فيضُ العليم … سورةُ الرعد، الآية: 25
 
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} هؤلاءِ الذينَ تتحدَّثُ عنهم هذه الآيةُ الكريمةُ هُمُ المتَّصِفونَ بما هو ضِدُّ ما تحلَّى بهِ أولئكَ الذينَ تحدَّثتْ عنهمُ الآياتُ: (20، 21، 22)، السابِقَةِ، مِنْ صِفَاةٍ كَريمَةٍ. فأُولئكَ يوفونَ بعهدِ اللهِ بعدَ ميثاقِهِ، وهَؤُلاءِ يَنْقُضُونَهُ، ونَقْضُ الْمِيثَاقِ: تَرْكُ أَمْرِهِ. وَقِيلَ: إِهْمَالُهم عُقُولَهُمْ، فَلَا يَتَدَبَّرُونَ بِهَا لِيَتَوَصَّلوا إلى المعْرِفَةِ باللهِ تَعَالَى. قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ـ رضِيَ اللهُ عنه: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ! إِنَّهُمُ الحَروريَّةُ (الخوارجُ). ذَكَرَهُ الثَّعلبيُّ في تفسيرِهِ: (5/287)، والقرطُبيُّ أيضًا: (9/214)، وغيرُهُما مِنَ المُفسِّرينَ.
قولُهُ: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أَيْ مِنَ الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وصِلَةِ الأَرْحامِ. وهَذِهِ الصفةُ أَيْضًا على النقيضِ مما كانَ يتَّصفُ بهِ المؤمنونَ، الفائزونَ بجنَّاتِ عَدْنٍ، وقد تقدَّمَ بيانُ ما أَمَرَ اللهُ بهِ أَنْ يُوصَلَ، منْ الإيمانِ بسيِّدِنا محمَّدٍ ـ صلَّ اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والجهادِ معَهُ ومؤازَرَتِهِ، ونُصرةِ إخوانِهِ النَّبِيِّينَ ـ عليهِمُ السلامُ، والإيمانِ بما جاؤوا بِهِ مِنْ عندِ ربِّهم، ويدخُلُ في “ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” صلةُ الأرحامِ، لما أَخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مَيْمُونَ بْنِ مهْرَان ـ رَضِي اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ لي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَا تؤاخِيَنَّ قَاطِعَ رَحِمٍ فَإِنِّي سَمِعتُ اللهَ لَعَنَهم فِي سُورَتَيْنِ: فِي سُورَةِ الرَّعْدِ، وَسُورَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وثمَّةَ صِلاةٌ أُخرى كثيرةٌ شَرَحْنَاها بالتَّفْصيلِ آنِفًا.
قولُهُ: {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} أَيْ: يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، وإِنِّما لم يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَاب} الآيةِ: 21 السابقةِ، عَنْهم صَريحًا لِدَلالة النقضِ والقَطْعِ عَلى ذَلِكَ، وأَمَّا عَدَمُ التَعَرُّضِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ المَذكورِ في الآية: 22: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم} فَلِأَنَّهُ اعْتُبِرَ تَحَقُّقُهُ في ضِمْنِ الحَسَنَاتِ المَعْدودَةِ لِيَقَعْنَ مُعْتَدًّا بِهِنَّ فَلا وَجْهَ لِنَفْيِهِ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَسَنَاتِ بُعْدُ المَشْرِقَيْنِ، كَمَا لا وَجْهَ لِنَفْيِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ المذكورتينِ في الآيةِ: 22: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَة}، مِمَّنْ لا يَحومُ حَوْلَ أَصْلِ الإيمانِ باللهِ تَعالَى فضلًا عَنْ فُروعِ الشَّرائعِ، وإِنْ أُريدَ بالإنْفَاقِ التَّطوعُ فَنَفْيُهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَطْعِ مَا أَمَرَ اللهُ بِوَصْلِهِ، وأَمَّا دَرْءُ السَّيِّئَةِ بالحَسَنَةِ، فانْتِفاؤهُ عَنْهم ظَاهِرٌ مِمَّا سَبَقَ ولَحِقَ، فإنَّ مَنْ يُجَازي إِحْسانَهُ تعالى بِنَقْضِ العَهْدِ ومُخالَفَةِ الأَمْرِ والفَسادِ في الأَرْضِ حَسْبَما يَحْكِيهِ قوْلُهُ: “وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ” بالظُلمِ وإذكاءِ نارِ الفِتَنِ هلْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مُجازاةُ الإساءَةِ بالإحْسانِ.
قولُه: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} أَيْ أُولئكَ المَوْصوفونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبَائحِ “لَهُمُ اللَّعْنَةُ” أَيِ الطَّرْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وعَفْوِهِ، عِقابًا لَهُمْ عَلَى مَا فرَّطوا في جَنْبِهِ ـ سُبحانَهُ وتعالى، وما اتَّصَفوا بِهِ مِنْ دَنِيِّ الخِصالِ، ومَا قَدَّمُوهُ مِنْ سَيِّءِ الأَعْمَالِ.
قولُه: {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} يَعْنِي: النَّارَ، فالمُرادُ بالدَّارِ جَهَنَّمُ وبِسُوءِ الدارِ: عَذَابُها. وَقِيلَ: هو سُوءُ الْمُنْقَلَبِ، لأَنَّ مُنْقَلَبَ النَّاسِ دُورُهم. ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرادَ سُوءُ عاقِبَةِ الدُنْيا، لأَنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبَى الدَّارِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَلَهُم سُوءُ الدَّارِ” قَالَ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ.
قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الواوُ: للاستئنافِ، و “الَّذِينَ” اسْم مَوْصُولٌ للجَمْعِ المُذَكَّرِ، مبنيٌّ على الفتحِ في محلَّ الرفعِ بالابْتِداءِ، على أنَّهُ مبتدأٌ َأَوَّلُ. و “يَنْقُضُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، فاعلٌ بِهِ. و “عَهْدَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، ولفظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ الفعليةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “الذين” الاسميَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَنْقُضُونَ”، و “بَعْدِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “مِيثَاقِهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ ومضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ.
قولُهُ: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} الوَاوُ: للعطفِ، و “يَقْطَعُونَ” مثلُ “يَنْقُضُونَ” معطوفٌ عليهِ، و “مَا” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ مَفْعولٌ بهِ. و “أَمَرَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ “ما” المَوْصولَةِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و “بِهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أمر” والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “أَنْ” حرفٌ ناصِبٌ مصدريٌّ، و “يُوصَلَ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مبنِيٌّ للمجهولِ، منصوبٌ بهِ، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ عَلَى “ما”، وجُمْلَةُ “أَنْ يُوصَلَ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ عَلَى كَوْنِهِ بَدَلًا مِنَ الضَّميرِ المَجْرورِ.
قولُهُ: {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “يُفْسِدُونَ” مثلُ “يَنْقُضُونَ” معطوفٌ عَلَيْهِ. و “في” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ.
قولُه: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} أُولَئِكَ: اسمٌ إشارةٍ للبَعيدِ مبنيٌّ على الجرِّ في محلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مبتَدَأٌ ثانٍ، والكافُ للخِطابِ. و “لَهُمْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ لِمَا بَعْدَهُ مُقَدَّمٍ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ. و “اللَّعْنَةُ” مُبْتَدَأٌ ثالثٌ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الثالِثِ وخبرِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا للمُبْتَدَأِ الثاني، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الثاني وخَبَرِهِ خَبَرٌ للأَوَّلِ، وجُمْلَةُ المُبتدأِ الأَوَّلِ وخبرِهِ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ} الآية: 20، السابِقَةِ.
قولُهُ: {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} الواوُ: للعطفِ، وَ “لَهُمْ” كسابقتها، و “سُوءُ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ مُضافٌ، و “الدَّارِ” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعطوفَةٌ عَلَى جَمْلَةِ قَوْلِهِ: “لَهُمُ اللَّعْنَةُ”.


سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ

(24)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} تَحِيَّةٌ يُقْصَدُ مِنْهَا تَأْنِيسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وهَذَا التَّكْرِيمُ بِالسَّلَامِ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ على طاعةِ ربِّكم وعن معصيتِهِ، وصَبْرِكم عَلى مَا ابْتَلاكُمُ اللهُ بِهِ مِنْ مَصائِبِ الدُنْيا، ومَشَاقِّ الحَياةِ ومَتاعِبِها ومَصاعِبِها.

وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصنعانيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ أَبي عُمْرَان الْجُونِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ” قَالَ: عَلَى دِينِكُمْ، و “فَنِعْمِ عُقْبَى الدَّارِ” قَالَ: فَنِعمَ مَا أَعْقَبَكُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الدُّنْيَا الْجَنَّةُ.

وَأخرج ابْن أبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ” قَالَ: صَبَرُوا عَلَى فُضُولِ الدُّنْيَا.

وَأَخْرجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْحَارِثِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ” قَالَ: عَلَى الْفَقْرِ فِي الدُّنْيَا.

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّان، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمانِ)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رضيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرينَ الَّذينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقَى بِهِمُ المَكارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهم وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ، لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: ائْتُوهُمْ فَحَيُّوهم، فَتَقولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِكَ وخِيرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ، أَفَتَأْمُرُنَا أَنْ نَأْتيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِم؟. قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ هَؤُلَاءِ عبَادِي كَانُوا يَعْبُدُونَني فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وتُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً.

فَتَأْتيهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ “سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار”.

قولُهُ: {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} عُقْبَى الدَّارِ: أَيْ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ في الدَّارِ الآخِرَةِ. يُبَيِّنُ لنا اللهُ تَعَالَى أَنَّ ما أَعَدَّهُ في الآخرةِ مِنْ دارِ الخُلْدِ والإقامةِ الدائِمَةِ والنعيمِ المقيمِ للمُؤمِنِينَ الصَّابِرينَ مِنْ عِبادِهِ، والذينَ تقدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، إنَّما هو أَفضلُ الدارِ وخيرُ الإقامة، وهذا تَفْرِيعَ ثَنَاءٍ عَلَى حُسْنِ عَاقِبَتِهِمْ. وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَقَامِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ دَارُ عُقْبَاكُمْ.

وأَخرَجَ ابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَأْتِي أُحُدًا كُلَّ عَامٍ، فَإِذا تَفَوَّهَ الشِّعْبَ، سَلَّمَ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: “سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ”.

وَأَخْرجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ، فَيَقُولُ: “سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ” وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ـ رضيَ اللهُ عنهم.

قولُهُ تَعَالَى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} سَلَامٌ: مَرْفُوعٌ بالابْتِداءِ، وسَوَّغَ الابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ قَصْدُ الدُّعاءِ. و “عَلَيْكُمْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، والكافُ: ضَميرُ الخِطابِ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والميمُ عَلامَةُ الجَمْعِ المُذَكَّرِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقَولَ لِقَولٍ مَحْذوفٍ هُوَ حَالٌ مِنْ فاعِلِ “يَدْخُلُونَ”، والتَقْديرُ: والمَلائكةُ يَدْخُلونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ حَالَةَ كَوْنِهم قائلينَ: سَلامٌ عَلَيْكم. و “بِمَا” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ للسَبَبِيَّةِ، مُتَعلِّقٌ بالاسْتِقْرارِ الذي تعلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أَيْ: هَذَا الثَوابُ الجَزيلُ بِمَا صَبَرْتمْ. ويَجوزُ أنْ تكونَ بَدَلِيَّةً، أَيْ: بَدَلَ صَبْرِكم. و “ما” مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِكم، وَهوَ عِنْدَ العُكْبُريِّ لا يَتَعَلَّقُ بِـ “سَلامٌ” لأَنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمولِهِ بالخَبَرِ، وقدْ أَجَازَهُ الزمخشريُّ، والتقديرُ: نُسَلِّمُ عَلَيْكم، ونُكْرِمُكم بِصَبْرِكم. لأنَّ ذلك المنعَ إنَّما يكونُ في المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ، وَهَذا المَصْدَرُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ. و “صَبَرْتُمْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ تاءُ الفاعِلِ، وهيَ ضَمِيرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ. والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما” المَصْدَرِيَةِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و “ما” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بالباءِ والتقديرُ: بِسَبَبِ صَبْرِكم في الدُنْيا عَلَى مَشَاقِّ التَكاليفِ.

قولُهُ: {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الفاءُ: للعطفِ. و “نعمَ” فِعْلٌ مَاضٍ لإنْشاءِ المَدْحِ، مبنيٌّ على الفتحِ. و “عُقْبَى” فَاعِلُهُ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخرِهِ لِتَعَذُرِ ظُهُورِهَا عَلَى الأَلِفِ، وهوَ مُضافٌ، و “الدَّارِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وجُمْلَةُ “نعمَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ هُوَ المَخْصوصُ بالمَدْحِ، والتقديرُ: “جنَّاتُ عَدْنٍ” وهذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “سَلَامٌ عَلَيْكُمْ” عَلَى كَوْنِها مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذوفٍ.

قَرَأَ الجُمْهورُ: {فنِعْمَ} بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقرَأَ ابْنُ يَعْمُرَ بفَتْحِها وكَسْرِها، وَهُوَ الأَصْلُ كَمَا في قَوْلِ الشَّاعِرِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ فِي وَصْفِ الخَيْلِ:

خَالَتِي والنَّفْسُ قِدْمًا إِنَّهم …………… نَعِمَ السَّاعُون في القومِ الشُّطُرْ

وقرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ بالفَتْحِ والسُّكونِ، وهِيَ تَخْفيفُ الأَصْلِ، ولُغَةُ تَميمٍ، يُسَكِّنُونَ عَيْنَ “فَعِل” مُطْلَقًا.


فيض العليم … سورة الرعدِ الآية: 23

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} جَنَّاتُ عَدْنٍ: جَنَّاتُ إِقامَةٍ. قالَ ابْنُ مَسْعودٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ: “جَنَّاتُ عَدْنٍ” بُطنانُ الجَنَّةِ، أي: وَسَطُها، وبُطْنانُ الأَوْدِيَةِ: المَواضِعُ التي يَسْتَنْقِعُ فِيها مَاءُ السَّيْلِ فَيَكْرُمُ نَبَاتُها، واحِدُها بَطْنٌ. وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: هِيَ وَسَطُ الجَنَّةِ وقَصَبَتُها، مُسانَدَةً بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ، غَرَسَها الرَّحْمَنُ ـ تَبَارَكَ وتَعَالى، بِيَدِهِ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أنَّهُ قال: هِيَ قَصَبَةُ الجَنَّةِ، وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحمن. وقالَ الضَّحَاكُ: هِيَ مَدينَةُ الجَنَّةِ، وفِيها الرُّسُلُ والأَنْبياءُ والشُهَداءُ وأَئِمَّةُ الهُدَى، والنَّاسُ حوْلَهم بَعْدُ، والجَنَّاتُ حوْلَها. وقالَ مُقَاتِلٌ والكَلْبِيُّ: عَدْنُ: أَعْلَى دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، وفِيها عَيْنُ التَسْنيمِ، والجِنانُ حَوْلَها مُحْدِقَةٌ بِها، وهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ يَوْمِ خَلَقَها اللهُ حَتَى يَنْزِلَهَا أَهْلُها الأَنْبِياءُ والصِّدِّيقونَ والشُهَداءُ والصَّالِحُونَ، وفيها قُصُورُ الدُرِّ والياقوتِ والذَّهَبِ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهم كُثْبانُ المِسْكِ الأَبْيَضِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ـ رضي اللهُ عنهما: إِنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: عَدْن، حَوْلَهُ البُروجُ والمُروجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلَى كُلِّ بابٍ خَمْسَةُ آلافِ حِبْرَةٍ (بُردةٌ يَمانيَّةٌ)، لا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ. أخرجه ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ.
فَعَلَى قَوْلِ المُفَسِّرينَ وأَهْلِ الأَثَرِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ مَخْصوصَةٌ مِنْ سائرِ الجَنَّاتِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وعَلى قولِ أَهْلِ اللُّغَةِ: هِيَ عامَّةٌ؛ لأَنَّ الجَنَّاتِ كُلُّها جَنَّاتُ إِقامَةٍ، إِذْ أَهْلُها مُخَلَّدونَ فِيها لا يَظْعَنُونَ عَنْها.
ويُقالُ: عَدَنَ فُلانٌ بِالمَكانِ، أيْ: أَقامَ بِهِ يَعْدِنُ عُدُونًا، والعَرَبُ تقولُ: تَرَكْتُ الإِبِلَ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذَا، إذا لَزِمَتِ الإبِلُ ذلكَ المَكانَ وأَلِفَتْهُ فلمْ تَبْرَحْهُ، ومِنْهُ (المَعْدِنُ) لإنْباتِ اللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ، الجَوْهَرَ فِيهِ، وإِنْباتِهِ إِيَّاهُ في الأَرْضِ حَتَّى عَدَنَ (ثَبَتَ) فِيها.
قولُهُ: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} بُشْرَى مِنَ اللهِ تَعَالى لِمَنْ كَانَ لَهُ سَلَفٌ صَالِحٌ، أَوْ خَلَفٌ صَالِحٌ، أَوْ زَوْجٌ صَالِحٌ، مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ فِيهم تِلْكَ الصَّفاتُ سالفةُ الذكرِ أَنَّهُ إِذَا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ لَحِقَ بِصَالِحِ أُصُولِهِ أَوْ فَرُوعِهِ أَوْ زَوْجِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى في الآيةِ: 21، من سورةِ الطور: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}. وقال: “آبَائهم” عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ كَمَا قَالُوا: الْأَبَوَيْنِ، فهو يشملُ الأمَّهاتِ أَيْضًا.
قولُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} وَفي هَذَا تكْريمٌ لهُمْ وتَنْوِيهٌ بِهِمْ، لأَنَّ تَرَدُّدَ الملاكةِ عَلَيْهِمْ هو لا شكَّ بأمرِ ربهم، مرسلينَ منه سبحانه، وهو مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ إِكْرَامِهِ تعالى لهم. وَ “مِنْ كُلِّ بابٍ” كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةٍ غِشْيَانِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُمْ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ. ولَمَّا كَانَ هَذَا الدُّخُولُ مَجْلَبَةً للسُرورِ فقد كَانَ كَثِيرًا مُتَكَرِّرًا فِي الْأَمْكِنَةِ والْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ إِلَّا لِأَنَّ كُلَّ الأَبوابِ مَشْغُولةٌ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ.
قولُهُ تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} جَنَّاتُ: خَبَرٌ مرفوعٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، والتَقْديرُ: هِيَ جَنَّاتُ عَدْنٍ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلًا مِنْ جملةِ قولِهِ: {عُقْبَى الدَّارِ} منَ الآيةِ السابقةِ لها، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ مِنْها، وأَنْ تكونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وأَنْ تَكونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ “يَدْخُلونها” وتَحْتمِلُ الاستئنافَ أَيضًا، وهو مضافٌ، و “عَدْنٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. و “يَدْخُلُونَهَا” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ: وواوُ الجماعةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِه، و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والجملةُ في مَحَلِّ الرَّفعِ صِفَةً لِـ “جَنَّاتُ”، ولَكِنَّها جُمْلَةٌ سَبَبِيَّةٌ، أَوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ جَنَّاتِ فَهُوُ مُضَافٌ.
قولُهُ: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}الواو: واوُ المَعِيَّةِ، و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى ضميرِ الفاعلِ فِي “يَدْخُلُونَهَا”، وإنَّمَا ساغَ العَطْفُ بِلا تَوْكيدٍ، لِوُجودِ الفَصْلِ بالضَّميرِ المَنْصوبِ، فَقَدْ أَغْنَى الفَصْلُ بالمَفْعُولِ عَنِ التَأْكيدِ بالضَّميرِ المُنْفَصِلِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ في مَحلِّ النَّصْبِ عَلَى المَفْعولِ مَعَهُ، وَهوَ مَرْجُوحٌ. و “صَلَحَ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وَفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “مَنْ”، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ لبيانِ الجنسِ، متعلِّقٌ بحالٍ مِنْ فاعِلِ “صَلَحَ”، و “آبَائِهِمْ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ. و “وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ” مَعْطُوفانِ عَلَى “آبَائِهِمْ” ولهما مثل إعرابِهِ.
قولُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} الواوُ: للاستِئْنَافِ، وَ “الْمَلَائِكَةُ” مَرفوعٌ بالابتِداءِ. و “يَدْخُلُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ تقدمَ إعرابُهُ آنفًا وفاعِلُهُ. و “عَلَيْهِمْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والهاءُ: مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيضًا، و “كلِّ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ. و ” بَابٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إليه. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قرَأَ الجُمهورُ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بالجمعِ، وقَرَأَ ابراهيمُ النَّخَعِيُّ: “جنَّةُ عدنٍ” بالإِفرادِ.
قرأ الجمهور: {صلَحَ} بفتحِ اللامِ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ “صَلُحَ” بِضَمِّها، وهِيَ لُغَةٌ مَرْجُوحَةٌ.
قرأ الجمهورُ: {وذُريَّاتِهم} بالجمعِ، وَقَرَأَ عِيْسَى الثَّقَفِيُّ: و “ذُريَّتِهم” بالإفرادِ.


فيضُ العليم … سورة الرعد، الآية: 22
 
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أَرْبَعُ صِفَاتٍ لأُلِي الأَلْبابِ الذين ذَكَرَهُمُ اللهُ ـ تَبَارَكَ وتَعالى، في الآية: 19، السابقةِ، ذَكَرَهَا اللهُ هُنَا إِضَافَةً إِلى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَتَيْنِ: 20 و 21، السابِقَتَيْنِ، أَيْ: والذينَ صَبَروا عَلى الوَفَاءِ بِعَهْدِ اللهِ، وتَرْكِ نَقْضِ المِيثاقِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وأَوَّلُ هذِهِ الصفاتِ الأَرْبَعَةِ الجديدةِ هو الصبرُ، أَيْ صَبَروا عَنِ المَحَارِمِ والمَآثِمِ، فَفَطَمُوا أَنْفُسَهم عَنْ كُلِّ مَا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ مِنَ المَصَائبِ، إِنْ في المالِ، وإنْ في البَدَنِ. وصَبَرُوا عَلَى الأَذَى ومنعوها عن كلِّ ما يُخَالِفُهُ ـ سُبْحانَهُ، ويوافقُ هوَى النَّفْسِ، كالانتصارِ للنَّفْسِ والانْتِقامِ لها ونَحْوِهِ، والصَّبرُ على التَكَالِيفِ التي أمرَ اللهُ تعالى عبادَهُ أنْ يؤدوها حقَّ أدائها، ويقوموا بها على أكملِ وجهٍ، وكلُّ ذلك إنَّما هو ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبّهِمْ وحسْبُ، طَلَبًا لِرضاهُ مِنْ غَيْرِ رِياءٍ ولا طلبِ سُمْعَةٍ، دونَ عُجْبٍ أو تَفَاخُرٍ أوْ زهْوٍ. وقالَ عَطَاء: يُريدُ الصَّبرَ عَلى دينِ رَبِّهم وما أَمَرَ بِهِ مِنْ طاعَتِهِ، ونَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وهوُ قولُ ابْنُ زَيْدٍ، وأَبي عُمرانَ الجُونيِّ.
وَالصَّبْرُ: مِنَ الْمَحَامِدِ ومكارِمِ الأخلاقِ، وفيهِ اسْتِقَامَةُ الْأَعْمَالِ وَمَصْدَرِهَا فَإِذَا تَخَلَّقَ بِهِ الْمُؤمنُ صَدَرَت عَنْهَ الحَسَناتُ وَالْفَضَائِلُ بِسُهُولَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فيهِ: {والعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ * وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ} سُورَة الْعَصْر. و “ابتغاءَ وَجْهِ رَبِّهم” يَعْنِي أَنَّهم إنَّما يفعلونَ ذلك تَعْظِيمًا للهِ تعالى، وتَنزيهًا لَهُ أَنْ يُخالَفَ في أَمْرِهِ، أَوْ يُؤْتى أَمرٌ كَرِهَ إِتْيانَهُ.
قولُهُ: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} أيْ: وأَدُّوا الصلاةَ المَفْروضَةَ في أوقاتها بِحُدودِها، لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ وَفِيهَا مَا فِي الصَّبْرِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 45، منْ سُورةِ العنكبوتِ: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ} وَلقَوْلِهِ أيضًا في الآيةِ: 45، مِنْ سُورةِ البقرةِ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}.
قولُهُ: {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ الزَّكَاةُ، وَهِيَ مُقَارِنَةٌ لِلصَّلَاةِ كُلَّمَا ذُكِرَتْ في القرآنِ الكريمِ ذُكِرتْ معها، وَلَهَا الْحَظُّ الْأَوْفَى مِنِ اعْتِنَاءِ الدِّينِ بِهَا، وَمِنْهَا النَّفَقَاتُ وَالْعَطَايَا كُلُّهَا، وَهِيَ أَهَمّ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ يَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ، ولذلك فإنَّ إِخراجَها تزكيةٌ للنفسِ وتطهيرٌ لها مِنَ الطَمَعِ والحِرْصِ والشُّحِّ، ولَها مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ مَا جَعَلَها ثَانِيةً لِلصَّلَاةِ.
قولُهُ: {وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يدرؤون: يَدْفعونَ، فالدَّرْءُ: الدَّفْعُ وَالطَّرْدُ. وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِإِزَالَةِ أَثَرِ الشَّيْءِ فَيَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْمَدْفُوعِ وَقَبْلَ حُصُولِهِ بِأَنْ يُعِدَّ مَا يَمْنَعُ حُصُولَهُ، فَيُصَدِّقُ ذَلِكَ بِأَنْ يُتْبِعَ السَّيِّئَةَ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ بِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَطَرْدِ السَّيِّئَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: يَدْفَعُونَ بِالصَّالِحِ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّءَ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تعالى في الآية: 114، مِنْ سورةِ هودٍ: {إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ}. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً تَمْحُها، السِّرُّ بالسِرِّ، والعَلانيَةُ بِالعَلانِيَةِ)). وأخرجَ الإمامُ أحمدُ عَنْ مُعَاذٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: ((اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، أَوْ أَيْنَمَا كُنْتَ))، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: ((أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا))، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: ((خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)). مُسندُ أَحمَدُ: (5/228 رقم: 22337) والتِّرمِذِيُّ: (1987)، ومثلُهُ عنْ أبي ذرٍّ ـ رضيَ اللهُ عنه، أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يا أَبَا ذَرٍّ اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: (5/153 رقم: 21681)، و: (5/158 رقم: 21732)، و: (5/177 رقم: 21869). والدارِمِي: (2791). والتِّرمِذي: (1987). وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي شيبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحَّاك ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “ويدرؤون بِالْحَسَنَة السَّيئَة” قَالَ: يدْفَعُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ويدرؤون بِالْحَسَنَة السَّيئَة” قَالَ: يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالْخَيرِ، لَا يُكافِئُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ، وَلَكِنْ يَدْفَعُونَهُ بِالْخَيْرِ.
قولُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} العُقْبَى: كالعاقِبَةِ، يَجوزُ أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا، كالشُورَى، والقُرْبَى، أَيْ: عاقِبَتُهُمْ دارُ الثَّوابِ، يَعْنِي الجَنَّةَ. وَقُدِّمَ الجارُّ والْمَجْرُورُ “لهم” عَلَى الْمُبْتَدَأِ “عُقْبَى” لِلقَصْرِ، أَيْ أنَّ عُقْبَى الدَّارِ لِلْمُتَّصِفِينَ بهذه الصفاتِ لا المتَّصفينَ بِأَضْدَادِهِا.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَالَّذين صَبَرُوا” يَعْنِي عَلَى أَمْرِ اللهِ، و “ابْتِغَاءَ وَجهِ رَبِّهم” يَعْنِي ابْتِغَاءَ رِضَا رَبِّهم، و “أَقَامُوا الصَّلَاة” يَعْنِي أَتَمُّوها، و “أَنْفَقوا مِنْ مَا رَزَقْنَاهُمْ” يَعْنِي مِنَ الْأَمْوَالِ، “سِرًّا وَعَلَانِيَةً” يَعْنِي فِي حَقِّ اللهِ، وطاعَتِهِ، و “يَدرَؤونَ” يَعْنِي يَدْفَعُونَ، و “بِالْحَسَنَةِ السَّيئَةَ” يَعْنِي يَرُدُّونَ مَعْرُوفًا عَلَى مَنْ يُسِيءُ إِلَيْهِم، و “أُولَئِكَ لَهُم عُقْبَى الدَّارِ” يَعْنِي دَارَ الْجَنَّةِ.
قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} وَالَّذِينَ: الواوُ: للعطفِ، و “الَّذِينَ” اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابتِداءِ عَطْفً عَلَى المَوْصُولِ قبلَهُ. و “صَبَرُوا: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِه، والألفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “ابْتِغَاءَ” الظاهرُ أَنَّ هذا المَصدَرَ منصوبٌ على المفْعوليَّةِ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ نَصْبًا على الحالِ مِنْ ضميرِ الفاعِلِ؛ أَيْ: صَبَروا حالَ كونِهم مُبْتَغينَ، وهَذَا المَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ. و “وَجْهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ ومضافٌ، و “رَبِّهِمْ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، ومضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليهِ ثالثٍ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّر.
قولُهُ: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} الواوُ: حرفُ عطفٍ، و “أَقَامُوا” مثلُ “صبروا” معطوفٌ عليهِ. و “الصَّلَاةَ” مَفعولٌ به منصوبٌ، والجملةُ معطوف على جملةِ قولِهِ “صَبَرُوا” على كونِها صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ فليس لها محلٌّ مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} الواوُ: حرفُ عطفٍ، و “أَنْفَقُوا” مثل “صبروا” معطوفٌ عليهِ. و “مِمَّا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَنْفَقُوا”، و “ما” اسمٌ موصولٌ أو نَكِرَةٌ موصوفةٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و “رَزَقْنَاهُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفْع بالفاعِليَّةِ. والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصْبِ كمَفْعولٍ أَوَّل، أمَّا المفعولُ الثاني فمَحذوفٌ تقديرُهُ: إيَّاهُ، والميم علامةُ جمعِ المذكَّرِ، والجُمْلةُ الفِعْلِيَّةُ هذه، صِلَةٌ لِـ “مَا” الموصولة، أَوْ صِفَةٌ لَهَا إنْ أُعْرِبَتْ نَكِرةً مَوْصوفةً، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ هو الضَميرُ المَحْذوفُ الذي قَدَّرْناهُ آنِفًا. و “سِرًّا” وَ “عَلَانِيَةً” منصوبانِ على الحالِ مِنْ فَاعِلِ “أَنْفَقُوا”، ولَكِنْ عَلى تَأْويلِهِ بِالمُشْتَقِّ والتقديرُ: وأَنْفَقُوا حالةَ كَوْنِهم مُسِرِّينَ وَمُعْلِنِينَ، أَوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أَيْ: إِنْفاقَ سِرٍّ وعَلانيةٍ، أَوْ عَلَى الظَرْفِيَّةِ؛ أَيْ: وَقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ.
قولُهُ: {وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} الواوُ: للعطفِ، و “يَدْرَؤونَ” فِعْلٌ مضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ: وواوُ الجماعةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِه، والجملةُ معطوفةٌ عَلى جملةِ “صَبَرُوا”. و “بِالْحَسَنَةِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “الحَسَنَةِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “السَّيِّئَةَ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ.
قولُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} أُولَئِكَ: اسمُ إشارةِ مبنيٌّ على الكسْرِ في محلِّ الرفعِ، مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والكافُ للخطابِ. و “لَهُمْ” حرفُ جَرٍّ مُتعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِمَا بَعْدَهُ. و “عُقْبَى” مرفوعٌ على أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثالثٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الألفِ. وهو مُضافٌ، و “الدَّارِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الثالثِ وخَبَرِهِ المُقدَّرِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا للمُبْتَدَأِ الثاني، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الثاني وخَبَرِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا للأَوَّلِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ الأَوَّلِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ “لهم” خَبَرَ “أُولئِكَ”، و “عُقْبى” فاعِلٌ بالاسْتِقْرارِ.


فيضُ العليم … سورة الرعدِ، الآية: 21
 
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} الْوَصْلُ: ضَمُّ شَيْءٍ لِشَيْءٍ. وَضِدُّهُ الْقَطْعُ. وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْقُرْبِ، وَضِدُّهُ الْهَجْرُ. وَقدِ عُرِفَ بالْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ مَجَازًا، وَمِنْهُ: صِلَةُ الرَّحِمِ، أَيِ الْإِحْسَانُ إلى الرَّحِمِ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ الْآتِيَةِ مِنَ الْأُمَّهَاتِ. وَأُطْلِقَتْ عَلَى قَرَابَةِ النَّسَبِ مِنْ جَانِبِ الْآبَاءِ أَيْضًا، لِأَنَّهَا في الغَالِبِ لَا تَخْلُو مِنِ اشْتَرَاكٍ فِي الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ بَعُدْنَ. وأَفْرَدَ بِالذِّكْرِ كي لا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، لا يَدْخلُ فيهِ أَنْ إِصْلاحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ. ومنْ ذَلكَ صِلَةُ الرَّحِمِ وهو ما جاءَ في قَولِهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((ثَلَاثٌ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا ذَلَقٌ، الرَّحِمُ تَقُولُ: أَيْ رَبِّ قُطِعْتُ، وَالْأَمَانَةُ تَقُولُ: أَيْ رَبِّ تُرِكْتُ، وَالنِّعْمَةُ تَقُولُ: أَيْ رَبِّ كُفِرْتُ)). وأَخْرَجَ البَغَوِيُّ، عنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَادَ أَبَا الدَّرْدَاءِ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ: ((أَنَا اللهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ)). شَرْحُ السُّنَّةِ: (13/22)، ومُسْنَدُ الإمامِ أَحْمدٍ: (1/194). وأخرجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ: (8/536)، وعبدُ الرَّزاقِ في مصنفه: (11/172)، وأَبو دَاودَ في سُنَنِه: (2/262)، والتِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: (6/33)، وقال: حَديثٌ صَحيحٌ. وصَحَّحَهُ أيضًا الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ: (4/157 ـ 158)، وابْنُ حِبَّانَ في مَوارِدِ الظمآن: (ص: 498 ـ 499).
وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْبِرَّ وَالصَّبْرَ لَيُخَفِّفانِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثمَّ تَلا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَالَّذينَ يَصِلونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحسابِ”.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَالَّذينَ يَصِلونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: اتَّقُوا اللهَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟. قَالَ: ((نَعَم)). قَالَ: فَأَي الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟. قَالَ: ((الإيمانُ بِاللهِ)). قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟. قَالَ: ((صِلَةُ الرَّحِمِ)). وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ ـ رضيَ اللهُ عنهُما، يَقُول: إِنَّ الْحَلِيمَ لَيْسَ مَنْ ظُلِمَ ثمَّ حَلِمَ، حَتَّى إِذا هَيَّجَهُ قوْمٌ اهْتَاجَ، وَلَكِنَّ الْحَلِيمَ مَنْ قَدَرَ ثمَّ عَفَا، وَإِنَّ الْوَصُولَ لَيْسَ مَنْ وُصِلَ ثمَّ وَصَلَ، فَتِلكَ مُجازَاةٌ، وَلَكِنَّ الْوَصُولَ مَنْ قُطِعَ ثمَّ وَصَلَ، وَعَطَفَ عَلَى مَنْ لَا يَصِلُهُ.
وَأَخَرْجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: {ويَقْطَعونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} الآية: 25، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِذا لَمْ تَمْشِ إِلَى ذِي رَحِمِكَ بِرِجْلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهِ مِنْ مَالِكَ، فَقَدْ قَطَعْتَهُ.
وَيَدْخُلُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ، صِلَةُ الْقَرَابَةِ الثَّابِتَةِ بِسَبَبِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَرِعَايَةُ جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلْعِبَادِ، لقَولِهِ تَعَالى في سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} الآية: 10، وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الصِّلَةِ إِمْدَادُهُمْ بِإِيصَالِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّاتِ عَنْهم بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَعِيَادَةُ مَرِيضِهم، وَشُهُودُ جَنَائِزِهم، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ عَلَيهم، وَالتَّبَسُّمُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ، كما وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَيَوَانٍ حَتَّى الْهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ، فَقد رٌوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضيَ اللهُ تعالى عنهُ، أَنَّ جَمَاعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ خُرَاسَانَ. فَقَالَ: اتَّقُوا اللهَ، وَكُونُوا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَحْسَنَ كُلَّ الْإِحْسَانِ، وَكَانَ لَهُ دَجَاجَةٌ فَأَسَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
قالوا: وكَذلِكَ صِلَةُ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَمُؤَازَرَتُهُ، وَنُصْرَتُهُ في جِهَادِهِ في سَبيلِ اللهِ تَعَالى، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.
وقريبًا مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَالَّذينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” يَعْنِي مِنْ إِيمَانٍ بالنَّبِيِّينَ وبِالكُتُبِ كُلِّهَا، و “يَخْشَوْنَ رَبَّهم” يَعْنِي يَخَافُونَ فِي قَطْعِيَّةِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، و “يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ” يَعْنِي شِدَّةَ الْحِسَابِ.
وَالحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تعالى في الآيةِ السابقةِ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ} فيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، وَقَوْلَهُ: “وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” إِشَارَةٌ إِلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللهِ تعالى. فإنَّ “مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوَاصِرِ وَالْعَلَائِقِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِالْمَوَدَّةِ وَالْإِحْسَانِ لِأَصْحَابِهَا. وَمِنْهَا آصِرَةُ الْإِيمَانِ، وَآصِرَةُ الْقَرَابَةِ التي هِيَ صِلَةُ الرَّحِمِ.
قولُهُ: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} الْمَعْنَى: أَنَّهُ وَإِنْ أَتَى بِكُلِّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِ اللهِ، وَفِي الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ الْخَشْيَةُ مِنَ اللهِ تعالى، وَالْخَوْفُ مِنْهُ، مُسْتَوْلِيًا عَلَى قَلْبِهِ، وَهَذِهِ الْخَشْيَةُ تَقْتَضي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ خَلَلٌ فِي عِبَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ، بِحَيْثُ يُوجِبُ فَسَادَ الْعِبَادَةِ، أَوْ يُوجِبُ نُقْصَانَ ثَوَابِهَا. وَأَنْ يخافَ العَبْدُ رَبَّهُ ـ سُبحانَهُ وتَعَالَى، خَوْفَ الْجَلَالِ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا حَضَرَ عِنْدَ سُّلْطَانٍ قَاهِرٍ مَهِيبٍ، اسْتَوْلَتِ مَهَابَةُ جَلَالِهِ، وَخَشْيَةُ عَظَمَتِهِ على قَلْبِهِ.
قَولُهُ: {وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} فِيهِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَشِيَ اللهَ ـ تَعالى، وخَافَ جَلَالَهُ، وَهَابَ عَظَمَتَهُ، خَشِيَ حِسَابَهُ، وشَديدَ عِقابِهِ، فَقَامَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الخشْيَةِ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا.
قولُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} الواو: حرفُ عطفٍ. و “الَّذِينَ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ عَطْفًا عَلَى المَوْصُولِ الأَوَّلِ في الآيَةِ السَّابِقَةِ. و “يَصِلُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مَا” مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَوْصوفَةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ. و “أَمَرَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ. و “بِهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بِحَرْفِ الجرِّ، ومَفْعُولُهُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ. و “أَنْ” حَرْفُ نَصْبٍ ومَصْدَرٍ. و “يُوصَلَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ مَنْصُوبٌ بِـ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “مَا”، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ عَلَى كَوْنِهِ بَدَلًا مِنْ الضَميرِ في “به”، والتَّقديرُ: والذينَ يَصْلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِوَصْلِهِ.
قولُهُ: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} الواوُ: للعطفِ، وَ “يَخْشَوْنَ” مثلُ “يَصِلونَ” مَعْطوفٌ عَلَيْهِ. و “رَبَّهُمْ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والميمُ: علامةُ جمعِ المذكَّرِ.
قولُهُ: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} الواوُ للعطْفِ، و “وَيَخَافُونَ” مثلُ “يخشونَ” مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَ “سُوءَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، وهوَ مُضافٌ، و “الْحِسَابِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليْهِ.


فيض العليم … سورة الرعد الآية: 20
 
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ
(20)
قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ} أَيْ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الْمُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ. وهيَ مِنْ صِفَةِ ذَوِي الْأَلْبَابِ الوفاءُ بالعهدِ وأَوَّلُها ما كانَ بيْنَ العَبْدِ ومَوْلاهُ ـ سُبْحانَهُ. والعَهْدُ هُنَا اسْمُ الجِنْسِ، أَيْ: المُوفونَ بِجَمِيعِ عُهُودِ اللهِ، وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ.
قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ التَّقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: “الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ” صِفَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَيَجُوزُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنَ الآيةِ: 19، السابقةِ: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ}.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الَّذِي عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ حِينَ كَانُوا فِي صُلْبِ آدَمَ ـ عليهِ السَّلامُ: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى، شَهِدْنا} الآية: 172. مِنْ سُورةِ الْأَعْرَافِ. والْمُرَادَ بِعَهْدِ اللهِ كُلُّ أَمْرٍ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْأَشْيَاءُ الَّتِي أَقَامَ اللهُ عَلَيْهَا دَلَائِلَ عَقْلِيَّةً قَاطِعَةً لَا تَقْبَلُ النَّسْخَ وَالتَّغْيِيرَ. وَالْآخَرُ: الَّتِي أَقَامَ اللهُ عَلَيْهَا الدَّلَائِلَ السَّمْعِيَّةَ وَبَيَّنَ لَهُمْ تِلْكَ الْأَحْكَامَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ كُلُّ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْعَهْدِ عَلَى الْحُجَّةِ بَلِ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا عَهْدَ أَوْكَدُ مِنَ الْحُجَّةِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيْءِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، إِذَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لَا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ، وَلِذَلِكَ رُبَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلَا عَهْدَ أَوْكَدُ مِنْ إِلْزَامِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، أَوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ كَمَا أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَا يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ إِلَّا إِذَا فَعَلَ الْكُلَّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ كُلِّ الْمَنْهِيَّاتِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْعُقُولِ وَالشَّرَائِعِ، فقد قَالَ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((مَنْ عَاهَدَ اللهَ فَغَدَرَ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)). وَعَنْهُ أيضًا ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((ثلاثةٌ أَنَا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، رَجُلٌ أَعْطَى عَهْدًا ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا اسْتَوْفَى عَمَلَهُ وَظَلَمَهُ أَجْرَهُ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَاسْتَرَقَّ الْحُرَّ وَأَكَلَ ثَمَنَهُ)).
قِيلَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وَمَلِكِ الرُّومِ عَهْدٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَنْقُضَ الْعَهْدَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ يَقُولُ: وَفَاءٌ بالعَهْدِ لا غَدْرَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَنْبِذَنَّ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُ وَلَا يَحُلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَمَدُ وَيَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)) قَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عُيَيْنَةَ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ.
قولُهُ: {وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} أَيْ إِذَا عَقَدُوا عَهْدًا ليس فيه معصِيَةٌ للهِ لَمْ يَنْقُضُوهُ. والْمِيثَاقُ مَا وَثَّقَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ بِه الْمَوَاثِيقُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانُ بِنُبُوَّةِ سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ. فيُحْتَمَلُ أَنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الْمَوَاثِيقِ، كَما يُحْتَمَلُ أَنْ يُكونَ أُشِيرَ إِلَى مِيثَاقٍ بِعَيْنِهِ، وهُوَ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِمْ آدَمَ. وأَخْرجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ “الَّذين يُوفونَ بِعَهْد الله وَلَا ينقضون الْمِيثَاق” فَعَلَيْكُم بِالْوَفَاءِ بالعَهْدِ وَلَا تَنْقُضُوا الْمِيثَاق فَإِنَّ اللهَ قدْ نَهَى عَنهُ، وَقَدَّمَ فِيهِ أَشَدَّ التَقْدِمَةِ، وَذَكَرَهُ فِي بِضْعٍ وَعِشْرينَ آيَةً نَصِيحَةً لَكُمْ، وَتَقْدِمَةً إِلَيْكُم، وَحُجَّةً عَلَيْكُم، وَإِنَّمَا تَعْظُمُ الْأُمُورُ بِمَا عَظَّمَها اللهُ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ وَأَهْلِ الْعَقْلِ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِاللهِ. وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: الميثاقُ هُوَ مَا رُكِّبَ فِي عُقُولِهِمْ مِنْ دَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، فَإِنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ قَرِيبٌ مِنْ عَدَمِ نَقْضِ الْمِيثَاقِ وَالْعَهْدِ، وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ وُجُودُهُ لَزِمَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَدَمُهُ، فَهَذَانِ الْمَفْهُومَانِ مُتَغَايِرَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَذَلِكَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الْمِيثَاقَ. فَالْحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: “الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ” إِشَارَةٌ إِلَى مَا كَلَّفَ اللهُ الْعَبْدَ بِهِ ابْتِدَاءً. وَقَوْلَهُ: “وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ” إِشَارَةٌ إِلَى مَا الْتَزَمَهُ العَبْدُ مِنْ أَنواعِ الطاعاتِ بِحَسْبِ اختيارِهِ نَفْسِهِ كَالنَّذْرِ بِالطَّاعَاتِ وَالْخَيْرَاتِ.
قولُهُ تَعَالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ} الَّذِينَ: اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، مُبْتَدَأٌ أَوَّلُ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}. أَوْ نَعْتٌ لِـ {أُولُو} مِنَ الآيةِ التي قَبْلَها، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ (هُم)، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ (أَمْدَح). و “يُوفُونَ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “بِعَهْدِ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِـ “يوفون”، و “عَهْدِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” اسْمٌ مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ.
قولُهُ: {وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الواوُ: للعطفِ، و “لا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها. و “يَنْقُضُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ. و “الْمِيثَاقَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يُوفُونَ” على كونِها صِلَةَ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.


فيض العليم … سورة الرعد الآية: 19
 
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
(19)
قولُهُ ـ جلَّ منْ قائلٍ: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} نَفْيٌ لاسْتِوَاءِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ جاءَ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَنْبِيهًا عَلَى غَفْلَةِ الضَّالِّينَ عَنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، كَقَوْلِهِ في سورةِ السجدةِ: {أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} الآيَة: 18. وهو تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ {لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى} الْآيَة: 18، السابقةِ. وقد اسْتُعِيرَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ اسْمُ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ انْتَفَى عِلْمُهُ بِشَيْءٍ ظَاهِرٍ بَيِّنٍ فَأَشْبَهَ الْأَعْمَى، فالْكَافُ لِلتَّشَابُهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّمَاثُلِ. وَالِاسْتِوَاءُ الْمُرَادُ بِهِ التَّمَاثُلُ فِي الْفَضْلِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْعَمَى.
وأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ” قَالَ: هَؤُلَاءِ قومٌ انْتَفَعوا بِمَا سَمِعُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وعَقَلُوهُ وَوَعَوهُ “كَمَنْ هُوَ أَعْمَى” قَالَ: عَن الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَعْقِلُهُ.
قولُهُ: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} التذكُّرُ هنا بمعنى التفكُّرِ والتدبُّرِ، أَيْ لَا غَيْرَ أُولِي الْأَلْبَابِ، فالْقَصْرُ بِـ “أَنَّما” إِضَافِيٌّ، و “أُولو الأَلْبابِ” أُولو العُقولِ، فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ “أولُو الْأَلْبَابِ” يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ أَوْ عَقْلٌ. وهذا تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الِانْتِفَاءِ بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِّ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلتَّذَكُّرِ، لِأَنَّ التَّذَكُّرَ مِنْ شِعَارِ أُولِي الْأَلْبَابِ، أَيِ الْعُقُولِ. فَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ لَا عُقُولَ لَهُمْ إِذِ انْتَفَتْ عَنْهُمْ فَائِدَةُ عُقُولِهِمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّمَا عَاتَبَ اللهُ تَعَالَى أُولي الْأَلْبَابِ لِأَنَّهُ يُحِبهُمْ، وَوَجَدْتُ ذَلِكَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتابِ اللهِ تَعَالَى: “إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب”.
وأخرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَابِ” فَبَيَّنَ مَنْ هُمْ فَقَالَ: {الَّذين يُوفونَ بِعَهْد اللهِ}.
قولُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} الهمْزَةُ: للاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ. الفَاءُ: عَاطِفةٌ عَلى ذَلِكَ المَحْذوفِ، والتَّقديرُ: أَيَسْتَوي المُؤْمِنُ والكافِرُ، و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ بمعنى “الذي” مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابتداءِ. و “يَعْلَمُ” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “مَنْ”، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. و “أَنَّمَا” أنَّ: حَرْفٌ ناصبٌ مَصدَرِيٌّ مُشبَّهٌ بالفِعلِ. و “ما” اسْمٌ مَوصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمُ “أَنَّ”. و “أُنْزِلَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ لمجهولِ، مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، ونائبُ فاعلِهِ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ على “ما”. و “إِلَيْكَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِـ “أُنْزِلَ”، والكافُ ضميرٌ متصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ أيضًا بـ “أُنْزِلَ” أَوْ بحالٍ مِن ضميرِ نائبِ الفاعل، و “ربَّ” اسمٌ مجرورٌ بحرف الجرِّ وهو مضافٌ، والكافُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. والجُملةُ الفعليَّةُ هذه صِلَةُ “ما” المَوصولةِ. و “الْحَقُّ” خَبَرُ “أنَّ” مرفوعٌ، وجُملةُ “أنَّ” في تَأْويلِ مَصْدرٍ سادٍّ مَسَدَّ مَفعولَيْ “علم” والتَقديرُ: أَفَمَنْ يَعْلَمُ كونَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ منْ ربِّكَ الحَقُّ.
قولُهُ: {كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} الكَفُ: حرفُ جَرٍّ وتشبيهٍ متعلِّقٌ بخبرِ “مَنْ” المَوْصُولَةِ في قولِهِ: “أَفَمَنْ يَعْلَمُ”، و “منْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجرِّ بخرف الجرِّ، و “هو” ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ. و “أعمى” خَبَرُهُ مَرْفوعٌ، وعَلامَةُ رفعِهِ الضَّمَّةُ المُقَدَّرَةُ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الأَلِفِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ المَحْذوفَةِ، والجُمْلةُ المَحْذوفَةُ جُمْلَة ٌإِنْشائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها.
قولُهُ: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} إِنَّمَا: أَداةُ حَصْرِ ونَفْيٍّ بِمَعْنَى مَا النَّافِيَةِ وإِلَّا المُثَبِّتَةِ. و “يَتَذَكَّرُ” فعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ و “أُولُو” فاعلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِه الواوُ لأنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ، وهو مضافٌ، و “الْأَلْبَابِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها.


فيضُ العليم … سورة الرعدِ، الآيةُ: 18

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
(18)
قولُهُ ـ تَبَارَكَ وتَعَالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} يُخْبِرُنا تَعَالَى في هذه الآيةِ الكريمةِ عَنْ مَآلِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ فَـ “الذين اسْتَجَابوا لربِّهم” أَيْ أَجَابوه إِلَى مَا دَعَاهُمُ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ النبيِّ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ يَرْثي أَخَاهُ أَبَا المِغْوارِ:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَى ……. فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبٌ
و “الحُسْنَى” المَثوبةُ الحَسَنَةُ وهيَ الجَنَةُ، رَوَاهُ أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وكَمَا رويَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “للَّذين اسْتَجَابُوا لرَبهم الْحسنى” قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ. وسُمِّيتْ “الْحُسْنى” لِأَنَّهَا فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ. وقالَ مجاهدٌ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ: إِنَّها الحَيَاةُ والرِّزْقُ، رواهُ عنهُ ابْنُ أبي حاتمٍ. وقالَ أَبو عُبَيْدَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ الجَنَّةِ فَمَا دُونَها. وَقِيلَ: النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْحُسْنَى، وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ غدا. وقيلَ هِيَ الوَعْدُ بِقَبُولِ اسْتِجابَتِهم، وَقد وعَدَهَا اللهُ تَعالى الذينَ يَسْتَجيبونَ لهُ سُبْحَانَهُ، وَيَتَّبِعونَ رَسُولَهُ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ويؤمنونَ بكتابِهِ، ويدينونَ بدينِهِ، الذي هوَ الإسْلامُ، إِذْ دَعاهمْ إِليهِ بِفُنونِ الدَّعْوةِ ومنْ جُملَتِها ضَرْبُ الأَمْثالِ لهم كما سبق في الآية التي قبلَها، فإنَّهُ أَلْطفُ وسيلةٍ للوصولِ إلى القلوبِ والنُّفوسِ، فهوَ تَصويرٌ للمَعقولِ بِصُورةِ المَحْسوسِ وإبرازٌ لأَوابِدِ المَعاني وعَويصِها في هَيْئَةِ المَأْنوسِ.
قولُهُ: {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} عنادًا وكفرًا وتعاميًا عن الحقائقِ الجليَّةِ الساطعَةِ، والبراهينِ القاطعةِ الناصِعةِ. فأَدْبَروا عن دعوتِهِ، وعادوا نبيَّهُ، وسعوا في هدمِ دينِهِ
قولُهُ: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} مِنْ أَصْنافِ الأَمْوالِ، وأَنواعِ الكنوزِ، وأَلوانِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والمَاسِ والزَّبَرْجَدِ واللآلِ،
قولُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} جِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ “أُولئِكَ” لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنَ الْخَبَرِ بِسَبَبِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الصِّلَةِ. وسُوءُ الْحِسابِ مَا يَحُفُّ بِالْحِسَابِ مِنْ إغلاظٍ وإِهانَةٍ للمُحَاسَبِ. وَأَمَّا أَصْلُ الْحِسَابِ فَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّهُ عدل. فَهُؤلاءِ الكَفَرَةُ المُعانِدونَ لَهُمُ الحِسَابُ العَسيرُ والخاتِمَةُ السَيِّئَةُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ الحَسَنَةِ والحِسابِ واليَسيرِ والجَنَّةِ. وفي سُوءِ الحِسابِ ثَلاثةُ أَقْوالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّها المُنَاقَشَةُ بالأَعْمالِ، رَوَاهُ أبُو الجَوزاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ فَرْقَدٍ السبخِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “سُوءُ الْحسابِ” أَنْ لَا يَتَجَاوَز لَهُ عَنْ شَيْءٍ. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ فَرْقَدٍ السبخيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لي إِبْرَاهِيم النَّخعِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا فَرْقدُ أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسابِ؟. قلتُ: لَا. قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لَا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَأخرج ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: “سُوءُ الْحِسابِ” أَنْ يُؤْخَذَ العَبْدُ بِذُنوبِهِ كُلِّهَا وَلَا يُغْفَرَ لَهُ مِنْهَا ذَنْبٌ. وَأخرج ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ أَبي الجَوزاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: “سُوءُ الْحِسابِ” المُنَاقَشَةُ فِي الْأَعْمَالِ. وأَخْرَجَ الإمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه: (25748) عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ، أُمِّ المؤمنينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها وَأَرْضاها، أَنَّها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حُوسِبَ هَلَكَ)). قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟. قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، ذَاكَ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ فَقَدْ هَلَك)). وصَحيحُ البُخاري (3/322 ح: 4939). وغيرُهما.
قولُهُ: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} المهادُ: الْفِرَاشُ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ، وبِئْسَ المُسْتَقَرُّ، والمَخْصوصُ بالذَّمِّ مَحْذُوفٌ
قولُهُ تَعَالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} لِلَّذِينَ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِقولِهِ {يَضْرِب} مِنَ الآيةِ السَّابِقَةِ: 17، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ الأَمْثَالَ للمُؤْمِنينَ الذينَ اسْتَجَابوا، وللكافِرينَ الذينَ لم يَسْتَجيبوا. و “الحُسْنَى” صِفَةٌ لِمَصْدَرِ “استجابوا”، أَيْ: اسْتَجابوا الاسْتِجابَةَ الحُسْنَى. وقولُهُ: “لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرضِ” كلامٌ مُبْتَدَأٌ في ذِكْرِ مَا أَعَدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجيبينَ. قالَ الشيخُ أَبو حيَّان الأندلُسيُّ في البحرِ: والتَفْسيرُ الأَوَّلُ أَوْلى، يَعْنِي بِهِ أَنَّ “للذين” خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و “الحُسْنَى” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، لأَنَّ فيهِ ضَرْبَ الأَمثالِ غيرُ مُقيَّدٍ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، واللهُ تَعالى قد ضَرَبَ أَمْثالًا كَثيرةً في هَذَيْنِ وفي غيرِهما، ولأَنَّ فيهِ ذِكْرُ ثَوابِ المُسْتَجِيبينَ، بِخِلافِ قولِ الزَمَخْشَرِيِّ، فَكَمَا ذَكَرَ مَا لِغَيْرِ المُسْتَجيبينَ مِنَ العِقابِ ذَكَر مَا للمُسْتَجيبينَ مِنَ الثَّوابِ، ولأَنَّ تَقْديرَهُ بالاسْتِجابَةِ الحُسْنَى مُشْعِرٌ بِتَقْييدِ الاسْتِجابَةِ، ومُقابِلُها لَيْسَ نَفْيَ الاسْتِجابَةِ مُطْلَقًا، إِنَّما مُقابِلُها نَفْيُ الاسْتِجابَةِ الحُسْنَى، واللهُ تَعَالى قَدْ نَفَى الاسْتِجابَةِ مُطْلَقًا، ولأَنَّهُ عَلَى قوْلِهِ يَكونُ قَوْلُهُ “لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرضِ” مُفْلَتًا أَوْ كالمُفْلَتِ؛ إِذْ يَصيرُ المَعْنَى: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ للمُؤْمنينَ وللكافرينَ لَوْ أَنَّ لَهم مَا في الأَرْضِ، فَلَوْ كانَ التَرْكِيبُ بِحَرْفٍ رَابِطٍ “لو” بِما قَبْلَها زَالَ التَفَلُّتُ، وأَيْضًا فَيُوهِمُ الاشْتِراكَ فِي الضَميرِ، وإِنْ كانَ تَخْصيصُ ذَلِكَ بِالكافرينَ مَعلومًا. قال السمينُ: قوله: (لأَنَّ فِيهِ ضَرْبَ الأَمْثَالَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ) لَيْسَ فِي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ. وقولُهُ: (ولأَنَّ فِيهِ ذِكْرُ ثَوابِ المُسْتَجيبينَ) إِلى آخِرِهِ، مَا ذَكَرَهُ الزَمَخْشَرِيًّ أيْضًا يُؤْخَذُ مِنْ فَحْواهُ ثَوابُهم. وقوله (واللهُ تَعالى نَفَى الاسْتِجابَةَ مُطْلَقًا) مَمْنُوعٌ؛ بَلْ نَفَى تِلْكَ الاسْتِجابةَ الأُولى، لا يُقالُ: فَثَبَتَتْ اسْتِجابَةٌ غَيْرُ حُسْنَى؛ لأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لا مَفْهومَ لَها؛ إِذِ الواقعُ أَنَّ الاسْتِجابةَ للهِ لا تَكونُ إِلَّا حُسْنَى. وقولُهُ: (يَصيرُ مُفْلَتًا) كَيْفَ يَكونُ مُفْلَتًا مَعَ قَوْلِ الزَمَخْشَرِي: (كلامٌ مُبْتَدَأٌ في ذِكْرِ مَا أَعَدَّ لَهُمْ)؟. وقولُهُ: (وأَيْضًا فَيُوهِمُ الاشْتِراكَ) كَيْفَ يُتَوَهَّمُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟. وكَيْفَ يَقولُ ذَلِكَ مَعَ قولِهِ (وإنْ كانَ تَخْصيصُ ذَلِكَ بالكافرينَ مَعلومًا) فإذا عُلِمَ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ؟
ويجوزُ أَنْ يَكونَ حرفُ الجرِّ من “للذين” متعلِّقًا بخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والمُبْتَدَأُ “الحُسْنَى”، و “والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ” مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الامْتِناعِيَّةُ بَعْدَهُ. ويَجُوزُ عَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ أَنْ يَكونَ “والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ” مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الامْتِنَاعِيَّةُ بَعْدَهُ، وإِنَّما خُصَّ بِضَرْبِ الأَمْثالِ الذينَ اسْتَجابوا، لانْتِفاعِهم دُونَ غَيْرِهم.
و “الذين” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و “اسْتَجَابُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فَاعِلِهِ والألفُ الفارقةُ، والجُمْلةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “لِرَبِّهِمُ” اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “اسْتَجَابُوا”. و “ربِّ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ الجمعِ المُذكَّرِ. و “الْحُسْنَى” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورها على الأَلِفِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “الَّذِينَ” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على النصْبِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ. و “لَمْ” حرفُ نفيٍ وجزْمٍ وقلبٍ، و “يَسْتَجِيبُوا” فِعْلٌ مُضَارعٌ مَجْزومٌ بِهِ وعلامةُ جزمِهِ حذْفُ النونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ منَ الأسْماءِ الخمسةِ. وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ. و “لَهُ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “يَسْتَجِيبُوا”، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} لَوْ: حَرْفُ شَرْطٍ. و “أَنَّ” حَرْفُ نَصْبٍ ونسْخٍ مشبَّهٌ بالفعلِ للتأكيدِ. و “لَهُم” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ لِـ “أَنَّ” مُقَدَّمٍ. و “مَا” اسْمٌ مَوْصولٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمُ “أَنَّ”. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بصِلَةٍ لِـ “مَا”، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “جَمِيعًا” منصوبٌ على الحالِ مِنْ ضَميرِ الصِّلَةِ، أَوْ مِنْ “مَا” الموصولةِ. والمصدرُ المُؤَوَّلُ مِنْ “أَنَّ لهم ما في الأرضِ” في مَحَلِّ رَفعِ فاعلٍ لِفِعْلٍ محذوفٍ تَقديرُهُ “ثَبُتَ” وهوَ فِعْلُ الشَّرْطِ.
قولُهُ: {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ. و “مِثْلَهُ” مَنصوبٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ “أَنَّ” وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في مجلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. و “مَعَهُ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ متعلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “مثلِ”، والتَقْديرُ: لَوْ أَنَّ مَا في الأَرْضِ ومِثْلَهُ كائِنانِ لَهُمْ، و “مَعَ” مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. وجُمْلَةُ “أَنَّ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلَى الفاعِلِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ والتقديرُ: لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ مَا في الأَرْضِ مِثْلَهُ مَعَهُ كائنًا لَهْمِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ “لَوْ”. و “لَافْتَدَوْا” اللامُ: رَابِطَةٌ لِجَوابِ “لَوْ”. و “افتدوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، والضمُ مُقَدَّرٌ عَلَى الأَلِفِ المَحْذوفَةِ لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ. وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ والألفُ الفارقةُ. و “بِهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “افتدى” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ جوابُ “لَوْ” الشَرْطِيَّةِ، وجُمْلَةُ “لَوْ” الشَّرْطِيَّة: في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ أَوَّلُ للمُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطوفةٌ عَلى الجُمْلَةِ التي قَبْلَها.
قولُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} أُولَئِكَ” اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على الكسرِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ أَوَّلُ، والكافُ للخطابِ. و “لَهُمْ” اللامُ حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرٍ مُقَدَّمٍ للمُبْتَدَأِ الثاني. والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ الجمعِ المذكَّرِ. و “سُوءُ ” مرفوعٌ مُبْتَدَأٌ ثانٍ مُؤَخَّرٌ عَنْ خَبَرِهِ، وهو مُضافٌ و “الْحِسَابِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ الثاني وخبرِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ للمُبْتدَأِ الأَوَّلِ، وجُمْلَةُ المبتَدَأِ الأَوَّلِ وخبرِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: “وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا”.
قولُهُ: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} الوَاوُ: حرفُ عطْفٍ. و “مَأْوَاهُمْ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لتَعَذُرِ ظهورِها على الألفِ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةَ إليهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ. و “جَهَنَّمُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ ثالثٌ لَقَوْلَهَ: “وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا”. و “وبِئْسَ” الواوُ: حاليَّةٌ، و “بئسَ” فِعْلٌ مَاضٍ جامِدٌ لإنْشاءِ الذَّمِّ، مبنيٌّ على الفتحِ. و “الْمِهَادُ” فاعلُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ للمَخْصوصِ بالذَّمِ المَحْذوفِ وُجوبًا، والتقديرُ: وبَئْسَ المِهادُ هِيَ؛ أَيْ: جَهَنَّمُ، أو هي في محلِّ النَّصبِ على الحالِ والجُمْلَةُ الاسِمِيَّةُ جُمْلَةٌ إِنْشائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com