الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 15
 
لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أَيْ: لَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا رَأَوْا شَيْئًا. يَقُولونَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَعَنُّتِهمْ وتماديهم في سَفَهِهِم، ويَنْكِرُونَ مُعايَنَةَ ذَلِكَ. وَجاؤوا بِصِيغَةِ الْحَصْرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ بَتُّوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ. وَرَدُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ظَنٌّ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَعَرَجُوا فِيهَا، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُبْصِرُونَ، و “سُكِّرَتْ” أَيْ سُدَّتْ. يُقَالُ: سَكَّرَ الْبَابَ بِالتَّشْدِيدِ وَسَكَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ إِذَا سَدَّهُ. وسُكِّرَتْ أَبْصارُنا أَيْ غُشِيَتْ أَبْصَارُنَا فَوَجَبَ سُكُونُهَا وَبُطْلَانُهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَصْلُهُ مِنَ السُّكُونِ، يُقَالُ: سَكَرَتِ الرِّيحُ سُكْرًا إِذَا سَكَنَتْ وَسَكَرَ الْحَرُّ يَسْكُرُ وَلَيْلَةٌ سَاكِرَةٌ لَا رِيحَ فِيهَا وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حِجْرٍ:
جَذَلْتُ عَلَى لَيْلَةٍ سَاهِرَهْ ……………….. فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ وَلَا سَاكِرَهْ
وَيُقَالُ: سُكِّرَتْ عَيْنُهُ سُكْرًا إِذَا تَحَيَّرَتْ وَسَكَنَتْ عَنِ النَّظَرِ وَعَلَى هَذَا مَعْنَى سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا، أَيْ سَكَنَتْ عَنِ النَّظَرِ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “سُكِّرَتْ أَبْصَارُنُا” قَالَ: سُدَّتْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: سُكِّرَتْ صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَنْفُذُ نُورُهَا وَلَا تُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ عَلَى حَقَائِقِهَا، وَكَانَ مَعْنَى السَّكْرِ قَطْعَ الشَّيْءِ عَنْ سَنَنِهِ الْجَارِي، فَمِنْ ذَلِكَ تَسْكِيرُ الْمَاءِ وَهُوَ رَدُّهُ عَنْ سُنَنِهِ فِي الْجَرْيَةِ، وَالسُّكْرُ فِي الشَّرَابِ هُوَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَضَاءِ فِي حَالَ الصَّحْوِ فَلَا يَنْفُذُ رَأْيُهُ عَلَى حَدِّ نَفَاذِهِ فِي الصَّحْوِ. فَهَذِهِ الأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ فِي تَفْسِيرِ “سُكِّرَتْ” مُتَقَارِبَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ: {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} أَضْرَبُوا عَنْ قولِهِمُ السابِقِ إِضْرَابَ الْمُتَرَدِّدِ الْمُتَحَيِّرِ يَنْتَقِلُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ وَعَادُوا إِلَى إِلْقَاءِ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلَى الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّهُ سَحَرَهُمْ حِينَ سَأَلَ لَهُمُ اللهَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَفَتَحَهُ لَهُمْ، فَقَالُوا: “بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ”، أَيْ مَا رَأَيْنَاهُ هُوَ تَخَيُّلَاتِ الْمَسْحُورِ.
قولُهُ تَعَالى: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} اللامُ: رَابِطَةٌ لِجَوابِ “لو” الشَرْطِيَّةِ مِنَ الآيةِ التي قبلَها، و “قالوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهو ضميرٌ متَّصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلٌ، والأَلِفُ للتفريقِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ جَوابٌ لِـ “لَوْ” الشرطيَّةِ. و “إنَّمَا” كافَّةٌ مَكْفُوفَةٌ للحَصْرٍ، و “سُكِّرَتْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ مبنيٌّ على الفتحِ، والتاءُ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعِلِ، و ” أَبْصَارُنَا” نائبٌ عن فَاعِلِهِ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ، و “نا” الدالَّةُ على الجماعَةِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قالوا”.
قولُهُ: {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} بَل: حَرْفُ إِضْرابٍ وابْتِداءٍ، و “نَحْنُ” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ لجماعةِ المتكلِّمينَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “قَوْمٌ” خبرُهُ مَرْفوعٌ، و “مَسْحُورُونَ” صِفَةٌ لِـ “قَوْمٌ” مَرْفوعةٌ مثله، وعلامةُ رفعِها الواوُ لأنَّهُ جَمْعُ المُذَكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عَنِ التنوينِ في الجِسْمِ المُفردِ، وهذهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قالوا”.
قرأَ العامَّةُ: {سُكِّرَتْ} بتشديدِ الكافِ والبِناءِ للمَفْعُولِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثيرٍ “سُكِرَتْ” بِتَخْفيفِها والبِناءِ للمفعولِ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ قَرَأَ “سُكِرَتْ أَبْصَارُنُا” خَفِيفَةً. فيَجُوزُ أَنْ تَكونَ بِمَعْنَى المُشَدَّدَةِ، فإنَّ التَخْفيفَ يَصْلُحُ للقَلِيلِ والكَثِيرِ، وهُمَا مَأْخُوذَتَانِ مِنَ “السِّكْرِ” بِكَسْرِ السِّينِ وَهُوَ السَّدُّ، فالمَعْنَى: حُبِسَتْ أَبْصَارُنَا وسُدَّتْ. وقِيلَ: بِمَعْنَى عُطِبَتْ. وَقيلَ: بِمَعْنى أُخِذَتْ. وقِيلَ: بِمَعْنَى سُحِرَتْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ “سُكِّرَتْ” مُشَدّدَةً يَعْنِي سُدَّتْ، وَمَنْ قَرَأَ “سُكِرَتْ” مُخَفَّفَةً فَإِنَّهُ يَعْنِي سُحِرَتْ. وَقِيلَ: المُشَدَّدُ مِنْ سِكْرِ المَاءِ، والمُخَفَّفُ بِمَعْنَى سُحِرَتْ. وقِيلَ: المُشَدَّدُ مِنْ سِكْرِ الماءِ بالكسرِ، والمُخَفَّفُ مِنْ سُكْرِ الشَّرابِ بالضَمِّ. والمَشْهُورُ أَنَّ “سَكَرَ” لا يَتَعَدَّى فَكَيْفَ بُنِيَ للمُفْعُولِ. فَقالَ أَبو عَلِيٍّ الفارسِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا فِي البَصَرِ. والذي قالَهُ المُحَقِّقونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ “سَكَرَ” إِنْ كانَ مَنْ سَكَرِ الشَّرابِ، أَوْ مِنْ سَكَرِ الرِّيحِ، فالتَضْعِيفُ فِيهِ للتَعْدِيَةِ، وإِنْ كانَ مِنْ سِكْرِ المَاءِ فالتَضْعيفُ للتَكْثيرِ لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ مُخَفَّفًا، وذَلِكَ أَنَّهُ يُقالُ: سَكَرَتْ الرِّيحُ تَسْكُرُ سَكَرًا إِذا رَكَدَتْ، وسَكِرَ الرَّجُلُ مِنَ الشَرابِ سَكَرًا إِذا رَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ لِحَاجَتِهِ، فَهَذانِ قاصِرانِ، فالتَضعيفُ فيهِمَا للتَعْدِيَةِ. ويُقالُ: سَكَرْتُ الماءَ في مَجَارِيهِ: إِذا مَنَعْتُهُ مِنَ الجَرْيِ، فهذا مُتَعَدٍّ، فالتَضْعيفُ فِيهِ للتَكْثيرِ.
وأَمَّا قراءةُ ابْنِ كَثيرٍ فإِنْ كانَتْ مِنْ سَكْرِ المَاءِ فَواضِحَةٌ لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وإِنْ كانَتْ مِنْ سَكَرِ الشَّرابِ أَوْ سَكَرِ الرِّيحِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ الفِعْلُ قد اسْتُعْمِلَ لازِمًا تَارةً ومُتَعَدِّيًا تارةً أُخْرَى، نَحْوَ: رَجَعَ زَيْدٌ، وَرَجَعَهُ غَيْرُهُ، وسَعَدَ وسَعَدَهُ غَيرُهُ. وقال الزَمَخْشَرِيُّ: وَسُكِّرَتْ: حُيِّرَتْ، أَوْ حُبِسَتْ مِنَ السَّكَرِ أَوِ السَّكْرِ، وقُرِئَ “سُكِرَتْ” بالتَخْفيفِ، أَيْ: حُبِسَتْ كَمَا يُحْبَسُ النَّهْرُ مِنَ الجَرْيِ. فجَعَلَ قِراءَةَ التَشْديدِ مُحْتَمَلَةً لِمَعْنَيَيْنِ، وقِراءَةَ التَخْفيفِ لِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقَرَأَ الزُهْرِيُّ “سَكِرَتْ” مَبْنِيًّا للفَاعِلِ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ مُخَفَّفَةً وهيَ واضِحَةٌ، أَيْ: عُطِبَتْ. وَقِيلَ: هيَ مُطاوِعُ أَسْكَرْتُ المَكَانَ فسَكِرَ، أَيْ: سَدَدْتُهُ فانْسَدَّ.
Advertisements


 

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ

(14)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ} عَلَيْهِمْ: أَيْ: لَهُمْ، فهوَ كَقَوْلِهِ في الآيةِ: 3، مِنْ سُورةِ المائدَة: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} أَيْ: للنُّصُبِ. يَعْنِي لوْ فَتَحْنَا عَلَى المَلائِكَةِ بَابًا حَتَّى رَأَوْا، وعايَنُوا المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ ويَصْعَدونَ. وَهُوَ كَلَامٌ جَامِعٌ لِإِبْطَالِ جَمِيعِ مَعَاذِيرِهِمْ، لِأَنَّ دَلَائِلَ الصِّدْقِ بَيِّنَةٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَنْتَحِلُونَ الْمَعَاذِيرَ الْمُخْتَلِفَةَ. ولِذَلِكَ يُخْبِرُ اللهُ ـ تَعَالى، عَنْ سَفَهِهم وعِنَادِهِم فِي سُؤالِهم الآياتِ والمُعْجِزاتِ؛ وطَلَبِهم نُزولَ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهم في الآية: 7، السَّابِقَةِ: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فإنَّ سُؤَالَهمْ هَذَا سُؤَالُ مُتَعَنِّتينَ مُكابِرينَ؛ وليسَ بسؤالِ مُسْتَرْشِدينَ مُنْصِفينَ، وهوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى في الآيَةِ: 109، مِنْ سُورَةِ الأَنْعام: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا}، فَأَخْبَرَ في الآيةِ نَفْسِها أَنَّهم لَنْ يُؤْمنوا ولو جاءتْهُمُ الآيةُ فقالَ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}. فَقدْ جاءهمُ الحَقُّ ـ سُبْحانَهُ، هُنَا في هَذِهِ الآيةِ بِما هُوَ أَقْوَى مِمَّا طَلَبُوا، وَذَلِكَ لأَنَّ نُزُولَ مَلَكٍ مِنَ السَّمَاءِ ـ كَمَا طَلَبُوا، هوَ أَسْهَلُ بِكثيرٍ مِنْ أَنْ يُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ سُلَّمًا يَصْعَدونَ عَلَيْهِ، وَفي هَذَا ارْتِقَاءٌ فِي الدَّليلِ؛ لَكِنَّهمْ ارْتَقَوْا أَيْضًا في الكُفْرِ والضَّلالِ فَقالُوا: لَإِنْ حَدَثَ ذَلِكَ فَلَسَوْفَ يَكُونُ مِنْ فِعْلِ السِّحْرِ.

قولُهُ: {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا: إِذا فَعَلَهُ نَهَارًا.  أَيْ: وَكَانُوا يَصْعَدُونَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ فِي وَضَحِ النَّهَارِ، وَتَبَيُّنِ الْأَشْبَاحِ، وَعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِي الْمَرْئِيِّ. وهُوَ مِنْ: ظَلَّ يَظَلُّ ظُلولًا، فَالْمَصْدَرُ: الظُّلُولُ. و “يَعْرُجُونَ” يَصْعَدونَ، وهو مِنْ عَرَجَ يَعْرُجُ، إذا صَعِدَ يَصْعَدُ. وَالْمَعَارِجُ الْمَصَاعِدُ. أَيْ: لَوْ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَشَاهَدُوا الْمَلَكُوتَ وَالْمَلَائِكَةَ بأُمِّ أَعْيُنِهم، وعَايَنُوا نُزُولَ الآياتِ، لَأَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهم. أَوْ لو فُتِحَ لهمْ بابٌ في السَّماءِ لِيَرَوا بأُمِّ أَعْيُنِهم نُزُولَ المَلائِكَةِ وصُعُودَهم نهارًا جِهارًا لَمَا آمنوا بِكَ ولا برسالتِكَ. ولَن يُصَدِّقُوا ذَلِكَ بَلْ سيقولونَ: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} الآية: 15، من هذه السورةِ المُباركةِ. فقَدْ عَلِمَ اللهُ تعالى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْزِلْهُمْ.

وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنْ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّهُ قالَ فِي قَوْلِهِ تَعالَى: “وَلَو فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ” يَقُولُ: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلَّتِ الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ فِيهِ، يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ، لَقَالَ أَهْلُ الشِّرْكِ: إِنَّمَا أُخِذَتْ أَبْصارُنا، وَشُبِّهَ عَلَيْنَا، وَسُحِرْنَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَو فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ” قَالَ: رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: {لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} مَا بَيْنَ ذَلِك، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَظَلَّتِ الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ فَنَظَرُوا إِلَيْهِم, {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ} سُدَّتْ {أَبْصَارُنَا} قَالَ: قُرَيْشٌ تَقُولُهُ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ} الواوُ: للاسْتِئْنافِ، أَوْ للعَطْفِ، و “لو” شَرْطِيَّةٌ غَيْرُ جَازِمةٍ، و “فَتَحْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ “نا” المُعَظَمِ نَفْسَهُ، و “نا” المُعَظَمِ نَفْسَهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، و “عَلَيْهِمْ” حرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “فَتَحْنَا”، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والمِيمُ للجَمْعِ المُذَكَّرِ. و “بَابًا” مَفعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، و “مِنَ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِـ “بَابًا”، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ “لَوْ”.

قولُهُ: {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ، و “ظَلُّوا” فِعْلٌ ماضٍ نَاقِصٌ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ اسْمُ “ظلُّوا”، وهذا الضَمِيرُ عائدٌ عَلَى الكُفَّارِ المُفَتَّحِ لَهُمُ البَابُ. والأَلِفُ الفَارِقَةُ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى المَلائِكَةِ. و “فِيهِ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و “يَعْرُجُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجَازِمِ، وَعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لَأنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. وجُمْلَةُ “يَعْرُجُونَ” في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرُ “ظَلَّ”، وجُمْلَةُ “ظَلُّوا” مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “فَتَحْنَا” عَلَى كَوْنِها فِعْلَ شَرْطٍ لِـ “لَوْ”.

قَرَأَ العامَّةُ: {يَعْرُجُونَ} بِضَمُّ الرَّاءِ، وقَرَأَ الأَعْمَشُ، والكِسائيُّ، وأَبُو حَيْوَةَ: “يَعْرِجونَ” بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ في عَرَجَ يَعْرِجُ.


لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ

(13)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} يُوضِحُ اللهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، أَنَّ قُلوبَ الكَفَرَةِ لا تَلِينُ بالإيمانِ؛ ولا تُحْسِنُ اسْتِقْبالَ القُرْآنِ الكَريمِ، ذَلِكَ أَنَّ قُلوبَهُمْ مُمْتَلِئَةٌ بالكُفْرِ، تَمامًا كَمَا كانَ حالُ الأَقْوامِ السَّابِقَةِ، فَتِلْكَ هي سُنَّةُ مَنْ سَبَقُوهم “لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ” أَيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِهَذَا القُرْآنِ، والسُّنَّةُ هِيَ الطَريقةُ، وقالَ بَعْضُ أَهْلِ التَأْويلِ: “لَا يُؤمِنُونَ بِه” أَيْ: لا يُصَدِّقونَ بالعَذَابِ. و “وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ” وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بإهْلاكِ الكُفَّارِ، فَمَا أَقْرَبَ هؤلاءِ مِنَ الهَلاكِ والدَّمارِ؟ ويَحْتَمِلُ قولُهُ: “وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ” أَيْ: بتَكْذيبِ رُسُلِ اللهِ، والرَّدِّ في أفواهِهم، ومُعانَدَتِهم، والكِبْرِ والمُكابَرَةِ، بَعْدَ قِيامِ الحِجَجِ والآياتِ والبراهينِ الواضِحَةِ الجَليَّةِ. فهَؤُلَاءِ يَسْتَنُّونَ بِسُنَةِ أُلائكَ. ويَحْتَمِلُ: “وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ” أيْ: بالهَلاكِ والاسْتِئْصالِ عِنْدَ مُكابَرَةِ حُجَجِ اللهِ، ومُعَانَدَتِها. وَقيلَ: “وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ” أَيْ: قَدْ عُلِمَ مَا فَعَلَ تَعَالَى بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ مِنَ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ، وَكَيْفَ أَنْجَى اللهُ تَعَالى الْأَنْبِيَاءَ وَأَتْبَاعَهُمْ فِي الدُنْيا وسينجيهم في الآخِرَةِ. وَقَدْ مَضَتْ وَقَائِعُ اللهِ تَعَالَى بِالْإِهْلَاكِ فِيمَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وفي تَخْويفُ لأَهْلِ مَكَّةَ وتهديدٌ لهم بأَنَّهم سَيَجْري عَلَيْهم ما جَرَى عَلَى الكافرينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ قبلَهم.

وَأَخرجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤمنُونَ بِهِ} قَالَ: إِذا كذَّبُوا سَلَكَ اللهُ فِي قُلُوبِهم أَنْ لَا يُؤْمِنُوا بِهِ و “وَقدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلينَ” قَالَ: وَقائعُ اللهِ فِيمَنْ خَلا مِنَ الْأُمَمِ.

وبعدُ فإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُقَرِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، لأَنَّهُ إِذا كانَ البَاطِلُ قَدْ دَخَلَ فِي قُلوبِهم دُخُولُ الخَيْطِ فِي المِخْيَطِ، فإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ والحَقُّ فِي قَلْبٍ واحِدٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمِنُوا بالذِّكْرِ الحَكِيمِ، وَقَدْ مَضَتْ طريقَةُ الأَوَّلِينَ. وفيها إِشارَةٌ إِلَى اسْتِمْكانِ الكُفْرِ والضَّلالِ في نُفُوسَهم، وقَرارِهِ فِيهِمَا، وَأَنَّهُ لَا رَجَاءَ لِمَنْ كانَتْ هَذِهِ حالَهُ، وإِلى مآلِ أُولئكَ الماضِينَ مِنْ الهلاك، فَلا تَظُنَنَّ أَيُّها الرَّسُولُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، أَنَّ كُفْرَهم لِنَقْصٍ في المُعْجِزَةِ التي جِئْتَهم بِها، إِنَّما ذَلِكَ لأَنَّهم صَدُّوا عَنِ الحَقِّ، فَلَوْ جِئْتَ بِالمُعْجِزاتِ التي لَا يُجادِلُ فِيها العُقَلاءُ لجادلُوا فيها. وهو كما قالَ اللهُ تعالى في الآيتينِ: (14 و (15) مِنْ هَذِهِ السُورةِ: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}.

قولُهُ تَعَالَى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} لَا: نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يُؤْمِنُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ. و “بِهِ” الباءُ: سَبَبِيَّةٌ وهي حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُؤْمِنُونَ”، ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ فاعِلِ “يُؤْمِنونَ” المَنْفِي، أَيْ: مُسْتَهْزِئينَ بِهِ. قالَهُ أَبُو البَقاءِ العُكْبُريُّ. وقالَ السَّمينُ الحَلَبيُّ: كأَنَّهُ جَعَلَ “بهِ” مُتَعَلِّقًا بالحَالِ المَحْذوفَةِ قائمًا مَقامَها، وهوَ مَرْدودٌ؛ لأَنَّ الجارَّ إِذا وَقعَ حالًا أَوْ نَعْتًا أَوْ صِلَةً أَوْ خَبَرًا، تَعَلَّقَ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا خَاصٍ، وَكَذَا الظَّرْفُ. والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرْفِ الجرِّ بحرفِ الجرِّ وهذا الضميرُ عائدٌ عَلَى الإِشَارَةِ، ويجوز عَوْدُها على ما تقدَّم مِنَ الثَلاثَةِ، ويَكونُ تَأْويلُ عَوْدِها عَلَى الاسْتِهْزاءِ والشِّرْكِ، أَيْ: لا يُؤْمنونَ بِسَبِبِهِ. وقيلَ: يعودُ للرَّسُولِ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقِيلَ: يعودُ للقُرْآنِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ قولِهِ: {الْمُجْرِمِينَ} منَ الجملةِ السابقةِ، أَوْ هِيَ جُمْلَةٌ مُستأنَفةٌ اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا أوْ تَفَسيريًّا لِقَوْلِهِ {نَسْلُكُهُ} مِنَ الجملةِ السابقةِ، وعَلَى كِلا الحالينِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} الواوُ: للاسْتِئْنافِ، و “قد” حَرْفُ تَحْقِيقٍ، و “خَلَتْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقَدَّرِ عَلَى الأَلِفِ المَحْذوفَةِ لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، والتاءُ: للتَأنْيثِ الفاعِلِ، و “سُنَّةُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ وهو مُضافٌ، و “الْأَوَّلِينَ” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالِمُ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 12
 
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} الإشارَةُ بـ “كَذَلِكَ” إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السَّابِقُ مِنْ إِلْقاءِ الوَحْيِ مَقْرونًا بالاسْتِهْزاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ “نَسْلُكُهُ” لِكَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ مُقَدَّرًا في الوُجُودِ، وَهُوَ السَّلْكُ الوَاقِعُ في الأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَوْ للدَلالَةِ عَلى اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ، و “نَسْلُكُهُ” نُدْخِلُهُ، وسَلَكَ الشيْءَ في الشيْءِ أَدْخَلَهُ فيهِ، قالَ تعالى في الآية: 42، مِنْ سورةِ المُدَّثِرِ: {مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ}، أَي: مَا أَدْخلَكمْ فِيها؟. ومِنْهُ قولُ الشَّاعِرِ الجاهليِّ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ العبادي، مُخَاطِبًا المَلِكَ النُّعْمَانَ بْنَ المنذِرِ:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ………… وَقَدْ سَلَكوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
اللِّزازُ: مَا يُتَرَّسُ بِهِ البابُ، والعَرْدُ: الشَّديدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، والصُّلْبُ المُنْتَصِبُ، وعَرَّدَ الرَّجُلُ تَعْريدًا، أَيْ فَرَّ أَيْضًا، والمَعْنَى: كُنْتُ صلبًا شديدًا إِلَى جانِبِكَ أَمْنَعُ عَنْكَ وأُدافِعُ عَنْكَ فِي الأَوْقاتِ العَصِيبَةِ، وَلَمْ أُحْجِمْ وَلَمْ أَتَراجَعْ.
يُقَالُ: سَلَكَهُ يَسْلُكُهُ سَلْكًا وسُلُوكًا، وأَسْلَكَهُ إِسْلَاكًا. وَسَلَكَ الطَّرِيقَ سُلُوكًا وَسَلْكًا وَأَسْلَكَهُ دَخَلَهُ، وَسلَكَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِهِ أَدخَلَهُ فيهِ، وَالرُّمْحَ فِي الْمَطْعُونِ، وَالْخَيْطَ في المِخْيَطِ كَذَلِكَ، كُلُّهُ فَعَلَ وَأَفْعَلَ. والسِّلْكُ (بِالْكَسْرِ) الْخَيْطُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “كَذَلِك نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ” قَالَ: الشِّرْكُ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكينَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ” قَالَ: الشِّرْكُ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِهم. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “كَذَلِكِ نَسْلُكُهُ” قَالَ: هُمْ كَمَا قَالَ: هُوَ مَنْ أَضَلَّهمْ وَهو الذي مَنَعَهُمْ الْإِيمَانَ.
ويُقالُ: سَلَكَ الخَيْطَ فِي الإِبْرَةِ وَأَسْلَكَهُ، أَيْ: أَدْخَلَهُ فِيها، فهُمَا بِمَعْنًى واحِدٍ، وَمِنِ استعمالِهمْ الفعلَ (أَسْلَكَهُ) قَوْلُ سَاعِدَةَ بْنِ العَجْلانِ:
وهُمْ مَنَعُوا الطَّرِيقَ وأَسْلَكُوهُم …………….. عَلَى شَمَّاءَ مَهْواها بَعِيدُ
فإنَّ مَعْنَى الآيةِ: كَمَا سَلَكْنَا الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِالرُّسُلِ فِي قُلُوبِ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ نُدْخِلُهُ، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ قَوْمَكَ، يا مُحَمَّدُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
و “المُجْرِمينَ” هُمُ الكافِرونَ لأَنَّ كُفْرَهمْ بِمَوْلاهُمْ وتَكَذيبَهم رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَفْظَعُ الجُرْمِ وأَعْظَمُ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ تَعَالى. والمعنى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُدْخِلُ القُرْآنَ الكَريمَ فِي قُلُوبِ المُجْرِمينِ، فَيَكْشِفُ ما فِيها مِنْ زِيفٍ وتَكَبُّرٍ عَلَى الحَقِّ وَكُرْهٍ شديدٍ لَهُ، واسْتِهْزاءٍ بِهِ، فَتَنْطِقُ بِذَلِكَ أَلْسِنَتُهم، لأَنَّهُم لَيْسَ فِي نُفُوسِهِمْ اسْتِعْدَادٌ لِتَلَقِّي الحَقِّ، واسْتِقْبالِ نُورِهِ لِتُضِيءُ نُفُوسُهُمْ بِمَصَابِيحِ هِدَايَتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ، فهُمْ كَالذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ في الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فِي مُعَامَلَتِهم لأَنْبِيَائهم ـ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ فَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وأَنتَ يَا مُحَمَّدُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَكَ أُسْوَةٌ بِمَنْ سَبَقَكَ مِنَ أُولئك الرُّسُلِ.
وَفِي هِذِهِ الآيةِ الكريمةِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. كما هُيَ حُجَّةٌ عَلَى المُعْتَزِلَةِ في الأَصْلَحِ وَخَلْقِ الأَفْعَالِ. ذَلِكَ لأَنَّ قَوْلَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” يعني أَنَّهُ يَخْلُقُ الْبَاطِلَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ، أَيْ كَذَلِكَ نَسْلُكُ الْبَاطِلَ وَالضَّلَالَ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، فقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَمْ يَجْرِ لِلضَّلَالِ وَالْكُفْرِ ذِكْرٌ فِيمَا قَبْلَ هَذَا اللَّفْظِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَيْهِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ في الآية التي قبلَها: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} وقولُهُ: {يَسْتَهْزِؤُنَ} يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” عَائِدٌ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ وَضَلَالٌ، فَثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِنَا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ” هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ نَسْلُكُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لِأَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” عَائِدًا إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بعدَ ذَلِكَ: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} الآية: 13، من هذه السورةِ، عَائِدًا أَيْضًا إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ، لِأَنَّهُمَا ضَمِيرَانِ تَعَاقَبَا وَتَلَاصَقَا، فَوَجَبَ عَوْدُهُمَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ الِاسْتِهْزَاءِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِكُفْرِهِ، وَالَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ هُوَ الْمُسْلِمُ الْعَالِمُ بِبُطْلَانِ الْكُفْرِ فَلَا يُصَدِّقُ بِهِ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسَلُكُ الْكُفْرَ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَيَخْلُقُهُ فِيهِ فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ، وَلَكَانَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَذُمَّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ يُعَاقِبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الوجْهِ، فَنَقُولُ: التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” عَائِدٌ إِلَى الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} وَقَالَ بَعْدَهُ: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” أَيْ هَكَذَا نَسْلُكُ الْقُرْآنَ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا السَّلْكِ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يُسْمِعُهُمْ هَذَا الْقُرْآنَ، وَيَخْلُقُ فِي قُلُوبِهِمْ حِفْظَ هَذَا الْقُرْآنِ، وَيَخْلُقُ فِيهَا الْعِلْمَ بِمَعَانِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ ـ لِجَهْلِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عِنَادًا وَجَهْلًا، فَكَانَ هَذَا مُوجِبًا لِلُحُوقِ الذَّمِّ الشَّدِيدِ بِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “كَذلِكَ نَسْلُكُهُ” عَائِدًا إِلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا ضَمِيرَانِ مُتَعَاقِبَانِ، فَيَجِبُ عُودُهُمَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: “كَذلِكَ” مَعْنَاهُ: مِثْلَ مَا عَمِلْنَا كَذَا وَكَذَا نَعْمَلُ هَذَا السَّلْكَ، فَيَكُونُ هَذَا تَشْبِيهًا لِهَذَا السَّلْكِ بِعَمَلٍ آخَرَ ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَعْمَالِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَجْرِ لِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ اللهِ ذِكْرٌ فِي سَابِقَةِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا قَوْلَهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَمُشَبَّهًا بِهِ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “نَسْلُكُهُ” عَائِدًا إِلَى الذِّكْرِ وَهَذَا تَمَامُ تَقْرِيرِ كَلَامِ الْقَوْمِ مِنَ المعتزلةِ.
وَالْجَوَابُ عَلَى تَأْويلِ المُعْتَزِلَةِ هَذَا: أَنَّه لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “نَسْلُكُهُ” عَائِدًا عَلَى الذِّكْرِ، مِنْ وُجُوهٍ:
أَوَّلُها: أَنَّ قَوْلَهُ: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ مَذْكُورٌ بِحَرْفِ النُّونِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِظْهَارُ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ وَالْجَلَالَةِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّعْظِيمِ إِنَّمَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ قَوِيٌّ كَامِلٌ بِحَيْثُ صَارَ الْمُنَازِعُ وَالْمُدَافِعُ لَهُ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا. فَأَمَّا إِذَا فَعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ الْبَتَّةَ، صَارَ الْمُنَازِعُ وَالْمُدَافِعُ غَالِبًا قَاهِرًا، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّفْظِ الْمُشْعِرِ بِنِهَايَةِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالَةِ يَكُونُ مُسْتَقْبَحًا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَالْأَمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَلَكَ إِسْمَاعَ الْقُرْآنِ وَتَحْفِيظَهُ وَتَعْلِيمَهُ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ لِأَجْلِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، فَصَارَ فِعْلُ اللهِ تَعَالَى كَالْهَدْرِ الضَّائِعِ، وَصَارَ الْكَافِرُ وَالشَّيْطَانُ كَالْغَالِبِ الدَّافِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ النُّونِ الْمُشْعِرِ بالعَظَمَةِ والجَلالةِ في قولِهِ: “نَسْلُكُهُ” غَيْرَ لَائِقٍ بِهَذَا الْمَقَامِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَاسِدٌ.
وَالوجه الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرُوهُ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، أَيْ وَمَعَ هَذَا السَّعْيِ الْعَظِيمِ فِي تَحْصِيلِ إِيمَانِهِمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَمَّا لِمَ يَذْكُرِ الْوَاوَ فَعَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَالتَّفْسِيرِ، وَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ: نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ أَنَّا نَسْلُكُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَالوجه الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} الآية: 9، من سورة الحِجْر بعيدٌ، وقولَهُ: {يَسْتَهْزِؤُونَ} قَرِيبٌ، وَعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَاتِ هُوَ الْوَاجِبُ. أَمَّا قولُه: لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: “نَسْلُكُهُ” عَائِدًا إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ، {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} عَائِدًا إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
قالَ الرازيُّ والجَوَابُ عَنْ هذا مِنْ وُجُوهٍ:
الوجه الْأَوَّلُ: أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَاتِ، وَلَا مَانِعَ مِنَ اعْتِبَارِ هَذَا الدَّلِيلِ فِي الضَّمِيرِ الْأَوَّلِ وَحَصَلَ الْمَانِعُ مِنَ اعْتِبَارِهِ فِي الضَّمِيرِ الثَّانِي فَلَا جَرَمَ قُلْنَا: الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ عَائِدٌ إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَالضَّمِيرُ الثَّانِي عَائِدٌ إِلَى الذِّكْرِ، وَتَفْرِيقُ الضَّمَائِرِ الْمُتَعَاقِبَةِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ لَيْسَ بِقَلِيلٍ فِي الْقُرْآنِ، أَلَيْسَ أَنَّ الْجُبَّائِيَّ وَالْكَعْبِيَّ وَالْقَاضِيَ قَالُوا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآيتان: 189، 190، منْ سُورةِ الْأَعْرَافِ، فَقَالُوا هَذِهِ الضَّمَائِرُ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ} عَائِدَةٌ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عَائِدَةٌ إِلَى غَيْرِهِمَا، فَهَذَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَاقُبِ الضَّمَائِرِ عَوْدُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدليلِ فَكَذَا هاهُنا، واللهُ أَعْلَمُ.
الوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَوْلُهُ: لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ تَفْسِيرٌ لِلْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ: “نَسْلُكُهُ” وَالتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ نَسْلُكُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا بِهِ وَالْمَعْنَى نَجْعَلُ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا بِهِ.
وَالوجه الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّا بَيَّنَّا بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاهِرَةِ أَنَّ حُصُولَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَبْدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ إِنَّمَا يُرِيدُ الْإِيمَانَ وَالصِّدْقَ، وَالْعِلْمَ وَالْحَقَّ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالْكَذِبِ فَلَمَّا كَانَ كُلُّ أَحَدٍ لَا يَقْصِدُ إِلَّا الْإِيمَانَ وَالْحَقَّ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْكُفْرُ وَالْبَاطِلُ، عَلِمْنَا أَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْهُ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ الْكُفْرُ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ هُوَ الْإِيمَانُ: فَنَقُولُ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إِنَّمَا رَضِيَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الْجَهْلِ لِأَجْلِ جَهْلٍ آخَرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ فَيَنْقُلُ الْكَلَامَ إِلَى ذَلِكَ الْجَهْلِ السَّابِقِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ جَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِلَّا وَجَبَ انْتِهَاءُ كُلِّ الْجَهَالَاتِ إِلَى جَهْلٍ أَوَّلٍ سَابِقٍ حَصَلَ فِي قَلْبِهِ لَا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ بِتَخْلِيقِ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْمَعْنَى: نَجْعَلُ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا بِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ فِيهَا، وَأَيْضًا قُدَمَاءُ الْمُفَسِّرِينَ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَلَامِذَتِهِ أَطْبَقُوا عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ فِيهَا، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعْتَزِلَةُ تَأْوِيلٌ مُسْتَحْدَثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَكَانَ مَرْدُودًا، وَرَوَى الْقَاضِي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ الْمُرَادَ كَذَلِكَ نَسْلُكُ الْقَسْوَةَ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، ثم قال الْقَاضِي: إِنَّ الْقَسْوَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْكَافِرِ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَيُعَانِدَ، فَلَا يَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَيُقَالُ لِلْقَاضِي: إِنَّ هَذَا يَجْرِي مَجْرَى الْمُكَابَرَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ وَنَبْوَةً عَظِيمَةً عَنْهُ حَتَّى أَنَّهُ كُلَّمَا رَآهُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، وَرُبَّمَا ارْتَعَدَتْ أَعْضَاؤُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ وَالْإِصْغَاءِ لِقَوْلِهِ، فَحُصُولُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فِي قَلْبِهِ أَمْرٌ اضْطِرَارِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ؟
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَرْكُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْقَبُولِ فَنَقُولُ هَذَا مُغَالَطَةٌ مَحْضَةٌ، لِأَنَّكَ إِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ النَّفْرَةِ الشَّدِيدَةِ فِي الْقَلْبِ، وَالنَبْوَةِ الْعَظِيمَةِ فِي النَّفْسِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ وَالرِّضَا فَهَذَا مُكَابَرَةٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّ عِنْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ يُمْكِنُهُ الْعَوْدُ إِلَى الْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ فَهَذَا حَقٌّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِزَالَةُ هَذِهِ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ عَنِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْفَاعِلُ لَهَا هُوَ الْإِنْسَانُ لَافْتَقَرَ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ إِلَى دَوَاعِي سَابِقَةٍ عَلَيْهَا وَلَزِمَ الذَّهَابُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ لَهَا هُوَ اللهُ، تَعَالَى فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسْلُكُ هَذِهِ الدَّوَاعِيَ وَالصَّوَارِفَ فِي الْقُلُوبِ وَذَلِكَ عَيْنُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) أو (التفسير الكبير) (19/127).
قولُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمينَ} كَذَلكَ: الكافُ: حرفُ جَرٍّ وتشبيهٌ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عامِلُهُ “نَسْلُكُ”، ويَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الكافُ مَرْفُوعَةَ المحلِّ عَلَى أَنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: الأَمْرُ كَذَلِكَ. “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بحَرْفِ الجَرِّ والإشارةُ إلى الاسْتِهْزاءِ والتَكْذِيبِ، والكافُ الثانيَةُ: للخِطابِ. و “نَسْلُكُهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وُجُوبًا تقديرُهُ “نَحْنُ” يَعُودُ عَلَى اللهِ تَعَالى، والهَاءُ: ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ. والظاهِرُ عَوْدُ هَذِهِ الهاءِ لِلْذِّكْرِ، وقِيلَ: يَعُودُ للاسْتِهْزاءِ. وقيلَ: عَلَى الشِّرك! و “فِي” حرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “نَسْلُكُ”، و “قُلُوبِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “الْمُجْرِمِينَ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرٍّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السَّالِمُ، والنونُ عِوَضٌ عَنِ التَنْوِينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ مَنْصُوبَةَ المَحَلِّ: إِمَّا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: مِثْل ذَلِكَ السَّلْكِ ونَحْوِهِ نَسْلُكُهُ، أَيْ: نَسْلُكُ الذِّكْرَ، وإِمَّا حَالًا مِنَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ.
الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 1


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 11
 
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} نَفْيٌ لإتْيَانِ كُلِّ رَسُولٍ لِشِيعَتِهِ الخَاصَّةِ بِهِ، وَلَيْسَ نَفْيًا لإتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الشِّيَعِ، جَميعًا أَوْ عَلَى سَبيلِ البَدَلِ، وفيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ كَمَا فَعَلَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فَكَذَلِكَ فُعِلَ بِمَنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ. فقد قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما: يُعَزِّي نَبِيَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، ويُصَبِّرُهُ، يُريدُ كَما اسْتَهْزَأَ بِكَ قَوْمُكَ بَعْدَ طُولِ إِكْرامِهمْ لَكَ، قالَ أَهْلُ المَعَاني: وإِنَّما حَمَلَ الأُمَمَ عَلَى الاسْتِهْزاءِ اسْتِبْعادُ مَا دُعُوا إِلَيْهِ، والاسْتِيحاشُ مِنْهُ والاسْتِنْكارُ لَهُ، حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّهُ مِمَّا لا يَكونُ ولا يَصِحُّ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما كانَ عَلَيْهِ الأَسْلافُ؛ وذَلِكَ أَنَّهم تَعَجَّلُوا الرَّاحَةَ بإِسْقاطِ النَّظَرِ عَنْ أَنْفُسِهم، والتَّفَكُّرِ فِيما أَوْرَدَهُ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ لِيَدُلَّهم عَلَى الحَقِّ.
وَفي هَذِهِ الآيةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ كانَ مُبْتَلًى بِطائفَةٍ مِنَ المُشْرِكينَ، وَمَا خَلَصَتْ لِرَسُولٍ دَعْوَةٌ مِنَ الاسْتِهْزاءِ والتَكَبُّرِ. وَصِيغَةُ الاسْتِقْبالِ لاسْتِحْضَارِهِ الصُّورَةِ عَلَى طَريقَةِ حِكَايَةِ الحالِ المَاضِيَةِ فإِنَّ “مَا” لا تَدْخُلُ ـ في الأَغْلَبِ، عَلى مُضارِعٍ إِلَّا وَهوَ في مُعْنَى الحالِ، ولا عَلَى ماضٍ إِلَّا وَهوَ قَريبٌ مِنَ الحالِ، أَيْ مَا أَتى شِيعَةً مِنْ تِلْكَ الشِّيَعِ رَسُولٌ خاصٌّ بِها “إِلَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ” كَمَا يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ. ويدُلُّ قولُهُ: “كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ” عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ سُنَّتُهُمْ، فَقد دَلَّتْ “كَانَ” عَلَى أَنَّهُ سَجِيَّةٌ لَهُمْ، وَدلَّتْ صيغةُ الْمُضَارِعُ “يَسْتَهْزِؤُنَ” عَلَى تَكَرُّرِ ذِلِكَ مِنْهُمْ.
قولُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} الواوُ: عاطِفَةٌ، و “مَا” نَافِيَةٌ لا عَمَلَ لَهَا. وَ “يَأْتِيهِمْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ وعلامةُ رَفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخِرِهِ لثقَلِها على الياءِ. والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والميمُ علامةُ جَمْعِ المُذكَّرِ، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدَةٌ، و “رَسُولٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مرفوعٌ مَحَلًا على أَنَّهُ فاعلُ “يأْتي” والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ في الآيةِ السابقةِ: {وَلَقَد أَرسَلنَا} عَلَى كَوْنِها جَوابَ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرِّغٍ، و “كَانُوا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعة، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ اسْمُهُ، والأَلِفُ الفارقةُ، و “بِهِ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. و “يسْتَهْزِئون” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، وجُمْلَةُ “يَسْتَهْزِئُونَ” في محلِّ النَّصْبِ خَبَرُ “كانَ”. وجُمْلَةُ “كانَ” في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ المُقَدَّرَةِ مِنْ مَفْعُولِ “يَأْتِيهِمْ” إِذا كانَ المُرادُ بالإتْيانِ حُدوثَهُ، والتَقْديرُ: وَمَا يَأْتيهم رَسُولٌ إِلَّا حَالَةَ كَوْنِهم مُسْتَهْزِئينَ بِهِ، ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ صِفَةً لِـ “رَسُولٍ” فَيَكونُ في مَحَلِّها وَجْهانِ؛ الجَرُّ باعْتِبَارِ المَحَلِّ، وإِذا كانَتْ حالًا فَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. أَوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّها صِفَةٌ لـ “رسول” فإنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلَى الفاعِلِيَّةِ، أَيْ إِلَّا رَسُولٌ كانوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ، وأَمَّا الجرُّ عَلَى أَنَّها صِفَةٌ باعْتِبارِ لَفْظِهِ فيُفْضِي إِلَى زِيادَةٍ مِنَ الاسْتِغْراقِيَّةِ في الإثْباتِ، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَنْصُوبًا عَلَى الوَصْفِيَّةِ بِأَنْ يُقَدَّرَ المَوْصوفُ مَنْصوبًا عَلَى الاسْتِثْناءِ، وإِنْ كانَ المُخْتَارُ الرَّفْعَ عَلَى البَدَلِيَّةِ.


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 10
 
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} إِبْطَالٌ لِاسْتِهْزَائِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِنُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. والمَعْنَى ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يا مُحَمَدُ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، رُسُلًا في أُمَمِ الأَوَّلِينَ. وَفِي هَذَا تَحْقِيقٌ لِكُفْرِهِمْ لِأَنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ الفِرَقِ مِنَ الأَقوامِ السَّالِفَةِ مُحَقَّقٌ ومُقَرَّرٌ عِنْدَ جَميعِ الْأُمَمِ، وَمُتَحَدَّثٌ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. أَيْ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا، فَحُذِفَ. وَالشِّيَعُ جَمْعُ شِيعَةٍ وَهِيَ الْأُمَّةُ، أَيْ فِي أُمَمَهمْ، قالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وقتادة ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، فِي قَوْلِهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ” أَنَّهُ قَالَ: في أُمَمِ الْأَوَّلين. وأخرجَ الطَبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنها، أَنَّهُ قالَ في قوْلِهِ تعالى: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ” أَيْ: فِي الأُمَمِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: “في شِيَعِ الأَوَّلين” أَيْ: فِي فِرَقِهِمْ.
وَالشِّيعَةُ: الحِزْبُ والْفِرْقَةُ وَالطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ الْمُتَآلِفَةُ الْمُتَّفِقَةُ الْكَلِمَةِ. فَكَأَنَّ الشِّيَعَ الْفِرَقُ، وشايَعَهُ: تَبِعَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في سُورَةِ الأَنْعَامِ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} الآيةَ: 65. وقَوْلُهُ في الآية: 69، مِنْ سُورةِ مَريم: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا}.
وَالأَصْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيَاعِ وَهُوَ الْحَطَبُ الصِّغَارُ يُوقَدُ بِهِ الْكِبَارُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إنَّ الشِيَعَ هُنَا القُرَى. وهوَ مِنْ إِضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، والأَصْلُ أَنْ يُقالَ: في الشِّيَعِ الأَوَّلِينَ، ومثلُهُ: (صَلاةُ الأُولى)، و (جانِبُ الغربيِّ). والبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلُونَهُ عَلَى حَذْفِ المَوْصُوفِ، أَيْ: فِي شِيَعِ الأُمَمِ الأَوَّلِينَ، وجانِبِ المَكانِ الغَرْبِي، وَصَلاةُ السَّاعَةِ الأُوْلَى.
قولُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} الواوُ: للاسْتِئْنَافِ، واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، و “قَدْ” حَرْفُ تَحْقيقٍ، و “أَرْسَلْنَا”: فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ “نا” المُعَظِّمِ نَفْسَهُ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعٍ فاعِلُهُ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْديرُهُ: (رُسُلًا)، و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَرْسَلْنَا”، و “قَبْلِكَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلّةِ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ للمَفْعُولِ المَحْذُوفِ، وهوَ مِنْ إِضَافَةِ المَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، و “شِيَعِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ، و “الْأَوَّلِينَ” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ جمْعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ منَ التنوينِ في الاسْمِ المُفْرَدَ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.


الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ … سورة الحِجر، الآية: 9
 
 
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
 
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَنَا في هذِهِ الآيةِ الكَرِيمَةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَزَّلَ الْقُرْآنَ الكريمَ، وَأَنَّهُ هو الحَافِظُ لَهُ مِنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُنْقَصَ أَوْ يَتَغَيَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ يُبَدَّلَ، فالضَّمِيرُ في “لَهُ” رَاجِعٌ إِلَى الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ المائدَةِ: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} الآية: 67، وَالْأَوَّلُ أَرجَحُ لأنَّهُ الظَاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ. وَقد بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ في الآيَتانِ: (41 و 42) مِنْ سُورَةِ فُصِّلتْ: {.. وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. وَكقَوْلِهِ في سُورَةِ القيامَةِ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} الآية: 16، إِلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} الآية: 19، هذا وقد أَكَّدَ الْخَبَرَ بِـ “إِنَّا” الولى والثانيةِ، وَبضَمِيرِ الْفَصْلِ “نَحْنُ” وباللامِ المزحلقةِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِمَا فِي الْوَاقِعِ كَقَوْلِهِ تعالى منْ سُورَةِ (المُنَافِقُونَ): {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} الآية: 1، وَالْمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ، ثُمَّ زَادَ ذَلِكَ ارْتِقَاءً وَنِكَايَةً لَهُمْ بِأَنَّهُ هو مُنْزِلَ القُرْآنَ وهُوَ حَافِظُهُ مِنْ كَيْدِهم وكيدِ غيرِهم مِنَ أَعْدَاءِ اللهِ ورسولِهِ وكتابِهِ، وذلك بِحِفْظِهِ مِنَ التَّلَاشِي والزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ، بِأَنْ يَسَّرَ لهُ التَوَاتُرَ، وَسَلَّمَهُ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ والتحريفِ حَتَّى حَفِظَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مِنْذُ حَيَاةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَقَرَّ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وَصَارَ حُفَّاظُهُ بِالِغِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ فِي كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمصارِ البلادِ الإسلاميَّةِ.
وَفِي هَذَا تَحدٍّي لِلْمُشْرِكِينَ وإِغَاظَةٌ لهم، بِأَنَّ أَمْرَ هَذَا الدِّينِ سَيَتِمُّ وَيَنْتَشِرُ هذا الْقُرْآنُ وَيَبْقَى عَلَى كرِّ الدهورِ ومَرِّ الْأَزْمَانِ، لِيَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ دليلًا عَلَى صِدْقِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ، لَطَرَأَتْ علَيْهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَلَظهَرَ الِاخْتِلَافُ فيهِ، قَالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} الآية: 82، منْ سُورَة النِّسَاءِ. وَقَدْ سُئِلَ الْقَاضِيَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ حَمَّادٍ الْمَالِكِيَّ الْبَصْرِيَّ عَنْ السِّرِّ فِي تَطَرُّقِ التَّغْيِيرِ لِلْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَسَلَامَةِ الْقُرْآنِ مِنْ طرقِ التَّغْيِيرِ لَهُ. فَأَجَابَ بِأَنَّ اللهَ أَوْكَلَ لِلْأَحْبَارِ حِفْظَ كُتُبِهِمْ فَقَالَ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ} الآية: 44، منْ سُورَة الْمَائِدَة، وَتَوَلَّى حِفْظَ الْقُرْآنِ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَقَالَ: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ” الآيةَ. ورويَ مثلُ ذلكَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قال: قَالَ اللهُ تَعَالى فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ} الآيةَ السابقة، فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ” فَحَفِظَهُ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”، قَالَ: عِنْدَنَا.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”، وَقَالَ فِي الآيَةِ: 42، مِنْ سورةِ فُصِّلَتْ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}. وَالْبَاطِلُ إِبْلِيس. قَالَ: فأَنْزَلَهُ اللهُ ثُمَّ حَفِظَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ إِبْلِيسُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ بَاطِلًا وَلَا يَنْقُصَ مِنْهُ حَقًا، حَفِظَهُ اللهُ تعالى مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قولُهُ تعالى: {إِنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} إِنَّا: “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ للتأكيدِ، و “نا” ضميرُ التعظيمِ المتَّصِلُ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُهُ. و “نَحْنُ” قيلَ هوَ ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ لتَأْكِيدِ اسْمِ “إنَّ” فلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعرابِ، والصحيحُ أَنَّه ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، ولا يَصِحُّ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ بَيْنَ اسْمَيْنِ، و “نَزَّلْنَا فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و “نا” التعظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلٌ به، و “الذِّكْرَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، والجُمْلةُ في محلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، أَوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ “إنَّ” مِنِ اسْمِها وخبرِها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرَابِ في الحالينِ.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الواوُ: للعَطْفِ، و “إنَّا” كسابِقتِها، و “لَهُ” اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ بَعْدَهُ، و “لَحَافِظُونَ” اللامُ: المُزَحْلَقَةُ أو حَرْفُ ابْتِداءٍ، وهيَ في الحالينِ للتأكيدِ، و “حَافِظُونَ” خبرُ “إنَّ” أو خبرُ المُبْتَدَأِ مَرْفوعٌ وعلامةُ رَفْعِهِ الواوُ لأَنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، وَجُمْلَةُ “إنَّ” معطوفةٌ عَلَى جُمْلَةِ “إنَّ” الأُولَى، على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرَابِ.

الموسوعة القرآنية … فيض العليم، الآية: 3


 

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

(3)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} ذَرْهم: المَعْنَى اتْرُكْهم. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: “ذَرْهُمْ” قَالَ: خَلِّ عَنْهُم. وَفعلُ الأمرِ هذا مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ وَهي قِلَّةُ جَدْوَى الْحِرْصِ عَلَى إِصْلَاحِهِمْ. وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْإِذْنِ بِمُتَارَكَتِهِمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَأْمُورٌ بِالدَّوَامِ عَلَى دُعَائِهِمْ. كما فِي قَوْلِهِ تَعالى مِنْ سُورةِ الأَنْعامِ: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ} الآية: 70. فَمَا أَمَرَهُ بِتَرْكِهِمْ إِلَّا وَقَدْ أَعْقَبَهُ بِأَمْرِهِ بِالتَّذْكِيرِ بِالْقُرْآنِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّرْكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عَدَمِ الرَّجَاءِ فِي صَلَاحِهِمْ. وَمثلُهُ قَوْلُ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ تَسْتَنْهِضُه لِيأْخُذِ بِثَأْرِ أَخيهِ عبدِ اللهِ:

وَدَعْ عَنْكَ عَمْرًا إِنَّ عَمْرًا مُسَالِمٌ …… وَهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ

وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا الْفِعْلُ وَمَا يُرَادُ بِهِ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْإِعَانَةِ أَوْ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ الْوَسَاطَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سورةِ المُدَّثِّر: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} الآية: 11، وَكقَوْلِهِ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ} الآية: 11.

وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هذا الأمرُ فِي التَّرْكِ الْمَجَازِيِّ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِ مَنْزِلَةَ الْمُتَلَبِّسِ بِالضِّدِّ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ:

دَعُونِي أَنُحْ مِنْ قَبْلِ نَوْحِ الْحَمَائِمِ ………. وَلَا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ

إِذْ مِثْلُ هَذَا يُقَالُ عِنْدَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ عَنْ صَلَاحِ الْمَرْءِ. وَقَدْ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّرْكِ لِأَنَّ الْفِعْلَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُتَعَلِّقٍ، إِذِ الْمَعْنِيُّ بِهِ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِهِمْ وَالْبُعْدُ عَنْهُمْ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ فِعْلُ التَّرْكِ إِلَى ذَوَاتِهِمْ لِيَدُلَّ عَلَى الْيَأْسِ مِنْهُمْ. فإنَّ اسْتِمْرَارَهُمْ عَلَى غُلَوَائِهِمْ وَإِعْرَاضُهم عَمَّا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الْكَمَالِ النَّفْسِيِّ هُوَ أَكْثَرُ حَالِهِمْ، فقد رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ حياةً كَحَيَاةِ الْأَنْعَامِ، بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الإسلام فَاقْتَصَروا عَلَى اللَّذَّاتِ الْجَسَدِيَّةِ، ولذلك أَمَرَ اللهُ تعالى رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنْ يُنبِّهَهُمْ إلى أَنَّ حَيَاتَهُمْ هذه كحَيَاةِ البَهَائمِ التي يُعَيِّرُ بِها بعضُهم بعضًا كمَا قالَ كَمَا الْحُطَيْئَةُ يومًا يَهْجو الصَحابيَّ الجليلَ الزِبْرقانَ بْنَ بدرٍ ـ رَضيَ اللهُ تَعَالى عنهُ، بعدَما أَكرمَه غايةَ الإكرامِ، فهجاهُ بِثَمَنٍ أَخَذَهُ مِنْ أَعداءِ الزبرقانِ لا باسْتِحْقاقِ الزِّبرِقانِ لِمِثْلِ هَذا الهِجاءِ:

دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِهَا …….. وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكاسي

فإنَّ هؤلاءِ المُشْركينَ مُنْغَمِسونَ فِيمَا يَتَعَيَّرُونَ بِهِ فِي أَعْمَالِهِمْ غيرَ مُبالينَ فيما ينتظرُهم وما يَؤولُ إِلَيْهِ أَمرُهم كما قَالَ تَعَالَى في الآيةِ: 12، مِنْ سُورِة مُحمَّدٍ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ}. فالآيةُ نَزَلَتْ إذًا في المُشْرِكينَ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعوا” قَالَ: هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة.

قولُهُ: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} فَإِنَّ اشْتِغالَ هؤلاءِ الكَفَرةِ بِشَهَواتِهم، وانْغِماسَهم في مَلاذِّهم، سَيُؤَدِّي بِهم إِلى هَلاكِهم وذَهابِ رِيحِهم في الدنيا قبلَ الآخرةِ. فقد أَخْرَجَ الإمامُ أَحْمدُ فِي الزُّهْدِ: (ص:10)، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: (7/332، رقم: 7650)، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمانِ: (7/427 رقم: 10844)، والخطيبُ البغداديُّ: (7/186). مِنْ حديثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَهُ، قَالَ: ((صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ، وَيهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأَمَلِ)).

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخِدْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَرَسَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ، وَآخَرَ بَعْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟. قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّ هَذَا الإِنْسانَ، وَهَذَا أَجَلُهُ، وَهَذَا أَمَلُهُ، فَيَتَعَاطَى الأَمَلَ فَيَخْتَلِجُهُ الْأَجَلُ دُونَ ذَلِكَ)). مُسْنَدُ الإمامِ أَحمَد: (3/17، برقم: 11148). وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحاقَ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَطَّ خُطُوطًا، وَخَطَّ خَطًّا مِنْهَا نَاحَيَةً فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذا؟، هَذَا مَثَلُ ابْنِ آدَمَ، وَذَاكَ الْخَطُّ الأَمَلُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُؤَمَّلُ، إِذْ جَاءَهُ الْمَوْتُ)). جِزْءُ حَنبَلِ بْنِ إِسْحاق: (ص: 112). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي الدُّنْيَا فِي (ذَمّ الأَمَلَ) وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مُثِّلَ الإِنسانُ والأَمَلُ وَالْأَجَلُ، فَمُثِّلَ الْأَجَلُ إِلَى جَانِبِهِ، والأَمَلُ أَمَامَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطْلُبُ الأَمَلَ إِذْ أَتَاهُ الْأَجَلُ فاخْتَلَجَهُ)). وأَخرَجهُ الديلميُّ: (4/144، رقم: 6444). وأَخْرَجَهُ أَيْضًا: العَقيليُّ: (2/100).

وفي بَعْضِ الآثارِ عَنْ عَلِيٍّ ـ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: (إِنَّما أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الأَمَلِ، واتِّبَاعَ الهَوَى، فإنَّ طُولَ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ، واتِّبَاعَ الهوَى يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ).

قولُهُ تَعَالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} ذَرْهُمْ: فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ “أَنْتَ” يَعُودُ عَلَى سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والميمُ علامةُ الجَمْعِ المذكَّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ “تَرَكَ” و “وَذَرَ” يَكونانِ بِمَعْنَى صَيَّرَ، وعليْهِ فإنَّهُ يأْخُذُ مفعولينِ فيكونُ المَفْعولُ الثاني مَحْذوفًا، والتقديرُ: ذَرْهُمْ مُهْمِلِينَ، ولا يُسْتَعْمَلُ هذا الفعلُ ماضيًا إِلَّا نادِرًا اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِـ “تَرَكَ” بَلْ يُسْتَعْمَلُ المُضارِعُ مِنْهُ نَحْوَ قولِهِ منْ سورةِ الأِعْرافِ: {وَيَذَرُهُمْ} الآية: 186. وَمِنْ مَجِيءِ المَاضِي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((ذَرُوا الحَبَشَةَ مَا وَذَرَتْكمْ))، فإنَّ الماضي منهُ “وَذّرَ” وَمِثْلُهُ: (دَعْ ويَدَعُ)، وَلا يُقالُ (وَدَعَ) إِلَّا نَادَرًا، وقد قُرِئَ في سورةِ الضُحى: (ما وَدَعَكَ ربُّكَ وما قَلا) مُخَفَّفًا، ومِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ أَبي كاهِلٍ:

سَلْ أَميري ما الذي غَيَّرَهْ ……………… عَنْ وِصالي اليومَ حَتَّى وَدَعَهْ

وهذه الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و “يَأْكُلُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزُومٌ بالطَلَبِ السَّابِقِ، وعَلامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والألِفُ الفارقةُ. والجُمْلَةُ واقعةٌ جَوابًا للطلَبِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “وَيَتَمَتَّعُوا” مثلُ: “يَأْكُلُوا” معطوفةٌ عليها. و “يُلْهِهِمُ” فعلٌ مُضارعٌ مجزومٌ على أنَّهُ جوابُ الطلبِ عطفًا على “يَأْكُلوا” وعلامةُ جَزْمِهِ حذْفُ حرفُ العلَّةِ مِنْ آخِرِهِ، وهو الياءُ، لأَنَّهُ مِنْ أَلْهَى يُلْهِي. والهاءُ: ضَميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحلِّ النَّصْبِ على المَفْعولِيَّةِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، و “الْأَمَلُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ.

قولُهُ: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} الفاءُ: للتعْليلِ، و “سوفَ” حَرْفُ استقبالٍ تَنْفِيسٍ. و “يَعْلَمُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ قولِهِ: “ذَرْهُمْ”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com