وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ

(50)

قولُهُ ـ تَعَالَى جَدُّهُ: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} أَيْ: وَأَخْبِرْهمْ أَيْضًا يا رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، أَنَّ عَذابي هوَ العَذابُ المُؤلِمُ المُوجِعُ الذي لا يُشْبِهُهُ عَذَابٌ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُم، وأَقامَ عَلَى مَعْصِيَتِي، وأَصَرَّ عَلَيْها. وهَذَا تَحْذيرٌ مِنْهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، لِخَلْقِهِ لِردْعِهِم عَنِ الإِقدامِ عَلَى مَعْصِيَتِهِهِ، وأَمَرِ مِنْهُ لَهُمْ بالإنابَةِ إليهِ والتَّوْبَةِ. ونُلاحِظُ أَنَّ هذِهِ الآيةَ الكريمَةَ لمْ تؤكَّدْ بما أُكِّدَتْ الآيةُ السابقةُ لها، وذلك لأَنَّ اللهَ ـ تباركتْ أَسْماؤهُ، وعَزَّتْ صِفَاتُهُ، قدْ سَبَقتْ رَحمتُهُ غضَبَهُ كما جاءَ في الحديثِ عَنْ سَيِّدِنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قالَ: ((إِنْ اللهَ كَتَبَ كِتابًا فَهُو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي)). صحيح البُخاري بِرَقَمْ: (7554)، وصَحيح مُسْلِمٍ بِرَقَم: (2751)، مِنْ حَديثِ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وفي صحيحِ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ ماجَةَ وَابْنِ مِرْدُوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيِّ: (إِنَّ رَحْمَتي غَلَبَتْ غَضَبِي)، وأخرجَهُ عبْدُ الرَّزَّاقِ في تَفْسيرِهِ: (2/44) ولفظُهُ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)). وخَرَّجَ أَبو القاسِمِ إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهيمَ الخُتُلِيُّ، بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا فَرَغَ اللهُ تَعَالى مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْتَ العَرْشِ؛ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ)). ورَوَى الحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: إِذا فَرَغَ اللهُ  ـ عَزَّ وَجَلَّ،  مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ العَرْشِ فِيهِ: (أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ). قالَ: فيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِثْلُ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبًا هَا هُنَا ـ وأَشَارَ الحَكَمُ إِلى نَحْرِهِ، “عُتَقاءُ اللهِ”. فَقَالَ رَجُلٌ لِعِكْرِمَةَ: فإِنَّ اللهَ يَقُولُ: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} الآية: 37، مِنْ سورةِ المائدَةِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: أُولئكَ أَهْلُها. وَأَخرجَ بْنُ مِرْدُويْهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ اللهُ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، فَأَجَابُوهُ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَعَفْوِي سَبَقَ عِقَابِيَ، قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلُونِي، وَقَدْ أَجَبْتُكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي، وَقَدْ غَفَرَتُ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعْصُونِي، مَنْ جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدِي وَرَسُولِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ).

قولُهُ تَعالى: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} الواوُ: عَاطِفَةٌ، و “أَنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “عَذابي” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ، و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، ويجوزُ أنْ يُعرَبَ ضَميرَ فَصْلً، ولا يَجُوزُ التَوْكِيدُ بِهِ؛ إِذْ لا يُؤَكَّدُ المُظْهَرُ بالمُضْمَرِ، و “الْعَذَابُ” خَبَرُ المبتَدَأِ “هوَ”، أَوْ خبَرُ “أَنَّ” إِذا أُعرِبَ “هو” ضميرَ فَصْلٍ. و “الْأَلِيمُ” صِفَةٌ لِـ “الْعَذَابُ}، وَجُمْلَةُ “أَنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “أَنَّ” الأُوْلى، على كونِها فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ سادٍّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ “نَبِّئْ” الثاني والثالث.

Advertisements


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 51
 
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} المُخاطَبُ هُوَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والضَّيْفُ: هُوَ المائلُ لِغَيْرِهِ لِقِرًى أَوِ اسْتِئْنَاسٍ، وَسُمِّيَ ضَيْفًا لِإِضَافَتِهِ إِلَيْكَ وَنُزُولِهِ عَلَيْكَ. وَيُسَمَّى أَيْضًا المُنْضَوِي، لأَنَّهُ يَنْضَوِي إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا للأَمْنِ والقِرَى. والمُنْضَوِي: هُوَ المائلُ ناحِيَةَ الضَّوْءِ. فقد كانَ منْ عادةِ كُرَمَاءِ العَرَبِ وأَهْلِ السَّمَاحَةِ مِنْهم؛ أَنْ يوقدوا النَّارَ في الليلِ لِيَرَاها مَنْ يَسِيرُ في الطَّريقِ فَيَهْتَدِي إِلَيْهمْ، وما كان كرمُهمْ لِيقْتَصِرَ عَلَى مَنْ يَطْرُقونَ بَابَهم. فهذا حاتمٌ الطائيُّ يقولُ للعَبْدٍ لَهُ:
أَوْقِدِ النَّارَ فِإنَّ الليْلَ لَيْلَ قُرّْ …………….. والريحُ يَا غُلامُ رِيحُ صِرّْ
إِنْ جَلَبَتْ لَنَا ضَيْفًا فَأَنْتَ حُرّْ
وكلمةُ “ضَيْفٍ” لَفْظُ يُطْلَقُ عَلَى المُفْرَدِ والمُثنَّى والجَمْعِ، ذُكْرانًا كانوا أَوْ إِنَاثًا، كَ “الزَّوْرِ” و “السَّفْرِ”، فتَقولُ: جاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُ، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُها، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُما، وَجاءَني ضَيفٌ فَأَكْرَمْتُهم، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُنَّ وهَكَذا، ويَجُوزُ فيها التَثْنِيَةُ كذلكَ والجَمْعُ، فتَقولُ: ضِيْفانِ، وضُيُوفٌ، وأَضْيافٌ للتقليلِ، والضَّيْفُ فِي الأَصْلِ مَصْدَرُ ضَافَ يَضِيفُ. يقالُ: ضَافَهُ وَأَضَافَهُ إِذا أَمَالَهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشريف: ((حِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ))، وَضَيْفُوفَةُ السَّهْمِ، عُدُولُهُ عَنِ الهَدَفِ أَوِ الرِّمْيَةِ. وَالْإِضَافَةُ النَّحْوِيَّةُ معلومةٌ.
أَمَّا ضَيْفُ خَليلِ الرَّحْمَنِ سيِّدِنا إبْراهيمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اللذينَ هُمْ موضوعُ الحديثِ في هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ فَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الكِرامُ، الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُنَاسٍ غُرَبَاء مَارِّينَ بِبَيْتِهِ، وهمْ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا، أَرْسَلَهُمُ اللهُ لِيُبَشِّروهُ بِالوَلَدِ ولِيُهْلِكُوا قَوْمَ نبيِّ اللهِ لُوطٍ ـ عليهِ السَّلامُ، وَقَدْ تقدَّمتْ قِصَّتُهم في سورةِ (هود) مفصَّلةً لمنْ أرادَ الاسْتِزَادَةَ.
وكانَ سَيِّدُنا إِبْرَاهيمُ ـ عليهِ السلامُ، مُشْتَهرًا بِالكَرَمِ حَتَّى كُنِّيَ أَبا الضِّيفانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ لِكَيْلَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ فإذا صُنِعَ لَهُ طعامٌ، ولمْ يكنْ عندِهِ ضيفٌ يشارِكُهُ طعامَهُ خَرَجَ يَلْتَمِسُ شَرِيكًا لَهُ فيهِ.
قولُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “نَبِّئْهُمْ” فِعْل أَمرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ أَوَّل، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ، و “عَنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ المَفْعولِ الثاني، وَ “ضَيْفِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “إِبْرَاهِيمَ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكَسْرةِ لأَنَّه ممنوعٌ منَ الصرفِ بالعلَميَّةِ والعُجْمَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {نَبِّئْ} الأُولى على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لَا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 50
 
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} المُخاطَبُ هُوَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والضَّيْفُ: هُوَ المائلُ لِغَيْرِهِ لِقِرًى أَوِ اسْتِئْنَاسٍ، وَسُمِّيَ ضَيْفًا لِإِضَافَتِهِ إِلَيْكَ وَنُزُولِهِ عَلَيْكَ. وَيُسَمَّى أَيْضًا المُنْضَوِي، لأَنَّهُ يَنْضَوِي إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا للأَمْنِ والقِرَى. والمُنْضَوِي: هُوَ المائلُ ناحِيَةَ الضَّوْءِ. فقد كانَ منْ عادةِ كُرَمَاءِ العَرَبِ وأَهْلِ السَّمَاحَةِ مِنْهم؛ أَنْ يوقدوا النَّارَ في الليلِ لِيَرَاها مَنْ يَسِيرُ في الطَّريقِ فَيَهْتَدِي إِلَيْهمْ، وما كان كرمُهمْ لِيقْتَصِرَ عَلَى مَنْ يَطْرُقونَ بَابَهم. فهذا حاتمٌ الطائيُّ يقولُ للعَبْدٍ لَهُ:
أَوْقِدِ النَّارَ فِإنَّ الليْلَ لَيْلَ قُرّْ …………….. والريحُ يَا غُلامُ رِيحُ صِرّْ
إِنْ جَلَبَتْ لَنَا ضَيْفًا فَأَنْتَ حُرّْ
وكلمةُ “ضَيْفٍ” لَفْظُ يُطْلَقُ عَلَى المُفْرَدِ والمُثنَّى والجَمْعِ، ذُكْرانًا كانوا أَوْ إِنَاثًا، كَ “الزَّوْرِ” و “السَّفْرِ”، فتَقولُ: جاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُ، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُها، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُما، وَجاءَني ضَيفٌ فَأَكْرَمْتُهم، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُنَّ وهَكَذا، ويَجُوزُ فيها التَثْنِيَةُ كذلكَ والجَمْعُ، فتَقولُ: ضِيْفانِ، وضُيُوفٌ، وأَضْيافٌ للتقليلِ، والضَّيْفُ فِي الأَصْلِ مَصْدَرُ ضَافَ يَضِيفُ. يقالُ: ضَافَهُ وَأَضَافَهُ إِذا أَمَالَهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشريف: ((حِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ))، وَضَيْفُوفَةُ السَّهْمِ، عُدُولُهُ عَنِ الهَدَفِ أَوِ الرِّمْيَةِ. وَالْإِضَافَةُ النَّحْوِيَّةُ معلومةٌ.
أَمَّا ضَيْفُ خَليلِ الرَّحْمَنِ سيِّدِنا إبْراهيمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اللذينَ هُمْ موضوعُ الحديثِ في هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ فَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الكِرامُ، الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُنَاسٍ غُرَبَاء مَارِّينَ بِبَيْتِهِ، وهمْ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا، أَرْسَلَهُمُ اللهُ لِيُبَشِّروهُ بِالوَلَدِ ولِيُهْلِكُوا قَوْمَ نبيِّ اللهِ لُوطٍ ـ عليهِ السَّلامُ، وَقَدْ تقدَّمتْ قِصَّتُهم في سورةِ (هود) مفصَّلةً لمنْ أرادَ الاسْتِزَادَةَ.
وكانَ سَيِّدُنا إِبْرَاهيمُ ـ عليهِ السلامُ، مُشْتَهرًا بِالكَرَمِ حَتَّى كُنِّيَ أَبا الضِّيفانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ لِكَيْلَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ فإذا صُنِعَ لَهُ طعامٌ، ولمْ يكنْ عندِهِ ضيفٌ يشارِكُهُ طعامَهُ خَرَجَ يَلْتَمِسُ شَرِيكًا لَهُ فيهِ.
قولُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “نَبِّئْهُمْ” فِعْل أَمرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ أَوَّل، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ، و “عَنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ المَفْعولِ الثاني، وَ “ضَيْفِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “إِبْرَاهِيمَ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكَسْرةِ لأَنَّه ممنوعٌ منَ الصرفِ بالعلَميَّةِ والعُجْمَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {نَبِّئْ} الأُولى على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لَا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.

50

 
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} المُخاطَبُ هُوَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والضَّيْفُ: هُوَ المائلُ لِغَيْرِهِ لِقِرًى أَوِ اسْتِئْنَاسٍ، وَسُمِّيَ ضَيْفًا لِإِضَافَتِهِ إِلَيْكَ وَنُزُولِهِ عَلَيْكَ. وَيُسَمَّى أَيْضًا المُنْضَوِي، لأَنَّهُ يَنْضَوِي إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا للأَمْنِ والقِرَى. والمُنْضَوِي: هُوَ المائلُ ناحِيَةَ الضَّوْءِ. فقد كانَ منْ عادةِ كُرَمَاءِ العَرَبِ وأَهْلِ السَّمَاحَةِ مِنْهم؛ أَنْ يوقدوا النَّارَ في الليلِ لِيَرَاها مَنْ يَسِيرُ في الطَّريقِ فَيَهْتَدِي إِلَيْهمْ، وما كان كرمُهمْ لِيقْتَصِرَ عَلَى مَنْ يَطْرُقونَ بَابَهم. فهذا حاتمٌ الطائيُّ يقولُ للعَبْدٍ لَهُ:
أَوْقِدِ النَّارَ فِإنَّ الليْلَ لَيْلَ قُرّْ …………….. والريحُ يَا غُلامُ رِيحُ صِرّْ
إِنْ جَلَبَتْ لَنَا ضَيْفًا فَأَنْتَ حُرّْ
وكلمةُ “ضَيْفٍ” لَفْظُ يُطْلَقُ عَلَى المُفْرَدِ والمُثنَّى والجَمْعِ، ذُكْرانًا كانوا أَوْ إِنَاثًا، كَ “الزَّوْرِ” و “السَّفْرِ”، فتَقولُ: جاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُ، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُها، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُما، وَجاءَني ضَيفٌ فَأَكْرَمْتُهم، وجاءَني ضَيْفٌ فَأَكْرَمْتُهُنَّ وهَكَذا، ويَجُوزُ فيها التَثْنِيَةُ كذلكَ والجَمْعُ، فتَقولُ: ضِيْفانِ، وضُيُوفٌ، وأَضْيافٌ للتقليلِ، والضَّيْفُ فِي الأَصْلِ مَصْدَرُ ضَافَ يَضِيفُ. يقالُ: ضَافَهُ وَأَضَافَهُ إِذا أَمَالَهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشريف: ((حِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ))، وَضَيْفُوفَةُ السَّهْمِ، عُدُولُهُ عَنِ الهَدَفِ أَوِ الرِّمْيَةِ. وَالْإِضَافَةُ النَّحْوِيَّةُ معلومةٌ.
أَمَّا ضَيْفُ خَليلِ الرَّحْمَنِ سيِّدِنا إبْراهيمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اللذينَ هُمْ موضوعُ الحديثِ في هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ فَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الكِرامُ، الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُنَاسٍ غُرَبَاء مَارِّينَ بِبَيْتِهِ، وهمْ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا، أَرْسَلَهُمُ اللهُ لِيُبَشِّروهُ بِالوَلَدِ ولِيُهْلِكُوا قَوْمَ نبيِّ اللهِ لُوطٍ ـ عليهِ السَّلامُ، وَقَدْ تقدَّمتْ قِصَّتُهم في سورةِ (هود) مفصَّلةً لمنْ أرادَ الاسْتِزَادَةَ.
وكانَ سَيِّدُنا إِبْرَاهيمُ ـ عليهِ السلامُ، مُشْتَهرًا بِالكَرَمِ حَتَّى كُنِّيَ أَبا الضِّيفانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ لِكَيْلَا يَفُوتَهُ أَحَدٌ فإذا صُنِعَ لَهُ طعامٌ، ولمْ يكنْ عندِهِ ضيفٌ يشارِكُهُ طعامَهُ خَرَجَ يَلْتَمِسُ شَرِيكًا لَهُ فيهِ.
قولُهُ: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “نَبِّئْهُمْ” فِعْل أَمرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ أَوَّل، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ، و “عَنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ المَفْعولِ الثاني، وَ “ضَيْفِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “إِبْرَاهِيمَ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكَسْرةِ لأَنَّه ممنوعٌ منَ الصرفِ بالعلَميَّةِ والعُجْمَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {نَبِّئْ} الأُولى على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لَا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.


لموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 49
 
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أَمْرٌ مِنْهُ ـ سُبحانَهُ، لرسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، بأَنْ يُخبِرَ عِبادَهُ ويُعلِمَهمْ بِأَنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ، عَظِيمُ المَغْفِرَةِ، وَابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِفِعْلِ الْإِنْبَاءِ لِتَشْوِيقِ السَّامِعِينَ إِلَى مَا بَعْدَهُ فهو كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ البُرُوج: {هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} الآية: 17، وَنَحْوِهِ. وَ “عِبَادِي” هُمُ الذينَ عَبَّرَ عَنْهم فِيما سَبَقَ بالمُتَّقِينَ. وهَذِهِ الْآيَةُ وِزَانُ قَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدٌ، خَلَقَ اللهُ مِئَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا، وَعِنْدَ اللهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ رَحْمَةً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: (2/397)، ومُسْلِمٌ: (2755)، وغيرُهما، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَن قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “نَبِّئْ عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم * وَأَنَّ عَذَابي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم} قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللهِ لَمَا تَوَرَّعَ مِنْ حَرَامٍ، وَلَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذَابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ)). رواه الطبري في تفسيره (14/27) وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله برقم (64) ورواه البزار في مسنده. وقال الهيثمي في المجمع (10/384): “إِسنادُهُ حَسَنٌ”. وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ ـ يَوْمَ خَلَقَهَا، مِئَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنْ رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَلَو يَعْلَمُ الْمُؤمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)). رقائقُ الإمامِ البُخَارِيِّ: (برقم: 6469) باب: الرجاء مع الخوف. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: (2/343)، عَنْ أَبي هُرَيْرَة ـ رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَرَجَ عَلَى رَهْطٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَتَحَدَّثونَ فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكيتُم كَثيرًا)). فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يَا مُحَمَّدُ لِمَ تُقَنِّطْ عِبَادي؟، فَرَجَعَ إِلَيْهِم فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا وقارِبُوا وسَدِّدُوا)). وأَخرجِ الواحديُّ في تفسيرِهِ (البسيط): (2/119) عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} الآية: 123، مِنْ سورةِ النساءِ، بَكَيْنَا وَحَزَنَّا، وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: ((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكُمَا أُنْزِلَتْ وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا، إِنَّهُ لا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْكُمْ مُصِيبَةٌ إِلَّا كَفَّرَ اللهُ تَعَالَى بِهَا خَطِيئَةً، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ)).
قالَ الإمامُ الغَزَّالِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ، ورَضِيَ عنهُ، في (مِنْهاجِهِ): وَمِنَ الآياتِ اللَّطِيفَةِ الجامِعَةِ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: “نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”، ثُمَّ قالَ فِي عَقِبِهِ: {وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ} لِئَلَّا يَسْتَوْلَي عَلَيْكَ الرَّجاءُ بِمَرَّةٍ، وَقولُهُ تَعَالى: {شَدِيدِ الْعِقَابِ} سورةُ غَافِر، الآية: 3، ثمَّ قالَ فِي عَقِبِهِ: {ذِي الطَّوْلِ}، لَئِلَّا يَسْتَوْلي عَلَيْكَ الخَوْفُ، وأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} سورةُ آل عمران: 30، ثمَّ قالَ في عَقِبِهِ: {وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ}، وأَعْجَبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ} سورة (ق) الآية: 33، فَعَلَّقَ الخَشْيَةَ باسْمِ الرَّحْمَنِ، دونَ اسْمِ الجَبَّارِ، أَوِ المُنْتَقِمِ، أَوِ المُتَكَبِّرِ، ونَحْوِهِ، لِيَكُونَ تَخْويفًا في تَأْمِينٍ، وتَحْريكًا فِي تَسْكِينٍ، كَمَا تَقُولُ: أَمَا تَخْشَى الوالِدَةَ الرَّحِيمَةَ، أَمَا تَخْشَى الوالِدَ الشَّفِيقَ، والمُرادُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكونَ الطَّريقُ عَدْلًا، فَلا تَذْهَبْ إِلى أَمْنٍ وَقُنوطٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطَائِفُ:
أُولاها أَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ، أَضافَ العِبادَ إِلَى نَفْسِهِ المُقدَّسَةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لمَّا ذَكَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ، في أَرفَعِ مَقامَاتِ القُرْبِ حينَ عُرِجَ بِهِ إلى ما فوق السَّمَاءِ السابعةِ قالَ: {سُبْحانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} الآية: 1، مِنْ سورةِ الإسْراءِ.
والثانِيَةُ: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الرَّحْمَةَ وَالمَغْفِرَةَ بَالَغَ فِي التَأْكِيد فأتى بِأَلْفاظٍ ثَلاثٍ هِيَ: “أَنّي” و “أَنَا” وأَدْخَلَ أَلِفَ التعريفِ ولامَهُ عَلَى اسمِهِ العظيمِ “الغَفُورُ الرَّحِيمُ”. بينما لَمْ يَقُلْ أَنِّي أَنَا المُعَذِّبُ لمَّا ذَكَرَ العَذَابَ، ولا وَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، بَلْ قَالَ: “وأَنَّ عَذَابي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ”.
والثالثةُ: أَنَّهُ لمَّا أَمَرَ رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يُبَلِّغَ العِبادَ هَذَا المَعْنَى فَكَأَنَّما أَشْهَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي التِزَامِ المَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَالرابعةُ: أَنَّه لَمَّا قَالَ: “نَبِّئْ عِبادي” كانَ المعنى نَبِّئْ كُلَّ مَنْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِعُبُودِيَّتي، فَدَخَ بِهَذَا جميعُ المُؤْمِنينَ مُطيعُهم وعاصيهم، فدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَغْلِيبِ جانِبِ الرَّحْمَةِ والمَغفرَةِ مِنْهُ تَعَالى، على جانِبِ الانتقامِ والعقابِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتمْ قَلِيلًا، ولَبَكِيتم كَثيرًا))، فَقَالَ: ((هَذَا الْمَلَكُ يُنَادي لَا تُقْنِطْ عِبَادِي)).
وَفِي أَسْبابِ نُزُولِ هَذِهِ الآيةِ الكَريمَةِ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنَ البابِ الذي يَدْخُلُ مِنْهُ، بَنُو شَيْبَةَ، وَنَحْنُ نَضْحَكُ، فَقَالَ: أَلَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ! ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْحِجْرِ رَجَعَ إِلَيْنَا الْقَهْقَرَى، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا خَرَجْتُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَقُولُ الله تعَالى وعَزَّ وَجَلَّ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبَادِي؟ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وأَخْرَجَهُ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُصْعَبَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابه يَضْحَكُونَ فَقَالَ: ((اذْكروا الْجنَّةَ واذْكُرُوا النَّارَ، فَنَزَلَتْ: “نَبِّئْ عِبَادي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ”. وَأَخْرَجَ البَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ـ رضيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقدْ عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ يُضْحِكُهم، فَقَالَ: أَتَضْحَكونَ؟! وَذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بَيْنَ أَيْدِيكُم؟. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: “نَبِّئْ عِبَادي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ”.
قولُهُ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} نَبِّئْ: فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ، وفَاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. و “عِبَادِي” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، وهذهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلٌّ لها مِنَ الإعرابِ. و “أَنِّي” هيَ “أَنَّ” حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ لإِفادةِ التَوْكيدِ، وَالياءُ: ياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُ “أَنّ”. و “أَنَا” ضميرٌ منفصلٌ مُؤَكِدٌ لِضَميرِ النَّصْبِ (الياء)، أَوْ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ، ويجوزُ أَنْ يُعرَبَ مُبْتَدَأً، و “الْغَفُورُ” خَبَرُ “أَنَّ” الأَولُ، أَو خَبَرُ المُبْتَدَأِ “أَنَا”. و “الرَّحِيمُ” خَبَرٌ ثانٍ، أَوْ صِفَةٌ لِـ “الْغَفُورُ”، وجُمْلَةُ “أَنَّ” فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ سادٍّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ “نَبِّئْ” الثاني والثالث؛ لأَنَّه يَتَعَدَّى إلى ثلاثةِ مَفاعيلٍ، والتَّقديرُ: نَبِّئْ عِبادي كَوْنِي الغَفُور الرَّحيم، أَوْ هي في مَحلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحذوفٍ؛ أَيْ: بِأَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرحيمُ.
قرَأَ العامَّةُ: {نبِّئْ عبادي أنَّي} بتسْكين ياءِ “عبادي” وياءِ “أَنِّي”، وَقَرَأَ ابْنُ كَثيرٍ، ونافعٌ، وأَبُو عَمْرٍو “عِبَادِيَ” وَ “أَنِّيَ” بِتَحْريكِهما.
وفِي هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَديعِيَّة مُحَسِّنُ الِاتِّزَانِ إِذَا سَكَنَتْ يَاءُ أَنِّي عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِتَسْكِينِهَا، فَإِنَّ الْآيَةَ تَأْتِي مُتَّزِنَةً عَلَى مِيزَانِ بَحْرِ الْمُجْتَثِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخَبْنُ فِي عَرُوضِهِ وَضُرُبِهِ فَأَصْبَحَ وزْنُهُ: (مُتَفْعِلُنْ فَعِلاتُنْ) مَرَّتَيْنِ.


لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ

(48)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} الْمَسُّ: كِنَايَةٌ عَنِ الْإِصَابَةِ. وَالنَّصَبُ: التَّعَبُ النَّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمَال الْجهد. ويُقالُ مِنْهُ: نَصِبَ يَنْصِبُ فهُوَ نَصِبٌ وناصِبٌ، وأَنْصَبَني: أَتْعَبَني. قال طُفيلٌ الغَنَويُّ:

تأوَّبَني هَمٌّ مع الليلِ مُنْصِبُ ………… وجاءَ من الأَخْبارِ ما لا أُكَذِّبُ

وبعدَه:

تَتابَعْنَ حتى لم تَكُنْ لِيَ ريبةٌ …………… ولم يَكُ عمَّا خَبَّرُوا مُتَعَقَّبُ

وهمٌّ ناصِبٌ، أَيْ: همٌّ ذُو نَصَبٍ كما يُقالُ: (لابن) و (تامر). قالَ نابِغَةُ بني ذُبيانَ في مَطلِعِ مُعلَّقتِهِ الشَّهيرةِ:

كِلِيْني لِهَمٍّ يا أُميمةُ ناصِبِ ……………. ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيْءِ الكَواكِبِ

ذلكَ لأَنَّهُ ليسَ لهمْ فيها مَا حاجَةٌ إِلى يُوجِبُ الكَدَّ فِي تَحْصيلِ مَا لا بُدَّ لَهمْ مِنْهُ، وذلك لِحُصولِ كُلِّ مَا يُريدونَهُ مِنْ غَيْر مُزاولَةِ عَمَلٍ أَصْلًا، قالَ تعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} الآيةَ: 62. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “لَا يَمَسُّهم فِيهَا نَصَبٌ” قَالَ: الْمَشَقَّةُ والأَذَى.

قولُهُ: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} المعنى: وَمَا هُمْ بِمُخْرَجِينَ مِنْهَا أَبَدَ الآبادِ، لأَنَّ تَمَامَ النِّعْمَةِ بالخُلودِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، وَأَنَّ أَهْلَهَا بَاقُونَ فِيهَا لا يَبْرَحونَها. وهَذِهِ أَنَصُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْخُلُودِ في الآخِرةِ.

قولُهُ تَعَالى: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} لَا: نافيةٌ، و “يَمَسُّهُمْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ. والهاءُ: ضَمِيرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ. و “فِيهَا” في: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أَوْ بِحالٍ مِنْ ضَمِيرِ المَفْعُولِ، و “ها” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “نَصَبٌ” فاعِلُهُ مَرْفوعٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ هيَ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في “مُتَقَابِلِينَ”.

قولُهُ: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} الواوُ: عاطفةٌ. و “ما” حِجَازِيَّةٌ أَوْ تَمِيمِيَّةٌ. و “هُمْ” ضميرٌ منفَصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ بالابْتِداءِ، إِنْ أُعْرِبتْ “ما” تميميَّةً، أَوْ اسْمُ “ما” إنْ أُعْرِبَتْ حجازيَّةً. و “مِنْهَا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، و “ها” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “بِمُخْرَجِينَ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ زائد، و “مُخْرَجِينَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ الزائدِ لَفْظًا، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهَ جمعُ المُذكَّرِ السالِمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، وهو مَرْفوعٌ محَلًا على أَنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أَوْ منصوبٌ محَلًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ “ما” الحجازِيَّةِ. وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “لَا يَمَسُّهُمْ”.


 

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ

(47)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} أَيْ: ولَقَدْ طَهَّرْنا قُلوبَ عِبادِنا المُتَّقينَ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ والكَرَاهِيَةِ والحَسَدِ، فاجْتَمَعُوا فِيها عَلَى المَحَبَّةِ الصَّافَيَةِ، والمودَّةِ الصَادقةِ. فَإنَّ المُؤْمِنينَ يُحْبَسُونَ عَلى بابِ الجَنَّةِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهم مِنْ بعضٍ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهمْ إِلَى الجَنَّةِ وَقَدْ نُقُّوا وَهُذِّبُوا، فَخَلُصَتْ نِيَّاتُهُم، وتطهَّرتْ بواطِنُهم مِنَ الأَحْقادِ. وَرَدَ ذَلِكَ في الحديثِ الصَّحيحِ الذي أَخْرَجَهُ البُخاريُّ: (2/861، بِرَقَم: 2308)، وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ سيِّدِنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا، وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)). وأَخْرَجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ: (3/63، بِرَقم: 11621)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: (ص: 291، بِرَقم: 935)، وابْنُ حِبَّانٍ: (16/460، بِرَقم: 7434)، والحاكِمُ: (2/385، برقم: 3349) وقال: صَحيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. ووافَقَهُ الذَهَبِيُّ. كما أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى: (2/404، بِرَقَم: 1186). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ تُعْرَضُ لَهُمْ عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ فَيُذْهِبُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْعَيْنَ الْأُخْرَى فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا فَتُشْرِقُ أَلْوَانُهُمْ وَتَصْفُو وُجُوهَهُمْ، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، وَرُويَ نَحْوُهُ عَنْ أميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

والْغِلُّ: هو الْحِقْدُ وَالْعَدَاوَةُ، ومِنْهُ يُقَالُ: غَلَّ يَغِلُّ. وَيُقَالُ أيضًا: مِنَ الْغُلُولِ، وَهُوَ السَّرِقَةُ مِنَ الفَيْءِ والْمَغْنَمِ: غَلَّ يَغُلُّ. وَيُقَالُ أيضًا مِنَ الْخِيَانَةِ: أَغَلَّ يُغِلُّ. قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَب:

جَزَى اللهُ عَنَّا حَمْزَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ……………. جَزَاءَ مُغِلٍّ بِالْأَمَانَةِ كَاذِبِ

و “إِخوانًا” أَيْ كَحَالِ الْإِخْوَانِ فِي الدُّنْيَا. وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ فِيه أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَوَادِثِ الدَّافِعُ إِلَيْهَا اخْتِلَافُ الِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالشِّدَّةُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ. وَعَنْ سيِّدِنا عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وعُثْمَانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنْهم. رِضْوانُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَقَالَ جَاهِلٌ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْهَمَذَانِيُّ: كَلَّا، اللهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَكَ وَطَلْحَةَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَلِمَنْ هَذِهِ الْآيَةُ لَا أُمَّ لَكَ، بِفِيكَ التُّرَابُ. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصورٍ، وأَبُو نُعَيْمٍ في الفِتَنِ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، والطَّبَرانيُّ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ. وَحُكِيَ عَنِ الْحَرْثِ بْنِ الْأَعْوَرِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِذْ دَخَلَ زَكَرِيَّا بْنُ طَلْحَةَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَأَبُوكَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: “وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ” فَقَالَ الْحَرْثُ: كَلَّا بَلِ اللهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَكَ وَطَلْحَةَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. قَالَ ـ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، فَلِمَنْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ لَا أُمَّ لَكَ يَا أَعْوَرُ. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، مِنْ طَرِيق لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ حَتَّى يَنْزِعَ اللهُ مَا فِي صُدُورِهمْ مِنْ غِلٍّ، وَحَتَّى أَنَّهُ لَيُنْزَعُ مِنْ صَدْرِ الرَّجُلِ بِمَنْزِلَةِ السَّبُعِ الضَّارِي. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبي أُمَامَة ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْناءِ والضَغَائنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلا هَذِهِ الْآيَةَ: “إِخْوانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ” المُتَحَابِّينَ فِي اللهِ فِي الْجنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى إِذا نَزَلُوا وتَقَابَلُوا عَلَى السُّرُرِ نَزَعَ اللهُ مَا فِي صُدُورِهمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ أَميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ ـ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، قال: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غِلٍّ” الْعَدَاوَة. وَأَخرج ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضيَ اللهُ عنه، قالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يُحْبَسُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَا يَجُوزونَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِم مِنْ بَعْضٍ ظُلاماتِهمْ فِي الدُّنْيَا وَيَدْخُلونَ الْجَنَّةَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِ بَعْضِهم عَلَى بَعْضٍ غِلٌّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ رَشِيدٍ قَالَ: يَنْتَهِي أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ يَتَلاحَظونَ تَلاحُظَ الغَيْرانِ، فَإِذا دَخَلُوها نَزَعَ اللهُ مَا فِي صُدُورِهمْ مِنْ غِلٍّ. لَقدْ بَيَّنَ ـ تَعَالَى، فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ أَنَّهُ نَزَعَ مَا فِي صُدُورِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْغِلِّ، فِي حَالِ كَوْنِهِمْ إِخْوَانًا، كَمَا بَيَّنَهُ أَيضًا في سُورَةِ الْأَعْرَافِ بقَوْلِهِ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} الآية: 43، فَزَادَ فيها أَنَّهُمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وهم فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ.

قوْلُهُ: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} السُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيْرٍ، وَهُوَ مُحَمَلٌ كَالْكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجَاعُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ السُّرُورِ، فَكَأَنَّهُ مَكَانٌ رَفِيعٌ مُمَهَّدٌ لِلسُّرُورِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما: عَلَى سُرَرٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالدُّرِّ. ويَجُوزُ في “سُرُر” ونَحْوِهِ مِمَّا جُمِعَ عَلَى هَذِهِ الصِيغَةِ مِنْ مُضَاعَفِ (فَعِيل) فَتْحُ العَيْنِ تَخْفيفًا، وَهِيَ لُغَةُ كَلْبٍ وتَميمٍ، فَيَقولونَ: سُرَرٌ وَذُلَلٌ فِي جَمْعِ: سَريرٍ وَذَليلٍ. وَ “مُتَقَابلين” جَالسينَ الْوَاحِدِ قُبَالَةَ الآخَرِ، وَهُوَ أُدْخِلَ فِي التَّأَنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ وَالْمُحَادَثَةِ. يُبَيِّنَ ـ سُبْحانَهُ، أَنَّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّما يَكُونُونَ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلينَ لِيَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى وَجْهِ بَعْضٍ، كما وَصَفَ سُرُرَهُمْ بِصِفَاتٍ جَمِيلَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فقَالَ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} الآيتانِ: (15 و 16)، ومِنْ هَذِهِ الصِّفات أَنَّهَا مَنْسُوجَةٌ بِقُضْبَانِ الذَّهَبِ وَهِيَ الْمَوْضُوعَةُ، وَقِيلَ: الْمَوْضُونَةُ الْمَصْفُوفَةُ، كَقَوْلِهِ في سُورةِ الطُّورِ: {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} الْآيَةَ 20، وَمِنْهَا أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ كَما جاءَ فِي الْغَاشِيَةِ قَوْلُهُ: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} الْآيَةَ: 13، وَكقَوْلِهِ فِي سورةِ الْوَاقِعَةِ: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} الآية: 34، وَكقَوْلِهِ في سُورةِ الرحمن: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} الآية: 76، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وجاءَ فِي بَعْضِ الأَخْبَارِ: إِنَّ المُؤْمِنَ فِي الجَنَّةِ إِذا وَدَّ أَنْ يَلْقَى أَخَاهُ المُؤْمِنَ، سَارَ سَرِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما إِلَى صَاحِبِهِ فَيَلْتَقِيانِ وَيَتَحَدَّثانِ.  وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: أَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنْظُرُ بَعْضُهم فِي قَفَا بَعْضٍ، ثمَّ قَرَأَ {مُتَّكِئينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}. وَأَخْرَجَ هَنَّاد، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “عَلى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ” قَالَ: لَا يَرَى بَعْضُهمْ قَفَا بَعْضٍ. قِيلَ: إِنَّ الْأَسِرَّةُ التي يتَّكئونَ عليها تَدُورُ كَيْفَمَا يَشَاؤونَ، فَلَا يَرَى أَحَدٌ منهم قَفَا أَحَدٍ.

وورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ أَنَّها نَزَلتْ في أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ صَحابَةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقدْ أَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ـ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وكرَّمَ وَجْهَهُ: فِينَا وَاللهِ أَهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقَابِلينَ”. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُلَيْلٍ عَنْ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ” قَالَ: نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ: فِي بَني هَاشِمٍ، وَبَني تَيْمٍ، وَبَني عَدِيٍّ، وَفِي أَبي بَكْرٍ، وَفِي عُمَرَ ـ رَضِي الله عَنهُما. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ عَسَاكِر، عَنْ كَثيرٍ النَّوَّاءِ، وهو مِنْ أَجلادِ الشِيعَةِ، قَالَ: قُلْتُ لأَبي جَعْفَرَ الباقرِ: إِنَّ فلَانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَليِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ” قَالَ: وَاللهِ إِنَّهَا لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَنْ تَنْزِلُ إِلَّا فِيهم. قُلْتُ: وَأَيُّ غِلٍّ هُوَ؟. قَالَ: غِلُّ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّ بَنِي تَيْمٍ، وَبني عَدِيٍّ، وَبَني هَاشِمٍ كَانَ بَينَهم فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، تَحَابُّوا، وَأَخَذَتْ أَبَا بَكْرٍ الخاصِرَةُ فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسَخِّنُ يَدَهُ فَيَكْوِي بِهَا خاصِرَةَ أَبي بَكْرٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ ـ كرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، قَالَ: إِنِّي لَأَرْجو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فيهم: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ”. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ  عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ” الْآيَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ. وَأَخْرَجَ الشِّيرَازِيُّ فِي الأَلْقابِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ” قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَشَرَةٍ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ، وَسَعِيدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُم. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ مِنْ غِلٍّ” قَالَ: ذَاكَ عُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَأَنَا. رَضِيَ اللهُ عنهم أَجمعينَ وأَرْضَاهم.

قولُهُ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} الوَاوُ: اسْتِئنافيَّةٌ، و “نَزَعْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ الظاهِرِ على آخِرِهِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المعظِّمِ نَفسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، و “نَا” التَّعْظيمِ ضَمِيرٌ متَّصِلٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، و “ما” اسْمٌ مَوْصولٌ، أَوْ نَكِرةٌ مَوْصوَفةٌ، مَبْنيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و “فِي” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِصلَةِ “مَا” أَوْ صِفَتِها، و “صُدُورِهِمْ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِحالٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في الجَارِّ والمَجْرورِ قَبْلَهُ، و “غِلٍّ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ.

قولُهُ: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} إِخْوَانًا: منصوبٌ على الحَالِ مِنْ ضَميرِ الغائِبينَ في “صدورِهم”؛ لأَنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إِلَيْهِ، فَيَجوزُ مَجيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إِلَيْهِ، والعامِلُ فِيها مَعْنَى الإِلْصاقِ. قالَ أَبو البَقاءِ: ويَجوزُ أَنْ يَكونَ حَالًا مِنْ فاعِلِ “ادْخُلوها” عَلَى أَنَّها حالٌ مُقَدَّرةٌ. ولا حاجَةَ إِلَيْهِ، بَلْ هِيَ حالٌ مُقارِنَةٌ، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في {آمِنين}، وأَنْ يَكونَ حالًا مِنَ الضَّميرِ في قولِهِ {فِي جَنَّاتٍ}. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِحالٍ مِنَ الضَميرِ في “إِخْوَانًا”، قال أبو البقاء: ويجوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنفسِ “إخْوانًا” لأنَّهُ بمعنى مُتَصافِّيْنَ عَلَى سُرُرٍ. وَفيهِ نَظرٌ مِنْ حيثُ تأويلُ جامدٍ بِمُشْتَقٍّ بَعيدٍ مٍنْهُ. و “متقابلين” عَلى هَذَا حالٌ مِنَ الضَّميرِ في “إِخوانًا”، ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لـ “إِخْوانًا”، وعَلَى هَذَا فإنَّ “مُتقابلين” هو حالٌ مِنَ الضميرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ. ويَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ “مُتقابلين”، أَيْ: مُتَقابِلينَ عَلى سُرُرٍ، وَعَلَى هَذا فإنَّ “مُتَقَابلين” حالٌ مِنَ الضَميرِ في “إِخْوانًا”، أَوْ صِفَةٌ لـ “إِخْوانًا”، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى المَدْحِ، يَعْني أَنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ نَعْتًا للضَميرِ فَلِذَلِكَ قُطِعَ. و “سُرُرٍ” اسمٌ مَجْرورٌ بِحرفِ الجَرِّ. و “مُتَقَابِلِينَ” مَنْصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرورِ قَبْلَهُ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الياءُ لأَنَّهُ جَمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمُ، والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ الَتنْوينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ.


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 46
 
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ} ادْخُلُوها: دَعْوَةٌ مِنْهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، للمُتَّقِينَ مِنْ عِبادِهِ بِدُخُولِ جَنَّاتِهِ فِي سَلامٍ وَأَمْنٍ وطُمَأْنِينَةٍ. و “بِسَلامٍ” أَيْ مُسَلَّمًا عَلَيْكُمْ، سَالِمِينَ مِنَ الْآفَاتِ. وقالَ القاسِمُ ابْنُ يَحْيَى ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِسَلامَةٍ مِنَ النَّارِ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِسَلامَةٍ تَصْحَبُكم مِنْ كُلِّ آفَةٍ. وقيلَ المَعنى: بِتَحِيَّةٍ مِنَ اللهِ لَهم، وَهوَ مَعْنَى قَوْلِ الكَلْبِيِّ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ. والسَّلامُ في الدُنْيَا والاطْمِئْنانُ فِيها مُخْتَلِفٌ عَنْ سَلامِ الجَنَّةِ؛ لأَنَّ سَلامَ الدُنْيا يُعَكِّرُهُ خَوفُ زوالِ النِّعْمَةِ، أَو رَحَيلُ الإِنْسانُ عَنْها، وتركُهُ لَهَا بِالْمَوْتِ. فإِنَّ كُلَّ نَعيمٍ في الدُنْيا إِلَى زَوَالٍ، أَمَّا نَعيمُ الآخِرَةِ فَهوَ نَعيمٌ مُقِيمٌ لا يُخافُ زوالُهُ، ولا نَقْصُهُ، ولا فَسَادُهُ، ولا فَوْتُهُ والرَّحِيلُ عنْهُ. و “آمِنِينَ” مِنْ كُلِّ فَزَعٍ وخَوْفٍ، لَا تَخْشَوْنَ فَنَاءً، ولا إِخْرَاجًا، وَلَا نقصَ نِعْمَةٍ ولا انْقِطَاعَها. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي حاتم في تفسيرِهِ: (7/2266) عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “آمِنِينَ” قَالَ: أَمِنُوا المَوْتَ، فَلَا يَمُوتونَ، وَلَا يَكْبَرُونَ، ولا يَسْقَمُونَ، ولا يَعْرَوْنَ، وَلا يَجوعونَ.
قولُهُ تَعَالى: {ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ} ادْخُلُوهَا: فِعْلُ أَمرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، وَ “ها” ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، و “بَسلامٍ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ للمُصاحَبةِ، مُتعلِّقٌ بِحالٍ أَوَّل مِنْ فَاعِلِ “ادْخُلُوهَا”، أَيْ: حالَةَ كَوْنِكم مُلْتَبِسينَ بِسَلامٍ، و “سلامٍ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “آمِنِينَ” حالٌ ثانيَةٌ وَهِيَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَها: إِمَّا بَدَلُ كُلٍ مِنْ كُلٍ، وَإِمَّا بَدَلُ اشْتِمَالٍ؛ لأَنَّ الأَمْنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَحِيَّةِ أَوْ بالعَكْسِ، مَنْصوبٌ وعَلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكِّرِ السَّالِمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِقَوْلٍ مَحْذوفِ، والتَقديرُ: وَيُقالُ لَهمْ ادْخُلوها.
قرأَ الْعَامَّةُ: {ادْخُلُوها} بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَضَمِّ الْخَاءِ، مِنْ دَخَلَ يَدْخُلُ، عَلَى الْأَمْرِ. تَقْدِيرُهُ: قِيلَ ادْخُلُوهَا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: “أُدْخِلُوهَا” بِضَمِّ التَّنْوِينِ وَوَصْلِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، مِنْ أَدْخَلَ. أَيْ أَدْخَلَهُمُ اللهُ إِيَّاهَا. وَمَذْهَبُهُمْ كَسْرُ التَّنْوِينِ فِي مِثْلِ قولِهِ في الآيةِ: 49، منْ سورةِ الأعراف: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُون} وشِبْهَهِ، إِلَّا أَنَّهم هَا هُنَا أَلْقَوْا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّنْوِينِ، إِذْ هِيَ أَلِفُ قَطْعٍ، وَلَكِنْ فِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ ثُمَّ مِنْ ضَمٍّ إِلَى كَسْرٍ فَيَثْقُلُ عَلَى اللِّسَانِ. وقِراءَةُ الأَمْرِ عَلَى إِضْمارِ القَوْلِ، أَيْ: يُقالُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: “ادْخُلوها”. أَوْ يُقالُ للمَلائكَةِ: أَدْخِلُوها إِيَّاهمْ. وَعَلَى قِراءَةِ الإِخْبَارِ يَكونُ مُسْتَأَنَّفًا مِنْ غَيْرِ إِضْمارٍ قَوْلٍ.


إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

(45)

قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أَيْ: فِي بَسَاتِينَ وأَنْهار. فَبَعْدَ أَنْ شَرَحَ ـ تَعالَى، أَحْوَالَ أَهْلِ الشَّقاءِ والْعِقَابِ، شَرَعَ بِوصْفِ أحوالِ أَهْلِ السَّعَادَةِ الثَّوَابِ، فَانْتَقَلَ مِنْ وَعِيدِ الْمُجْرِمِينَ، إِلَى بِشَارَةِ الْمُتَّقِينَ، عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ التي دَرَجَ عليها فِي التَّفَنُّنِ بالخِطَابِ. وَالْمُتَّقُونَ: هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوَى، وقدْ عَرَّفناها غيرَ مَرَّةٍ في غيرِ مكانٍ مِنْ هذا السِّفْرِ. والْمُرَادُ بِالمُتقينَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ اتَّقَوْا جَمِيعَ الْمَعَاصِي، لِأَنَّهُ ـ في رأيِهم، اسْمُ مَدْحٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ. وَقَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهم، أَنَّ الْمُرَادَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ بِاللهِ تَعَالَى وَالْكَفْرَ بِهِ، الخائفينَ مِنَ اللهِ المُوَحِّدينَ، الذينَ لَمْ يَتَّخِذوا لَهُ شَريكًا. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، فيما ذَكَرهُ الفَخْرُ الرَّازِي في تفسيرِهِ: (19/191)، الوَاحِدِيُّ في تَفسيرِهِ البَسيِط: (12/610)، وَالأَلُوسِيُّ في تَفْسيرِهِ: (14/56)، وَوَرَدَ بِنَحْوِهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ فِي كلٍّ مِنْ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: (10/ 32)، وتَفْسيرِ الخازِنِ: (3/ 97). وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صوابيَّتِهِ هُوَ أَنَّ الْمُتَّقِيَ هُوَ الْآتِي بِالتَّقْوَى مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا أَنَّ الضَّارِبَ هُوَ الْآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْقَاتِلَ هُوَ الْآتِي بِالْقَتْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوَصْفِ كَوْنُهُ ضَارِبًا وَقَاتِلًا، كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِدْقِ الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّقْوَى، فالْآتِيَ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ التَّقْوَى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوَى، لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، فَالْآتِي بِالتَّقْوَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، ويَصْدُقُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا. وَقدِ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ. وظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالى: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ” يَقْتَضِي حُصُولَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى عَنِ الْكُفْرِ شَرْطٌ فِي حُصُولِ هَذَا الحُكْمِ. فقَوْلُهُ: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ” يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقَائِلِينَ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) قَوْلًا وَاعْتِقَادًا، سَوَاءً كَانُوا مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ. والْجَنَّاتُ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 46، منْ سورةِ الرَّحْمَنِ: {وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ} ثُمَّ قالَ: {وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ} فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ أَرْبَعَة. أَمَّا الْعُيُونُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ (مُحَمَّد) ـ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} الآية: 15، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعُيُونِ يَنَابِيعَ مُغَايِرَةً لِتِلْكَ الْأَنْهَارِ، واللهُ تعالى أَعْلَمُ. وَالْعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وهو اسْمٌ لِثُقْبٍ في الأَرْضِ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنهُ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجَارُهَا طبيعيًّا نَتيجَةَ ضَغْطِ الماءِ المُتَجَمِّعِ فِي باطِنِ الأَرْضِ، وَقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ.

قولُهُ تَعَالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} إِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ. و “الْمُتَّقِينَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المفردِ. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِهِ، و “جَنَّاتٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “وَعُيُونٍ” الواوُ: حرفُ عطْفٍ، ومَعْطوفٌ عَلَى “جَنَّاتٍ” مجرورٌ مثله، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 44
 
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} سَبعةُ أبوابٍ: أَيْ: سبْعُ طَبَقَاتٍ يَنْزِلُونَها بِحَسَبِ مَرَاتِبِهمْ فِي الغِوَايَةِ والمُتَابَعَةِ، والظَّاهِرُ أَنَّ جَهَنَّمَ هِيَ وَاحِدَةٌ، وَلَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ. وَقِيلَ: أَبْوَابُ النَّارِ أَطْبَاقُهَا وَأَدْرَاكُهَا، فَأَعْلَاهَا لِلْمُوَحِّدِينَ، وَالثَّانِي لِلْيَهُودِ، وَالثَّالِثُ لِلنَّصَارَى، وَالرَّابِعُ للصائبين، وَالْخَامِسُ لِلْمَجُوسِ، وَالسَّادِسُ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالسَّابِعُ لِلْمُنَافِقِينَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ، وأَخْرَجَ أَحْمَدُ في (الزُّهْدِ) مِنْ مُسْنَدِهِ، والبَيْهَقِيُّ فِي (البَعث والنُّشور). وغَيْرُهُما مِنْ طُرُقٍ عَنْ أميرِ المؤمنينَ عَلِيٍّ ـ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: (أَبْوابُ جَهَنَّمَ سَبْعَة، بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ فيُمْلَأُ الأَوَّلُ ثُمَّ الثاني ثُمَّ الثالثُ حَتَّى تُمْلَأَ كُلُّها). وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُما، أَنَّها جَهَنَّمُ، والسَّعيرُ، ولَظَى، والحُطَمَةُ، وسَقَر، والجَحيم، والهاوِيَةُ، وَهِيَ أَسْفَلُها، وجاءَ في تَرْتِيبِها عَنِ الأَعْمَشِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وغَيْرِهِما غيرُ ذَلِكَ، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ في كِتَابِ الإِعْلامِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كُتُبِ الرَّقائقِ أَسْمَاءَ هَذِهِ الأَبْوابِ، وَلَمْ تَرِدْ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ، وظَاهِرُ القُرْآنِ والحَديثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْها مَا هوَ مِنْ أَوْصافِ النَّارِ، نَحْوَ السَّعِير، والجَحيم، والحُطَمَة، والهاوِيَة، ومِنْها مَا هوَ عَلَمٌ للنَّارِ كُلِّهَا نحو: جَهَنَّم، وسَقَر، ولَظَى. وأَقْرَبُ الآثارِ إِلَى الصِّحَّةِ هو مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ لِكَثْرَةِ مُخَرِّجِيهِ، والمُرادُ أَنَّ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوابٍ يَدْخُلُونَها لِكَثْرَتِهمْ والإِسْراعِ بِتَعْذِيبِهم. وقالَ بَعْضُهم: جَهَنَّمُ اسْمٌ عامٌّ يَقَعُ عَلى الأَدْراكِ كُلِّها، والأَوَّلُ أَصَحُّ، إِنَّ جَهَنَّمَ اسْمٌ لا يَقَعُ عَلَى الأَدْراكِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وقِيلَ: أَبْوابُ النَّارِ أَطْبَاقُها وأَدْراكُها، فأَعْلاها للمُوحِّدينَ، والثاني لليَهودِ، والثالثُ للنَّصَارَى، والرابعُ للصَّابئينَ، والخامسُ للمَجُوسِ، والسَّادِسُ للمُشْرِكينَ، والسَّابِعُ للمُنَافِقينَ. وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: “لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ” أَي: أَطْبَاقٌ، أَوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظَى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، والجَحيمُ: فيها أَبو جَهْلٍ. قالَ الرَّبيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَمَّا الهاوِيَةُ فَلا يَخْرُجُ مِنْها شِيْءٌ دَخَلَها أَبَدًا، إِنَّما تَهْوي بِهِ أَبَدًا، هِيَ دَارُ آلِ فِرْعَوْنَ، والكُفَّارِ، وكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.
قوْلُهُ: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} أَيْ: لِكُلِّ مَنْزِلٍ صَنْفٌ مِمَّنْ يُعَذَّبُ مِنَ الكُفَّارِ، عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الذَنْبِ، نَصيبٌ مَعْروفٌ، “جُزْء مَّقْسُومٌ” حِزْبٌ مُعَيَّنٌ مُفْرَزٌ مِنْ غَيْرِهِ حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، فَأَعْلاها للمُوَحِّدينَ، والثانِيَةُ لليَهُودِ، والثالثَةُ للنَّصَارَى، والرَّابِعَةُ للصَّابِئِينَ، والخَامِسَةُ للمَجُوسِ، والسَّادِسَةُ للمُشْرِكِينَ، والسَّابِعَةُ للمُنَافِقِينَ. قَالَ تَعَالَى في سُورَة النِّسَاءِ: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} الآية: 145. أَسْفَلُها: هَاوِيَةٌ وَهِيَ لآلِ فِرْعَوْنَ، ولأَصْحابِ المائدَةِ الذينَ كَفَرُوا بِعِيسى، وللمُنَافِقِينَ، والزَنادِقَةِ، والثانيَةُ: لَظَى وهِيَ مِنْزِلَةُ المَجُوسِ، والثَنَوِيَّةُ الذينَ قالُوا بِإِلَهَيْنِ. والثالثةُ: سَقَر، وهيَ مَنْزِلَةُ المُشْرِكِينَ، وعَبَدَةِ الأَوْثانِ. والرابعة: الجَحيم، وهيَ مَنْزِلَةُ اليَهُودِ الذينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَقَتَلُوا أَنْبِياءَ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. والخَامِسَةُ: الحُطَمَةُ وَهِيَ مَنْزِلَةُ النَّصَارَى الذينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالُوا قَوْلًا عَظِيمًا. والسّادِسَةُ: السَّعِيرُ، وهِيَ مَنْزِلَةُ الصَّابِئِينَ، ومِنْ أَعْرَضَ عَنْ دِينِ الإِسْلامِ، وخَرَجَ مِنْهُ. والسابعة: جَهَنَّمُ، وهِيَ أَعْلَى المَنَازِلِ، وَعَلَيْها مَمَرُّ الخَلْقِ كُلِّهم، وهِيَ مَنْزِلُ أَهْلِ الكَبَائرِ مِنَ المُسْلِمينَ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، في رِوَايَةِ أَبي صَالِحٍ، البابُ الأَوَّلُ، جَهَنَّمُ، والثاني السَّعيرُ، والثالث سَقَر، والرابعُ الجَحيم، والخامِسُ لَظَى، والسادسُ الحُطَمَةُ، والسَّابِعُ الهاوِيَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: إِنَّ جَهَنَّمَ لِمَنِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، ولَظَى لِعَبَدَةِ النَّارِ، والحُطَمَةُ لِعَبَدَةِ الأَصْنَامِ، وسَقَرُ لليَهُودِ، والسَّعيرُ للنَصارى، والجَحيمُ للصّابِئِينَ، والهاوِيَةُ للمُوَحِّدِينَ، ولَعَلَّ حَصْرَهَا في السَّبْعِ لانْحِصارِ المُهْلِكاتِ فِي المَحْسوساتِ بالحَواسِّ الخَمْسِ ومُقْتَضَياتِ القُوَّةِ الشَهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ. ولَعَلَّ تَخْصيصَ العَدَدِ بالسَّبْعَةِ، لانْحِصارِ مَجامِعِ المُهْلِكاتِ فِي الرُّكونِ إِلَى المَحْسُوساتِ، ومُتَابَعَةِ القُوَّةِ الشَهَوِيَةِ والغَضَبِيَّةِ. فالقُوَّةُ الشَهَوِيَّةُ مَحَلُّها سِتٌّ، وهِيَ: السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَمُّ، واللِّسَانُ، والبَطْنُ، والفَرْجُ. والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ فِي البَطْشِ باليَدِ والرِّجْلِ، فالمَعَاصِي المُهْلِكاتُ جُلُّها مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ، ومَلِكُها القَلْبُ، إِذا صَلُحَ صَلُحَتْ، وإِذا فَسَدَ فَسَدَتْ. كَمَا في الحَديثِ. وقالَ القاضي البَيْضاوي: أَوْ لأَنَّ أَهْلَها فِرَقُ سَبْعٌ. يَعْنِي: الفِرَقَ التي تَقَدَّمَتْ للطَبَقاتِ، قالَ تَعَالى: “لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ” أَيْ: مِنَ الأَتْباعِ “جُزْءٌ مَقْسُومٌ” أُفْرِدَ لَهُ، لا يَدْخُلَ إِلَّا مِنْهُ، ولا يَسْكُنُ إِلَّا في طَبَقَتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أَهْلُ كُلُّ طَبَقَةٍ، مِنْ عُصَاةِ المُوَحِّدينَ إِلَى المُنَافِقينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الْبَعْث والنُّشُور) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الصِّرَاطَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فَالْأَنْبِيَاءُ يَقُولُونَ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَالنَّاسُ كَلَمْعِ الْبَرْقِ، وَكَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَأَجَاوِدِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالرِّكَابِ، وَشَدًّا عَلَى الْأَقْدَامِ، فَنَاجٍ مُسْلِمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَطْرُوحٌ فِيهَا، وَلَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)). و “لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم”. البَعْثُ والنُّشُورُ للبَيْهَقِيُّ: (ص: 267) وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: “لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُم جُزْءٌ مَقْسُومٌ” قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِلَى حِقْوَيْهِ وَإِلَى تَرْقُوَتِه)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ: (5/10، 254). ومُسْلِمٌ فِي (الجَنَّةِ) حَديث (32، 33)، ومُسْنَدُ الشامِيِّينَ للطَبَراني: (7/233، برقم: 6970)، والحاكِمُ (4/629، برقم: 8740) وقالَ: صَحيحُ الإسْنادِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: (عَلى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ سُرادِقٍ مِنْ نَارٍ، فِي كُلِّ سُرادِقٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قبَّةٍ مِنْ نَارٍ، فِي كُلِّ قُبَّةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ تَنَّورٍ مِنْ نَارٍ، لِكُلِّ تَنُّورٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ كُوَّةٍ مِنْ نَارٍ، فِي كُلِّ كُوَّةٍ سَبْعُونَ أَلْف صَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ، عَلَى كُلِّ صَخْرَةٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْف حِجْرٍ مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ حِجْرٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ عَقْرَبٍ مِنَ النَّارِ، لَكُلِّ عَقْرَبٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ ذَنَبٍ مِنْ نَارٍ، لِكُلِّ ذَنَبٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ فقارَةٍ مِنْ نَارٍ، فِي كل فقارة مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْف قِلَّةٍ مِنْ سُمٍّ، وَسَبْعُونَ أَلْفَ مَوْقِدٍ مِنْ نَارٍ، يُوقِدون تِلْكَ النَّار. وَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَجَدُوا عَلَى الْبَابِ أَرْبَعمِئَةِ أَلْفٍ مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، سُودٌ وُجُوهُهم، كالِحَةٌ أَنْيابُهم، قَدْ نَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِن قُلُوبهم، لَيْسَ فِي قَلْبٍ مِنْهُم مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الرَّحْمَة). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتُسَعَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، وتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ أَبْوَابُهَا وَلَا تُسَعَّرُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مَسْرُوقٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَحَقَّ مَا اسْتُعيذَ مِنْ جَهَنَّمَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ يزِيدَ بْنِ أَبي مَالِكٍ ـ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: جَهَنَّمُ سَبْعَةُ نِيرانٍ، لَيْسَ مِنْهَا نَارٌ إِلَّا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى النَّارِ الَّتِي تَحْتَهَا، تَخَافُ أَنْ تَأْكُلَها. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ سَجْنًا لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا شَرُّ الأَشْرارِ، قرارُهُ نَارٌ، وسَقْفُهُ نَارٌ، وجُدْرانُهُ نَارٌ، وتَلْفَحُ فِيهِ النَّارُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، والحَكيمُ التِّرْمِذِيُّ، فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ، عَنْ كَعْبٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: للشَّهيدِ نُورٌ وَلِمَنْ قَاتَلَ الحَرُورِيَّةَ عَشْرَةُ أَنْوارٍ، وَكَانَ يَقُولُ: لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَابٍ بَابٌ مِنْهَا للحَرُورِيَّةِ. قَالَ: وَلَقَدْ خَرَجُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ البَغدْادِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُم جُزْءٌ مَقْسومٌ” قَالَ: جُزْءٌ أَشْرَكوا بِاللهِ، وجُزْءٌ شَكُّوا فِي اللهِ، وجُزْءٌ غَفَلُوا عَنِ اللهِ.
قولُهُ تَعَالَى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} لَهَا: اللامُ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وَالهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفَ الجَرِّ. و “سَبْعَةُ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ، وهو مُضافٌ، و “أَبْوَابٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرٌ ثانٍ لِـ “إِنَّ”. وقالَ أَبُو البَقَاءِ العُكْبُريُّ: يَجُوزُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً وَهُوَ الظَاهِرُ، ويَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانيًا، ولا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ “جهنَّم” لأَنَّ “إنَّ” لا تَعْمَلُ في الحالِ، وَقِياسُ مَا ذَكَرُوهُ في لَيْتَ وَكَأَنَّ ولَعَلَّ مِنْ أَخَواتِها، مِنْ عَمَلِها في الحالِ، لأَنَّها بِمَعْنَى تَمَنَّيْتُ وشَبَّهْتُ وترجَّيْتُ: أَنْ تَعْمَلَ فِيها “إنَّ” أَيْضًا؛ لأَنَّها بِمَعْنَى أَكَّدْتُ، ولِذلِكَ عَمِلَتْ عَمَلَ الفِعْلِ، وَهِيَ أَصْلُ البابِ.
قَوْلُهُ: {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} لِكُلِّ” اللامُ حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، و “كلِّ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “بَابٍ” مَجْرورٌ بالإضافَةِ إليْهِ. و “مِنْهُمْ” مِنْ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “جُزْءٌ” لأَنَّهُ صِفَةُ نَكِرَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْها، أَوْ يتعلَّقُ بِحالٍ مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرورِ الواقِعِ خَبَرًا مُقَدَّمًا أيْ قوْلِهِ: “لِكُلِّ بَابٍ”، ولا يَجُوزُ أَنْ تَكونَ حالًا مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ فِي “مَقْسُوم” لأَنَّ الصِفَةَ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْل المَوْصوفِ. ولا يَجُوزُ أَنْ تَكونَ صِفَةً لـ “بابٍ” لأَنَّ البابَ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّر. و “جُزْءٌ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ، و “مَقْسُومٌ” صِفَةُ لِـ “جُزْءٌ” مرفوعةٌ مثله، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ حَالٌ مَنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرورِ مِنْ قَوْلِهِ: “لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ”، تقديرُهُ: سَبْعَةُ أَبوابٍ كائِنَةٌ هِيَ لَهَا حَالَةَ كَوْنِ كُلِّ بابٍ مِنْها لَهُ جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنْهم.
وَقَرَأَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ: جَزَّ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَذَفَ الْهَمْزَةَ وَأَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الزَّايِ، ثُمَّ وَقَفَ بِالتَّشْدِيدِ نَحْوَ: هَذَا فَرْجٌ، ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ. وَاخْتُلِفَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وَقَرَأَ ابْنُ شِهَابٍ بِضَمِّ الزَّايِ، وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ مِنَ النَّاسِخِ، لِأَنِّي وَجَدْتُ فِي التَّحْرِيرِ: وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ بِضَمِّهَا مَهْمُوزًا فِيهِمَا. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ دُونَ هَمْزٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ الْقَعْقَاعِ. وَأَنَّ فِرْقَةً قَرَأَتْ بِالتَّشْدِيدِ مِنْهُمُ: ابْنُ الْقَعْقَاعِ. وَفِي كِتَابِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَكِتَابِ اللَّوَامِحِ: أَنَّهُ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي اللَّوَامِحِ هُوَ وأَبُو جَعْفَر.
 

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com