهُ لمن يريدون التَشَفُّعَ لهم.
وقوله: {فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} تأكيدٌ لنفيه، لأنَّ كل موجود لا يَخْرج عنهما. ويجوزُ أن تكونَ “ما” عبارةً عن الأصنام. وفاعل “يعلمُ” ضميرٌ عائد عليها. والمعنى: أَتُعَلِّمون اللهَ بالأصنامِ التي لا تَعْلَم شيئاً في السموات ولا في الأرض، وإذا ثَبَتَ أنها لا تعلم فكيف تشفع؟ والشافع لا بد وأن يعرفَ المشفوعَ عنده، والمشفوعَ له، هكذا أعربه الشيخ، فجعل “ما” عبارة عن الأصنام لا عن الشفاعة، والأول أظهر. و “ما” في “عَمَّا يشركون” يُحتمل أن تكونَ بمعنى الذي، أي: عن شركائهم الذي يُشْركونهم به في العبادة. أو مصدريةٌ، أي: عن إشراكهم به غيرَه.
وأتى هنا ب “يُشْركون” مُضارعاً دون الماضي تنبيهاً على استمرار حالِهم كما جاؤوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي.
قرأ العامةُ: {أَتُنَبِّئُونَ}، بتشديدِ الباءِ، وقرأَ بَعْضُهم: “أتُنْبِئون” بتخفيفِها مِنْ أَنْبأَ، يُنبئُ.
وقرأ العامَّةُ: {عَمَّا يُشْركون} بالغيبةِ هنا وفي موضعين من سورة النحل، الأوَّلُ قولُهُ تعالى: {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الملائكة} الآية: 1، والثاني قولُهُ تعالى: {بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية: 3. وقولَه في سورة الروم: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية: 40. قرؤوا بالغَيْبة في الجميع. وقرأَ ابْنُ كَثيرٍ ونافِع هُنا وفي النملِ فَقَط “تشركون” بالتاءِ على مخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقرَأَ الأَخَوانِ (حمزةُ والكسائي) وأبو عبد الرحمن بالخطاب فيها جميعاً. والقراءتان واضِحتان، الغيبةِ والخطابِ.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 17


فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
(17)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا} لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً، وَلاَ أَشَدُّ إِجْرَاماً مِنْ رَجُلٍ تَقَوَّلَ عَلَى اللهِ، وَكَذَبَ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَرْكيبِ مُفيداً لإنْكارِ أَنْ يَكونَ أَحَدٌ أَظْلَمُ مِنْهُ مِنْ غَيرِ تَعَرُّضٍ لإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها، فإنَّهُ إذا قِيلَ: مَنْ أَفْضَلُ مِنْ فُلانٍ، أَوْ لا أَعْلَمَ مِنْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ حَتْماً أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ فاضِلٍ وأَعْلَمُ مِنْ كُلِّ عالمٍ، وزِيادةُ قَوْلِهِ تعالى: “كَذِبًا” مَعَ أَنَّ الافْتِراءَ لا يَكونُ إلاَّ كَذلكَ للإيذانِ بِأَنَّ مَا أَضافوهُ إليْهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، ضِمْناً وحمَلوهُ عليْهِ صَريحاً مَعَ كونِهِ افْتِراءً عَلى اللهِ تَعالى، هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّ افْتِراءٍ يَكونُ كَذِبُهُ في الإسْنَادِ فَقَط، كما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، وهذا للمُبالَغَةِ مِنْهُ ـ صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، في التَفادي عمّا ذُكِرَ مِنَ الافْتِراءِ على اللهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى. وذلك أنَّه لما قامَتِ الحُجَّة على آيات اللهِ بما لا قِبَلَ لهم بالتَنَصُّلِ مِنْهُ أُعْقِبَتْ بالتَفْريعِ عَلى افْتِرائهِمُ الكَذِبَ، وذلك ممَّا عُرِفَ مِنْ أَحْوالهم، كاتخاذِهِمُ الشُرَكاءَ لَهُ ـ سبحانَه وتعالى، كما أَشارَ إلَيْهِ قولُهُ مِنْ قَبْلُ: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} الآية: 13. من هذه السورةِ، أَيْ: أَشْرَكوا.
قولُهُ: {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} وَلاَ أَظْلَمَ مِنْ رَجُلٍ كَفَرَ بِاللهِ، وَكَذَّبَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ، وهذا تَظْليمٌ للمُشْرِكينَ بِتَكْذيبِهم للقُرآنِ وحمْلِهم عَلى أَنَّهُ مِنْ جِهَتِهِ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَلا مجالَ لحَمْلِ الافْتِراءِ باتخاذِ الوَلَدِ والشَريكِ، أَيْ: وإذا كانَ الأَمْرُ كَذلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَليْهِ تَعالى بِأَنْ يَخْتَلِقَ كلاماً فَيَقول: هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ، أَوْ يُبَدِّلَ بَعْضَ آياتِهِ بِبَعْضٍ، كما تَجَوَّزونَ ذَلكَ في شَأْني، وكذلك مَنْ كَذَّبَ بآياتِهِ تَعالى، كما تَفْعلونَهُ فهو أَظْلَمُ مِنْ كُلِّ ظالمٍ.
فلمّا أقامَ الحُجَّةَ عليهم بأنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وأَنَّهُ ما يَكونُ لَهُ أَنْ يَأتيَ بِهِ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّ المُفْتَري عَلى اللهِ كَذِباً والمُكَذَّبَ بآياتِهِ كلاهما أَظْلَمُ الناس.
قولُه: {إِنَّهُ لا يفلحُ المجرمون} وَلاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ الذِينَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا كَافِرِينَ. أيْ: لا يَنْجُونَ مِنْ محذورٍ، ولا يَظْفَرونَ بمرغوبٍ، والمُرادُ جِنْسُ المجرمينَ فيَنْدَرِجُ فيهِ المُفْتري والمُكَذِّبُ انْدِراجاً أَوَّلِيّاً.
والآيةُ مُرْتَبِطَةٌ بما قبلَها عَلى أَنَّ المَقصودَ مِنْها تَفاديهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، ممّا لوَّحُوا بِهِ مِنْ نِسْبَةِ الافْتِراءِ على اللهِ سُبْحانَهُ، إليه ـ صلى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، وحاشاهُ. وفيها تَظْليمٌ للمُشرِكينَ بِتَكْذيبِهم للقُرآنِ وكُفْرِهم بِهِ.
ومما جاءَ في سَبَبِ نُزولِ هَذهِ الآيَةِ الكَريمَةِ، ما أخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ النَّضْرُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: “وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى، فَأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: “فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ”.
وأَخرجَ أيضاً عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا خَلَفٍ الأَعْمَى قَالَ: “كَانَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْوَحْيَ فَأَتَى أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ سَرْحٍ كَيْفَ كَتَبْتَ لابْنِ أَبِي كَبْشَةَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كَيْفَ شِئْتُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: “وَمَنْ أَظْلِمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ .. “.
قولُهُ تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} اسْتِفهامٌ إنكارِيٌّ مَعْناهُ الجَحْدُ أَيْ: لا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْه، على مَعْنى أَنَّهُ أَظْلَمُ مِنْ كُلِّ ظالم. والفاءُ للترتيب، رَتَّبَتِ الكلامَ عَلى ما سَبَقَ مِنْ بَيانِ كَوْنِ القرآنِ بمشيئتِهِ تَعالى وأَمْرِه.
قولُهُ: {أو كذَّب بآياته} أو: للتقسيم، فهو إمَّا يَقْسِمُ أَحوالاً، وإمَّا يَقْسِمُ أَنْواعاً.
قولُه: {إِنَّهُ لا يفلحُ المجرمون} الضَميرُ في “إنَّ” للشَأْنِ وَقَعَ اسماً ل “إن” والخبرُ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الجُمْلَةِ، ومدارُ وَضْعِهِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، وفائدةُ تَصديرِ هذه الجُملةِ بِضمير الشأنِ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها، وقد أُكِّدت الجملةُ بحرفِ التأكيدِ “إنَّ” لِشُمولِ عُمومِ المجرمين المخاطَبين لأنهم يُنْكرونَ أَنْ يَكونوا مِنَ المجرمين.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 16


قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
(16)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} خطابٌ جديد للرسولِ ـ عليْهِ الصلاةُ والسلامُ، في الردِّ على المشركين ودفع شُبهاتهم وإقامةِ الحجَّةِ عليهم، قُلْ لَهُمْ أيها النبيُّ: إِنَّنِي إِنَّمَا جِئْتُكُمْ بِهَذا القُرْآنِ بِإِذِنِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَوُ شَاءَ اللهُ أَنْ لاَ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ مَا تَلَوْتُهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لاَ يُعْلِمَكُمْ بِهِ بِإِرْسَالِي إِلَيْكُمْ، لَمَا أَرْسَلَنِي، وهوَ جَوابٌ عَنْ لازِمِ اقْتِراحِهم عَلى الرَّسولِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، تَبْديلَ القُرْآنِ واتهامِهم لَهُ بالكَذِبِ فيما ادَّعى عَنِ اللهِ تعالى مِنْ إرْسالِهِ، وإنْزالِ القُرآنِ الكريمِ على قلبه الشريف، كما تَقَدَّمَ في الجوابِ قَبْلَهُ. ولكونِهِ جواباً مُسْتَقِلاً عَنْ معنىً قَصَدوهُ مِنْ كلامِهمْ، جاءَ الأَمْرُ بِهِ مَفْصولاً عَنِ الأَوَّلِ غيرَ مَعْطوفٍ عَلَيْهِ تَنْبيهاً عَلَى اسْتِقْلالِهِ، وأَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْمِلَةٍ للجَوابِ الأَوَّلِ. وفي هذا الجَوابِ اسْتِدْلالٌ على أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وأَنَّهُ لم يَخْتَلِقِ القُرآنَ مِنْ عِنْدِهِ، بِدليلٍ حوى في مَطاوِيهِ أَدِلَّةً، وقد قام فيه الدليلُ على إثباتِ المطلوبِ بانتفاءِ نقيضِهِ، فقولُهُ: “لو شاء الله ما تلوته” معناهُ لوْ شاءَ اللهُ أَنْ لا أَتْلوَهُ عَلَيْكم ما تَلَوْتُهُ. فإنَّ فِعْلَ المَشيئَةِ يَكْثُرُ حَذْفُ مَفْعولِهِ في جملَةِ الشَرْطِ لِدَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بَني الاسْتِدْلالَ على عَدَمِ مَشيئَةِ اللهِ تعالى نَفْيَ تِلاوتِهِ لأن َّذلك مُدَّعى الكُفارِ لِزَعْمِهم أَنَّه لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فكانَ الاسْتِدْلالُ إبْطالاً لِدَعْواهم ابْتِداءً، وإثْباتاً لِدَعْواهُ مآلاً. وهذا الجمعُ بَينَ الأَمْرَيْنِ مِنْ بَديعِ الاسْتِدْلالِ، أَيْ لَوْ شاءَ اللهُ أَنْ لا آتيكُمْ بهذا القُرآنَ لما أَرْسَلَني بِهِ ولَبَقيتُ على الحالَةِ التي كُنْتُ عَلَيْها مِنْ أَوَّلِ عُمْري وحتى بعثتي وهي ليست بالقليلةِ إنها أربعون عاماً.
والدليلُ الثاني هوَ مُقْتَضى جَوابِ “لَوْ”، فإنَّ جوابَها يَقْتَضي اسْتِدْراكاً مُطَّرِداً في المعنى، بِأَنْ يُثْبِتَ نَقيضَ الجَوابِ، فقد يُسْتَغنى عَنْ ذِكْرِهِ، وقدْ يُذْكَرُ، كَقول أبَيِّ بْنِ سُلْمِي بْنِ رَبيعةَ:
فلو طَار ذو حافر قبلها …………………… لطارت ولكنه لم يطر
فإنَّ تقديره: لو شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ لكنّني تَلَوْتُهُ عَليكم. وهذا دَليلُ الرِّسالَةِ لأنَّ تِلاوَتَهُ تَتَضَمَّنُ إعْجازَهُ عِلْميّاً إذْ جَاءَ بِهِ مَنْ لم يَكُنْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ الذين دَرَسوا ذلك وتَعلموه، وقد جاءَ كلامُهُ مُعْجِزاً لأهلِ اللُّغَةِ كُلِّهم مَعَ تَضافُرِهم في بَلاغَتِهم على تَفاوُتِ مَراتِبِهم، وليس مِنْ شأْنِ أَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ أَنْ يَكونَ متفوِّقاً على جميعِهم، بحيثُ لا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ منهم مجتَمعينَ ومُتَفَرِّقين أَنْ يَأْتي بمثلِ كلامِهِ وما يَتَضَمَّنُهُ مِنْ عُلُومٍ ومعارفَ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيرُ أَهْلِها، وأُخرى ليسَ مِنْ شَأْنِ أَحَدٍ أَنْ يَعْلَمَها غَيرُ خالِقِها. والتِلاوةُ: قراءةُ المكتوبِ أَوِ اسْتِعراضُ المحفوظِ، فهي مُشْعِرَةٌ بإبلاغِ كلامٍ مِنْ غيرِ المُبَلِّغِ وقد تقدَّم.
قولُهُ: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} وَلو شاءَ أيضاً لَمَا أَدْرَاكُمْ بِهِ، أَيْ: ولا أَعْلَمَكمْ اللهُ بِهِ، وَلكِنَّهُ سبحانَهُ شَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْكُمْ بِهَذَا العِلْمِ لِتَهْتَدُوا، وَتَكُونُوا خَلائِفَ فِي الأَرْضِ. وهوَ مِنْ دَرَيْتُ، أَيْ: عَلِمْتُ. ويُقالُ: دَرَيْتُ بِكَذا أَيْ: أَحَطْتُ بِهِ بِطَريقِ الدِّرايَةِ، وأَدْرَيْتُكَ بِكَذا، أَحَطتُكَ به علماً. وكذا قولُكَ “عَلِمْتُ بِهِ”، فَقد تَضَمَّن العِلْمُ أيضاً مَعْنى الإِحاطَةِ فتَعَدَّى تَعْدِيَتَها.
والتقديرُ: أَفَلا تَعْقِلونَ أَنَّ مِثْلَ هذا الحالِ مِنَ الجَمْعِ بينَ الأُمِيَّةِ والإتْيانِ بهذا الكِتابِ البَديعِ في بَلاغَتِهِ ومعانيهِ لا يَكونُ إلاَّ حالَ مَنْ أَفاضَ اللهُ عَليهِ رِسالَتَهُ إذْ لا يَتَأَتّى مِثلُه في العادَةِ لأحَدٍ ولا يَتَأَتّى ما يُقارِبُه إلاَّ بَعدَ مُدارَسَةِ العُلَماءِ ومُطالَعَةِ الكُتُبِ السالِفَةِ، ومُناظَرَةِ العُلَماءِ، ومحاوَرَةِ أَهلِ البَلاغَةِ مِنَ الخُطباءِ والشعراءِ، زَمَناً طَويلاً وعُمْراً مَديداً، فكيفَ تَأَتَّى ما هُوَ أَعْظمُ مِنْ ذلك المعتادِ دَفْعَةً واحدةً لمن قَضى عُمُرَهُ بَيْنَهم في بِلادِهِ يَرْقبونَ أَحْوالَهُ صَباحَ مَساءَ، وما عُرِفَ بَلَدُهم بِمُزاوَلَةِ العُلومِ، ولا كان فيهم مِنْ أَهْلِ الكِتابِ إلاَّ مَنْ عَكَفَ على العِبادَةِ وانْقَطَعَ عَنْ مُعاشَرَةِ الناسِ.
قولُهُ: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} العُمُرُ: الحياةُ. مُشْتَقٌّ مِنَ العُمْران، لأنَّ مُدَّةَ الحياةِ يَعْمُرُ بها الحَيُّ العالَمَ الدُنْيَوِيَّ. ويُطْلَقُ العُمُرُ على المُدَّةِ الطَويلَةِ التي لو عاشَ المَرْءَ مِقْدارَها لَكانَ قَدْ أَخَذَ حَظَّهُ مِنَ البَقاءِ. وهذا هُوَ المُرادُ هُنا، بِدَليلِ تَنْكيرِ “عُمراً”، وَلَيْسَ المرادُ لَبِثْتُ مُدَّةَ عُمُري، لأنَّ عُمُرَهُ لمْ يَنْتِهِ، بَلْ المُرادُ مُدَّةٌ قَدْرُها قَدْرَ عُمُرٍ مُتَعارَفٍ عليه، أَيْ بِقَدْرِ مُدَّةِ عُمُرِ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ. والمعنى لَبِثْتُ فيكم أَرْبَعينَ سَنَةً قَبْلَ نُزولِ القُرآنِ. فَقَدْ عِشْتُ فِيكُمْ وَبَيْنَكُمْ سِنِينَ طَوِيلَةً مِنْ عُمْرِي لَمْ أُبَلِّغْكُمْ خِلاَلَهَا شَيئاً، لأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَوْحَى إلَيَّ بِرِسَالَتِهِ، فَلَمَّا أَوْحَى إِلَيَّ بها، وَأَمَرَنِي بِأَنْ أُبَلِّغَكُمْ إيّاها فَعَلْتُ، أَلَيْسَ لَكُمْ عُقُولٌ تُمَيِّزُونَ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ؟. وهذا تذكيرٌ لهم بِقَديمِ حالِهِ المَعروفَةِ بَيْنَهم، حالَ الأُمِيَّةِ، أَيْ قَدْ كُنْتُ بَين ظَهرانيكم مُدَّةً طَويلَةً، تُشاهدونَ أَطْوارَ نَشْأَتي، فلم تروا فيها ما يُشْبِهُ حالَةَ العَظَمَةِ، والكَمَالِ المُتَناهي الذي صِرتُ إليه لما أَوْحَى اللهُ إلي بالرِسالَةِ، ولا سمعتم مني بَلاغَةً كالتي تسمعونَ اليومَ، ولا اشْتُهِرتُ بمقاوَلَةِ أَهْلِ البَلاغَةِ ولا زاحمتُ أَهْلَ الشِعْرِ والخِطابَةِ بما يشبِهُ بَلاغَةَ القولِ الذي نَطَقتُ بِهِ عَنْ وَحْيٍ وهو القُرآنُ. إذْ لَوْ كانَتْ حالَتُهُ بَعدَ الوَحْيِ حالاً مُعْتادةً، وكانَتْ بَلاغَةُ الكلامِ الذي جاءَ بِهِ كَذلِكَ لَكانَ لَهُ مِنَ المُقَدِّماتِ مِنْ حِين نَشْأَتِهِ ما هُوَ تهيِئَةٌ لهذِهِ الغايَةِ، ولكانَ التَخَلُّقَ بِذلِكَ أَطْواراً وتَدَرُّجاً. فقد دَلَّ عَدَمُ تَشابُهِ الحالينِ عَلى أَنَّ هَذه الحالَ الأَخيرةَ حالٌ رَبَّانيٌّ محْضٌ، وأَنَّ هَذا الكلامَ ليس لَهُ فِيهِ كَسْبٌ.
قولُهُ: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} في هَذِهِ الآيةِ الكَريمَةِ حُجَّةٌ واضِحَةٌ على كُفَّارِ مَكَّةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لمْ يُبْعَثْ رَسولاً إليهم حتى لَبِثَ فيهم عُمُراً مِنَ الزَمَنِ، عَرَفوا فيه صِدْقَهُ، وأَمانَتَهُ، وعَدْلَهُ، وبعدَه كلَّ البُعْدِ مِنَ الكذِبِ، وكانوا في الجاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَهُ الصادق الأَمينَ، وقدْ أَلْقَمَهُمُ اللهَ حَجَراً بهذِهِ الحُجَّةِ في سورة المؤمنون بقولِه: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} الآية: 69، فمَنْ لم يَكْذِبْ على مخلوقٍ قطُّ كيفَ يكذبُ على اللهِ تعالى، الأمرُ الذي قالهُ هِرَقْلُ الرومِ لأبي سفيانَ بْنِ حَرْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لما سأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكان لا يزالُ مشركاً حينَها، فقَالَ لَهُ هِرَقْل: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لاَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ لِيَكْذِبَ عَلَى اللهِ.
وقالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبي طالِبٍ للنَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ: بَعَثَ اللهُ فِينا رَسُولاً نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأَمانَتَهُ، وقدْ كانَتْ مُدَّةُ مُقامِهِ، عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ، بَينَ أَظْهُرِنا قَبْلَ النُبُوَّةِ أَرْبعينَ سَنَةً. وكانَ عمرُو ابنُ العاصِ ـ رضي الله عنه، حاضِراً على رأسِ وفدِ قريش الذي وفدَ على النَجاشي لاسْتِردادِ هؤلاءِ الفارِّينَ بِدينِهم مِنْ قُريشٍ، فلمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُنْكِرَ مَقالَةَ جَعفر ـ رضي الله عنه، بالرغم من كونِه مُشركاً يومها لأنَّ قريشاً كلَّها تَعْرِفُ صِدْقَ محمَّدٍ وأَمانَتَهُ ولا يَسْتَطيعٌ أَحَدٌ منهم أنْ يُنكرَ ذَلِكَ، فما كان مِنَ النَجَاشِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إلاَّ أَنْ رَدَّ وَفْدَ قريشٍ خائباً وَرَدَّ عليهم هداياهم، ثمَّ أَسْلَمَ بعدَ ذَلكَ لِما سمِعَ مِنْ قرآنٍ.
قولُهُ تَعالى: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ} مَفعولُ شاءَ محذوفٌ يُنْبِئُ عَنْهُ الجزاءُ لا غيرُ، وإنَّما يُحْذَفُ مفعولُ المشيئةِ إذا وَقَعَتْ شَرْطاً وكانَ مَفْعولُها مَضْمونَ الجزاءِ ولم يَكُنْ في تَعَلُّقِها بِهِ غَرابةٌ كما في قولِ أَبي يعقوب الخُرَيْمي، واسمُه: إسحاقُ مولى بَني خُريمٍ، مِنْ شُعَراءِ عَصْرِ الرَشيدِ، قال يَرثي حَفيدَهُ أَبا الهَيْذامِ ابْنَ ابْنِه عِمارَةَ:
لو شئتُ أَنْ أَبكي دَمَاً لَبَكَيتُهُ …….. عليكَ ولكنْ ساحَةُ الصَبْرِ أَوْسَعُ
والبيتُ مِنْ قصيدةٍ لَهُ جيّدَةٍ على البحرِ الطَويلِ عُدَّتْ مِنْ غُررِ الشِعْرِ، ومِنْ أَبياتِهِ النادِرَةِ وأَمثالِهِ السائرَةِ قولُهُ:
وأَعْدَدْتُهُ ذُخْراً لِكُلِّ مُلِمَةٍ …………… وسهمُ الرزايا بالذَخائرِ مُولَعُ
وأَوَّلها:
قضى وَطراً منك الحبيب المودِّعُ …….. وحلَّ الذي لا يُسْتَطاعُ فيُدْفَعُ
إلى أَنْ يقولَ فيها:
يُذَكِّرُني شمسَ الضُّحى نُورُ وَجْهِهِ …….. فلي لحظاتٌ نحوَها حِينَ تَطْلعُ
ألم تَرَني أَبْني على الليثِ بُنيةً ……….. وأَحْثي عَلَيْهِ التُرْبَ لا أَتَخَشَّعُ
وإني وإنْ أَظْهَرْتُ مِني جَلادةً ………. وصانَعْتُ أَعْدائي عَلَيْهِ لَمُوجَعُ
مَلَكْتُ دُموعَ العَينِ حتى رَدَدْتُها ….. إلى ناظري إذْ أَعْيُنُ القَلْبِ تَدْمَعُ
وبعده البيت، وبعده:
وأَيْقَنْتُ أَنَّ الحيَّ لا بُدَّ هالِكٌ ………….. وأَنَّ الفَتى في أَهْلِهِ لا يُمَتَّعُ
حيثُ لم يحُذَفْ لِفِقْدانِ الشَرْطِ الأَخيرِ. ولأنَّ المُسْتَلْزِمَ للجَزاءِ، أَعني عدمَ تلاوتِهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، للقُرآنِ عَليهم، إنَّما هُوَ مَشيئَتُهُ تَعالى لَهُ لا مَشِيئتُه لِغَيرِ القُرآنِ.
قولُه: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} عُمُراً: مُشَبَّهٌ بِظَرْفِ الزَمانِ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ، أي: مُدَّةً مُتَطاوِلَةً. وقيل: هوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: مِقْدارَ عُمُرٍ. والضميرُ في “قبله” عائدٌ على القرآنِ. وقيل: على النُزولِ. وقيلَ: على وَقْتِ النُزولِ. وجملة “فقد لبثت” معطوفة على جملة “أدراكم”، لا محل لها. و “قبل” و “بعد” إذا أُضيفا للذَوَاتِ كانَ المُرادُ بعضَ أَحوالِ الذاتِ ممّا يَدُلُّ عليهِ المَقامُ، أَيْ مِنْ قبلِ نُزولِهِ. وضميرُ “قبلِهِ” عائدٌ إلى القُرآنِ.
قولُهُ: {أفلا تعقلون} هذه الجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وتَفريعُها على جملَةِ الشَرْطِ وما تَفَرَّعَ عَليها تفريعٌ للإنكارِ والتَعَجُّبِ على نهوضِ الدَليلِ عَلَيهم، إذْ قَدْ ظَهَرَ مِنْ حالهم ما يجعلُهم كَمَنْ لا يَعْقِلُ. ولذلكَ اخْتيرَ لَفْظُ “تعقلون” لأنَّ العقلَ هُوَ أَوَّلُ دَرَجاتِ الإدْراكِ. ومفعولُ “تعقلون” إمَّا محذوفٌ لِدَلالَةِ الكلامِ السابقِ عَلَيْهِ. وإمَّا أَنْ يُنَزَّلَ “تعقلون” منزلة اللازمِ فلا يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعولٌ، أَيْ: أَفلا تَكونونَ عاقِلينَ، أَيْ: فتَعْرِفوا أَنَّ مِثْلَ هذا الحالِ لا يَكونُ إلاَّ مِنْ وَحْيِ اللهِ.
قرأ الجمهورُ: {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}، بفتح الراءِ، وقرأَ أَبو عَمْرٍو، وحمزة، ونافع، في رواية ورْشٍ والكِسائي: “ولا أدريكم” بكسرها، وقرأ البزي عنِ ابنُ كثير بخلاف “ولأَدْراكم” بلامٍ داخلَةٍ على “أَدْراكم” مُثْبَتاً. والمعنى: ولأَعْلِمَكم بِهِ مِنْ غيرِ وِساطَتي: إمَّا بِوِساطَةِ مَلَكٍ أَوْ رَسولٍ غيرِي مِنَ البَشَرِ، ولكنَّهُ خَصَّني بهذه الفضيلةِ. وقراءةُ الجُمهورِ “لا” فيها مؤكدةٌ؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ مَنْفيٌّ، وليست “لا” هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنَّه لا يَصِحُّ نفيُ الفعلِ بها إذا وَقَعَ جَواباً، والمعطوفُ على الجوابِ جَوابٌ، ولو قلتَ: (لو كان كذا لا كانَ كذا) لم يَجُزْ، بلْ تَقولُ: ( لو كان كذا ما كان كذا). وقرأَ ابْنُ عبَّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبي الحسنِ، وابْنُ سيرينَ، وأَبو رَجاء بنُ حَيَوَةَ: “ولا أَدْرَأْتُكم به” بهمزةٍ ساكنةٍ بعدَ الراءِ. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أَحدُهما: أَنَّها مُبْدَلةٌ مِنَ أَلِفٍ، والألفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لانْفِتاحِ ما قبْلها وهي لُغةٌ لِ “عُقَيْلٍ” حكاها قُطْرُبٌ، يَقولونَ في أَعطيتُك: أَعْطَأْتُك. وقال أَبو حاتمٍ: قَلَبَ الحَسَنُ الياءَ أَلِفاً، كما في لُغَةِ بَني الحَرْثِ، يَقولونَ: عَلاَك وإلاك، ثمَّ هَمَزَ على لُغَةِ مَنْ قالَ في “العالَمِ” “العَأْلَم”، وقيل: بَلْ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنْ نَفْسِ الياءِ نحو: (لَبَأْتُ بالحجِّ) أي: لَبَّيْتُ، و (رثَأْتُ فلاناً)، أي: رَثَيْتُ. والثاني: أَنَّ الهمزةَ أَصْلِيَّةٌ وأَنَّ اشْتِقاقَه مِنَ الدَّرْءِ وهوَ الدَّفْعُ كقولِهِ تعالى في سورة النورِ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا العذاب} الآية: 8، ويقال: أَدْرأته، أي: جَعَلْته دارِئاً، والمعنى: ولأَجْعَلَنَّكم بتلاوتِهِ خُصَماءَ تَدْرَؤُونني بالجدال. قال أبو البقاء: وقيل: هو غَلَط، لأنَّ قارِئَها ظَنَّ أنها مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ. وقيل: ليس بغلطٍ والمعنى: لو شاء الله لدَفَعَكم عن الإِيمان به. واللهُ أعلم. وقرأَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ والأَعْمَشُ: “ولا أَنْذَرْتُكم” مِنَ الإِنْذارِ، وكذلك هي في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ ابنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه.
قرأ العامَّةُ: {عُمُراً} بضمِّ الميمِ، وقرأَ الأَعْمَشُ “عُمْراً” بِتسْكينِها وهو كَقَوْلِهم: “عَضْد” في “عَضُد”.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 15


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
(15)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} هذا عطفٌ على جملةِ: {ولو يُعَجِّل اللهُ للناسِ الشَرَّ} من الآيةِ: 11. مِنْ هذه السورة الكريمة، لأنَّ ذلك ناشئٌ عَنْ قولهم قبل ذلك في سُورةِ الأَنْفالِ: {اللهُمَّ إِنْ كانَ هَذا هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَمَاءِ، أَوِ ائتِنا بِعَذابٍ أليم} الآية: 32. كَما تَقَدَّمَ.
وفي الآيةِ الْتِفاتٌ مِنَ خطابِ المشركين حيث قال لهم مخاطباً في الآية التي قبلها {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ} إلى الغَيْبَةِ “تُتْلَى عَلَيْهِمْ” إعْراضاً عنهم، مُتَوَجِّهاً بالخطابِ إلى الرسولِ ـ صَّلى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وكَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِذَا قَرَأَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، القُرْآنَ عَلَيْهِمْ طالبوهُ بتغيير القرآنِ أو تبديلِه إطماعاً له بإيمانهم. ووصفُ الآياتِ بالبَيِّنَاتِ لِزيادَةِ التَعْجيبِ مِنْ طَلَبِهم تَبديلَها لا بِطَلَبِ تَبْديلِهِ إذْ لا مَطْمَعَ في خَيرٍ مِنْهُ.
قولُهُ: {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} وصْفٌ لهؤلاء الذين إذا تليت عليهم آياتُه ـ سبحانه وتعالى، قالوا: ” ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ” بأنَّهم لا يخافونَ يَوْمَ البَعْثِ والحِسابِ، ولا يَرْجونَ الثَوابَ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ لأنَّهم لا يؤمنون باللهِ ولا باليومِ الآخر أَصْلاً.
قولُه: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} قَالُوا لَهُ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، وَضَعْ قُرْآناً غَيْرَهُ لَيْسَ فِيهِ مَا لاَ نُؤْمِنُ بِهِ مِنَ البَعْثِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَلاَ مَا نَكْرَهُهُ مِنْ ذَمٍّ لآلِهَتِنَا. وسمّوا ما طَلَبُوا الإتيانَ بِهِ قُرآناً لأَنَّهُ عِوَضٌ عَنِ المُسمَّى بالقرآنِ، فإنَّ القُرآنَ عَلَمٌ عَلى الكِتابِ الذي جاءَ بِهِ محمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ ائْتِ بِغَيرِ هَذا ممَّا تُسَمِّيهِ قُرآناً.
وقدْ أَجمَلَ المُرادَ بالتَبْديلِ في الآيةِ لأنَّه مَعْلومٌ عِنْدَ السامعين. والتبديلُ يحتَمَلُ أن يكونَ في الذاتِ ويحتملُ أنْ يكون في الصفات، كأنْ يجعلَ مكان آيةَ عَذابٍ آيةَ رَحمَةٍ. وهكذا
ومعنى “غير هذا” أَيْ: ائْتِنا بما يُخالِفُ هذا الكتاب، أي كتابٍ آخر. والمرادُ بالمخالَفِ المُخالفَ لَهُ كُلِّهِ بالإعراضِ عَنْهُ وابْتِداءِ كتابٍ آخَرَ بَأَسالِيبَ أُخرى، إذْ لَيْسَ مُرادُهم أَنْ يَأْتي بِسُوَرَ أُخْرى غيرِ التي نَزَلَتْ مِنْ قَبْلُ لأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ، ولا غَرَضَ لهم فيهِ إذا كان مَعْناها مِنْ نَوْعِ سابقِها.
قولُهُ: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ آمِراً نَبِيَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّنِي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَرَسُولٌ أُبَلِّغُ مَا يَأْمُرُنِي بِهِ رَبِّي، وَأتَّبِعُ أَوَامِرَهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِي، وَلاَ مِمَّا تُجِيزُهُ لِي رِسَالَتِي، أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي. فقد أَمَرَ اللهُ نبيَّه بأنْ يجيبهم بما يَقْلَعُ شُبْهَتَهم مِنْ نُفوسِهم، ومِنْ نُفوسِ مَنْ يَتبعونهم مِنْ دَهمائهم.
قولُهُ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} أيْ: لا أَتلوا عليكم إلاَّ ما يوحي به اللهُ إليَّ مِنْ وَعْدٍ ووَعيدٍ، وتحريم وتحليلٍ، وأَمْرٍ ونهْيٍ. وقد يُسْتَدَّلُ بهذا على مَنْعِ نَسْخِ الكتابِ بالسُنَّةِ؛ لأنَّه تَعالى يقولُ: “قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي”، وهذا فيه بُعْدٌ؛ فإنَّ الآيَةَ وَرَدَتْ في الردِّ على طَلبِ المُشْركينَ مِثْلَ القُرآنِ نَظْماً، ولم يَكُنِ الرسولُ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، قادراً على ذَلِكَ، ولم يَسْأَلوهُ تَبْديلَ الحُكْمِ دونَ اللَّفْظِ؛ ولأنَّ الذي يَقولُهُ الرَّسُولُ إذا كانَ وَحْياً لم يَكُنْ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ، بَلْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ تعالى. وحتى الحديثُ النَبَوِيُّ فإنَّه لم يَكن لِيَأْتي مخالِفاً للقُرآنِ الكريمِ إلاَّ بإذْنِ اللهِ، فإنَّه ـ صلَّى اللهً عَلَيْهِ وسَلَّمَ: {وما يَنْطِقُ عَنْ الهوى * إنْ هوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحى}، سورة النجم الآيتان: 3 و 4. ولِقَوْله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ، ((أَلا هَلْ عَسى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عَني وهوَ مُتَّكِئٌ على أَريكَتِهِ فيَقولُ: بَيْنَنا وبَيْنَكمْ كتابُ اللهِ فَمَا وَجَدْنا فيهِ حَلالاً اسْتَحْلَلْناهُ، وما وَجَدْنا فيهِ حَرامًا حَرَّمناهُ، وإنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ كَما حَرَّمَ اللهُ)). أَخْرَجَهُ الترْمِذِيُّ عَنِ المِقدامِ بْنِ مَعْدِ َيكْرِبَ، وقال: حَسَنٌ غَريبٌ، (5/38، رقم 2664) وأخرجه أحمدُ، والطبرانيُّ، وأبو يعلى، وابنُ ماجةَ والدار قطنيّ، وأَخْرَجَهُ أَبو داوودَ وزادَ في أَوَّلِهِ: “أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ” وروي أيضاً عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وعَنْ العِرباضِ بْنِ ساريةَ و عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وعنْ أَبي رافعٍ مولى رسول اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ورضيَ اللهُ عنهم، أجمعين، وقال شعيب الأرناؤوط حديث صحيح. وللحديث رواياتٌ بلغت حدَّ الكثرةِ بصيغٍ متقاربةٍ ومضمونها واحدٌ.
قولُه: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو من قولِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: إِنِّي أَخَافُ عَذَابَ يَوْمٍ شَدِيدِ الخَطَرِ وَالهَوْلِ، إِنْ أَنَا عَصَيْتُ أَمْرَهُ، فغيرتُ أو بدَّلتُ. لأنَّه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، أَشَدُّ النَّاسِ خَشْيَةً للهِ، بما أنَّه أَكثرً مَعْرِفةً بِهِ سُبْحانَه.
قولُهُ تعالى: {وإذا تتلى عليهم} ضميرُ الغَيْبَةِ راجِعٌ إلى النَّاسِ والمُرادُ مِنْهم المشركون، أَوْ هو راجعٌ إلى “الذين” في قولِهِ: {إنَّ الذين لا يرجون لقاءنا} الآية: 7. مِنْ هذِهِ السُورَةِ المُبارَكَةِ. وتقدَّمَ الظَرْفُ “إذا” على عامِلِهِ وهو: “قَال الذين لا يرجون لقاءنا” للاهتمامِ بِذِكْرِ ذَلكَ الوَقْتِ الذي تُتْلى فيه الآياتُ عليهم فيَقولونَ فيهِ هذا القولَ، للتَعْجيبِ مِنْ كلامِهم، وتوهين أَحْلامِهم. ولكونِ العاملِ في الظَرْفِ فعلاً ماضياً، فعُلِمَ أَنَّ قولهم هذا واقعٌ في الزَمَنِ الماضي، فكانَتْ إِضافَةُ الظَرْفِ المُتَعَلِّقِ بِهِ إلى جملةٍ فِعلُها مُضارعٌ، وهوَ “تُتْلى” دالَّةٌ على أَنَّ ذلك المُضارِعَ لمْ يُرَدْ بِهِ الحالُ أَوِ الاسْتِقْبالُ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكونَ الماضي واقعاً في الحالِ أَوِ الاسْتِقبْالِ، فتَعَيَّنَ أَنَّ اجْتِلابَ الفِعْلِ المُضارِعِ لمجرَّدِ الدَلالةِ على التَكَرُّرِ والتَجَدُّدِ، أَيْ: ذلِكَ قولُهم كُلَّما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ. و “بَيِّنَاتٍ” نَصْبٌ على الحالِ مِنْ الآيات.
قولُه: {غيرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ} غير: نعتٌ ل “قرآن”، والإشارة “هذا” مضاف إليه، والضمير في “بدله” عائد إلى اسم الإشارة، من قوله “هذا القرآن” أي: أو بدِّلْ “هذا”.
قولُه: {ما يكون لي أن أبدِّلهُ} المصدرُ المنسبك مِنْ “أن أبدله” اسم يكون، والجارُّ في “لي” خبرها.
قولُه: {مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} تِلْقاء: مصدرٌ على وزن “تِفْعال”، ولم يجيء مصدر بكسر التاء إلاَّ هذا والتِّبْيان.
وقوله: {إن أتبع إلاَّ ما يوحى إليَّ} إنْ: نافية، و “إلاَّ” للحصر و “ما” موصولة بمعنى الذي. والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ في حيِّزِ القولِ، فلا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
وقولُه: {إني أخاف} إن: الناسخةَ واسمُها وخبرُها جملةُ “أخاف” وجملةٌ “إني” مُستأنفة في حيِّزِ القولِ في محلِّ نصبٍ به. وجملةُ “إن عصيت” اعتراضية لا محلَّ لها من الإعراب.
قرأ العامَّةُ: {تِلْقَاءِ} بكسر التاء، وقرئ شاذاً بفتحها، وهو قياسُ المصادر الدالة على “التَكرار” ك “التَّطْواف” و “التَّجوال”. وقد يُسْتعمل التِّلقاء بمعنى قبالَتك، فينتصبُ انتصابَ الظروفِ المكانيَّة.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 14


ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
(14)
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ
بَعْدِهِمْ} الخلائفُ: جمعُ خَليفةٍ. وقد تَقَدَّمَ. أَيْ: ثُمَّ اسْتَخْلَفَكُمْ اللهُ تَعَالَى فِي الأَرْضِ، بَعْدَ أَنْ أَهْلَكَ السَّابِقِينَ، وَذَلِكَ بِمَا آتَاكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا. ومِنْ ذَلِكَ قولهم للسُلْطانِ الأَعْظمِ: خليفة؛ لأنَّه خَلَفَ الذي كان قبْلَهُ، فقامَ بالأَمْرِ مَقامَهُ، فَكانَ مِنْه خَلَفًا.
قيلَ الخَطابُ هُنَا لأَهْلِ مَكَّةَ، وقيلَ للعرَبِ لأنَّ التعريف في الأَرْضِ”، للعَهْدِ فإنَّ المُخاطَبينَ خَلَفوا عاداً وثموداً وطِسْماً وجَدِيساً وجُرْهُماً في مَنازِلِهم على الجُملَةِ. ونَراهُ عامّاً شاملاً لِكُلِّ البَشَرِ الذين جاؤوا مِنْ بَعْدِ أَنْ أَهْلَكَ اللهُ القُرونَ الأُولى، مَوْضوعَ الآيةِ التي قبلَها، لأنَّهُ سبحانه تعرَّضَ لمَبْدأِ الاسْتِخلافِ في الأرضِ الذي هُوَ للإنسانِ مُطْلَقاً، وإنّما يَسْتَخْلِفُ اللهُ الإنْسانَ قوْماً بَعدَ قومٍ وقَرْناً بعد قَرْنٍ. وقد كان في الأرضِ الكثيرُ من الأممِ، عند بعثتِهِ والنبيُّ محمّدٌ ـ صَلَى اللهُ عليه وسَلَّمَ، مُرْسَلٌ لِجَميعِ الأُمَمِ، وهو مأْمورٌ بمخاطَبَةِ الجميعِ. والقضيَّةُ هنا مما يَشْمَلُ البشريَّةَ عامَّةً وليستْ في أَمْرٍ يخُصُّ أَهْلَ مَكَّةَ، أَوِ العَرَبَ وحدهم. واللهُ أعلم.
قولُهُ: {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} لِنَنْظُرَ: هنا بمعنى لِنَعْلَمَ، أَيْ لِنَعْلَمَ عِلْماً مُتَعَلِّقاً بِأَعٍمالِكم. فالمُرادُ بالعِلْمِ تَعَلُّقُهُ التَنْجيزيِّ. فالنَظرُ مُسْتَعْمَلٌ هنا في العِلْمِ المُحَقّقِ، لأنَّه أَقْوى طُرُقِ المَعْرفَةِ. والمعنى لِيَنْظُرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ تَكُونُ أَعْمَالُكُمْ فِي خِلاَفَتِكُمْ، وَيَظْهَرُ مَا تَخْتَارُونَهُ لأَنْفُسِكُمْ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ عِصْيَانٍ بَعْدَ أَنْ عَرَفْتُمْ مَا حَلَّ بِمَنْ سَبَقَكُمْ، أَيْ: لِيُبَيِّنَ في الوُجودِ ما عَلِمَهُ أَزَلاً، لكنْ جَرَى القولُ على طَريقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ والمجازِ.
أخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتم، وأَبو الشيخِ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِ اللهِ تعالى: “ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رضي الله عنه، قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَبُّنَا مَا جَعَلَنَا خَلائِفَ الأَرْضِ إِلاَّ لِيَنْظُرَ إِلَى أَعْمَالِنَا، فَأَدُّوا اللهَ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسِّرِ وَالْعَلانِيَةِ”. وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ عُمَرُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: “ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لَنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” قَالَ: “فَقَدِ اسْتُخْلِفْتَ يَا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ؟”. وكانَ يقولُ أَيَضاً: قدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطَّابِ فانْظُرْ كيْفَ تَعْمَلُ؟.
وَفِي ذَلِكَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الخِلاَفَةَ مَنُوطَةٌ بِالأَعْمَالِ لِكَيْلا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِمَا سَيَنَالُونَهُ، وَيَظُنُّوا أَنَّهُ بَاقٍ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ بِمَنْجَاةٍ مِنْ مُقْتَضَى سُنَّةِ اللهِ فِي الظَّالِمِينَ.

أخرج ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وابْنُ كثيرٍ، عَنْ عبدِ الرَحمنِ ابْنِ أَبي لَيلى: أَنَّ عَوْفَ ابْنَ مالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ لأَبي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: رَأَيْتُ فيما يَرَى النائمُ كأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَمَاءِ، فانتُشِطَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، (أي جُذبَ وانتُزِعَ) ثمَّ دُلِّيَ فانْتُشِط أَبو بَكْرٍ، ثمَّ ذُرِعَ الناسُ حَوْلَ المِنْبَرِ، ففَضَل عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِثَلاثِ أَذْرُعٍ إلى المِنْبرِ. فقالَ عُمَرُ: دَعْنا مِنْ رُؤْياك، لا أرَبَ لَنَا فيها! فلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قال: يا عَوْفُ، رُؤْياك! قالَ: وهلْ لَكَ في رُؤيايَ مِنْ حاجةٍ؟ أَوَ لمْ تَنْتَهِرْني! قال: وَيْحَكَ! إني كَرِهْتُ أَنْ تَنْعَى لخَليفَةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلمَ، نَفْسَهُ! فَقَصَّ عليه الرُؤْيا، حتى إذا بَلَغَ: “ذُرِعَ الناسُ إلى المِنْبَرِ بهذِهِ الثلاثِ الأَذْرُعِ”، قالَ: أَمَّا إِحْداهُنَّ، فإنَّهُ كائنٌ خَليفَةً. وأَمَّا الثانيةُ، فإنَّهُ لا يَخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائمٍ. وأَمَّا الثالثةُ، فإنَّهُ شَهيدٌ. قالَ: فقالَ يَقولُ اللهُ: “ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون”، فقدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ، فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ. وأَمَّا قولُه: “فإني لا أخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائمٍ” فما شاءَ اللهُ. وأَمَّا قولُهُ: “فإني شَهيدٌ” فأنَّى لِعُمَرَ الشَهادَةَ، والمُسْلِمون مُطِيفون به! ثمَّ قالَ: إنَّ اللهَ على ما يَشاءُ قدير. وقد ذكر هذا الحديثَ الخطابيُّ في غريب الحديث، له، وشرحَ بعضَ معانيه.
قولُهُ تَعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائفَ في الأرضِ مِنْ بَعْدِهم} عَطْفٌ على {أَهْلَكْنَا} من الآيةِ التي قبلها، وحرف “ثم” مُؤْذِنٌ بِبُعْدِ ما بَيْنَ الزَمَنَيْنِ، أَيْ ثمَّ جَعَلْناكم تَخْلُفونَهم في الأَرْضِ. وكونُ حَرْفِ “ثم” هُنا عاطفاً جملةً على جملةٍ يَقتَضي التَراخي الرُتَبي لأنَّ جَعْلَهم خَلائفَ أَهَمُّ مِنْ إِهْلاكِ القُرونِ قبلَهم لما فيهِ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهم، ولأنَّهُ عَوَّضَهم بهم. و “في الأَرْضِ” الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل “خلائف”.
قولُهُ: {لِنَنظُرَ كَيْفَ تعملون} الجارُّ في “لِنَنظُرَ” مُتَعَلِّقٌ بالجَعْل. و “كَيْفَ” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقٍ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وهوَ مَنْصوبٌ ب “نَنْظُرَ” والمعنى في مِثْلِهِ: لِنَعْلَمَ جوابَ كَيْفَ تَعملونَ، ومثلُه قولُ إياسِ ابْنِ قُبَيْصَةَ الطائيُّ:
وأَقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ………… لأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِنْ شُجاعِها
أي: “لأعْلَمَ” جَوابَ مَنْ “جبانُها”. لِيَظْهَرُ الجَبانِ مِنَ الشُجاعِ. وقيل هو مَنْصوبٌ بِ “تعملون” على المَصْدَرِ، أَيْ: أَيَّ عَمَلٍ تَعْمَلونَ، وهِيَ مُعَلِّقَةٌ للنَظَرِ.
قرأ العامّةُ: {لننظُرَ} بِنُونَيْنِ، وقرأَ يحيى يحي بْنُ الحارثِ بِنونٍ واحدةِ وتشديدِ الظاءِ. وقالَ: (هكذا رأيتُه في مُصْحَفِ عُثْمانَ) يَعْني أَنَّهُ رَآها بِنونٍ واحدَةٍ، ولا يَعني أَنَّه رآها مُشَدَّدَةً؛ لأَنَّ هَذا الشَكْلَ الخاصَّ إنَّما حَدَثَ بَعدَ عُثْمانٍ ـ رضي اللهُ عنه. وخَرَّجوها على إدْغامِ النونِ الثانيَةِ في الظاءِ، وهو رَديءٌ جِدّاً، وأَحسَنُ ما يُقالُ فيهِ: إنَّه بالغَ في إخْفاءِ غُنَّةِ النونِ الساكِنَةِ فَظَنَّه السامعُ إدْغاماً، ورُؤيتُهُ لَهُ بِنُونٍ واحدةٍ لا يَدُلُّ على قراءتِهِ إيَّاه مُشَدَّدَةَ الظاءِ ولا مخفَّفَها. قال أبو حيّان الأندلسيُّ: ولا يَدُلُّ على حَذْفَ النون مِنَ اللَّفْظِ. وفيهِ نَظَرٌ لأنَّهُ كَيْفَ يُقْرَأُ ما لم يَكُنْ مَكتوباً في المُصْحَفِ الذي رآهُ؟.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 13


وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(13)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} أهلكنا: الإهلاك هو الاسْتِئْصالُ والإفْنَاءُ. و “القُرونُ” جمع قَرْنٍ، وهم القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وأَصْلُهُ المُدَّةُ الطويَلَةُ مِنَ الزَمانِ، ثمَّ تووطئَ على أنَّه الجيلُ، وحُدِّ بمئةِ عامٍ. قالَ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيما أخرجه الشيخانِ مِنْ حَديثِ عبدِ اللهِ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه: ((خيرُ القُرونِ قَرْني ثمَّ الذينَ يَلُونهم)) صحيحُ البخاري، رقم: (3651). والموطَّأُ رواية محمد بْنِ الحَسَنِ: (3/ 295) وزادَ الترمذيُّ: ((ثمَّ يجيءُ قومٌ يُعْطَوْنَ الشَهادَةَ، قبلَ أَنْ يَسْأَلوها)) وعندَ ابْنِ حَبَّانَ: ((ثمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حتى يَحْلِفَ الرَّجُلُ على يَمينٍ قبلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ، ويَشْهَدَ عَلى الشَهادَةِ قبلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ)). وقَرْنُ الشمس: أعلاها. وأوَل ما يَبْدو مِنْها في الطُلوع. وروى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، أنَّه قال: ((لاَ تُصَلُّوا حِينَ تَطْلَعُ الشَّمْسُ، وَلاَ حِينَ تَسْقُطُ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ شيطَان)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحيِحِهِ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الأَرْبَعَةُ بِاخْتِصَار, ومنهم من رواه أيضاً عن أبي أُمامةَ ـ رضي اللهُ عنه. أَرادَ أَنَّ الشَيْطانَ في ذلكَ الوَقْتِ. وقالَ بْعضُهم: أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ قَرنٌ. واسْتَشهَدَ عليه بقولِ الشاعر:
إذا ذهب القَرْنُ الذي أنتَ فيهم …….. وخُلِّفْتَ في قَرْنِ فأنت غريبُ
والقَرْنُ أيضاً: قَرْنُ الهودج. قالَ حاجِبٌ المازنيّ:
صَحا قلبي وأقْصَرَ غير أنّي …………. أهَشُّ إذا مررتُ على الحُمولِ
كَسَوْنَ الفارسيَّةَ كلَّ قَرْنٍ ……………….. وزَيَّنَّ الأشلَّةَ بالسُدولِ
والقَرْنُ: جانبُ الرَأْسَ، ويقالُ: منه سمّي ذو القَرْنَيْنِ لأنَّه دَعا قومَهُ إلى اللهِ تَعالى فَضَرَبُوهُ على قَرْنَيْهِ. والقَرْنانِ أيضاً: مَنارَتانِ تُبنَيان على رأسِ البِئْرِ ويُوضعُ فوقَهُما خَشَبَةٌ فتَعْلَّقُ البَكَرَةُ فيها. والقَرَنُ بالتحريك: الجَعْبة. والقَرَنُ أيضاً: السيف والنَبل. ورجلٌ قارِنٌ: معه سيفٌ ونَبْلٌ. والقَرَنُ: حبلٌ يقرَن به البعيران. قال جريرٌ:
أبْلِغْ أبا مِسْمَعٍ إن كنتَ لاقيَهُ … أنّي لدى الباب كالمشدود في القَرَنِ
والآيةُ عَوْدٌ على بَدْءٍ، فقد عادَ الخطابُ إلى المُشركين، ليُخْبِرَ بِهِ اللهُ تَعَالَى كُفَّارَ مَكَّةَ بِمَا أَنْزَلَهُ فِي الأَقْوَامِ السَّابِقَةِ، مِنْ عَذَابٍ، بسببِ كفرِهم بِرَبِّهم ورِسالاتِ أَنْبِيائهم، ومن هؤلاء الأقوامِ: عاد، وثمود، وقومُ فرعون، وقومُ صالح، وقومٌ نوحٍ وقد كان قومُ نوحٍ من الكثرةِ بحيث ملؤوا الأرضَ لأنَّ الطوفان أغرق كلَّ من كان على وجه الأرضِ، فقد أَخْرَج ابْنُ أبي حاتمٍ عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: “مَا عُذِّبَ قَوْمُ نُوحٍ حَتَّى مَا كَانَ فِي الأَرْضِ سَهْلٌ وَلا جَبَلٌ إِلاَّ وَلَهُ عَامِرٌ يُعَمِّرُهُ وَحَايزٌ يَحُوزُهُ”. فقد ظَلَم أولئكَ الأقوامُ أَنْفُسَهُمْ، بكُفْرِهم، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ تعالى، وفيه تهديدٌ لهمْ بأنَّهم غيرُ ناجينَ مِنْ عذابِ اللهِ إذا أَصَرّوا على كُفْرِهِمْ وتَكذيبِ نَبِيِّهم محمَّداً ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّم.
قولُهُ: {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} فإنَّ تلك الأُمَمَ أَيْضاً قدْ كَذَّبُوا رُسُلَهم فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّنَاتِ الباهراتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فيما يَنْقُلونَ عَنْ ربِّهم، وحاربوا أَنْبياءَهم، كما تفعلون أَنْتم، فأخذَ اللهُ تعالى كلاً مِنْ تلك الأمم البائدةِ بما تَسْتَحِقُّ مِنْ عَذابٍ، فأَهْلَكَهُم بِهِ.
قولُهُ: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} إخبارٌ
عَنْ قَسْوَةِ قُلوبهم وشدّة كفرهم، وذلك لأَنَّهُ تعالى عَلِمِ بِعِلْمِهِ القَديمِ الذي يكشفُ حقائق الأشياءِ والأُمورِ قبلَ وجودها، وبعده، علمَ أنَّ تلك الأمم والأقوام الكافرة الهالكة مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا لَوْ تَرَكَهُمُ اللهُ، وقد بَيَّنا غيرَ مرَّةٍ في غَيرِ مَوْضِعِ مِنْ هذا السِفْرِ أَنَّ العلمَ شيءٌ والقدرةَ شيءٌ آخَرُ، فحقيقةُ العِلْمِ كشْفُ حقائقِ الأمور وليس الإجبار عليها. فَاعْتَبِرُوا يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ. فَكَمَا أَهْلَكَ اللهُ مَنْ قَبْلَكُمْ، كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بِالمُجْرِمِينَ مِنْكُمْ إذا استمروا في إجرامهم.
قولُهُ تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} مِن قَبْلِكُمْ: هذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ “أَهْلكنا”، ولا يجوز أن يكونَ حالاً من “القرون” لأنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ، فلا يَقَعُ حالاً عَنِ الجُثَّةِ كما لا يَقَعُ خَبراً عنها. والجملَةُ عطفٌ على جملة: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ} الآية: 11من هذه السورةِ المباركةِ بما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإنْذارِ بِأَنَّ الشَرَّ قدْ يَنْزِلُ بهم.
قولُه: {لمّا ظلموا} لَمَّا: اسْمُ زَمانٍ بمَعنى “حين” على التحقيق، وتُضافُ إلى الجُمْلَةِ. وقد أكثر العربُ في كلامِهم تقديم “لمّا” في صُدُرِ جملَتِهم فأشَمَّوا بِذلك الَتقديم رائحةَ الشَرْطِيَّةِ، فأَشْبَهَتِ الشُروطَ لأنَّها تُضافُ إلى جملةٍ فَتُشْبِهُ جملَةَ الشَرْطِ، ولأنَّ عامِلَها فعلُ مُضِيٍّ، فبذلك اقْتَضَتْ جملَتينِ فَأَشْبَهَتْ حُروفِ الشَرْطِ.
قولُهُ: {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبَيِّنَاتِ} يجوزُ أَنْ يَكونَ مَعْطوفاً على “ظلموا” فلا محلَّ لَهُ مِنَ الإعرابِ عِنْدَ سِيبَويْهِ، و عند غيره محلُّهُ الجَرُّ، لأنَّهُ عُطِفَ على ما هُو في محلِّ جَرٍّ بإضافَةِ الظَرْفِ إلَيْهِ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال، فتكونُ الواوُ حاليَّةً، أَيْ: ظَلَمُوا بالتَكْذيبِ، وقدْ جاءتهم رُسُلُهم بالحُجَجِ والشَواهِدِ على صِدْقِهم، و “بالبَيِّنَاتِ” متعلقٌ ب “جاءتهم” على أَنَّ الباءَ للتَعديَةِ، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّهُ حالٌ مِنْ “رسلهم”، أيْ: جاؤوا مصاحِبينَ للبَيِّناتِ.
قولُهُ: {وَمَا كَانُواْ} الظاهرُ أنَّهُ عَطْفٌ على “ظلموا”. وجُوِّزَ أَنْ يَكونَ اعتراضاً كَونَهُ وَقَعَ بينَ الفِعلِ ومَصْدَرِهِ التَشْبيهِيِّ في قولِهِ تعالى: “كذلك نَجزي”. قال الزمخشريُّ: واللامُ لِتَأْكيدِ نفيِ إيمانهم. والضميرُ في “كانوا” عائد على “القرون”. وجَوَّزَ مُقاتِلٌ أَنْ يَكونَ ضَميرَ أَهْلِ مَكَّةَ، وفيهِ إذاً خُروجٌ مِنْ ضَميرِ الخِطابِ في قولِهِ: “قبلَكم” إلى ضميرِ الغَيْبة، وإذاً فهوَ الْتِفاتٌ، والمعنى: وما كنتم لتؤمنوا. و “كذلك” نَعْتٌ لمَصْدَرٍ محذوفٍ، والتقديرُ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي.
قرأَ العامَّةُ: {نجزي} بنونِ العظمةِ، وقُرئَ “يَجْزي” بِياءِ الغَيْبَةِ، وهوَ الْتِفاتٌ مِنَ التَكَلُّمِ في قولِهِ: “أَهْلكنا” إلى الغَيْبة.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com