فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 75
 
قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: إِنَّ شَرْعَهُمْ يَقْضِي بِأَنْ يُدْفَعَ السَّارِقُ إِلَى المَسْرُوقِ مِنْهُ لِيَسْتَرِقَّهُ، وَيَكُونَ عَبْدًا لهُ، أَيْ ذَاتُهُ هِيَ جَزَاءُ السَّرِقَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ، أَيْ أَنْ يَصيرَ رَقِيقًا لِصَاحِبِ الصُّوَاعِ لِيَتِمَّ مَعْنَى الْجَزَاءِ بِذَاتٍ أُخْرَى. وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ إِتْلَافَ ذَاتِ السَّارِقِ لِأَنَّ السَّرِقَةَ لَا تَبْلُغُ عُقُوبَتُهَا حَدَّ الْقَتْلِ. وقالوا: “فِي رَحْلِهِ” فَذَكَروه بِعُنْوانِ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ ولم يذكروه بعُنوانِ السَّرِقَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَلِزِمًا لَهَا في اعْتِقادِهم المَبْنِيِّ عَلَى قَواعِدِ العادَةِ ولِذَلِكَ أَجابُوا بِمَا أَجابوا.
إذًا فَقَدْ حَكَمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وَتَرَاضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ. وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الْأُمَمِ، أيْ: أَنْ يُسْتَرَقَّ السَّارِقُ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمَغْلُوبِ فِي الْقِتَالِ. وَلَعَلَّهُ كَانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا فِي مِصْرَ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} الآية: 76، التالية.
وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زيدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ} قَالَ: عَرَفُوا الحُكمَ فِي حُكْمِهم فَقَالُوا: “جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ” وَكَانَ الحكمُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْقُوبَ وبَنيه، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْترَقُ. بينما كان الحكمُ عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُضْرَبَ السَّارِقُ وَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ. فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ، فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهم بَيْنَ يَدَيْهِ واحدًا واحدًا. وَأَخرجَ عبدُ الرَّزَّاقِ الصنعانيُّ، وَابْنُ جريرٍ الطبريُّ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، عَنِ الإمامِ الْكَلْبِيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبرُوهُ بِمَا يحكم فِي بِلَادهمْ أَنَّه مَنْ سَرَقَ أُخِذَ عَبْدًا. فَقَالُوا: {جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله}.
قولُهُ: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} الظَّالِمِينَ، الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ. وَهَذا هُوَ الجَزَاءُ عَلَى السَّرِقَةِ الذِي كانوا يُنْزِلُونَهُ بِالسَّارِقِ، فِي شَرْعِهِمْ. أَيْ: كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنَا فِي جَزَاءِ السَّارِقِ الظَّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ حُكْمُ الْإِخْوَةِ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ مِنْهُمْ أَنْ يُظْهِرَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ، أَيْ: فَهُوَ حَقِيقٌ لِأَنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ. وَالْإِشَارَةُ بِ “كَذلِكَ” إِلَى الْجَزَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَجْزِي، أَيْ نَجْزِي الظَّالِمِينَ جَزَاءً كَذَلِكَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْله.
قوله تعالى: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “جَزَاؤُهُ” مَرفوعٌ بالابْتَداءِ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه. و “مَن” اسْمُ شَرْطٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرّفعِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والخَبَرُ جُملةُ الشَّرْطِ، أَوْ جُمْلَةُ الجَوابِ، أَوْ هُمَا عَلَى الخِلافِ المتقدِّمِ. و “وُجِدَ” فِعْل ٌمَاضٍ مبنيٌّ للمجهولِ (مُغَيَّرِ الصِّيغَةِ) مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِ “مَنْ” عَلَى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ يَعودُ عَلَى الصُّواعِ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “وُجِدَ”، و “رَحْلِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليهِ. و “فَهُوَ” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتداء، و “جَزَاؤُهُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليهِ. وهذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ عَلَى كَوْنِها جَوَابًا لَهَا، وجُمْلَةُ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ وخَبَرِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالُوا”.
وذَكَرَ السَّمينُ الحَلَبيُّ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ لهذهِ الجُملَةِ، أَوَّلُها: أَنْ يَكونَ “جزاؤه” مُبْتَدَأً والضميرُ للسارِقِ، و “مَنْ” شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ أَوْ مَزيدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبَهِهِ بالشَّرْطِ، و “مَنْ” ومَا في حَيِّزِهَا عَلَى وَجْهَيْها خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ الشَّيْخُ أبو حيَّانَ عَليْهِ بِعَدَمِ وُجودِ رَابطٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ. قال السمينُ: ولَيْسَ هذا بِظاهِرٍ؛ لأَنَّهُ يُجابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ بابِ إِقامَةِ الظَّاهِرِ مُقامَ المُضْمَرِ، وَيَتَّضِحُ هذا بتقريرِ الزَّمَخْشَرِيَّ، قالَ: ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “جزاؤهُ” مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَمَا هيَ خَبَرُهُ، على أساسِ إِقامَةِ الظاهِرِ فِيها مُقَامَ المُضْمَرِ. والأَصْلُ: جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهوَ هوَ، فوَضَعَ الجَزَاءَ مَوْضِعَ “هو” كَمَا تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَنْ أَخُو زَيْدٍ؟ فَيَقولُ لَكَ: أَخُوهُ مَنْ يَقْعُدُ إِلى جَنْبِهِ، فهوَ هوَ. فيرجعُ الضّمير الأَوَّلَ إِلى “مَنْ” والثاني إلى الأَخِ، ثمَّ تَقولُ: فهوَ أَخُوهُ، مُقيمًاً للمُظْهَرِ مُقام المُضْمَرِ. وقد جَعَلَ أبو حيَّانَ كلامَ الزَمَخْشَرِيِّ وَجْهًا ثانيًا بَعْدَ الأَوَّلِ ولَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ هوَ بِعَيْنِه، ولا أَنَّهُ جَوابٌ عَمَّا رَدَّ بِهِ عَلى ابْنِ عَطِيَّةَ. ثمَّ قالَ: ووَضْعُ الظاهرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ للربط إِنَّما هوَ فَصيحٌ في مَوَاضِعِ التَّفْخيمِ والتَأْويلِ، وغير فصيحٍ فيما سوى ذلك نحو: زيدٌ قام زيد، ويُنَزَّه عنه القرآنُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لوْ قلتَ: (كانَ زيدٌ مُنطلِقًا زَيْد) لمْ يَكُنْ حَدَّ الكلامِ، وكانَ هَهُنا ضَعيفًا ولمْ يَكنْ كَقَوْلِكَ: (مَا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو) لأَنَّكَ قدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إِظْهارِهِ، وإِنَّما يَنْبَغي لَكَ أَنْ تُضْمِرَهُ. قُلْتُ: ومَذْهَبُ الأَخْفَشِ أَنَّهُ جائزٌ مُطْلَقًا وعَلَيْهِ بَنَى الزَّمَخْشَريُّ رأيَهُ.
وقدْ جَوَّزَ الكعبُريُّ، أَبو البَقاءِ، ما تَوَهَّم أَنَّهُ جَوابٌ عَنْ ذَلِكَ فقال: والوَجْهُ الثالثُ: أَنْ يَكونَ “جَزَاؤهُ” مُبْتَدَأً، وَ “مَنْ وُجدَ” مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و “فهو” مُبْتَدَأٌ ثالثٌ، و “جزاؤه” خَبَرُ الثالثِ، والعائدُ عَلى المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ الهاءُ الأَخيرَةُ، وعَلَى الثاني “هو”. وهذا الذي ذكرَهُ العكبُريُّ لا يَصِحُّ، إذْ يَصيرُ التَّقْديرُ: فالذي وُجِدَ في رَحْلِهِ جَزاءُ الجَزَاءِ؛ لأَنَّهُ جَعَلَ “هو” عبارَةً عَنِ المُبْتَدَأِ الثاني، وهوَ “مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ”، وجَعَلَ الهاءَ الأَخِيرَةَ التي في “جَزاؤهُ” الأخيرَةِ، عائدَةً عَلَى “جزاؤه” الأَوَّلِ، فصارَ التَّقديرُ كَمَا سبق ذِكْرُهُ.
الوجْهُ الثاني مِنَ الأَوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ: أَنْ يَكونَ “جَزاؤهُ” مُبْتَدَأً، والهاءُ تَعودُ عَلَى المَسْروقِ، و “مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ” خَبَرُهُ، و “مَنْ” بِمَعْنَى “الذي”، والتَقْديرُ: جَزَاءُ الصُّواعِ الذي وُجِدَ في رَحْلِهِ، كَذَلِكَ كَانَتْ شَريعَتُهم: يُسْتَرَقُّ السَّارِقُ، فلذلكَ اسْتُفْتُوا في جَزائِهِ. وقولُهُ: “فهو جزاؤه” تقريرٌ للحُكْمِ، أَيْ: فَأَخْذُ السَّارِقِ نَفْسِهِ هوَ جَزاؤُهُ على ما ارْتَكَبَ لا غَيْر، كَقَولِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أَنْ يُكْسَى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ حَقُّهُ، أيْ: فهوَ حَقُّهُ لِتُقَرِّرَ ما ذكرْتَه مِنِ اسْتِحقاقٍ وتُلْزِمَهُ. والتَقْديرُ اسْتِعْبادُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِه، وقولُهُ: “فهو جزاؤهُ” مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، مُؤكِّدٌ لِمَعْنَى الأَوَّلِ، وقالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ، قالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يكونَ “مَنْ” خبَرًا عَلَى أَنَّ المَعْنَى: جَزاءُ السَّارِقِ مَنْ وُجِد في رَحْلِهِ، عائدٌ عَلى “مَنْ” ويكونُ قولُهُ: “فهو جزاؤهُ” زيادةَ بَيَانٍ وتَأْكيدٍ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ التقديرُ: جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَنْ وَجِدَ في رَحْلِه، وفيما قبلَهُ لا بُدَّ مِنْ تقديرِهِ؛ لأَنَّ الذاتَ لا تكونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَقديرُ في القولِ قبْلَهُ: جَزاؤهُ أَخْذُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ أَوِ اسْتِرْقاقُهُ، هَذا لا بُدَّ مِنْهُ عَلَى هَذَا الإِعراب.
الوجهُ الثالثُ مِنَ الأَوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ: أَنْ يَكونَ “جزاؤهُ” خبرَ مُبْتَدَأٍ مَحذوفٍ، أَيْ: المَسْؤولُ عنْهُ جَزاؤهُ، ثمَّ أَفْتَوا بقولهم: “مَنْ وُجِد في رَحْله فهو جزاؤه” كما يقولُ مَنْ يَسْتَفْتَي في جَزَاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزَاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ، ثمَّ يَقولُ: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} سورةُ المائدَةِ، الآية: 95. وهوَ قولُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وردَّهُ الشيخُ أبو حيَّان قائلًا: وهوَ مُتَكَلَّفٌ إِذْ تَصيرُ الجُمْلَةُ مِنْ قولِهِ: (المَسْؤولُ عَنْهُ جَزاؤه) على هذا التقدير ليسَ فيهِ كَبيرُ فائدَةٍ؛ إِذْ قَدْ عُلِمَ مِنْ قولِهِ: “فما جزاؤه” أَنَّ الشَّيْءَ المَسْؤولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فأَيُّ فائدةٍ في نُطْقِهم بِذَلِكَ؟ وكَذلكَ القولُ في المثالِ الذي مَثَّلَ بِهِ مِنْ قَوْلِ المُسْتَفْتِي. وقولُ الشيخِ أبي حيّان: (ليس فيه كبيرُ فائدة) مَمْنوعٌ، بَلْ فيهِ فائدةُ الإِضمارِ المذكورِ في عِلْمِ البَيان، وفي القرآنِ الكريمِ أَمْثالُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الرَّابعُ: أَنْ يَكونَ “جَزاؤهُ” مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ مَحْذوفٌ تقديرُهُ: جَزاؤهُ عِنْدَنا كَجَزائِهِ عِنْدَكم، والهاءُ تَعودُ على السّارِقِ أَوْ عَلى المَسْروقِ، وفي الكلامِ المُتَقَدِّمِ دِليلٌ عِلِيْهِما، ويكونُ قولُهُ: “مَنْ وُجِدَ في رَحْله فهو جزاؤهُ” عَلَى مَا تَقَدَّمَ في الوَجْهِ الذي قَبْلَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأَ العُكْبُريُّ، ولم يَذْكُرْهُ أبو حيَّان، فقدَ جَعَلَ في الآيةِ الكَريمَةِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، وتَقَدَّمَ أَنَّ الأَوَّلَ والثانيَ وَجْهٌ كَمَا سبقَ بَيانُهُ، فإذا ضَمَمْنا هذا الوَجْهَ الأَخيرَ الذي بَدَأَ بِهِ أبو البَقاءِ إِلى الأَرْبَعةِ التي ذَكَرها أبو حيّان صارَتْ خَمْسَةً، ولكنْ لا تَحْقيقَ لِذَلِكَ، وكَذَلِكَ إِذا الْتَفَتْنا إلى قوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ في جَعْلِهِ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ تَصِيرُ سِتَّةً في اللَّفْظِ، فإذا حَقَّقْتَها لَمْ تَجِئْ إِلَّا أَرْبعَةً.
قولُهُ: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} كَذَلِكَ: الكافُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَشْبيهٍ، أَوْ اسْمٌ بِمَعْنَى (مِثْل) في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ نائبٍ عَنِ المَصْدَرِ، أَوْ هيَ في محلِّ نَصبِ حالٍ مِنْ ضَميرِهِ، أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظيعِ نَجْزي الظالمين، و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالكافِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ مَفْعولٍ مُطْلَقٍ عامِلُهُ نَجْزي. واللامُ: للبُعْدِ، والكافُ: للخِطابِ. و “نَجْزِي” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرَّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخِرِهِ، لثِقَلِها على الياءِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحن” يعودُ عَلى إِخْوَةِ يُوسُفَ، والتَّقديرُ: نَجْزِي الظالمينَ جَزاءً مِثْل ذَلِكَ الجَزاءِ المَذْكورِ، و “الظَّالِمِينَ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجملةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 74
 
قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُه: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} فَقَالَ لَهُمْ غِلْمَانُ يُوسُفَ: فَإِذَا كُنْتُمْ كَاذِبِينَ، وَثَبَتَتْ عَلَيْكُمُ السَّرِقَةُ، فَمَا جَزَاءُ السَّارِقِ فِي شَرْعِكُمْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ السَارِقَ مِنْكُمْ؟ لِأَنَّهُمْ لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا أَنْ يُعَيِّنُوا جَزَاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذَا تَحْكِيمُ الْمَرْءِ فِي ذَنبه. (وَقِيلَ إِنَّ يُوسُفَ هُوَ الذِي أَوْحَى إِلَى غِلْمَانِهِ بِطَرْحِ هذا السُّؤَالِ عَلَى إِخْوَتِهِ) . والضَّميرُ للصُّواعِ، وهو على حَذْفِ مُضافٍ والتقديرُ: فما جَزاءُ سَرِقَتِهِ عِنْدَكم، وفي شَريعَتِكم؟. وهذا السُّؤالُ كان مِنْ مُسَاعِدِي يُوسُفَ لإخْوةِ يُوسُفَ عَنِ العُقوبَةِ المُقَرَّرَةِ في شَريعَتِهم لِمَنْ يَسْرِقُ؟ وماذا نَفْعَلُ بِمَنْ نَجِدُ صُواع الملك في رَحْلِهِ؛ وثَبَتَ كَذِبُكم بِأَنَّكم لم تَسْرقوهُ؟
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ” قَالَ: عَرَفُوا الحُكْمَ فِي شرعِهم فَقَالُوا {جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ} وَكَانَ الحُكمُ عِنْد الْأَنْبِيَاءِ ـ يَعْقُوبَ وبَنِيه ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ، أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُ.
إذًا لقد كانَ المَعروف في شريعة آل يعقوبَ أَنَّ مَنْ يُضبَطُ بِسَرِقَةٍ أَنْ يُسْتَرَقَّ أَوْ يَظَلَّ في خِدْمَةِ مَنْ سَرَقَهُمْ، قيل: وكذا فَعَلَتْ عَمَّةُ يُوسُفَ التي أَحَبَّتْهُ وعاشَ مَعَها بَعْدَ وَفاةِ أُمِّهِ؛ وحِينَ أَرادَ والدُهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ أَخْفَتْ في ثيابِ يُوسُفَ شَيْئًا عَزيزًا وَرِثَتْهُ عَنْ أَبيها إِسْحاقَ، وبِذَلِكَ اسْتَبْقَتْ يُوسُفَ مَعَها، ولَمْ يَأْخُذْهُ أَبوهُ إِلّا بَعدَ أَنْ مَاتَتْ عَمَّتُهُ.
وكان هدَفُ يوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنْ يَسْتَبْقِيَ أَخاهُ مَعَهُ؛ وهوَ قدْ عَلِمَ مِنْ قبلُ هذا الحُكْمَ، وهكذا تَرَكَهم ـ يوسُفُ ـ عَلَيْه السَّلامُ، يَحْكُمونَ بِأَنْفُسِهمُ الحُكْمَ الذي يَصْبُو إِلَيْهِ، وهوَ بَقاءُ أَخِيهِ مَعَهُ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “فَمَا” الفاءُ: للعطفِ عَلَى مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: قَدْ سَمِعْنَا قَوْلَكم {ما جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الأَرْضِ، وما كُنَّا سارقين}، أوْ: رابطةٌ لِجَوابِ شَرْطٍ مقدَّرٍ، ويحتمل كون الفاء زائدة. و “ما” اسمُ اسْتِفْهامِ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابتداءِ. و “جَزَاؤُهُ” خَبَرُ المبتدأِ مرقوعٌ، وهو مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والجُمْلَةُ الإسميَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا عَلَى تلْكَ الجملةِ المَحْذوفَةِ على كونِها مَقولًا لِ “قَالُوا”. أَوْ: أنَّ جملةَ: “ما جزاؤه” في مَحَلِّ جَزْمِ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِنْ كانَ سَارِقًا وكُنْتمْ كاذِبينَ فَمَا جَزاؤهُ؟ وجملة الشرط المقدّرة في محلِّ النَّصْبِ مَقولَ قَوْلٍ ل “قالوا”.
قولُهُ: {إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} إِنْ: شَرْطِيَّةٌ جازمةٌ. و “كُنْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بتاءِ الفاعلِ في مَحَلِّ جَزْمِ فِعْلِ الشرْطِ، وتاءُ الفاعِلِ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ اسمِهِ، و “كاذبين” خبرُ “كنتم” منصوبٌ وعلامةُ نَصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمع المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوين في الاسمِ المفردِ، وجَوابُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ مَعْلومٌ مِمَّا قَبْلَها والتقديرُ: إِنْ كُنْتم كاذبين فَمَا جَزَاؤُهُ. وجملةُ: “كنتم كاذبين” لا مَحَلَّ لَها من الإعراب لأَنّها تَفْسِيرٌ للشَّرْطِ المُقَدَّرِ الأَوَّل.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 73

قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ. (73)
قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} وَلَمَّا اتَّهَمَ الغِلْمَانُ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِالسَّرِقَةِ رَدُّوا مُقسِمينَ باللهِ تعالى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَتَحَقَّقْتُمْ، مُنْذَ عَرَفْتُمونا، أَنَّنَا مَا جِئْنَا لِنَسْرِقَ وَنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ.: والتاءُ في “تَاللهِ” وَالتَّاءُ فِي “تَاللهِ” حَرْفُ قَسَمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَيَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى اسْمِ اللهِ تَعَالَى، وَيَخْتَصُّ أَيْضًا بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ الْعَجِيبِ. وهو بَدَلٌ مِنَ الواوِ في (واللهِ)، وَقد ضَعُفَتْ عَنِ التَّصْريفِ في سَائرِ الأَسْماءِ، فجُعلت فيما هُوَ أَحَقُّ بالقَسَمِ، وهوَ اسْمُ اللهِ ، جَلَّ حلالُهُ. وهو قولُ البَصريين كما نقلَهُ النحاسُ في إعرابِ القرآنِ (2/155)، والفخر الرازي في تفسيره: (18/180)، وإنَّمَا جازَ إِبْدالُ التّاءِ مِنَ الواوِ؛ لأَنَّهُما مِنْ حُروفِ الزّوائدِ والبَدَلِ، والتاءُ أَقْرَبُ حُروفِ البَدَلِ إِلى الواوِ). وقال الفراءُ في معاني القرآن: (2/55): العَرَبُ لا تَقولُ: تالرّحمن، ولا يَجْعَلون مَكانَ الواوِ تاءً إِلَّا في (الله)، وذَلِكَ أَنَّها أَكْثَرُ الأَيْمانِ مَجْرَى في الكلامِ، فَتَوَهَّموا أَنَّ الواوَ مِنْهَا لِكَثْرَتِها في الكَلامِ وأَبْدَلوها تاءً.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أَيْ: وَلَمْ تَكُنِ السَّرِقَةُ مِنْ أَخْلاَقِنَا، وَلاَ هِيَ مِنْ عَادَتَنا. قال الأَئمَّةُ: الطَبَرِيُّ في التَفْسيرِ: (13/21)، والثَعْلبيُّ: (7/97)، والبغويُّ: (4/261)، وابْنُ عَطِيَّةَ: (8/29)، والفخرُ الرازيُّ: (18/180)، والقُرْطِبي: (9/234)، وغيرُهمْ مِنَ المُفَسِّرينَ وأَهلِ المَعاني الفَرَّاءُ: (2/51)، والزَّجَّاجُ: (3/121)، والنَّحَّاسُ: (3/447): حَلَفُوا عَلَى عِلْمِهمْ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهم كانوا مَعْروفينَ بِأَنَّهمْ لا يَظْلِمونَ أَحَدًا ولا يَرْزَؤونَ شَيْئًا لأَحَدٍ في سَفَرِهِمْ، ولا يَعيثونَ في بُسْتَانِ أَحَدٍ ولا زَرْعِهِ، حَتَّى أَنَّهم قد كَمَّموا أَفْواهَ إِبِلِهمْ ودوابِّهم لِئَلَّا تَعيثَ في زَرْعِ أَحَدٍ، ومَنْ كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفَسَادٍ. والأَلِفُ واللامُ في “الْأَرْضِ” للعهدِ فالْمُرَادُ الأَرْضُ الْمَعْهُودَةُ، وَهِيَ مِصْرُ. وقد نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمُ الِاتِّصَافَ بِالسَّرِقَةِ بِأَبْلَغَ مِمَّا نَفَوْا بِهِ الْإِفْسَادَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ بِنَفْيِ الْكَوْنِ سَارِقِينَ دُونَ أَنْ يَقُولُوا: وَمَا جِئْنَا لِنَسْرِقَ، ويُرْوَى أَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي رِحَالِهِمْ، أَيْ فَمَنْ رَدَّ مَا وَجَدَ فَكَيْفَ يَكُونُ سَارِقًا؟! لِأَنَّ السَّرِقَةَ وَصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وَأَمَّا الْإِفْسَادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أَيِ التَّجَسُّسُ ـ الذي كانوا قدِ اتُّهموا به سابقًا، فَهُوَ مِمَّا يَقْصِدُهُ الْعَدُوُّ عَلَى عَدُوِّهِ، فَلَا يَكُونُ عَارًا، وَلَكِنَّهُ اعْتِدَاءٌ فِي نَظَرِ الْعَدُوِّ. وَأَخرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ” يَقُولُ: مَا جِئْنَا لِنَعْصِيَ فِي الأَرْضِ.
قوله تعالى: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “تَاللهِ” التاءُ: حَرْفُ جَرٍّ وقَسَمٍ مُخْتَصٌّ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ والتَقْديرُ: أُقْسِمُ تَاللهِ. ولَفْظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مُقْسَمٌ بِهِ مَجْرورٌ بِتَاءِ القَسَمِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ مَعَ جَوابِهِ الآتي في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”. و “لَقَد” اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “قد” للتحْقيقِ. و “عَلِمْتُمْ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بتاءِ الفاعلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ، وهذه الجُملةُ الفِعلِيَّةُ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. و “مَا” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “جِئْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو “نا” الجماعةِ، و “نا” الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ سَادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعولِ عَلِمَ؛ لأَنَّهُ بِمَعْنى “عَرَفَ” والتَقديرُ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ عَدَمَ مَجِيئِنا لِنُفْسِدَ في الأَرْضِ. و “لِنُفْسِدَ” اللامُ: لامُ كَيْ للتعليلِ. و “نُفْسِدَ” فعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةً جَوازًا بَعْدَ لامِ كَيْ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه يَعودُ عَلَى إخْوةِ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “نُفْسِد”، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} الواوُ: عاطفةٌ. و “ما” نافيةٌ. و “كُنَّا” فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على السكون لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعة، وضميرُ الجماعةِ “نا” متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسْمِ “كان”، و “سَارِقِينَ” خَبَرُ “كانَ” منصوبٌ، وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّه جمعُ المُكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ عن التنوين في الاسْمِ المفردِ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه من كان واسمها وخبرها في مَحل النَّصْب عطْفًا عَلى جُمْلَةِ “نُفسدَ” التي قبلها على كونها منصوبةً ب “أن” مضمرةً جوازًا بعد لامِ كي، والتقديرُ: وعلِمتمْ عَدَمَ كَوْنِنا سَارِقِينَ.


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 72
 
قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} صُوَاعُ المَلِكِ: صَاعُهُ الذي يَشْرَبُ فِيهِ، ويَكْتَالُ بِهِ للمُمْتَارينَ. قِيلَ: الصُّوَاعُ اسْمٌ، وَالسِّقَايَةُ وَصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وَسِقَاءٌ، فَالْكُوزُ اسْمٌ وَالسِّقَاءُ وَصْفٌ. وقد تقدَّمَ لنا تَفصيلٌ في معنى هذه الكَلِمَةِ واشْتِقاقِها.
قولُهُ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} ومَنْ سيُخرِجُها مِنَ المَكانِ المَخْفِيَّةِ فيهِ أَوْ يَدُلُّ عَلى سارِقِهِا، فَلَهُ مُكافَأَةٌ قَدْرُها وَزْنُ حِمْلِ بَعيرٍ؛ أَيْ: حِمْلُ بَعيرٍ مِنَ المَيْرَةِ والغِذاءِ، أَوْ مِنْ طَعامٍ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، ومتوافقًا عليه، وذلك كَمُكافَأَةٍ لَهُ وزِيادَةً عَلَى اسْتِحْقاقِهِ. وقال رجالُ يوسُفَ معلِّلينَ ذلك لهم: فَلَعَلَّ صُواعَ المَلِكِ قَدْ خُبِّئَتْ في حِمْلِ أَحَدِكُمْ دُونَ علمِهِ أوْ دُونَ قَصْدٍ مِنْهُ ولا يَدْرِي، ولم يوجِّهوا لهم التهمَةَ بالسَرِقةِ بشكلٍ صريحٍ واضِحٍ.
قولُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} تَأْكيدٌ مِنْ رَئيسِ المُنَادينِ أَنَّهُ الضَّامِنُ لِمَنْ يُخْرِجُ صُواعَ المَلِكِ مِنَ المَكانِ الذي خبِّئتْ فيهِ، ويُحْضِرُها دونَ تَفْتيشٍ أَنْ يَنَالَ جائزَتَهُ، والزَّعِيمُ بِلِسَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ: الْكَفِيلُ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وَزَعَامَةً. أَيْ كَفَلَتْ بِهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَالَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي شَرْعِهِمْ، وَقَدْ حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: ((الزَّعِيمُ غَارِمٌ)) أَخرجهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في مُسْنَدِه: (5/267)، وأَبو دَاودَ في سُنَنِهِ، كتاب البُيوع: (3565)، والتِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ، كِتَاب البُيوعِ: (1265)، وابْنُ ماجَهْ وصحّحهُ في بابِ الصَدَقات منْ صحيحِهِ: (2405)، جَمِيعُهم عنْ أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَصَحَّتِ الْكَفَالَةُ بِهِ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ كَفَالَةُ مَالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وَلَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكَفَالَةِ كَانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ، فهي كَفَالَةٌ بِمَا لَمْ يَجِبْ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى رَدِّ السَّرِقَةِ. وهوَ مِنْ قوْلِ المُؤَذِّنِ، فقد وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَأَنا بِهِ زَعيمٌ” قَالَ: الزَّعيمُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الَّذِي قَالَ: {أَيَّتُها العِيرُ}.
وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنِ الْمُنْذرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَأَنا بِهِ زعيمٌ”، قَالَ: كَفِيلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي (الْوَقْفِ والابْتِداءِ) له، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تعالى: “وَإِنَّا بِهِ زعيمٌ”، مَا الزَّعيمُ؟ قَالَ: الْكَفِيلُ. ومن ذلكَ قَولُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ:
أَكونُ زَعِيمَكم فِي كُلِّ عَامٍ …………….. بِجَيْشٍ جَحْفَلٍ لَجِبٍ لَهَامِ
قولُهُ تَعَالَى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، اسْتِئْنافًا بيانيًّا لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “نَفْقِدُ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ: “نحن” يَعودُ عَلى أَصحابِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنْ عُمَّالِهِ وموظَّفيهِ، و “صُوَاعَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، و “الْمَلِكِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”.
قولُهُ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} الوَاوُ: للعطفِ، و “لِ” حرفِ جَرٍّ متَعلِّقٌ بخبرٍ مقدَّمٍ، و “مَنْ” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “جَاءَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “مَنْ”. و “بِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “جَاءَ” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسمِ الموصولِ “مَنْ”. و “حِمْلُ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، و “بَعِيرٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ ب “قَالُوا”.
قولُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} الوَاوُ: للاستِئنافِ، و “أَنَا” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ لِجَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداء. و “بِهِ” “بِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ “زَعيمٌ”، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، و “زَعِيمٌ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحلِّ النَّصْبِ ب “قَالُوا”.
قرَأَ العامَّةُ: {صُواعَ} بِزِنَةِ “غُرابٍ”، والعَيْنُ مُهْمَلَةٌ. وَقَرَأَ سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ ـ رضي اللهُ عنهما، كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّه بالْغَيْنِ مُعْجَمَةً. فقد أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يقْرَأُ “نَفْقُدُ صُواعَ الْمَلِكِ” بِضَمِّ الصَّادِ مَعَ الْأَلِفِ. وقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ كَذلِكَ أيضًا، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الأَلِفَ وسَكَّنَ الواوَ، وقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ “صَوْغ” كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ فَتَحَ الصّادَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِ “صاغ” “يَصُوغُ”، والقِراءَتانِ قَبْلَهُ مُشْتَقَّتانِ مِنْهُ، وهوَ واقعٌ مَوْقِعَ مَفْعولٍ، أَيْ: مَصُوغُ المَلِكِ. وَقَرَأَ أَبو حَيَوَةَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهم، “صِواعَ” كالعامَّة إلَّا أَنَّهم كَسَروا الفاءَ. وقَرَأَ أَبو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ ـ رضي اللهُ عنهما، “صَاعَ” بِزِنَةِ “باب”، وألِفُهُ كَأَلِفِهِ في كونِها مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ مَفْتُوحَةٍ. فَقد أَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ “صَاعَ الْمَلِكِ”. وَقَرَأَ أَبو رَجَاءٍ “صَوْعَ” بِزِنَةِ “قَوْسٍ”. فَقد أَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبي رَجَاءٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَرَأَ “نَفْقد صَوْعَ الْمَلِكِ” بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وصَادٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّه ضَمَّ الفاءَ فهَذِهِ ثَمَانِ قِراءاتٍ مُتَواتِرُها واحِدَةٌ. وَأَخْرَجَ أَيضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يقْرَأُ “صُوْعَ الْمَلِكِ” بَصَادٍ مَضْمُومَةٍ. وَأَخْرَجَ أيضًا عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ “صِياعَ الْمَلِكِ” أيضًا.


فيض العليم .. سورة يوسُف، الآية: 71
 
قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ} أيْ: قالوا مُقْبِلينَ عَلَيْهِمْ، وقد جيءَ بِهذَهَ الجملةِ للدَّلالَةِ عَلَى انْزِعَاجِهِمْ مِمَّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهمْ، لأَنَّهُمْ اسْتَنْكَرُوا مَا قُذِفُوا بِهِ مَعَ ثِقَتِهم بِأَنْفُسِهم واطْمِئْنانِهم لأمانَتَهِم، وترفُّعهم عَنِ السَّرِقَةِ وخيانةِ المَلِكِ الذي أكرمَ وِفادتهم وأَحْسَنَ ضيافتَهم، لذلك فقد اسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ المَبْهوتِ.
قولُهُ: {مَاذَا تَفْقِدُونَ} أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ تَفْقِدونَهُ، ومَا الذي أَضَعْتُموهُ؟. وقد عَدَلوا في سُؤالِهم هذا عَمَّا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ مِنْ مِثْلِ قولِهم: ماذا سُرِقَ مِنْكمْ؟ لِبَيانِ كَمَالِ نَزَاهَتِهم بِأَنَّهُ لَم يُسْرَقْ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكونُوا هُمُ السَّارِقينَ لِهذا الشيْءِ، وإنَّما مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكونَ قدْ ضَاعَ مِنْهم هذا الشَّيْءُ، فسأَلوهم ما هوَ هذا الشَّيْءُ. والفَقْدُ عَدَمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ العَدَمِ، ويُقَالُ أَيْضًا لِمَا لَمْ يُوجَدُ أَصْلًا، وقيلَ: هوَ عَدَمُ الشَّيْءِ بِأَنْ يَضِلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ، وقدْ أَتَى بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ لاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قولُهُ تَعَالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “وَأَقْبَلُوا” الواو: واوُ الحَالِ. و “أَقْبَلُوا” فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. و “عَلَيْهِمْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وضميرُ الغائبين في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “قَالُوا”.
قولُهُ: {مَاذَا تَفْقِدُونَ} مَاذَا: اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُرَكَّبٌ مبنيٌّ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بهِ مُقَدَّمٌ وُجُوبًا، أَوْ نقولُ: “ما” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، و “ذا” اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنَى “الذي” مبنيٌّ في محلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا”. و “تَفْقِدُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرهِ والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، وهذه الجملةُ الفعليَّةُ هي صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائدُ مَحذوفٌ والتقديرُ: تَفْقِدونَهُ.
قَرَأَ العامَّةُ: {تَفْقِدون} بِفَتْحِ حَرْفِ المُضَارَعَةِ؛ لأَنَّ المُسْتَعْمَلَ مِنْهُ “فَقَد” الثُلاثيّ. وقرَأَ أبو عبد الرحمنِ السُّلَميُّ “تُفقِدونَهُ” بِضَمِّها، مِنْ أَفْقَدْتُهُ إذا وَجَدْتُه مَفْقُودًا، كَ “أَحْمَدْتُه” أَيْ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، و “أَبْخَلْتُه” إذا وَجَدْتُهُ بَخيلًا. وَقد ضَعَّفَ أَبو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ.


العليم … سورةُ يوسُف، الآية: 70
 
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
(70)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ} جَهَازِهِمْ: أَيْ الجِهازِ الذي ابْتَغوهُ وأَرادوهُ، وهي الميرةُ التي طلبوها. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فَلَمَّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ” قَالَ: لَمَّا قَضَى حَاجَتَهم، وكالَ لَهُم طَعامَهم.
قولُهُ: {جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} جَعَلَ السِقَايَةَ، أَيْ: أَمَرَ بجعلِها في وعاءِ أَخِيهِ، فَإِسْنَادُ جَعَلَ السِّقَايَةَ إِلَى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ آمِرٌ بِالْجَعْلِ، وَالَّذِينَ جَعَلُوا السِّقَايَةَ هُمُ الْعَبِيدُ الْمُوَكَّلُونَ بِالْكَيْلِ. و “السِّقَايَةُ” إِنَاءٌ كَبِيرٌ يُسْقَى بِهِ الْمَاءُ وَالْخَمْرُ، فقيلَ هي مَشْرَبَةٌ يُسْقَى بِهَا الْمَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صَاعًا يُكَالُ بِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْإِنَاءَ الَّذِي يَشْرَبُ الْمَلِكُ لَا يَصْلُحُ الْكَبِيرُ مِنْهُ أَنْ يُجْعَلَ صَاعًا، وَهُوَ الصُّوَاعُ، والصُّواعُ لُغَةٌ في الصاعِ، وَهُوَ وِعَاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ وَرُبُعٍ أَوْ وَثُلُثٍ. وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمِقْدَارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شَارِبٍ لِنَفْسِهِ مَا اعْتَادَ أَنَّهُ لَا يَصْرَعُهُ، وَيَجْعَلُونَ آنِيَةَ الْخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشَّارِبُ لِلسَّاقِي: رِطْلًا أَوْ صَاعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذَا الْإِنَاءِ سِقَايَةً وَتَسْمِيَتُهُ صُوَاعًا جَارِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ. أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “جَعَلَ السِّقَايَةَ” قَالَ: هُوَ إِنَاءُ الْمَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الْمَصَاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “جَعَلَ السِّقَايَةَ” قَالَ: هُوَ الصُّوَاعُ وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنْهُ فَهُوَ صُوَاعٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍـ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: السِّقَايَةُ والصُّواعُ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَشْرَبُ مِنْهُ يُوسُفُ. وَفِي التَّوْرَاةِ سُمِّيَ طَاسًا، وَوُصِفَ بِأَنَّهُ مِنْ فِضَّةٍ. وَتَعْرِيفُ السِّقايَةَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيْ سِقَايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لَا يَخْلُو عَنْ مِثْلِهَا مَجْلِسُ الْعَظِيمِ. وَإِضَافَةُ الصُّوَاعِ إِلَى الْمَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وَتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَة، لِأَن شؤون الدَّوْلَةِ كُلَّهَا لِلْمَلِكِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ الْمَلِكُ عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَعْظِيمًا لَهُ. وَقِيلَ: كَانَتِ الدَّوَابُّ تُسْقَى بِهَا وَيُكَالُ بِهَا أَيْضًا وَهَذَا أَقْرَبُ، وَقِيلَ كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْآنِيَةَ الَّتِي يُسْقَى الدَّوَابُّ فِيهَا لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كَانَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أَمَّا إِلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا، وقيلَ كانَ شكلُهُ مُستطيلًا.
قَولُه: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ} التَّأْذِينُ: النِّدَاءُ الْمُكَرَّرُ، وأَذَّنَ: أَعْلَمَ، يُقَالُ: آذَنَهُ أَيْ أَعْلَمَهُ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَذَّنَ وَبَيْنَ آذَنَ وَجْهَانِ: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَذَّنَ مَعْنَاهُ أَعْلَم إِعْلامًا بَعْدَ إِعْلامٍ لأَنَّ فَعَّلَ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الْفِعْلِ، قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامًا وَاحِدًا مِنْ قَبِيلِ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: أَذَّنْتُ وَآذَنْتُ مَعْنَاهُ أَعْلَمْتُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالتَّأْذِينُ مَعْنَاهُ: النِّدَاءُ وَالتَّصْوِيتُ بِالْإِعْلَامِ. والمُرادُ بالعِيرِ أَصْحابُها، وهو كَقَوْلِهِ: (يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي)، وهَذَا عَلَى حَذْف الْمُضَافِ فقد أَرَادَ: يَا فُرْسَان خَيْلِ اللهِ اِرْكَبِي. وَهوَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَجَازَاتِ وَأَلْطَفِهَا. والْعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِنْ إِبِلٍ وَحَمِيرٍ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ أَحْمَالٍ وَمَا مَعَهَا مِنْ رُكَّابِهَا، فَهُوَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَقِيلَ: الْعِيرُ الْإِبِلُ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَحْمَالُ لِأَنَّهَا تَعِيرُ أَيْ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِيرُ الْإِبِلُ خَاصَّةً بَاطِلٌ، وَقِيلَ: هِيَ قَافِلَةُ الْحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ قَافِلَةٍ عِيرٌ كَأَنَّهَا جَمْعُ عَيْرٍ وَجَمْعُهَا فُعُلٌ كَسَقْفٍ وَسُقُفٍ. وهي في الأَصْلِ قافلةُ الحَميرِ كَأَنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، والعَيْرُ: الحمارُ. قال المُتَلَمِّسُ اليشكُريُّ خالُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
ولا يُقيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرادُ بِهِ ………….. إِلَّا الأَذَلاَّنِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
والأَصْلُ: عَيْرٌ، وعُيْرٌ بِضَمِّ العَيْنِ ثمَّ فُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ بِ “بِيض”، والأَصْلُ: بُيْضٌ بِضَمِّ أَوَّلِها، ثمَّ أُطْلِقَ العِيرُ عَلَى كُلِّ قافلةٍ حَميرًا كُنَّ أَوْ غيرَهَا، وعَلَى كُلِّ تَقديرٍ فَنِسْبَةُ النِّداءِ إِلَيْها عَلَى سَبيلِ المَجَازِ، لأَنَّ المُنَادَى في الحَقيقةِ أَهلُها. ونُظِّرَ بقولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي))، كمَا تقدَّمَ، إِلَّا أَنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكريمةِ الْتُفِتَ إِلى المُضافِ المحذوفِ في قولِهِ: “إنَّكمْ لَسَارِقونَ” ولَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ في “يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبي”، ولو التَفَتَ لَقَالَ: ارْكَبوا. ويَجوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ أَهْلِها للمُجاوَرَةِ، فلا يَكونُ مِنْ مَجازِ الحَذْفِ، بَلْ مِنْ مَجَازِ العَلاقَةِ. والعَرَبُ قاطِبَةً تَجْمَعُهُ عَلَى (عَيَراتٍ) بِفَتْحِ الياءِ، وهذا ممَّا اتُّفِقَ على شُذوذِهِ؛ لأَنَّ (فِعْلَة) المُعْتَلَّةَ بالعَيْنِ حقُّها في جمْعِها بالأَلِفِ والتاءِ أَنْ تُسَكَّنَ عَيْنُها نَحوَ: (قِيمَة) و (قِيْمات)، و (دِيْمة) و (دِيْمات)، وكذلك: (فَعْل) دونَ ياءٍ، إِذا جُمِعَ حَقُّهُ أَنْ تُسَكَّن عَيْنُهُ. قالَ امرُؤ القَيْسِ:
غَشِيْتُ ديارَ الحيِّ بالبَكَرَاتِ ………………. فعارِمَةٍ فبُرْقَةِ العِيَراتِ
وقالَ إمامُ اللغةِ العربيةِ أبو الحَجَّاجِ الأَعْلَمُ الشَنْتَمَرِيُّ: العِيَراتُ هُنَا: مَوَاضِعُ الأَعْيارِ، وهيَ الحُمُرُ. قال السمينُ الحلَبيُّ: وفي عِيَراتٍ شُذُوذٌ آخَرُ وهوَ جَمْعُها بالأَلِفِ والتاءِ مَعَ جَمْعِها عَلَى (أَعْيار) أَيْضًا جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وقدْ نَصُّوا على ذَلِكَ. قِيلَ: ولِذَلِكَ لُحِّنَ المُتَنَبِّي في قولِهِ ممتدِحًا سيفَ الدولةِ الحمدانيَّ:
إذا كانَ بَعْضُ النَّاسِ سَيْفًا لِدَوْلَةٍ ……. ففي النَّاسِ بُوْقاتُ لَهُمْ وطُبولُ
قالوا: فجَمَعَ (بوقًا) عَلى (بُوقاتٍ) مَعَ تَكْسيرِهِمْ لَهُ عَلَى (أَبْواقٍ).
قولُهُ تَعَالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَعْقيبٍ. و “لمَّا” شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ بِمَعْنَى حِينَ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ النَّصْبِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ بالفعلِ بعدَهُ. و “جَهَّزَهُمْ”. فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُفَ” و ضميرُ الغائبينَ “هِمْ” متَّصلٌ به في محلِّ نصبٍ مفعولٌ بهِ. و “بِجَهَازِهِمْ” الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتعلِّقٌ بِهِ، و “جهازهم” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “هم” ضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِ “لمَّا”.
قولُهُ: {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ على يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، و “السِّقايةَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ؛ لأَنَّ “جَعَلَ” هُنَا بِمَعْنَى “وَضَعَ”. و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “رَحْلِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “أَخِيهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ منَ الأسماءِ الخَمْسَةِ، وهو مضافٌ أيضًا، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ جَوَابُ “لمَّا” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “لمّا” مَعْطوفةٌ عَلى جُمْلَةِ “لمَّا” في قولِهِ: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ}.
قولُهُ: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} ثُمَ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَراخٍ. و “أَذَّنَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ معطوف على “جَعلَ”، و “مُؤَذِّنٌ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بهِ. و “أَيتُها” مُنَادَى نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّداءِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالنداءِ، والهاءُ: حَرْفٌ للتَنْبيهِ زِيدَ تَعْويضًا عَمَّا فاتَ؛ أَيْ: مِنَ الإِضافَةِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِقَوْلٍ مَحْذوفٍ حَالٌ مِنْ “مُؤَذِّنٌ” والتَقْديرُ: حَالةَ كَوْنِهِ قائلًا أَيَّتُها العِيرُ إِنَّكمْ لَسَارِقونَ. و “الْعِيرُ” بَدَلٌ. و “إنَّكُمْ” إنَّ: حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ للتوكدِ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ، والميمُ: علامةُ الجمعِ المُذكَّرِ، و “لَسَارِقُونَ” اللامُ حَرْفُ ابْتِداءٍ، أو المُزحلَقةُ للتوكيدِ، و “سارقونَ” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِذَلِكَ القَوْلِ المَحْذوفِ عَلَى كَوْنِها جوابَ النِّداءِ.
قرأَ العامَّةُ: {جَعَلَ السِّقايَةَ} دُونَ زِيادَةِ واو قَبْلَهَا. وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مسعودٍ “وجَعَلَ” بزيادةِ واوٍ، وهيَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُما: أَنَّ الجَوابَ محذوفٌ. والثاني: أَنَّ الواوَ مَزيدةٌ في الجَوابِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرى ذَلِكَ، وهُمُ الكُوفِيُّونَ والأَخْفَشُ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 68
 
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(68)
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ} وَلَمَّا دَخَلُوا مِنَ أَبْوَابِ المدينةِ المُتَفَرِّقَةِ الأَرْبَعَةِ، كَمَا أَوْصَاهُمْ أَبُوهُمْ بِهِ. وَقد دَلَّتْ حَيْثُ عَلَى الْجِهَةِ، أَيْ لَمَّا دَخَلُوا مِنَ الْجِهَاتِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ بِالدُّخُولِ مِنْهَا. فَالْجُمْلَةُ الَّتِي تُضَافُ إِلَيْهَا حَيْثُ هِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْجِهَةِ. وَقَدْ أَغْنَتْ جُمْلَةُ “وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ” عَنْ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُمُ ارْتَحَلُوا وَدَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ، وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ سَلِمُوا مِمَّا كَانَ يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ. وَمَا كَانَ دُخُولُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَوْ قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُحَاطَ بِهِمْ، فَالْكَلَامُ إِيجَازٌ. وَمَعْنَى مَا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ أَنَّهُ مَا كَانَ يَرُدُّ عَنْهُمْ قَضَاءَ اللهِ لَوْلَا أَنَّ اللهَ قَدَّرَ سَلَامَتَهُمْ.
قولُهُ: {مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ} ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الدُّخُولُ لِيَمْنَعَ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَيَعْقُوبُ كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ: {وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ} الآية: 67، السابقة، صَدَّقَهُ الله فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا كَانَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ يُغْنِي عنهم مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: ذَلِكَ التَّفَرُّقُ مَا كَانَ يَرُدُّ قَضَاءَ الله وَلَا أَمْرًا قَدَّرَهُ الله. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ الْعَيْنَ لَوْ قُدِّرَ أَنْ تُصِيبَهُمْ لَأَصَابَتْهُمْ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ كَمَا تُصِيبُهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: لَوْ سَبَقَ فِي عِلْمِ الله أَنَّ الْعَيْنَ تُهْلِكُهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لَكَانَ تَفَرُّقُهُمْ كَاجْتِمَاعِهِمْ، وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ مُتَقَارِبَةٌ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَدْفَعُ الْقَدَرَ. فَهُوَ كَقَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ، فَكَذَا هَهُنَا تَقْدِيرُ الْآيَةِ: أَنَّ تَفَرُّقَهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي مِنْ قَضَاءِ الله شَيْئًا، أَيْ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ مَا كَانَ يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ تَحْتِ قَضَاءِ الله تَعَالَى. ويحتمِلُ قَوْلُهُ: “مِنْ شَيْءٍ” النَّصْبَ على الْمَفْعُولِيَّةِ وَالرَّفْعَ بِالْفَاعِلِيَّةِ. فَهو كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، وَتَقْدِيرُهُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ فَكَذَا التَّقْدِيرُ هَهُنَا: مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ الله شَيْءٌ مَعَ قَضَائِهِ.
قولُهُ: {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} وَلَكِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُخْبِرْ أَوْلاَدَهُ بِهَا، قَضَاهَا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، وَهِيَ خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ، وَمِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ مَكْرُوهٌ، مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: “إِلَّا حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا” قَالَ: خِيفَةَ الْعَيْنِ عَلَى بَنِيهِ. وَالْقَضَاءُ: الْإِنْفَاذُ، وَمَعْنَى قَضَاهَا أَنْفَذَهَا. يُقَالُ: قَضَى حَاجَةً لِنَفْسِهِ، إِذَا أَنْفَذَ مَا أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ، أَيْ نَصِيحَةً لِأَبْنَائِهِ أَدَّاهَا لَهُمْ وَلَمْ يَدَّخِرْهَا عَنْهُمْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَظُنُّهُ نَافِعًا لَهُمْ إِلَّا أَبْلَغَهُ إِلَيْهِمْ. وهوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ إِغْنَاؤُهُ عَنْهُمْ مِنَ اللهِ، فَالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَضَاهَا، يَعْنِي أَنَّ الدُّخُولَ عَلَى صِفَةِ التَّفَرُّقِ قَضَاءُ حَاجَةٍ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا. وَالْحَاجَةُ: الْأَمْرُ الْمَرْغُوبُ فِيهِ. سُمِّيَ حَاجَةً لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَهِيَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ. وَالْحَاجَةُ الَّتِي فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هِيَ حِرْصُهُ عَلَى تَنْبِيهِ أَولادهِ لِما قد يَتَعَرَّضوا إِلَيْهِ مِنْ أَخْطَارٍ ممَّا تَعْرِضُ لِأَمْثَالِهِمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ إِذَا دَخَلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} ثَنَاءٌ عَلَى يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالْعِلْمِ وَالتَّدْبِيرِ، وَأَنَّ مَا أَسْدَاهُ مِنَ النُّصْحِ لَهُمْ هُوَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي آتَاهُ اللهُ وَهُوَ مِنْ عِلْمِ النُّبُوءَةِ. فَهُوَ ذُو عِلْمٍ لأَنَّ اللهَ قد عَلَّمَهُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ “مَا” مَصْدَرِيَّةً وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى يَعْقُوبَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ مِنْ أَجْلِ تَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ “مَا” بِمَعْنَى الَّذِي وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَيْهَا، وَالتَّأْوِيلُ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِلشَّيْءِ الَّذِي عَلَّمْنَاهُ، يَعْنِي أَنَّا لَمَّا عَلَّمْنَاهُ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقيلَ: بأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْحِفْظُ، أَيْ إِنَّهُ لَذُو حِفْظٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَمُرَاقَبَةٍ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِفَوَائِدِ مَا عَلَّمْنَاهُ وَحُسْنِ آثَارِهِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِهِ عَامِلًا بِمَا عَلِمَهُ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ” قَالَ: إِنَّهُ لَعَامِلٌ بِمَا عَلِمَ وَمَنْ لَا يَعْمَلُ لَا يَكونُ عَالِمًا. فقَدْ دَلَّ “وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ” صَراحَةً عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قد عَمِلَ بِمَا عَلَّمَهُ اللهُ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الْمُرَادُ بِأَكْثَرِ النَّاسِ الْمُشْرِكُونَ، أَيْ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الوَاجِبَ يَقْضِي بِالجَمْعِ بَيْنَ الإِعْدَادِ لِلأُمُورِ عُدَّتَهَا وَالاحْتِرَازِ، وَبَيْنَ الاتِّكَالِ عَلَى اللهِ، أيَ: لا يعْلَمُونَ مِثْلَ مَا عَلِمَ يَعْقُوبُ. أَوَ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ يَعْقُوبَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهذا الْعِلْمِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِأَنَّ اللهَ كَيْفَ أَرْشَدَ أَوْلِيَاءَهُ إِلَى الْعُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ. وهوَ اسْتِدْرَاكٌ نَشَأَ عَنْ جُمْلَةِ “وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ” إِلَخَّ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ أَمَرَ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَخْذِ أَسْبَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالنَّصِيحَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَدَّرَهُ لَهُمْ، فَإِنَّ مُرَادَ اللهِ تَعَالَى خَفِيٌّ عَنِ النَّاسِ، وَقَدْ أَمَرَ بِسُلُوكِ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ، وَعَلِمَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ تَطَلُّبَ الْأَمْرَيْنِ فَيُهْمِلُونَ أَحَدَهُمَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُهْمِلُ مَعْرِفَةَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الظَّاهِرِيَّةَ لَا تَدْفَعُ أَمْرًا قَدَّرَهُ اللهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ وَاقِعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُهْمِلُ الْأَسْبَابَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ أَرَادَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَدَمَ تَأْثِيرِهَا.
قولُهُ تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ} الوَاوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ. و “لمَّا” شَرْطِيَّةٌ غيرُ جازمةٍ. و “دَخَلُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالفاعليَّةِ، والأَلِفُ فارقةٌ، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِ “لمَّا”. وفي جوابها ثلاثةُ أَوْجُهٍ، الأَظْهَرُ: أَنَّهُ الجُمْلَةُ المَنْفِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ: “مَا كَانَ يُغْنِي”. وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَدَّعي كونَ “لمَّا” حَرْفًا لا ظَرْفًا، إِذْ لَوْ كانَتْ ظَرْفًا لَعَمِلَ فِيها جَوابُها، إِذْ لا يَصْلُحُ للعَمَلِ سِواهُ، لكِنَّ مَا بَعْدَ “ما” النَّافِيَةِ لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَها، فلا يَجوزُ أَنْ يُقالَ: (حينَ قامَ أَخُوكَ مَا قامَ أَبوكَ)، مَعَ جَوازِ (لمَّا قامَ أَخُوكَ مَا قامَ أَبوكَ). ويَجُوزُ أَنَّ جَوابَها مَحذوفٌ، تَقديرُهُ: (امْتَثَلُوا وقَضَوْا حاجَةَ أَبيهم)، قالَهُ أبو البقاءِ وإِلَيْهِ نَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ، وهُوَ تَعَسُّفٌ لأَنَّ في الكَلامِ مَا هوَ جَوابٌ صَريحٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ. ويَجُوزُ: أَنَّ الجَوابَ هوَ قوْلُهُ بعد ذلك: {آوى} قالَ أَبو البَقاءِ: (وهوَ جوابُ “لمَّا” الأُولى والثانية كَقَوْلِكَ: (لمَّا جِئْتَني، ولمَّا كَلَّمْتُكَ أَجَبْتَني)، وحَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ دُخُولَهم عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَعْقُبُ دُخُولَهم مِنَ الأَبوابِ، يَعْنِي أَنَّ {آوى} جَوابُ الأُولى والثانيةِ، وهوَ واضِحٌ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ “دَخَلُوا”، و “حَيْثُ” اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “أَمَرَهُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والهاءُ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّر، و “أَبُوهم” فاعِلُهُ مرفوعٌ بهِ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأَنَّهُ مِنَ الأَسْماءِ الخمسَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ مُضافٌ إِلَيْهِ لِ “حَيْثُ”.
قولُهُ: {مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ} مَا: نافيةٌ لا عَمَلَ لها. و “كَانَ” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسْمُها ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيها جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى دُخُولِهمْ مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. و “يُغْنِي” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخِرِهِ، لِثِقَلِها على الياءِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى الدُّخُولِ. و “عَنْهُمْ” عنْ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ ب “يغني” وضميرُ الغائبينَ “هم” في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مِنَ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنْ “شَيْءٍ” ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ منصوبٌ محلًا على أنَّهُ مفعولُ “يُغْنِي”، وجُمْلَةُ “يُغْنِي” في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرًا لِ “كَانَ” وجُمْلَةُ “كَانَ” جوابُ “لَمَّا” كما تقدَّمَ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإِعْرابِ، وجُمْلَةُ “لِمَا” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعراب.
قولُهُ: {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} إِلَّا: أَداةُ اسْتِثْناءٍ بِمَعْنَى “لكنْ”؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والتقديرُ: ولكنَّ حاجةً في نَفْسِ يَعْقوبَ قَضاها، ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولًا مِنْ أَجْلِهِ، والتقديرُ: ما كان يُغْني عَنْهم لِشَيْءٍ مِنَ الأَشياءِ إِلَّا لأَجْلِ حاجةٍ كانَتْ في نَفْسِ يَعْقوبَ. و “حَاجَةً” مَنْصوبٌ عَلى الاسْتِثناءِ. و “فِي” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِصِفَةٍ أُولى لِ “حَاجَةً”، و “نفسِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “يعقوبَ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجمةِ. و “قَضَاهَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المُقدَّرِ على آخرهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى يَعْقوبَ ـ عليه السلامُ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصبِ مفعولٍ به. وجملةُ “قَضَاهَا” في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً ثانِيَةً لِ “حَاجَةً”.
قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} الواو: استئنافيَّةٌ. و “إنَّ” حرفُ نَصْبٍ ونسخٍ وتوكيدٍ مشبَّهٌ بالفِعلِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصبِ اسْمِهِ. و “لَذُو” اللامُ: هي اللامُ المزحلقةُ للتوكيدَ (حرفُ ابتداءٍ). و “ذو” اسمُ إشارةٍ خبرُ المبتدَأِ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ منَ الأسماءِ الخمسةِ، وهوَ مُضافٌ، و “عِلْمٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “لِمَا” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَعْليلٍ. و “ما” مَصْدَرِيَّةٌ، أو موصولَةٌ، مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “عَلَّمْنَاهُ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهو في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ، والجُملَةُ صَلَةٌ لِ “ما” المَصْدَرِيَّةِ أو الموصولةِ، و “ما” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْد رٍ مَجرورٍ باللّامِ، والتقديرُ: لتعليمِنا إِياهُ، والجارُّ والمَجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: وإِنَّما كانَ ذا عِلْمٍ لِتَعْليمِنا إِيَّاهُ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} والواوُ: و “لكنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ للاستدراك، مُشبَّهٌ بالفعلِ، و “أَكْثَرَ” اسْمُهُ منصوبٌ به، وهو مُضافٌ، و “الناسِ” مجرورٌ بالإضافَةِ إليهِ، و “لا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يَعلمونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُملة “يَعْلَمُونَ” في محلِّ رفعِ خبرِ “لكنَّ”، والجُملةُ الاستدراكيَّةٌ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ تَعَالى: “وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ”.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 69
 
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(69)
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} آوى إليهِ أخاهُ: أَيْ أَنْزَلَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ. فقد أخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَن قَتَادَة ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ: “آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ” قَالَ: ضَمَّهُ إِلَيْهِ وأَنْزَلَهُ مَعَه. و “آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ” معناها أيضًا أَرْجَعَهُ إليهِ، فالْإِيوَاءُ: الْإِرْجَاعُ. وَإطْلاقُهُ هُنَا عَلَى الْإِدْنَاءِ وَالتَّقْرِيبِ مَجَازٌ، كَأَنَّهُ إِرْجَاعٌ إِلَى مَأْوًى، وَإِنَّمَا أَدْنَاهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِسْرَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ. رُوِيَ أَنَّهم لَمَّا دَخَلوا عَلَيْهِ قالوا لَهُ: هَذَا أَخُونَا قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ، فقالَ لَهمْ: أَحْسَنْتُمْ وسَتَجِدونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فأَكْرَمَهمْ ثمَّ أَضَافَهم وأَجْلَسَهُمْ مَثْنَى مَثْنَى، فبَقيَ بِنْيامِينُ وَحيدًا فَبَكى وَقالَ: لَوْ كانَ أَخي يُوسُفُ حَيًّا لأَجْلَسَني مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أَخُوكم فَريدًا، وأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى مائدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ، ثمَّ أَنْزَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهم بَيْتًا فَقَالَ: هذا لا ثانيَ مَعَهُ فَيَكونُ مَعي، فَبَاتَ يُوسُفُ يِضُمُّهُ إِلَيْهِ ويَشمُّ رائحَتَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، وسَأَلَهُ عَنْ وَلَدِهِ فَقَالَ: لي عَشرةُ بَنينَ اشْتَقَقْتُ أَسْماءَهم مِنِ اسْمِ أَخٍ لِي هَلَكَ، فقالَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أَكونَ أَخاكَ بَدَلَ أَخِيكَ الهالِكِ؟ قالَ: مَنْ يَجِدُ أَخًا مِثْلَكَ؟ ولكنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحيلُ، فَبَكَى يُوسُفُ وقامَ إِلَيْهِ وعانَقَهُ وتَعَرَّفَ إِلَيْهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لَهُ “إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ يُوسُفُ”. ورُوِيَ أَنَّهُ قالَ لَهُ: فَأَنَا لا أُفارِقُكَ، قال: قدْ عَلِمْتُ باغْتِمامِ والدِي بِي، فإذا حَبَسْتُكَ يَزْادُ غَمُّهُ ولا سَبيلَ إِلى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَنْسُبَكَ إِلى مَا لا يَجْمُلُ، فقالَ بِنْيامينُ: لا أُبالي، فافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ، قال يوسُفُ: أَدُسُّ صَاعِي في رَحْلِكَ، ثمَّ أُنادي عَلَيْكَ بِأَنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأَ لي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْريحِكَ مَعَهُمْ، قالَ: افْعَلْ بي ما شئْتَ فأنا موافقٌ على كلِّ ما تراهُ مناسبًا.
قولُهُ: {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كَلَّمَهُ بِكَلِمَةٍ مُخْتَصَرَةٍ بَلِيغَةٍ إِذْ أَفَادَهُ أَنَّهُ هُوَ أَخُوهُ الَّذِي كانَ يَظُنُّ أنَّ الذِّئْبَ قد أَكَلَهُ. فَأَكَّدَ الْخَبَرَ بِ “إِنَّ” وَبِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَبِالْقَصْرِ الَّذِي أَفَادَهُ ضَمِيرُ الْفَصْلِ “أنا”، أَيْ: أَنا مَقْصُورٌ عَلَى الْكَوْنِ أَخَاكَ لَا أَجْنَبِيٌّ عَنْكَ، فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. ثمَّ فَرَّعَ “فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ” عَلَى هَذَا الْخَبَرِ. وَالِابْتِئَاسُ: مُطَاوَعَةُ الْإِبْئَاسِ، أَيْ جَعْلُ أَحَدٍ بَائِسًا، أَيْ صَاحِبَ بُؤْسٍ. وَالْبُؤْسُ: هُوَ الْحُزْنُ وَالْكَدَرُ. وجُمْلَةُ “قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ” بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ “آوَى إِلَيْهِ أَخاهُ”. و “فلا تَبْتَئِسْ” فلا تَأْسَفْ، أوْ فلا تَحْزَنْ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُمَا، أَيْ: فَلَا تَحْزَنْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ بِنَا فِيما مَضَى، فإِنَّ اللهَ تَعَالى قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وجَمَعَنَا بِخَيْرٍ، ولا تُعلِمْهم بِمَا أَعْلَمْتُكَ. وهو قولُ محمَّدِ بْنِ اسحاقٍ أيضًا. ورويَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ـ رضي اللهُ عنهُ، أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَيْهِ بَلْ قالَ لَهُ: أَنَا أَخُوكَ بَدَلَ أَخِيكَ المَفْقودِ، فلا تَحْزَنْ بِمَا كُنْتَ تَلْقى مِنْهُمْ مِنَ الحَسَدِ والأَذَى فَقَدْ أَمِنْتَهم. وَالنَّهْيُ عَنِ الِابْتِئَاسِ مُقْتَضٍ الْكَفَّ عَنْهُ، أَيْ أَزِلْ عَنْكَ الْحُزْنَ وَاعْتَضْ عَنْهُ بِالسُّرُورِ. لأَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لم يَبْقَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَصَارَ صَافِيًا مَعَ إِخْوَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أَخِيهِ صَافِيًا معهم أَيْضًا، فَقَالَ: “فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ” أَيْ لَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَا صَنَعُوهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى أَعْمَالِهِمُ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي أَقْدَمُوا عَلَيْهَا. وَأَفَادَ فِعْلُ الْكَوْنِ فِي الْمُضِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ مَا عَمِلُوهُ فِيمَا مَضَى. وَصَيغَ “يَعْمَلُونَ” بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ليُفيدَ أَنَّها أَعْمَالٌ مُتَكَرِّرَةٌ ومُتَجَدِّدَةٌ مِنَ الْأَذَى. وَفِي هَذَا تَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ أَخِيهِ لِتَلَقِّي تُهمَةَ سَرِقَتِهِ الصُّوَاعَ بِاطْمِئْنَانٍ حَتَّى لَا يَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ الرِّيبَةِ مِنْ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قولُهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ. و “لمَّا” شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ بِمَعْنَى حِينَ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ النَّصْبِ مُتَعَلِّقٌ بِ “آوى”. و “دَخَلُوا” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواو الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “دخلوا”، و “يُوسُفَ” مجرورٌ بحرف الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ، الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ من الصرفِ بالعلَميَّةِ والعُجْمَةِ، وهذِهِ الجُمْلَةُ فعْلُ شَرْطِ “لَمَّا”.
قولُهُ: {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} آوَى” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّر على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هوَ” يَعودُ عَلَى “يُوسُفَ” عَلَيْهِ السَّلامُ. و “إِلَيْهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ به، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “أَخَاهُ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأَسماءِ الخمسَةِ، وهو مضافٌ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، وهذه الجُمَلَةُ جَوابٌ ل “لمَّا” وجُمْلَةُ “لمَّا” مِنْ فِعْلِ شَرْطِها وجَوابِها مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا لا محلَّ لها من الإعراب.
قولُهُ: {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} قَالَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُف” عليهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ “آوَى” في محلِّ الجزمِ بِ “لمَّا” على أنَّها جوابٌ لها. و “إِنِّي” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُها. و “أَنَا” ضَميرُ فَصْلٍ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، و “أَخُوكَ” خَبَرُهُ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ منَ الأسماءِ الخمسَةِ، وهوَ مضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ مُضافٌ إِليهِ، وهذه الجملةُ الإسميَّةُ في محلِّ رفعِ خبرِ “إنَّ”، ويجوزُ أنْ نُعرِبَ “أَنَا” مؤكِّدًا لياءِ المتَكلِّمِ، و “أخوك” خبرُ “إنَّ” وجملةُ “إنَّ” مِنِ اسمِها وخبرِها في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”.
قولُهُ: {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْريعٍ لِرَبْطِ المُسَبَّبِ بالسَّبَبِ، و “لا” ناهيَةٌ جازِمَةٌ. و “تَبْتَئِسْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بِ “لا” الناهِيَةِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ عَلَى بنيامينَ أَخِي يوسفَ، وهذه الجُملةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “إنَّ”. و “بِمَا” الباءُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “تَبْتَئِسْ” و “ما” اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بالباءِ، أَوْ نَكِرةٌ مقصودَةٌ. و “كَانُوا” فِعْلٌ ناقِصٌ مبنيٌّ عَلَى الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواو الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسْمِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. وجُمْلَةُ والجملةُ صلةٌ ل “ما” لا محلَّ لها منَ الإعرابِ، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُهُ: بما كانوا يعملونه، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في مَحَلِّ الجَرِّ. و “يَعْمَلُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرهِ والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، وهذه الجملةُ في محلِّ نَصْبِ خبرِ كانَ، ويَصِحُّ أنْ تكونَ “ما” مَصْدَرِيَّةً.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com