فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 60

فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ} تهَديدٌ لهُمْ مِنْ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، بمْنَعُ عَنْهُمْ المِيرَةَ عنْهُمْ فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ إِنْ لَمْ يَأْتُوهُ بِأَخِيهِمْ بِنْيامِينَ مَعَهُمْ، فيكونُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قد جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَمَّا أرادَ مِنْهُمْ إِحْضَارَ أَخِيهِ بِنْيَامينَ. أَمَّا التَّرْغِيبُ: فَهُوَ قَوْلُهُ في الآية التي قبلها: 59: {أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ؟} وَأَمَّا التَّرْهِيبُ: فَهُوَ قَوْلُهُ هنا: “فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ”.
قولُهُ: {فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي} أَيْ: فلا أَبيعُكمْ شَيْئًا فيما بَعْدُ فَضْلًا عَنْ إيفائهِ، قال لهم ذَلِكَ، وَهُوَ يَعْلَمَ أَنَّ المَعَادَ مَعَادُ قَحْطٍ وجَدْبٍ ومَجَاعَةٍ. وهذا نهايةُ التَّخْويفِ لأَنَّهم كانوا مُحْتَاجينَ إِلى تَحْصيلِ الطَّعامِ، ولا يُمْكِنُ ذلك إِلَّا مِنْ عِنْدِهِ، فإذا مَنَعَهمُ المِيرَةَ فقدْ ضَيَّقَ عَلَيْهم وجوَّعهم.
قولُهُ: {ولا تقربون} أَيْ لَا أُنْزِلُكُمْ عِنْدِي مَنْزِلَةَ الْقَرِيبِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يَبْعُدُونَ مِنْهُ وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ولا يقرَبون بلادَهُ البتَّةَ. وذَلِكَ لِأَنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى الْعَوْدِ وَاسْتَبْقَى شَمْعُونَ عِنْدَهُ رَهينهً حَتَّى يَرْجِعُوا، كما نَقَلَ ابْنُ أبي حاتمٍ عَنِ السُّدِّيِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَارْتَهَنَ شَمْعُونَ عِنْدَهُ، وذلكَ لأنَّهُ كان قدْ أعطاهم حِمْلَيْ بَعِيرٍ زِيادَةً عَمَّا كانَ يُعْطي في العادةِ، واحدًا لأَبيهم وواحدًا لأخيهم بِنْيَامِينَ. ولمَّا كان مِنَ المُتَعَذِرِ عليهم إتيانُهم بِأَبيهم لِكِبَرِ سِنِّهِ فقد طلَبَ منهم أنْ يأتوا بأَخِيهم كَدَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهم فيما ادَّعوا. وقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا اخْتَارَ شَمْعُونَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْجُبِّ أَجْمَلَهُمْ قَوْلًا، وَأَحْسَنَهُمْ رَأْيًا. وأخرجَ ابْنُ أبي حاتمٍ عَنِ محمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ـ رضي اللهُ عنه: “فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي” فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا تَقْرَبُوا بَلَدِي، فَإِنَّهُ: “لَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ”.
قولُهُ تَعَالى: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ} الفاءُ: هي الفاءُ الفَصيحَةُ؛ لأَنَّها أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تَقديرُهُ: إذا عَرَفْتُم ما قُلْتُ لَكمْ، وأَرَدْتُمْ بيَانَ شَأْنِكم إذا لم تَأْتوني بِهِ، فأَقولُ لَكمْ “إنْ لَّم تَأْتوني بِهِ فلا كيلَ لكم …”. و “إِنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازِم. و “لَمْ” حَرْفُ نَفْيٍ وقلبٍ وجزْمٍ. و “تَأْتُونِي” فعْلٌ مضارعٌ مجزومٌ به، وعلامةُ جَزْمِهِ حذفُ النونِ من آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بهِ في مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ بِهِ، والنونُ للوِقايةِ. و “بِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الجَزْمِ بـِ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ عَلى كونِها فِعْلَ شَرْطٍ لَها.
قولُهُ: {فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي} الفاءُ: رابِطَةٌ لَجَوابَ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ وُجُوبًا. و “لا” نافية للجنسِ تعملُ عملِ “إنَّ” . و “كَيْلَ” في مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمُهَا. و “لَكُمْ” جارٌّ ومَجرورٌ في محلِّ الرفعِ خبَرُ “لا” النافِيَةِ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ عَلَى أَنَّها جَوابٌ لها. و “عندي” مَنْصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ، وعلامَةُ النَّصْبِ الفَتْحَةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى ما قَبْلَ الياءِ، لانشغال المحلِّ بالحركةِ المناسبةِ لياء المتكلِّمِ وهو مضافٌ، وياءُ المُتَكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {وَلَا تَقْرَبُونِ} والواوُ: عاطفةٌ، و “لا” ناهيةٌ جازمةٌ، و “تقربون” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جزمِهِ حَذْفُ النُّونِ مِنْ آخرِهِ لآنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والنُّونُ هذه للوِقايةِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ المحذوفةِ تَخْفيفًا ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ “لا” نافيَةً وفيهِ وَجْهانِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَكونَ داخِلًا في حَيِّزِ الجَزَاءِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، فيَكونَ أَيْضًا مَجْزُومًا على مَا تقدَّمَ. ويحتملُ أَنَّهُ نَفْيٌّ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى جَزَاءِ الشَّرْطِ، وهوَ خَبَرٌ في مَعْنَى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ في الآيةِ: 197 من سورة البقرة: {فَلاَ رَفَثَ}. وجملةُ: “وَلَا تَقْرَبُونِ” في مَحَلِّ الجَزْمِ عطْفًا عَلى جُمْلَةِ “لا” النافِيَةِ عَلَى كَوْنِها جَوابًا لِـ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ، وجُمْلَةُ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ “إِذا” المُقَدَّرَةِ، وجُمْلَةُ “إذا” المُقَدَّرَةِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا لا محلَّ لها من الإعراب.


فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 59
وَلَمَّا جهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أيْ: وَلَمَّا أَوْقَرَ رَكائبَهم بِما جَاؤوا لأَجْلِهِ مِنَ المِيرَةِ والطَّعامِ وحَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وجَهَّزَهم بِمَا سِوى ذَلِكَ مِنَ الزادِ وبِما يَحْتاجُ إِلَيْهِ المُسافِر في العادَةِ على قَدْرِ طاقَتِهم وبِيئَتِهم. وَأَكْرَمَهُمْ أَيْضًا بِالنُّزُولِ في ضيافتِهِ، بعدَ أنْ أَوْفَى لَهُمْ كَيْلَهُمْ، وَحَمَلَ لَهُمْ أَحْمَالَهُمْ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ـ رضي اللهُ عنه: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ فِيمَنْ جَهَّزَ مِنَ النَّاسِ حَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا بِعِدَّتِهِمْ وزادهم حمل بعيرينِ، واحد لأبيهم والآخر لأخيهم بنيامين الذي بقي عند أبيه، أَمَرَ يُوسُفُ أَنْ تُرَدَّ فِضَّةُ كُلِّ واحِدٍ منهم إِلى عِدْلِهِ.
وجَهَّزَ الرجُلُ الْقَوْمَ تَجْهِيزًا إِذَا تَكَلَّفَ لَهُمْ جَهَازِهِمْ لِلسَّفَرِ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ المُسافِرُ فِي وَجْهِهِ، وَكَذَلِكَ جَهَازُ الْعَرُوسِ وَجَهازُ الْمَيِّتِ. والْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ عَلَى فَتْحِ الْجِيمِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قولُهُ: {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} قَالَ لَهُمْ: ائْتُونِي فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ بِأَخِيكُمْ هَذا الذِي ذَكَرْتُمْ لأَعْلَمَ صِدْقَكُمْ فِيمَا زَعَمْتُمْ. لأنَّه كان سَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ وَمِنْ أَيْنَ جَاؤُوا. فَقَالُوا: إِنَّهُمْ أَتَوْا مِنْ بِلاَدِ كَنْعَانَ، وَأَبُوهُمْ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ. قَالَ: وَهَلْ لَهُ أَوْلاَدٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا نَعْمَ، كُنَّا اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً هَلَكَ وَاحِدٌ مِنَّا فِي البَرِّيَّةِ، وَبَقِيَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ اسْتَبْقَاهُ عِنْدَهُ يَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: فَأَصَابَ الأَرْضَ الْجُوعُ، وأَصَابَ بِلادَ يَعْقُوبَ الَّتِي كَانَ فِيهَا فَبَعَثَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ، وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ، أَخَا يُوسُفَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكَرُونَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَخَذَهُمْ فَأَدْخَلَهُم الدَّارَ، وَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي مَا أَمْرُكُمْ فَإِنِّي أُنْكِرُ شَأْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: نَمْتَارُ طَعَامًا، قَالَ: كَذَبْتُمْ، أَنْتُمْ عُيُونٌ، كَمْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ عَشَرَةٌ. قَالَ: أَنْتُمْ عَشَرَةُ آلافٍ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَمِيرُ أَلْفٍ فَأَخْبِرُونِي خَبَرَكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا إِخْوَةٌ بَنُو رَجُلٍ وَاحِدٍ، صِدِّيقٍ وَإِنَّا كُنَّا اثْنَى عَشَرَ فَكَانَ يُحِبُّ أَخًا لَنَا، وأَنَّهُ يَذْهَبُ مَعَنَا إِلَى الْبَرِيَّةِ فَهَلَكَ مِنَّا فِيهَا وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبَيْنَا، قَالَ: فَإِلَى مَنْ يَسْكُنُ أَبوكُمْ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: إِلَى أَخٍ أَصْغَرَ مِنْهُ. قَالَ: كَيْفَ تُحَدِّثُونِي أَنَّ أَبَاكُمْ صِدِّيقٌ وَهُوَ يُحِبُّ الصَّغِيرَ مِنْكُمْ دُونَ الْكَبِيرِ؟ ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ مُبَالَغَةً منهُ في إِظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهم، ولأَنَّهُ لَمَّا سَأَلوهُ حِمْلًا زائِدًا لِبِنْيامِينَ أَعْطاهم واشْتَرَطَ عليهم أَنْ يَأْتوا بِهِ فَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ فَلا كَيْلَ لَهمْ عِنْدِه ولا يقربونَ. وقيل إِنَّهم لمَّا ذكروا لهم أباءهم قالوا لَهُ: وَقَدْ عَرَّفْنَاكَ أَنْسابَنَا، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَسْكُنُ نَفْسُكُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ لهم يُوسُفُ: “ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ” إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ أَيْضًا في تَفْسيرِهِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ” يَعْنِي: بِنْيَامِينَ، وَهُوَ أَخُو يُوسُفَ الشقيقُ لأَبِيهِ وأُمِّهِ.
قولُهُ: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} قَالَ لَهُمْ: أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أَوفِي الكَيْلَ حَقَّهُ، تَرْغِيبًا لهمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الاسْتِقْبالِ مَع َكَوْنِ هذا الكلامِ بَعْدَ التَجْهيزِ للدَّلالةِ عَلى أَنَّ ذَلِكَ عادَةٌ لَهُ مُسْتَمِرَّةٌ. وأخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ في تفسيرِهِ عَنِ محمّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَجْعَلُ لَكُمْ مَعَهُ بَعِيرًا آخَرَ، أَوْ كَمَا قَالَ. وفي روايةٍ له أيضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أَيْ: لَا أَبْخَسُ النَّاسَ شَيْئًا.
قولُهُ: {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} وَأَنَا أَكْرَمُ مَنْ أَنْزَلَ ضَيْفًا. فَقَدْ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ، وَجَهَّزَهُمْ بِالزَّادِ الكَافِي لَهُمْ مُدَّةَ سَفَرِهِمْ. ولم يقل ذلك ـ عليهِ السلامُ، منًّا عليهم، وإنَّما حثًّا لهم على أنْ يأتوا بِأَخيهم بنيامينَ، وأخرج ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قَوْلُهُ: وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ قَالَ: خَيْرُ مَنْ يُضِيفُ بِمِصْرَ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: “وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ” أَيْ: خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ غَيْرِي، فَإِنَّكُمْ إِنْ أَتَيْتُمْ بِهِ أَكْرَمْتُ مَنْزِلَتَكُمْ، وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ، وَازْدَدْتُمْ بَعِيرًا لأَبيكم وآخَرَ لأَخيكم مَعَ عِدَّتِكُمْ، وقد عَلِمْتُمْ بِأَنِّي لَا أُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ إِلَّا حِمْلَ بَعِيرٍ واحِدٍ مِنَ القمحِ.
فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 58فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 58قولُهُ تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} الواوُ: اسْتِئْنَافِيَّةٌ، ولَمَّا: حرفٌ ظَرْفِيٌّ بِمَعنَى “حِينِ” مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ، مَبْنِيٌّ على السكون في محلِّ النَّصْبِ على الظَّرفيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِ “قالَ” وهو مضافٌ. و “جَهَّزَهُمْ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هوَ” يَعودُ عَلَى “يُوسُفَ” عَلَيْهِ السَّلامُ. وضَميرُ الغائبينَ “هم” مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ، و “بِجَهازِهم” الباءُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “جَهَّزَ” بِتَضْمينِهِ مَعْنَى أَكْرَمَهُمْ، و “جَهازِ” مجرورٌ بِهِ مُضَافٌ وضَميرُ الغائبينَ “هُمْ” مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِليْهِ. وجُمْلَةُ: “جهزهم” في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ. وجُمْلَةُ “لما” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.
قولُهُ: {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} قَالَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُفَ” عَلَيْهِ السَّلامُ، وهذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ جَوابُ “لمَّا”، و “ائْتُونِي” فعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذْفِ النونِ من آخرِهِ لأَنَّ مضارعَهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ مُستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “أنتم” يعودُ على إخوةِ “يوسُف” وياءُ المتكلِّم ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ به، والنونُ للوقايَةِ. و “بِأَخٍ” الباءُ حرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعل “ائتوني” والجُملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ ل “قال”. و “لكُم” اللامُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِصِفَةٍ لِ “أخٍ”، والتقديرُ: ائتوني بأخٍ كائنٍ لكم، ضميرُ المُخاطبين “كم” متَّصل في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنَ الضَّميرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجرورِ قبلَهُ، أَو صفةٌ ثانيةٌ لِ “أخٍ”، و “أَبِيكُمْ” مَجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مضافٌ و ضميرُ المُخاطَبينَ “كم” في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه. وجملةُ “ائتوني” في محلِّ النَّصْبِ ب “قالَ”.
قولُهُ: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} أَلَا: الهمزةُ: للاسْتِفْهامِ التَقريريِّ. و “لا” نافِيَةٌ لا عَمَلَ لها. و “ترونَ” فعْلٌ مضارعُ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعة ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُمْلةُ مستأنَفةٌ في سياقِ القولِ أو اعتراضيَّةٌ وفي الحالينِ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “أَنِّي” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيد، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ اسْمِ “أنَّ”. “أُوفِي” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخرِهِ لثقلِها على الياءِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يعودُ على “يُوسُفَ” عليه السلامُ، و “الْكَيْلَ” مَفْعولُهُ منصوبٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الرَّفعِ خَبَرًا ل “أَنَّ”، وَجُمْلَةُ “أَنَّ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعولَيّ “تَرَونَ” إِنْ كانَتِ الرؤيا هنا عِلْمِيَّةً، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ، إِنْ كانَتْ الرُّؤيا بَصَرِيَّةً، والتقديرُ: أَلَا تَرَوْنَ إِيفائي الكَيْلَ.
قولُهُ: {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} الوَاو: عاطِفَةٌ، و “أَنَا” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “خَيْرُ” خَبَرُ مرفوعٌ وهو مضافٌ، و “الْمُنْزِلِينَ” مُضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالِمُ، وهذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “أنَّ” عَلَى كَوْنِها سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولِ “تَرَوْنَ”.


فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 58

وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)

قولُهُ ـ تَبَارَكَتْ أَسْماؤهُ: {وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ} لَمَّا انْقَضَتْ أَعْوامُ الخِصْبِ، وحَلَّ الْقَحْطُ فعَمَّ الْبِلَادَ حَتَّى وَصَلَ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وبَنُوهُ، وَصَعُبَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمْ، قَالَ لِبَنِيهِ إِنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صَالِحًا يَمِيرُ النَّاسَ، فَاذْهَبُوا إِلَيْهِ بِدَرَاهِمِكُمْ وَخُذُوا الطَّعَامَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَهُمْ عَشَرَةٌ، وَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فكانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي اجْتِمَاعِهم بِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتحَقُّقِ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُوسُفَ عِنْدَمَا أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الآيةَ: 15، السَّابِقَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ.
قولُهُ: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، عَرَفَهُمْ وَمَا عَرَفُوهُ الْبَتَّةَ، وذَلِكَ إِمَّا لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللهُ قَدْ أَخْبَرَهُ بذلكَ بِقَوْلِهِ: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ} فعَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَأْتونَ إِلَيْهِ وَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، كَمَا عَلِمَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الرُّؤْيَا الَّتِي كانَ قد رَآهَا فإنَّ فيها دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ سيَصِلُونَ إِلَيْهِ، ولِهَذَا السَّبَبِ كَانَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ، فكَانَ كُلُّ مَنْ وَصَلَ إِلَى بَابِهِ مِنَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهُمْ وَيَتَعَرَّفُ أَحْوَالَهُمْ، لِيَعْرِفَ إنْ كانوا إِخْوَتَهُ أَمْ لَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِخْوَتُهُ إِلَى بَابِهِ وعَرَفَ أَحْوَالَهُمْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُمْ إِخْوَتُهُ. وَلم يَعْرِفُوهُ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَمَرَ حُجَّابَهُ بِأَنْ يُوقِفُوهُمْ مِنَ الْبُعْدِ وَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ إِلَّا بِالْوِساطَةِ، ولَا جَرَمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ سِيَّمَا أَنَّ مَهَابَةَ الْمَلِكِ وَشِدَّةَ الْحَاجَةِ يُوجِبَانِ كَثْرَةَ الْخَوْفِ، وَذَلِكَ كلُّهُ يَمْنَعُ مِنَ التَّأَمُّلِ التَّامِّ الَّذِي تَحْصُلُ به المعْرِفَةُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ حِينَ أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ كَانَ صَغِيرًا. وما رَأَوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وَتَغَيُّرِ الزِّيِّ وَالْهَيْئَةِ فَإِنَّهُمْ إنْ كانوا رَأَوْهُ فإنّما رأوْهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرِ الملْكِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ، وَفِي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مرصَّعٍ بالجواهرِ، وَقَدْ نَسُوا مَا كانَ منْ أمرهم مع أخيهم يُوسُفَ لِطُولِ الْمُدَّةِ مَضَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا، والأَهَمُّ مِنْ ذلك كلِّهِ أَنَّ حُصُولَ الْعِرْفَانِ وَالتَّذَكُّرِ إنَّما يكونُ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى وتقديرِهِ، فَلَعَلَّهُ تَعَالَى مَا خَلَقَ ذَلِكَ الْعِرْفَانَ وَالتَّذْكِيرَ فِي قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِمَا أَخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
أَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وَهُمْ لَهُ مُنْكِرونَ جَاءَ بِصُواعِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ، ويَنْقُرُهُ ويَطِنُّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْجَامَ لِيُخْبِرُني عَنْكُمُ خَبَرًا. هَلْ كَانَ لكمْ أَخٌ مِنْ أَبيكمْ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ، وَكَانَ أَبوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وَإِنَّكُمْ انْطَلَقْتُمْ، بِهِ فَأَلْقَيْتُموهُ فِي الْجُبِّ وأَخْبَرْتُمْ أَبَاكُمْ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ إِنَّهُ هَذَا الْجَامُ لَيُخْبِرُ خَبَرَهُمْ فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ هَذَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي الْجَلْدِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لإخْوَتِهِ: إِنَّ أَمْرَكُم لَيُريبُني كَأَنَّكم جَواسِيسُ، قَالُوا: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ أَبَانَا شَيْخٌ صِدِّيقٌ، وَإِنَّا قوْمٌ صِدِّيقونَ، وَإِنَّ اللهَ لَيُحْيِي بِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْقُلُوبَ كَمَا يُحْيِي وابِلَ السَّمَاءِ الأَرْضِ، وَيَقُولُ لَهُم ـ وَفِي يَدِهِ الإِناءُ وَهُوَ يَقْرَعُهُ الْقَرْعَةَ، كَأَنَّ هَذَا يُخْبِرُ عَنْكُم بِأَنَّكم جَواسِيسُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، تُرَى يُوسُفُ عَرَفَ إخْوَتَهُ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ مَا عَرَفَهُمْ حَتَّى تَعَرَّفُوا إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فعَرَفَهمْ وهُمْ لَهُ مُنْكِرونَ” قَالَ: لَا يَعْرِفونَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ وَهْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا جَعَلَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْقُرُ الصَّاعَ ويُخْبِرُهم، قَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ إِخْوَتِهُ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ أَنْ لَا تَكْشِفَ لَنَا عَوْرَةً.
قولُهُ تعالى: {وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ} الواو: للاستِئْنافِ، و “جَاءَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ الظاهِرِ على آخِرِهِ، و “إِخْوَةُ” فاعلُهُ مرفوعٌ وهو مُضافٌ، و “يُوسُفَ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الفَتْحَةُ نِيابَةً عَنِ الكَسْرَةِ لأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ جملَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا نَحْوِيًّا فليسَ لها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ.
قوْلُهُ: {فَدَخَلُوا عليْهِ} الفاءُ: حرفُ عَطْفٍ، و “دَخَلُوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، والواوُ الدالَّةُ عَلَى الجَمَاعَةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “جاءَ”. و “عَلَيْهِ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “دَخَلَ” والهاءُ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} الفَاءُ: للعطْفِ والترتيبِ، و “عَرَفَهُمْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يُوسُفَ” ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، و “هم” ضميرُ الغائبينَ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “دخلوا”.
قولُهُ: {وَهُمْ لهُ مُنْكِرونَ} الواو: واوُ الحالِ: و “هم” ضميرُ في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ. و “لَهُ” اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ بَعدَهُ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “مُنْكِرُونَ” خَبَرٌ مَرْفوعٌ وعَلامةُ رفعِهِ الواوُ لأَنَّهُ جَمْعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ منَ التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنْ مَفْعولِ “عَرَفَ” أي فَعَرَفَهم حالَةَ كَوْنِهم مُنْكِرينَ لَهُ.


فيض العليم … سورةُ يوسُفُ، الآية: 57
 
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)
 
قولُهُ ـ جلَّ وعلا: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} يُخْبِرُ ـ سبحانَهُ وتعالى، أَنَّ مَا ادَّخَرَهُ في الآخِرَةِ لِنَبِيِّهِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، هو أَكْثَرُ وأَعْظَمُ وأَجَلُّ، مِمَّا خَوَّلَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فيه، وبَسْطِ سلطانِهِ عليهِ، وما أنعَمَ به عليهِ مِنَ النُّفُوذِ في الدُنْيا. وهو كَمَا قالَ في حَقِّ نبيِّهِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بما تفضَّلَ به عليه: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} سورة (ص)، الآيتان: 93 و 40. وقيل المعنى: أَنَّ أَجْرَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ التَشَاغُلِ في الدُنْيَا الفَانِيَةِ الزَّائلَةِ. وعَلَى هَذا المعنى يُحْمَلُ قولُهُ: “ولَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ” وإنْ لَّمْ يَكُنْ في التَشَاغُلِ بالدُنْيا خَيْرٌ، فالعَرَبُ تقولُ: زَيْدٌ أَعْقَلُ الرَّجُلَيْنِ، وإِنْ لَّمْ يَكُنْ للثاني عَقْلٌ البتَّةَ، ومِنْ ذلكَ قولُهُ تَعَالى في سورةِ الفُرقانِ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} الآية: 24، ولا خَيْرَ في مُسْتَقَرِّ أَصْحابِ النَّارِ البَتَّةَ. لِأَنَّ أَجْرَ الْآخِرَةِ دَائِمٌ ثابتٌ، وَأَجْرُ الدُّنْيَا متحوِّلٌ مُنْقَطِعٌ.
قولُهُ: {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ولَثَوَابُ اللهُ في الآخِرَةِ “للذينَ آمنوا” باللهِ ورَسُولِهِ وصَدَقوا في إيمانِهم، خيرٌ مِمَّا أَعْطَى اللهُ نبيَّهُ يُوسُفَ في الحياةِ الدُنْيا مِنْ تَمْكينٍ في أَرْضِ مِصْر، و “كانوا يَتَّقونَ”، اللهَ، فَيَخافونَ عِقابَهُ على مُخِالَفَةِ أَمْرِهِ واسْتِحْلالِ مَحَارِمِهِ، فَيُطِيعونَهُ في كلِّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ونَهاهمْ عَنْهُ. وَالتَّعْبِيرُ فِي جَانِبِ الْإِيمَانِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَفِي جَانِبِ التَّقْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدُ الْقَلْبِ الْجَازِمُ فَهُوَ حَاصِلٌ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمَّا التَّقْوَى فَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أَسْبَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَاخْتِلَافِ الْأَعْمَالِ والأَزْمَانِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مَالكِ بْنِ دِينَارٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَأَلتُ الْحَسَنَ البَصْرِيَّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقلتُ: يَا أَبَا سَعيدٍ قَوْلُهُ: “ولَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ” مَا هِيَ قَالَ: يَا مَالِكُ اتَّقوا الْمَحَارِمَ، خَمُصَتْ بُطُونُهم، تَرَكُوا الْمَحَارِم وهُمْ يَشْتَهونَها.
قولُهُ تعالى: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} الواوُ: للاسْتِئْنافِ. واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، أوِ ابتِدائيَّةٌ للتوكيدِ. و “أَجْرُ” مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ وهو مضافٌ، و “الآخِرَةِ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ. و “خَيْرٌ” خَبَرُهُ مَرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ واقعةٌ في جوابِ القَسَمِ فلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} لِلَّذِينَ: اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ “خَيْرٌ”. و “اللذينَ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “آمَنُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والألفُ فارقةٌ، والجملةُ الفعليَّةُ هذه صِلَةُ المَوصولِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “وَكَانُوا” الواوُ: للعطفِ، و “كانوا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجَماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ اسْمُها، والألفُ الفارقةُ، و “يتَّقونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعَةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “يَتَّقُونَ” في محلِّ النَّصْبِ خَبَرُ “كان”، وجُمْلَةُ “كان” مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ.


في العليم … سورة يوسف الآية: 56
 
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} أي: وكَمَا جَرَتْ عادتُنا في مُلْكِنا أَنْ نُمَكِّنَ في الأَرْضِ لِمَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبادِنا مكَّنا لعبدِنا يوسُفَ. أو وَمِثْلُ إِنْعَامِنا على يوسُفَ بتَقْرِيبِهِ إِلَى قَلْبِ الْمَلِكِ، وَإِنْجَائِهِ مِنَ السِّجْنِ مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، أَيْ: أَقَدَرْنَاهُ على ما يُريدُ. ومكنَّا ليوسُفَ في الأرضِ، أي: أرضِ مِصْرَ. فقيلَ أَنَّها كانَتْ يومَها أَربعينَ فَرْسَخًا في مثلِها. وفي التعبيرِ عَنِ الجَعْلِ بالتَمْكينِ مُسْنَدًا إِلى ضَميرِهِ تعالى ـ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ تَشْريفِهِ ـ عَليْهِ السَّلامُ، والمُبالَغَةِ في كَمَالِ وِلايَتِهِ ما لا يَخْفَى، والإِشارَةِ إِلى حُصُولِ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ لا أَنَّهُ حَصَلَ بَعْدِ سُؤالِهِ المَلِكَ ذَلِكَ. والتَّمْكينُ: الإقْدارُ وإِعْطاءُ المُكْنَةِ. قال المُفَسِّرونَ: في الكلامِ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: قالَ المَلِكُ: قَدْ فَعَلْتُ؛ وذَلِكَ اسْتِجابَةً مِنْه لِطَلَبِ يُوسُفَ حِينَ قالَ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} الآية: 55، السابقة، لأَنَّ تَمْكينَ اللهِ لَهُ في الأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَلِكَ قدْ أَجابَهُ إلى مَا سَأَلَ، ولا يخفى أَنَّ اللهَ تَعَالى هُوَ الذي مَكَّنَهُ حَقيقةً، وذَلِكَ لأَنَّ المَلِكَ كانَ قادرًا على قَبُولِ الطلبِ ورَدِّه، ونِسْبَةُ قُدْرَتِهِ على القَبُولِ والرَدِّ متَساوِيَةٌ، فلا بُدَّ وأَنْ يَرْجَحَ القَبُولُ في خاطِرِ المَلِكِ؛ ولا أَحَدٌ غيرُهُ تعالى قادرٌ على خَلْقِ ذلِكَ المُرَجِّحِ في نفسِ المَلِكِ، فالتَمْكينُ لِيُوسُفَ إِذًا هو مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالى لَيْسَ إِلَّا. ويجبُ أَنْ يَظهَرَ هذا السَّبَبُ وأَلَّا يُؤخَّرَ، لِذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ اللهُ إِجابَةَ المَلِكِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ التَّمْكينِ الإلهِيِّ الكريمِ ليوسُفَ ـ عليهِ السلامُ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِكْمَةِ: لِلْجُوعِ وَالْقَحْطِ عَلَامَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ الطَّعَامَ أَكْثَرُ مِنَ الْعَادَةِ، وَيُسْرِعُ إِلَيْهَا الْجُوعُ خِلَافَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَتَأْخُذُ مِنَ الطَّعَامِ فَوْقَ الْكِفَايَةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُفْقَدَ الطَّعَامُ فَلَا يُوجَدُ رَأْسًا وَيَعِزُّ إِلَى الْغَايَةِ، فَاجْتَمَعَتْ هَاتَانِ الْعَلَامَتَانِ فِي عَهْدِ يُوسُفَ، فَانْتَبَهَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يُنَادُونَ الْجُوعَ الْجُوعَ!! وَيَأْكُلُونَ وَلَا يَشْبَعُونَ، وَانْتَبَهَ الْمَلِكُ، يُنَادِي الْجُوعَ الْجُوعَ!! قَالَ: فَدَعَا لَهُ يُوسُفُ فَأَبْرَأَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَنَادَى يُوسُفُ فِي أَرْضِ مِصْرَ كُلِّهَا، مَعَاشِرَ النَّاسِ! لَا يَزْرَعُ أَحَدٌ زرعًا فيضيعُ الذرعُ ولا يطلع شيءٌ. وَجَاءَتْ تِلْكَ السُّنُونَ بِهَوْلٍ عَظِيمٍ لَا يُوصَفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا كَانَ ابْتِدَاءُ الْقَحْطِ بَيْنَا الْمَلِكُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَصَابَهُ الْجُوعُ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ، فَهَتَفَ الْمَلِكُ يَا يُوسُفُ! الْجُوعَ الْجُوعَ!! فَقَالَ يُوسُفُ: هَذَا أَوَانُ الْقَحْطِ.
قولُهُ: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} لاسْتِيلائِهِ على جَميعِ أَرْضِ مِصْرَ ودُخُولِها تَحْتَ سُلْطانِهِ. والتَبَوُّؤ: اتِّخَاذُ مَكَانٍ لِلْبَوْءِ، أَيِ الرُّجُوع، فَمَعْنَى التَبَوُّؤِ إذًا النُّزُولُ وَالْإِقَامَةُ، ويَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ كِنَايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهُوَ عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكَانٍ مِنَ الْمَمْلَكَةِ لَوْ شَاءَ أَنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ. رُوِيَ أَنَّ المَلِكَ تَوَّجَهُ، وخَتَّمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَدَّاهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَريرًا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بالدُّرِّ والياقوتِ، فقالَ له عَلَيْهِ السَّلامُ: أَمَّا السَّريرُ فأَشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ، وأَمَّا الخاتَمُ فأُدَبِّرُ بِهِ أَمْرَكَ، وأَمَّا التّاجُ فَلَيْسَ مِنْ لِبَاسِي ولا لِباسِ آبائي، فقالَ المَلِكُ: قدْ وَضَعْتُهُ إِجْلالًا لَكَ وإِقْرارًا بِفَضْلِكَ. فجَلَسَ عَلى السَّريرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ إِلَيْهِ المَلِكُ أَمْرَهُ وأَقَامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأَحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وباعَ مِنْ أَهْلِ مَصْرَ في سِنِيِّ القَحْطِ الطَّعَامَ، فكانَ لا يَبيعُ أَحَدًا أَكْثَرَ مِنْ حِمْلِ بعيرٍ تَقْسيطًا بينَ النَّاسِ وعدْلًا بينهم. وقد باعَ في السَّنَةِ الأُولى بالدَنانيرِ والدَّراهِمِ، وفي الثانيةِ بالحِلِيِّ والجَواهِرِ، وفي الثالثةِ بالدَّوابِّ، ثمَّ بالضِّياعِ والعَقارِ، ثمَّ بِرِقابِهم، حتَّى اسْتَرَقَّهم جَميعًا، فقالوا: مَا رَأَيْنَا كالْيَوْمِ مَلِكًا أَجَلَّ وأَعْظَمَ مِنْهُ، فَقَالَ يُوسُفُ لِمَلِكِ مِصْرَ: كَيْفَ رَأَيْتَ صُنْعَ رَبِّي فِيمَا خَوَّلَنِي! وَالْآنَ كُلُّ هَذَا لَكَ، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ الْأَمْرَ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ، وَإِنَّمَا نَحْنُ لَكَ تَبَعٌ، وَمَا أَنَا بِالَّذِي يَسْتَنْكِفُ عَنْ عِبَادَتِكَ وَطَاعَتِكَ، وَلَا أَنَا إِلَّا مِنْ بَعْضِ مَمَالِيكِكَ، وَخَوَلٌ مِنْ خَوَلِكَ، فَقَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي لَمْ أُعْتِقْهُمْ مِنَ الْجُوعِ لِأَسْتَعْبِدَهُمْ، وَلَمْ أُجِرْهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ لِأَكُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاءً، وَإِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَأُشْهِدُكَ أَنِّي أَعْتَقْتُ أَهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ، وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مُلْكَكَ بِشَرْطِ أَنْ تَسْتَنَّ بِسُنَّتِي. وَيُرْوَى أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ إِنْ شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى الْجَائِعَ، وَأَمَرَ يُوسُفُ طَبَّاخَ الْمَلِكِ أَنْ يَجْعَلَ غِذَاءَهُ نِصْفَ النَّهَارِ، حَتَّى يَذُوقَ الْمَلِكُ طَعْمَ الْجُوعِ. فَلَا يَنْسَى الْجَائِعِينَ، فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْمُلُوكُ غِذَاءَهُمْ نِصْفَ النَّهَارِ. وتَلَطَّفَ يوسفُ بِالنَّاسِ، وَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى آمَنُوا بِهِ، وَأَقَامَ فِيهِمُ الْعَدْلَ، فَأَحَبَّهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. قالَ السُّدِّيُّ، وعبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: المعنَى أنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ. وقالَ ابْنُ جَريرٍ: يَتَّخِذُ مِنْها مَنْزِلًا حَيْثُ يَشاءُ، وذلك بعدَ الضِّيقِ والحَبْسِ والإسارِ.
قولُهُ: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} برحمتنا: أيْ بعطائنا وبِإِحْسَانِنَا، مَنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أَنْ نَشاءَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكٍ وغِنًى وغيرِهما مِنَ النِّعَمِ في الدنيا، وَالرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ. وقد أصابتْ رحمةُ اللهِ تعالى الملك وأهلَ مصرَ كلَّهم، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: فَلَمْ يَزَلْ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَدْعُو المَلِكَ إِلَى الإسْلامِ ويَتَلَطَّفُ لَهُ حَتَّى أَسْلَمَ الملكُ وكَثيرٌ مِنَ النَّاسِ. وهذا من رحمتِهِ تعالى في الدنيا.
قولُهُ: {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أَيْ ثَوَابَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: يَعْنِي الصَّابِرِينَ، لِصَبْرِهِ فِي الْجُبِّ، وَفِي الرِّقِّ، وَفِي السِّجْنِ، وَصَبْرِهِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ عَمَّا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ. وهذا تَذْيِيلٌ لِمُنَاسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ مَا أَصَابَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الرَّحْمَةِ فِي أَحْوَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ مَوَاقِفِ الْإِحْسَانِ الَّتِي كَانَ مَا أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وَشَرَفِ الْمُنْزِلَةِ جَزَاءً لَهَا فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلَأَجْرُهِ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ لَهُ وَلِكُلِّ مَنْ آمَنَ وَاتَّقَى. وَالتَّعْبِيرُ فِي جَانِبِ الْإِيمَانِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَفِي جَانِبِ التَّقْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدُ الْقَلْبِ الْجَازِمُ فَهُوَ حَاصِلٌ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمَّا التَّقْوَى فَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أَسْبَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَاخْتِلَافِ الْأَعْمَال والأزمان.
قولُهُ تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} الواوُ: للاستئنافِ. و “كذلك” الكافُ” حَرْفُ جَرٍّ وتَشْبيهٍ متعلّق بمحذوف مفعول مطلق عامله “مَكَّنَّا”، ويجوزُ أَنْ يَكونَ اسْمًا بِمَعْنَى “مثل” فهو في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ مُطْلَقٍ نائبٍ عَنِ المَصْدَرِ فهو صِفَتُهُ، والعامِلُ فيه فِعْلُ “مَكَّنَّا”. و “ذَلِكَ” ذا: اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالكافِ، واللام: للبُعْدِ، والكافُ: للخِطابِ. و “مَكَّنَّا” فعلُ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” جَمَاعةِ المتكلِّمين، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفْعِ فاعِلِهِ. و “لِيُوسُفَ” اللامُ حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بـ “مَكَّنَّا” عَلَى أَنْ يَكونَ مَفْعولُ “مَكَّنَّا” مَحْذوفًا تَقْديرُهُ: مَكَّنّا الأمورَ لِيُوسُفَ، أَوْ عَلى أَنْ يَكونَ المَفْعولُ بِهِ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ زائدةً عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ. و “يوسُفَ” اسْمٌ مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. وقد نابَتِ الفَتْحَةُ عَنِ الكَسْرَةِ عَلامَةً لِجَرِّهِ كونَهُ ممنوعًا مِنَ الصرْفِ بالعلميَّةِ والعُجمةِ، و “فِي الْأَرْضِ” في: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ أيضًا بالفعلِ “مَكَّنَّا” و “الأرضِ” اسْمٌ مجرورٌ بِحرفِ الجرِّ “في” وعلامةُ جرِّه الكسْرةُ الظاهرةُ في آخِرِهِ.
قولُهُ: {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} يَتَبَوَّأُ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ بهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجُمْلَةُ في محلِّ النَّصْبِ على الحال مِنْ “يوسف”. و “منها” مِنْ: حرفُ جَرٍّ يَجوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِ “يَتَبوَّأ” ويجوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهَا حالٌ مِنْ “حيث” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرْفِ الجَرِّ. و “حيثُ” مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ المَكَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “يَتَبَوَّأُ” ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَفْعولًا بِهِ ل “يَتَبَوَّأ”. و “يَشَاءُ” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا يَعودُ عَلَى “يوسف” عليه السلامُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافةِ “حَيْثُ” إليها. ويجوزُ أَنْ تكونَ هذِهِ الجملةُ في محلِّ النَّصبِ على الحالِ مِنْ “يوسف”، وعليهِ يَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ “من” ب “يَتَبَوَّأُ”، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ “حَيْثُ”، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “حَيْثُ” ظَرْفًا بِ “يَتَبَوَّأُ”، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَفْعولًا بِهِ.
قولُهُ: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} نُصِيبُ: فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحن” يَعودُ عَلى اللهِ تعالى. و “بِرَحْمَتِنَا” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “نُصيبُ”، ومجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها من الإعراب. و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ بمعنى “الذي” مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بِهِ ل “نُصيبُ”. و “نَشَاءُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ “نحن” يَعودُ عَلى اللهِ تعالى، والجُمْلَةُ هذه صِلَةُ الاسْمِ الموصولِ “مَنْ”، والعائدُ مَحْذوفٌ تَقديرُهُ: مَنْ نَشاؤُهُ.
قولُهُ: {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} للعطفِ. و “لا” نافيَةٌ لا عَمَلَ لها. و “نُضِيعُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُمْلَةُ معطوفة على جُمْلَةِ “نُصِيبُ”. و “أَجْرَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مُضافٌ، و “الْمُحْسِنِينَ” مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرورٌ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ.
قرَأَ العامَّةُ: {حيثُ يشاءُ} على أنه ضمير يوسف، وقرَأَ ابْنُ كَثيرٍ “نَشَاءُ” بالنُّونِ عَلَى أَنَّها نُونُ العَظَمَةِ لِلَّهِ تَعَالى. وجَوَّزَ أَبو البَقاءِ أَنْ يَكونَ الفاعلُ ضَميرَ يُوسُفَ قال: “لأنَّ مشيئته مِنْ مشيئة الله” وفيهِ نَظَرٌ لأَنَّ نَظْمَ الكَلامِ يَأْباهُ. ولا خلاف في قولهِ: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَاءُ} أَنَّها بالنون. وجَوَّز الشيخُ أبو حيّانَ أَنْ يكونَ الفاعلُ في قراءةِ الياءِ ضميرَ اللهِ تعالى، ويكونُ الْتِفَاتًا.


الروسُ يفاوضون التُرك علينا، والفرسُ يفاوضونَ الأمركان، والأغرابُ من كل جنس ولون يقتللون على أرضنا، وجميعُ الخيوط في كفِّ إسرائيل ونحن فررنا إلى الخارج متطفلين على كلّ الموائد، كريمها ولئيمها، ومن ادَّعى تمثيلنا وسياسة أمورنا ينهق أو يعوي من البعيد خلف الحدود، فأيُّ صنف من البشرِ نَحن؟!
أعترفُ أنه لم يخطر ببالي شيء من ذلك منذ ثلاثين سنة أو يزيد يوم قلت:
 
كذاك الأرضُ إنْ نذلٌ تولَّى …. سياسَتَها تَكالَبَتِ الذئاب


فيضُ العليم …. سورة البقرة الآية: 284
 
للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
 
قولُه ـ تعالى شأْنُهُ: {للهِ مَا فِي السماواتِ وَمَا فِي الأرضِ} يُخْبِرُ ربُّنا ـ سبحانَهُ وتعالى، أَنَّ لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ والأَرْضِ وما فِيهِنَّ وما بَيْنَهُنَّ، مِنَ الأُمورِ الداخلةِ في حقيقتِهِما والخارِجَةِ عَنْهما كيفَ كانتْ أَي: كلُّها مُلكٌ لَهُ ـ سبحانَهُ وتعالى، ومُختصَّةٌ بِه، وَأَنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى ما فِيهِنَّ، لا تَخْفى عَليهِ الظَواهِرُ ولا السَّرائرُ والضَمائرُ، وإنْ دَقَّتْ وخَفِيَتْ، فَلَهُ أَنْ يُلْزِمَ مَنْ شاءَ مِنْ مَملوكاتِهِ بما شاءَ مِن تَكليفاتِهِ، وليس لأَحَدٍ أَنْ يَقولَ المالُ مالي أَتَصرَّفُ بِه كيفَ شئْتُ. وهذه الآيةُ تَعْلِيلٌ وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى مَضْمُونِ جُمْلَةِ قولِهِ: {وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} مِنَ الآيَةِ التي قبلَها، فإنَّ منْ خلَق شيئًا وأوجدَهُ مِنْ العَدَمِ وملكَهُ وهَيْمَنَ عليه لا بدَّ أنَّهُ عليمٌ بحركاتِهِ وسكَناتِهِ ودقائقِ أَمرِهِ. وَمَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ هُنَا: أَنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللهَ رَبُّ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ، وَخَالِقُ الْخَلْقِ، فَإِذَا كَانَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ للهِ، مَخْلُوقتانِ لَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ لِأَنَّهُ مُكَوِّنُ ضَمَائِرِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ، وَعُمُومُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِ مَخْلُوقَاتِهِ مِنْ تَمَامِ مَعْنَى الْخَالِقِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكَانَ الْعَبْدُ فِي حَالَةِ اخْتِفَاءِ حَالِهِ عَنْ عِلْمِ اللهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ خَالِقِهِ. وَمَالِكِيَّةُ اللهِ تَعَالَى أَتَمُّ أَنْوَاعِ الْمِلْكِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ للهِ تَعَالَى، فَهِيَ الصِّفَاتُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ إِلَى مَا اقْتَضَاهُ وُجوبُ الْوُجُودِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. فَقَوْلُهُ: للهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ”. وتَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ “للهِ” هُنَا عَلى الفاعِلِ للاعتِناءِ بِهِ.
قولُهُ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهْ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} إِبْدَاءُ مَا فِي النَّفْسِ: إِظْهَارُهُ، وَهُوَ إِعْلَانُهُ بِالْقَوْلِ، فِيمَا سَبِيلُهُ الْقَوْلُ، وَبِالْعَمَلِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَإِخْفَاؤُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَعَطْفُ “أَوْ تُخْفُوهُ” لِلتَّرَقِّي فِي الْحِسَابِ عَلَيْهِ، فَقَدْ جَاءَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي عَطْفِ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ، وَفِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ. وَمَا فِي النَّفْيِ يَعُمُّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
وقد اخْتَلَفَ العلماءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ” عَلَى أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ: أَوَّلُها: ما قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالسيِّدةُ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمنين ـ رضي اللهُ عنها وعَنْهم أَجمعينِ، مِنْ أنَّ الآيَةَ مَنْسوخَةٌ وَأَنَّهُ بَقِيَ هَذَا التَّكْلِيفُ حَوْلًا حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ الْفَرَجَ بِقَوْلِهِ: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَمُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ـ رضي اللهُ عنهم، وَغَيْرِهِمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ” قال: دَخَلَ قلوبَهم مِنْها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قلوبَهم مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)). قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ {رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)). صَحيحُ مُسْلِمٍ بِرَقَم: (125). والتِّرْمِذِيُّ: (2992)، وغيرُهما. وأَخْرَجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في مُسْنَدِه: (2/412). مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، ونَصُّهُ: قال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} اشْتَدَّ ذَلكَ عَلى أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأَتَوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيِهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ جَثَوا عَلى الرُّكَبِ، وقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والجِهادُ والصَدَقَةُ، وقد أَنْزَلَ عَليْكَ هذِهِ الآيَةَ ولا نُطيقُها. فقالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُريدونَ أَنْ تَقولوا كَمَا قالَ أَهْلُ الكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِكم: {سَمِعْنَا وعَصَيْنَا؟} بَلْ قُولوا: سِمِعْنَا وأَطَعْنَا، غُفْرانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ المَصيرُ)). فلَمَّا أَقَرَّ بِها القومُ وذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهم، أَنْزَلَ اللهُ في أَثَرِها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ فَأَنْزَلَ: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى آخره.
ثانيها: نُسِبَ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ ـ رضي اللهُ عنهم: قالوا إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ الَّتِي نَهَى عَنْ كَتْمِهَا، ثُمَّ أَعْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْكَاتِمَ لَهَا الْمُخْفِي مَا فِي نَفْسِهِ مُحَاسَبٌ.
ثالِثُها: أَنَّ الْآيَةَ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ واليَقينِ، ونُسِبَ إلى مُجَاهِد أَيْضًا.
رابِعُها: رواه الطَبَرِيُّ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَاللهُ مُحَاسِبٌ خَلْقَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا ثَبَتَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَضْمَرُوهُ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَأْخُذُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فإِذَا جَمَعَ اللهُ الْخَلَائِقَ يَقُولُ: (إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفَوْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: “يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ” وَهُوَ قَوْلُهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، في الآية: 225، مِنْ هذه السورةِ: {وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، أَي مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُعْلِمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانَ يُسِرُّهُ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ. وَفِي الْخَبَرِ: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا يَوْمٌ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَتُخْرَجُ الضَّمَائِرُ وَأَنَّ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَأَنَا الْمُطَّلِعُ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْبَرُوهُ وَلَا كَتَبُوهُ فَأَنَا أُخْبِرُكُمْ بِذَلِكَ وَأُحَاسِبُكُمْ عَلَيْهِ فَأَغْفِرُ لِمَنْ أَشَاءُ وَأُعَذِّبُ مَنْ أَشَاءُ). فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)). أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ أَحْمَدُ: (2/393، رقم: 9097)، والبُخارِيُّ: (5/2020، رقم 4968)، ومُسْلِمٌ: (1/116، رقم: 127)، وأبَو داوودَ: (2/264، رقم: 2209)، والتِرْمِذِيُّ: (3/489، رقم: 1183)، وغيرُهم كثيرٌ. وذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعتاقِ وَالْبَيْعِ الَّتِي لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وَالَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ فِيمَا يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْعَذَابَ الَّذِي يَكُونُ جَزَاءً لِمَا خَطَرَ فِي النُّفُوسِ وَصَحِبَهُ الْفِكْرُ إِنَّمَا هُوَ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَآلَامِهَا وَسَائِرِ مَكَارِهِهَا. ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ سيدتِنَا عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها نَحْوُ هَذَا الْمَعْنَى، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وهُوَ الصَّوَابُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ” مَعْنَاهُ مِمَّا هُوَ فِي وُسْعِكُمْ وَتَحْتَ كَسْبِكُمْ، وَذَلِكَ اسْتِصْحَابُ الْمُعْتَقَدِ وَالْفِكْرِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ الْخَوَاطِرُ أَشْفَقَ الصَّحَابَةُ وَالنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ مَا أَرَادَ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى، وَخَصَّصَهَا وَنَصَّ عَلَى حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَالْخَوَاطِرُ لَيْسَتْ هِيَ وَلَا دَفْعُهَا فِي الْوُسْعِ، بَلْ هِيَ أَمْرٌ غَالِبٌ وَلَيْسَتْ مِمَّا يُكْتَسَبُ، فَكَانَ فِي هَذَا الْبَيَانِ فَرَجُهُمْ وَكَشْفُ كُرَبِهِمْ، وَبَاقِي الْآيَةِ مُحْكَمَةٌ لَا نَسْخَ فِيهَا: وَمِمَّا يَدْفَعُ أَمْرَ النَّسْخِ أَنَّ الْآيَةَ خَبَرٌ وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ لَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَحِقَ الصَّحَابَةَ حِينَ فَزِعُوا مِنَ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ـ ـصَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَهم: ((قولوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا)) يَجئُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِأَنْ يَثْبُتُوا عَلَى هَذَا وَيَلْتَزِمُوهُ، وَيَنْتَظِرُوا لُطْفَ اللهِ فِي الْغُفْرَانِ. فَإِذَا قُرِّرَ هَذَا الْحُكْمُ فَصَحِيحٌ وُقُوعُ النَّسْخِ فِيهِ، وَتُشْبِهُ الْآيَةُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعَالَى في سورةِ الأَنفال: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الآية: 65، فَهَذَا لَفْظُهُ الْخَبَرُ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ الْتَزِمُوا هَذَا وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ وَاصْبِرُوا بِحَسْبِهِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْجِهَادِ مَنْسُوخَةٌ بِصَبْرِ الْمِئَةِ لِلْمِئَتَيْنِ. وهذِهِ الآيَةُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهَا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ وَتَقْيِيدٌ، تَقْدِيرُهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ، وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخَ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَأَشْبَهُ بِالظَّاهِرِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا عَامَّةٌ، ثُمَّ أُدْخِلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ رَبِّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقْرِرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)). متَّفقٌ عليْهِ أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في: المَظالِمِ والغَصْبِ، باب قولُ الله تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، برقم: (1201). ومُسْلِمٌ في: التوبة، برقم: (52)
وَالْمُحَاسَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحُسْبَانِ وَهُوَ الْعَدُّ، فَمَعْنَى يُحَاسِبْكُمْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: يَعُدُّهُ عَلَيْكُمْ، إِلَّا أَنَّهُ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى لَازِمِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ وَالْمُجَازَاةُ كَمَا حَكَى الله تَعَالَى في الآية: 113، مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِقَوْلِهِ: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُون}. وَشَاعَ هَذَا فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، وَيُوَضِّحُهُ هُنَا قَوْلُهُ تعالى: “فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ”. وَقَدْ أَجْمَلَ اللهُ تَعَالَى هُنَا الْأَحْوَالَ الْمَغْفُورَةَ وَغَيْرَ الْمَغْفُورَةِ: لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَلَا يُقَصِّرُوا فِي اتّباع الْخيرَات النفيسة وَالْعَمَلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ أَثْبَتَ غُفْرَانًا وَتَعْذِيبًا بِوَجْهِ الْإِجْمَالِ عَلَى كُلٍّ مِمَّا نُبْدِيهِ وَمَا نُخْفِيهِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رَبَّكم رَحيمٌ، مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ أَوْ مَحاها اللهُ، ولا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هالِكٌ)). أَخْرَجَهُ الأئمَّةُ أَحمدُ: (1/279، رقم: 2519)، والطَبَراني: (12/161، رقم: 12760)، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ: (1/300، رقم: 334). وغيرُهم عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، وَقَوْلِهِ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْهَا بِهِ أَنْفُسُهَا)). وقد تقدَّم تخريجُهُ. وتقديمُ الإبْداءِ على الإخْفاءِ عَلى عَكْسِ ما في قولِهِ تَعالى في سورة آل عمران: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله} الآية: 29. فلمّا قِيلَ: إنَّ المُعَلَّقَ بما في أنفسِهم هنا المُحاسَبةُ والأصل فيها الأعمال الباديَةُ، وأمّا العِلمُ فتعلُّقُه بها كتعلُّقِه بالأعمال الخافيَة ولا يَختَلِفُ الحالُ عَلَيْهِ تَعَالى بَيْنَ الأَشْيَاءِ البَارِزَةِ والكامِنَةِ.
قولُهُ: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ} فإنَّ اللهَ تعالى حضرةُ الإطلاقِ يُوجِبُ ما شاءَ على منْ شاء، ولا يوجِبُ أحَدٌ عليه شيءٌ، إلَّا ما أوْجَبَهُ هوَ على ذاتِهِ المُقدَّسَةِ.
قولُهُ: {واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ} تَذْييلٌ مقرِّرٌ لمَضمون ما قبلَه فإنَّ كمالَ قدرتِه تعالى على جميعِ الأشياءِ مُوجِبٌ لقُدرتِه على ما ذُكِرَ مِن المُحاسَبَةِ وما فَرَّعَ عليه من المَغفِرةِ والتَّعذيب، وفي الآيةِ دليلٌ لأهلِ السُنَّةِ في نَفْيِ وُجوبِ التَّعذيبِ حيثُ عُلِّقَ بالمَشيئةِ واحتمالُ أنَّ تلك المَشيئةَ واجبةٌ كَمَنْ يَشاءُ صلاةَ الفرضِ فإنَّه لا يَقتضي عدمَ الوُجوبِ خلافَ الظاهر.
قوله تعالى: {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} للهِ: اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، ولفظُ الجلالةِ اسمٌ مَجرورٌ بِهِ. و “مَا” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ مبتدأٍ مؤخَّرٍ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِلَةٍ لِـ “مَا” أَوْ صِفَةٍ لَها، و ” السَّمَاوَاتِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “وَمَا في الأرضِ” معطوفٌ على “ما في السمواتِ” وله مثلُ إعرابِهِ.
قولُهُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ. و “إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازَمٍ. و “تُبْدُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بـِ “إنْ” عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ شَرْطٍ لَهَا، وعلامةُ جزْمِهِ حذفُ النونِ من آخِرِهِ لأنَّه مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ الفارقةُ، و “مَا” اسمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ، أَوْ نَكِرةٌ مَوصوفةٌ، و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِلَةٍ لِـ “مَا” أَوْ صِفَةٍ لَهَا، و “أَنْفُسِكُمْ” مَجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، وكاف الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. و “أَوْ” حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْصيلٍ، و “تُخْفُوهُ” فِعْلٌ مضارعٌ مَجْزومٌ بِـ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ؛ عطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخرهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ. وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصْبِ مفعولٍ بِهِ. و “يُحَاسِبْكُمْ” فعلٌ مضارعٌ مَجْزومٌ بِـ “إِنْ” الشرطيَّةِ كَونَهُ جوابَ شَرْطٍ لها، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، و “بِهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقد قُدِّمَ على الفاعلِ للاهتمامِ به. ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلٌ مرفوعٌ، وجُمْلَةُ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ مِنْ فِعْلِ شَرْطِها وجَوابِها مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} الفاءُ: بِمَعْنَى الواوِ الاسْتِئنافِيَّةِ، و “يَغْفِرُ” فعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُملَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: فهُوَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، والجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ هذهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. هَذَا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، وأَمَّا عَلَى قِراءَةِ الجَزْمِ فَمَعْطوفٌ عَلَى “يُحاسِبْكم”. و “لِمَنْ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِ “يَغْفِرُ” و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ باللامِ، و “يَشَاءُ” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى اللهِ تعالى، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصُولِ “مَنْ”، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: لِمَنْ يَشاءُ مَغْفِرَتَهُ. و “وَيُعَذِّبُ” حرفُ عَطْفٍ ومعطوفٌ عَلى “يَغْفِرُ” بالأَوْجِهِ الثلاثةِ السابِقَةِ، و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السُكونِ في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ به، و “يَشَاءُ” تَقَدَّمَ إعرابُهُ، والجملةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصولِ، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: يَشاءُ تَعْذيبَهُ.
قولُهُ: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الواو استئنافيَّةٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” مرْفوعٌ بالابْتِداءِ، و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ “قَدِيرٌ”، و “كُلِّ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، و “قديرٌ” خبرُ المبتدأِ مرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الإسميَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قرأ الجُمهورُ: {فيَغفرْ لمنْ يشاءُ ويُعذِّبْ} بالجَزْمِ فيهما، وقرأَ ابْنُ عامرٍ وعاصمٌ “فيغفِرُ” و “يعَذِبُ” بالرَّفعِ. وقرأَ ابنُ عبَّاسُ والأعرجُ وأَبو حَيَوَةَ “فيغفِرَ” بالنَّصْبِ.
فأَمَّا أمَّا الجَزْمُ فلِلعَطْفِ على الجَزاءِ المَجزومِ، وأَمّا الرَّفعُ فيَجوزُ أَنْ يَكونَ رَفعُه على الاستئنافِ، وفيهِ احْتِمالانِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَكونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: فهوَ يَغْفِرُ. والثاني: أَنَّ هذِهِ جُمْلةٌ فِعليَّةٌ مِنْ فِعْلٍ وفاعِلٍ عُطِفَتْ على ما قبلَها. وأَمَّا النَّصْبُ فبِإضْمارِ “أَنْ” وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المَصدَرِ المُتوهَّمِ مِنَ الفِعلِ قبلَ ذلك تقديرُه: تكنْ محاسَبَةٌ فغُفرانٌ أَوْ عذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوْجُهِ الثلاثة وهو قولُهُ:
فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ……………. ربيعُ النّاسِ والبَلَدُ الحَرامُ
ونَأْخُذْ بَعدَهُ بذِنابِ عيشٍ ………………. أَجَبَّ الظَّهْرِ ليْسَ لَه سَنامُ
بِجَزْمِ “نأْخُذ” عَطْفًا على “يَهْلِك ربيع” ورَفعِهِ ونصبِهِ، على ما ذُكِرَ في “فَيَغفِرْ” وهذِهِ قاعدةٌ مُطَّرِدَةٌ: وهي أَنَّه إذا وَقَعَ بعدَ جَزاءِ الشرطِ فِعْلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإِنْ تَوَسَّطَ بَيْنً الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني. وقرأَ الجَعَفِيُّ وطَلحةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وخَلَّادٌ: “يَغْفِرْ” بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مُصحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ، وهي بَدَلٌ مِنَ الجَوَابِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سورةِ الفُرقانِ: {وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العذابُ} الآيَتانِ: 68 و 69، وهُوَ عَلى البَدَلِ مِنْ “يُحاسِبْكم” تَفْسيرًا للمُحاسَبَةِ. ومَعْنَى هذا البَدَلِ التَفْصِيلُ لِجُمْلَةِ الحِسابِ لأَنَّ التَّفْصيلَ أَوْضَحُ مِنَ المُفَصَّلِ، فهوَ جارٍ مُجْرَى بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أَوْ بَدَلِ الاشْتِمالِ، كقولِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ، وأَحْبَبْتُ زَيْدًا عَقْلَهُ، وهذا البَدَلُ واقِعٌ في الأَفْعالِ وُقوعَهُ في الأَسْماءِ لِحَاجَةِ القَبِيلَيْنِ إِلى البَيانِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 55
 
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} تقدَّمَ أَنَّ يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السلامُ، عَبَّرَ رُؤْيا المَلِكِ بَينَ يَدَيْهِ حِينَ أَجْلَسَهُ المَلِكُ على سَريرِهِ وطلبَ منْهُ ذَلِكَ، حِينَها قالَ لَهُ المَلِكُ: فما تَرَى أَيُّها الصِّدِّيقُ؟ فأَجابَهُ ـ يوسُفُ: أَرَى أَنْ تَزْرَعَ في هذِهِ السِّنينِ السَّبْعِ المخْصِبَاتِ زَرْعًا كَثيرًا وتحتفِظَ بما زادَ عَنْ أَقواتِ النَّاسِ ودوابِّهم في والخَزَائنِ؛ لِيَأْتيكَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ النَّواحِي، فيَمْتارُونَ مِنْكَ في السَّبْعِ المُجْدِباتِ، فتَحفَظُ بِذَلِكَ حَيَاتَكَ ورَعِيَّتَكَ ويَجْتَمِعُ لكَ مِنَ الكُنُوزِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لأَحَدٍ قَبْلَكَ، وقد تَقَدَّمَ أنَّ المَلِكَ سأَل يوسُفَ عَمَّنْ َيسْتَطيعُ أَنْ يَتَوَلَّى هذا الأَمْرَ ويَقومُ بِهذِهِ المُهِمَّةِ بِأَمانَةٍ وصِدْقٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُ يوسُفُ: “اِجْعَلْني عَلى خَزائنِ الأَرْضِ” يَعْنِي أَرْض مِصْرَ، أَيْ خزائنِ أَرْضِكَ التي تَحْتَ سُلْطانِكَ، فجُعِلَتْ “ال” التعريفِ بَدَلًا مِنَ الإضافَةِ وحُذفَ المُضافُ إِلَيْهِ، كَمَا في قولِ النَّابِغَةِ الذُبْيانيِّ:
لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِها اللهُ غيْرَهم ……. مِنَ النَّاسِ والأَحلامُ غيرُ عَوازِبِ
يُريدُ: وأَحْلامُهم. وكَمَا قالَ الشَّمَّاخُ:
فلمَّا شَراها فاضَتِ العيْنُ عَبْرةً …… وفي الصَّدْرِ حُزَّازٌ مِنَ اللَّومِ حامِزُ
أَرادَ: في صَدْرِهِ. ومصرُ أَيضًا هي خزانةُ الأَرْضِ في رأيِ الإمامِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مِصْرُ خِزَانَةُ الْأَرْضِ، أَمَا سَمِعْتَ إِلَى قَوْلِهِ تعالى: “قال اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ”. وطَلَبَ يوسُفُ ـ عليه السلامُ، الإمارَةَ لأَنَّ الأَنْبِياءَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إِنَّما بُعِثوا لإقامَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، وَوَضْعِ الأَشْياءِ مَواضِعَهَا، وقد عَلِمَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّهُ لا أَحَدَ يستطيعُ القيامَ بذلك غيرُهُ، فَسَأَلَ ذَلِكَ إِرادةً للصَّلاحِ، ولا يتعارضُ هذا مع ما أَخْرَجَهُ البُخاري في كتابِ الإيمانِ والنُّذورِ مِنْ صَحيحِه: (6622)، لاخْتِلافِ الحالِ، وهوَ قولُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فيما رواه مسلمٌ عنه: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). فإنَّ عبدَ الرَّحْمَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لَيْسَ نَبِيًّا مُكَلَّفًا بِمَا هوَ يُوسُفُ ـ عَلَيْه سَلامُ اللهِ، مُكَلَّفٌ بِهِ. وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَال، قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ، فَقَالَ: ((مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟)). قَالَ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما أَطْلَعاني على ما فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ وقد قَلُصَتْ، فقالَ: ((لَنْ (أو لا) نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ” وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَغَيْرُهُ، فَيُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا طَلَبَ الْوِلَايَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَتَوْصِيلِ الْفُقَرَاءِ إِلَى حُقُوقِهِمْ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ الْيَوْمَ، لَوْ عَلِمَ إِنْسَانٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقُومُ بِالْحَقِّ فِي الْقَضَاءِ أَوِ الْحِسْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَوَجَبَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا وَيَسْأَلُ ذَلِكَ، وَيُخْبِرُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَيَصْلُحُ لَهَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَطْلُبَ، لقولِهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ، المتقدِّم لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ)) وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي سُؤَالِهَا وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا مَعَ العلمِ بِكَثْرَةِ آفاتِها وصُعوبَةِ التَخَلُّصِ مِنْها دَليلٌ عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَغْرَاضِهِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا يُوشِكُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَيَهْلِكُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((وُكِلَ إِلَيْهَا)). وَمَنْ أَبَاهَا لِعِلْمِهِ بِآفَاتِهَا، وَلِخَوْفِهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهَا فَرَّ مِنْهَا، ثُمَّ إِنِ ابْتُلِيَ بِهَا فَيُرْجَى لَهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ((أُعِينَ عَلَيْهَا)). ثُمَّ إنَّهُ ـ عليه السلامُ، لَمْ يَقُلْ: إِنِّي حَسِيبٌ كَرِيمٌ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ، يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ)) ـ عليهِمُ السلامُ، وَلَا قَالَ: إِنِّي جَمِيلٌ مَلِيحٌ، إِنَّمَا قَالَ: “إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” فَسَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ، لَا بِالنَّسَبِ وَالْجَمَالِ. وإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَأَرَادَ تَعْرِيفَ نَفْسِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في سورةِ النجم: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هو أعلمُ بِمَنِ اتَّقى} الآية: 32. فقد رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فقد دَلَّتِ الْآيَةُ إذًا عَلَى جَوَازِ أَنْ يَخْطُبَ الْإِنْسَانُ عَمَلًا يَكُونُ لَهُ أَهْلًا. وَقد شَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقَامِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي تَوَلِّيهِ الْخِلَافَةِ مَعَ نَهْيِهِ الْمُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى اثْنَيْنِ. وَهُوَ تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إِذْ كِلَاهُمَا صِدِّيقٌ. وكانَ المَلِكُ قدْ قالَ لَهُ قبْلَ ذلك: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} الآية: 54، السابقة، وَهَيَ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنَ الْخِصَالِ، لِأَنَّ الْمَكَانَةَ تَقْتَضِي الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ إِذْ بِالْعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَبِالْقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ مَا يَبْدُو لَهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْأَمَانَةُ تَسْتَدْعِي الْحِكْمَةَ وَالْعَدَالَةَ، إِذْ بالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الْأَفْعَالَ الصَّالِحَة وَيتْرك الشَّهَوَاتِ الْبَاطِلَةَ، وَبِالْعَدَالَةِ يُوصِلُ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا. وَهَذَا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعَانَةَ بِهِ فِي أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وَبِأَنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ مَا يَرْجُو مِنْ خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: “اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ”. و “عَلى” هُنَا لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ وَالتَّمَكُّنُ، أَيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا فِي خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَقد اقْتِرَاحُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ إِعْدَادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ عَلَى سُنَّةِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ مِنِ ارْتِياحِ نُفُوسِهم للْعِلْمِ فِي الْمَصَالِحِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ مَالًا لِنَفْسِهِ وَلَا عَرَضًا مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا، وَلكِنَّهُ سَأَلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَزَائِنَ الْمَمْلَكَةِ لِيَحْفَظَ الْأَمْوَالَ وَيَعْدِلَ فِي تَوْزِيعِهَا وَيَرْفُقَ بِالْأُمَّةِ فِي جَمْعِهَا وَإِبْلَاغِهَا لِمَحَالِّهَا. فقد أَخْرَجَ وَكِيعٌ فِي الْغُرَرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قيلَ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَجُوعُ وخَزائنُ الأَرْضِ بِيَدِك؟! قَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن أشْبع فأَنْسَى الجِيعان. وَأخرج ابْنُ جريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ: “اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْضِ” يَقُول: على جَمِيعِ الطَّعَامِ إِنِّي حَفيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَني عَلَيْهِمْ بِسِنين المَجاعةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “اجْعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ” قَالَ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ خَزَائِنُ كَثِيرَةٌ غَيْر الطَّعَامِ فَأَسْلَمَ سُلْطَانَهُ كُلَّهُ لَيُوسُفَ، وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ، أَمْرُهُ وقَضاؤُهُ نَافِذٌ.
وقوْلُهُ: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} تَعْليلٌ لِطَلَبِهِ، فَقدِ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ عَزَّ توفُّرُ إِحْدَاهُمَا فِي النَّاسِ بَلْهُ كِلْتَيْهِمَا، وَهُمَا: الْحِفْظُ لِمَا يَلِيهِ، وَالْعِلْمُ بِتَدْبِيرِ مَا يَتَوَلَّاهُ، لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ أَنَّ مَكَانَتَهُ لَدَيْهِ وَائْتِمَانَهُ إِيَّاهُ قَدْ صَادَفَا مَحَلَّهُمَا وَأَهْلَهُمَا، وَأَنَّهُ حَقِيقٌ بِهِمَا لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِمَا يَفِي بِوَاجِبِهِمَا، وَذَلِكَ صِفَةُ الْحِفْظِ الْمُحَقِّقِ لِلِائْتِمَانِ، وَصِفَةُ الْعِلْمِ الْمُحَقِّقِ لِلْمَكَانَةِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيفٌ بِفَضْلِهِ لِيَهْتَدِيَ النَّاسُ إِلَى اتِّبَاعِهِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْحِسْبَةِ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، في رِوايَةِ عَطَاءٍ: يُريدُ: لا يَضيعُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدي شَيْءٌ، عَليمٌ بِمَا أَفْعَلُ، ويُصْلِحُ مُلْكَكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي حفيظٌ” قَالَ: لِمَا وَلِيتُ، “عَليمٌ” بأَمْرِهِ. وَأَخرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي حفيظٌ عَليمٌ” قَالَ: حَفيظٌ لِلْحِسَابِ، عَليمٌ بِالأَلْسُنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْأَشْجَعِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ. قالَ ابْنُ إِسْحاقَ وأَبو إِسْحاقَ: وقالَ جَماعَةٌ: يُريدُ أَنِّي كاتِبٌ حاسِبٌ. فإنْ قيلَ: لِمَ تَرَكَ الاسْتِثْنَاءَ في هَذا بِأَنْ يُعلِّقَ الأَمْرَ عَلَى المَشِيئَةِ الإلهيَّةِ بقُولِهِ: (إِنْ شاءَ اللهُ)، والاسْتِثْناءُ في مِثْلَ هَذَا أَوْجَبُ في كَلامِ مِثْلِهِ؟. ولِمَ مَدَحَ نَفْسَهُ بالحِفْظِ والعِلْمِ؟ فالجَوابُ أَنْ يُقالَ: أَمَّا تَرْكُهُ الاسْتِثْناءَ فإنَّ ذَلِكَ كانَ مِنْهُ خَطيئَةً أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ العقوبةَ مِنَ اللهِ، بِأَنْ أَخَّرَ تَمْليكَهُ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، ذَكَر مُقاتِلُ ابْنُ سُلَيْمَانَ: أَنَّ النَبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ: ((إِنَّ يُوسُفَ قالَ: إِنّي حَفيظٌ عَليمٌ، لَوْ قالَ: إِنْ شاءَ اللهُ، لَمَلَكَ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ))، ويُمْكِنُ أَنْ يُقالَ: إِنَّهُ أَضْمَرَ نَفْسَهُ الاسْتِثْناءَ وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لكنَّ الحديثَ الشريفَ ينْفِي هَذَا. أَوْ يُقالُ: أَرادَ أَنَّ حِفْظي يَزيدُ عَلَى حِفْظِ غَيْري، وكذلِكَ عِلْمِي، وكان هذا مِمَّا لا يَدْخُلُ فِيهِ شَكٌّ حَتَّى يَحْتاجُ إِلى الاسْتِثْنَاءِ، وأَمَّا مَدْحُهُ نَفْسَهُ فإنَّ مِثْلَ هذا إِذا خَلا مِنَ البَغْيِ والاسْتِطالَةِ، وكانَ المُرادُ فيهِ الوُصولَ إِلى حَقٍّ يُقيمُهُ، وعَدْلٍ يُحْيِيهِ، وجَوْرٍ يُبْطِلُهُ، كانَ ذَلِكَ جائزًا جَميلًا. كَقولِ القائلِ: إِنِّي لَحافِظٌ كِتابَ اللهِ، عالِمٌ بِتَفْسيرِهِ، عارِفٌ بِشَرائعِ الإسْلامِ، يَقْصِدُ بِهذا القَوْلِ أَنْ يَتَعَلَمَ مِنْهُ إِنْسانٌ فَيُفيدَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، حَسُنَ ذَلِكَ مِنْهُ، ولم يَحْمِلْ ذَلِكَ عَلى تَزْكيَةِ النَّفْسِ إِذا عَرِي قولُهُ مِنَ الخُيَلاءِ والكِبْرِ. وقال الكَلْبِيُّ فيما رَواهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، في قولِهِ: إِنَّهُ حَفيظٌ أَيْ: لِتَقْديرِ الأَقْواتِ، عَليمٌ بِسِنِيِّ المَجاعَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ويُقالُ مَعْناهُ: عَلِيمٌ بِلُغاتِ النَّاسِ كُلِّهم، وذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كانوا يَفِدونَ عَلَى المَلِكِ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ ويَتَكَلَّمونَ بِلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: لَمَّا انْصَرَمَتِ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ سَأَلَ الْإِمَارَةَ دَعَاهُ الْمَلِكُ فَتَوَجَّهَ وَرَدَّاهُ بِسَيْفِهِ، وَوَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَكَانَ طُولَ السَّرِيرِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ فِرَاشًا وَسِتُّونَ مِرْفَقَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ، فَخَرَجَ مُتَوَّجًا، لَوْنُهُ كَالثَّلْجِ، وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ، يَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ، مِنْ صَفَاءِ لَوْنِ وَجْهِهِ، فَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، وَدَخَلَ الْمَلِكُ بَيْتَهُ مَعَ نِسَائِهِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ مِصْرَ، وَعَزْلَ قِطْفِيرَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يُوسُفَ مَكَانَهُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ خَزَائِنُ كَثِيرَةٌ، غَيْرَ الطَّعَامِ، فَسَلَّمَ سُلْطَانَهُ كُلَّهُ إِلَيْهِ، وَهَلَكَ قِطْفِيرُ تِلْكَ اللَّيَالِي، فَزَوَّجَ الْمَلِكُ يُوسُفَ رَاعِيلَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ؟! فَقَالَتْ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لَا تَلُمْنِي، فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ نَاعِمَةً، كَمَا تَرَى، وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللهُ مِنَ الْحُسْنِ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي. فَوَجَدَهَا يُوسُفُ عَذْرَاءَ فَأَصَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلَيْنِ: إِفْرَاثِيمَ بْنَ يُوسُفَ، ومَنْشا بْنَ يُوسُفَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رضي اللهُ عنهُ: إِنَّمَا كَانَ تَزْوِيجُهُ زَلِيخَاءَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ بَيْنَ دَخْلَتَيِ الْإِخْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ زَلِيخَاءَ مَاتَ زَوْجُهَا وَيُوسُفُ فِي السِّجْنِ، وَذَهَبَ مَالُهَا، وَعَمِيَ بَصَرُهَا، بُكَاءً عَلَى يُوسُفَ، فَصَارَتْ تَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُها، ومنْهم مَنْ لا يَرْحَمُها. وَكَانَ يُوسُفُ يَرْكَبُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، فِي مَوْكِبٍ زُهَاءَ مِئَةِ أَلْفٍ مِنْ عُظَمَاءِ قَوْمِهِ، فَقِيلَ لَهَا: لَوْ تَعَرَّضْتِ لَهُ لَعَلَّهُ يُسْعِفُكِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: لَا تَفْعَلِي، فَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ مَا كَانَ مِنْكِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ وَالسِّجْنِ فَيُسِيءُ إِلَيْكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَعْلَمُ بِخُلُقِ حَبِيبِي مِنْكُمْ، ثُمَّ تَرَكْتَهُ حَتَّى إِذَا رَكِبَ فِي مَوْكِبِهِ، قَامَتْ فَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْمُلُوكَ عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِمْ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُلُوكًا بِطَاعَتِهِمْ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَا هَذِهِ؟ فَأَتَوْا بِهَا، فَقَالَتْ: أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَخْدُمُكَ عَلَى صُدُورِ قَدَمِي، وَأُرَجِّلُ جُمَّتَكَ بِيَدِي، وَتَرَبَّيْتَ فِي بَيْتِي، وَأَكْرَمْتُ مَثْوَاكَ، لَكِنْ فَرَطَ مَا فَرَطَ مِنْ جَهْلِي وَعُتُوِّي فَذُقْتُ وَبَالَ أَمْرِي، فَذَهَبَ مَالِي، وَتَضَعْضَعَ رُكْنِي، وَطَالَ ذُلِّي، وَعَمِيَ بَصَري، وبعدَ ما كُنْتُ مَغْبُوطَةَ أَهْلِ مِصْرَ صِرْتُ مَرْحُومَتَهُمْ، أَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُنِي، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْحَمُنِي، وَهَذَا جَزَاءُ الْمُفْسِدِينَ، فَبَكَى يُوسُفُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيتِ تَجِدِينَ مِمَّا كَانَ فِي نَفْسِكِ مِنْ حُبِّكِ لِي شَيْئًا؟ فَقَالَتْ: وَاللهِ لَنَظْرَةٌ إِلَى وَجْهِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، لَكِنْ نَاوِلْنِي صَدْرَ سَوْطِكَ، فَنَاوَلَهَا فَوَضَعَتْهُ عَلَى صَدْرِهَا، فَوَجَدَ لِلسَّوْطِ فِي يَدِهِ اضْطِرَابًا وَارْتِعَاشًا مِنْ خَفَقَانِ قَلْبِهَا، فَبَكَى ثُمَّ مَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا: إِنْ كُنْتِ أَيِّمًا تَزَوَّجْنَاكِ، وَإِنْ كُنْتِ ذَاتَ بَعْلٍ أَغْنَيْنَاكِ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ يَسْتَهْزِئَ بِي الْمَلِكُ! لَمْ يُرِدْنِي أَيَّامَ شَبَابِي وَغِنَايَ وَمَالِي وَعِزِّي أَفَيُرِيدُنِي الْيَوْمَ وَأَنَا عَجُوزٌ عَمْيَاءُ فَقِيرَةٌ؟! فَأَعْلَمَهُ الرَّسُولُ بِمَقَالَتِهَا، فَلَمَّا رَكِبَ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي تَعَرَّضَتْ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَلَمْ يَبْلُغْكِ الرَّسُولُ؟ فَقَالَتْ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلَى وَجْهِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَأُصْلِحَ مِنْ شَأْنِهَا وَهُيِّئَتْ، ثُمَّ زُفَّتْ إِلَيْهِ، فَقَامَ يُوسُفُ يُصَلِّي وَيَدْعُو اللهَ، وَقَامَتْ وَرَاءَهُ، فَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهَا شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا وَبَصَرَهَا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهَا شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا وَبَصَرَهَا، حَتَّى عَادَتْ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ يَوْمَ رَاوَدَتْهُ، إِكْرَامًا لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَأَصَابَهَا فَإِذَا هِيَ عَذْرَاءُ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ زَوْجِي كَانَ عِنِّينًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكُنْتَ أَنْتَ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ بِمَا لَا يُوصَفُ، قَالَ: فَعَاشَا فِي خَفْضِ عَيْشٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ يُجَدِّدُ اللهُ لَهُمَا خَيْرًا، وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ، إِفْرَاثِيمَ ومَنْشا.
وفيما رُوِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قَلْبِ يُوسُفَ مِنْ مَحَبَّتِهَا أَضْعَافَ مَا كَانَ فِي قَلْبِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تُحِبِّينَنِي كَمَا كُنْتِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ؟ فَقَالَتْ لَهُ: لَمَّا ذُقْتُ مَحَبَّةَ اللهِ تَعَالَى شَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ كُلِّ شَيءٍ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يُبِيحُ لِلرَّجُلِ الْفَاضِلِ أَنْ يَعْمَلَ لِلرَّجُلِ الْفَاجِرِ، وَالسُّلْطَانِ الْكَافِرِ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ فِي فِعْلٍ لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ، فَيُصْلِحُ مِنْهُ مَا شَاءَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَمَلُهُ بِحَسَبِ اخْتِيَارِ الْفَاجِرِ وَشَهَوَاتِهِ وَفُجُورِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ هَذَا كَانَ لِيُوسُفَ خَاصَّةً، وَهَذَا الْيَوْمُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِذَا كَانَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمُوَلِّي ظَالِمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْوِلَايَةِ مِنْ قِبَلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَوَّل: جَوَازُهَا إِذَا عَمِلَ بِالْحَقِّ فِيمَا تَقَلَّدَهُ، لِأَنَّ يُوسُفَ وُلِّيَ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي حَقِّهِ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَلِّي الظَّالِمِينَ بِالْمَعُونَةِ لَهُمْ، وَتَزْكِيَتِهِمْ بِتَقَلُّدِ أَعْمَالِهِمْ، فَأَجَابَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ وِلَايَةِ يُوسُفَ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كَانَ صَالِحًا، وَإِنَّمَا الطَّاغِي فِرْعَوْنُ مُوسَى. الثَّانِي: أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْلَاكِهِ دُونَ أَعْمَالِهِ، فَزَالَتْ عَنْهُ التَّبِعَةُ فِيهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصَحُّ مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُفَصَّلَ مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَوَّلًا: مَا يَجُوزُ لِأَهْلِهِ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي تَنْفِيذِهِ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، فَيَجُوزُ تَوَلِّيهِ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ قَدْ أَغْنَى عَنِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَجَوَازُ تَفَرُّدِ أَرْبَابِهِ بِهِ قَدْ أَغْنَى عَنِ التَّقْلِيدِ.
ثَانِيًا: مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّدُوا بِهِ وَيَلْزَمُ الِاجْتِهَادُ فِي مَصْرِفِهِ كَأَمْوَالِ الْفَيْءِ، فَلَا يَجُوزُ تَوَلِّيهِ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَجْتَهِدُ فِيمَا لَا يَسْتَحِقُّ.
ثَالِثًا: مَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ لِأَهْلِهِ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ، فَعَقْدُ التَّقْلِيدِ مَحْلُولٌ، فَإِنْ كَانَ النَّظَرُ تَنْفِيذًا لِلْحُكْمِ بَيْنَ مُتَرَاضِيَيْنِ، وَتَوَسُّطًا بَيْنَ مَجْبُورَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ إِلْزَامُ إِجْبَارٍ لَمْ يَجُزْ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَفَضْلٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي عُمُومِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِيمَا اقْتَرَنَ بِوَصْلِهِ، أَوْ تَعَلَّقَ بِظَاهِرٍ مِنْ مَكْسَبٍ، وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ فِيمَا سِوَاهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةٍ وَمُرَاءَاةٍ، وَلَوْ مَيَّزَهُ الْفَاضِلُ عَنْهُ لَكَانَ أَلْيَقَ بِفَضْلِهِ، فَإِنَّ يُوسُفَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَالِهِ، وَلِمَا يَرْجُو مِنَ الظَفَرِ بِأَهْلِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلَايَةِ عَمَلٍ مِنْ أُمُورِ الْأُمَّةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وَخَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَى إِيثَار مَنْفَعَة نَفسه عَلَى مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ. وَقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ هُنَالِكَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُؤْمِنَ الْوَحِيدَ فِي ذَلِكَ الْقُطْرِ، فَهُوَ لِإِيمَانِهِ بِاللهِ يَبُثُّ أُصُولَ الْفَضَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا شَرِيعَةُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ جَوَازَ طَلَبِ الْقَضَاءِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَهْلٌ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَلَّ ضَاعَتِ الْحُقُوقُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ إِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتِ الْحُقُوقُ أَوْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إِلَّا بِطَلَبِ أَهْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ الْمَازِرِيِّ. وَقَالَ القاضي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الْإِمَارَةِ، مِنْ “شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ”، مَا ظَاهِرُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي “الْمُقَدِّمَاتِ” حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ لِلْغَزَّالِيِّ فِي “الْوَجِيز”.
قولُهُ تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يُوسُفَ ـ عليه السلامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعراب. و “اجْعَلْنِي” فعْلُ أمرٍ مجزومٌ بالطلبِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ على الْمَلِكِ، وياءُ المتكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ أَوَّل للجعلِ، والنونُ للوقايَةِ، والجُمْلةُ في مَحلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالمَفْعولِ الثاني المَحْذوفِ لـِ “جعل” والتقديرُ: اجْعَلْني والِيًا عَلَى خَزائنِ الأَرْضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بـِ “اجْعَلْنِي” عَلَى تَضْمينِهِ مَعْنَى وَلِّني. و “خَزَائِنِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} إِنِّي” حرفٌ نَاصِبٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسمِهِ. و “حَفِيظٌ عَلِيمٌ” خَبَرانِ مرفوعانِ لَهُ. والجملةُ تعليليَّةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com