فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 79
 
قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)
قولُهُ ـ عَزَّ وجَلَّ: {قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} مَعاذَ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وَهُوَ اللَّجَأُ إِلَى مَكَانٍ لِلتَّحَصُّنِ. أي لسنا في حاجةٍ إلى أنْ نأْخُذَ رجلًا بريئًا لم يقترف ذنبًا بدلًا من آخرَ سَرَقَ صواعنا ووجدناه بحوزته مُخبَّأً في رِحالِهِ. فالغايةُ القصاصُ مِنَ السارقِ وليستِ اسْتِرْقاقَ البَشَرِ. فلسنا من الظالمين ولم يَجْعَلْنَا اللهُ تعالى محتاجينَ لمثلِ هذا فإنَّ لدينا الكثير من العبيد والخدَمِ والعاملين في خدمتنا. فإنَّنا نَلْجَأُ إِلَى اللهِ تعالى أَنْ يَعْصِمَنَا مِنْ أَخْذِ مَنْ لَا حَقَّ لَنَا فِي أَخْذِهِ، أَيْ أَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ الظُّلْمِ لِأَنَّ أَخْذَ مَنْ وُجِدَ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ صَارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وَأَمَّا أَخْذُ غَيْرِهِ فَلَا يَسُوغُ إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، وَلِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا. وَدَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئَانِ: وُقُوعُ إِنَّ فِي صَدْرِ الْجُمْلَةِ، وَالْإِتْيَانُ بِحَرْفِ الْجَزَاء وَهُوَ إِذًا.
قولُه: {إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} فإذا فعلناها وأَخذنا البريءَ رقيقًا كنا من الظالمين وقد عَصَمَنَا اللهُ من ذلك. وَضَمَائِرُ نَأْخُذَ ووَجَدْنا ومَتاعَنا وإِنَّا ولَظالِمُونَ مُرَادٌ بِهَا الْمُتَكَلِّمُ وَحْدَهُ دُونَ مُشَارِكٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمَالِ ضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي التَّعْظِيمِ حِكَايَةً لِعِبَارَتِهِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا فَإِنَّهُ كَانَ عَظِيمَ الْمَدِينَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ تَوَاضُعًا مِنْهُ تَشْبِيهًا لِنَفْسِهِ بِمَنْ لَهُ مُشَارِكٌ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ مَوْجُودٌ فِي الْكَلَامِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْخَضِرِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} الْآيَتَان: 80 و 81 مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُكَاشِفْهُمْ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِحَالِهِ وَيَأْمُرْهُمْ بِجَلْبِ أَبِيهِمْ يَوْمَئِذٍ: إِمَّا لِأَنَّهُ خَشِيَ إِنْ هُوَ تَرَكَهُمْ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ أَنْ يَكِيدُوا لِبِنْيَامِينَ فَيَزْعُمُوا أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ جَمِيعًا إِلَى أَبِيهِمْ فَإِذَا انْفَرَدُوا بِبِنْيَامِينَ أَهْلَكُوهُ فِي الطَّرِيقِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ الْقِبْطِ وَبَيْنَ الْكَنْعَانِيِّينَ فِي تِلْكَ الْمدَّة عَدَاوَة فَخَافَ إِنْ هُوَ جَلَبَ عَشِيرَتَهُ إِلَى مِصْرَ أَنْ تَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ وَإِلَيْهِمْ ظُنُونُ السُّوءِ مِنْ مَلِكِ مِصْرَ فَتَرَيَّثَ إِلَى أَنْ يَجِدَ فُرْصَةً لِذَلِكَ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَفَاءِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَكْرَهُهُ أَوْ يُسِيءُ ظَنَّهُ، فَتَرَقَّبَ وَفَاةَ الْمَلِكِ أَوِ السَّعْيَ فِي إِرْضَائِهِ بِذَلِكَ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْلِمَ مِنْ أَخِيهِ فِي مُدَّةِ الِانْفِرَادِ بِهِ أَحْوَالَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِمْ أَوْ بِبَعْضِهِمْ.
ولَعَلَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، أَنْ يَأْخُذَ أَخَاهُ بِنْيامِينَ وَنَهَاهُ عَنِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَأَخْذِ الْبَدَلِ، كَمَا أَمَرَ تَعَالَى الخَضِرَ صَاحِبَ مُوسَى ـ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، بِقَتْلِ الطِفْلِ الذي لَوْ بَقِيَ لَطَغَى وكَفَرَ كما جاءَ في سُورَةِ الكَهْفِ، وذَلِكَ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلَى يَعْقُوبَ ـ عليه السلامُ، لِيَصْبِرَ على قَضاءِ اللهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فيُعظِمَ أَجْرَهَ ويَرْفَعِ مَقَامَهُ، ولِتَكونَ فَرْحَتُهُ بِلِقائِهِمَا أَعْظَمَ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تَقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُفُ” ـ عليه السلامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مَعَاذَ” مَنْصوبٌ على المَفْعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا تَقْديرُهُ: نَعُوذُ بِاللهِ مَعَاذًا؛ أَيْ: نَتَعَوَّذُ باللهِ تَعَوُّذًا، وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مُضافٌ إليه، والجُمْلَةُ المَحْذوفَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”.
قولُهُ: {أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} أَنْ: حرفٌ ناصِبٌ مصدريٌّ، و “نَأْخُذَ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى “يوُسُفُ” ـ عليهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مجرورٍ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحذوفٍ تقديرُهُ: نَعوذُ باللهِ مِنْ أَخْذِنَا إلّا مَنْ وَجَدْنا متاعَنا عندَهُ. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ. و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحلِّ النَّصْبِ، مَفعولٌ بِهِ. و “وَجَدْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضمير رفعٍ متحرِّكٍ، هو “نا” الجماعة، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلمين متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، و “مَتَاعَنَا” مَفعولٌ به منصوبٌ، وهو مضافٌ، و “نا” ضمير جماعة المتكلمينَ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ. و “عِنْدَهُ” منصوبٌ على الظَرفيَّةِ المَكانِيَّةِ، مُتَعلِّقٌ ب “وجد” وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. والجُملةُ صِلَةُ الاسمِ الموصولِ “مَنْ”.
قولُه: {إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} إِنَّا: إِنَّا: حرفٌ ناصِب ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “إِذًا” حَرْفُ جَوابٍ وجَزَاءٍ لا عَمَلَ لَهَا؛ لِعَدَمِ دُخُولِها عَلَى الفِعْلِ. و “لَظَالِمُونَ” اللامُ المزحلقةُ للتوكيدِ، (حرف ابتداء)، و “ظالمون” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السَّالِمُ، وجُملَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَال” مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها.
 


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 77
 
قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} تَعليلٌ لِسَرِقَةِ بِنْيامِينَ وربطها بأخيهِ يوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، لأنَّهما مِنْ أمِّ واحدةٍ غير أُمِّ الإخوةِ العَشَرةِ، وهي راحيل. فكأَنَّهم يردونَ هذا إلى وَصفٍ متأَصِّلٍ في أمهما راحيلَ، أَيْ: لا تَعْجَبْ يا عَزيزَ مِصْرَ؛ لأَنَّ هَذِهِ خَصْلَةٌ في أَوْلادِ راحِيلَ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ: (رَاحِيلُ) هَذِهِ أُمُّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبِنْيَامِينَ وَ (لِيئَةُ) بِنْتُ لَابَانَ أُخْتُ رَاحِيلَ وَهِيَ أُمُّ رُوبِينَ، وَشَمْعُونَ، وَلَاوِي، وَيَهُوذَا، وَبِسَاكِرَ، وَزَبُولُونَ وَ (بُلْهَةُ) جَارِيَةُ رَاحِيلَ وَهِيَ أُمُّ دَانَا، وَنَفْتَالِي وَ (زُلْفَةُ) جَارِيَةُ رَاحِيلَ أَيْضًا وَهِيَ أُمُّ جَادَ، وَأَشِيرَ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِيَبْرَؤوا مِنْ فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُمِّهِمْ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَنْسَابِ يُشَاكِلُ فِي الْأَخْلَاقِ. قالوا ذَلِكَ وَهمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهمْ يَتَحَدَّثونَ إِلى يُوسُفَ بْنِ رَاحيل!. لكنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَنْزِعْ إِلى الرَّدِّ، بلْ أَسَرَّهَا فِي نَفْسِهِ. لِيَظَلَّ مَجْهولًا بالنِّسْبَةِ لَهُم، لِتَأْخذَ الأُمورُ مَجْراها، حدَثَ ذَلِكَ رَغْمَ أَنَّ قَوْلَهم قدْ أَثَّرَ فِيهِ. فإنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الصُّوَاعُ مِنْ رَحْلِ بِنْيامِينَ نَكَسَ إِخْوَتُهُ رُؤوسَهم، وَقَالُوا: هَذِهِ الْوَاقِعَةُ عَجِيبَةٌ أَنَّ رَاحِيلَ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ لِصَّيْنِ، ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي رَاحِيلَ مَا أَكْثَرَ الْبَلَاءَ عَلَيْنَا مِنْكُمْ، فَقَالَ بِنْيَامِينُ مَا أَكْثَرَ الْبَلَاءَ عَلَيْنَا مِنْكُمْ أَنتم، ذَهَبْتُمْ بِأَخِي يوسُفَ وَضَيَّعْتُمُوهُ فِي الْمَفَازَةِ، ثُمَّ تَقُولُونَ لِي هَذَا الْكَلَامَ، قَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ خَرَجَ الصُّوَاعُ مِنْ رَحْلِكَ؟، قَالَ: وَضَعَهُ فِي رَحْلِي مَنْ وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ. وظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ قَالُوا لِلْمَلِكِ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ بِغَرِيبٍ مِنْهُ فَإِنَّ أَخَاهُ الَّذِي هَلَكَ كَانَ أَيْضًا سَارِقًا، وَكَانَ غَرَضُهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّا لَسْنَا عَلَى سِيرَتِهِ، هُوَ وَأَخُوهُ فقطْ مُتَّصِفانِ بِهَذا الوصفِ سالكانِ لهذا السبيل المعوجِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أُمٍّ غير أُمِّنا. وَقد اخْتَلَفَ المفسِّرونَ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ كَافِرًا يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ، فَأَمَرَتْهُ أُمُّهُ بِأَنْ يَسْرِقَ تِلْكَ الْأَوْثَانَ وَيَكْسِرَهَا، لَعَلَّهُم يَتْرُكُونَ عِبَادَتَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ السَّرِقَةُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَسْرِقُ الطَّعَامَ مِنْ مَائِدَةِ أَبِيهِ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، حتى قِيلَ إنَّهُ سَرَقَ عَنَاقًا مِنْ أَبِيهِ وَدَفَعَهُ إِلَى مِسْكِينٍ، وَقِيلَ دَجَاجَةٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ عَمَّتَهُ كَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا فَأَرَادَتْ أَنْ تُمْسِكَهُ عِنْدَ نَفْسِهَا ـ كما تقدَّمَ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عِنْدَهَا مِنْطَقَةٌ لِإِسْحَاقَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، فَشَدَّتْهَا عَلَى وَسَطِ يُوسُفَ، ثُمَّ قَالَتْ بِأَنَّهُ سَرَقَهَا، وَكَانَ مِنْ حُكْمِهِمْ بِأَنَّ مَنْ سَرَقَ يُسْتَرَقُّ، فَتَوَصَّلَتْ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إِلَى بقائهِ عِنْدَهَا. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وَبَهَتُوهُ، وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ مَمْلُوءَةً بِالْغَضَبِ عَلَى يُوسُفَ بَعْدَ تِلْكَ الْوَقَائِعِ، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَلْبَ الْحَاسِدِ لَا يَطْهُرُ عَنِ الْغِلِّ الْبَتَّةَ.
قولُهُ: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: “فَأَسَرَّها يُوسُفُ” إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَعُودُ؟ فقَالَ الزَّجَّاجُ: “فَأَسَرَّهَا” إِضْمَارٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، وتَفْسِيرُهُ “أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا” وَإِنَّمَا أُنِّثَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: “أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا” جُمْلَةٌ، أَوْ كَلِمَةٌ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الطَّائِفَةَ مِنَ الْكَلَامِ كَلِمَةً، كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَسَرَّ الْجُمْلَةَ أَوِ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: “أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا” وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “فَأَسَرَّ” بِالتَّذْكِيرِ، يُرِيدُ الْقَوْلَ أَوِ الْكَلَامَ، وَقد طَعَنَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِيمَا اسْتَدْرَكَهُ عَلَى الزَّجَّاجِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أمَّا أَوَّلُ الوجهينِ: قَالَ الْإِضْمَارُ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ كَقَوْلِنَا: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ فَفِي نِعْمَ ضَمِيرُ فَاعِلِهَا، وَرَجُلًا تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ وَالْآخَرُ أَنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ وَأَصْلُ هَذَا يَقَعُ فِي الِابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تعالى في سورة الْأَنْبِيَاءِ: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية: 97، وَالْمَعْنَى: الْقِصَّةُ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وكقولِه في أوَّلِ سورةِ الْإِخْلَاصِ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وَالْأَمْرُ: الله أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّ الْعَوَامِلَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ تَدْخُلُ عَلَيْهِ أَيْضًا نَحْوَ “إِنَّ” في قَوْلِهِ: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} الآية: 74 من سورة: طه، وفي قولِهِ: {فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ} الآية: 46 من سورةِ الحجِّ. ونَفْسُ الْمُضْمَرِ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ فِي كِلَا الْقِسْمَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنْهَا الْإِضْمَارُ، وَلَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ وَلَا مبايِنًا لَها. والتَّفْسِيرُ هَهُنَا مُنْفَصِلٌ عَنِ الْجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنْهَا الْإِضْمَارُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْسُنَ. وَثَانِيهِما: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: “أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا” وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ، وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَضْمَرَ هَذَا الْكَلَامَ لَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ كَذِبًا. وَهَذَا الوجهُ مِنْ طَعْنِ أَبي عَلِيٍّ ضَعِيفٌ لِوجْهَينِ:
ـ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُسْنِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قُبْحُ القِسْمٍ الثَالِثٍ.
ـ والثَّانِي: أَنَّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ، وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَسْقُطُ هَذَا السُّؤَالُ.
أمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي من اعتراضِ الفارسيِّ على الزجَّاجِ: فَهُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: “فَأَسَرَّها” عَائِدٌ إِلَى الْإِجَابَةِ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّ يُوسُفُ إِجَابَتَهُمْ فِي نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إِلَى وَقْتٍ ثَانٍ. وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ إِضْمَارًا لِلْمَقَالَةِ. وَالْمَعْنَى: أَسَرَّ يُوسُفُ مَقَالَتَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَقَالَةِ مُتَعَلِّقُ تِلْكَ الْمَقَالَةِ كَمَا يُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ وَبِالْعِلْمِ الْمَعْلُومُ يَعْنِي أَسَرَّ يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهَا كَيْفَ وَقَعَتْ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ الذَّمَّ وَالطَّعْنَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: لِأَجْلِ هَمِّهِ بِهَا: عُوقِبَ بِالْحَبْسِ. وَلِقَوْلِهِ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} الآية: 42، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، عُوقِبَ بِالْحَبْسِ الطَّوِيلِ. وَلِقَوْلِهِ: {إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ} الآية: .7، عُوقِبَ بِقَوْلِهِمْ: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ.
قولُهُ: {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} أَيْ أَنْتُمْ شَرٌّ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله تَعَالَى لِمَا أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِ أَخِيكُمْ وَعُقُوقِ أَبِيكُمْ، فَأَخَذْتُمْ أَخَاكُمْ، وَطَرَحْتُمُوهُ فِي الْجُبِّ، ثُمَّ قُلْتُمْ لِأَبِيكُمْ إِنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ وَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ، ثُمَّ بِعْتُمُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَالزَّمَانِ الْمُمْتَدِّ مَا زَالَ الْحِقْدُ وَالْغَضَبُ عَنْ قُلُوبِكُمْ فَرَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ.
قَولُهُ: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} يُرِيدُ أَنَّ سَرِقَةَ يُوسُفَ كَانَتْ رِضًا للهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ فِي سَرِقَتِهِ لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْهَا عَوْدَ الذَّمِّ وَاللَّوْمِ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: ـ ـ والله أَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُمُوهُ بِهِ هَلْ يُوجِبُ عَوْدَ مَذَمَّةٍ إِلَيْهِ أَمْ لَا.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والألفُ فارقة، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِنْ” شَرْطِيَّةٌ جازمةٌ. و “يَسْرِقْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجزومٌ بِ “إِنْ” الشَّرْطِيَّةِ، على أنَّهُ فعلُ الشرطِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَي بِنْيامِينَ. و “فَقَدْ” الفاءُ: رابطَةٌ لِجوابِ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ وُجُوبًا لاقْتِرانِهِ بِ “قد”، و “قد” للتَحقيقِ. و “سَرَقَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ عَلَى كَوْنِهِ جَوابًا لَهَا. و “أَخٌ” فاعِلُهُ مرفوعٌ به، و “لَهُ” اللامُ: جرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بصفةٍ لِ “أَخٌ”، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرف الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “سَرَقَ”، و “قَبْلُ” اسْمٌ ظَرْفيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرف الجرِّ لأَنَّه مَقْطوعٌ عنِ الإضافة، وجُمْلَةُ “إِنْ” الشَّرْطِيَّةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقول ل “قَالُوا”.
قولُهُ: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} الفاءُ: حرف عطفٍ. و “أَسَرَّ” يوسف}: فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ به في مَحلِّ نصبِ مفْعولٍ بِهِ. و “يوسُفُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بهِ ولم يُنَوَّنْ لأنَّهُ ممنوعٌ من الصرفِ بالعلميةِ والعُجمةِ، و “فِي” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِ “أسرَّ”، و “نَفْسِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه.
قولُه: {وَلَمْ يُبْدِهَا لهم} الواو: حرف عطفٍ، و “لم” حرفُ جَزْمٍ ونفيٍّ وقلبٍ، و “يبدِ” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جَزمِهِ حذف حرف العلَّةِ من آخرهِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ به جوازًا تقديرُه “هو” يعودُ على “يوسُف”، و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصب مفعولٍ بِهِ، والجُمْلَةُ معطوفَةٌ عَلى “فَأَسَرَّهَا”. و “لَهُمْ” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “يُبْدِها”، والجُمْلَةُ مَعْطوفةٌ عَلَى جُمْلَةِ “فَأَسَرَّهَا”.
قولُهُ: {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} قَالَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُفُ”، والجملة مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “أَنْتُمْ” ضميرُ فصلٍ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و “شَرٌّ” خبرُهُ مرفوعٌ. و “مَكَانًا” تَمْييزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، مَنْصوبٌ باسْمِ التَّفْضيلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} الوَاوُ: و “اللهُ” لفظُ الجلالةِ مرفوعٌ بالابتداءِ، و “أَعْلَمُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ. وهذه الجملةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ لِ “قَالَ”، و “بِمَا” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِ “أَعْلَمُ”، و “ما” موصولةٌ أو موصوفةٌ أو مصدريَّةٌ، و “تصفون” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعلامة رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ: واوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والعائدُ أَوِ الرّابِطُ مَحذوفٌ تَقديرُهُ: بِمَا تَصِفُونَهُ، وجُمْلَةُ “تَصِفُونَ” صِلَةٌ لِ “ما” أَوْ صِفَةٌ لَهَا.
قرأَ الجمهورُ: {فَقَدْ سَرَقَ} مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا للفاعِلِ. وقرأَ أَحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأَنْطَاكِيُّ، وابْنُ أَبي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائيِّ والوَليدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ يَعقوبَ في آخَرِين: “سُرِّقَ” مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا للمَفْعولِ، أَيْ: نُسِبَ إِلى السَّرِقَةِ.
قرأَ الجمهورُ: {فَأَسَرَّها} بالتأنيث، وقرأَ عَبْدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وابْنُ أَبي عَبْلَةَ: “فَأَسَرَّه” بالتَذكْيرِ. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: يُريدُ القولَ أَوِ الكَلامَ. وقالَ العُكبُريُّ: المُضْمَرُ يَعودُ إلى نِسْبتِهم إيَّاهُ إِلى السَّرِقَةِ، وقدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ. وقيلَ: في الكلامِ تقديمٌ وتَأخيرٌ تَقديرهُ: قالَ في نَفْسِهِ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا، وأَسَرَّها أَيْ هَذِهِ الكَلِمَةَ. قالَ السمينُ: ومِثْلُ هذا يَنْبغي أَنْ لا يُقالَ: فإنَّ القرآنَ يُنَزَّهُ عَنَهُ.


فيض العليم … سورة يوسُفَ، الآية: 78

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)

قولُهُ ـ تَعالى شأنُهُ: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} الْكِبَرِ مِنَ القدرِ أَوْ مِنَ السِّنِّ، وَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ، إِذْ كَانَ هُوَ أَصْغَرَ الْإِخْوَةِ، وَالْأَصْغَرُ أَقْرَبُ إِلَى رِقَّةِ الْأَبِ عَلَيْهِ. ويجوزُ أنْ يكونوا قصَدوا الاثنينِ معًا، كِبَرَ القَدْرِ وكِبَرَ السِّنِ، أوْ هما معًا لأنَّهُ واقعُ الحالِ. وَجُمْلَةُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ تَعْلِيلٌ لِإِجَابَةِ الْمَطْلُوبِ لَا لِلطَّلَبِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا تردّ سؤالَنا لِأَنَّنا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَمِثْلُكَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يَسُوءُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا.
وَقد نَقَلَ الإمامُ البَغَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى، فِي تفسيرِهِ أَنَّ أبناءَ يعقوبَ قد غَضِبُوا غَضَبًا شَدِيدًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَوا إِذَا غَضِبَوا لَمْ يُطَاقُوا، فقَد كَانَ (رُوبِيلُ) إِذَا غَضِبَ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، وَإِذَا صَاحَ أَلْقَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ وَلَدَهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا إِذَا مَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ سَكَنَ غَضَبُهُ. وَقِيلَ: كَانَتْ هَذَه صِفَةَ (شَمْعُونَ) مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ. وَرُوِيَ أَنَّ (روبيلَ) قَالَ لِإِخْوَتِهِ: كَمْ عَدَدُ الْأَسْوَاقِ بِمِصْرَ؟ فَقَالُوا: عَشَرَةٌ، فَقَالَ: اكْفُونِي أَنْتُمُ الْأَسْوَاقَ وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْمَلِكَ، أَوِ اكْفُونِي أَنْتُمُ الْمَلِكَ، وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْأَسْوَاقَ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ (رُوبِيلُ): لَتَرُدَّنَ عَلَيْنَا أَخَانَا أَوْ لَأَصِيحَنَّ صَيْحَةً لَا تُبْقِي بِمِصْرَ امرأَةٌ حاملٌ إِلَّا أَلْقَتْ وَلَدَهَا، وَقَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِ رُوبِيلَ فَخَرَجَتْ مِنْ ثِيَابِهِ، فَقَالَ يُوسُفُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إِلَى جَنْبِ رُوبِيلَ فَمُسَّهُ. وَرُوِيَ: خُذْ بِيَدِهِ فَأْتِنِي بِهِ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ. فَقَالَ رُوبِيلُ: إِنَّ هَهُنَا لَبِذَرًا مِنْ بِذْرِ يَعْقُوبَ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ يَعْقُوبُ؟ وَرُوِيَ أَنَّهُ غَضِبَ ثَانِيةً، فَقَامَ إِلَيْهِ يُوسُفُ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ وَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: أَنْتُمْ يا مَعْشَرَ الْعِبْرَانِيِّينَ تَظُنُّونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ مِنْكُمْ؟. فَلَمَّا صَارَ أَمْرُهُمْ إِلَى هَذَا وَرَأَوْا أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى تَخْلِيصِهِ خَضَعُوا، وذَلُّوا، وقالوا: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا متعلِّقٌ بهِ قَلْبُهُ، يُحِبُّهُ حُبًّا جمًا، فَخُذْ أَحَدَنَا مَكانَهُ، بَدَلًا مِنْهُ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فِي أَفْعَالِكِ. وَقِيلَ المعنى: مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا فِي تَوْفِيَةِ الْكَيْلِ، وَحُسْنِ الضِّيَافَةِ، وَرَدِّ الْبِضَاعَةِ. وَقِيلَ: يَعْنُونَ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فوَصَفُوا أَبَاهُمْ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وَهِيَ: حَنَانُ الْأُبُوَّةِ، وَصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، وَاسْتِحْقَاقُهُ جَبْرَ خَاطِرِهِ لِأَنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أَوْ لِأَنَّهُ انْتَهَى فِي الْكِبَرِ إِلَى أَقْصَاهُ فَالْأَوْصَافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلَى إطلاقِ سَرَاحِ الابْنِ لَا لِأَصْلِ الْفَائِدَةِ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا أَخْبَرُوا يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِخَبَرِ أَبِيهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ: إِمَّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإِسَاءَتُهُ تَسُوءُهُمْ جَمِيعًا وَمِنْ عَادَةِ الْوُلَاةِ اسْتِجْلَابُ الْقَبَائِلِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيراً تَأْكِيدًا لِـ شَيْخاً أَيْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْكِبَرِ من السِّنِّ، وَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ، إِذْ كَانَ هُوَ أَصْغَرَ الْإِخْوَةِ، وَالْأَصْغَرُ أَقْرَبُ إِلَى رِقَّةِ الْأَبِ عَلَيْهِ.
قولُهُ: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} وَأَصْلُ الْمَكَانِ مَحَلُّ الْكَوْنِ، أَيْ مَا يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْجِسْمُ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْعِوَضِ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ فِي مَكَانِ الشَّيْءِ الْمُعَوَّضِ عَنْهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الشريف: ((هَذِهِ مَكَانُ حُجَّتِكَ)). وَجُمْلَةُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ تَعْلِيلٌ لِإِجَابَةِ الْمَطْلُوبِ لَا لِلطَّلَبِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأَنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مَا يَسُوءُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا.
قولُهُ تَعال: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} قَالُوا: قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والألفُ فارقة، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “يا” للنِّداءِ، و “أيُّ” مُنَادَى نَكِرَةٌ مَقْصُودَةٌ مبنيَّةٌ على الضمِّ في محلِّ النَّصبِ بالنداء. و “ها” للتَنْبيهِ. و “الْعَزِيزُ” صِفَةُ “أيُّ”، أو بدلٌ منها أو عطفُ بيانٍ لها تَبِعَها في الرَّفْعِ لَفْظًا، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا”.
قولُهُ: {إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} إنَّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونَسْخٍ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ للتَوكيدِ. و “لَهُ” اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ “إنَّ” المُقَدَّمِ المُقدَّرِ، و والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “أَبًا” منصوبٌ اسْمُ “إِنَّ” المُؤَخَّرٌ. “شَيْخًا” صِفَةٌ لِ “أَبًا”. “كَبِيرًا” صفةٌ لِ “شَيْخًا”، وجملةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا” عَلَى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ.
قولُهُ: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} الفاءُ: للعَطْفِ والتَّفْريعِ. و “خُذْ” فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنتَ” يَعُودُ عَلَى “يوُسُفُ”، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “إنَّ”. و “أَحَدَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مُضافٌ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعُولِهِ. و “مَكَانَهُ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “خُذْ”، ويَجوزُ أَنْ يُضَمَّنَ “خُذْ” مَعْنَى “اجْعَلْ” فيكونُ “مكانَ” في مَحَلِّ المَفْعولِ الثاني. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فَخُذْهُ بَدَلَهُ عَلَى جِهَةِ الاسْتِرْهانِ أَوِ الاسْتِعبْادِ. وهوَ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} إِنَّا: حرفٌ ناصِب ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “نَرَاكَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ، لتعذُّرِ ظهورِها على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعُودُ عَلَى إِخْوَةِ يُوسُفَ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ بِهِ؛ لأَنَّ الرُّؤْيةَ هنا بَصْرَيَّةٌ. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “نرى”، و “الْمُحْسِنِينَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمً، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المُفردِ، ويَصِحُّ كونُ الرُؤيا عِلْمِيَّةً، فيكونُ الجارُّ والمجرورُ في مَحَلِّ نَصْبِ المَفْعولِ الثاني. وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “إِنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا” مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلها.


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 76
 
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} فبَدَأَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَةِ الإِخْوَةِ العَشَرَةِ قَبْلُ تَفْتيشِ وِعَاءِ أَخِيهِ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ ودفعِ الشكِّ، وتمكينٌ للحِيلَةِ، وإِبعادٌ لظُهُورِ أَنَّها حِيلَةٌ، وأَضافَ اللهُ سُبْحانَهُ الكَيْدَ إِلى ضِمِيرِهِ تعالى؛ لَمَّا خَرَجَ القَدْرُ الذي أَبَاحَ بِهِ لِيُوسُفَ أَخْذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هوَ كيدٌ في اعْتقادِ النَّاسِ. فِقِيلَ البادئُ بالتفتيشِ هو المُؤَذِّنُ، ورُجِّحَ ذلكَ بقربِ سَبْقِ ذِكْرِهِ، وقيلَ: هو يوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، فقدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قالَ إِخْوَتُهُ ما قالوا، قالَ لَهُمْ أَصْحابُهُ: لا بُدَّ مِنْ تَفْتيشِ رِحالِكمْ فَرَدُّوهمْ بَعْدَ أَنْ سارُوا مَنْزِلًا، ولا يَخْفَى أَنَّ إِسْنَادَ التَّفْتيشِ إِلَيْهِ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَجَازِيٌّ، فإنَّ المُفَتَّش حَقيقَةً هم عمَّالُهُ وإنَّما هو مَنْ أَمَرَهم بذلكَ.
قولُهُ: {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} رُوِيَ أَنَّ يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، لَمَّا بَلَغَتْ النَّوبَةُ إِلى وِعاءِ أَخِيهِ بنيامينَ قالَ: ما أَظُنُّ هَذا أَخَذَ شَيْئًا فَقالَ إخوتُهُ: واللهِ لا تَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأَنْفُسِنَا، فَفَعَلَ. “ثُمَّ استخرجها” أَيْ السِقَايَة أَوِ الصُّواع، “مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ” بِنْيامِينَ، لأَنَّ فِيهِ التَذْكِيرَ والتَأْنيثَ جائزٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وقيلَ: بَلْ لأَنَّهُ حُمِلَ عَلى مَعْنَى السِّقايَةِ. وقالَ أَبو عُبَيْدٍ: يؤنَّثُ الصُّواعُ مِنْ حَيْثُ يُسَمَّى “سِقَايَةَ”، ويُذكَّرُ مِنْ حَيْثُ هوَ صُواعٌ. قالوا: وكأَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ لَمْ يَحْفظْ في الصُّواعِ التَأْنيثَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالُوا: رَجَعَ بالتَأْنِيثِ عَلَى السِّقايَةِ، ثمَّ قالَ: ولَعَلَّ يُوسُفَ كانَ يُسَمِّيهِ “سِقاية” وكان عَبيدُهُ يُسَمُّونَها “صُواعًا” فقد وَقَعَ فيما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الكَلامِ “سِقاية”، وفيما يَتَصِلُ بِهم “صواعًا”. وقيلَ: إنَّ الضَميرَ عائدٌ عَلَى السَّرِقة. وفيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ السِّرِقَةَ لا تُسْتَخْرِجَ، إِلَّا بِمَجَازٍ. ورُوي أَنَّ المُفَتِّشَ كانَ إِذا فَرَغَ من رَحْلِ رَجُلٍ، فلم يجدْ فيه شيئًا، استغفر اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره؛ أنَّ المستغفِرَ هو “يُوسُفُ” حتى انْتَهَى إِلى رَحْلِ بِنْيَامِينَ، فقال: ما أظَنُّ هذا الفتى رضيَ بهذا، ولا أَخَذَ شيئًا، فقال له إِخوته: واللهِ، لاَ تَبْرَحْ حَتَّى تُفَتِّشَهُ، فهو أطْيَبُ لنفسك ونفوسِنَا، فَفَتَّشَ حينئِذٍ، فأخْرَجَ السِّقاية. وروي أنَّ أُخوة يوسُفَ لما رأَوْا ذلك، عَنَّفُوا بِنْيَامِينَ، وقالوا له: كَيْفَ سَرَقْتَ هذه السِّقَايَةَ؟ فقال لهم: واللهِ، ما فَعَلْتُ، فَقَالُوا له: فَمَنْ وَضَعَهَا في رَحْلِكَ؟ قالَ: الذي وَضَعَ البِضَاعَةَ في رِحَالِكُمْ. وقيلَ: الضَّميرُ عائدٌ على السَّرِقَةِ المَفْهومَةِ مِنَ الكَلامِ، ولمْ يَقُلْ مِنْهُ فيُرْجِعُ الضَّميرَ إِلى الوِعاءِ، أَوْ مِنْ وِعائِهِ، فيرْجِعُ الضميرَ إلى أَخِيهِ، وذلك قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ، والوِعاءُ: هو الظَّرْفُ الذي يُحْفَظُ فيهِ الشَّيْءُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَعْيِ وَهُوَ الْحِفْظُ. وكَأَنَّ المُرادَ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الرَّحْلَ وغيرَهُ لأَنَّهُ الأَنْسَبُ بِمَقامِ التَفْتيشِ، ولذا لَمْ يُعَبِّرْ بالرِّحالِ، بل قالَ الوعاءِ. وعَلَيْهِ يَكونُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، قدْ فَتَّشَ كُلَّ ما يُمْكِنُ أَنْ يُحْفَظَ الصُّوَاعُ فيهِ مِمَّا كانَ مَعَهُمْ مِنْ رَحْلٍ وغَيْرِهِ.
قولُهُ: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ بِحَمْلِ الإخْوةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكورِ وإِجْرائِهِ عَلى أَلْسِنَتِهم، صَنَعْنا أيضًا وَدَبَّرْنا ليوسُفَ مِنْ أَجْلِ تَحصيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ التي رَتَّبَها مِنْ دَسِّ السِّقايَةِ ومَا يَتْلوهُ، فالكَيْدُ هنا مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ، وإلَّا فَحَقيقَتُهُ أَنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفيهِ وتُريدُهُ، وقيلَ: “كِدْنَا” هُنَا بِمَعْنَى أرَدْنا، ومنهُ ما أنشَدَ سعيدٌ الأخفشُ:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ….. لَوْ عَادَ مِنْ عَهْدِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى
وفيهِ جَوازُ التَّوَصُّلِ إِلى الأَغْراضِ بالحِيَلِ إذا لَمْ تُخالِفْ شَريعَةً، ولا هَدَمَتْ أَصْلًا، خِلافًا لأَبي حَنيفَةَ النعمانِ ـ رضي اللهُ عنه، في تَجويزِهِ الحِيَلَ وإنْ خَالَفَتِ الأُصُولَ.
قولُهُ: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ} تَفْسِيرٌ للكَيْدِ وبَيَانٌ لَهُ، وذَلِكَ أَنَّهُ كانَ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُغَرَّمَ السَّارقُ مِثْلَيْ مَا أَخَذَ، لا أَنَّهُ يُلْزَمُ ويُسْتَعْبَدُ. وقال السُّدِّيُّ والضَّحَّاك ـ رضي اللهُ عنهما: “كِدْنَا” مَعْنَاه: صَنَعْنَا، وفسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، “دِينِ المَلِكِ” بِسُلْطَانِهِ، وفَسَّرَهُ قَتَادَةُ ـ رضي اللهُ عنهُ، بالقضاءِ والحُكُم، وهذا كلُّهُ مُتَقارِبٌ. وَمَعْنَى لَامِ الْجَحُودِ هُنَا نَفْيُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَبَبٌ يُخَوِّلُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخْذَ أَخِيهِ عِنْدَهُ. وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ أَسْبَابِ أَخْذِ أَخِيهِ الْمَنْفِيَّةِ. وَفِي الْكَلَامِ حَرْفُ جَرٍّ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ، وَهُوَ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا نَفْيُ الْأَخْذِ، أَيْ أَسْبَابُهُ. فَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا بِأَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَيْ يُلْهِمَ تَصْوِيرَ حَالَتِهِ وَيَأْذَنَ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي عَمَلِهِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْجَمَّةِ لِيُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ لَهُمْ وَلِذُرِّيَّتِهِمْ.
قولُهُ: {اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ أَخْذِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخَاهُ لِأَنَّ فِيهَا رَفْعَ دَرَجَةِ يُوسُفَ فِي الْحَالِ بِالتَّدْبِيرِ الْحَكِيمِ مِنْ وَقْتِ مُنَاجَاتِهِ أَخَاهُ إِلَى وَقْتِ اسْتِخْرَاجِ السِّقَايَةِ مِنْ رَحْلِهِ. وَرَفْعَ دَرَجَةِ أَخِيهِ فِي الْحَالِ بِإِلْحَاقِهِ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْعَيْشِ الرَّفِيهِ وَالْكَمَالِ بِتَلَقِّي الْحِكْمَةِ مِنْ فِيهِ. وَرَفْعَ دَرَجَاتِ إِخْوَتِهِ وَأَبِيهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِسَبَبِ رَفْعِ دَرَجَةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَحُنُوِّهِ عَلَيْهِمْ. فَالدَّرَجَاتُ مُسْتَعَارَةٌ لِقُوَّةِ الشَّرَفِ مِنِ اسْتِعَارَةِ الْمَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. وَتَقَدَّمَ عند قَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 228، من سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}، وَعند قَوْلِهِ تعالى في سورة الأنفال: {لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الآية: 4. وروَى أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ بِسَنَدِهِ، عنْ مَالكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ـ رضي اللهُ عنْهُ؛ أَنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ ـ عَزَّ وجلَّ: “نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاءُ” قال: بالعِلْمِ.
قولُهُ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} قالَ الحَسَنُ وقَتادةُ وابْنُ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهم، المعنى: أَنَّ البَشَرَ في العلْمِ درجاتٌ، فكلُّ عالِمٍ فلا بُدَّ مِنْ أَعْلَمَ مِنْهُ، فَإِمَّا مِنَ البَشَرِ، وإِما اللهُ ـ عَزَّ وجَلَّ، ورُويَ أيضًا عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ: إِنَّما العليمُ اللهُ، وهوَ فوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ. وقالَ ابْنُ عطاءٍ السَكَنْدَريُّ، صاحبُ الحكَمِ العطائيَّةِ ـ رضيَ الله عنه، في (التنويرِ في إسقاطِ التدبيرِ): اِعْلَمْ أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّرَ في الكتابِ العزيزِ، أو في السُّنَّةِ، فإِنَّما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تُقارنُهُ الخشيةُ، وتكتنِفُه المَخَافةُ. وقال الشيخُ العارفُ أَبو القاسمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يوسُفَ اللَّجَائيُّ رحِمَهُ اللهُ: إِذا كَمُلَتْ للعبدِ ثلاَثُ خِصَالٍ، وصَدَقَ فيها، تفجَّرَ العْلْمُ مِنْ قَلْبِهِ على لسانهِ، وهي الزُّهْدُ، والإِخلاصُ، والتقوى، قال: ولا مَطْمَعَ في هذَا العلْمِ المذكورِ إِلا بَعْدَ معالجةِ القَلْبِ مِنْ عِلَلِه التي تُشينُه، كالكِبْرِ، والحَسَدِ، والغَضَبِ، والرياءِ، والسُّمْعةِ، والمَحْمَدَةِ، والجاهِ، والشَّرَفِ، وعُلُوِّ المنزلةِ، والطمَعِ، والحِرْصِ، والقَسْوةِ، والمُدَاهَنةِ، والحِقْدِ، والعَدَاوةِ، وكلِّ ما عَدَدْنَاهُ منَ العِلَلِ، وما لم نَعُدَّهُ راجعٌ إِلى أصلٍ واحدٍ، وهو حبُّ الدنيا، لأنَّ حُبَّها عنه يتفرَّعُ كلُّ شرٍّ، وعنه يتشعَّب كلُّ قبيح، فإِذا زالَتْ هذه العِلَلُ ظهر الصِّدْق، والإِخلاص، والتواضُعُ، والحِلْم، والوَرَعِ، والقَنَاعة، والزُّهْد، والصَّبْر، والرِّضا، والأُنْسُ، والمَحَبَّة، والشَّوْق، والتوكُّل، والخَشْية، والحُزْن، وقِصَر الأَمَلِ، وَمِزَاجُ النية بالعمل، فينبُعُ العِلْمُ، وينتفي الجَهْل، ويُضيءُ القَلْبُ بنورٍ إلاهيٍّ، ويتلألأُ الإِيمان، وتوضح المعرفةُ، ويتَّسِعُ اليقينُ، ويَتَقوَّى الإِلهامُ، وتبدو الفِراسَاتُ، ويصفى السرُّ، وتتجلَّى الأسرارُ، وتوجد الفوائدُ. وليس بَيْنَ العبدِ والترقِّي مِنْ سُفْلٍ إِلى عُلْوٍ إِلاَّ حُبُّ الدنيا؛ فإِن الترقِّي يتعذَّر مِنْ أجْل حبِّها؛ لأنها جاذبة إِلى العالَمِ الظُلْمانيِّ، وطِباعُ النفوسِ لذلك مائلةٌ، فإِنْ أردتَّ أنْ تقتفي أثَرَ الذاهِبينَ إِلى الله تعالى، فاسْتَخِفَّ بِدُنياكَ، وانْظُرْها بِعَيْنِ الزَّوالِ، وأَنْزِلْ نَفْسَكَ عِنْدَ أَخْذِ القُوتِ مِنْها مَنْزِلَةَ المُضْطَرِّ إِلى المَيْتَةِ.
وَفِي الآيةُ شَاهِدٌ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ الْمُؤْذِنِ بِأَنَّ عِلْمَ الَّذِي خَلَقَ لَهُمُ الْعِلْمَ لَا يَنْحَصِرُ مَدَاهُ، وَأَنَّهُ فَوْقَ كُلِّ نِهَايَةٍ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ. وَالْفَوْقِيَّةُ مَجَازٌ فِي شَرَفِ الْحَالِ، لِأَنَّ الشَّرَفَ يُشَبَّهُ بِالِارْتِفَاعِ. وَعَبَّرَ عَنْ جِنْسِ الْمُتَفَوِّقِ فِي الْعِلْمِ بِوَصْفِ عَلِيمٌ بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ إِلَى الْعَلِيمِ الْمُطْلَقِ سُبْحَانَهُ. وَظَاهِرُ تَنْكِيرِ عَلِيمٌ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ فَيَعُمُّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِقُوَّةِ الْعِلْمِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى عِلْمِ اللهِ تَعَالَى. فَعُمُومُ هَذَا الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَيَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ هَذَا الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ الْعَقْلِ إِذْ لَيْسَ فَوْقَ اللهِ عَلِيمٌ. وَقَدْ يُحْمَلُ التَّنْكِيرُ عَلَى الْوَحْدَةِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ عَلِيمٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ لِلْوَحْدَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّخْصِيصِ.
قولُهُ تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} الفاءُ: هي الفاءُ الفَصِيحَةُ؛ فقد أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ بِ: إذا عَرَفْتَ مَا قالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ، وأَصْحابُهُ، وأَرَدتَ بَيانَ ما فعَلَ هو بإخوتِهِ فأَقولُ لَكَ: “بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ”. و “بَدَأَ” فِعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُف” ـ عليهِ السَّلامُ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ، وجُمْلَةُ “إِذا” المُقَدَّرَةِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “بِأَوْعِيَتِهِمْ” الباءُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “بَدَأَ” و “أَوْعِيَةِ” مَجْرورٌ بهِ مضافٌ، وضميرُ الغائبينَ “هم” في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ. و “قَبْلَ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ الزمانيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِ “بَدَأَ” وهوَ مُضافٌ، و “وِعَاءِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وهو مضافٌ، و “أَخِيهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إليْهِ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ مِنَ الأَسماءِ الخَمْسَةِ، وهوَ مُضافٌ أَيْضًا، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ أيضًا.
قولُهُ: {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ. و “اسْتَخْرَجَهَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى يوسُفً ـ عليهِ السَّلامُ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ يعودُ في محَلِّ نَصْبِ مفعولِهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “استخراج”، و “وِعَاءِ” مَجْرورٌ بحرْفِ الجرِّ مُضافٌ، و “أَخِيهِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إليْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ من الأسماءِ الخَمْسَةِ، وهو مضافٌ أيضًا، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مي محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ. وجُمْلَةُ “استخرج” الفِعْلِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “بَدَأَ” على كونِها مقولَ القولِ لجوابِ “إذا” المُقدَّرةِ، لا محلَّ لها منَ الإعرابِ.
قولُهُ: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} كَذَلِكَ: الكافُ حرفُ جرٍّ وتشبيهٍ متعلِّقٌ بِصفةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ مَعْمُولٍ لِمَا بَعْدَهُ، و “ذا” سمُ إشارةٍ مبنيٌّ في محلِّ الجر بحرفِ الجَرِّ، واللامُ للبعدِ، والكافُ للخطابِ. و “كِدْنَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعة، و “نا” الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ. و “لِيُوسُفَ” اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ، وهي هنا للنَّفْعِ وليستْ كالتي في قولِهِ تِعَالى: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا} الآيةَ الخامِسَةَ منْ هَذِهِ السُّورَةِ المُباركةِ، فإنَّها هناك للضَّرَرِ عَلى ما هوَ الاسْتِعْمالُ الشائعُ. و “يوسُفَ” اسمٌ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الفتْحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ منَ الصرفِ بالعلَميَّةِ والعُجمةِ، والتَّقديرُ: كِدْنَا لِيُوسُفُ كَيْدًا مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ المَذْكورِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ إِذا المُقَدَّرَةِ.
قولُهُ: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} مَا: نافيَةٌ لا عَمَلَ لها. و “كاَنَ” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسْمُها ضَميرٌ مستترٌ فيه جَوازًا، تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “يوسفَ”. و “لِيَأْخُذَ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وجُحُودٍ، و “يَأْخُذَ” فِعْلٌ مضارعٌ مَنْصوبٌ بِ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا بَعْدَ لامِ الجُحُودِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على “يوسُفُ” عليهِ السلامُ، و “أَخاهُ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ وعلامةُ نَصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسَةِ، وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ. والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ منْ “أَنْ يَأْخُذَ” في مَحَلِّ الجَرِّ بلامِ الجحودِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ خَبَرِ “كانَ” عَلَى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ والتَقْديرُ: ما كانَ يُوسُفُ مُريدًا لأَخْذِ أَخِيهِ في دِينِ المَلِكِ، ومُتَمَكِّنًا مِنْهُ في حُكْمِهِ، وهذِهِ الجُمْلَةُ تَعْليقٌ لِمَا صَنَعَهُ اللهُ لِيُوسُفَ مِنَ الكَيْدِ، أَوْ تَفْسيرٌ لَهُ. و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “يأخُذَ”، و “دِينِ” مجرورٌ بهِ مضافٌ، و “الْمَلِكِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةِ صِلَةُ “أَنَّ” المُضْمَرَةِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} إِلَّا: أَداةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفرَّغٍ مِنْ أَعَمِّ الأَحْوالِ العامة، والتَّقْديرُ: ما كانَ لِيَأْخُذَهُ في كلِّ حالٍ إِلَّا في حالِ الْتِباسِهِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، أَيْ إِذْنِهِ في ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ تَقْديرُهُ: ولكنْ بِمَشيئَةِ اللهِ أَخَذَهُ في دِينَ غَيْرِ المَلِكِ، وهوَ دِينُ آلِ يَعْقوبَ ـ عليهِ السلامُ. و “أَنْ” حرفٌ نَاصِبٌ، و “يَشَاءَ” فِعْلٌ مُضارعٌ منصوبٌ ب “أن” ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلٌ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذِهِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجرورٍ بإضافَةِ مُسْتَثْنَى المَحذوفِ إِلَيْهِ، والتَقديرُ: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخْاهُ في دِينِ المَلِكِ في حالٍ مِنَ الأَحْوالِ إِلَّا حالَ مَشيئَةِ اللهِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى.
قولُهُ: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} نَرْفَعُ: فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى “اللهُ” تعالى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ. و “دَرَجَاتٍ” فيها خمسةُ أوجُهٍ أَحَدُها: أَنَّها مَنْصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المكانِيَّةِ أَوِ الاعتباريَّةِ، و “مَنْ” مَفْعولُ “نرفعُ” أَيْ: نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ مَرَاتِبَ ومَنَازِلَ. وثانيها: أَنَّهُ مَفْعولٌ ثانٍ قُدِّمَ عَلى الأَوَّلِ، وذَلِكَ بتَضمينِ “نَرْفَعُ” مَعْنَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى لاثْنَيْنِ كَ “يُعْطي” مَثَلًا، أَيْ: نُعْطِي، بالرَّفْعِ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَهُ دَرَجَاتٍ، أَيْ: رُتَبًا، وتكونُ الدَّرَجَاتُ هِيَ المَرْفُوعةَ كَقَوْلِهِ تعالى في سورةِ غافر: {رَفِيعُ الدَّرَجاتِ} الآية: 15، وفي الحَديثِ الشريفَ قولُهُ ـ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((اللهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَتَهُ في عِلِّيِينَ)). فإذا رُفِعَتِ الدَّرَجَةُ فَقَدْ رُفِعَ صاحِبُها. ثالثُها: أَنَّهُ مَنْصوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، ويَكونُ مَنْقولًا مِنَ المَفْعولِيَّةِ، فَيَؤُولُ إِلى قِراءَةِ الجَمَاعَةِ إذِ الأَصْلُ: “نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَّن نَّشَاءُ” بإِضافةِ “درجاتِ” إلى “مَنْ” ثمَّ حُوِّلَ كَقَوْلِهِ تعالى في سورةِ القَمَرِ: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا} الآية: 12، أَيْ: وفجَّرْنا عُيونَ الأَرْضِ. الرابعُ: أنَّهُ نَصْبٌ بنزعِ الخافضِ على تقدير حرفِ جَرٍّ، أيْ: نرفعُ مَنْ نشاءُ إِلى درجاتٍ أَوْ إلىَ مَنَازِلَ. والخامِسُ: أَنَّهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، وذلك عَلَى تقديرِ مُضافٍ، أَيْ: نرفعُ ذوي درجاتٍ. وهو كقولِهِ تَعَالى في سورةِ الأنْعامِ: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} الآية: 165، وكقولِهِ في سورة الزُخرُفِ: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بعضهم بعضًا سُخريَّةً} الآية: 32، وكقولِهِ في الآية: 253، مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مريمَ البَيِّناتِ}. وجُمْلَةُ “نَشَاءُ” صِلَةُ “مَنْ” المَوْصُولَةْ، والتقديرُ: نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ رَفْعَهُ مِنْ عِبادِنَا في دَرَجاتٍ.
قولُهُ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} الوَاوُ: للعطفِ، و “فَوْقَ” منصوبٌ على الظرفيَّةِ المكانيَّةِ أَوِ الاعْتِبَارِيَّةِ، متعلِّقٌ بخبرٍ مُقدَّمٍ، وهو مضافٌ، و ” كُلِّ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، و “ذِي” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخمسةِ، و “عِلْمٍ” مَجرورٌ ضافٌ إليْهَ أيضًا، و “عَلِيمٌ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ إِذا المُقَدَّرَةِ.
قرأ العامَّةُ: {وِعاءِ} بِكَسْرِ الواوِ، وَقَرَأَ الحَسَنُ بِضَمِّها، وَهِيَ لُغَةٌ نُقِلَتْ عَنْ نافِعٍ أَيْضًا. وَقَرَأَ سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ “مِنْ إعاءِ” بِإِبْدالِ الواوِ هَمْزَةً، وهيَ لُغَةٌ هُذَيْلِيَّةٌ: يُبْدِلونَ مِنَ الواوِ المَكْسُورةِ أَوَّلَ الكَلِمَةِ هَمْزَةً فَيَقولونَ: إِشاحَ في: وشاحٍ، وإِسادة في: وِسادة، وإِعاء، في وِعاء.
قرأَ العامَّةُ: {نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَّشَاءُ}، وقَرَأَ يَعْقوبُ “يرفعُ” بالياء مِنْ تحت في “يَرْفَعُ” و “يَشاءُ”، والفاعِلُ هو اللهُ تَعَالى: وقرَأَ عِيسى وأهلُ البصرةِ “نَرْفعُ” بالنُّونِ و “درجاتٍ” مُنَوَّنَةً، و “يشاءُ” بالياءِ. وتوجيهُها: أَنَّهُ الْتَفَتَ في قولِه “يشاء” مِنَ التَكَلُّمِ إِلى الغَيْبَةِ، والمُرادُ واحدٌ. وهِيَ قِراءةٌ مرغوبٌ عَنْها، وإنْ لَمْ يِمْكِنْ إِنْكارُها.
قرَأَ العامَّةُ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعودٍ “وفوْقَ كُلِ ذِي عالِم” وفيها ثلاثةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكونَ “عالم” هُنَا مَصْدَرًا، قالوا: مِثْل “الباطل” فإنَّهُ مَصْدرٌ، فهي كالقِراءَةِ المَشْهورَةِ. الثاني: أَنَّ ثَمَّ مُضافًا مَحْذوفًا تَقْديرُهُ: وَفوقَ كُلِّ ذِي مُسَمَّى عَالمٍ، ومنه قَوْلُ لَبيدِ بْنِ ربيعةَ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَليْكُما … ومَنْ يَبْكِ حوْلًا كاملًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
أَيْ: مُسَمَّى السَّلامِ. الثالثُ: أَنَّ “ذو” زائدةٌ، كَما هي في قَوْلِ الكُمَيْتِ الأسديِّ:
إِلَيْكُمْ ذَوِيْ آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ………… نَوَازعُ مِنْ قَلْبِيْ ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ
 


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 75
 
قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: إِنَّ شَرْعَهُمْ يَقْضِي بِأَنْ يُدْفَعَ السَّارِقُ إِلَى المَسْرُوقِ مِنْهُ لِيَسْتَرِقَّهُ، وَيَكُونَ عَبْدًا لهُ، أَيْ ذَاتُهُ هِيَ جَزَاءُ السَّرِقَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ، أَيْ أَنْ يَصيرَ رَقِيقًا لِصَاحِبِ الصُّوَاعِ لِيَتِمَّ مَعْنَى الْجَزَاءِ بِذَاتٍ أُخْرَى. وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ إِتْلَافَ ذَاتِ السَّارِقِ لِأَنَّ السَّرِقَةَ لَا تَبْلُغُ عُقُوبَتُهَا حَدَّ الْقَتْلِ. وقالوا: “فِي رَحْلِهِ” فَذَكَروه بِعُنْوانِ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ ولم يذكروه بعُنوانِ السَّرِقَةِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَلِزِمًا لَهَا في اعْتِقادِهم المَبْنِيِّ عَلَى قَواعِدِ العادَةِ ولِذَلِكَ أَجابُوا بِمَا أَجابوا.
إذًا فَقَدْ حَكَمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وَتَرَاضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ. وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الْأُمَمِ، أيْ: أَنْ يُسْتَرَقَّ السَّارِقُ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمَغْلُوبِ فِي الْقِتَالِ. وَلَعَلَّهُ كَانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا فِي مِصْرَ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} الآية: 76، التالية.
وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زيدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ} قَالَ: عَرَفُوا الحُكمَ فِي حُكْمِهم فَقَالُوا: “جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ” وَكَانَ الحكمُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْقُوبَ وبَنيه، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْترَقُ. بينما كان الحكمُ عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُضْرَبَ السَّارِقُ وَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ. فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ، فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهم بَيْنَ يَدَيْهِ واحدًا واحدًا. وَأَخرجَ عبدُ الرَّزَّاقِ الصنعانيُّ، وَابْنُ جريرٍ الطبريُّ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، عَنِ الإمامِ الْكَلْبِيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبرُوهُ بِمَا يحكم فِي بِلَادهمْ أَنَّه مَنْ سَرَقَ أُخِذَ عَبْدًا. فَقَالُوا: {جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله}.
قولُهُ: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} الظَّالِمِينَ، الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ. وَهَذا هُوَ الجَزَاءُ عَلَى السَّرِقَةِ الذِي كانوا يُنْزِلُونَهُ بِالسَّارِقِ، فِي شَرْعِهِمْ. أَيْ: كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنَا فِي جَزَاءِ السَّارِقِ الظَّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ حُكْمُ الْإِخْوَةِ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ مِنْهُمْ أَنْ يُظْهِرَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ، أَيْ: فَهُوَ حَقِيقٌ لِأَنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ. وَالْإِشَارَةُ بِ “كَذلِكَ” إِلَى الْجَزَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْ نَجْزِي، أَيْ نَجْزِي الظَّالِمِينَ جَزَاءً كَذَلِكَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْله.
قوله تعالى: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “جَزَاؤُهُ” مَرفوعٌ بالابْتَداءِ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه. و “مَن” اسْمُ شَرْطٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرّفعِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والخَبَرُ جُملةُ الشَّرْطِ، أَوْ جُمْلَةُ الجَوابِ، أَوْ هُمَا عَلَى الخِلافِ المتقدِّمِ. و “وُجِدَ” فِعْل ٌمَاضٍ مبنيٌّ للمجهولِ (مُغَيَّرِ الصِّيغَةِ) مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِ “مَنْ” عَلَى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ يَعودُ عَلَى الصُّواعِ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “وُجِدَ”، و “رَحْلِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليهِ. و “فَهُوَ” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتداء، و “جَزَاؤُهُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليهِ. وهذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ عَلَى كَوْنِها جَوَابًا لَهَا، وجُمْلَةُ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ وخَبَرِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالُوا”.
وذَكَرَ السَّمينُ الحَلَبيُّ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ لهذهِ الجُملَةِ، أَوَّلُها: أَنْ يَكونَ “جزاؤه” مُبْتَدَأً والضميرُ للسارِقِ، و “مَنْ” شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ أَوْ مَزيدَةٌ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِشِبَهِهِ بالشَّرْطِ، و “مَنْ” ومَا في حَيِّزِهَا عَلَى وَجْهَيْها خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ الشَّيْخُ أبو حيَّانَ عَليْهِ بِعَدَمِ وُجودِ رَابطٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ. قال السمينُ: ولَيْسَ هذا بِظاهِرٍ؛ لأَنَّهُ يُجابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ بابِ إِقامَةِ الظَّاهِرِ مُقامَ المُضْمَرِ، وَيَتَّضِحُ هذا بتقريرِ الزَّمَخْشَرِيَّ، قالَ: ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “جزاؤهُ” مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَمَا هيَ خَبَرُهُ، على أساسِ إِقامَةِ الظاهِرِ فِيها مُقَامَ المُضْمَرِ. والأَصْلُ: جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهوَ هوَ، فوَضَعَ الجَزَاءَ مَوْضِعَ “هو” كَمَا تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَنْ أَخُو زَيْدٍ؟ فَيَقولُ لَكَ: أَخُوهُ مَنْ يَقْعُدُ إِلى جَنْبِهِ، فهوَ هوَ. فيرجعُ الضّمير الأَوَّلَ إِلى “مَنْ” والثاني إلى الأَخِ، ثمَّ تَقولُ: فهوَ أَخُوهُ، مُقيمًاً للمُظْهَرِ مُقام المُضْمَرِ. وقد جَعَلَ أبو حيَّانَ كلامَ الزَمَخْشَرِيِّ وَجْهًا ثانيًا بَعْدَ الأَوَّلِ ولَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ هوَ بِعَيْنِه، ولا أَنَّهُ جَوابٌ عَمَّا رَدَّ بِهِ عَلى ابْنِ عَطِيَّةَ. ثمَّ قالَ: ووَضْعُ الظاهرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ للربط إِنَّما هوَ فَصيحٌ في مَوَاضِعِ التَّفْخيمِ والتَأْويلِ، وغير فصيحٍ فيما سوى ذلك نحو: زيدٌ قام زيد، ويُنَزَّه عنه القرآنُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لوْ قلتَ: (كانَ زيدٌ مُنطلِقًا زَيْد) لمْ يَكُنْ حَدَّ الكلامِ، وكانَ هَهُنا ضَعيفًا ولمْ يَكنْ كَقَوْلِكَ: (مَا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو) لأَنَّكَ قدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إِظْهارِهِ، وإِنَّما يَنْبَغي لَكَ أَنْ تُضْمِرَهُ. قُلْتُ: ومَذْهَبُ الأَخْفَشِ أَنَّهُ جائزٌ مُطْلَقًا وعَلَيْهِ بَنَى الزَّمَخْشَريُّ رأيَهُ.
وقدْ جَوَّزَ الكعبُريُّ، أَبو البَقاءِ، ما تَوَهَّم أَنَّهُ جَوابٌ عَنْ ذَلِكَ فقال: والوَجْهُ الثالثُ: أَنْ يَكونَ “جَزَاؤهُ” مُبْتَدَأً، وَ “مَنْ وُجدَ” مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و “فهو” مُبْتَدَأٌ ثالثٌ، و “جزاؤه” خَبَرُ الثالثِ، والعائدُ عَلى المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ الهاءُ الأَخيرَةُ، وعَلَى الثاني “هو”. وهذا الذي ذكرَهُ العكبُريُّ لا يَصِحُّ، إذْ يَصيرُ التَّقْديرُ: فالذي وُجِدَ في رَحْلِهِ جَزاءُ الجَزَاءِ؛ لأَنَّهُ جَعَلَ “هو” عبارَةً عَنِ المُبْتَدَأِ الثاني، وهوَ “مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ”، وجَعَلَ الهاءَ الأَخِيرَةَ التي في “جَزاؤهُ” الأخيرَةِ، عائدَةً عَلَى “جزاؤه” الأَوَّلِ، فصارَ التَّقديرُ كَمَا سبق ذِكْرُهُ.
الوجْهُ الثاني مِنَ الأَوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ: أَنْ يَكونَ “جَزاؤهُ” مُبْتَدَأً، والهاءُ تَعودُ عَلَى المَسْروقِ، و “مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ” خَبَرُهُ، و “مَنْ” بِمَعْنَى “الذي”، والتَقْديرُ: جَزَاءُ الصُّواعِ الذي وُجِدَ في رَحْلِهِ، كَذَلِكَ كَانَتْ شَريعَتُهم: يُسْتَرَقُّ السَّارِقُ، فلذلكَ اسْتُفْتُوا في جَزائِهِ. وقولُهُ: “فهو جزاؤه” تقريرٌ للحُكْمِ، أَيْ: فَأَخْذُ السَّارِقِ نَفْسِهِ هوَ جَزاؤُهُ على ما ارْتَكَبَ لا غَيْر، كَقَولِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أَنْ يُكْسَى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ حَقُّهُ، أيْ: فهوَ حَقُّهُ لِتُقَرِّرَ ما ذكرْتَه مِنِ اسْتِحقاقٍ وتُلْزِمَهُ. والتَقْديرُ اسْتِعْبادُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِه، وقولُهُ: “فهو جزاؤهُ” مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، مُؤكِّدٌ لِمَعْنَى الأَوَّلِ، وقالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ، قالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يكونَ “مَنْ” خبَرًا عَلَى أَنَّ المَعْنَى: جَزاءُ السَّارِقِ مَنْ وُجِد في رَحْلِهِ، عائدٌ عَلى “مَنْ” ويكونُ قولُهُ: “فهو جزاؤهُ” زيادةَ بَيَانٍ وتَأْكيدٍ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ التقديرُ: جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَنْ وَجِدَ في رَحْلِه، وفيما قبلَهُ لا بُدَّ مِنْ تقديرِهِ؛ لأَنَّ الذاتَ لا تكونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَقديرُ في القولِ قبْلَهُ: جَزاؤهُ أَخْذُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ أَوِ اسْتِرْقاقُهُ، هَذا لا بُدَّ مِنْهُ عَلَى هَذَا الإِعراب.
الوجهُ الثالثُ مِنَ الأَوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ: أَنْ يَكونَ “جزاؤهُ” خبرَ مُبْتَدَأٍ مَحذوفٍ، أَيْ: المَسْؤولُ عنْهُ جَزاؤهُ، ثمَّ أَفْتَوا بقولهم: “مَنْ وُجِد في رَحْله فهو جزاؤه” كما يقولُ مَنْ يَسْتَفْتَي في جَزَاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزَاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ، ثمَّ يَقولُ: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} سورةُ المائدَةِ، الآية: 95. وهوَ قولُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وردَّهُ الشيخُ أبو حيَّان قائلًا: وهوَ مُتَكَلَّفٌ إِذْ تَصيرُ الجُمْلَةُ مِنْ قولِهِ: (المَسْؤولُ عَنْهُ جَزاؤه) على هذا التقدير ليسَ فيهِ كَبيرُ فائدَةٍ؛ إِذْ قَدْ عُلِمَ مِنْ قولِهِ: “فما جزاؤه” أَنَّ الشَّيْءَ المَسْؤولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فأَيُّ فائدةٍ في نُطْقِهم بِذَلِكَ؟ وكَذلكَ القولُ في المثالِ الذي مَثَّلَ بِهِ مِنْ قَوْلِ المُسْتَفْتِي. وقولُ الشيخِ أبي حيّان: (ليس فيه كبيرُ فائدة) مَمْنوعٌ، بَلْ فيهِ فائدةُ الإِضمارِ المذكورِ في عِلْمِ البَيان، وفي القرآنِ الكريمِ أَمْثالُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الرَّابعُ: أَنْ يَكونَ “جَزاؤهُ” مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ مَحْذوفٌ تقديرُهُ: جَزاؤهُ عِنْدَنا كَجَزائِهِ عِنْدَكم، والهاءُ تَعودُ على السّارِقِ أَوْ عَلى المَسْروقِ، وفي الكلامِ المُتَقَدِّمِ دِليلٌ عِلِيْهِما، ويكونُ قولُهُ: “مَنْ وُجِدَ في رَحْله فهو جزاؤهُ” عَلَى مَا تَقَدَّمَ في الوَجْهِ الذي قَبْلَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأَ العُكْبُريُّ، ولم يَذْكُرْهُ أبو حيَّان، فقدَ جَعَلَ في الآيةِ الكَريمَةِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، وتَقَدَّمَ أَنَّ الأَوَّلَ والثانيَ وَجْهٌ كَمَا سبقَ بَيانُهُ، فإذا ضَمَمْنا هذا الوَجْهَ الأَخيرَ الذي بَدَأَ بِهِ أبو البَقاءِ إِلى الأَرْبَعةِ التي ذَكَرها أبو حيّان صارَتْ خَمْسَةً، ولكنْ لا تَحْقيقَ لِذَلِكَ، وكَذَلِكَ إِذا الْتَفَتْنا إلى قوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ في جَعْلِهِ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ تَصِيرُ سِتَّةً في اللَّفْظِ، فإذا حَقَّقْتَها لَمْ تَجِئْ إِلَّا أَرْبعَةً.
قولُهُ: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} كَذَلِكَ: الكافُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَشْبيهٍ، أَوْ اسْمٌ بِمَعْنَى (مِثْل) في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ نائبٍ عَنِ المَصْدَرِ، أَوْ هيَ في محلِّ نَصبِ حالٍ مِنْ ضَميرِهِ، أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظيعِ نَجْزي الظالمين، و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالكافِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ مَفْعولٍ مُطْلَقٍ عامِلُهُ نَجْزي. واللامُ: للبُعْدِ، والكافُ: للخِطابِ. و “نَجْزِي” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرَّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخِرِهِ، لثِقَلِها على الياءِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحن” يعودُ عَلى إِخْوَةِ يُوسُفَ، والتَّقديرُ: نَجْزِي الظالمينَ جَزاءً مِثْل ذَلِكَ الجَزاءِ المَذْكورِ، و “الظَّالِمِينَ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجملةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالُوا”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 74
 
قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُه: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} فَقَالَ لَهُمْ غِلْمَانُ يُوسُفَ: فَإِذَا كُنْتُمْ كَاذِبِينَ، وَثَبَتَتْ عَلَيْكُمُ السَّرِقَةُ، فَمَا جَزَاءُ السَّارِقِ فِي شَرْعِكُمْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ السَارِقَ مِنْكُمْ؟ لِأَنَّهُمْ لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا أَنْ يُعَيِّنُوا جَزَاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذَا تَحْكِيمُ الْمَرْءِ فِي ذَنبه. (وَقِيلَ إِنَّ يُوسُفَ هُوَ الذِي أَوْحَى إِلَى غِلْمَانِهِ بِطَرْحِ هذا السُّؤَالِ عَلَى إِخْوَتِهِ) . والضَّميرُ للصُّواعِ، وهو على حَذْفِ مُضافٍ والتقديرُ: فما جَزاءُ سَرِقَتِهِ عِنْدَكم، وفي شَريعَتِكم؟. وهذا السُّؤالُ كان مِنْ مُسَاعِدِي يُوسُفَ لإخْوةِ يُوسُفَ عَنِ العُقوبَةِ المُقَرَّرَةِ في شَريعَتِهم لِمَنْ يَسْرِقُ؟ وماذا نَفْعَلُ بِمَنْ نَجِدُ صُواع الملك في رَحْلِهِ؛ وثَبَتَ كَذِبُكم بِأَنَّكم لم تَسْرقوهُ؟
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ” قَالَ: عَرَفُوا الحُكْمَ فِي شرعِهم فَقَالُوا {جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ} وَكَانَ الحُكمُ عِنْد الْأَنْبِيَاءِ ـ يَعْقُوبَ وبَنِيه ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ، أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُ.
إذًا لقد كانَ المَعروف في شريعة آل يعقوبَ أَنَّ مَنْ يُضبَطُ بِسَرِقَةٍ أَنْ يُسْتَرَقَّ أَوْ يَظَلَّ في خِدْمَةِ مَنْ سَرَقَهُمْ، قيل: وكذا فَعَلَتْ عَمَّةُ يُوسُفَ التي أَحَبَّتْهُ وعاشَ مَعَها بَعْدَ وَفاةِ أُمِّهِ؛ وحِينَ أَرادَ والدُهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ أَخْفَتْ في ثيابِ يُوسُفَ شَيْئًا عَزيزًا وَرِثَتْهُ عَنْ أَبيها إِسْحاقَ، وبِذَلِكَ اسْتَبْقَتْ يُوسُفَ مَعَها، ولَمْ يَأْخُذْهُ أَبوهُ إِلّا بَعدَ أَنْ مَاتَتْ عَمَّتُهُ.
وكان هدَفُ يوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنْ يَسْتَبْقِيَ أَخاهُ مَعَهُ؛ وهوَ قدْ عَلِمَ مِنْ قبلُ هذا الحُكْمَ، وهكذا تَرَكَهم ـ يوسُفُ ـ عَلَيْه السَّلامُ، يَحْكُمونَ بِأَنْفُسِهمُ الحُكْمَ الذي يَصْبُو إِلَيْهِ، وهوَ بَقاءُ أَخِيهِ مَعَهُ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “فَمَا” الفاءُ: للعطفِ عَلَى مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: قَدْ سَمِعْنَا قَوْلَكم {ما جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الأَرْضِ، وما كُنَّا سارقين}، أوْ: رابطةٌ لِجَوابِ شَرْطٍ مقدَّرٍ، ويحتمل كون الفاء زائدة. و “ما” اسمُ اسْتِفْهامِ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابتداءِ. و “جَزَاؤُهُ” خَبَرُ المبتدأِ مرقوعٌ، وهو مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والجُمْلَةُ الإسميَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا عَلَى تلْكَ الجملةِ المَحْذوفَةِ على كونِها مَقولًا لِ “قَالُوا”. أَوْ: أنَّ جملةَ: “ما جزاؤه” في مَحَلِّ جَزْمِ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِنْ كانَ سَارِقًا وكُنْتمْ كاذِبينَ فَمَا جَزاؤهُ؟ وجملة الشرط المقدّرة في محلِّ النَّصْبِ مَقولَ قَوْلٍ ل “قالوا”.
قولُهُ: {إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} إِنْ: شَرْطِيَّةٌ جازمةٌ. و “كُنْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بتاءِ الفاعلِ في مَحَلِّ جَزْمِ فِعْلِ الشرْطِ، وتاءُ الفاعِلِ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ اسمِهِ، و “كاذبين” خبرُ “كنتم” منصوبٌ وعلامةُ نَصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمع المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوين في الاسمِ المفردِ، وجَوابُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ مَعْلومٌ مِمَّا قَبْلَها والتقديرُ: إِنْ كُنْتم كاذبين فَمَا جَزَاؤُهُ. وجملةُ: “كنتم كاذبين” لا مَحَلَّ لَها من الإعراب لأَنّها تَفْسِيرٌ للشَّرْطِ المُقَدَّرِ الأَوَّل.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 73

قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ. (73)
قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} وَلَمَّا اتَّهَمَ الغِلْمَانُ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِالسَّرِقَةِ رَدُّوا مُقسِمينَ باللهِ تعالى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَتَحَقَّقْتُمْ، مُنْذَ عَرَفْتُمونا، أَنَّنَا مَا جِئْنَا لِنَسْرِقَ وَنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ.: والتاءُ في “تَاللهِ” وَالتَّاءُ فِي “تَاللهِ” حَرْفُ قَسَمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَيَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى اسْمِ اللهِ تَعَالَى، وَيَخْتَصُّ أَيْضًا بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ الْعَجِيبِ. وهو بَدَلٌ مِنَ الواوِ في (واللهِ)، وَقد ضَعُفَتْ عَنِ التَّصْريفِ في سَائرِ الأَسْماءِ، فجُعلت فيما هُوَ أَحَقُّ بالقَسَمِ، وهوَ اسْمُ اللهِ ، جَلَّ حلالُهُ. وهو قولُ البَصريين كما نقلَهُ النحاسُ في إعرابِ القرآنِ (2/155)، والفخر الرازي في تفسيره: (18/180)، وإنَّمَا جازَ إِبْدالُ التّاءِ مِنَ الواوِ؛ لأَنَّهُما مِنْ حُروفِ الزّوائدِ والبَدَلِ، والتاءُ أَقْرَبُ حُروفِ البَدَلِ إِلى الواوِ). وقال الفراءُ في معاني القرآن: (2/55): العَرَبُ لا تَقولُ: تالرّحمن، ولا يَجْعَلون مَكانَ الواوِ تاءً إِلَّا في (الله)، وذَلِكَ أَنَّها أَكْثَرُ الأَيْمانِ مَجْرَى في الكلامِ، فَتَوَهَّموا أَنَّ الواوَ مِنْهَا لِكَثْرَتِها في الكَلامِ وأَبْدَلوها تاءً.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أَيْ: وَلَمْ تَكُنِ السَّرِقَةُ مِنْ أَخْلاَقِنَا، وَلاَ هِيَ مِنْ عَادَتَنا. قال الأَئمَّةُ: الطَبَرِيُّ في التَفْسيرِ: (13/21)، والثَعْلبيُّ: (7/97)، والبغويُّ: (4/261)، وابْنُ عَطِيَّةَ: (8/29)، والفخرُ الرازيُّ: (18/180)، والقُرْطِبي: (9/234)، وغيرُهمْ مِنَ المُفَسِّرينَ وأَهلِ المَعاني الفَرَّاءُ: (2/51)، والزَّجَّاجُ: (3/121)، والنَّحَّاسُ: (3/447): حَلَفُوا عَلَى عِلْمِهمْ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهم كانوا مَعْروفينَ بِأَنَّهمْ لا يَظْلِمونَ أَحَدًا ولا يَرْزَؤونَ شَيْئًا لأَحَدٍ في سَفَرِهِمْ، ولا يَعيثونَ في بُسْتَانِ أَحَدٍ ولا زَرْعِهِ، حَتَّى أَنَّهم قد كَمَّموا أَفْواهَ إِبِلِهمْ ودوابِّهم لِئَلَّا تَعيثَ في زَرْعِ أَحَدٍ، ومَنْ كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفَسَادٍ. والأَلِفُ واللامُ في “الْأَرْضِ” للعهدِ فالْمُرَادُ الأَرْضُ الْمَعْهُودَةُ، وَهِيَ مِصْرُ. وقد نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمُ الِاتِّصَافَ بِالسَّرِقَةِ بِأَبْلَغَ مِمَّا نَفَوْا بِهِ الْإِفْسَادَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ بِنَفْيِ الْكَوْنِ سَارِقِينَ دُونَ أَنْ يَقُولُوا: وَمَا جِئْنَا لِنَسْرِقَ، ويُرْوَى أَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي رِحَالِهِمْ، أَيْ فَمَنْ رَدَّ مَا وَجَدَ فَكَيْفَ يَكُونُ سَارِقًا؟! لِأَنَّ السَّرِقَةَ وَصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وَأَمَّا الْإِفْسَادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أَيِ التَّجَسُّسُ ـ الذي كانوا قدِ اتُّهموا به سابقًا، فَهُوَ مِمَّا يَقْصِدُهُ الْعَدُوُّ عَلَى عَدُوِّهِ، فَلَا يَكُونُ عَارًا، وَلَكِنَّهُ اعْتِدَاءٌ فِي نَظَرِ الْعَدُوِّ. وَأَخرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ” يَقُولُ: مَا جِئْنَا لِنَعْصِيَ فِي الأَرْضِ.
قوله تعالى: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “تَاللهِ” التاءُ: حَرْفُ جَرٍّ وقَسَمٍ مُخْتَصٌّ بِلَفْظِ الجَلالَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ والتَقْديرُ: أُقْسِمُ تَاللهِ. ولَفْظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مُقْسَمٌ بِهِ مَجْرورٌ بِتَاءِ القَسَمِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ مَعَ جَوابِهِ الآتي في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”. و “لَقَد” اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “قد” للتحْقيقِ. و “عَلِمْتُمْ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بتاءِ الفاعلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ، وهذه الجُملةُ الفِعلِيَّةُ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. و “مَا” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “جِئْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو “نا” الجماعةِ، و “نا” الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ سَادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعولِ عَلِمَ؛ لأَنَّهُ بِمَعْنى “عَرَفَ” والتَقديرُ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ عَدَمَ مَجِيئِنا لِنُفْسِدَ في الأَرْضِ. و “لِنُفْسِدَ” اللامُ: لامُ كَيْ للتعليلِ. و “نُفْسِدَ” فعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةً جَوازًا بَعْدَ لامِ كَيْ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه يَعودُ عَلَى إخْوةِ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “نُفْسِد”، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} الواوُ: عاطفةٌ. و “ما” نافيةٌ. و “كُنَّا” فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على السكون لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعة، وضميرُ الجماعةِ “نا” متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسْمِ “كان”، و “سَارِقِينَ” خَبَرُ “كانَ” منصوبٌ، وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّه جمعُ المُكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ عن التنوين في الاسْمِ المفردِ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه من كان واسمها وخبرها في مَحل النَّصْب عطْفًا عَلى جُمْلَةِ “نُفسدَ” التي قبلها على كونها منصوبةً ب “أن” مضمرةً جوازًا بعد لامِ كي، والتقديرُ: وعلِمتمْ عَدَمَ كَوْنِنا سَارِقِينَ.


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 72
 
قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} صُوَاعُ المَلِكِ: صَاعُهُ الذي يَشْرَبُ فِيهِ، ويَكْتَالُ بِهِ للمُمْتَارينَ. قِيلَ: الصُّوَاعُ اسْمٌ، وَالسِّقَايَةُ وَصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وَسِقَاءٌ، فَالْكُوزُ اسْمٌ وَالسِّقَاءُ وَصْفٌ. وقد تقدَّمَ لنا تَفصيلٌ في معنى هذه الكَلِمَةِ واشْتِقاقِها.
قولُهُ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} ومَنْ سيُخرِجُها مِنَ المَكانِ المَخْفِيَّةِ فيهِ أَوْ يَدُلُّ عَلى سارِقِهِا، فَلَهُ مُكافَأَةٌ قَدْرُها وَزْنُ حِمْلِ بَعيرٍ؛ أَيْ: حِمْلُ بَعيرٍ مِنَ المَيْرَةِ والغِذاءِ، أَوْ مِنْ طَعامٍ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، ومتوافقًا عليه، وذلك كَمُكافَأَةٍ لَهُ وزِيادَةً عَلَى اسْتِحْقاقِهِ. وقال رجالُ يوسُفَ معلِّلينَ ذلك لهم: فَلَعَلَّ صُواعَ المَلِكِ قَدْ خُبِّئَتْ في حِمْلِ أَحَدِكُمْ دُونَ علمِهِ أوْ دُونَ قَصْدٍ مِنْهُ ولا يَدْرِي، ولم يوجِّهوا لهم التهمَةَ بالسَرِقةِ بشكلٍ صريحٍ واضِحٍ.
قولُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} تَأْكيدٌ مِنْ رَئيسِ المُنَادينِ أَنَّهُ الضَّامِنُ لِمَنْ يُخْرِجُ صُواعَ المَلِكِ مِنَ المَكانِ الذي خبِّئتْ فيهِ، ويُحْضِرُها دونَ تَفْتيشٍ أَنْ يَنَالَ جائزَتَهُ، والزَّعِيمُ بِلِسَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ: الْكَفِيلُ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وَزَعَامَةً. أَيْ كَفَلَتْ بِهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَالَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي شَرْعِهِمْ، وَقَدْ حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: ((الزَّعِيمُ غَارِمٌ)) أَخرجهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في مُسْنَدِه: (5/267)، وأَبو دَاودَ في سُنَنِهِ، كتاب البُيوع: (3565)، والتِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ، كِتَاب البُيوعِ: (1265)، وابْنُ ماجَهْ وصحّحهُ في بابِ الصَدَقات منْ صحيحِهِ: (2405)، جَمِيعُهم عنْ أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَصَحَّتِ الْكَفَالَةُ بِهِ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ كَفَالَةُ مَالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وَلَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكَفَالَةِ كَانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ، فهي كَفَالَةٌ بِمَا لَمْ يَجِبْ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى رَدِّ السَّرِقَةِ. وهوَ مِنْ قوْلِ المُؤَذِّنِ، فقد وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَأَنا بِهِ زَعيمٌ” قَالَ: الزَّعيمُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الَّذِي قَالَ: {أَيَّتُها العِيرُ}.
وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنِ الْمُنْذرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَأَنا بِهِ زعيمٌ”، قَالَ: كَفِيلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي (الْوَقْفِ والابْتِداءِ) له، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تعالى: “وَإِنَّا بِهِ زعيمٌ”، مَا الزَّعيمُ؟ قَالَ: الْكَفِيلُ. ومن ذلكَ قَولُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ:
أَكونُ زَعِيمَكم فِي كُلِّ عَامٍ …………….. بِجَيْشٍ جَحْفَلٍ لَجِبٍ لَهَامِ
قولُهُ تَعَالَى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} قَالُوا: فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رَفعِ فاعلِهِ، والأَلِفُ فارقةٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، اسْتِئْنافًا بيانيًّا لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “نَفْقِدُ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ: “نحن” يَعودُ عَلى أَصحابِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنْ عُمَّالِهِ وموظَّفيهِ، و “صُوَاعَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، و “الْمَلِكِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”.
قولُهُ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} الوَاوُ: للعطفِ، و “لِ” حرفِ جَرٍّ متَعلِّقٌ بخبرٍ مقدَّمٍ، و “مَنْ” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “جَاءَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “مَنْ”. و “بِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “جَاءَ” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسمِ الموصولِ “مَنْ”. و “حِمْلُ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، و “بَعِيرٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ ب “قَالُوا”.
قولُهُ: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} الوَاوُ: للاستِئنافِ، و “أَنَا” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ لِجَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداء. و “بِهِ” “بِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ “زَعيمٌ”، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، و “زَعِيمٌ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحلِّ النَّصْبِ ب “قَالُوا”.
قرَأَ العامَّةُ: {صُواعَ} بِزِنَةِ “غُرابٍ”، والعَيْنُ مُهْمَلَةٌ. وَقَرَأَ سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ ـ رضي اللهُ عنهما، كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّه بالْغَيْنِ مُعْجَمَةً. فقد أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يقْرَأُ “نَفْقُدُ صُواعَ الْمَلِكِ” بِضَمِّ الصَّادِ مَعَ الْأَلِفِ. وقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ كَذلِكَ أيضًا، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الأَلِفَ وسَكَّنَ الواوَ، وقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ “صَوْغ” كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ فَتَحَ الصّادَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِ “صاغ” “يَصُوغُ”، والقِراءَتانِ قَبْلَهُ مُشْتَقَّتانِ مِنْهُ، وهوَ واقعٌ مَوْقِعَ مَفْعولٍ، أَيْ: مَصُوغُ المَلِكِ. وَقَرَأَ أَبو حَيَوَةَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهم، “صِواعَ” كالعامَّة إلَّا أَنَّهم كَسَروا الفاءَ. وقَرَأَ أَبو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ ـ رضي اللهُ عنهما، “صَاعَ” بِزِنَةِ “باب”، وألِفُهُ كَأَلِفِهِ في كونِها مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ مَفْتُوحَةٍ. فَقد أَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ “صَاعَ الْمَلِكِ”. وَقَرَأَ أَبو رَجَاءٍ “صَوْعَ” بِزِنَةِ “قَوْسٍ”. فَقد أَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبي رَجَاءٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَرَأَ “نَفْقد صَوْعَ الْمَلِكِ” بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وصَادٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّه ضَمَّ الفاءَ فهَذِهِ ثَمَانِ قِراءاتٍ مُتَواتِرُها واحِدَةٌ. وَأَخْرَجَ أَيضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يقْرَأُ “صُوْعَ الْمَلِكِ” بَصَادٍ مَضْمُومَةٍ. وَأَخْرَجَ أيضًا عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ “صِياعَ الْمَلِكِ” أيضًا.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com