فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 22
 
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أَيْ رُشْدَهُ وَكَمَالَ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ بِاسْتِكْمَالِ نُمُوِّهِ الْبَدَنِيِّ وَالْعَقْلِيِّ: أَوْ لَمَّا بَلَغَ مُنْتَهى شِدَّتِهِ وقوَّتِهِ في شَبابِهِ وحَدِّهِ، ومِنْهُ يُقالُ: “مَضَتْ أَشُدُّ الرَّجُلِ” أَيْ شِدَّتُهُ وقوَّتُهُ وبَأْسُهُ. وأَشُدُّ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ اشْتِدادُهُ ونهايَتُهُ في الكَمَالِ، والأَشُدُّ جَمْعٌ مُفْرَدُهُ “شِدَّةٌ” وهوَ قولُ سِيبَوَيهِ، نَحْوَ: نِعْمة وأَنْعُم. وقالَ الكِسَائيُّ: إِنَّ مُفْرَدَهُ “شَدَّ” بِزِنَةِ “فَعْل” نَحوَ “صَكَّ” وأَصُكَّ، ويُؤَيِّدُهُ قولُ الشَّاعِرِ الجاهليِّ عنترةَ العَبْسِيِّ:
عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ………….. خَضَبَ اللَّبَانَ وَرَأْسَهُ بِالْعَظْلَمِ
اللَّبَانُ (بِفَتْحِ اللامِ): الصَّدْرُ، والعِظْلِمُ: (بِكَسْرِ العَيْنِ واللامِ وسُكونِ الظاءِ): صِبْغٌ أَحْمَرُ. وَقَالَ الْآخَرُ:
تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ ……………. طَوِيلَةُ أَنْقَاءُ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ
السَّحوقُ: المرأةُ الطويلةُ. وَمِنْهُ أيضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ………… قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
فَقَوْلُهُ: “شَدَّ النَّهَارِ” يَعْنِي وَقْتَ ارْتِفَاعِهِ. وقالَ أبو عبيدةَ: إِنَّهُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وخالَفَهُ النَّاسُ في ذَلك، إذْ قَدْ سُمِعَ “شِدَّة” و “شَدَّ” وهُما صالِحانِ لَهُ وهوَ مِنْ الشَّدِّ وهوَ الرَّبْطُ عَلَى الشيءِ والعَقْدُ عَلَيْهِ. قالَ الرَّاغِبُ الأصفهانيُّ: وقولُه تعالى: “حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ” فيهِ تَنْبيهٌ أَنَّ الإِنسانَ إذا بَلَغَ هَذا القَدْرَ يَتْقَوَّى خُلُقُهُ الذي هوَ عَلَيْهِ فَلا يَكادُ يُزايِلُهُ، كما يتقَوَّى خَلْقُه، وما أَحْسَنَ ما تَنَبَّهُ لَهُ الشاعِرُ أَيْمَنُ بْنُ خريمٍ حَيْثُ قال:
إذا المَرْءُ وافى الأربعينَ ولم يكنْ …… له دونَ ما يهوى حَياءٌ ولا سِتْرُ
فَدَعْه ولا تَنْفِسْ عليه الذي مضى ….. وإنْ جَرَّ أسبابَ الحياةِ له العُمْرُ
ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المُرادُ هنا انْتِهاءَ بُلُوغِهِ أَوِ انْتِهاءَ شَبَابِهِ، أَوْ انْتِهاءَ عَقْلِهِ في التَمامِ. وقالوا: هو: مِنْ ثَماني عَشْرَةَ إِلى أَربعين سَنَةً؛ لأَنَّه يَتِمُّ بها ويَكْمُلُ كُلُّ نَوْعٍ، وقيلَ ما بَيْنَ الثلاثين إلى الأَرْبَعينِ، أَيْ مُنْتَهى اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ. فقد اختلَفَ أهلُ التفسيرِ في تحديدِ سِنِّ الأَشُدِّ فَقَالَ الضَّحَّاكُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عشْرينَ سَنَةً. أَخْرَجَهُ عنهُ الطبريُّ ابْنُ جَريرٍ.
وأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، في التفسيرِ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كتابِ الأَضْدادِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي معجَمِهِ الْأَوْسَطِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَلمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ” قَالَ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَلَعَلَّهُ ـ رضي اللهُ عنهُ، أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَمَالِ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} سورةُ الأحقاف، الآية: 15، فَجَعَلَهَا دَرَجَتَيْنِ: بُلُوغَ الْأَشُدِّ، وَبُلُوغَ الْأَرْبَعِينَ وَهِيَ سِنُّ الِاسْتِوَاءِ. كَمَا قَالَ تعالى فِي مُوسَى ـ عليه السلامُ: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} سورة القَصص، الآية: 140، فَالْأَوَّلُ مَبْدَأُ اسْتِكْمَالِ النُّمُوِّ الْعَضَلِيِّ وَالْعَصَبِيِّ وَالثَّانِي مُسْتَوَاهُ، وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِعْدَادُ لِلنُّبُوَّةِ وَوَحْيِ الرِّسَالَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُلَمَاءِ النَّفْسِ وَالِاجْتِمَاعِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَظْهَرُ اسْتِعْدَادُهُ الْعَقْلِيُّ وَالْعِلْمِيُّ بِالتَّدْرِيجِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ جَدِيدٌ مِنَ الْعِلْمِ الْكَسْبِيِّ غَيْرُ مَا يَظْهَرُ مِنْ بَدْءِ سِنِّ التَّمْيِيزِ إِلَى هَذِهِ السِّنِّ، وَإِنَّمَا يُكْمِلُ مَا كَانَ ظَهَرَ مِنْهُ إِذَا هُوَ ظَلَّ مُزَاوِلًا لَهُ وَمُشْتَغِلًا بِتَكْمِيلِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ في تفسيرِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: “بَلَغَ أَشُدَّهُ” قَالَ: خمْسًا وَعِشْرينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَخَرَجَ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قَالَ: عَشْرَ سِنِينَ. وَأخرجَ عَنْ ربيعَةَ ـ رَضِيَ اللهُ أنَّهُ قَالَ: الأَشُدُّ: هو الْحُلُمُ. وَكذلك قَالَ: زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: الْأَشُدُّ بُلُوغُ الْحُلُمِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الأَشُدُّ الْحُلُمُ إِذا كُتِبَتْ لَهُ الْحَسَنَاتُ وكُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ. وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي سورتي: “النِّسَاءِ” وَ” الْأَنْعَامِ” واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ اصْطِفَاءِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِمقامِ النُّبُوءَةِ. أيْ: أَعْطَيْنَاهُ النُّبُوَّةَ، وَعِلْمَ الأَحاديثِ وتَأْويلَها. ويَحْتَمِلُ قولُهُ “حكمًا” الحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، و “عِلْمًا” أَيْ: العِلْمَ في الحُكْمِ. فإذا أَعْطاهُ الحُكْمَ فقد أَعْطاهُ العِلْمَ، وإذا أَعْطاهُ العِلْمَ فقد أَعْطاهُ الحُكْمَ. وقيلَ “حكمًا” هوَ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بالعَمَلِ، و “عِلْمًا” أَيْ: تَفَقُّهًا في الدّينِ. وَالْحُكْمُ وَالْحِكْمَةُ مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ: عِلْمُ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَالْعَمَلُ بِالصَّالِحِ وَاجْتِنَابُ ضِدِّهِ. وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا النُّبُوءَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذِكْرِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ـ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، {وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا} الآية: 79 من سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمٌ زَائِدٌ عَلَى النُّبُوءَةِ. وَأَخرجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “آتَيْنَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا” قَالَ: هُوَ الْفِقْهُ وَالْعِلْمُ وَالْعَقْلُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
وقد جِيءَ بِ “حكمًا وعِلْمًا” نَكِرَتَيْنِ للتَّفْخيمِ، أَيْ: حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، فَهُما ما آتاهُ اللهُ نَبيَّهُ يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، عِنْدَ تَكَامُلِ قُوَاهُ سَواءٌ كانَا عِبارَةً عَنِ النُّبُوَّةِ والحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ.
قولُهُ: {وكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أَيْ وَكَذَلِكَ شَأْنُنَا وَسُنَّتُنَا فِي جَزَاءِ الْمُتَحَلِّينَ بِصِفَةِ الْإِحْسَانِ، الثَّابِتِينَ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ، الَّذِينَ لَمْ يُدَنِّسُوا فِطْرَتَهُمْ وَلَمْ يَدُسُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْإِسَاءَةِ فِي أَعْمَالِهِمْ، نُؤْتِيهِمْ نَصِيبًا مِنَ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَالْعِلْمِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ، وَيُظْهِرُهُ الْقَوْلُ الْفَصْلُ، فَيَكُونُ لِكُلِّ مُحْسِنٍ حَظُّهُ مِنَ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ بِقَدْرِ إِحْسَانِهِ، وَبِمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ حُسْنِ التَّأْثِيرِ فِي صَفَاءِ عَقْلِهِ، وَجَوْدَةِ فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ، غَيْرَ مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْكَسْبِ مِنْ غَيْرِهِ، لَا يُؤْتَى مِثْلُهُ الْمُسِيئُونَ بِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَطَاعَةِ شَهَوَاتِهِمْ.
وقيلَ: لَيْسَ المَعْنَى المُرادُ هُنَا أَنَّهُ ـ سُبْحَانَهُ، يَجْزِي غَيْرَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ المُحْسِنينَ عَيْنَ ما جَزَى بِهِ يُوسُفَ، إنَّما المَعْنَى أَنَّ اللهَ تعالى يَجْزي كلَّ محسِنٍ جَزاءً حَسَنًا على إحسانِهِ، حسبما يشاءُ جلَّ جلالُهُ. أيْ: الذينَ يعمَلونَ أَعْمالًا حَسَنَةً صَالِحَةً، فَكُلُّ مَنْ يُحْسِنُ في عَمَلِهِ يَجْزيهَ اللهُ بَعْدَ انْقِضاءِ أَعْمَالِهِ الحَسَنَةِ التي مِنْ جُمْلَتِها مَعاناةُ الأَحْزَانِ والصبرُ على الشَّدائدِ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ المُرادُ الإحسانَ إلى الناسِ؛ ومِنْ ذَلِكَ إِحْسانُ المرءِ إِلى نَفْسِهِ.
وَفِي ذِكْرِ الْمُحْسِنِينَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِحْسَانَهُ هُوَ سَبَبُ جَزَائِهِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ المُرادُ بهِ مَنْ أَحْسَنَ صُحْبَةَ نِعَمِ اللهِ وإِحْسانِهِ، وقامَ بِشُكْرِ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّه قالَ: “وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ” يَقُولُ: المُهْتَدينَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ ظَاهِرًا عَلَى كُلِّ مُحْسِنٍ فَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: كَمَا فَعَلْتُ هَذَا بِيُوسُفَ بَعْدَ أَنْ قَاسَى مَا قَاسَى ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ مَا أَعْطَيْتُهُ، كَذَلِكَ أُنْجِيكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَكَ بِالْعَدَاوَةِ، وَأُمَكِّنُ لَكَ في الأَرْضِ. واللهُ أعلمُ بمرادِهِ.
قولُهُ تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} الواوُ: اسْتِئْنَافِيَّةٌ. و “لَمَّا” حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جازِمٍ. و “بَلَغَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جَوازًا تَقْديرُهُ “هوَ” يَعودُ عَلى يُوسُفَ. و “أَشُدَّهُ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بـِ “بَلَغَ” وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ “لَمَّا”.
قولُهُ: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} آتَيْنَاهُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرّكٍ، و “نَا” ضميرُ المُعَظِّمِ نفسَهُ ـ سبحانَهُ، متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ فاعلِهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ الأول، و “حكمًا” مفعولُهُ الثاني منصوبٌ، و “عِلْمًا” معطوفٌ عَلَى “حُكْمًا”. والجُملةُ الفِعْلِيَّةُ هذه جوابُ “لمَّا”، وجُمْلَةُ “لمّا” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.
قولُهُ: {وكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} الواو: عاطفة. و “كذلك” الكافُ حرفُ جَرٍّ للتشبيهِ، متعلِّقٌ بصفةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، أو حالٌ مِنْ ضَميرِ المَصْدَرِ وقد تقدَّمَ نَظائرُهُ. و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، واللامُ للبُعْدِ والكافُ للخِطابِ. و “نَجْزِي” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعَلامَةُ رَفعِهِ الضمَّةُ المُقَدَّرَةُ عَلى آخِرِهِ لثِقَلِ ظهورِها على الياءِ، والفاعلُ ضميرُ المُعَظِّمِ نَفسَه المستترُ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ “نحن” يعودُ على اللهِ تعالى، و “المُحْسنينَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالِمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والتقديرُ: ونَجْزِي المُحْسِنِينَ جَزَاءً مِثْلَ جَزائِنا لِيُوسُفَ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “لمّا”.
 
 
 
 
 
 



‏من مناقب أبي حنيفةَ النعمان ـ رضي اللهُ عنه

لما ظهر الخوارج على الكوفة أخذوا أبا حنيفة رحمه الله فقالوا له: تب يا شيخ من الكفر!
فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر.
فخلوا عنه.
فلما ولى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به: ما أنتم عليه!
فاسترجعوه.
فقال رأسهم: يا شيخ ! إنما تبت من الكفر ، وتعني به ما نحن عليه ؟!
فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا، أم بعلم؟
فقال : بل بظن .
فقال أبو حنيفة : إن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم }
وهذه خطيئة منك ، وكل خطيئة (عندك) كفر ؛ فتب أنت أولا من الكفر !
فقال : صدقت يا شيخ ، أنا تائب من الكفر !
وجاؤؤه مرة أخرى ليناظروه ؛ لما علموا أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب
فقالوا: هاتان جنازتان على باب المسجد :
أما إحداهما ؛ فلرجل شرب الخمر حتى كظته ، وحشرج بها ؛ فمات غرقا في الخمر
والأخرى : امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل ؛ قتلت نفسها !
فقال لهم أبو حنيفة : من أي الملل كانا ؟ أمن اليهود ؟
قالوا : لا
أفمن النصارى ؟
قالوا : لا
قال : أفمن المجوس ؟
قالوا : لا
قال : من أي الملل كانا ؟
قالوا : من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله !
قال : فأخبروني عن الشهادة ، كم هي من الإيمان ؟ ثلث ، أم ربع ، أم خمس ؟!
قالوا : إن الإيمان لا يكون ثلثا ، ولا ربعا ، ولا خمسا !
قال : فكم هي من الإيمان ؟
قالوا : الإيمان كله .
قال : فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين ؟!
فقالوا: دعنا عنك ! أمن أهل الجنة هما ، أم من أهل النار ؟
قال : أما إذا أبيتم :
فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم }
وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في قوم كانوا أعظم جرما منهما : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح : { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون }
وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح عليه السلام وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – : { ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين }
فألقوا السلاح ، وقالوا : تبرأنا من كل دين كنا عليه ، وندين الله بدينك ؛ فقد آتاك الله فضلا وحكمة وعلما ..


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 21
 
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)
 
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ} هذا بَيَانٌ لِبَعْضِ مَظاهِرِ رِعايَةِ اللهِ تعالى لِنَبيِّهِ يوسفَ ـ عليْهِ السَّلامُ، وعنايَتِه بهِ. والذي اشتراهُ هو وَالِي مَدِينَةِ مِصْرَ وصَاحِبُ أَمْرِ الْمَلِكِ فيها، ورئيسُ رِجالِ شُرَطِهُ (فوطيفار) أو “قطيفين”، أو “قطين”، أو “قطفير” كما رواهُ الطَبَرِيُّ في تاريخه (1: 172) وَكَانَ عَلَى خَزَائِنِ مِصْرَ، وكانَ يُلَقَّبُ بالعَزِيزِ، وهوَ اللَّقِبُ الوارِدُ في القرآنِ الكريم. أَمَّا مِصرُ فهي المَذْكورَةُ في كُتُبِ التاريخِ باسمِ “مَنْفِيسَ”، فهي مَدِينَةُ مِصْرَ، وقَاعِدَتُها مِصْرَ السُّفْلَى الَّتِي كان يَحْكُمُهَا قَبَائِلُ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القُبْطِ باسْمِ (الهِيكْسوسِ) أَيِ الرُّعَاةُ. وَكَانَتْ مِصْرُ الْعُلْيَا الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَرَاعِنَةِ الْقِبْطِ. وَكَانَتْ مَدِينَتُهَا الأَقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ، لِأَنَّ فيهَا أَطْلَالَ الْقُصُورِ الْقَدِيمَةِ، أَيِ الْهَيَاكِلُ. وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ يزورها السُيّاحُ مِنْ كلِّ أَقْطارِ الدُنيِا، وَكَانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ الْعُلْيَا مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ العمالِقَةِ الْكَنْعَانِيِّينَ عَلَيْها. وَكَانَ الْمَلِكُ يَوْمَئِذٍ بِمِصْرَ وَنَوَاحِيهَا الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ شِرْوَانَ، مِنَ الْعَمَالِقَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى آمَنَ باللهِ وَاتَّبَعَ يُوسُفَ عَلَى دِينِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَيُوسُفُ ـ عليهِ السلامُ، حَيٌّ. وقيل هو فرعونُ موسى ـ عليه السلامُ، لِقَوْلِ مُوسَى: {وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ} الآية: 34، منْ سورةِ غافر، وَقيل بأَنَّهُ عَاشَ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ تَلَقَّى قِطْفِيرُ مَالِكَ بْنَ ذُعْرٍ (الذي التقطَهُ مِنَ الجبِّ) فَابْتَاعَ مِنْهُم يُوسُفَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَزَوْجِ نَعْلٍ وَثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ. وَقَالَ أَيْضًا وَهْبُ بْنُ منبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وَغَيْرُهُ: وَلَمَّا اشْتَرَى مَالِكُ بْنُ دُعْرٍ يُوسُفَ مِنْ إِخْوَتِهِ كَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابًا: هَذَا مَا اشْتَرَى مَالِكُ بْنُ دُعْرٍ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ، وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَمْلُوكًا لَهُمْ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَقَدْ شَرَطُوا لَهُ أَنَّهُ آبِقٌ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ بِهِ إِلَّا مُقَيَّدًا مُسَلْسَلًا، وَأَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ عَهْدَ اللهِ. قَالَ: فَوَدَّعَهُمْ يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: حَفِظَكُمُ اللهُ وَإِنْ ضَيَّعْتُمُونِي، نَصَرَكُمُ اللهُ وَإِنْ خَذَلْتُمُونِي، رَحِمَكُمُ اللهُ وَإِنْ لَمْ تَرْحَمُونِي، قَالُوا: فَأَلْقَتِ الْأَغْنَامُ مَا فِي بُطُونِهَا دَمًا عَبِيطًا لِشِدَّةِ هَذَا التَّوْدِيعِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى قَتَبٍ بِغَيْرِ غِطَاءٍ وَلَا وِطَاءٍ، مُقَيَّدًا مُكَبَّلًا مُسَلْسَلًا، فَمَرَّ عَلَى مَقْبَرَةِ آلِ كَنْعَانَ فَرَأَى قَبْرَ أُمِّهِ ـ وَقَدْ كَانَ وُكِّلَ بِهِ أَسْوَدُ يَحْرُسُهُ فَغَفَلَ الْأَسْوَدُ، فَأَلْقَى يُوسُفُ نَفْسَهُ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ فَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ وَيَعْتَنِقُ الْقَبْرَ وَيَضْطَرِبُ وَيَقُولُ: يَا أُمَّاهُ! ارْفَعِي رَأْسَكَ تَرَيْ وَلَدَكَ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا مُسَلْسَلًا مَغْلُولًا، فَرَّقُوا بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي، فَاسْأَلِي اللهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَنَا فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَتَفَقَّدَهُ الْأَسْوَدُ عَلَى الْبَعِيرِ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَفَا أَثَرَهُ، فَإِذَا هُوَ بَيَاضٌ عَلَى قَبْرٍ، فَتَأَمَّلَهُ فَإِذَا هُوَ إِيَّاهُ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فِي التُّرَابِ وَمَرَّغَهُ وَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا، فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلُ! وَاللهِ مَا هَرَبْتُ وَلَا أَبَقْتُ وَإِنَّمَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُوَدِّعَهَا، وَلَنْ أَرْجِعَ إِلَى مَا تَكْرَهُونَ، فَقَالَ الْأَسْوَدُ: وَاللهِ إِنَّكَ لَعَبْدُ سُوءٍ، تَدْعُو أَبَاكَ مَرَّةً وَأُمَّكَ أُخْرَى! فَهَلَّا كَانَ هَذَا عِنْدَ مَوَالِيكَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ لِي عِنْدَكَ خَطِيئَةٌ أَخَلَقْتَ بِهَا وَجْهِي فَأَسْأَلُكَ بِحَقِ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، فَضَجَّتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَا يُوسُفُ! غُضَّ صَوْتَكَ فَلَقَدْ أَبْكَيْتَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ! أَفَتُرِيدُ أَنْ أَقْلِبَ الْأَرْضَ فَأَجْعَل عَالِيَهَا سَافِلَهَا؟ قَالَ: تَثَبَّتْ يَا جِبْرِيلُ، فَإِنَّ اللهَ حَلِيمٌ لَا يَعْجَلُ، فَضَرَبَ الْأَرْضَ بِجَنَاحِهِ فَأَظْلَمَتْ، وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَبَقِيَتِ الْقَافِلَةُ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَقَالَ رَئِيسُ الْقَافِلَةِ: مَنْ أَحْدَثَ مِنْكُمْ حَدَثًا؟ فَإِنِّي أُسَافِرُ مُنْذُ كَيْتَ وَكَيْتَ مَا أَصَابَنِي قَطُّ مِثْلُ هَذَا، فَقَالَ الْأَسْوَدُ: أَنَا لَطَمْتُ ذَلِكَ الْغُلَامَ الْعِبْرَانِيَّ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ دَعَا عَلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا هَلَاكَنَا! اِيتَنَا بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ! لَقَدْ لَطَمَكَ فَجَاءَنَا مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ كُنْتَ تَقْتَصُّ فَاقْتَصَّ مِمَّنْ شِئْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْفُو فَهُوَ الظَّنُّ بِكَ، قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ رَجَاءَ أَنْ يَعْفُوَ اللهُ عَنِّي، فَانْجَلَتِ الْغَبَرَةُ، وَظَهَرَتِ الشَّمْسُ، وَأَضَاءَ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَجَعَلَ التَّاجِرُ يَزُورُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَيُكْرِمُهُ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مِصْرَ فَاغْتَسَلَ فِي نِيلِهَا وَأَذْهَبَ اللهُ عَنْهُ كَآبَةَ السَّفَرِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ جَمَالَهُ، وَدَخَلَ بِهِ الْبَلَدُ نَهَارًا فَسَطَعَ نُورُهُ عَلَى الْجُدَرَانِ، وَأَوْقَفُوهُ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ قِطْفِيرُ وَزِيرُ الْمَلِكِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ وَهَبٌ قَدِمَتِ السَيَّارَةُ بِيُوسُفَ مِصْرَ، فَدَخَلُوا بِهِ السُّوقَ يَعْرِضُونَهُ لِلْبَيْعِ، فَتَرَافَعَ النَّاسُ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وَزْنَهُ ذَهَبًا وَوَزْنَهُ فِضَّةً وَوَزْنَهُ مِسْكًا وَحَرِيرًا، وَكَانَ وَزْنُهُ أَرْبَعَ مِئَةِ رِطْلٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَابْتَاعَهُ قِطْفِيرُ مِنْ مَالِكِ بْنِ ذُعْرٍ بِهَذَا الثَّمَنِ. واللهُ أعلمُ. وأخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الَّذِي اشْتَرَاهُ ظِيفَرَ بْنُ رَوْحَبَ، وَكَانَ اسْمُ امْرَأَتِهِ راعِيلَ بِنْتَ رَعائيل. وَأَخْرجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لمَّا بَاعَ يُوسُفَ صَاحبُهُ الَّذِي بَاعَهُ مِنَ الْعَزِيزِ ـ واسْمُه مَالِكُ بْنُ ذعر، قَالَ حِينَ بَاعَهُ: مَنْ أَنْتَ؟. وَكَانَ مَالِكٌ مِنْ مَدْيَنَ، فَذكَرَ لَهُ يُوسُفُ مَنْ هُوَ وَابْنَ مَنْ هُوَ، فَعَرَفَهُ فَقَالَ: لَو كنْتَ أَخْبَرتَنِي لَمْ أَبْعْكَ. ادْعُ لِي فَدَعَا لَهُ يُوسُفُ فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ. قَالَ: فَحَمَلَتِ امْرَأَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ بَطْنًا فِي كُلِّ بَطْنٍ غُلامانِ.
أَمَّا امْرَأَةُ العزيزِ فهِيَ (زَلِيخَا)، وَيُسَمِّيهَا الْيَهُودُ (رَاعِيلَ) أوْ (راحِيلَ). وهيَ ابْنَةُ أَحَدِ مُلوكِ المَغْرِبِ، وكانَتْ رَأَتْ في منَامِها أَنَّها تَتَزَوَّجُ مَلِكَ مِصْرَ، ورَأَتْ صُورَتَهُ جميلةً جِدًّا، فعَشِقَتْهُ دونَ أنْ تراهُ، والصُّورةُ التي رَأَتْها في مَنَامِها كانتْ صُورةَ يوسُفَ، فلمَّا خُطِبَتْ للعَزيزِ، وافَقَتْ عليهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، وحُمِلَتْ إِلَيْهِ مُحَمَّلَةً بالهدايا الثَمينَةِ، فلَمَّا رَأَتِ العَزيزَ، أُسْقِطَ في يَدِهَا، وعاشَتْ في كنفِهِ تعيسَةً إلى أَنْ لَقِيَتْ يوسُفَ. وقد أَوْرَدْنَا قِصَّتَها بِشَيْءٍ مِنَ التَفْصِيلِ في البابِ الخامِسِ مِنْ كِتَابِنَا المُسَمَّى (المرأَةُ في الغَزَلِ الصُّوفيِّ). و “لِامْرَأَتِهِ” مُتَعَلِّقٌ بِ “قالَ” أَوْ بِ “اشْتَراهُ” أَوْ يَتَنَازَعُهُ كِلَا الْفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَرَاهُ لِيَهَبَهُ لَهَا لِتَتَّخِذَهُ وَلَدًا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، فقد كانَ العزيزُ عِنِّينًا، لأنَّ يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، وَجَدَهَا عَذْراءَ حِينَ بَنَى بِهَا، عَلى ما ذُكِرَ في الأَخبارِ. وَامْرَأَتُهُ: مَعْنَاهُ زَوْجُهُ، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَرْأَةِ وَيُرَادُ مِنْهُ مَعْنَى الزَّوْجَةِ.
قولُهُ: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أَيْ: أَحْسِنِي إِلَيْه مَقامَهُ عِنْدَنا، واجْعَلِي إِقَامَتَهُ عِنْدَكِ كَرِيمَةً. وَكَانَ اللهُ أَلْقَى مَحَبَّةَ يُوسُفَ عَلَى قَلْبِ الْعَزِيزِ، فَأَوْصَى بِهِ أَهْلَهُ. وَالْمَثْوَى: هُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَثْوِي إِلَيْهِ الْمَرْءُ، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ. وأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “أكرمي مثواهُ” قَالَ: مَنْزِلَتَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، مثلَ ذلك. فقد أَرَادَ العزيزُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ سَبَبًا فِي اجْتِلَابِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُمَا وَنُصْحِهِ لَهُمَا فَيَنْفَعُهُمَا، أَوْ يَتَّخِذَانِهِ وَلَدًا فَيَبَرُّ بِهِمَا وَذَلِكَ أَشَدُّ تَقْرِيبًا. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِحُسْنِ تَفَرُّسِهِ فِي مَلَامِحِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْمُؤْذِنَةِ بِالْكَمَالِ. فَاسْتَدَلَّ مِنْ كَمَالِ خَلْقِ يُوسُفَ وَخُلُقِهِ، وَذَكَائِهِ وَحُسْنِ خِلَالِهِ، عَلَى أَنَّ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَكَرَمَ وِفَادَتِهِ وَشَرَفَ تَرْبِيَتِهِ، خَيْرٌ مُتَمَّمٌ لِحُسْنِ اسْتِعْدَادِهِ الْفِطْرِيِّ، إِذْ لَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَ الْأَذْكِيَاءِ إِلَّا الْبِيئَةُ الْفَاسِدَةُ وَسُوءُ الْقُدْوَةِ.
أَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ قَالَ: أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ حِينَ تَفَرَّسَ فِي عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فَاسْتَخْلَفَهُ، وَالَّتِي قَالَتْ: {اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} سورة القصص، الآية: 26، وَالْعَزِيزُ حِينَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: “أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا” سورةُ يوسف، الآية: 21. سُنَنُ سَعيدِ بْنِ مَنْصورٍ: (4/20)، ومُصَنَّفُ ابْنِ أَبي شَيْبَةَ: (7/435)، وَالمُسْتَدْرَكُ بِتَعْليقِ الذهبي: (4/168)، قالَ الحاكمُ: فَرَضِيَ اللهُ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ لقدْ أَحْسَنَ في الجَمْعِ بَيْنَهم بِهذا الإسْنَادِ، وتعليقُ الذَّهَبِيِّ في التَلْخيصِ: صحيح.
قولُهُ: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} أي: وكما نجَّينا يوسُفَ مِنَ القَتْلِ والبِئْرِ، نمكِّنُ له في الأرضِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَالتَّسْخِيرِ جَعَلْنَا لِيُوسُفَ مَكَانَةً عَالِيَةً فِي أَرْضِ مِصْرَ، كَانَ هَذَا الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْعَزِيزِ مَبْدَأَهَا؛ لِيَقَعَ لَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ فِي السِّجْنِ مَا يَقَعُ مِنَ التَّجَارِبِ، وَالِاتِّصَالِ بِسَاقِي الْمَلِكِ فَيَكُونُ وَسِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ “وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ” كَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ مَا يَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْغَايَةِ مِنْ هَذَا التَّمْكِينِ، وَقَوْلُهُ لِلْمَلِكِ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} الآية: 55. وَقَوْلُ الْمَلِكِ لَهُ: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} الآية: 54. وَالمُرَادٌ بالتَّمْكِينُ فِي الْأَرْضِ هَنَا بِهِ ابْتِدَاؤُهُ، وَتَقْدِيرُ أَوَّلِهِ، فَإنَّ حُلُولَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ عَزِيزِ مِصْرَ مَحَلَّ الْعِنَايَةِ والاهتمامِ، قَدْ خَطَّ لَهُ مُسْتَقْبَلَ تَمْكِينِهِ مِنَ الْأَرْضِ بِالْوَجْهِ الْأَتَمِّ الَّذِي أُشِيرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 56: {وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ}، فَهُوَ بالنسبةِ لِمَا ذُكِرَ هُنَا في هذِهِ الآيةِ كَرَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ، وَهُوَ تَمَامُهُ.
قولُهُ: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} تأويلُ الأَحاديثِ تعبيرُها، وحلُّ رُمُوزِها، وفهمُ مَغْزاها، فقدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شيبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: “وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ” قَالَ: عبارَة الرُّؤْيَا. وهذا العَطْفُ عَلَى “كذلِكَ” عِلَّةٌ لِمَعْنًى مُسْتَفَادٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْإِيتَاءُ، لِأَنَّ اللهَ لَمَّا قَدَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَجْعَلَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَالِمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤَى، وَأَنْ يَجْعَلَهُ نَبْيًّا، أَنْجَاهُ مِنَ الْهَلَاكِ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ تَهْيِئَةً لِأَسْبَابِ مُرَادِهِ.
قولُهُ: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} أَمْرُ اللهِ تعالى هُوَ مَا قَدَّرَهُ وَأَرَادَهُ، وقال سَعيدُ بْنِ جُبَيْرٍ: فَعَّالٌ، أَخرجهُ عنهُ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ. وقال مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ” قَالَ: لُغَة عَرَبِيَّة. أخْرَجَهُ عنهُ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ” قَالَ: لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ يُوسُفُ. فَمَنْ سَعَى إِلَى عَمَلٍ يُخَالِفُ مَا أَرَادَهُ اللهُ، كانَ حَالُهُ كَحَالِ الْمُنَازِعِ عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ الْأَمْرَ الَّذِي أَرَادَهُ، وَيَمْنَعَ حُصُولَ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى. وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى فَشَأْنُ اللهِ تَعَالَى كَحَالِ الْغَالِبِ لِمُنَازِعِهِ. وَالْمَعْنَى وَاللهُ مُتَمِّمٌ مَا قَدَّرَهُ. والضَمِيرُ في “أَمْرِهِ” عَائِدٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ “اللهُ”. أيْ: إِنَّ أمرَهُ ـ سُبْحانَهُ، نافذٌ وفقَ إرادتِهِ، لا يَغْلِبُهُ عَلَى مَا أَرادَ مِنْ قَضائِهِ غالِبٌ، ولا يُبْطِلُ إرادتَهُ مُنَازِعٌ. وَهذه الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَتَذْيِيلٌ، لِأَنَّ مَفْهُومَهَا عَامٌّ يَشْمَلُ غَلَبَ اللهِ إِخْوَةَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِإِبْطَالِ كَيْدِهِمْ. وَحَرْفُ “عَلى” بَعْدَ مَادَّةِ الْغَلَبِ وَنَحْوِهَا يَدْخُلُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ فِيهِ النِّزَاعُ، كَما تقَوْلُ: غَلَبْنَاهُمْ عَلَى الْمَاءِ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ: الذينَ هُمُ المُشْرِكونَ والذينَ لا يُؤمِنونَ بالقَدَرِ، “لا يعلمونَ” أَنَّ قُدْرَةَ اللهِ غالِبَةٌ، ومَشيئَتَهُ نافِذَةٌ. ولَا يَطَّلِعُونَ عَلَى غَيْبِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ الْجَمِيعُ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ. وَقِيلَ: هُوَ مُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ، إِذْ قَدْ يُطْلِعُ مِنْ يُرِيدُ عَلَى بَعْضِ غَيْبِهِ. وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ حَيْثُ، أَمَرَ يَعْقُوبُ ابْنَهُ يوسُفَ، أَلَّا يَقُصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى إِخْوَتِهِ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ حَتَّى قَصَّ، ثُمَّ أَرَادَ إِخْوَتُهُ قَتْلَهُ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ حَتَّى صَارَ مَلِكًا وَسَجَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ الْإِخْوَةُ أَنْ يَخْلُوَ لَهُمْ وَجْهُ أَبِيهِمْ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ حَتَّى ضَاقَ عَلَيْهِمْ قَلْبُ أَبِيهِمْ، وَافْتَكَرَهُ بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً أَوْ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَقَالَ: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ثُمَّ تَدَبَّرُوا أَنْ يَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ، أَيْ تَائِبِينَ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ حَتَّى نَسُوا الذَّنْبَ وَأَصَرُّوا عَلَيْهِ حَتَّى أَقَرُّوا بَيْنَ يَدَيْ يُوسُفَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَالُوا لِأَبِيهِمْ: {إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ} الآية: 97، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَخْدَعُوا أَبَاهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالْقَمِيصِ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ فَلَمْ يَنْخَدِعْ، وَقَالَ: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} الآية: 18، السابقة، ثُمَّ احْتَالُوا فِي أَنْ تَزُولَ مَحَبَّتُهُ مِنْ قَلْبِ أَبِيهِمْ فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ فَازْدَادَتِ الْمَحَبَّةُ وَالشَّوْقُ فِي قَلْبِهِ، ثُمَّ دَبَّرَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ أَنَّهَا إِنِ ابْتَدَرَتْهُ بِالْكَلَامِ غَلَبَتْهُ، فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ حَتَّى قَالَ الْعَزِيزُ: {واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ} الآية: 29، ثُمَّ دَبَّرَ يُوسُفُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ السِّجْنِ بِذِكْرِ السَّاقِي فَغَلَبَ أَمْرُ اللهِ فَنَسِيَ السَّاقِي، ولبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.
قولُهُ تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ} الواوُ: للاستئنافِ، وَ “قَالَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ، و “الَّذِي” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “اشْتَرَاهُ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخرِهِ لتعذُّر ظُهورِهِ على الأَلِفِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على الاسمِ الموصولِ “الذي” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ. و “مِنْ مِصْرَ” حرفُ جرِّ متعلقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ قَبْلَهُ، أَيْ: اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ، كَقَوْلِكَ: اشْتَرَيْتُ الثّوْبَ مِنْ بَغْدَادَ، فهي لابْتِداءِ الغايَةِ، وقولُ أَبي البَقاءِ: أي: فيها، أَوْ بها، لا حَاجَةَ إِلَيْهِ. ويَجوزُ: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمْحْذوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ “الذي”. أَوْ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّميرِ المَرْفوعِ في “اشْتَرَاهُ” فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذوفٍ أَيْضًا. وفي هَذَيْنِ نَظَرٌ إِذْ لا طائلَ في هَذا المَعْنَى. و “مصر” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جَرِّهِ الفتحةُ بدلًا مِنَ الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ منَ الصرفِ، وهذه الجملةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “لِامْرَأَتِهِ” اللامُ حرفُ جَرٍّ فهي للتبليغ، مُتَعَلِّقٌ بـِ “قَالَ” و “امرَأَتِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصِلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أَكْرِمِي: فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والياءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، و “مَثْوَاهُ” مفعولٌ بهِ منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الفتحةُ المقدَّرةُ على آخِرِهِ، لتعذُّرِ ظهورِها على الألفِ، وهو مضافٌ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ لِ “قَالَ”. و “عَسَى” فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسْمُهُ ضَميرٌ مستترٌ يعود عَلى يُوسف. و “أَنْ” حرفٌ مصدريٌّ ناصِبٌ، و “يَنْفَعَنَا” فِعْلٌ مضارعٌ منصوبٌ به، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا، تقديرُهُ: “هو” يَعودُ عَلَى يُوسُفَ، و “نا” ضميرُ جَماعَةِ المُتَكَلِّمينَ ضَميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلى كَوْنِهِ خَبَرَ “عَسَى” ولكنَّهُ في تَأويل اسْمِ الفاعِلِ والتقديرُ: عَسَى نَفْعُهُ إِيَّانَا؛ أَيْ: نَافِعًا لَنَا، وجُمْلَةُ “عَسَى” مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَها عَلى كَوْنِهَا مَقولَ القَوْلِ. و “أَوْ” حرفُ عطفٍ، و “نَتَّخِذَهُ” فِعْلٌ مضارعٌ منصوبٌ عَطْفًا عَلَى “يَنْفَعَنَا” والفاعِلُ ضميرُ المتكلِّمين المُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُهُ “نحنُ” والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولِهِ الأوَّل، و “وَلَدًا” مفعولُهُ الثاني والتَقْديرُ: عَسَى نَفْعُهُ إيانا، أو اتخاذُنا إياه ولدًا؛ أي: عَسى هو نافعًا لنا، أو مُتخَذًا لنا ولدًا.
قولُهُ: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} الواو: اسْتِئْنافيّة. كذلك: الكافُ حرفُ جَرٍّ للتشبيه، وهي حالٌ مِنْ ضَميرِ المَصْدَرِ أَوْ نَعْتٌ لَهُ، أَيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإِنْجاءِ والعَطْفِ مَكَّنَّا لَهُ، أَيْ: كَمَا أَنْجَيْناهُ وعَطَّفْنا عَلَيْهِ العَزيزَ مَكَّنَّا لَهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ. إِنْ أَجْرَيْنَا اسْمَ الْإِشَارَةِ عَلَى قِيَاسِ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ فِي الآية: 143 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّمْكِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ تَنْوِيهًا بِأَنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ بَلَغَ غَايَةَ مَا يُطْلَبُ مِنْ نَوْعِهِ بِحَيْثُ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِتَمْكِينٍ أَتَمَّ مِنْهُ لَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ يُشَبَّهَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ النَّابِغَةِ الذبيانيِّ:
نُبِّئْتُ زُرْعَةَ وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا ………….. تُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الْأَشْعَارِ
وَكقَوْلِ جُزْءِ بْنِ كُلَيْبٍ الْفَقْعَسِيِّ:
تَبَغَّى ابْنُ كُوزٍ وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا ………… لِيَسْتَادَ مِنَّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيَا
فَيَكُونُ الْكَافُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ. وَالتَّقْدِيرُ: مَكَّنَا لِيُوسُفَ تَمْكِينًا كَذَلِكَ التَّمْكِينِ. وَإِنْ أَجْرَيْنَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ كَانَتْ لِحَاصِلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ عُثُورُ السَّيَّارَةِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إِنْجَاءٌ لَهُ عَجِيب الْحُصُول بمصادفة عَدَمِ الْإِسْرَاعِ بِانْتِشَالِهِ مِنَ الْجُبِّ، أَيْ مَكَّنَا لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَمْكِينًا مِنْ صُنْعِنَا، مِثْلَ ذَلِكَ الْإِنْجَاءِ الَّذِي نَجَّيْنَاهُ، فَتَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِنْ مَكَّنَّا. وَنَظِيرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} الآية: 108. و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بحرف الجرِّ، واللامُ للبعدِ والكافُ للخطابِ والجارُّ والمجرورُ صفةٌ لمصدر محذوف، تقديرُه: تَمْكينًا مِثلَ ذَلِكَ التَمْكينِ السابِقِ مِنِ اجْتِبائِهِ، وإنْجائِهِ مِنَ القَتْلِ والجُبِّ. و “مَكَّنَّا” فعلٌ ماضٍ مبنيُّ على السكونِ لِاتَّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المعظِّمِ نفسَهُ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “لِيُوسُفَ” اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “مَكَّنَّا”، و “يوسُفَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّه الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصرفِ بالعلمية والعُجمةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: “فِي الْأَرْضِ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
قولُهُ: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} وَلِنُعَلِّمَهُ: و “وَلِنُعَلِّمَهُ” الواوُ: عاطِفَةٌ عَلى مَحْذوفٍ مُتَعَلِّقٍ بِـ “مَكَّنَّا” والتقديرُ: وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ، لِيَنْشَأَ مِنْهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأَةِ العَزيزِ، ولِيَتَصَرَّفَ فيها بالعَدْلِ. و “لِنُعَلِّمَهُ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَعْليلٍ. متعلِّقٌ بِمَحْذوفٍ قبلَهُ، أَيْ: وفَعَلْنا ذَلِكَ “لِنُعلِّمه”. ويجوزُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا بَعْدَهُ، أَيْ: ولِنُعَلِّمَهُ فَعَلْنا كيت وكيت. ويجوزُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ “مكَّنَّا” على زيادَةِ الواو. و “نُعَلِّمَهُ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِ “أنْ” مُضْمَرَةً جَوازًا بَعْدَ لامِ كَيْ، وفاعلُهُ ضَميرُ المُعظِّمِ نفسَهُ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى اللهِ تعالى، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ الأوَّل. و “مِنْ تَأْوِيلِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مضافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهوَ في مَحَلِّ نصبِ المفعولِ الثاني ل “نعلم”، و “الْأَحَادِيثِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وهذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ باللَّامِ، تقديرُهُ: وكذلك مكنَّا له في الأرض لتصرُّفه فيها بالعدل، ولتعليمنا إياه تأويلَ الأحاديث.
قولُهُ: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} الوَاوُ استئنافيّةٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” مبتدأٌ مرفوعٌ، و “غَالِبٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “عَلَى أَمْرِهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبرِ “غَالِبٌ”. ويجوزُ أَنْ تَعودَ الهاءُ على الجَلالَةِ، كما يَجوزُ أَنْ تَعودَ عَلى يُوسفَ، فالمَعنى عَلى الأَوَّلِ: لا نُمْنَعُ عمَّا نَشَاءَ، ولا نُنَازَعُ عَمَّا نُريدُ، وعَلَى الثاني: نُدَبِّرِهُ ولا نَكِلُهُ إِلى غَيْرِهِ، فقَد كادَهُ إِخْوَتُه فلَمْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الواوُ: عاطفَةٌ، و “لكنّ” حَرْفٌ ناصِبٌ ناسخٌ للاسْتِدْراكِ، و “أكثرَ” اسْمْها مَنْصوبٌ بها، و “لا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يعملونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ: الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ والجمْلَةُ هذه في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “لكنَّ”، والجُمْلَةُ الاسْتِدْراكِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ التي قَبْلَها.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 20
 
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)
 
قولُهُ ـ جلَّ ثناؤهُ: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أيْ: باعَهُ الوارِدُ وأَصْحابُهُ
الذينَ التقطوهُ مِنَ الجُبِّ، باعوهُ لِمَلِكِ مِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتَادَةُ. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ إِخْوَتُهُ هُمُ الذينَ باعوهُ بِحَسَبِ إِحْدَى الرِّوايَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ والضَحَّاكُ ومُجَاهِدٌ. ومعْنَى شَرَوْهُ: باعُوهُ، فإنَّ اسْمَ البَيعِ والشِّراءِ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنَ والبائعِ والمُشْتَرِي، لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما بائعٌ لِمَا في يَدِهِ مُشْتَرٍ لِمَا في يَدِ صاحِبِهِ، ومِنْهُ قَوْلُ يَزِيد بْنِ مُفَرَّعٍ الْحِمْيَرِيِّ:
وشَريْتُ بُرْدًا لَيْتَني ……………………… مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
شَرَيْتُ هنا: بِعْتُ. فإِذا ابْتَعْتَ أَنْتَ، قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ. وقولُ آخَرَ:
وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ……… شَرَيْتُ أَبَا زَيْدٍ بِمَا مَلَكَتْ يَدِي
أَيِ اشْتَرَيْتُ أَبَا زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في (أَحْكامِهِ): قولُهُ تَعالى: “وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ” يُقال: اشْتَرَيْتُ بِمَعْنَى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ؛ لغة. والثَمَنُ البَخْسُ هو الزائفُ ناقِصُ العِيارِ، أَوِ الحَرامُ، قالَهُ الضَّحَّاكُ، وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لأَنَّهُ مَبْخوسُ البَرَكَةِ، أَيْ مَنْقوصُها، وذلكَ لأَنَّهم باعوا نَفْسًا حرَّةً لا يَجوزُ بَيْعُها، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: إِنَّمَا جَعَلَهُ بَخْسًا لِأَنَّهُ عِوَضُ نَفْسٍ شَرِيفَةٍ لَا تُقَابَلُ بِعِوَضٍ وَإِنْ جَلَّ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْبَخْسُ الْخَسِيسُ الَّذِي بَخَسَ بِهِ الْبَائِعُ. وقالَ قَتَادَةُ لأنَّهُ الظُلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: لأنَّهُ كانَ قليلًا. قَالَ: الضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ أَيْ: لَمْ
يَعْلَمُوا مَكَانَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
قولُهُ: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} بَيَانٌ لِقِلَّةِ عدَدِهِ ونُقْصانِهِ مِقْدارهِ بَعْد بَيَانِ نُقْصَانِهِ في نَفْسِهِ، وهيَ عبارةٌ عَنْ قِلَّةِ الثَمَنِ؛ لأنَّها دَراهِمُ فِضِّيَّةٌ وليستْ بدنانيرَ ذهبيَّةً، ولم تبلغْ أَنْ تُوزَنَ لِقِلَّتِها، أَيْ: غيْرِ مَوزُونَةٍ، إِذِ المُعْتَادُ فِيما لا يَبْلُغُ الأَرْبَعينَ العَدُّ، لأَنَّ أَقَلَّ الوَزْنِ عِنْدَهُم كَانَ الأُوقِيَّةَ، والأُوقِيَّةُ أَرْبَعونَ دِرْهَمًا. ومَا بَلَغَها أَوْ زَادَ فالمُعْتَادُ فِيهِ الوَزْنُ، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ، وَعِكْرِمَةَ فِي رِوَايَةٍ، وَنَوْفٍ الشَّامِيِّ، وَوَهْبٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطِيَّةَ، وَالسُّدِّيَّ، وَمُقَاتِلٌ فِي آخَرِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعينَ، أَنَّ ثمنَهُ كانَ عِشْرينَ دِرْهَمًا اقْتَسَمُوها، وكانُوا عَشَرَةً فَأَخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهم دِرْهَمَيْنِ. وعَنِ السُّدِيِّ ومجاهدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّها كانَتْ اثْنَيْنِ وعِشْرينَ دِرْهَمًا، فأَخَذَ كُلُّ واحِدٍ دِرْهَمَيْنِ، وكانوا أَحَدَ عَشَرَ رجُلًا، وقال عِكْرِمَةُ وابْنُ إِسْحاقَ: أربعونَ درهمًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: عِشْرُونَ، وَحُلَّةٌ، وَنَعْلَانِ. وَقِيلَ: كانَ ثَمَنُهُ ثَلَاثُينَ دِرْهَمًا، وَنَعْلَينِ وَحُلَّةً. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا اشْتَرَوْا بِهَا أَخْفَافًا وَنِعَالًا. وَقِيلَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، واللهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ هَلْ تَتَعَيَّنُ أَمْ لَا؟ وَقَدْ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ: فَذَهَبَ أَشْهَبُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ، وَحُكِيَ عَنِ الْكَرْخِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا لَا تَتَعَيَّنُ فَإِذَا قَالَ: بِعْتُكَ، هَذِهِ الدَّنَانِيرَ بِهَذِه، الدَّرَاهِمِ تَعَلَّقَتِ الدَّنَانِيرُ بِذِمَّةِ صَاحِبِهَا، وَالدَّرَاهِمُ بِذِمَّةِ صَاحِبِهَا، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ ثُمَّ تَلِفَتْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بذمتِهِما شيْءٌ، وَبَطَلَ الْعَقْدُ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا. ورُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَضَى، فِي اللَّقِيطِ أَنَّهُ حُرٌّ، وَقَرَأَ: “وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ”.
وفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى جَوَازِ شِرَاءِ الشَّيْءِ الْخَطِيرِ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ لَازِمًا، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: لَوْ بَاعَ دُرَّةً ذَاتَ خَطَرٍ عَظِيمٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا دُرَّةٌ وَحَسِبْتُهَا مَخْشَلَبَةً (خَرَزٌ أَبْيَضٌ يُشَاكِلُ اللُّؤْلُؤَ) لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ.
وَأَخرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّمَا اشْتُرِيَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعِشْرينَ دِرْهَمًا، وَكَانَ أَهْلُهُ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِمِصْرَ ثلثَ مِئةٍ وَتِسْعينَ إنْسَانًا، رِجَالُهمْ أَنْبيَاءُ وَنِسَاؤُهُمْ صِدِّيقاتٌ، وَاللهِ مَا خَرَجُوا مَعَ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى بَلَغُوا سِتَّمِئَةِ أَلْفٍ وَسَبْعينَ أَلْفًا.
قولُهُ: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} الزاهدُ في الشيْءِ هُوَ الذي لا يَرْغَبُ بِما في يَدِهِ، ولا يَتَمَسَّكُ بِهِ، ولِأنَّهم كانوا زاهدِينَ فيهِ فقَدْ باعُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وذَلِكَ لأَنَّهم الْتَقَطوهُ دونَ عناءٍ أَوْ ثَمَنٍ، ومُلْتَقِطُ الشَّيْءِ يَكونُ مُتَهاوِنًا فيهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ ولَمْ يَتْعَبْ في الحُصولِ عَلَيْهِ، ولربَّما ظَهَرَ لَهُ مَالِكٌ فيَنْتَزِعُهُ مِنْهُ، لِذلكَ فإنَّهُ يَبيعُهُ لأَوَّلِ راغِبٍ فِيهِ، بِأَرْخَصِ الأَثَمَانِ. وقِيلَ: إنَّهم كانوا زاهدينَ في ثَمَنِهِ لاخْتِبارِهم لَهُ وعِلْمِهم بِفَضْلِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أُعْتِقَ يُوسُفُ حِينَ بِيعَ. وَقِيلَ: “وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ” أَيْ فِي حُسْنِهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَإِنْ أَعْطَى يُوسُفَ شَطْرَ الْحُسْنِ صَرَفَ عَنْهُ دَوَاعِي نُفُوسِ الْقَوْمِ إِلَيْهِ إِكْرَامًا لَهُ. وقيل: “وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ” أَيْ: كانُوا في شِرائِهِ مِنَ الزاهدينَ؛ لِمَا خافُوا ذَهابَ الثَّمَنِ إِنْ كانَ مَسْروقًا، ولذلكَ فإنَّهم لم يدفعوا فيهِ الثمَنَ الذي كانَ يُدفعُ في أمثالَهِ، في العادةِ.
وَأَخرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزاهدين” قَالَ: إخْوَتُه زَهِدوا فِيهِ لم يَعلمُوا بِنُبُوَّتِهِ وَلَا بِمَنْزِلَتِهِ مِنَ اللهِ ومَكانِهِ.
وَصَوْغُ الْإِخْبَارِ عَنْ زَهَادَتِهِمْ فِيهِ بِصِيغَةِ مِنَ الزَّاهِدِينَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِمَّا لَوْ أَخْبَرَ بِ “كَانُوا فِيهِ زَاهِدِينَ”، لِأَنَّ جَعْلَهُمْ مِنْ فريقِ الزاهدينَ يُنبئُ بِأَنَّهُمْ جَرَوْا فِي زُهْدِهِمْ فِي أَمْثَالِهِ عَلَى سُنَنِ أَمْثَالِهِمُ الْبُسَطَاءِ الَّذِينَ لَا يُقَدِّرُونَ قَدْرَ نَفَائِسِ الْأُمُورِ.
قولُهُ تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة} الواوُ: للاستِئنافِ، أو عاطفةٌ، وَ “شَرَوْهُ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ المُقدَّرِ على الواوِ المَحْذوفَةِ، والواوُ: ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصِلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أَوْ مَعْطوفَةٌ عَلَى جملةِ {أَسَرُّوهُ} المُسْتَأْنَفةِ، وفي الحالين لا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “بِثَمَنٍ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “بَخْسٍ” صِفَة لِ “ثمنٍ” عَلَى تَأْويلِهِ بِمُشْتَقٍّ تَقديرُهُ: مَبْخُوسٍ، أَيْ: مَنْقوصٍ. و “دَرَاهِمَ” بَدَلٌ مِنْ “ثمنٍ” مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصرفِ، كونَهُ على وزنِ “مَسَاجِدَ”. و “مَعْدُودَةٍ” صِفَةٌ لِ “دَرَاهِمَ”.
قولُهُ: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} الواوُ: عاطِفةٌ، و “كانوا” فعلٌ ماضٍ نَاقِصٌ، مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجَماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسمِها، والألفُ الفارقةُ. “فيه” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “الزَّاهِدِينَ”، وقد اغْتُفِرَ ذَلِكَ للاتِّساعِ في الظُروفِ والجَارِّ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ، وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمَزْهُودِ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِ تَوَسُّمِهِمْ وَبَصَارَتِهِمْ مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَة، والتقديرُ: وكانوا من الزاهدين فيه. و “مِنَ الزَّاهِدِينَ” مِنْ: حَرْفُ جَرٍّ، و “الزاهدين” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ، لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والجارُّ والمجرورُ في محلِّ نصبِ خبَرِ “كان”، وَ “الْ” فيه لِتَعْرِيفِ الْجِنْس، وَلَيْسَت اسْمًا مَوْصُولًا خِلَافًا لِأَكْثَرِ النُّحَاةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ (أَلِ) الدَّاخِلَةَ عَلَى الْأَسْمَاء المُشْتَقَّةِ اسْمًا مَوْصُولًا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وَتَمَسَّكُوا بِعِلَلٍ وَاهِيَةٍ وَقد خَالَفَهُمُ الْأَخْفَشُ وَالْمَازِنِيُّ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ والكِسائيُّ: “زَهِدْتُ” بِكَسْرِ الهاءِ، و “زَهَدْتُ” بِفَتْحِها. وجُمْلَةُ “كان” معطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “شَرَوْهُ” فلا محلَّ لها من الإعرابِ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 19
 
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)
 
قولُهُ ـ جلَّ جلالُهُ: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} وَمَرَّتْ بِالبِئْرِ قَافِلَةٌ “سَيَّارَةٌ” مُجْتَازَةٌ، أَيْ رُفْقَةٌ مَارَّةٌ يَسِيرُونَ مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ فَأَخْطَأوا الطَّرِيقَ، وَهَامُوا حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْجُبِّ، فأَصابوا يُوْسُفَ، وَكَانَ الْجُبُّ فِي قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْعُمْرَانِ، إِنَّمَا هُوَ لِلرُّعَاةِ وَالْمُجْتَازِ، وَكَانَ مَاؤُهُ مِلْحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفَ. وهذا شُرُوعٌ فِيما جَرَى عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الجُبِّ، بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ مَا وَقَعَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ وبَيْنَ أَبِيهِ، وفي التَعْبيرِ بالمَجِيءِ إِيماءٌ إلى كَرَامَةِ يَوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، عِنْدَ رَبَّهِ سُبْحانَهُ.
قولُهُ: {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} فَأَرْسَلُوا رَجُلاً مِنْهُمْ إِلَى البِئْرِ لِيَسْتَقِي لَهُمُ المَاءَ، و “وَارِدَهُمْ” الذي يُريدُ المَاءَ ويَسْتَقي لَهم. ذَكَرَ أَصْحَابُ التَواريخِ أَنَّ اسمَ هذا الواردِ هو مالكُ بْنُ دُعْرِ الخُزاعِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الواحِدِ وعَلَى الجَمَاعَةِ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
قولُهُ: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أَيْ: أَرْسَلَهَا لِيَمْلَأَها. يُقالُ: أَدْلى الدَّلْوَ إِذا أَرْسَلها لِيَمْلَأَها، ودَلَّاها إِذا أَخْرَجَهَا مَلْأَى، وأَدْلَى يُدْلِي إِدْلاءً إِذا أَرْسَلَ، ودَلَى يَدْلُو دَلْوًا، إِذا جَذَبَ وأَخْرَجَ. قالَ العَجَّاجُ الرَّاجِزُ:
يَنْزِعُ مِنْ جَمَّاتِهَا دَلْوَ الدَّالي
أَيْ: يَنْزِعُ النَّازِعُ، والدَّلْوُ مَعْروفٌ، والجَمْعُ دِّلاءٌ، والعَدَدُ إِدْلٍ ودُلي، ويُقال للدَّلْوِ دَلاةٌ. والدَّلْوُ مِنَ المُؤنَّثاتِ السَّمَاعِيَّةِ فتُصَغَّرُ عَلى دُلَيَّةٍ، وَجَمْعُ دَلْوٍ فِي أَقَلَّ الْعَدَدِ أَدْلٍ، فَإِذَا كَثُرَتْ قُلْتَ: دُلِيٌّ وَدِلِيٌّ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، إِلَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَابُهُ التَّغْيِيرُ، وَلْيُفَرَّقْ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَدِلَاءٌ أَيْضًا. وقالَ ابْنُ الشُّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ التي يُسْتَقَى بِها مُؤَنَّثَةٌ، وقدْ تُذَكَّرُ، وأَمَّا الدَلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ، وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَذْكِيرِ والتَأْنيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرَّاءِ ـ عَلى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهم أَنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْر، وأَمَّا البِئْرُ فمُؤنَّثَةٌ فقَط في المَشْهورِ، ويُقالُ في تَصغيرِها: بُوَيْرَةٌ؛ وفي جَمْعِها آبار. وأَبَار. وأُبؤر. وبِئار، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أَيْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ فَتَدَلَّى بِهَا يُوسُفُ فخَرَجَ، والتَأْنيثُ في “جَاءتِ” والتَذْكيرُ في “أُرْسِلُواْ” باعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنَى. والأَصْلُ: دِلاو فقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً نَحْوَ كِساء، وأَدْلِوٌ فأُعِلَّ إعلالَ قاضٍ، ودُلُوْوٌ بواوين فَقُلِبتا ياءَيْن نحو: عِصِيّ. وَالدَّلْوُ: ظَرْفٌ كَبِيرٌ مِنْ جِلْدٍ مَخِيطٍ لَهُ خُرْطُومٌ فِي أَسْفَلِهِ يَكُونُ مَطْوِيًّا عَلَى ظَاهِرِ الظَّرْفِ بِسَبَبِ شَدِّهِ بِحَبْلٍ مُقَارِنٍ لِلْحَبْلِ الْمُعَلَّقَةِ فِيهِ الدَّلْوُ.
قولُهُ: { قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ} نِدَاءُ الْبُشْرَى مَجَازٌ، لِأَنَّ الْبُشْرَى لَا تُنَادَى، وَلَكِنَّهَا شُبِّهَتْ بِالْعَاقِلِ الْغَائِبِ الَّذِي احْتِيجَ إِلَيْهِ فَيُنَادَى كَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: هَذَا آنُ حُضُورِكَ. وَمِنْهُ: يَا حسرتا، وَ يَا عجبا، فَهِيَ مَكْنِيَّةٌ وَحَرْفُ النِّدَاءِ تَخْيِيلٌ أَوْ تَبَعِيَّةٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فَرِحَ وَابْتَهَجَ بِالْعُثُورِ عَلَى غُلَامٍ. قالَهُ قَتَادَةُ. وقالَ السُدِّيُّ فأبعدَ: أَنَّهُ نَادَى أَحَدَهم، وكانَ اسْمُهُ “بُشْرى” فنَاداهُ باسْمِهِ يُعْلِمُهُ بالغُلام. وهوَ استعارةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، أَيْ: يا بُشْرَى تَعالَى فَهَذَا أوانُ حُضُورِكَ، وقيلَ: المُنادَى مَحْذوفٌ كما في (يا ليتَ) أي: يا قومِي انْظُروا واسْمَعُوا بُشْرَايَ، وقيلَ: إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ للتَبْشيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِداءِ.
قال ابن الأنباريِّ: وَقَعَ النِّداءُ في اللفظِ بالبُشْرى، وهوَ في المَعنى واقعٌ لِغَيْرِها، تَأْويلُه: يا هؤلاءِ تَنَبَّهوا لِبُشْرايَ. وهذا مَعْنَى قولِ أَبي إِسْحاقٍ الزجّاجُ، ومَعْنَى النِّداءِ في هَذِهِ الأَشْيَاءِ التي لا تُجيبُ تَنْبيهُ المُخاطَبينَ، وتَوكيدُ القِصَّةِ إذا قلتَ: يا عَجَبَاهُ، فَكَأَنَّكَ قلتَ: اعْجَبُوا، وذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ، وهوَ أَنْ يَكونَ المَعْنَى: يا أَيَّتُها البُشْرى هذا مِنْ إِيانِكِ وأَوانِكِ، وزادَ أَبو عَلِيٍّ الفارسيُّ لِهَذَا الوَجْهِ بَيانًا، فقالَ: المَعْنَى فيهِ أَنَّ هَذا مِنْ أَوانِكَ ولو كُنْتَ مِمَّنْ يُخاطَبُ لَخُوطِبْتَ الآنَ، وهذا في كلِّ مُنَادى لا يُجيبُ ولا يَعْقِلُ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ “هذا” عَائِدٌ إِلَى ذَاتِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَاطَبَ الْوَارِدُ بَقِيَّةَ السَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ ذَاتَ يُوسُفَ حِينَ أَصْعَدَهُ الْوَارِدُ مِنَ الْجُبِّ، إِذْ لَوْ كَانُوا يَرَوْنَهُ لَمَا كَانَتْ فَائِدَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ بِأَنَّهُ غُلَامٌ إِذِ الْمُشَاهَدَةُ كَافِيَةٌ عَنِ الْإِعْلَامِ، فَتَعَيَّنَ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُشَاهِدِينَ شَبَحَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ ظَهَرَ مِنَ الْجُبِّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ لَا يُقْصَدُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ يُقْصَدُ بِهِ إِشْعَارُ السَّامِعِ بِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ شَيْءٌ فَرِحَ بِهِ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، كَمَا يَقُولُ الصَّائِدُ لِرِفَاقِهِ: هَذَا غَزَالٌ! وَكَمَا يَقُولُ الغائص: هَذِه صَدَقَة! أَوْ لُؤْلُؤَةٌ! وَيَقُولُ الْحَافِرُ لِلْبِئْرِ: هَذَا الْمَاءُ! قَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ الصَّائِدَ وَكِلَابَهُ وَفَرَسَهُ:
يَقُولُ رَاكِبُهُ الْجِنِّيُّ مُرْتَفِقًا ………….. هَذَا لَكِنْ وَلَحْمُ الشَّاةِ مَحْجُورُ
وَكَانَ الْغَائِصُونَ إِذَا وَجَدُوا لُؤْلُؤَةً يَصِيحُونَ. فقد قَالَ النَّابِغَةُ:
أَوْ دُرَّةُ صَدَفَاتِهِ غَوَّاصُهَا ……………… بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ
وَالْمَعْنَى: وَجَدْتُ فِي الْبِئْرِ غُلَامًا، فَهُوَ لُقَطَةٌ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنِ الْتَقَطَهُ. وَذَلِكَ سَبَبُ ابْتِهَاجِهِ بِقَوْلِهِ: يَا بُشْرَايَ هَذَا غُلَامٌ. وَالْغُلَامُ: مِنْ سِنِّهِ بَيْنَ الْعَشْرِ وَالْعِشْرِينَ. وَكَانَ سِنُّ يُوسُفَ يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالْحَبْلِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِذَا غُلَامٌ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَحْسَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الْغِلْمَانِ. قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ((فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ)). وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: كَانَ يُوسُفُ حَسَنَ الْوَجْهِ، جَعْدَ الشَّعْرِ، ضَخْمَ الْعَيْنَيْنِ، مُسْتَوِيَ الْخَلْقِ، أَبْيَضَ اللَّوْنِ، غَلِيظَ السَّاعِدَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ، خَمِيصَ الْبَطْنِ، صَغِيرَ السُّرَّةِ، إِذَا ابْتَسَمَ رَأَيْتَ النُّورَ مِنْ ضَوَاحِكِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ رَأَيْتَ فِي كَلَامِهِ شُعَاعَ الشَّمْسِ مِنْ ثَنَايَاهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ وَصْفَهُ، وَكَانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهَارِ عِنْدَ اللَّيْلِ، وَكَانَ يُشْبِهُ آدَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَوْمَ خَلَقَهُ اللهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْمَعْصِيَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ الْجَمَالَ مِنْ جَدَّتِهِ سَارَةَ، وَكَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ سُدُسَ الْحُسْنِ، فَلَمَّا رَآهُ مَالِكُ بْنُ دُعْرٍ قال: “يا بُشْرى هذا غُلامٌ”. وَكَانَ هَؤُلَاءِ السيارة من الإسماعيليين كَمَا فِي التَّوْرَاةِ، أَيْ أَبْنَاءُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ وَكَانَ مَجِيئُهُمُ الْجُبَّ لِلِاسْتِقَاءِ مِنْهَا، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِذْ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنِ الْجُبِّ.
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي الْآيَة قَالَ: جَاءَت سيارة فَنزلت على الْجب فأرسلوا واردهم فاستقى من المَاء فاستخرج يُوسُف فاستبشروا بِأَنَّهُم أَصَابُوا غُلَاما لَا يعلمُونَ علمه وَلَا مَنْزِلَته عِنْد ربه فزهدوا فِيهِ فباعوه وَكَانَ بَيْعه حَرَامًا وباعوه بِدَرَاهِم مَعْدُودَة.
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: “فأرسلوا واردهم” يَقُول: فأَرْسَلوا رسولَهم فأدْلى دَلوَهُ فتَشَبَّثَ الْغُلَام بالدَّلْوِ فَلَمَّا خرَجَ قَالَ: “يَا بشراي هَذَا غُلَام” تَبَاشروا بِهِ حِين استخرجوه: وَهِي بِئْر بِبَيْت الْمُقَدّس مَعْلُوم مَكَانهَا.
قولُهُ: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أَيْ: أَخْفَاهُ الوَارِدُ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي القَافِلَةِ، أَوْ أَخْفَى إٍخْوَتُهُ أَمْرَهُ لِيَكُونَ مَتَاعًا لِلتِّجَارَةِ “بِضَاعَةً”، وَأَخْفَوْهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِكَيْلاَ يَدَّعِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ المَكَانْ، لِيَكُونَ بِضَاعَةً مِنْ جُمْلَةِ تِجَارَتِهِمْ. وَالضَّمِيرُ لِلسَّيَّارَةِ لَا مَحَالَةَ، أَيْ أَخْفَوْا يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ خَبَرُ الْتِقَاطِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وِلْدَانِ بَعْضِ الْأَحْيَاءِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَاءِ قَدْ تَرَدَّى فِي الْجُبِّ، فَإِذَا عَلِمَ أَهْلُهُ بِخَبَرِهِ طَلَبُوهُ وَانْتَزَعُوهُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّمُوا مِنْهُ مَخَائِلَ أَبْنَاءِ الْبُيُوتِ، وَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ يَعْرِفُوا مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْجُبِّ وَيُعْلِنُوا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْله: وَأَسَرُّوهُ مُشْعِرًا بِأَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخْبَرَهُمْ بِقِصَّتِهِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ طَمَعًا فِي أَنْ يَبِيعُوهُ. وَذَلِكَ مِنْ فِقْدَانِ الدِّينِ بَيْنَهُمْ أَوْ لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالدِّينِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ ـ رضي اللهُ عنهُ: أَسَرَّهُ مَالِكُ بْنُ دُعْرٍ وَأَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ الَّذِينَ مَعَهُمْ فِي الرُّفْقَةِ، وَقَالُوا لَهُمْ: هُوَ بِضَاعَةٌ اسْتَبْضَعْنَاهَا بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ هَذَا الْمَاءِ إِلَى مِصْرَ، وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا خِيفَةَ الشَّرِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسَرَّهُ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِضَاعَةً لَمَّا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْجُبِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَاءُوا فَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ! هَذَا عَبْدٌ لَنَا أَبَقَ، وَقَالُوا لِيُوسُفَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ: إِمَّا أَنْ تُقِرَّ لَنَا بِالْعُبُودِيَّةِ فَنَبِيعَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَإِمَّا أَنْ نَأْخُذَكَ فَنَقْتُلَكَ، فَقَالَ: أَنَا أُقِرُّ لَكُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَأَقَرَّ لَهُمْ فَبَاعُوهُ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ يَهُوذَا وَصَّى أَخَاهُ يُوسُفَ بِلِسَانِهِمْ أَنِ اعْتَرِفْ لِإِخْوَتِكَ بِالْعُبُودِيَّةِ فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَتَلُوكَ، فَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا، وَتَنْجُوَ مِنَ الْقَتْلِ، فَكَتَمَ يُوسُفُ شَأْنَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِخْوَتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: وَاللهِ مَا هَذِهِ سِمَةُ الْعَبِيدِ!، قَالُوا: هُوَ تَرَبَّى فِي حُجُورِنَا، وَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِنَا، وَتَأَدَّبَ بِآدَابِنَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: صَدَقُوا! تَرَبَّيْتُ فِي حُجُورِهِمْ، وَتَخَلَّقْتُ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ بِعْتُمُوهُ مِنِّي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكمْ، فبَاعوهُ مِنْهُ. وَأخرجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وأسروه بضَاعَة” يَعْنِي إخْوَةُ يُوسُفَ أَسَرُّوا شَأْنَهُ وكَتَمُوا أَنْ يَكونَ أَخَاهُم، وكَتَمَ يُوسُفُ مَخَافَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِخْوَتُهُ، وَاخْتَارَ البيعَ، فَبَاعَهُ إِخْوَتُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاق، وَابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قال: “وأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً” قَالَ: أَسَرُّوا بَيْعَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “وأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً” قَالَ: أَسَرَّهُ التُّجَّارُ بَعْضُهم مِنْ بَعْضٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ “وأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً” قَالَ: صَاحِبُ الدَّلْوِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَالُوا لأَصْحابِهم: إِنَّا اسْتَبْضَعْنَاهُ خُفْيَة أَنْ يَسْتَشْرِكُوكم فِيهِ إِنْ علِمُوا بِهِ، واتَّبَعَهم إخْوَتُه يَقُولُونَ للمُدَلي وَأَصْحَابِهِ: اسْتَوْثِقوا مِنْهُ لَا يَأْبَقَنَّ حَتَّى وَثَّقُوهُ بِمِصْرَ فَقَالَ: مَنْ يُبْتَاعُنِي ويَسْتَسِرُّ فابْتَاعَهُ الْمَلِكُ وَالْمَلِكُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عَنْهُ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ البِئْرَ لِيَعْلَمُوا مَا الذِي سَيَكُونُ عَلَيهِ حَالُ يُوسُفَ، وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَذَكَرُوا خَبَرَهُ لِوَارِدِها، فَنَادَى أَصْحَابَهُ وَقَالَ: يَا بُشْرَى هَذا غُلاَمٌ يُبَاعُ، فَبَاعَهُ إِخْوَتُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ قَلِيلٍ إِلَى وَارِدِ السَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ أَخُوْهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ هُوَ إِنَّهُمْ إِخْوَتُهُ، مُفَضِّلاً الرِّقَّ وَالبَيْعَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ إٍخْوَتُهُ، وَكَانَ الإِخْوَةُ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي يُوسُفَ وَلَوْ سَأَلَهُمْ أَحَدٌ أَنْ يُعْطُوهُ إِيَّاهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَفَعَلُوا.
قولُهُ: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، إسْرارُهم ذاكَ، كان مَنْ كانَ المُسِرُّ. وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أَنَّ هَذَا وَعيدٌ لإخْوَةِ يَوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلَى مَا صَنَعُوا بِأَبيهم وأَخيهم وجَعْلِهم إِيَّاهُ ـ وهوَ هوَ، عُرْضَةً للابْتِذالِ بالبَيْعِ والشِّراءِ. أَيْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ، وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ قَوْمِهِ وَيُبَلِّغُوهُ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا خَبَرَهُ، أَوْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَطِيعًا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِخَبَرِهِ.
قولُهُ تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} الوَاوُ: للاستئنافِ، “جَاءَتْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والتاءُ لتأنيث الفاعِلِ، و “سَيَّارَةٌ” فاعلُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ. و “فَأَرْسَلُوا” الفاءُ: عاطفة، و “أَرْسَلُوا” فِعْلُ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والألفُ الفارقةُ، و “وَارِدَهُمْ” مَفْعُولٌ به منصوبٌ وهو مضافٌ، وضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ به في مخلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ على جُمْلَةِ “جاءَتْ” على كونِها مستأنَفَةً لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ} الفاءُ: للعطفِ، و “أَدْلَى” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخرِهِ لتَعذُّرِ ظهورِهِ على الألفِ، و “دَلْوَهُ” مَفْعُولٌ به منصوبٌ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على الوارِدِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “أرسلوا” فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “قَالَ” فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُه “هو” يعودُ عَلَى الوارِدِ، والجُمْلَةِ الفعليَّةُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا مَبْنِيًّا عَلى سؤالٍ يقتضيهِ الحالُ، لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “يَا” أَداةُ تعجُّبٍ ونداءِ المتوسِّطِ بُعْدُهُ، و “بُشْرَى” مُنادَى نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ، مبنيَّةٌ على الضمِّ المقدَّرِ على آخرهِ لتَعذُرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ، في محلِّ النَّصبِ بالنداءِ. وفي قراءَةِ: “يا بشراي” فمُنَادى مُضافٌ، وياءُ المتكلِّمِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ. وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”. و “هَذَا” ها: للتَنْبيهِ، و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مِحِلِّ الرفْعِ بالابْتِداءِ، و “غلامٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه في محلِّ النَّصْبِ مَقولَ القولِ لِ “قَالَ” عَلى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ.
قولُهُ: {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} الوَاوُ: حاليَّةٌ، و “أَسَرُّوهُ” فِعْلُ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلٍ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، وهوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: أسروا أَمْرَهُ، والضميرُ في أَسَرُّوا عائدٌ عَلى إِخْوَةِ يُوسُفَ، أوْ عَلى السَّيَّارَةِ. والجُمْلَة مَعْطوفةٌ على جملةِ “قَالَ” على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “بِضَاعَةً” نَصْبٌ عَلى الحالِ، أَوْ مُفْعُولٌ ثانٍ عَلى أَنْ يُضَمَّنَ “أَسَرُّوه” مَعْنَى صَيَّروهُ بالسِرِّ. والبِضَاعَةُ قِطْعَةٌ مِنَ المالِ تُعَدُّ للتِّجارَةِ مِنْ “بَضَعْتُ”، أَيْ: قَطَعْتُ، ومنْهُ المِبْضَعُ لِما يُقْطَعُ به. و “وَاللهُ” الواوُ: للاستئنافِ، ولَفْظُ الجَلالَةِ مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ، و “عَلِيمٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. و “بِمَا” الباءُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بَ “عَلِيمٌ”، و “ما” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالباءِ. أو نَكِرةٌ موصوفةٌ، و “يَعْمَلُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِه ثبوتُ النونِ في آخرِهِ، لأنَّهُ مِنَ الأَفْعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ: واوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، وهذه الجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” أَوْ صِفَةٌ لَهَا، والعائدُ، أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ تَقديرُهُ: بمَا تَعْملونَهُ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: {يَا بُشْرَايَ} بِإِضَافَةِ الْبُشْرَى إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَرَأَ الكوفيون، عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ بِدُونِ إِضَافَةٍ. بحذفِ ياءِ الإِضافة، وأمالَ أَلِفَ “فُعْلى” الأَخوانِ (حمزة والكسائيُّ)، وأَمالَها وَرَشٌ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى أَصْلِهِ، ورويَ عَنْ أَبي عَمْرِو بْنِ العلاءِ الوَجهانِ، ولكنَّ الأَشْهَرَ عَنْهُ عَدَمُ الإِمالَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ عَلى مَا قُرِّرَ في عِلْمِ القِراءاتِ. ونداءُ البُشَرَى عَلَى حَدِّ قولِهِ في سورةِ الزُمَرِ: {يا حَسْرَتَا عَلى} الآية: 56. وكقولِهِ في سورة يس: {يا حَسْرَةً عَلَى العِبادِ} الآية: 30. كأَنَّهُ يَقولُ: يا بُشْرَى هذا وقتُ أَوانِ أَنْ تُنادَي ويُصاحَ بكِ. ومَنْ زَعَمَ أَنَّ “بُشْرَى” اسْمُ رَجُلٍ كَالسُدِّيِّ فَقَدْ أَبْعَدَ.
وقَرَأَ ورْشٌ عَنْ نافعٍ “يا بُشْراْيْ” بِسُكونِ الياءِ، وهوَ جَمْعٌ بَيْنَ سَاكِنيْنِ في الوَصْلِ، وهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ في سورةِ الأنعام: {وَمَحْيَايَ} الآية: 162.
وقرأَ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ أَبي إِسْحاقَ والحَسَنُ: “يا بُشْرَيَّ” بِقَلْبِ الأَلِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإِضافَةِ، وهِيَ لُغَةٌ هُذَلِيَّةٌ تقدَّمَ الكلامُ عَلَيْها عِنْدَ قولِهِ: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَيَّ} في الآية: 38 من سورةِ البقرة. قالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
سَبَقوا (هَوَيَّ) وأَعْنَقوا لِهَواهُمُ ………… فَتَخَرَّموا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقالَ الزمخشري: وفي قراءة الحَسَنِ “يا بُشْرَيَّ” بالياء مَكان الألف جُعِلَتْ الياءُ بمنزلة الكسرةِ قبل ياءِ الإِضافةِ وهي لُغَةٌ للعَرَبِ مَشْهُورَةٌ، سَمِعْتُ أَهْلَ السَرواتِ يَقولونَ في دُعائهم: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 18
 
وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أَيْ: جاءُوا فوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقولُ: جاءَ عَلى جِمَالِهِ بِأَحْمالٍ، و “كَذِبٍ” أَيْ: ذِي كَذِبٍ، بِمَعْنَى مَكْذوبٍ فِيهِ، أَوْ هو وَصْفٌ بالمَصْدَرِ للمُبالَغَةِ، فَكَأَنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ، كَما تَقولُ لٍلكَذَّابِ: أَنْتَ الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، تَقْصِدُ أنَّهُ بَلَغَ فيهِ كلَّ مَبْلَغٍ، حتَّى تخلَّلَ الكذِبُ كلَّ خليَّةٍ بحيثُ أصبحا شيئًا واحدًا، وكذا بقيَّةُ الصفاتِ من صِدْقٍ وعِلْمِ، وأَدَبٍ وغيرِها، فتقولُ للصادقِ أنتَ الصِّدْقُ، وللعالِمِ أَنْتَ العِلْمُ، وللأديبِ أنتَ الأَدَبُ، وهَكَذا. وَلَمَّا كَانَ الدَّمُ مُلَطَّخًا بِهِ الْقَمِيصُ وَكَانُوا قَدْ جَاءُوا مُصَاحِبِينَ لِلْقَمِيصِ فَقَدْ جَاءُوا بِالدَّمِ عَلَى الْقَمِيصِ.
رُوِيَ أَنَّهمْ ذَبَحوا سَخْلَةً ولَطَّخُوا القَميصَ بِدَمِهَا، وفاتَهُم أَنْ يُمَزِّقوا القميصَ لِينكُثَ اللهُ غَزْلَهم، ويُوهِنَ كيدَهم، ويَفْضَحَ كَذِبَهم. فإِنَّهم لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةً عَلَى صِدْقِهِمْ قَرَنَ اللهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَامَةً تُعَارِضُهَا، وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنَ التَّنْيِيبِ والتمزيقِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ وَهُوَ لَابِسٌ الْقَمِيصَ وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ مِنَ التَّخْرِيقِ، وَلَمَّا تَأَمَّلَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْقَمِيصَ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرًا اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: مَتَى كَانَ هَذَا الذِّئْبُ حَكِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا يَخْرِقُ الْقَمِيصَ! قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.
فقد أخرج عبْدُ الرَّزَّاقِ الصنعانيُّ، وَابْنُ جَريرٍ الطَبَريُّ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “وجاؤوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ” قَالَ: كَانَ دَمَ سَخْلَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ “بِدَمٍ كَذِبٍ” قَالَ: كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ كَذِبًا، لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ، كَانَ دَمَ سَخْلَةٍ. وَأخرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: أَخَذُوا ظَبْيًا فَذَبَحُوهُ فَلَطَّخُوا بِهِ الْقَمِيصَ فَجَعَلَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُقَلِّبُ الْقَمِيصَ فَيَقُولُ: مَا أَرَى أَثَرَ نَابٍ وَلَا ظُفُرٍ، إِنَّ هَذَا السَّبُعَ رَحِيمٌ، فَعَرَفَ أَنَّهم كَذَبُوهُ. وَأَخْرَجَ الْفرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَرَيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنْ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: “وجاءُوا على قَمِيصِهِ بِدَم كَذِبٍ” قَالَ: لَمَّا أُتِي يَعْقُوبُ بِقَميصِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِما السَّلَامُ، فَلم يَرَ فِيهِ خَرْقًا قَالَ: كَذبْتُمْ لَو كَانَ كَمَا تَقولُونَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ لَخُرِقَ الْقَمِيصُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لمَّا جِيءَ بِقَميصِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَيَرَى أَثَرَ الدَّمِ وَلَا يَرَى فِيهِ شَقًّا وَلَا خَرْقًا فَقَالَ: يَا بَنِيَّ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَعْهَدُ الذِّئْبَ حَلِيمًا إِذْ أَكَلَ ابْنِي وَأَبْقَى قَمِيصَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَبَحُوا جَدْيًا، ولَطَّخُوهُ بِدَمِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْقَمِيصِ صَحِيحًا عَرَفَ أَنَّ الْقَوْمَ كَذَبوهُ فَقَالَ لَهُم: إنْ كَانَ هَذَا الذِّئْبُ لَحَلِيمًا حَيْثُ رَحِمَ الْقَمِيصَ وَلم يَرْحَمْ ابْني. ورَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: كَانَ الدَّمُ دَمَ سَخْلَةٍ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ كَذَبْتُمْ، لَوْ كَانَ الذِّئْبُ أَكَلَهُ لَخَرَقَ الْقَمِيصَ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ فِي الْقَمِيصِ ثَلَاثَ آيَاتٍ: حِينَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وَحِينَ قُدَّ قَمِيصُهُ مِنْ دُبُرٍ، وَحِينَ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فارتدَّ بَصِيرًا. وَهَذَا على فرضِ أنَّ المُرادَ القميصَ هو الجنسُ وليسَ قميصًا بعينِهِ، فَإِنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي جَاءُوا عَلَيْهِ بِالدَّمِ غَيْرُ الْقَمِيصِ الَّذِي قُدَّ، وَغَيْرُ الْقَمِيصِ الَّذِي أَتَاهُ الْبَشِيرُ بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي قُدَّ هُوَ الَّذِي أُتِيَ بِهِ يعقوبُ فَارْتَدَّ بَصِيرًا.
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: بَلِ اللُّصُوصُ قَتَلُوهُ، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ، فَاتَّهَمَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: تَزْعُمُونَ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ، وَلَوْ أَكَلَهُ لَشَقَّ قَمِيصَهُ قَبْلَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى جِلْدِهِ، وَمَا أَرَى بِالْقَمِيصِ مِنْ شَقٍّ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّ اللُّصُوصَ قَتَلُوهُ، وَلَوْ قَتَلُوهُ لَأَخَذُوا قَمِيصَهُ، هَلْ يُرِيدُونَ إِلَّا ثِيَابَهُ؟! فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: {وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ} عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، أَيْ لو كانَ الصِّدْقُ مِنْ صِفَتِنَا لاتَّهَمْتَنَا. ورُوِيَ أَنَّ يَعقوبَ لَمَّا سَمِعَ بِخَبَرِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِما السَّلامُ، صَاحَ بِأَعْلى صَوْتِهِ وقال: أيْنَ القَميصَ وأَخَذَهُ وأَلْقاهُ عَلَى وَجْهِهِ وبَكَى حَتَّى خُضِّبَ وجْهُهُ بِدَمِ القَميصِ وقال: تالله ما رَأَيْتُ كالْيَوْمِ ذِئْبًا أَحْلَمَ مِنْ هَذا! أَكَلَ ابْنِي ولمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَميصَهُ. ورُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا قَالُوا لَهُ: {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ يَتْرُكِ الذِّئْبُ لَهُ عُضْوًا فَتَأْتُونِي بِهِ أَسْتَأْنِسُ بِهِ؟! أَلَمْ يَتْرُكْ لِي ثَوْبًا أَشُمُّ فِيهِ رَائِحَتَهُ؟ قَالُوا: بَلَى! هَذَا قَمِيصُهُ مَلْطُوخٌ بِدَمِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: “وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ” فَبَكَى يَعْقُوبُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ، لِبَنِيهِ: أَرُونِي قَمِيصَهُ، فَأَرَوْهُ فَشَمَّهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَلَا يَرَى فِيهِ شَقًّا وَلَا تَمْزِيقًا، فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبًا أَحْكَمَ مِنْهُ، أَكَلَ ابْنِي وَاخْتَلَسَهُ مِنْ قَمِيصِهِ وَلَمْ يُمَزِّقْهُ عَلَيْهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَأَنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ كَالْمُغْضَبِ بَاكِيًا حَزِينًا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ وَلَدِي! دُلُّونِي عَلَى وَلَدِي، فَإِنْ كَانَ حَيًّا رَدَدْتُهُ إِلَيَّ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا كَفَّنْتُهُ وَدَفَنْتُهُ، فَقِيلَ قَالُوا حِينَئِذٍ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَبِينَا كَيْفَ يُكَذِّبُنَا فِي مَقَالَتِنَا! تَعَالَوْا نُخْرِجْهُ مِنَ الْجُبِّ وَنَقْطَعْهُ عُضْوًا عُضْوًا، وَنَأْتِ أَبَانَا بِأَحَدِ أعضائه فيُصَدِّقَنَا فِي مَقَالَتِنَا وَيَقْطَعُ يَأْسَهُ، فَقَالَ لهم يَهُوذَا: وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَأَكُونَنَّ لَكُمْ عَدُوًّا مَا بَقِيتُ، وَلَأُخْبِرَنَّ أَبَاكُمْ بِسُوءِ صَنِيعِكُمْ، قَالُوا: فَإِذَا مَنَعْتَنَا مِنْ هَذَا فَتَعَالَوْا نَصْطَدْ لَهُ ذِئْبًا، قَالَ: فَاصْطَادُوا ذِئْبًا وَلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ، وَأَوْثِقُوهُ بِالْحِبَالِ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ يَعْقُوبَ وَقَالُوا: يَا أَبَانَا! إِنَّ هَذَا الذِّئْبَ الَّذِي يَحِلُّ بِأَغْنَامِنَا وَيَفْتَرِسُهَا، وَلَعَلَّهُ الَّذِي أَفْجَعَنَا بِأَخِينَا لَا نَشُكُّ فِيهِ، وَهَذَا دَمُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: أَطْلِقُوهُ، فَأَطْلَقُوهُ، وَتَبَصْبَصَ لَهُ الذِّئْبُ، فَأَقْبَلَ يَدْنُو مِنْهُ، وَيَعْقُوبُ يَقُولُ لَهُ: اُدْنُ اُدْنُ، حَتَّى أَلْصَقَ خَدَّهُ بِخَدِّهِ، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: أَيُّهَا الذِّئْبُ! لِمَ فَجَعْتَنِي بِوَلَدِي وَأَوْرَثْتَنِي حُزْنًا طَوِيلًا؟! ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْطِقْهُ، فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى فَقَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَاكَ نَبِيًّا مَا أَكَلْتُ لَحْمَهُ، وَلَا مَزَّقْتُ جِلْدَهُ، ولا نَتَفْتُ شَعْرَةً مِنْ شَعَراتِهِ، واللهِ مَا لِي بِوَلَدِكَ عَهْدٌ، وَإِنَّمَا أَنَا ذِئْبٌ غَرِيبٌ أَقْبَلْتُ مِنْ نَوَاحِي مِصْرَ فِي طَلَبِ أَخٍ لِي فُقِدَ، فَلَا أَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، فَاصْطَادَنِي أَوْلَادُكَ وَأَوْثَقُونِي، وَإِنَّ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ الْوُحُوشِ، وَتَاللهِ! لَا أَقَمْتُ فِي بِلَادٍ يَكْذِبُ فِيهَا أَوْلَادُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْوُحُوشِ، فَأَطْلَقَهُ يَعْقُوبُ وَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَتَيْتُمْ بِالْحُجَّةِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، هَذَا ذِئْبٌ بَهِيمٌ خَرَجَ يَتَّبِعُ ذِمَامَ أَخِيهِ، وَأَنْتُمْ ضَيَّعْتُمْ أَخَاكم، وقدْ عَلِمْتُ أَنَّ الذِئْبَ بَرئٌ مِمَّا جِئْتُمْ بِهِ.
وقد اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِسلامَةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا.
قولُهُ: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} سَوَّلَتْ، أَيْ: زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ. والتَّسْويلُ تَقديرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إِتْمامِهِ، وَتَزْيِينُ النَّفْسِ مَا تَحْرِصُ عَلَى حُصُولِهِ. وَالْإِبْهَامُ الَّذِي فِي كَلِمَةِ “أَمْرًا” يَحْتَمِلُ عِدَّةَ أَشْيَاءَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْذُوا بِهِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مِنْ قَتْلٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ تَغْرِيبٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ مَا فَعَلُوهُ. وحَرْفُ الْإِضْرَابِ لإِبْطَال دَعْوَاهُمْ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ فَقَدْ صَرَّحَ لَهُمْ بِكَذِبِهِمْ. وَالتَنْكِيرُ أَيضًا لِلتَّهْوِيلِ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “بَلْ سَوَّلَتْ لكم أَنْفُسُكُم أَمْرًا” قَالَ: أَمَرَتْكُمْ أَنْفُسُكُم. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُم أَمْرًا” يَقُولُ: بَلْ زَيَّنَتْ لَكمْ أَنْفُسُكُم أَمْرًا، و “فَصَبرٌ جَميلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلى مَا تَصِفونَ” أَيْ: عَلَى مَا تَكْذِبونَ.
قولُهُ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أَيْ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَميلٌ أَوْ فَصَبْرٌ جَميلٌ أَجْمَلُ، وهوَ ما لا شَكْوَى فيهِ إِلى الخَلْقِ. وَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ إِنْشَاءُ التَّصَبُّرِ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَشَأْنِي وَالَّذِي اعْتَقَدَهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: أَيْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. وَقِيلَ: أَيْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَوْلَى بِي. وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سُئِلَ عَنِ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ فَقَالَ: ((هُوَ الَّذِي لَا شَكْوَى مَعَهُ)). وَوَصْفُ جَمِيلٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا كَاشِفًا إِذِ الصَّبْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ دُونَ الْجَزَعِ. كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ كُنَيفٍ النَّبْهَانِيُّ:
تَصَبَّرْ فَإِنَّ الصَّبْرَ بِالْحُرِّ أَجْمَلُ ………. وَلَيْسَ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ مُعَوَّلُ
أَيْ أَجْمَلُ مِنَ الْجَزَعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا مُخَصَّصًا. وَقَدْ فُسِّرَ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ بِالَّذِي لَا يُخَالِطُهُ جَزَعٌ.
وَالْجَمَالُ: حُسْنُ الشَّيْءِ فِي صِفَاتِ مَحَاسِنِ صِنْفِهِ، فَجَمَالُ الصَّبْرِ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُقَارِنُهُ شَيْءٌ يُقَلِّلُ خَصَائِصَ مَاهِيَّتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَن النبيَّ ـ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ لَهَا: ((اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي))، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ـ وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَت بَابَ النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)) أَيِ: الصَّبْرُ الْكَامِلُ. وذَكَرَ البُخارِيُّ ههُنا حَديثَ السيِّدةِ عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها، فِي الْإِفْكِ حَتَّى ذَكَرَ قَوْلَهَا: وَاللهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ”. كِتَابُ التَّفْسيرِ، تَفْسيرُ سُورة: 12، باب: 3. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي الدُّنْيَا فِي كتابِ الصَّبْرِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ أَبِي حِيلَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قَوْلِهِ: “فَصَبرٌ جَميلٌ” قَالَ: لَا شَكْوَى فِيهِ، مَنْ بَثَّ فلَمْ يَصْبِرْ. وَأَخرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “فَصَبرٌ جميلٌ” قَالَ: لَيْسَ فِيهِ جَزَعٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَكْوَى إِلَّا إِلَى اللهِ تعالى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الإمامِ الثَّوْريِّ، عَنْ بعضِ الصَّحَابَةِ ـ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين، قَالَ: يُقَالُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّبْرِ: أَنْ لَا تُحَدِّثْ بِمَا يُوجِعُكَ، وَلَا بِمُصيبَتِكَ، وَلَا تُزَكِّي نَفْسَكَ.
قولُهُ: {وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أَيْ أَسْتَعينُ اللهَ على احْتِمالِ مَا تَصِفُونَ مِنْ هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرِ عَلى الرِّزْءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا أُعَاشِرُكُمْ عَلَى كَآبَةِ الْوَجْهِ وَعُبُوسِ الْجَبِينِ، بَلْ أُعَاشِرُكُمْ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكُمْ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَفَا عَنْ مُؤَاخَذَتِهِمْ. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَكَانَ يَرْفَعُهُمَا بِخِرْقَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: طُولَ الزَّمَانِ وَكَثْرَةُ الْأَحْزَانِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي يَا يَعْقُوبُ؟! قَالَ: يَا رَبِّ! خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُهَا فَاغْفِرْ لِي.
قَالَ ابْنُ أَبِي رِفَاعَةَ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الرَّأْيِ أَنْ يَتَّهِمُوا رَأْيَهُمْ عِنْدَ ظَنِّ يَعْقُوبَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو نَبِيٌّ، حينَ قالَ لَهُ بَنُوهُ: {إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} قَالَ: “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ” فَأَصَابَ هُنَا، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ} قَالَ: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} فَلَمْ يُصِبْ.
وَفي التَّعْبِيرِ عَمَّا أَصَابَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السّلام، ب “مَا تَصِفُونَ” غَايَةُ الْبَلَاغَةِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاثِقًا بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي الصِّفَةِ وَوَاثِقًا بِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضُرًّا فَلَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ الْمُصَابُ أَجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إِجْمَالًا مُوَجَّهًا لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا يَصِفُونَهُ هُوَ مَوْتُهُ بِأَكْلِ الذِّئْبِ إِيَّاهُ وَيَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُرِيدُ أَنَّ مَا يَصِفُونَهُ هُوَ الْمُصَابُ الْوَاقِعُ الَّذِي وَصَفُوهُ وَصْفًا كَاذِبًا. فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في سورةِ الصافَّات: {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} الآية: 180. وَإِنَّمَا فَوَّضَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْأَمْرَ إِلَى اللهِ وَلَمْ يَسْعَ لِلْكَشْفِ عَنْ مَصِيرِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ عَلِمَ تَعَذُّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا عَضُدَ لَهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أَبْنَائِهِ أُولَئِكَ. وَقَدْ صَارُوا هُمُ السَّاعِينَ فِي الْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَيِسَ مِنِ اسْتِطَاعَةِ الْكَشْفِ عَنْ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِدُونِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مِنْهُمْ فُرْصَةً لذلك أَمَرَهم بِهِ قَائلًا لَهُمُ: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} الآية: 87، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
وقد اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِسلامَةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا. واسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِسلامَةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا.
قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} وَجَاءُوا: الواوُ: للاسْتِئنافِ، أو عاطفةٌ على قولِهِ: {وما أَنْتَ بِمؤمِنٍ لَنَا} من الآية السابقةِ لهذه الآية. و “جاؤوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ. و “عَلَى قَمِيصِهِ” جارٌّ متعلِّقٌ بمحذوفِ حالٍ مِنْ “دم” قالَهُ العُكْبُريُّ وأيَّدَه أبو حيان الأندلُسيُّ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الحالَ المُتَقَدِّمَةَ عَلَى المَجْرورِ بِحَرْفِ جَرٍّ أَصْلِيٍّ فِيها خَلافٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، والظاهِرُ صِحَةُ مَجيئِها كَذَلِكَ. وقيلَ هو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَرْفِيَّةِ، بمعنى “فوق” والظَرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ “دَمٍ”. قالَ الشَّيْخُ أبو حيَّان: ولا يُسَاعِدُ المَعْنَى عَلَى نَصْبِ “على” على الظَّرْفِ بمَعْنَى “فوق”، لأنَّ العاملَ فيهِ إِذْ ذَاكَ “جاؤوا” ولَيْسَ ال “فوقُ” ظَرْفًا لَهُمْ، بَلْ يَسْتَحيلُ أَنْ يَكونَ ظَرْفًا لهم. وهذا هوَ الذي رَدَدْتُ بِهِ قولَ الحُوفِيِّ: إِنَّ “على” مُتَعَلِّقَةٌ بِ “جاؤوا”. ثمَّ قالَ الشَيْخُ: وأَمَّا المِثالُ الذي ذَكَرَهُ الزَمَخْشَرْيُّ وهو “جاءَ عَلَى جِمالِهِ بِأَحْمالٍ” فيُمْكِنُ أَنْ يَكونَ ظَرْفًا للجَائي لأَنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفُ فيهِ باعْتبارِ تَبَدُّلِهِ مِنْ جَمَلٍ إِلى جَمَلٍ، وتَكونُ “بأَحْمال” في مَوْضِعِ الحالِ، أَيْ: مَضْمومًا بِأَحْمَالٍ. و “قميصِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ “على” وهو مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ به في محلِّ جرِّ مضافٍ إِليْهِ، و “بِدَمٍ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ “جاؤوا”. و “كَذِبٍ” صِفَةُ “دَمٍ” ولكنَّهُ في تَأْويلِ مُشْتَقٍّ تقديرُهُ: مَكْذوبٍ، والتَقْديرُ: وجاؤوا بِدَمٍ حَالَةَ كَوْنِهِ فَوْقَ قَميصِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ لو تَأَخَّرَ لَكانَ صِفَةً للنَّكِرَةِ. وقدْ رَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا الوَجْهُ قال لأَنَّ حالَ المَجْرورِ لا تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ. وصَحَّحَ جَماعَةٌ جَوازَهُ وأَنْشَدوا عليهِ بيتَ طُلَيحَةَ بْنِ خُوَيْلدٍ الأَسَدِيِّ:
فَإنْ تَكُ أذَوَادٌ أصِبْنَ وَنَسْوَةٌ ………….. فَلَنْ يَذهبوا فَرْغًا بقَتْلِ حِبالِ
وكانَ حِبالُ بْنُ طُلَيْحَةَ لَقِيَ ثابِتَ بْنِ الأَفْرَمِ وعُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ طُلَيْحَةُ تَنَبَّأَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَتَلَ ثابِتٌ وعُكَّاشَةُ حِبَالًا، فجاءَ الخَبَرُ إِلى طُلَيْحَةَ، فتَبِعَهُما وقَتَلَهُما، وقَال:
فَإنْ تَكُ أذَوَادٌ أصِبْنَ وَنَسْوَةٌ …………. فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ
وَمَا ظَنُّكم بالقَوْمِ إذْ تَقْتُلُونَهُ …………. أَلَيْسُوا وَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا بِرِجَالِ
عَشَيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَفْرَمَ ثَاوِيًا …………… وَعُكَّاشَةَ الغَنميَّ عَنْهُ بِحَالِ
ومنه قوْلُ المجنونِ قيسِ بْنِ المُلوَّحِ:
لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادِيًا ……………. إليَّ حبيبًا إنَّها لحبيبُ
ونُسِبَ لكلٍّ مِنْ قيسِ بْنِ ذِريحٍ، وعُرْوَةَ بْنِ حِزَامٍ، ومِنْهُ أيضًا، ومِنْ ذَلِكَ قولُ
مَشْغُوفَةً بِكَ قَدْ شَغَفَتْ وَإِنَّمَا …………. حَتَمَ الْفِرَاقُ فَمَا إِلَيْكَ سَبِيلُ
أَيْ: شَغَفَتْ بِكَ مَشْغُوفَةً، وَقَالَ آخَرُ:
غَافِلًا تَعْرِضُ الْمَنِيَّةُ لِلْمَرْ ……………….. ءِ فَيُدْعَى وَلَاتَ حِينَ إِبَاءِ
أَيْ: وَتَعْرِضُ الْمَنِيَّةُ لِلْمَرْءِ غَافِلًا. وَإِذَا جَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَجْرُورِ وَالْعَامِلِ، فَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ دُونَ الْعَامِلِ أَجْوَزُ.
وقال الحوفيُّ: إنَّ “عَلى قَميصِهِ” مُتَعَلِّقٌ بِ “جاؤوا”، وفيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ مجيئَهم لا يَصِحُّ أَنْ يَكونَ عَلَى القَميصِ. وهذه الجُمْلَةُ الفعليَّةُ، جملةُ: “جاؤوا” إمَّا جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ معطوفة على جملةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ هي جملةُ: {ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لنا} مِنَ الآيةِ السابقةِ، على كَوْنِها مُسْتَأْنَفَةً، وفي الحالينِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ على آخِرِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “يَعْقُوبَ” ـ عليهِ السلامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “بَلْ” حَرْفُ ابْتِداءٍ وإِضْرابٍ إِبْطالِيٌّ. و “سَوَّلَتْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وتاءُ تَأْنيثِ الفاعِلِ الساكِنَةُ لا محلَّ لها. و “لَكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَّلِّقٌ بِهِ. و “أَنْفُسُكُمْ” فاعلٌ مرفوعٌ مضافٌ و “كم” ضميرُ المُخاطَبينَ متَّصلٌ به في محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ. “أَمْرًا” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وهذه الجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولَ “قَالَ”. وقبلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ جُمْلَةٌ مَحْذوفَةٌ والتَقديرُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبِ، بَلْ سَوَّلَتْ.
قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْريعٍ. و “صبرٌ” خَبَرٌ لمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، تَقديرُهُ: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَميلٌ، أو: صَبْرٌ جَميلٌ أَمْثَلُ بِي. وهلْ يَجِبُ حَذْفُ مُبْتَدَأِ هَذا الخَبَرِ أَوْ خَبَرِ هَذا المُبْتَدَأِ؟ وضابِطُهُ أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا في الأَصْلِ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِفِعْلِهِ، وعِبَارَةُ بَعْضِهم تَقْتَضِي الوُجُوبَ، وعِبَارَةُ آخَرينَ تقتضي الجَوازَ. ومِنَ التَصْريحِ بِخَبَرِ هذا النَّوعِ. ولكنَّهُ في ضَرورةُ شِعْرٍ قولُ عمرَ بْنِ ربيعةَ:
فقالَتْ عَلى اسْمِ اللهِ أَمْرُكَ طاعةٌ …… وإنْ كُنْتُ قَد ْكُلِّفْتُ مَا لَمْ أُعَوَّدِ
وقولُ المُلَبّدُ بْنُ حَرمَلَةَ الشَيْبانيُّ الرجزُ:
يَشْكو إليَّ جَمَلي طولَ السُّرى …………. صَبْرٌ جميلٌ فكِلانَا مُبْتَلَى
فيُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ مُبْتَدًأ أَوْ خَبَرًا كَمَا تَقَدَّمَ. و “جَمِيلٌ” صِفَةُ “صبرٌ”، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “سَوَّلَتْ” و “وَاللهُ” مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ، و “الْمُسْتَعَانُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ: “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ” و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “الْمُسْتَعَانُ”، و “مَا” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. و “تَصِفُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِه ثبوتُ النونِ في آخرِهِ، لأنَّهُ مِنَ الأَفْعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ: واوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” أَوْ صِفَةٌ لَهَا، والعائدُ، أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ تَقديرُهُ: عَلى مَا تَصِفونَهُ.
وقرأ العامَّةُ: {كَذِبٍ} بالذالِ المُعْجَمَةِ، وهوَ مِنَ الوَصْفِ بالمَصادِرِ، فيُمْكِنُ أَنْ يَكونَ على سَبيلِ المُبالَغَةِ نَحوَ: رجلٌ عَدْلٌ، أَوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذِي كَذِبٍ، نَسَبَ فِعْلَ فاعِلِهِ إِلَيْهِ. وقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ “كَذِبًا” فاحْتَمَلَ أَنْ يَكونَ مَفعولًا مِنْ أَجْلِهِ، واحْتَمَلَ أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا في مِوْضِعِ الحالِ، وهوَ قَليلٌ، أَعْني مَجيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ. وقرأَتَ السيِّدةُ عائِشَةُ، والحَسَنُ: “كَدِبٍ” بالدالِ المُهْمَلَةِ. ومعناهُ: ذِي كَدِبٍ، أَيْ: أَثَرٍ؛ لأنَّ الكَدِبَ هوَ بَياضٌ يَخْرُجُ في أَظَافِيرِ الشَبَابِ ويُؤَثِّرُ فيها، فهو كالنَّقْشِ، ويُسمَّى ذَلكَ البياضُ “الفُوْف” فيكونَ هَذا اسْتِعَارَةً لِتَأْثيرِهِ في القَميصِ كَتَأْثيرِ ذَلِكَ في الأَظافيرِ. وقيلَ: هوَ الدَمُ الكَدِرُ. وقيلَ: الطَرِيُّ. وقيلَ: اليابِسُ.
وقرأَ العامَّةُ: {فصبرٌ جميلٌ} وقد تقدَّمَ توجيهُهُ في الإعراب، وقرأَ أُبَيٌّ ـ رضي اللهُ عنه، وعيسى بْنُ عُمَرَ: “فصبرًا جَميلًا” بالنَّصبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الكِسائيِّ، وكذلكَ هي في مُصحَفِ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، وتَخْريجُها عَلَى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ، أَيْ: أَصْبِرُ أَنَا صَبْرًا، وهذِهِ قِراءَةٌ ضَعيفَةٌ إِنْ خُرِّجَتْ هذا التَّخْريجَ، فإنَّ سِيبَوَيْهِ لا يَنْقاسُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إلاَّ في الطَّلَبِ، فالأَوْلى أنْ يُجعَلَ التَقديرُ: إِنَّ يَعْقوبَ رَجَعَ وأَمَرَ نَفْسَهُ فَكَأَنَّهُ قالَ: اصْبِري يا نفسُ صَبْرًا. وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ فِيمَا زَعَمَ سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ “فَصَبْرًا جَمِيلًا” قَالَ: وَكَذَا قَرَأَ الْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ، قَالَ وَكَذَا فِي مُصْحَفِ أَنَسٍ وَأَبِي صَالِحٍ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ” بِالرَّفْعِ أَوْلَى مِنَ النَّصْبِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: قَالَ رَبِّ عِنْدِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ “فلَأصْبِرَنْ صَبْرًا جَميلًا، كما قال الشاعرُ:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ………….. صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى
وقد تقدَّمَ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 17
 
قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)
 
قولُهُ ـ تَبَاركتْ أَسْماؤه: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} نَسْتَبِقُ: أَيْ فِي الرَّمْيِ، أَوْ عَلَى الْفَرَسِ، أَوْ عَلَى الْأَقْدَامِ، والْمُرَادُ بالِاسْتِبَاقِ هُنَا ـ واللهُ أَعْلَمُ، الْجَرْيُ عَلَى الْأَرْجُلِ لأَمْرَيْنِ، الأولُ: أَنَّ الرميَ إنَّما يكونُ في النَّهارِ، والذئابُ كما باقي الحيواناتِ المتوحشَّةِ إنَّما تخرجُ في الليلِ وتنامُ في النَّهارِ، والثاني: أَنَّهم قالوا: “ذَهَبْنَا”، فخَرَجَ الرَّمِيُ أيضًا لأنَّه لا يَقْتَضِي الذَّهابَ، وخَرَجَ الاسْتِبَاقُ عَلَى الخَيْلِ لأَنَّهُ لا يَتَطَلَّبُ الغِيَابَ عَنْ أَخِيهم ومَتَاعهم فَتْرَةً طَويلَة بحيثُ تتجمعُ الذئابُ وتأكُلُ أَخَاهم. وَالْغَرَضُ مِنَ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ تَدْرِيبُ النَّفْسِ عَلَى الْعَدْوِ، لِأَنَّهُ الْآلَةُ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، وَدَفْعِ الذِّئْبِ عَنِ الْأَغْنَامِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: “نَسْتَبِقُ” نَشْتَدُّ جَرْيًا لِنَرَى أَيُّنَا أَسْبَقُ. وَذَلِكَ مِنْ مَرَحِ الشَّبَابِ وَلَعِبِهِمْ. الِاسْتِبَاقُ: افْتِعَالٌ مِنَ السَّبْقِ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى التَّسَابُقِ، وَالِافْتِعَالُ وَالتَّفَاعُلُ يَشْتَرِكَانِ كَالِانْتِضَالِ وَالتَّنَاضُلِ، وَالِارْتِمَاءِ وَالتَّرَامِي، أَيْ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ. وَيُقَالُ أَيْضًا: السِّبَاقُ، كَمَا يُقَالُ النِّضَالُ وَالرِّمَاءُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النِّضَالُ فِي السِّهَامِ، وَالرِّهَانِ فِي الْخَيْلِ، وَالْمُسَابَقَةُ تَجْمَعُهُمَا. وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُسَابَقَةُ شِرْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَخَصْلَةٌ بَدِيعَةٌ، وَعَوْنٌ عَلَى الْحَرْبِ، وَقَدْ فَعَلَهَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَفْسِهِ وَبِخَيْلِهِ، فسَابَقَ السيدةَ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَلَى قَدَمَيْهِ فَسَبَقَهَا، فَلَمَّا كَبُرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَابَقَهَا فَسَبَقَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)) رواهُ النَّسائيُّ في السُنَنِ الكُبْرَى بِرَقَم: (8942)، وابْنُ ماجَةَ في سُنَنِه، برقم: (1979)، عَنِ السيدةِ عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها. وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا لَمَّا رَجَعُوا مِنْ ذِي قَرَدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَسَبَقَهُ سَلَمَةُ، مُسْنَدُ أَحْمَد: (33/303)، وخَرَّجَهُ مُسْلمٌ في صحيحِه: (9/304) من حديثٍ طويلٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ، وذَكَرَهُ ابْنُ حَجَر في فتح الباري” (12/15). و “ذِي قَرَدٍ” مَوْضِعٌ قَريبٌ مِنَ المَدينَةِ أَغَارُوا فيهِ عَلَى لقاحِ رَسُولِ اللهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةِ والسَّلام، فغَزَاهُمْ. وَرَوَى مَالِكٌ في موطّأِهِ: (888)، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، (مَوْضِعٌ بالمَدينَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ثِنْيَةِ الوَداعِ سِتَّةُ أَمْيالٍ أَوْ سَبْعَةٌ) وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ. وخَرَّجَهُ الشيخانِ في صحيحيهما: البخاري: (9/485)، ومُسلِمٌ: (9/441)، وخرَّجه أيضًا أَصحابُ السُنَنِ وغيرُهم. والأَمَدُ: غَايَةُ الْمُسَابَقَةِ، وَيُسْتَعَارُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ مُعَيَّنَةٍ. قَالَ تَعَالَى في سورة الحديد: {فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} الآية: 16. وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا. وللمُسابَقَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، ذَكَرَها القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وقالَ: فَلَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِدُونِهَا، وَهِيَ:
1 ـ أَنَّ الْمَسَافَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً.
2 ـ أَنْ تَكُونَ الْخَيْلُ مُتَسَاوِيَةَ الْأَحْوَالِ.
3 ـ أَلَّا يُسَابِقَ الْمُضَمَّرُ مَعَ غَيْرِ الْمُضَمَّرِ فِي أَمَدٍ وَاحِدٍ وَغَايَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْخَيْلُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُضَمَّرَ وَيُسَابَقُ عَلَيْهَا، وَتُقَامُ هَذِهِ السُّنَّةُ فِيهَا هِيَ الْخَيْلُ الْمُعَدَّةُ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ لَا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ.
وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِالنِّضَالِ وَالْإِبِلِ، فَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاص ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ في سُنَنِهِ: (11/346)، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ((لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ)). وأَخْرَجَهُ التِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: (6/286) وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وأخرجهُ ابْنُ الجَعْدِ في (ص: 405) مِنْ مُسْنَدِهِ، ورَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ورواهُ غيرُهم. وَثَبَتَ ذِكْرُ النَّصْلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ فُقَهَاءَ الْحِجَازُ وَالْعِرَاقُ. وَرَوَى أَحْمَدُ في مسندِهِ: (24/118) والْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: (9/488) عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءُ لَا تُسْبَقُ ـ قَالَ حميد: أولا تَكَادُ تُسْبَقُ ـ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ)) ورواه غيرُهما مِنْ أَصْحابِ السننِ والمسانيدِ وغيرِها. وقد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ السَّبَقَ لَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الرِّهَانِ إِلَّا فِي الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَالسَّبَقُ فِيهَا قمار. وقد زاد أبو البختري الْقَاضِي فِي حَدِيثِ الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ” أَوْ جَنَاحٍ” وَهِيَ لَفْظَةٌ وَضَعَهَا لِلرَّشِيدِ، فَتَرَكَ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ مِنْ مَوْضُوعَاتِهِ، فَلَا يَكْتُبُ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ بِحَالٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا سَبَقَ إِلَّا فِي الْخَيْلِ وَالرَّمْيِ، لِأَنَّهُ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، قَالَ: وَسَبَقُ الْخَيْلِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ سَبَقِ الرَّمْيِ. وظاهرُ الحَديثِ يَسْتَوِي بَيْنَ السَّبَقِ عَلَى النُّجُبِ وَالسَّبَقِ عَلَى الْخَيْلِ. وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الرِّهَانَ فِي كُلِّ شيْءٍ إِلَّا فِي الْخَيْلِ، لِأَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الْمُرَاهَنَةَ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ المُراهَنَةَ في كُلِّ شَيْءٍ جَائِزَةٌ، وَقَدْ تُؤُوِّلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى العُمومِ في كُلِّ شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى، إِجَازَةِ الْقِمَارِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقٍ.
وكما لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إِلَّا فِي غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ، كَمَا تقدَّمَ، فَكَذَلِكَ الرَّمْيُ لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِيهِ إِلَّا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَرَشْقٍ مَعْلُومٍ، وَنَوْعٍ مِنَ الْإِصَابَةِ، مُشْتَرَطٍ خَسْقًا أَوْ إِصَابَةٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ. يقال: خَسَقَ السَّهمُ الرِمْيَةَ أَو خَزَقَها، إِذا أَصابَها ونَفَذَ فيها. وَالْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ أيضًا:
1 ـ سَبَقٌ يُعْطِيهِ الْوَالِي أَوِ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا فَيَجْعَلُ لِلسَّابِقِ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَمَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ.
2 ـ وَسَبَقٌ يُخْرِجُهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ أَخَذَهُ، وَحَسَنٌ أَنْ يُمْضِيَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى مَالِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ.
3 ـ وسَّبَقٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِثْلَ مَا يُخْرِجُهُ صَاحِبُهُ، فَأَيُّهمَا سَبَقَ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَسَبَقَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لَا يَأْمَنَا أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ جَمِيعًا وَأَخَذَهُمَا وَحْدَهُ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وأَخَذَ سَبَقَ صاحِبِهِ، ولا شَيْءَ للمُحَلِّلِ فِيهِ، ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ سَبَقَ الثَّانِي مِنْهُمَا الثَّالِثَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ ـ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: وَحُكْمُ الْفَرَسِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا جَرْيُهُ، وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ السَّبَقَ لِلْمُتَسَابِقَيْنِ أَوْ لَهُ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَنَّهُ إِنْ سَبَقَ أَخَذَ سَبَقَهُ وَسَبَقَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ قِمَارٌ، وَلَا يَجُوزُ. وَفِي مُسْنَدُ أَحْمَد: (21/197)، وسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (7/142) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (6/142)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: ((مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ وَمَنْ أَدْخَلَهُ وَهُوَ يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ)). ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ والبيهقيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَصَحَّحَهُ، وغيرهم. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ، وإنْ لم يسْبِقَ لَمْ يَكنْ عَلَيْهِ شيءٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَقَالَ مَرَّةً لَا يَجِبُ الْمُحَلِّلُ فِي الْخَيْلِ، وَلَا نَأْخُذُ فِيهِ بِقَوْلِ سَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْمُحَلِّلِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ مِنْ قَوْلِهِ.
وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فِي الْمُسَابَقَةِ إِلَّا مُحْتَلِمٌ، وَلَوْ رَكِبَهَا أَرْبَابُهَا كَانَ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَرْكَبُ الْخَيْلَ فِي السِّبَاقِ إِلَّا أَرْبَابُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقَلُّ السَّبَقِ أَنْ يَسْبِقَ بِالْهَادِي (العُنُقِ) أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ بِالْكَفَلِ أَوْ بَعْضِهِ. وَالسَّبَقُ مِنَ الرُّمَاةِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ عِنْدَهُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سَابَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَسَبَقَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي أَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ كَانَ عِنْدَ صَلَا فَرَسِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وثَلَتَ عُمَرُ وَالصَّلَوَانِ مَوْضِعُ الْعَجُزِ.
والِاسْتِبَاقُ تَكَلُّفُ السَّبْقِ وَهُوَ الْغَرَضُ مِنَ الْمُسَابَقَة، وَالتَّسَابُقُ بِصِيغَتَيِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْغَلَبُ، وَقَدْ يُقْصَدُ لِذَاتِهِ أَوَ لِغَرَضٍ آخَرَ فِي السَّبَقِ. وَمِنْهُ قولُهُ في سُورةِ البَقَرَةِ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} الآية: 148، فَهَذَا يُقْصَدُ بِهِ السَّبْقُ لِذَاتِهِ لَا لِلْغَلَبِ، وَقَوْلُهُ الْآتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} الآية: 25، كَانَ يَقْصِدُ بِهِ يُوسُفُ الْخُرُوجَ مِنَ الدَّارِ هَرَبًا مِنْ حَيْثُ تَقْصِدُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِاتِّبَاعِهِ إِرْجَاعَهُ، وَصِيغَةُ الْمُشَارَكَةِ لَا تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى.
قولُهُ: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أَيْ عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا حَارِسًا لَهَا. إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَنَا فِي اسْتِبَاقِنَا الَّذِي تُرْهَقُ بِهِ قُوَانَا، وقد أَوْغَلْنَا فِي الْبُعْدِ عَنْهُ فَلَمْ نَسْمَعْ صُرَاخَهُ وَاسْتِغَاثَتَهُ. “فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ” وذَلِكَ أَنَّهم عِنْدَمَا سَمِعُوا أَبَاهُمْ يَقُولُ: {وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ فِيهِ فَتَحَرَّمُوا بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَظْهَرَ الْمَخَاوِفَ عَلَيْهِ.
قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أَيْ بِمُصَدِّقٍ. فقد أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ عَنِ الضَّحَّاك ـ رَضِي الله عَنهُ: “وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا} قَالَ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا. وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ عَنِ السُّدِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ. “وَلَوْ كُنَّا” أَيْ وَإِنْ كُنَّا، و “صادِقِينَ” فِي قَوْلِنَا، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ يَعْقُوبُ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُمْ مِنْ قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقِيلَ: “وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ” أَيْ وَلَوْ كُنَّا عِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ مَا صَدَّقْتَنَا، ولاتَّهمْتَنا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ فِي يُوسُفَ. والْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ أَيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ثَقَلُهُمْ مِنَ الثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ وَالزَّادِ. و “أَكَلَهُ الذِّئْبُ” قَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَفِعْلُ الْأَكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ. يُقَالُ أَكَلَهُ الْأَسَدُ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى في الآيةِ الثالثةِ مِنْ سورةِ المائدةِ: {وَما أَكَلَ السَّبُعُ} عَطْفًا عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهَا، أَيْ بِقَتْلِهَا. وَمِنْ كَلَامِ أميرِ المؤمنين عُمَرَ بْنِ الخطَّاب ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ (أَكَلَنِي الْكَلْبُ)، أَيْ عَضَّنِي. وَالْمُرَادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئَابِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئَابُ مِنْهُ شيئًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنَّاهُ. وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَبَاهُمْ لَا يُصَدِّقُهُمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طَامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ. أَيْ: وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلِنَا هَذَا، لِاتِّهَامِكَ إِيَّانَا بِكَرَاهَةِ يُوسُفَ وَحَسَدِنَا لَهُ عَلَى تَفْضِيلِكَ إِيَّاهُ عَلَيْنَا فِي الْحُبِّ وَالْعَطْفِ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِي الْأَمْرِ الْوَاقِعِ أَوْ نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ وَلَوْ كُنَّا عِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ مَا صَدَّقْتَنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ لِشِدَّةِ وَجْدِكَ بِيُوسُفَ. لذلك فإِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ الذي خِفْتَنَا عَلَيْهِ منذ البداية. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللهِ. وَأَخْرَجَ ابْنْ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْله تعالى: “وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين” قَالَ: نَزَلَتْ عَلى كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِك: لَا تُصَدِّقُ بِالصِّدقِ وَلَو كُنْتُ صَادِقًا.
قال بَعْضُهُم: إنَّ سَبَبِ ابْتِلاءِ يَعقوبَ بِفِراقِ يُوسُفَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أَنَّهُ ذَبَحَ جَدْيًا بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِ فَلَمْ يَرْضَ اللهُ تَعالَى ذَلِكَ مِنْهُ، وأَرَيَ دمًا بِدَمٍ، وفُرْقَةً بِفُرْقَةٍ، لِعَظَمَةِ احْتِرامِ شَأْنِ البُنُوَّةِ.
وقالَ بَعْضُهم: لَمَّا وُلِدَ يُوسُفُ اشْتَرَى يَعْقوبُ لَهُ ظِئْرًا، وكانَ لَهَا ابْنٌ رَضِيعٌ، فبَاعَ ابْنَها تَكْثيرًا لِلَّبَنِ عَلَى يُوسُفَ، فبكَتْ وتضرَّعَتْ، وقالتْ: يا رَبُّ إنَّ يَعقوبَ فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَ وَلَدَي، فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وَلَدِهِ يُوسُفَ، فاسْتَجابَ اللهُ دُعاءَها فَلَمْ يَصِلْ يَعْقوبُ إِلى يُوسُفَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ لَقِيَتْ تِلْكَ الجارِيَةُ ابْنَها. تفسيرُ روحِ البَيانِ لإسْماعِيل حَقّي: (4/225). وفي الحديثِ (لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِها) أيْ: لا تُجْعَلْ وَالِهَةً بِتَفْرِيقِهِ مِنْها، البُخَارِيُّ في التَاريخِ الكَبير: (6/477) مِنْ حَديثِ عُيَيْنَةَ بْنِ عَاصِمِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ، وابْنُ عَدِيٍّ: (6/2414)، مِنْ حَديثِ أَنَسٍ، والبَيْهَقِيُّ: (8/5) مِنْ حَديثِ أَبي بَكْرٍ الصِّديقِ. ومِنْ أَحاديثِ المَقَاصِدِ الحَسَنَةِ: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلِدِها فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ)) رواه الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ: (5/412، رقم: 23546)، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ، وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي، فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا. قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهَا حَتَّى وَضَعَهُ فِي يَدِهَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وخرَّجهُ عنه التِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: (4/134، رقم: 1566)، وحسَّنَهُ، والحاكمُ في مستدركِهِ: (2/63، رقم: 2334) وصحَّحَهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وأخرجه الدارميُّ والبيهقيُّ والدارقطنيُّ والشهابُ وغيرُهم. ومِثْلُ هَذا وإنْ كانَ بَعيدًا بِالْنِسْبَةِ إلى الأَنْبِياءِ ـ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسَّلامُ، إلَّا أَنَّ القَضَاءَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلْ. قالَ الشَّيْخُ الأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إِذا شاءَ الحَقُّ إِنْفاذَ قَوْلِهِ تَعالى: {وكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدورًا} عَلى عُمومِ الأفْعالِ في العَبْدِ، بإيفاءِ زَلَّةٍ مِنْهُ، يُجْرِي عَلَيْهِ القَدَرَ بِمَا أَرادَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى مَقامِهِ، إنْ كانَ مِنْ أَهْلِ العِنَايَةِ والوُصُولِ. وقيلَ لأبِي يَزيدٍ البسطاميُّ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ: أَيَعْصي العَارِفُ: فَقالَ: وكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدورًا. هَذا بِالنِسْبَةِ إِلى حَالِ يَعْقوبَ وابْتِلائِهِ، وأَمَّا بالنِسْبَةِ إلى يُوسُفَ، فقدْ حُكِيَ أَنَّهُ أَخَذَ يَوْمًا مِرَآةً فَنَظَرَ إِلى صُورَتِهِ، فأَعْجَبَهُ حُسْنُهُ وبَهاؤهُ، فقالَ: لَوْ كُنْتُ عَبْدًا فباعُوني لَمَا وُجِدَ لِي ثَمَنٌ، فابْتُلِيَ بالعُبودِيَّةِ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِرَاقِهِ مِنْ أَبِيهِ. وفِيهِ إِشارَةٌ إِلى أَنَّ الجَمَالَ والكَمَالَ كُلَّهُ للهِ ـ سبحانَهُ وتَعَالَى وَحْدَهُ.
قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مَبَنِيٌّ على الضَّمِ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “يَا أَبَانَا” اليَاءُ: أداةُ نداءٍ للمتوسِّطِ بُعْدُهُ، و “أَبَانَا” مَنصوبٌ على النِداءِ مُضافٌ وعلامةُ نَصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخَمْسَةِ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قال”. و “إِنَّا” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مُشبَّهٌ بالفِعلِ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “ذَهَبْنَا” فعلٌ مُضارعٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” جماعةِ المتكلمينَ وهو ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “ذهبنا” في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قالَ” عَلَى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ. و “نَسْتَبِقُ” فعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلى إِخْوَةِ يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “ذَهَبْنَا”.
قولُهُ: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} وَتَرَكْنَا: الواوُ
للعطفِ، و “تركنا” مثل “ذهبنا” معطوفةٌ عَلَيها. و “عِندَ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “تركنا” وهو مضافٌ، و “مَتَاعِنَا” مجرورٌ بالإضافةِ مضافٌ، و “نا” ضميرُ جَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُكونِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “فَأَكَلَهُ” الفاءُ: عاطفةٌ، و “أكَلَ” فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في مَحَلِّ نصبِ مفعولِهِ، و “الذئبُ” فاعلُهُ مرفوعٌ. والجملةُ هذه على جُملَةِ “تَرَكْنا”.
قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} الواوُ: عاطِفَةٌ. و “ما” حجازيَّةٌ أَوْ تَميمِيَّةٌ. “أَنْتَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ رَفْعِ اسْمِ “ما” إنْ أُعْربتْ حجازيَّةً، أَو في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ، إنْ أُعربتْ تميميَّةً. و “بِمُؤْمِنٍ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ زائدٍ، و “مُؤْمِنٍ” مجرورٌ لَفظًا منصوبٌ محَلًا خَبَرًا ل “مَا” الحِجَازِيَّةِ، أوْ مرفوعةٌ خَبَرًا للمُبْتَدَأِ “أنت”. و “لَنَا” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “مُؤمِنٍ”، و “نا” ضَميرُ جَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، وهذِه الجُملة الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى جُملةِ “فَأَكَلَهُ” عَلى كونِها مَقولَ القولِ. و “وَلَوْ” الواوُ: اعتراضيَّةٌ أَوْ عاطفةٌ عَلى مَحْذوفٍ. و “لو” حرفُ شَرْطٍ غيرُ جازِمٍ. و “كُنَّا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” ضميرِ جماعةِ المُتَكَلِّمِينَ وهوَ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ
عَلى السُّكونِ في محلِّ رفعِ اسْمِ “كان”، و “صادقين” خبرُها منصوبٌ،
وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالمِ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، والجملةُ الاسميَّةُ هذهِ فعلُ شرطِ “لو” لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجَوابُ “لو” مَحذوفٌ والتقديرُ: ولو كُنّا صادقينَ، لا تَّهَمْتَنا، وجملةُ “لَوْ” الشَرْطِيَّةُ معطوفةٌ على الجملةِ المَحذوفةِ، والجملةُ المَحذوفةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ “لنا” تقديرُهُ: وما أَنْتَ بِمُؤمنٍ لَنَا حَالَةَ كَوْنِنا صَادِقينَ وغَيْرَ صادِقينَ.
قرأَ الجمهورُ: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} وفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “إِنَّا ذَهَبْنَا نَنْتَضِلُ”.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 16
 
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً} عِشاءً: أيْ آخِرَ النَّهَارِ. وَإِنَّمَا جَاءُوا عِشَاءً للاسْتِتارِ وليُخْفوا وُجوهَهم مِنْ تَفَرُّسِهِ الكَذِبَ فيها، ولِيَكُونُوا أَقْدَرَ عَلَى الِاعْتِذَارِ فِي الظُّلْمَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا تَطْلُبِ الْحَاجَةَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَلَا تَعْتَذِرْ بِالنَّهَارِ مِنْ ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجَ فِي الِاعْتِذَارِ.
قولُهُ: {يَبْكُونَ} أَيْ: مُتَبَاكينَ، مُتَصَنِّعِيِّ البُكاء. لِيُوهِمُوا، بِبُكائهم وتَفَجُّعِهم عَلَيْهِ، إِفراطَ مَحَبَّتِهمْ لَهُ المَانِعَةِ مِنْ الجُرْأَةِ عَلى إيذائه. ولِهَذَا قالَ الأَعْمَشُ لا تُصَدِّقْ باكِيَةً بَعْدَ إِخْوَةِ يُوسُفَ. وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً تَحَاكَمَتْ إِلَى شُرَيْحٍ القاضي فَبَكَتْ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ مَا تَرَاهَا تَبْكِي؟ قَالَ: قَدْ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يَبْكُونَ وَهُمْ ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا بِالْحَقِّ. وربَّما كان بَعْضُهم صادقًا في بكائهِ نَدَمًا عَلَى ما ارتكبَ مِنْ إثمٍ، وقد أَحَسَّ بِفَظَاعَةِ ما اقترفوا، خًصوصًا عِنْدَمَا رأوا ما حلَّ بِأَبيهم مِنْ ألمِ الثُّكْلِ وعذابِهِ.
وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لَا يَدُلُّ دائمًا عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا، فَإنَّ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الدَّمْعَ الْمَصْنُوعَ لَا يَخْفَى، كَمَا قَالَ المُتَنَبِّي:
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ ………….. تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
وقبله:
وفي الأَحْبابِ مَخْصوصٌ بِوَجْدٍ …………… وآخَرُ يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا
وبعده:
فأمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْدًا ………….. ويَنْطِقُ بالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا
فَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ بُكَاءَهُمْ قَالَ: مَا بِكُمْ؟ أَجْرَى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَيْنَ يُوسُفُ؟. قَالُوا: ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكَى وَصَاحَ وَقَالَ: أَيْنَ قَمِيصُهُ؟. فَطَرَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى تَخَضَّبَ وَجْهُهُ مِنْ دَمِ الْقَمِيصِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ لَمَّا قَالُوا أَكَلَهُ الذِّئْبُ، خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأَفَاضُوا عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَنَادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، قَالَ وَهْبٌ: وَلَقَدْ وَضَعَ يَهُوذَا يَدَهُ عَلَى مَخَارِجِ نَفَسِ يَعْقُوبَ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسٍ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُ عِرْقٌ، فَقَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: وَيْلٌ لَنَا مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ! ضَيَّعْنَا أَخَانَا، وَقَتَلْنَا أَبَانَا، فَلَمْ يُفِقْ يَعْقُوبُ إِلَّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، فأَفاقَ ورَأْسُه فِي حِجْرِ رُوبِيلَ، أو يهوذا، فَقَالَ له: أَلَمْ أَأْتَمِنُكَ عَلَى وَلَدِي؟. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ عَهْدًا؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ كُفَّ عَنِّي بُكَاءَكَ أُخْبِرْكَ، فَكَفَّ يَعْقُوبُ بُكَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَبَتِ {إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}.
وفي الآيةِ نَقْضٌ لقولِ المُعْتَزِلَةِ في صاحِبِ الصَّغيرةِ أَنْ لا تَعْذيبَ عَلَيْهِ، وفي صاحِبِ الكَبيرَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الإيمانِ، كَمَا فيها نَقْضٌ لقوْلِ الخَوارِجِ في أَنَّ مُرْتَكِبَ الكبيرِةِ أَوِ الصغيرَةِ كافرٌ مُشْرِكٌ. لأنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ هَمُّوا بِقَتْلِ يُوسُفَ، وطَرَحوهُ في الجُبِّ، ولا يَخْلو ذَلِكَ مِنْهم: إِمَّا أَنْ تَكونَ صَغيرةً أَوْ كَبيرةً، فإنْ كانَتْ صَغيرَةً فَقَدِ اسْتَغْفَروا اللهَ عَلَيْها بِقَوْلِهم: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} سورة يوسف، الآية: 97؛ فدَلَّ على أَنَّهم إِنَّما طَلَبُوا المَغْفِرةَ لَمَّا خافُوا العَذَابَ عَلَيْها. وإِنْ كانَتْ كَبيرَةً فلْم يَخْرُجوا مِنَ الإيمانِ؛ حَيْثُ صَارُوا مِنْ بَعْدُ قومًا أَنْبَياءَ وصاروا قومًا صالِحينَ؛ حَيْثُ قالُوا في الآيَةِ التاسِعةِ السابِقَةِ: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.
قولُهُ تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} الواوُ: استئنافيَّةٌ، و “جَاءُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق. و “أَبَاهُمْ” مَفعولٌ بهِ منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وهو مُضافٌ، وضميرُ جماعة الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عِشَاءً” مَنْصوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الزمانيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “جاءوا” وهذا الظَرْفٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. و “يَبْكُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامَةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “جاءوا”.
قرأَ الجمهورُ: {عِشاءً}، وقرأَ الحَسَنُ البَصريُّ ـ رضي اللهُ عنهُ: “عُشَا” جَمْعُ “عاشٍ” على وَزْنِ دُجَى، نحوَ: غازٍ وغُزاةٍ، ثُمَّ حُذِفَ منْهُ تَاءُ التَأْنيثِ، كَمَا حَذَفوها مِنْ “مَأْلُكَةٍ”، فقالوا: مَأْلُكٍ، كما قالَ عَدِيُّ بْنُ زيدٍ:
أَبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ……………… أَنَّهُ قدْ طالَ حَبِسي وانْتِظاري
قال أَبو الفَتْحِ عثمانُ بْنُ جِنِّي: وكانَ قِياسُهُ عُشاةً، ك “ماشٍ” ومُشاةٍ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الهاءَ تَخْفِيفًا وهوَ يُريدُها، وقرأَ الحَسَنُ أَيضًا “عُشِيًّا” بالتَّصغيرِ. وقالَ أَبو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِضَمِّ العَيْنِ، والأَصْلُ: “عُشاةٌ” مِثْل “غازٍ” و “غُزاة”، فَحُذِفَتْ الهاءُ وزِيْدتِ الأَلِفُ عِوَضًا مِنْها، ثمَّ قُلِبَتِ الأَلِفُ هَمْزَةً. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ جمْعَ “فاعِلٍ” على وزنِ “فُعال”، كما جُمع “فَعيل” على “فُعال” لِقُرْبِ ما بَيْنَ الكَسْرِ والضَّمِّ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ كَ “نُؤام” و “رُباب” وهوَ شَاذٌّ. وهيَ مِنَ العِشْوَةِ والعُشْوَةِ، وهيَ الظَّلامُ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com