فيضُ العليم ….. سورة التوبة، الآية: 30


وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
(30)
قولُه ـ تَعالى شأنُه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} قالَ هذا القولَ فُرْقةٌ مِنَ اليَهودِ فَأُلْصِقَ بهِمْ جميعاً لأَنَّ سُكُوتَ الباقين عَلَيْهِ، وعَدَمَ تَغْييرِهِ يُلْزِمُهمُ المُوافَقَةَ عَلَيْهِ والرِضا بِهِ. وقد خَرَجَ هَذا اللفْظُ على العُمومِ ومعناهُ الخُصوصُ، لأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ اليَهودِ قالوا ذَلِكَ، وهذا مِثْلُ قولِهِ تَعالى في سورة آلِ عُمرانَ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ الناسَ قدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهم} الآية: 173. ولم يَقُلْهُ الناسُ كُلُّهم، بَلْ قالَهُ للنَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بعضٌ مِنْهم فلَزِمَ الجَماعَةَ شَناعَةُ ما قالوهُ، لأَجْلِ نَباهَةِ القائلِ فِيهِم، وعَدَمِ إِنْكارِهم عَلَيْهِ، وأَقوالُ النُبهاءِ أَبَداً مَشهورةٌ في النَّاسِ يُحْتَجُّ بها، مِنْ ذلكَ قولُكَ: عَبَّرَتِ الدَّوْلَةُ الفُلانيَّةُ عَنْ مَوْقِفِها مِنَ القَضِيَّةِ الفُلانِيَّةِ بِأَنْ قالَتْ كَذا وكَذا، وإنَّما الذي قالَهُ هُوَ رَئيسُها، أَوْ وَزيرُ خارجيَّتِها، أَوْ ناطقٌ باسْمِ حُكومَتِها. فَمِنْ هَهُنا صَحَّ أَنْ تَقولَ الجماعةُ قولَ نَبيهِها. واللهُ أَعْلَمُ.
و “عُزيرٌ”: اسْمُ حَبْرٍ كَبيرٍ مِنْ أَحبارِ اليَهودِ الذينَ كانوا في الأَسْرِ البابِلِيِّ، وهو منْ أصلٍ عَرَبيٍّ مُشْتَقٌّ مِنَ العَزْرِ، وهوَ المَنعُ والنَصْرُ والتَأْييدُ، قالَ تعالى في سورة الفتح: {وتُعَزِّروهُ وتُوَقَِّروهُ} الآية: 9. أيْ: تَنْصُروهُ مَعَ التَعْظيمِ والتَفْخيمِ، وهو في العِبرانِيَّةِ (عِزْرا) بِكَسْرِ العَينِ المُهْمَلَةِ، بْنُ (سَرايا) مِنْ سِبْط اللاّويّين، وقدْ ذُكِر اسمُه في الآيةِ بِصِيغَةِ التَصْغيرِ، فيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لمَّا عَرَّبَه العرب اليهودُ في يَسْرِبَ، عُرِّبَ بِصِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ التَصْغيرِ، ويُحْتَمَلُ أَنَّ تَصْغيرَ اسمِهِ جَرى على لِسانِ يَهودِ المَدينَةِ تحْبيباً فيه، ويجوزُ صرفَ حتى لوْ كان أعْجَمِيّاً لأنَّه على ثلاثةِ أَحْرُفٍ في الأَصْلِ ثمَّ زِيدَتْ عليه ياءُ التَصْغيرِ.
وكانَ العُزَيْرُ حافظاً للتَوراةِ. وقدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ مَلِكُ الفُرْسَ (كُورش) حِينَ قَضى على دَوْلَةِ (حمو رابي) البابِلِيَّةِ، فَأَطْلَقَهُ مِنَ الأَسْرِ، وأَطْلَقَ مَعَهُ بَني إسْرائيلَ الذين كانَ (حمورابي) أَسَرَهم بَعْدَ أَنْ قَوَّضَ مَمْلَكَتَهم، فرَجَعوا إلى أُورْشَليمَ وأعادوا بِناءَ هَيْكَلِهم فيها، وذلك سَنَةَ: 451 قبْلَ ميلادِ السَيِّدِ المَسيحِ ـ عليهِ السَّلامُ، فكانَ عِزْرا كبيرَ أَحْبارَ اليَهودِ الذين رَجَعوا بِقَومِهم إلى أُورْشَليمَ، وجَدَّدوا بناءَ الهيكَلِ، وأَعادَ شَريعَةَ التَوراةِ مِنْ حِفْظِهِ، فكانَ اليَهودُ يُعظِّمونَه إلى حَدِّ أَنِ ادَّعى عامَّتُهم أَنَّه ابْنُ اللهِ، غُلُوَّاً مِنْهُمْ في تعظيمِه وتقديسِهِ. وكانَ اللهُ قَدْ رَفَعَ التوراةَ عنِ اليَهودِ ومَحاها مِنْ قلوبِهم، لمّا قَتَلوا أَنْبياءَهم مِنْ بَعْدِ مُوسى ـ عليه وعليهمُ السلامُ، فخَرَجَ عُزَيْرٌ يَسِيحُ في الأرضِ، فأَتاهُ جبريلُ فقالَ: أينَ تَذْهَبُ؟ قالَ: أَطْلُبُ العِلْمَ، فعَلَّمَهُ التوراةَ كلَّها فرَجَعَ عُزَيْرُ بالتَوراةِ إلى بَني إسْرائيلَ فَعَلَّمَهم. وقيلَ: بَلْ حَفَّظَها اللهُ عُزيراً كرامَةً لَهُ مِنْهُ سبحانَه، فقالَ لِبَني إسرائيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ حَفَّظَني التوراةَ، فَجَعَلوا يَدْرُسونَها مِنْ عِنْدِهِ. وكانتْ التَوراةُ قد دَفَنَها عُلَماؤهم حين أَصابَهم مِنَ الفِتنِ والبلاءِ والمرضِ ما أَصابهم، وقَتَلَ بُخْتَنَصَّرُ الكثيرَ منهم. ثمَّ إنّهم أَخْرَجوها فإذا هي كما كان عُزيرُ يُدَرِّسُها فضَلُّوا عِنْدَ ذلك وقالوا: إنَّ هذا لم يَتَهَيَّأْ لِعُزيرٍ إلاَّ وهُوَ ابْنُ اللهِ.
أخرج ابنُ أبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قولَه في تفسير قولِهِ تعالى: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ”، قال: (وَإِنَّمَا قَالُوا هُوَ ابْنُ اللهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عُزَيْرًا كَانَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ عِنْدَهُمْ فَعَمِلُوا بِهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ، يَعْمَلُوا ثُمَّ أَضَاعُوهَا, وَعَمِلُوا بِغَيْرِ الْحَقِّ وَكَانَ التَّابُوتُ فِيهِمْ فَلَمَّا رَأَى اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُمْ قَدْ أَضَاعُوا التَّوْرَاةَ وَعَمِلُوا بِالأَهْوَاءِ رَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ التَّابُوتَ وَأَنْسَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَنَسَخَهَا مِنْ صُدُورِهِمْ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَرَضًا فَاسْتَطْلَقَتْ بُطُونَهُمْ مِنْهُ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَمْشِي كَبِدُهُ حَتَّى نَسُوا التَّوْرَاةَ وَنُسِخَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ وَفِيهِمْ عُزَيْرُ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثُوا بَعْدَ مَا نُسِخَتِ التَّوْرَاةُ مِنْ صُدُورِهِمْ، وَكَانَ عُزَيْرُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَدَعَا عُزَيْرُ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ، وَابْتَهَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِنْ صَدْرِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي مُبْتُهِلاً إِلَى اللهِ نَزَلَ عَلَيْهِ نُورٌ مِنَ اللهِ، فَدَخَلَ جَوْفَهُ فَعَادَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ ذَهَبَ مِنْ جَوْفِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَأَذَّنَ فِي قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، قَدْ آتَانِي اللهُ التَّوْرَاةَ وَرَدَّهَا إِلَيَّ، فَعَلَّقَ بِعِلْمِهِمْ فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثُوا وَهُوَ يُعَلِّمُهُمْ، ثُمَّ إِنَّ التَّابُوتَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ ذَهَابَهِ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَأَوا التَّابُوتَ عَرَضُوا مَا كَانَ فِيهِ عَلَى الَّذِي كَانَ عُزَيْرُ يُعَلِّمُهُمْ فَوَجَدُوهُ مِثْلُهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا أُوتِي عُزَيْرٌ هَذَا إِلاَّ لأَنَّهُ ابْنُ اللهِ”.
وأخرجَ أيضاً عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ” إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِمُ الْعَمَالِقَةُ، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا التَّوْرَاةَ وَهَرَبَ عُلَمَاؤُهُمُ الَّذِينَ بَقُوا فَدَفَنُوا كُتُبَ التَّوْرَاةِ فِي الْجِبَالِ وَكَانَ عُزَيْرٌ يَتَعَبَّدُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ، لا يَنْزِلُ إِلا فِي يَوْمِ عِيدٍ فَجَعَلَ الْغُلامُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: رَبِّ تَرَكْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْرِ عَالِمٍ فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِيهِمْ حَتَّى سَقَطَ أَشْغَارُ عَيْنَيْهِ فَنَزَلَ مَرَّةً إِلَى الْعِيدِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ قَدْ مَثَلَتْ لَهُ عِنْدَ قَبْرٍ مِنْ تِلْكِ الْقُبُورِ تَبْكِي، وَتَقُولُ: يَا مُطْعِمَاهُ يَا كَاسِيَاهُ، فَقَالَ لَها: وَيْحَكَ مَنْ كَانَ يُطْعِمُكِ أَوْ يَكْسُوكِ أَوْ يُسْقِيكِ أَوْ يَنْفَعُكِ قَبْلَ هَذَا الرَّجُلِ ؟ قَالَتِ: اللهُ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ حَيُّ لَمْ يَمُتْ، قَالَتْ: يَا عُزَيْرُ فَمَنْ كَانَ يُعَلِّمُ الْعُلَمَاءَ قَبْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَتْ: فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمْ؟ فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ خَصَمَ وَلَّى مُدْبِرًا فَدَعَتْهُ، فَقَالَتْ: يَا عُزَيْرُ، إِذَا أَصْبَحْتَ غَدًا فَأْتِ نَهَرَ كَذَا وَكَذَا، فَاغْتَسَلْ فِيهِ، ثُمَّ اخْرُجْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَأْتِيكَ شَيْخٌ فَمَا أَعْطَاكَ فَخُذْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ انْطَلَقَ عُزَيْرٌ إِلَيَّ ذَلِكَ النَّهَرِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَتَاهُ شَيْخٌ، فَقَالَ: افْتَحْ فَمَكَ فَفَتَحَ فَمَهُ فَأَلْقَى فِيهِ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْجَمْرَةِ الْعَظِيمَةِ مُجْتَمِعٌ كَهَيْئَةِ الْقَوَارِيرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَرَجَعَ عُزَيْرٌ وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالتَّوْرَاةَ، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: مَا كُنْتَ كَذَّابًا فَعَمَدَ فَرُبِطَ عَلَى كُلِّ أُصْبُعٍ لَهُ قَلَمَا، ثُمَّ كَتَبَ بِأَصَابِعِهِ كُلِّهَا فَكَتَبَ التَّوْرَاةَ فَلَمَّا رَجَعَ الْعُلَمَاءُ أُخْبِرُوا بِشَأْنِ عُزَيْرٍ، وَاسْتَخْرَجَ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءُ كُتُبَهُمُ الَّتِي كَانُوا رَفَعُوهَا مِنَ التَّوْرَاةِ فِي الْجِبَالِ، وَكَانَتْ فِي خَوَابٍ مَدْفُونَةٍ فَعَرَضُوهَا بِتَوْرَاةَ عُزَيْرٍ فَوَجَدُوهَا، مِثْلَهَا فَقَالُوا: مَا أَعْطَاكَ اللهُ إِلاَّ وَأَنْتَ ابْنُهُ”.
قولُهُ: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} وكذلك فَقَدِ ادَّعَتِ النَّصَارَى أَنَّ المَسِيحَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، هُوَ ابْنُ اللهِ، وهُوَ ظاهِرُ قَوْلِهم، وإنَّما أَرادوا بُنُوَّةَ النَسْلِ، كما تَقَدَّمَ مِنْ قوْلِ العَرَبِ في المَلائكَةِ الكرامِ ـ عليهِمُ السَّلامُ، وهذا أَشْنَعُ الكُفْرِ. فقد أَطْبَقَتِ النَّصارَى عَلى أَنَّ المَسيحَ إلَهٌ وإنَّهُ ابْنُ إِلهٍ. ويُقالُ إنَّ بَعْضَهم يَعْتَقِدُها بُنُوَّةَ حُنُوٍّ ورَحمةٍ وعنايَةٍ وتَرْبِيَةٍ ورُبُوبيَّةٍ، ولَطَالمَا رَكَّزْتُ في لِقاءاتٍ كَثيرةٍ، ومناسباتٍ عديدةٍ جمَعَتْني بِأُدباءَ ومُثَقَّفينَ نَصارَى على هذا الجانِبِ، فما سمعتُ منهم إنكاراً لَهُ، لأنَّهُ الأكثرَ معقوليَّةً.
أَخرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مولى ابنِ عباسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما، أنَّه قَالَ: “قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَقَالَ الصَّابِئُونَ: نَحْنُ نَعْبُدَ الْمَلائِكَةَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَقَالَتِ الْمَجُوسُ: نَحْنُ نَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ دُونَ اللهِ، وَقَالَ أَهْلُ الأَوْثَانِ: نَحْنُ نَعْبُدُ الأَوْثَانَ مِنْ دُونِ اللهِ. فَأَوْحَى اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى نَبِيِّهِ الكريم ـ عليه أفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسليم،: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لم يلدْ ولم يولدُ ولم يكنُ لَّهُ كفواً أَحَدٌ}. وذلك لِيُكَذِّبَ قَوْلَهُمْ، وليَدْحَضَ دَعْواهم.
قولُهُ: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} فهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَلاَ سَنَدَ لَهُمْ فِيمَا ادَّعُوهُ سِوَى افْتِرَائِهِمْ وَاخْتِلاَقِهِمْ على مَوْلاهُم ـ جَلَّ وعَلا، وَهُمْ يُشَابِهُونَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ التِي ضَلَّتْ كَمَا ضَلَّ هَؤُلاَءِ. أَيْ: أَنَّ ذَلِكَ الذي قالوهُ في شَأْنِ العُزَيْرِ والمَسيحِ، إنَّما لاكتْهُ أَلْسِنَتُهم في أَفْواهِهِم دونَ تفكُّرٍ ولا تَعَقُّلٍ، فإنَّه لا سنَدَ لهم ولا مستندَ لديهم فيما زَعَموهُ، وما هُوَ إلاَّ افتِراءٌ وافتِئاتٌ واخْتِلاقٌ، وهوَ مِنَ الأَلْفاظِ التافهةِ التي لا وَزْنَ لها ولا قِيمة، وإنَّ الأَدلَّةُ العِلْمِيَّةَ السَمْعِيَّةُ منها والعَقْليَّة نَصَّتْ على اسْتِحالَةِ أَنْ يَكونَ للهِ وَلَدٌ أَوْ والِدٌ أَوْ صاحِبَةٌ أَوْ شَريكٌ. وقدْ حاجَّهُمُ اللهُ سُبْحانَهُ، في سُورَةِ آلِ عُمْرانَ بِأَنَّه قَدْ خلقَ آدَمَ مِنْ غَيرِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، فقالَ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين} الآيتان: 59 و60. فكان أَوْلى بِنِسْبَةِ البُنُوَّةِ إليه، وبِحَسَبِ مِقياسِهم فإنَّ اللهَ سبحانَه، هو أَبٌ له وأُمٌّ في آنٍ إذاً! تعالى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبيراً.
وفي قولِهِ: “ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ” ذمٌّ لهم على ما نَطَقوا بِهِ، لأنَّ العقلَ السَليمَ يَمُجُّهُ، والفُكرَ القويمَ لا يُسيغُه. قالَ تَعالى في سورةِ مريم: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} الآيات: 92 ـ 95. وأَنْذَرَ الذين نَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ بالعِقابِ الشَديدِ فقال في سورةِ الكَهْفِ: {وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} الآيتان: 4 و 5.
وقد أَسْنَدَ القولَ إلى الأَفواهِ مَعَ أَنَّهُ لا يَكونُ إلاَّ بها، زِيادَةً في تَأْكيدِ نِسْبَةِ هذا القولِ إليهم، أَيْ: أنَّه قولٌ صادرٌ مِنْهم ولَيْسَ مَحْكِيّاً عَنْهم. ولاسْتِحْضارِ الصُورَةِ الحِسِّيَّةِ الواقِعِيَّةِ، حَتّى لَكَأَنَّها مَسْموعَةٌ مَرْئيَّةٌ، ولِبيانِ أَنَّ هذا القولَ لا وُجُودَ لَهُ في عالَمِ الحَقيقةِ والواقِعِ، وإنَّما هُوَ لَغْوٌ ساقِطٌ وَليدُ الخَيالاتِ والأَوْهامِ.
ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ المُرادُ بالقولِ المذهَبَ، كما تقولُ هذا قولُ أَبِي حَنيفَةَ، وهذا قولُ الأَشاعِرَةِ … إلخ. وتَعْني المَذْهَبَ، فقَدْ عُلِمَ أَنَّ قُدَماءَ الوَثنيين في الشَرَقِ والغَرْبِ كانوا يحملون عَقيدةَ الابنِ للهِ والتَثليثِ والحلولِ، وكانَتْ هذهِ العقيدةُ مَعروفةً عند البراهِمَةِ في الهِنْدِ والصِينِ واليابان، وعِنْدَ قُدَماءِ الفرسِ والمصريين. فيكونُ ذكرُ هذه الحَقيقةِ التاريخيَّةِ التي بَيّنَها القُرآنُ مِنْ مُعْجِزاتِهِ لأنَّهُ ما مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَرَبِ، ولا ممّنْ حَوْلَهم يعرفها، بَلْ لمْ تُعرفْ إلاَّ بعد مئاتِ السنين مِنَ المُكتشفاتِ الأَثَرِيَّةِ، فإنَّ هؤلاءِ الضّالّينَ قد شابهوا بما ادَّعوهُ قولَ الذين كَفَروا مِنَ الأَمَمِ قَبْلَهم.
وقولُهُ: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} ذَمٌّ لهم وتَعجيبٌ مِنْ شَناعَةِ قولِهم، ودُعاءٌ عَليْهِم بالهَلاكِ، فإنَّ مَنْ قاتَلَهُ اللهُ لا بُدَّ هالكٌ، ومَنْ غالَبَهُ لا بُدَّ مغلوبٌ. وعنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهُما، أَنَّ معنى “قَاتَلَهُمُ الله” لَعَنَهمْ، وكُلُّ شيْءٍ في القُرآنِ “قَتْلٌ” فَهُوَ “لَعْنٌ”. ومِنْهُ قولُ أَبَان بْنِ تَغْلِبٍ:
قاتَلَها اللهُ تَلْحاني وَقَدْ عَلِمَتْ ………. أَني لِنَفْسيَ إِفْسادي وإصْلاحي
وأَصْلُها دُعاءٌ، ثمَّ كَثُرَ في اسْتِعمالِهم حَتى قالوهُ عَلى التَعَجُّبِ في الخيرِ والشَرِّ كذلك، وهم لا يُريدون به الدُعاءَ. وأَنْشدَ الأَصمَعيُّ لابْنِ الدُمَيْنَةِ:
يا قاتَلَ اللهُ سَلمى كَيفَ تُعْجِبُني ……….. وأُخْبِرُ الناسَ أَنّي لا أُبالِيها
وقوله: {أنى يُؤْفَكُونَ} تَعْجيبٌ آخَرُ مِنِ انْصِرافِهِمُ الشَديدِ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ إلى الباطِلِ المُظْلِمِ. فكَيْفَ يَضِلُّونَ عَنِ الحَقِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْهُ إِلَى البَاطِلِ وهو فاضحٌ، فإنَّ “أَنَّى” هي بمعنى كيف. و “يُؤْفَكُونَ” مِنَ الإِفْكِ بمَعنى الانْصِرافِ عَنِ الشَيءِ، قال تعالى في سورة الذاريات: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} الآيتان: 8 ـ 9. أَيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَنْ صُرِفَ. يُقالُ، أَفَكَهُ عَنِ الشَيءِ يَأْفِكُهُ أَفْكاً، أي: صَرَفَهُ عَنْهُ وقَلَبَهُ. ويُقالُ: أَفَكَتِ الأَرْضُ أَفْكاً، أيْ: صُرِفَ، عَنْها المَطَرُ.
وجاء في سَبَبِ نُزول هذه الآيةِ المباركة ما أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ إسْحقَ، وابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ مردويْهِ، وأبو الشيخ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أنّه قَالَ: (أَتَى رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ دِحْيَةَ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ ضَيْفٍ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا وَأَنْتَ لا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ … “.
قولُهُ تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ} عُزيْرُ: مُبْتَدأٌ، و “ابْنُ” خبرُه، والجُمْلَةُ في محَلِّ نَصْبٍ بالقولِ، ومِثْلُها جَمْلةُ: “المسيح ابْنُ الله”.
ويجوزُ أَنْ يكونَ: “عُزَيْرُ” مَرْفوعاً بالابْتِداءِ، وأنْ يكونَ “ابْنُ” صِفَةً لهُ، والخَبرُ محذوفٌ، والتقديرُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ نَبِيُّنا، أَوْ إِمامُنا أَوْ رَسُولُنا، لأَنَّهُ مَتى وَقَعَ الابْنُ صِفَةً بَينَ عَلَمينِ غَيرَ مَفْصُولٍ بَيْنَهُ وبَينَ مَوصُوفِهِ، حُذِفَتْ أَلِفُهُ خَطّاً وتَنْوينُهُ لَفْظاً، ولا تَثْبُتُ إلاَّ ضَرورَةً، وقد تقدَّم.
ويجوزُ أَنْ يَكونَ “عزيرُ” خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: نَبيُّنا عُزَيْرٌ و “ابْنُ” صِفَةٌ لَهُ أَوْ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيانٍ.
قولُه: {بِأَفْواهِهِم} جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “قولهم”، وجملة: “يضاهئون” حالٌ مِنْ الضَميرِ في “قولهم”.
قولُه: {قاتلهم الله أنّى يؤفكون} أَنَّى: اسْمُ اسْتِفْهامٍ حالٌ، وجملةٌ: “قاتلهم” مُسْتَأْنَفَةٌ، وجملة: “يؤفكون” حالٌ مِنْ هاءِ “قاتلهم”.
قرَأَ العامَّةُ: {عُزيْرُ} مِنْ غَيرِ تَنْوينٍ، إمَّا أَنَّه حُذِفَ لالْتِقاءِ الساكِنَينِ كما هيَ قِراءةُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَمَدُ}. وإمّا أَنَّ تَنْوينَهُ حُذِفَ لِوُقوعِ الابْنِ صِفَةً لَهُ، أوْ أَنَّهُ إنَّما حُذِفَ لِكَوْنِهِ ممنوعاً مِنَ الصَرْفِ للتَعريفِ والعُجْمَةِ، ولم يُرْسَمْ في المُصْحَفِ إلاَّ ثابتَ الأَلِفِ، وهذا يؤيِّدُ مَنْ جَعَلَهُ خَبراً.
وقرأ عاصِم والكِسائيُّ: “عُزَيْرٌ” منوَّناً، فيُحتَمَلُ أَنْ يَكونَ أَعْجَمِيّاً، ولكنَّهُ خَفيفُ اللَّفظِ كَنُوحٍ ولُوطٍ، فصُرِفَ لخِفَّةِ لَفْظِهِ، فإنَّ هذا الاسمَ ونحوَهُ يَنْصَرِفُ عَجَمِيّاً كان أَوْ عَرَبِيّاً وهو قولُ أَبي عُبَيْدٍ، يَعني أَنَّه تَصغيرُ “عَزَرَ” فحُكْمُهُ حُكْمُ مُكَبَّرِهِ. وقدْ رُدَّ هذا القولُ عَلى أَبي عُبَيْدٍ بأنَّه ليسَ بِتَصْغيرٍ، إنَّما هُو أَعْجَمِيٌّ جاءَ على هَيْئَةِ التَصْغيرِ في لِسانِ العَربِ، فهو كَسُلَيْمان جاءَ على مِثالِ عُثَيْمان وعُبَيْدان.
وقرَأَ العامَّةُ: {يُضَاهُونَ} بِضَمِّ الهاءِ بَعْدَها واوٌ، وقرأ عاصم “يُضاهئون” بهاءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها همزةٌ مَضْمومَةٌ، بعدَها واوٌ. فقيل: هما بمَعنىً واحدٍ وهُوَ المَشابَهَةُ، وفيه لُغَتان: ضاهَأْتُ وضاهَيْتُ، بالهَمزَةِ والياءِ، والهَمْزُ لُغَةُ ثَقيف. وقيلَ: الياءُ فَرْعٌ عَنِ الهَمْزِ كما قالوا: قَرَأْتُ وقَرَيْت، وتَوَضَّأْتُ وتَوَضَّيْتُ، وأَخْطَأْتُ وأَخْطَيْتُ. وقيل: بَلْ يُضاهِئُونَ بالهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنْ يُضاهِيُوْن، فلمَّا ضُمَّتِ الهاءُ قُلِبَتْ همزةً. وهذا خَطَأٌ لأنَّ مثلَ هذِهِ الياءِ لا تَثْبُتُ في هذا الموضعِ حَتّى تُقْلَبَ همزةً، بَلْ يُؤدِّي تَصْريفُهُ إلى حَذْفِ الياءِ نحوَ “يُرامُون” مِنَ الرَمْيِ، و “يُماشُونَ” مِنَ المَشْيِ. وزَعَمَ بعضُهم أَنَّه مَأْخوذٌ مِنْ قولهم: امْرَأَةٌ ضَهْيَا بالقَصْرِ، وهيَ التي لا ثَدْيَ لها، والتي لا تَحيضُ، سُمِّيتْ بِذلِكَ لمُشابهتِها الرجالَ. فيقالُ: امْرَأَةٌ ضَهْيَا بالقَصْرِ وضَهْيَاء، بالمَدِّ كحَمْراءَ، وضَهْياءَةٌ بالمدِّ وتاءِ التأْنيثِ ثلاثُ لُغاتٍ، وشَذَّ الجَمْعُ بَينَ عَلامَتَيْ تَأْنيثٍ في هذِهِ اللفظةِ.
حكى اللغةَ الثالثةَ الجرمي عن أبي عمرو الشيباني. قيل: وقولُ مَنْ زعم أنَّ المضاهأةِ بالهمز مأخوذةٌ مِنْ امرأة ضَهْياء في لغاتِها الثلاث خطأٌ لاختلاف المادتين، فإن الهمزةَ في امرأة ضَهْياء زائدة في اللغاتِ الثلاث وهي في المضاهأة أصلية.
فإن قيل: لِمَ لم يُدَّعَ أَنَّ همزةَ ضهياء أَصْلِيَّةٌ وياؤها زائدة؟، فالجوابُ أَنَّ فَعْيَلاً بفتح الياءِ لم يَثْبتْ. فإنْ قيلَ: فلِمَ لم يُدَّعَ أَنَّ وَزْنَها فَعْلَلَ كَجَعْفَرَ؟، فالجوابُ أَنَّهُ قدْ ثَبَتَتْ زِيادَةُ الهمزةِ في ضَهْياء، بالمَدِّ فَلْتَثْبُتْ في اللُّغةِ الأُخْرى، وهذِهِ قاعدةٌ تَصْريفِيَّةٌ.
والكلامُ على حَذْف مضاف تقديره: يُضاهي قولُهم قول الذين، فَحُذِف المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، فانقلب ضميرَ رفع بعد أن كان ضميرَ جَرٍّ.
والجمهور على الوقف على “أفواههم” ويَبْتدئون ب “يُضاهئون” وقيلَ: الباءُ تتعلَّقُ بالفعلِ بعدَها. وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حَذْفِ هذا المضافِ.

فيضُ العليم ….. سورة التوبة، الآية: 29


قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
(29)
قولُه ـ تعالى جَدُّه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} أَمْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لرسولِهِ محمدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلّمَ، وللمؤمنينَ مَعَهُ بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَعْدَ أَنْ كَثُرَتْ خِياناتُهم للهِ ورسولِهِ والمُؤمنين، وافْتُضِحَتْ مؤامراتُهم ودَسائسُهم، وبعدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأُمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، لمَّا اكْتَمَلَ نَصْرُ الإسْلامِ بِفَتْحِ مَكَّةَ والطائفِ وعُمومِهِ بِلادَ العَرَبِ وجاءتْ وُفودُهم إلى المدينَةِ المنوَّرةِ مُعلِنةً إسلامَهم ومبايِعةً الرَسولَ الكريمَ، ووقد توسَّعَ ذلك وامْتَدَّ إلى تُخومِ بِلادِ الشام، حيث يقيمُ الغساسنةُ النصارى تحت حكم الروم وسلطتهم، فأَوجَسَ هؤلاء النَصارَى العَرَبُ في تلك البِلادِ خِيفَةً مِنْ تَطَرُّقِهِ إلَيهْم. وأزعج الروم أن تكونَ للإسلامِ دولة بجوارهم، ورهبوا أنْ يَدْخُلَ الدينُ الجديدُ إلى نفوسِ النصارى العربِ الذين يحكمونهم، فقد يسهِّلُ ذلك ما بينهم من وشائج القربى. فأَخَذَ الرُومُ يَسْتَعِدُّونَ لِحَرْبِ المُسْلِمين متّخذين مِنْ مُلوكِ الغَساسِنَةِ سادَةِ بِلادِ الشامِ في مُلْكِ الرُومِ رَأْسَ حَرْبَةٍ في معركتهم تلك.
وكان المسلمون في المدينة متوجسون من ذلك فقد جاءَ في صَحيحِ البُخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّهُ قالَ: (كانَ لي صاحِبٌ مِنَ الأَنْصارِ إذا غِبْتُ أَتاني بالخَبَرِ، وإذا غابَ كُنْتُ أَنَا آتيهِ بالخَبَرِ، ونحنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكاً مِنْ مُلوكِ غَسّانَ ذُكِرَ لَنا أَنَّه يُريدُ أَنْ يَسيرَ إلَيْنا، وأَنَّهم يَنْعلونَ الخَيْلَ لِغَزْوِنا، فإذا صاحِبي الأَنْصارِيُّ يَدُقُّ البابَ فقالَ: افْتَحِ، افْتَحْ. فقُلْتُ: أَجاءَ الغَسَّانيُّ؟. قالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ …. إلى آخِرِ الحَديثِ. وهذا يُوضِحُ بجَلاءٍ الخَطَرَ الذي كان يَتَوَجَّسُ مِنْه المُسْلِمونَ على أَنْفُسِهم ودينِهم مِنْ هؤلاءِ، فلا جَرَمَ إذاً لمَّا أَمِنَ المُسْلَمونَ بَأْسَ المُشْرِكين، أَنْ يَأْخُذوا الأُهْبَةَ لِيَأمَنُوا بَأْسَ أَهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهودِ والنَصارى، فابْتَدَأَ ذَلِكَ بِغَزْوِ خَيْبَرَ وبني قُرَيْظَةَ وبني النَضيرِ، للاطمئنانِ إلى أنَّ ليس لهم عدوٌّ بين ظهرانيهم ربما يستغل منهم غيبةً أو غفلةً ليمكر بهم وليصيب منهم مقتلاً، فإنَّ تجرُبَتَهم مع اليهود أكسبتهم بأنَّهم لا يمكن أن يؤتمنوا ولا يطمئنّ إليهم، فقاتلوا اليهودَ وهَزَموهم في هذه المعاركِ الثلاثِ، وكَفى اللهُ المُسلِمينَ بَأْسَهُم، وأَوْرَثَهم أَرْضَهم.
ثمَّ بَعْدَ نُزولِ هذِهِ الآيَةِ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّم، لِقِتَالِ الرُّومِ الذين كانوا يَحْشُدونَ في بِلادِ الشَامِ التي يَحْتَلُّونَها، ويُعِدُّونَ لِغَزْوِ الجَزيرَةِ العَربِيَّةِ واسْتِئصالِ شَأَفَةِ الإسلامِ والمُسْلِمينَ، كما تقدَّم.
فدَعَا رسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، المسلمين إِلَى تَنْفيذِ هَذا الأَمْرِ الإلهيِّ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ، وَالْوَقْتُ شديدُ الحَرِّ، وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وَصَحْبُهُ ـ رضي اللهُ عنهم، إِلَى تَبُوكَ، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا قُرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْماً، فَصالحَ أَهْلَ أَدْرَجَ وأَيلةَ، وغيرِهما، على الجِزْيَةِ، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ، وَضَعْفِ النَّاسِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْن ُجريرٍ، وابْنُ المُنذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأبو الشَيْخ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مجاهدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، في قولِهِ تعالى: “قاتِلوا الذين لا يُؤْمِنونَ باللهِ …” الآية. قال: نَزَلَتْ هَذِهِ حينَ أُمِرَ محمَّدٌ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأَصحابُه بِغزوَةِ تَبوكٍ. وأَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: أُنْزِلَ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ قولُه تعالى في سورة البقرة: {وقاتلوهم حتى لا تكونَ فِتْنةٌ ويكونَ الدينُ للهِ} الآية: 193. وأُنْزِلَ في أَهْلِ الكِتابِ قولُه تعالى في هذه الآية: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر” إلى قولهِ: “حتى يعطوا الجزية” فكانَ أَوَّلَ مَنْ أَعْطَى الجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرانَ.
وقد شُرِعَ القتالُ في الإسْلامِ لأَمْرَيْنِ، حدّدَهما النبيُّ ـ صلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، فيما أَخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أَبي أُمامةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: ((القِتالُ قِتالانِ: قتالُ المُشْرِكينَ حتى يُؤْمِنوا أَوْ يُعطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرونَ، وقتالُ الفِئَةِ الباغِيَةِ حَتى تَفيءَ إلى أَمْرِ اللهِ، فإذا فاءَتْ أُعْطِيَتِ العَدْلَ)).
قولُه: {ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ} فأَحلُّوا الخَمْرَ والمَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنزيرِ، واستحلّوا الرِّبا والمَيْسِرَ وغيرَ ذلك ممّا حَرَّمَتْهُ الشَريعةُ المُحَمَّدِيَّةُ، فالمَعْنيُّ ب “رَسُولهُ” هُنا هو محمَّّدٌ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّم.
قولُه: {وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} أَيْ: لا يَدْخُلونَ في دينِ الإسْلامِ، الذي هُو الدَيْنُ الحَقُّ، الناسِخُ لِسائرِ الأَدْيانِ ومُبْطِلُها، وهو الذي طلبه منهم أنبياؤهم جميعاً والذي أوضحناه غيرَ مَرَّةٍ. فقدْ وَجَبَ إذاً قِتَالُ أَهْلِ الكِتَابِ إِذا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أَرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ العِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ وهِيَ:
1 ـ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، لأَنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ، واتبعوهم على ضلالاتهم، فمنهم من قال بالتثليث وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ المَسِيحَ أو العُزَيْرَ ـ عليْهِما السَّلامُ.
2 ـ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، إِذْ يَقُولُونَ إِنَّ الحَيَاةَ الآخِرَةَ هِيَ حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ يَكُونُ فِيهَا النَّاسُ كَالمَلائِكَةِ أَخْذاً بِرأْيِ بعض الفلاسفة، مخالفين بذلك ما جاءهم بِهِ النَبيّونَ عَلَيْهِمُ السّلامُ.
3 ـ أَنَّهُمْ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِمَا حَرَّمَ عَلَيهِمْ، فقد كان أحبارُهم ورُهبانهم يحلِّلون ويحرّمون على هواهم، بحسب ما تمليه عليهم مصالحِهم وشَياطِينِهم، وقد اتبعتهُمُ العامّةُ في ذَلكِ.
4 ـ أَنَّهُمْ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ الذِي أَوْحَى اللهُ به إِلَى أَنْبِيَائِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ دِيناً وَضَعَهُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَأَسْاقِفَتُهُمْ، مخالفاً كثيراً لما نَزَلَ بِهِ الروحُ الأمينُ جبريلُ على أَنْبِيائهم عليه وعليهِمُ السَّلامُ.
قولُهُ: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وأهلُ الكتابِ هُمُ اليَهودُ والنَصارَى، ويَلْحَقُ بهِمُ المَجوسُ؛ لِقولِهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنًّةَ أَهْلِ الكتابِ)) لأنَّ لهم شُبْهَةُ كِتابٍ، فأُلْحِقوا بِهم، وبِهِ قالَ الإمام أَحمدُ وأَبو ثورٍ، والثوريُّ وأبو حنيفةَ وأَصْحابُهُ.
وأَخْرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ بْن ِمحمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، قال: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ إلى مجوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِسلامَ، فمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ ومَنْ أَبى ضُرِبَتْ عَليهِمُ الجِزْيَةُ، حتى أَنْ لا تُؤْكَلَ لهمْ ذَبيحةٌ ولا يُنْكَحَ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ.
وأَخْرَجَ أَيْضاً عَنْ بَجَالَةَ قال: لمْ يَأْخُذْ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ الجِزْيَةَ مِنَ المجوسِ حتى شَهِدَ عَبْدُ الرَحمنِ بْنُ عَوْفٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أَخَذَها مِنْ مجوسِ هَجَر.
وقالَ الشافعيُّ ـ رَضيَ اللهُ عنه: لا تُقْبَلُ الجِزية إلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ خاصَّةً عَرَباً كانوا أَوْ عَجَماً لهذه الآية، فإنهم هُمُ الذين خُصّوا بالذِكْرِ فتَوَجَّهُ الحُكمُ إليهم دون مَنْ سِواهُم، لقولِهِ تعالى في سورة التوبة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية:5. ولم يَقلُ: حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ كما قالَ في أَهْلِ الكِتابِ. فقد اتَّفَقَ العُلَماءُ على قَبُولِ الجِزْيَةِ مِنَ اليَهودِ والنَصَارى، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ عَنِ انْقِيَادٍ وَخُضُوعٍ. مُنْقَادينَ لِحُكْمِ الإِسْلاَمِ. وأيضاً فمعنى “عَنْ يَدٍ” أَنْ يُباشِرَ إعْطاءَها بِيَدِهِ، لا أَنْ يَبْعَثَ بها مَعَ أَحَدٍ، وأَلاَّ يَمْطُلَ بها، وهذ المعنى هو كَقَوْلِهم: أعطِهِ الأَمانَةَ يَداً بِيَدٍ. فقدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ سُفيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “عن يَدٍ” قال: مِنْ يَدِهِ ولا يَبْعَثُ بها مَعَ غَيْرِهِ.
أَخْرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ المُغيرَةَ بنِ شُعبةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. أَنَّهُ بُعِثَ إلى رُسْتم فقال لهُ رُسْتُم: إلامَ تَدْعو؟ فقالَ لَه: أَدْعوك إلى الإِسلامِ، فإنْ أَسْلَمتَ فلكَ ما لَنا وعَليك ما عَلَيْنا. قال رستم: فإنْ أَبَيْتُ؟ قال: فتُعْطي الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وأَنْتَ صاغِرٌ. فقال: لِتَرْجُمانِهِ: قلْ لَهُ أمَّا إعطاءُ الجِزْيَةِ فقد عَرَفْتُها، فما قولُكَ وأَنْتَ صاغِرٌ؟ قال شعبة: تُعطيها وأَنْتَ قائمٌ وأَنَا جالسٌ والسَوْطُ على رأْسِكَ.
وأَخْرَجَ ابنُ أبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيرٍ ـ رَضِيَ اللهً عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله” يَعني الذين لا يُصَدِّقون بِتَوحيدِ اللهِ و “لا يحرِّمون ما حرَّمَ اللهُ ورَسُولُه” يَعني الخمرَ والخِنزيرَ، و “لا يَدينونَ دِينَ الحَقِّ” يَعني دِينَ الإِسلامِ، و “من الذين أوتوا الكتاب”، يَعني مِنَ اليَهودِ والنَصارى، أُوتُوا الكتابِ مِنْ قَبْلِ المُسلمينَ، أُمَّةِ محمَّدٍ ـ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ: و “حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون” يَعني يَذِلّون)).
وأَخْرَجَ أَبو الشَيْخِ عَنْ سَلْمانَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْه أَنَّهُ قالَ لأهلِ حِصْنٍ حاصَرَهم: الإِسلامَ أَوِ الجِزْيَةَ وأَنْتمْ صاغرون، قالوا: وما الجِزْيَةُ؟ قال: نَأْخُذُ مِنْكمُ الدَراهِمَ والتُرابُ على رُؤوسِكم.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، عَنِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ، فقال: ((جِزْيَةُ الأَرْضِ والرَقبةِ، جِزْيَةُ الأَرْضِ والرَقَبَةِ)).
وأَخْرَجَ مالكٌ والشافعيُّ وأَبو عُبَيْدٍ في كتابِ الأموالِ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ جَعفرَ عَنْ أَبيه. أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَشارَ الناسَ في المجوسِ في الجِزْيَةِ فقالَ عبدُ الرَحمنِ ابْنُ عوفٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلم، يقول: ((سنّوا بهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتابِ)). وأَخرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حُذيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: لولا أَني رَأَيْتُ أَصْحابي أَخَذوا مِنَ المجوسِ ما أَخَذْتُ مِنْهم، وتلا: ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله … ” الآية.
وأَخْرَجَ عبدُ الرَزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْه. أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المجوسِ؟ فقالَ: والله ما عَلى الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِذلك مِني، إنَّ المجوسَ كانوا أَهْلَ كِتابٍ يَعْرِفونَهُ وعِلْمٍ يَدْرُسونَهُ، فَشَرِبَ أَميرُهمُ الخَمْرَ فَسَكِرَ فَوَقَعَ على أُخْتِهِ، فرآهُ نَفَرٌ مِنَ المُسلمين فلمّا أَصْبَحَ قالتْ أُخْتُهُ: إنَّكَ قدْ صَنَعْتَ بي كَذا وكَذا، وقدْ رَآكَ نَفَرٌ لا يَسْتُرونَ عَلَيْكَ. فدَعا أَهْلَ الطَمَعِ فأَعْطاهُم، ثمَّ قالَ لهم: قدْ عَلِمْتُم أَنَّ آدَمَ ـ عليْهِ السّلامُ قَدْ أَنْكَحَ بَنِيهِ بَناتِهِ، فجاءَ أُولئكَ الذينَ رَأَوْهُ فقالوا: وَيْلٌ للأَبْعَدِ، إنَّ في ظَهْرِكَ حَدُّ اللهِ، فَقَتَلَهم أُولئكَ الذين كانوا عِنْدَهُ، ثمَّ جاءتِ امْرَأَةٌ فقالتْ لَهُ: بَلى قَدْ رَأَيْتُكَ، فقال لها: ويحاً لِبَغِيِّ بَني فُلان … ! قالتْ: أَجَلْ، والله لقد كانَتْ بَغِيَّةً، ثمَّ تابَتْ، فَقَتَلَها، ثمَّ أَسْرى على ما في قلوبهم وعلى كُتُبهم فَلَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهم شيءٌ.
والمجوسُ هم أَتْباعُ (زَرا دشت) صاحبِ الدينِ الذي ظَهَرَ بِفَارِسَ في القرنِ السابِعِ قَبْلَ ميلادِ المسيحِ عيسى ابْنِ مريم ـ عليه السلامُ. وهم يُؤمِنونَ بإلهيْنِ اثْنَيِنِ، إلهٍ للخيرِ واسمُه (هُرْمُز) وإلهٍ للشَرِّ واسمُهُ (أَهْرَمْز)، وبَعْضُهم يَقولُ إلَهُ النُورِ وإلَهُ الظُلْمَةِ. وقدْ عَبَدوا النَارَ وأَنْكَروا البَعْثَ، وزَعَموا أَنَّ جَزاءَ النُفوسِ يَكونُ بِطَريقَةِ التَجانُسِ للأَرواحِ بَأَنْ تَظْهَرَ الرُوحُ الصالِحَةُ في الذَواتِ الصّالِحَةِ والرُوحُ الشِرِّيرَةُ في الحَيَواناتِ الذَمِيمَةِ.
واخْتَلَفوا في قَبُولِها مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثانِ؛ قالَ مَالِكٌ ـ رحمه الله: تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ كافِرٍ إلاَّ المُرْتَدَّ، ولا تُؤْخَذُ مِنَ النِساءِ والصِبْيانِ والمجانين. وقالَ الأُوزاعيُّ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ عابِدِ وَثَنٍ أَوْ نارٍ أَوْ جاحِدٍ أَو مُكَذِّبٍ. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، فإنٍّهُ رأى الجِزْيَةَ تُؤخَذُ مِنْ جميعِ أَجْناسِ أهلِ الشِرْكِ والجحْدِ، عَرَبِيّاً أَوْ أعْجَميّاً، تَغْلِبِيّاً أَوْ قُرَشِيّاً، كائناً مَنْ كانَ، باسْتِثْناءِ المُرْتَدِّ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وأَبو الشَيْخِ عَنِ الحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قاتَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، أَهْلَ هَذِهِ الجَزيرَةِ مِنَ العَرَبِ على الإِسْلامِ لمْ يَقْبَلْ مِنْهمْ غيرَهُ، وكانَ أَفضلَ الجِهادِ، وكانَ بعدُ جهادٌ آخَرُ على هذِه الأَمَّةِ في شَأْنِ أَهْلِ الكِتابِ: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله …” الآية.
وأَخرجَ ابْن ُأبي شَيْبَةَ في مُصنَّفِهِ، والبَيهقيُّ في سُنَنِهِ، عنْ مجاهدٍ ـ رضيَ اللهُ عنه، قال: يُقاتَلَ أَهْلُ الأَوْثانِ على الإِسلامِ، ويُقاتَلُ أَهْلِ الكِتابِ على الجِزْيَةِ.
وقال عددٌ من الفُقَهاءِ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ مجوسِ العَرَبِ والأُمَمِ كُلِّها. أَمَّا عَبَدَةُ الأَوثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَنِّ اللهُ فِيهم جِزْيَةً، ولا يَبْقى على الأَرْضِ مِنْهم أَحَدٌ، وإنَّما لهمُ القِتالُ أَوِ الإسْلامُ. وقالَ الشافعيُّ: وإنْ صُولِحوا على أَكْثَر مِنْ دِينار جازَ، وإنْ زادوا وطابَتْ بِذلِكَ أَنْفُسُهم قُبِلَ مِنْهم. وإنْ صُولِحوا على ضِيافَةِ ثَلاثةِ أَيَّامٍ جازَ. وقال مالكٌ: إنَّها أَرْبَعَةُ دَنانيرَ على أَهْلِ الذَهَبِ، وأَرْبعونَ دِرْهماً على أَهْلِ الوَرِقِ، الغَنيُّ منهم والفقيرُ سَواءٌ ولو كان مجوسِيّاً. لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ، على ما فَرَضَ عُمَرُ ـ رضي اللهُ عنه لا يؤخذ منهم غيره. وقالَ أَبو حنيفة وأصحابُهُ، وأَحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ: اثْنا عَشَرَ، وأَرْبَعَةٌ وعِشرونَ، وأَرْبَعونَ. قال الثوري: جاءَ عَن ْعُمَرَ بْنِ الخَطابِ في ذلك ضَرائِبُ مُخْتَلِفَةٌ، فللوالي أَنْ يَأْخُذَ بِأَيِّها شاءَ، إذا كانوا أَهْلَ ذِمَّةٍ. وأَمَّا أَهْلُ الصُلْحِ فما صُولِحوا عَلَيْهِ لا غَيرَ. وقيلَ: يخفّفُ عن الضَعيفِ منْهُم بِقَدْرِ ضعفِه حسبَ ما يَراهُ الإمامُ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ مَسْروقٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: لمّا بَعثَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ ـ رضي الله عنه، إلى اليَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ حالمٍ دِيناراً أَوْ عَدْلَهُ مَعافِرَ.
وأَخْرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عنِ الزُهرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: أَخَذَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الجِزْيَةَ مِنْ مجوسِ أَهْلِ هَجَرَ (مدينة خَطّ هَجَرَ ساحليةٌ منْ مدن مملكة البحرين حالياً وإليها كانت تُنْسَبُ الرماحُ الخَطِيَّةُ)، ومِنْ يهودِ اليَمَنِ ونَصاراهم، مِنْ كُلِّ حالمٍ دِينارٌ.
وقد أجمعَ العلماءُ: والذي دَلَّ عليه القُرآنُ أَنَّ الجِزْيَةَ تُؤخَذُ مِنَ الرِجالِ المُقاتِلينَ، لأنَّ اللهَ تَعالى قال: “قَاتِلُوا الَّذِينَ” إلى قولِهِ: “حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ” فيَقْتَضي ذلكَ وُجوبَها على مَنْ يُقاتِلُ. ويَدُلَّ على أَنَّهُ ليسَ على العَبْدِ وإنْ كان مُقاتِلاً، لأنَّه لا مالَ لَهُ، ولقولِه تعالى: “حَتَّى يُعْطُوا”. ولا يُقالُ لِمَنْ لا يَمْلِكُ: (حتى يُعطي). وهذا يعني أَنَّ الجِزْيَةَ إنَّما تُوضَع ُعلى جماجِمِ الرِجالِ الأَحْرارِ البالِغين، وهُمُ الذين يُقاتِلون دونَ النِساءِ والذُرِّيَّةِ والعَبيدِ والمَجانينَ المَغلوبين على عُقولِهم والشَيْخِ الفاني. واخْتُلِف َفي الرُهْبانِ، فرَوى ابْن ُوهْبٍ عَنْ مالكٍ أَنها لا تُؤْخَذُ مِنْهم. وهذا إذا لم يَتَرَهَّبْ بَعدَ فَرْضِها عليه، فإنْ فُرِضَتْ ثمََّ تَرَهَّبَ لم يُسْقِطْها تَرَهُّبُهُ.
فإذا أَعْطوا الجِزْيَةَ لم يُؤْخَذ ْمنهم شيءٌ مِنْ ثمارِهم، ولا تِجارَتِهم ولا زُروعِهم، إلاَّ أَنْ يَتَّجِروا في بِلادٍ غيرِ بِلادِهم التي أُقِروا فيها وصُولِحُوا عليها. فإن خرجوا تجاراً عَنْ بِلادِهمُ التي أُقِرّوا فيها إلى غيرِها أُخِذَ مِنْهُمُ عُشْرُ الرِبْحِ في كُلِّ مَرَّةٍ يَتَّجِرونَ فيها، إلاَّ في حملِهِمُ الطَعامَ، الحِنطَةَ والزيتَ إلى المدينةِ المنوَّرة ومكَّةَ المشرَّفةِ خاصَّةً، فإنَّه يُؤخَذُ مِنْهم نِصْفُ العِشْرِ على ما فَعَلَ عُمَرُ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ. ومِنْ أَهلِ المدينةِ مَنْ لا يَرى أَنْ يُؤخَذَ مِنْ أَهْلِ الذِمَّةِ العِشْرُ في تجارتهم إلاَّ مَرَّةً في الحَولِ، مثلَ ما يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمينَ. وهُو مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيزِ وجماعةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الفُقَهاءِ. والأَوَّلُ قَوْلُ مالِكٍ وأَصْحابُهُ. ومَنْ لَدَّ في أَداءَ جِزْيَتِهِ أُدِّبَ على لَدَدِهِ وأُخِذَتْ مِنْهُ صاغِراً. فإذا أَدَّى أَهْلُ الجزيَةِ ما عليهم، أَوْ صالحوا عليها، خُلِّيَ بَيْنَهم وبينَ أَمْوالِهم كلِّها، وبَينَ كُرومِهِم وعَصْرِها ما سَتَروا خُمورَها، ولم يُعْلِنوا بَيْعَها مِنْ مُسْلِمٍ، ويمْنَعوا مِنْ إظهارِ الخمْرِ والخِنْزيرِ في أَسْواقِ المُسلمين، فإنْ أَظْهَروا شيئاً مِنْ ذلك أُريقَتِ الخَمْرُ عَليهم، وأُدِّبَ مَنْ أَظْهَرَ الخِنْزيرَ. وإنْ أَراقَها مُسْلِمٌ مِنْ غيرِ إظهارِها فَقَدْ تَعَدَّى، ويَجِبُ عليْهِ الضَمانُ. وقيلَ: لا يَجِبُ ولو غَصَبَها وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّها. ولا يُعْتَرَضُ لهم في أَحكامِهم ولا مُتَاجَرَتِهم فيما بَيْنَهم بالرِّبا. فإنْ تَحاكَموا إليْنا فالحاكِمُ مُخَيَّرٌ، إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهم بما أَنْزَلَ اللهُ وإنْ شاءَ أَعْرَضَ. وقيلَ: يَحْكُمُ بينَهم في المَظالِمِ على كُلِّ حالٍ، ويَأْخُذُ مِنْ قَوِيِّهم لِضَعيفِهم، لأنَّهُ مِنْ بابِ الدَفْعِ عَنْهم، وعلى الإمامِ أَنْ يُقاتِلَ عَنْهم عَدُوَّهم، ويَسْتَعينُ بِهم في قِتالِهم. ولا حَظَ لهمْ في الفَيْءِ، وما صُولِحوا عليْهِ مِنَ الكَنائِسِ لم يَزيدوا عَلَيْها، ولم يُمْنَعوا مِنْ إِصْلاحِ ما وَهَى مِنْها، ولا سَبيلَ لهم إلى إحداثِ غيرِها. ويَأْخُذونَ مِنَ اللِّباسِ والهيئةِ بِما يُمَيَّزونَ بِهِ مِنَ المُسلِمين، ويُمْنَعونَ مِنَ التَشَبُّهِ بِأَهْلِ الإسْلامِ، كأن يرتدوا زيَّهم. ولا بأسَ باشْتِراءِ أَوْلادِ العَدُوِّ مِنْهم إذا لمْ تَكُنْ لقومِ هؤلاء الأولادِ ذِمَّةٌ عند المسلمين.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فيما وَجَبَتِ الجِزْيَةُ عَنْهُ، فقالَ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ: وَجَبَتْ بَدَلاً عَنِ القَتْلِ بِسَبَبِ الكُفْرِ. فإذا أسلم سقطت عنه الجزية لما مضى، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعده عند مالك، وهو قول بعضِ الحنفيةِ. وقالَ الشافعيَّةُ: وَجَبَتْ بَدَلاً عَنِ الدَمِ وسُكْنى الدارِ. فهي دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِمَّة فلا يُسْقِطُهُ الإسْلامُ كَأُجْرَةِ الدارِ. وقالَ بعضُ الحَنَفِيَّةِ: إنَّما وَجَبَتْ بَدَلاً عَنِ النَصْرِ والجِهادِ. والقوْلُ الأوّلُ أَصَحّ، لقولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْه وسَلَّمَ: ((ليسَ على مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ)). فإذا أَسْلَمَ الذُمِّيُّ بَعدَ ما وَجَبَتْ الجِزْيَةُ عَلَيْهِ سقطتْ عَنْهُ. يَدُلُّ على ذلك قولُهُ تَعالى: “حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ” لأنَّ الإسْلامَ يَنفي هذا المعنى. ولا خِلافَ أَنَّهم إذا أسلَموا فلا يُؤدّونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرونَ. والشافعيُّ لا يَأْخُذُ بَعْدَ الإسْلامِ على الوَجْهِ الذي قالَهُ اللهُ تَعالى. وإنَّما يَقولُ: إنَّ الجِزْيَةَ دَيْنٌ وَجَبَ عليه بِسَبَبٍ سابِقٍ وهُوَ السُكْنى أَوْ تَوَقّي شَرِّ القَتْلِ، فصارَتْ كالدُيونِ كُلِّها.
فلو عاهَدَ الإمامُ أَهْلَ بَلَدٍ أَوْ حِصْنٍ ثمَّ نَقَضوا عهدَهم وامْتَنَعوا مِنْ أَداءِ ما يَلْزَمُهم مِنَ الجِزْيَةِ وغيرِها، وامْتَنَعوا مِنْ حُكْمِ الإسْلامِ مِنْ غيرِ أَنْ يَظْلِموا، وكانَ الإمامُ غيرَ جائرٍ عَلَيْهم، وَجَبَ على المُسْلِمينَ غَزْوُهم وقِتالُهم مَعَ إمامِهِمْ. فإنْ قاتَلوا وغُلِبوا حُكِمَ فيهم بالحُكمِ في دارَ الحرْبِ سَواءً. وكانوا هُمْ ونِساؤهم فيْئاً ولا خمْسَ فيهم.
وأَخرجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مردويْهِ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: مِنْ نِساءِ أَهْلِ الكِتابِ مَنْ يَحِلُّ لَنا، ومِنْهم مَنْ لا يَحِلُّ لَنا، وتلا: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر” فمَن أَعْطى الجِزْيَةَ حَلَّ لَنا نِساؤُهُ، ومَنْ لمْ يُعِطِ الجِزْيَةَ لمْ يَحِلَّ لَنا نِساؤهُ، ولَفْظُ ابْنِ مَردويْهِ: لا يحلُّ نِكاحُ أَهْلِ الكِتابِ إذا كانوا حَرْباً، ثمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وأَخْرَجَ عبدُ الرَزَّاقِ في المُصنَّفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ رَجُلاً قالَ لَهُ: آخُذُ الأَرْضَ فَأَتَقَبَّلُها أَرْضاً خَرِبَةً فأَعْمُرُها وأُؤَدِّي خَراجَها؟ فنَهاهُ، ثمَّ قال: لا تَعْمَدوا إلى ما وَلاَّهُ اللهُ هذا الكافِرَ فَتَخْلَعهُ مِنْ عُنُقِهِ وتَجْعَله في عُنُقك، ثمَّ تَلا قولَه تعالى: “قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ” إلى قولِه: “حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”.
وهذِهِ الآيةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الخامِسَةِ مِنْ هذِه السُورَةِ: {فاقْتُلوا المُشْرِكين} لِما فيها مِنْ أَخْذِ الجِزْيةِ، فإنَّه نَسخٌ للقتلِ، وذَلِكَ عِنْدَ مَنِ اعْتَبرَ أَهْلَ الكِتابِ مُشْرِكينَ، ونَفى عَنْهُمُ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخِرِ، مِنْ حَيْثُ تَرَكوا شَرْعَ الإسْلامِ الذي أَوْجَبَ اللهُ عليهِمُ الدُخُولَ فِيه، فأَصْبَحَتْ كُلُّ مُعْتَقداتِهم في ذاتِ الله تَعالى، وفي البَعْثِ بعد الموتِ والحِسابِ والجزاءِ، والجنّةِ والنارِ، وغير ذلك مِنْ تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعنى لها، إذْ أَخَذوها مِنْ غيرِ طَريقِها الصَحيحِ الثابِتِ عَنِ اللهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى، فلم تَكنْ اعْتِقاداتُهم تلكَ مُستَقيمةً، لأنَّهم تَشَعَّبوا فيها، فهُوَ سبحانَه، في معتقدِهم، تارةً لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ “عُزَيْر” وتارةً اسمُهُ “عيسى المسيح”، وهوَ ثالثُ ثلاثةٍ تارةً أُخرى، وهذا كُلُّه مِنْ أَشْنَعِ الكُفْرِ والشِرْكِ، فما الذي يُمَيِّزُ مُعْتَقداتِهم هذِه منْ مُعتَقَداتِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ الذين اتَّخذوا مِنَ الحِجارَةِ والخشبِ وغيرِها تَماثيلَ يَتَقَرَّبونَ إلى اللهِ بعبادتها؟! ولهم أَيْضاً في البعثِ آراء باطلةٌ، أَدْخلَها أَحبارُهم ورُهبانُهم في عُقولِهم، فباعوهم مَنازِلَ في الجَنَّةِ، وبَراءاتٍ مِنَ النارِ، بمبالغَ يَدْفعونَها إلى أُولئكَ الرُهبانِ، افتراءً على اللهِ، وسلباً لأموالِ خلقه ممن اتبعهم وصدَّق إفكَهم، وقد ادَّعى اليَهودُ بأنَّهم إنّما يَكونونَ في النَّارِ أَيَّاماً قليلةً وحسْبُ. ونحو ذلك مِنَ العَقائدِ الفاسدَةِ التي ما أَنْزَلَ اللهُ بها مِنْ سُلْطانٍ.
قولُه تعالى: {وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} دينَ: مَنْصوبٌ عَلى نَزْعِ خافِضِهِ، وهو الباءُ، أَيْ: بِدينِ الحقِّ.
قولُه: {مِنَ الذين أُوتُواْ} مِنْ: بَيانِيَّةٌ، فهي تُبَيِّن المَوْصولَ الذي قَبْلَها. مِنْ قولِهِ تَعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}.
قولُه: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} عَنْ يَدٍ: هذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنَ الواوِ في “يُعطوا”، أَيْ: حتى يُعْطَوها مقهورِين أَذِلاَّء. وكذلك جملةُ: “وهم صاغرون” من المبتدأ والخبر، هي أيضاً في محلِّ نصبٍ حالٍ من واو “يعطوا”.
و “الجِزْيَة” على وزنِ “فِعْلَة” لِبَيانِ الهَيْئَةِ ك “الرِّكْبَةِ”، لأنَّها مِنَ الجَزاءِ على ما أُعْطُوهُ مِنَ الأَمِنِ.

فيضُ العليم ….. سورة التوبة، الآية: 28


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 28 )
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} استئنافٌ للأمر بإقصاءِ المُشرِكينَ عَنْ المَسْجِدِ الحرامِ الذي جاء في الآية السابعة عشرة من هذه السورة الكريمة، جاءَ لِتَأْكيد الأمْرِ بإبْعادِهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَعَ تَعْلِيلِ هذا الأَمرِ بِعِلَّةِ أُخرى تَقْتَضِي إبْعادَهمُ عَنْه: وهِيَ أَنَّهم نَجَسٌ. وفي هذا التَعبيرِ ما فِيهِ من بيانٍ بَديعٍ مُصَوِّرٍ مُجَسِّمٍ لهم، حَتَّى لَكَأَنَّهم بِأَرْواحِهم وماهِيَّتِهم وكَيانِهم نَجْسٌ يَمْشي على الأرضِ فيَتَحاشاهُ المُتَطَهِّرون، ويَتَحاماهُ الأَتْقياءُ مِنَ الناسِ.
والنجسُ: هو عينُ الخَبَثِ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ على وَجْهِ المُبالَغَةِ في خُبْثِهم، إِمَّا لِخُبْثِ باطِنِهم بما تحويهِ مِنْ كُفْرٍ، أَوْ لأنَّهم لا يَتَطَهَّرونَ مِنَ النَجاساتِ، في الغالبِ، ولا يَتَوَقَّوْن مِنْها، أَوْ لِلأَمْرَيْنِ معاً. وقد جاء عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ. وروي عنه أيضاً أنَّهُ قال: بَلْ مَعنى الشِرْكِ هُو الذي كَنَجَاسَةِ الخَمْرِ، وقالهُ غيرُه أيضاً. وقالَ الحَسَنُ البَصْرَِيُّ ـ رضي اللهُ عنه: مَنْ صافَحَ مُشْرِكاً فَلْيَتَوَضَّأَ. وقالَ قَتادَةُ ومُعَمَّرُ بْنُ راشِدٍ وغيرُهما: صِفَةُ المُشْرِكِ بالنَجَسِ إنَّما كانَتْ لأنَّهُ جُنُبٌ إذْ غِسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ. فمَنْ قالَ بِسَبَبِ الجَنابَةِ أَوْجَبَ الغُسْلِ على مَنْ يُسْلِمُ مِنَ المُشْرِكين، ومَنْ أَخَذَ بالقَوْلِ الأوَّلِ لمْ يُوجِبْه.
قولُه: {فَلا يَقْرَبوا المَسْجَِدَ الحرامَ} هو تفريعٌ على نَجَاسَتَِهم، والمُرادُ بالنَهْيُ عَنْ القربِ الدُخُولُ وقد عُبِّرَ بالقربِ مُبالَغَةً في النهيِ لإِبعادِهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. والأمرُ بالنهي، وإنْ كانَ مُوَجَّهاً إلى المُشْرِكينَ، إلاَّ أَنَّ المَقصودَ مِنْهُ أَمرُ المؤمنين بعدمِ تمكينِهم مِنْ ذَلك. وهذا نَصٌّ بمَنْعِ المُشرِكِينَ، مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهُم عَبَدَةُ الأَوْثانِ، وهُوَ مُجْمَعٌ عليه. وقاسَ مالكٌ ـ رضي اللهُ عنه، علىَ المُشْرِكينَ جميعَ الكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ وغيرِهم. وقاسَ كذلك على المَسْجِدِ الحَرامِ سائرَ المَساجِدِ، ومَنَعَ جميعَ الكُفَّارِ مِنْ جميعِ المَساجِدِ. وكذلك كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيزِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إلى عُمَّالِهِ، ونَزَعَ في كِتابِهِ بهذِهِ الآيةِ، ويُؤَيِّدُ ذلكَ قولُهُ تَعالى في سورةِ النور: {في بيوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ} الآية: 36. وجعَلَها الشافِعِيُّ ـ رضي اللهُ عنه، عامَّةً في الكُفَّارِ، خاصةً بالمَسْجِدِ الحَرامِ، فمَنَعَ جميعَ الكُفَّارِ مِنْ دُخولِ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً، وأَباحَ دُخولَ غيرِهِ. أمَّا أَبو حَنيفَةَ ـ رضيَ اللهُ عنه، فقصرَها على مَوْضِعِ النَهْيِ، فمَنَعَ المُشْرِكين خاصَّةً، مِنْ دُخولِ المَسْجِدِ الحرامِ وأَباحَ لهمْ سائرَ المَساجِدِ، وأَباحَ دُخولَ أَهْلِ الكِتابِ إلى المَسْجِدِ الحرامِ وغيرِهِ. لما أَخرجَ الإمامُ أحمدُ ابْنُ حنبلٍ ـ رضي اللهُ عنه، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مردويْهِ، عَنْ جابِرٍ بْنِ عبدِ اللهِ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ، قال: قالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عامي هذا أَبَداً، إلاَّ أَهْلَ العَهْدِ وخَدَمِكُم)). وأَخْرَجَ عَنْهُ أيضاً عبدُ الرَزّاقِ، وابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، وابْنُ مَرْدويْهِ، في قولِهِ تعالى: “إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا” إلاَّ أَنْ يَكونَ عَبْداً أَوْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الذِمَّةِ.
قولُه: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} يَعني: سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حينَ حَجَّ أَبو بَكْرٍ بالنّاسِ، وقَرَأَ عليهِم عَليٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، سورةَ (بَراءَة). فقد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِمَنْعِ المُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطوَافِ بِالكَعْبَةِ، وذلك بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، لِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العَامِ مُشْرِكٌ، لأَنَّهُمْ قَذِرُونَ، قَلِيلُو النَّظَافَةِ (نَجَسٌ)، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان. فقد أَخرَجَ ابنُ مردويْهِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، قالَ عامَ الفَتْحِ: ((لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحرامَ مُشْرِكٌ، ولا يُؤَدِّي مُسْلِمٌ جِزْيَةً)). وأَخْرَجَ عبدُ الرَزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيزِ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: آخَرُ ما تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم، أنْ قال: ((قاتَلَ اللهُ اليَهودَ والنَصارى اتَّخَذوا قُبورَ أَنْبِيائهم مَساجِدَ، لا يَبْقى بِأَرْضِ العَرَبِ دِينان)). وأَخْرَجَ عبدُ الرَزاقِ عَنِ ابْنِ جُريْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: بَلَغني أَنَّ النَبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَوْصى عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنْ لا يُتْرَكَ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانيٌّ بِأَرْضِ الحِجازِ، وأَنْ يَمْضِيَ جيشُ أُسامةَ إلى الشامِ، وأَوْصى بالقُبْطِ خَيراً فإنَّ لهم قَرابَةٌ. وأخرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، رَفَعَهُ، قال: ((أَخْرِجوا المُشْركينَ مِنْ جَزيرَةِ العربِ)). وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قال: إنَّ آخِرَ كلامٍ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْه وسَلَّمَ أَنْ قال: ((أخْرِجوا اليَهودَ مِنْ أَرْضِ الحِجازِ، وأَهْلَ نَجْرانَ مِنْ جَزيرَةِ العَرَبِ)). وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ بنِ عبدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَئِنْ بَقِيتُ لأُخْرِجَنَّ المُشْرِكينَ مِنْ جَزيرَةِ العَرَبِ))، فلمَّا وَليَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْرَجَهم.
قولُه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: إِذَا خِفْتُمْ بَوَارَ تِجَارَتِكُمْ، وَقِلَّةَ أَرْزَاقِكُمْ، بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَجِيءِ المُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَسَيُعَوِّضُ عَلَيْكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ. والتقييدُ بالمَشيئةِ في قولِهِ: “إِنْ شَاءَ” لَيْسَ لِلتَّرَدُّدِ، بلْ هُوَ لِتَعليمِ المؤمنينَ الأَدَبَ معهُ سبحانه، كما هو في قولِهِ تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} سورة الفتح، الآية: 27. ولِبَيانِ أَنَّ هذا الإغْناءَ بإرادتِهِ وحده سبحانه، فعَليهم أنْ يجعلوا اعْتِمادَهم عَلَيْهِ، وتَضَرُّعَهم إليه، لا إلى غيرِه، وللتَنْبيهِ على أَنَّ عطاءَهُ لهم، هو مِنْ بابِ التَفَضُّل لا الوُجوبِ، لأنَّهُ لو كان واجِباً ما قَيَّدَهُ بالمَشيئَةِ. وقدْ كانَ ما وعدَ بهِ اللهُ تعالى، فقد أَسْلَمَتِ العَرَبُ فَتَمادى حَجُّهم، وتوسَّعت تجارتُهم، وأَغْناهمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ بالجِهادِ والظُهورِ على الأُمَمِ.
أَخرجَ سَعيدُ بْنُ منصور، وابْنُ المُنذرِ، وابْنُ أبي حاتمٍ، عنْ ابْنِ عبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قال: كانَ المَشْرِكونَ يَجيئونَ إلى البَيْتِ ويَجيئونَ مَعَهم بالطَعامِ يَتَّجِرونَ فيه، فلمّا نُهُوا عَنْ أَنْ يَأْتوا البَيْتَ قالَ المُسْلِمون: فَمِنْ أَيْنَ لَنا الطَعامُ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: “وإنْ خِفْتم عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ” قال: فَأَنْزلَ اللهُ عليهِمُ المَطَرَ وكَثُرَ خَيرُهم حينَ ذَهَبَ المُشْرِكونَ عَنْهم. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عنْ سعيدِ بْنِ جُبيرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قولِهِ تعالى: “فَسَوْفَ يُغْنيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ” قال: أَغْناهُمُ اللهُ تعالى بالجِزْيَةِ الجارِيَةِ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وأَبو الشيْخِ عَنْه أَيضاً ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قولَه: لمَّا نَزَلَتِ: “إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا” شَقَّ على أَصْحابِ النَبيِّ ـ صَلّى اللهُ عليْه وسَلَّمَ، وقالوا: مَنْ يَأْتينا بِطعامِنا وبالمتاعِ؟ فنَزَلَتْ “وإنْ خِفتُمْ عَيْلَةً …” الآية. وأََخْرَجَ ابْنُ مردويْهِ، عَنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، قالَ: لمَّا نَفى اللهُ تَعالى إلى المُشركين عَنِ المَسْجِدِ الحرامِ، أَلْقى الشَيْطانُ في قلوبِ المَؤمنين فقال: مِنْ أَينَ تَأْكُلونَ وقدْ نُفِي المشركون وانْقَطَعَتْ عنكُمُ العِيرُ؟ فقالَ اللهُ تَعالى: “وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ” فأَمَرَهم بِقِتالِ أَهْلِ الكُفْرِ وأَغْناهم مِنْ فَضْلِهِ.
وأَخرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في الآيَةِ قال: قالَ المؤمنون: قدْ كُنّا نُصيبُ مِنْ مَتاجِرِ المُشرِكينَ. فَوَعَدَهمُ اللهُ تَعالى أَنْ يُغْنيهم مِنْ فَضْلِهِ عِوَضاً لهم بِأَنْ لا يَقْرَبوا المَسْجِدَ الحرامَ، فهذِهِ الآيةُ مِنْ أَوَّلِ (بَراءَةٌ) في القِراءَةِ وفي آخِرِها التَأْويلُ.
و “العَيْلَةُ” الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعيلُ عَيْلَةً، إذا افْتَقَرَ، ومنْهُ قولُ الشاعرِ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلاَحِ الأَوْسِيُّ الأَنْصارِيُّ:
وما يَدْري الفقيرُ متى غِناهُ …………….. وما يَدْري الغَنِيُّ متى يُعيلُ
والبيتُ مِن ْقصيدةٍ لَهْ قالها في حربٍ كانت بَينَ قومِهِ مِنَ الأَوْسِ وبَني النَجّارِ مِنَ الخَزْرَجِ، قُتِلَ فيها أَخوهُ، منها:
وقد علِمتْ سَراةُ الأَوْسِ أنِّي …………… مِنَ الفِتْيانِ أَعْدِلُ لا أَميلُ
وقد أَعْدَدْتُ للحِدْثان حِصْناً ……………. لَوَ انَّ المَرءَ تنفعُهُ العقولُ
وما يَدْري الفقيرُ متى غِناهُ …………….. وما يَدْري الغَنِيُّ متى يُعيلُ
وَمَا تَدْرِي، إذَا أَجْمَعْتَ أَمْرًا ………….. بِأَيِّ الأَرْضِ يُدْرِكُكَ المَقِيلُ
وكانتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو بْنِ زَيْدٍ النَجَّارِيَةُ، فحَذَّرَتْ قومَها مَجِيءَ أُحَيْحَةَ وقومِهِ مِنَ الأَوْسِ، فَضَرَبها حتى كَسَرَ يَدَها وطَلَّقَها.
قولُه: {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أَيْ: إنَّ اللهَ عَليمٌ بِأَحْوالِكم ومَصالِحِكم، وبما يَكونُ عَلَيْهِ أَمْرُ حاضِرِكم ومُسْتَقْبَلِكم، حكيم فيما شَرَعَهُ لكم. فاسْتَجيبوا لَهُ لِتَنالوا السَعادَةَ في دُنْياكُمْ وآخِرَتِكم. فإنَّ مشيئتَه سُبْحانَه، تجرى حَسَبَ مُقْتَضى عِلْمِهِ وحِكْمَتِه، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ الخَيْرَ وَالمَصْلَحَةَ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُهُ وَيُقَرِّرُهُ. ومِنَ الأحكامِ والآدابِ التي اشتملت عليها هذه الآيةُ:
ـ تَأَوَّلَ الكَثيرُ مِنَ الفُقَهاءِ أَنَّ المُرادَ بالمُشركين عَبَدَةُ الأَوْثان وغيرُهم مِنْ أَهْلِ الكِتابِ، ويَدُلُّ عليهِ كذلك قولُهُ تعالى في سورةِ النساءِ: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} الآية: 48. أيْ: لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ بِأَي لَوْنٍ مِنْ أَلْوانِ الشِرْكِ. ورأى جماعةٌ أُخرى مِنهم أَنَّ المُرادَ بالمُشركين هُنا عَبَدَةَ الأَوْثانِ فَحَسْب، لأنَّ الحديثَ خاصٌّ بهم مِنْ أَوَّلِ السُورةِ إلى هُنا.
ـ جمهورُ فُقَهاءِ المذاهبِ الأربعةِ، سلَفَهم وخَلَفهم، على أَنَّ نجاسَةَ المُشْرِكينَ مَرْجِعُها إلى خُبْثِ بَواطِنِهم لِعِبادَتِهم سِوى اللهِ تعالى، أَمَّا أَبْدانُهم فَطاهِرَةٌ، لأنَّهُ مِنَ المعلومِ أَنَّ المُسْلِمينَ كانُوا يُعاشِرونَ المُشْرِكينَ ويُخالِطونَهم. ومَعَ هذا فالنَبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، لم يَأْمُرْ بِغَسْلِ شيءٍ مما أَصابَتْهُ أَبْدانُهم. بَلِ الثابِتُ أَنَّهُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، تَوَضَّأَ مِنْ مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ وأَكَلَ مِنْ طَعامِ اليَهودِ، وأَطْعَمَ هُوَ وأَصْحابُهُ وَفْداً مِنَ الكُفَّارِ، ولمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ الأَواني التي أَكَلوا منها وشَرِبوا، ورَوى الإِمامُ أَحمَدٌ، وأَبو داوودَ، مِنْ حديثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ـ رضي اللهُ عنه، قال: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنُصيبُ مِنْ آنِيَةِ المُشْرِكينَ وأَسْقِيَتِهم، فَنَسْتَمْتِعُ بها، ولا يَعيبُ ذلك عَلَيْنا. في حين قالَ بعضُهم بِنَجاسَةِ أَعْيانِ المُشرِكين، ووُجوبِ تَطهيرِ ما تُصيبُهُ أَبْدانُهم مَعَ البَلَلِ. كما تقدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ والحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وهُوَ رَأْيُ جمهورِ الظَاهِرِيَّةِ.
قولُهُ تَعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكونَ نَجَسٌ} أَخْبرَ عَنْهُمْ بالمَصْدَرِ للمُبالَغَةِ كأنَّهم عَينُ النَجاسَةَ، فقد جُعِلوا نَفْسَ النَّجَسِ أَوْ على حَذْفِ مُضافٍ. وقرأ أبو حيوة “نِجْسٌ” بِكسَرِ النُونِ وسُكونِ الجيمِ، ووجهُهُ أَنَهُ اسْمُ فاعلٍ في الأَصْلِ على فَعِلٍ مِثلَ: كَتِفٍ وكَبِدٍ، ثمَّ خُفِّفَ بِسُكونِ عَيْنِه بعدَ إتْباعِ فائِهِ، من نَجِسَ الشَيْءُ يَنْجَسُ فهو نَجِسٌ، إذا كانَ قَذِراً غيرَ نَظيفٍ، وبابُه “تَعِبَ” أو هو نَجَسَ يَنْجُسُ مِنْ بابِ “قَتَلَ” في لُغةٍ أُخْرى. وجُوِّزَ أَنْ يَكونَ لَفْظُ “نَجَسٌ” صِفَةً مُشَبَّهَةً، ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ تَقديرِ مَوْصوفٍ مُفْرَدٍ لَفْظاً مُجْمَعٍ مَعنًى، لِيَصِحَّ الإِخْبارُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ. أيْ: جِنْس ونَجَس ونحوِهِ. وجملةُ: “إنَّما المُشْرِكونَ نَجْسٌ” مُستأنفةٌ، جَواباً للنِداءِ، وجملة: “فلا يقربوا” مَعْطوفةٌ على المُسْتَأْنَفَةِ، “إنما المشركون نجس”، وقولُهُ “هذا”: نَعْتٌ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ، أَيْ: عامَهمُ المُشارُ إليهِ، وجملة “إن شاء” مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
وصِيغَةُ الحَصْرِ في قولِهِ: “إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ” لإفادَةِ نَفْيِ التَرَدُّدِ في اعْتِبارِهمْ نَجَساً، فهُو للمُبالَغَةِ في اتِّصافِهم بالنَجاسَةِ حتى كأَنَّهم لا وَصْفَ لهم إِلاَّ النَجَاسةِ.
وقرأَ ابْنُ السُمَيْفَعِ “أنجاس” بالجَمْعِ، وهيَ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكونَ جمعَ قراءةِ الجُمهورِ، أَوْ جمعَ قراءَةِ أَبي حَيَوَةَ.
وإضافةُ “العام” إلى ضَميرِ “هم” في قولِهِ: “عامَهمُ هذا” لَمَزيدِ اخْتِصاصِهم بحُكْمٍ هائلٍ في ذَلِكَ العامِ ووَصَفَهُ باسْمِ الإشارةِ لِزِيادَةِ تَمْييزِهِ وبَيانِهِ. وهو كَقَوْلِ أبي الطَيِّبِ:
فإنْ كانَ أَعْجَبَكمْ عامُكم …………….. فعُودوا إلى مِصْرَ في القابِلِ
وقَرَأَ عَلْقَمَةُ وغيرُهُ مِنْ أَصْحابِ ابْنِ مَسْعودٍ، “عايلة” وهو مَصْدرٌ ك “القايلة” مِنْ قالَ يَقيلُ، وك “العاقِبة” و “العافية”، ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ نَعْتاً لِمَحْذوفٍ تَقديرُهُ حالاً عائلَةً، وحَكى الطَبَرِيُّ أَنَّهُ يُقالُ عَالَ يَعولُ إذا افْتَقَرَ.

فيض العليم …. سورة التوبة، الآية: 27


ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(27)
قولُه ـ تعالى شأنُهُ:{ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ}
فيه إشارةٌ إلى إسْلامِ هَوازِنَ بَعْدَ تِلكَ المعركةِ، فإنَّهم بعدَ أَنِ انْهَزَمُوا جاؤوا إلى رسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، مُسْلِمين تائبينَ، وَلَحِقُوا بِهِ بِمَكَّةَ فِي مَكَانٍ يُعْرَفُ بِالجِعْرانَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ المَعركةِ بِعِشْرِينَ يَوْماً، وسَأَلوهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِم سَبْيَهم وغَنائمَهم، فقالَ لهمْ: ((إِنِّي قَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكمْ، وقدْ وَقَعَتِ المَقاسِمُ، وعِنْدي مَنْ تَرَوْنَ، وإنَّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاخْتاروا: إمَّا ذَراريكم، وإمَّا أَموالَكم)). فقالوا: لا نَعْدِلُ بالأَنْسابِ شَيْئاً. فقامَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، خَطيباً فقالَ: ((هؤلاءِ جاؤونا مُسْلِمين، وقد خَيَّرْناهم، فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأَنْسابِ، فَرَضُوا بِرَدِّ الذُرِّيَّةِ، وما كانَ لي ولِبَني عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَني هاشِمٍ فهُوَ لهم)). وقالَ المُهاجِرونَ والأَنْصارُ: أَمَّا ما كانَ لَنا فهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وامْتَنَعَ الأَقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ في قومِهِما مِنْ أَنْ يَرُدّوا عَلَيْهم شَيْئاً ممّا وَقَعَ لهم في سِهامِهم. وامْتَنَعَ العَبَّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُلَمِيُّ كَذلِكَ، وطَمِعَ أَنْ يُساعِدَهُ قومُهُ كما ساعَدَ الأَقْرَعَ وعُيَيْنَةَ قومُهُما. فأَبَتْ بَنو سُلَيْم، وقالوا: بَلْ ما كانَ لَنا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ. فقالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ ضَنَّ مِنْكمْ بِما في يَدَيْهِ فإنَّا نُعَوِّضُهُ مِنْهُ)). فرَدَّ عَلِيْهم رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، نِساءَهم وأَوْلادَهم، وعَوَّضَ مَنْ لمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَرْكِ نَصيبِهِ أَعْواضاً رَضُوا بِها.
ورُوِيَ عَنْ محمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ قالَ: لمَّا انْهَزَمَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، سارَ مَعَ ثلاثةِ آلافٍ، فقالَ لأَصْحابِهِ: هلْ لَّكم أَنْ تُصِيبُوا مِنْ مُحَمَّدٍ مالاً؟ قالوا: نَعمْ. فأَرْسَلَ إلى النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: إنَّي أُريدُ أَنْ أُسْلِمَ، فمَا تُعْطيني؟ فأَرْسَلَ إلَيْهِ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: ((إِنِّي أُعْطِيكَ مِئةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا)). فجاءَ فَأَسْلَمَ، فأقامَ يَومَيْنِ أَوْ ثلاثةً؛ فلَمَّا رَأَى المُسْلِمين ورِقَّتَهم، وزُهْدَهم، واجْتِهادَهم، رَقَّ لِذلك، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّم: ((يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِيَ لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ؟)) فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَمِثلي مَنْ يَأْخُذُ على الإسْلامِ شَيْئاً؟ ورُوِيَ أَنَّ النَبيَّ لم يَزَلْ بِهِ حَتى أَعْطاهُ مِئَةَ الإبِلِ، واسْتَعْمَلَهُ على قومِهِ، فامْتَدَحَهُ بِقَصيدَتِهِ التي يَقولُ فيها:
ما إنْ رَأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِه ……….. في النَّاسِ كُلِّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ
أوْفَى وأعْطَى للجَزيلِ إذا اجْتُدِي …….. ومَتى تَشَأْ يُخْبرْكَ عَمّا في غَدِ
وإذَا الكَتيبَةُ عَرّدَتْ أَنْيابُها …………. بالسَّمْهَريِّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَنَّدِ
فَكَأنَّهُ لَيْثٌ على أَشْبَالِهِ …………….. وَسْطَ الهَبَاءَةِ خَادِرٌ في مَرْصَدِ
ثمَّ كانَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ بَعْدَ ذَلكَ ممَّنْ افْتَتَحَ عامَّةَ الشامِ. وكانَ ذلكَ أَكْبرَ مِنَّةٍ في نَصْرِ المُسْلِمين، إذْ أَصْبَحَ أَعداءُ الأمسِ الذين حَشَدوا رجالَهم وأَمْوالَهم لِحَرْبِ الإسْلامِ والمُسْلِمينَ، أَصْبَحُوا إخوةً لهم، وجُنْداً مَعَهم يُحارَبونَ أَعْداءَ الدينِ ويُشارِكونَ في رَفْعِ رايتِهِ ونَشْرِ نُورِهِ بعدَ ذَلكَ اليومِ.
ورَوَى البُخاريُّ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: (أَنَّ ناساً مِنْ هَوازِنَ جاؤوا رَسُولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبايَعوهُ على الاسْلامِ وقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، أَنْتَ خيرُ الناسِ وأَبَرُّ النّاسِ، وقدْ سُبيَ أَهْلونا وأولادُنا وأُخِذَتْ أَمْوالُنا، فقالَ: اختاروا إمَّا ذَراريكم ونِساءَكم، وإمّا أَمْوالَكم، قالوا: ما نَعْدِلُ بالأَحْسابِ شَيْئاً، فَرَدَّ ذَراريهم ونِساءَهم). وَكَانُوا سِتَّةَ آلافِ أَسِيرٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ.
وقال قتَادَةُ: ذُكِرَ لَنا أَنَّ ظِئْرَ النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، التي أَرْضَعَتْهُ مِنْ بَني سَعْدٍ أَتَتْهُ يَوْمَ حُنَينٍ فَسَأَلَتْهُ سَبايا حُنينٍ فقالَ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لا أَمْلِكُ إلاَّ ما يُصِيبُني مِنْهُم، ولكنْ اِيتِيني غَداً فاسْأَليني والناسُ عِنْدي، فإذا أَعْطَيْتُكِ حِصَّتي أَعْطاكِ الناسُ)). فجاءَتِ الغَدَ فَبَسَطَ لها ثَوْبَهُ فأَقْعَدَها عَلَيْهِ. ثمَّ سَأَلَتْهُ فأَعْطاها نَصيبَهُ فلمَّا رَأَى ذلكَ النّاسُ أَعْطَوْها أَنْصباءَهم. وكانَ عدَدُ سَبْيِ هَوزِانٍ في قولِ سَعيدِ ابْنِ المُسَيّبِ سَتَّةُ آلافِ رَأْسٍ. وقيلَ: أَرْبَعَةُ آلافٍ. فيهِنَّ الشَيْماءُ أُخْتُ النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، مِنَ الرَضاعَةِ، وهِيَ بِنْتُ الحارثِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى، مِنْ بَني سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وبِنْتُ حَليمَةَ السَعْدِيَّةَ، فأَكْرَمَها رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وسَلَّم، وأَعْطاها وأَحْسَنَ إلَيْها، ورَجَعَتْ مَسْرورةً إلى بِلادِها بِدِينِها وبما أَفاءَ اللهُ عَلَيْها.
قولُه: {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تَذييلٌ للكَلامِ لإفادَةِ أَنَّ المَغفرةَ مِنْ شأنِهِ ـ سبحانَه وتَعالى، وأَنّهُ رَحيمٌ بِعبادِهِ إنْ أَنابوا إليْهِ وأَقلعوا عن الإشْراكِ بِهِ.
وهذِهِ هِيَ عَظَمَةُ الخالِقِ، الرَّحمنِ الرَحيمِ، فهوَ يَفْتَحُ البابَ دائماً لِعِبادِهِ؛ لأَنَّهُ هُوَ خالِقُ هذا الكَوْنِ، وكُلُّ مَنْ عَصى يَفْتَحُ اللهُ أَمامَهُ بابَ التَوْبَةِ، وهذِهِ مَسْأَلَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ؛ لأنَّ الذي يَكْفُرُ والذي يَعْصي لا يَضُرُّ اللهَ شيئاً، وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ، ويُحاوِلُ أَنْ يَفْتَرِيَ على نَوامِيسِ الحَقِّ، فإذا عَلِمَ العاصي أَنَّهُ لا مَلْجَأَ لَهُ إلاَّ اللهَ، فإنَّ الله ـ عَزَّ وَجَلَّ، يَفْتَحُ لَهُ بابَ التَوْبَةِ. قالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: رَأَى رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، يَوْمَ أَوْطاسٍ (أوطاس هو اسمُ الوادي الذي وقعت فيه معركةُ حنين) امْرَأَةً تَعْدو وتَصيحُ، ولا تَسْتَقِرُّ، فَسَأَلَ عَنْها فقيلَ: فَقَدَتْ بُنَيّاً لها. ثمَّ رَآها وَقَدْ وَجَدَتْ ابْنَها وهيَ تُقَبِّلُهُ وتُدنِيهِ، فدَعاها وقالَ لأَصْحابِهِ: ((أَطارِحَةٌ هذِهِ ولَدَها في النَّارِ))؟ قالوا: لا. قال: ((لِمَ))؟ قالوا: لِشَفَقَتِها. قالَ: ((للهُ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْها”. وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بمعناهِ والحَمْدُ للهِ على فيض فضله وواسِعِ رحمتِهِ. ورسولُ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إنما كان متخلِّقاً بأخلاقِ مولاه الرَحمنِ الرِحيمِ الذي أرسلَهُ رحمةً للعالمين، فقد رَوى الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ شيبةَ بْنِ عُثْمانٍ قال: لمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، يَومَ حُنَينٍ قَدْ عَرِيَ، ذَكَرْتُ أَبي وعَمِّي وقَتْلِ عَلِيٍّ وحمزَةَ إيَّاهُما، فَقُلْتُ: اليومَ أُدْرِكُ ثَأْري مِنْهُ، قالَ: فَذَهَبْتُ لأَجيئَهُ عَنْ يَمينِهِ، فإذا أَنَا بالعُبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قائمًا، عَلَيْهِ دِرْعٌ بَيْضاء كأنها فِضَّةٌ، يَكْشِفُ عَنْها العَجاج، فَقُلْتُ: عَمُّهُ ولَنْ يَخْذُلَهُ، قالَ: فَجْئْتُهُ عَنْ يَسارِهِ، فإذا أَنَا بِأَبي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقُلْتُ: ابْنُ عَمِّهِ ولَنْ يَخْذُلَهُ. فَجْئتُه مِنْ خَلْفِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَنْ أَسَوَّرَهُ سَوْرَةً بالسَيْفِ، إذْ رُفِعَ لي شُوَاظٌ مِنْ نارٍ بَيْني وبَيْنَهُ، كأنَّهُ بَرْقٌ، فَخِفْتُ أَنْ تَمْحَشَني (تحرق جلدي)، فَوَضَعْتُ يَدي على بَصَري، ومَشَيْتُ القَهْقَري، فالْتَفتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ: “يا شَيْبَ، يا شَيْبَ، ادْنُ مِني، اللهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الشَيْطانَ”. قالَ: فَرَفَعْتُ إليهِ بَصَري، ولَهُوَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ سَمْعي وبَصَري، فقالَ: ((يا شَيْبَ قاتِلِ الكُفَّارَ”. ورواهُ البَيْهَقِيُّ مِنْ حديثِ الوَليدِ، فذَكَرَهُ.
قولُهُ تعالى: {واللهُ غفورٌ رحيمٌ} لفظُ الجلالةِ مبتدأٌ، و “غفورٌ” خبرُهُ، و “رحيمٌ” خبرٌ ثانٍ. وهذه الجملةُ مُسْتَأَنَفَةٌ لا محلَّ لها.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 26


ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
(26)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} لا زالُ الحديثُ عَنْ مُجْرَياتِ مَعْرَكَةِ حُنينٍ، وقدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما كانَ مِنْ أَمْرِ هَزيمةِ المُسلمينَ في بِدايةِ المَعْرَكَةِ عقوبةً لهم مِنَ اللهِ على عُجْبِهم بِكَثْرَةِ عَدَدِهم وعِظَمِ جَيْشِهم، وتَعْليماً لهم ولِكُلِّ المُؤمِنينَ مِنْ بَعْدِهم بأَنْ يُعِدّوا للأمْرِ عُدَّتَهُ ولكنَّ ثِقَتَهم باللهِ واعتمادَهم عليهِ وحَسْب. ورَأَيْنا كَيْفَ وَلَّتْ الجُمُوعُ الكَثيرَةُ والآلافُ المُؤلَّفَةُ وثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وثلَّةٌ مِنْ أَصْحابِهِ إلى أَنْ عادَ بَقِيَّةُ المُسْلِمين إلى القِتالِ حتى تُوِّجُوا بالنَصْرِ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى والرحمةَ والطُمَأنِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ ثَبَتوا مَعَهُ، فَأذْهَبَ رَوْعَهُمْ، وَأزَالَ حَيْرَتَهُمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتَهُمْ. وقَدْ كانَتْ سَكِينَتُهُ ـ صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، كما قالَ بعضُ العارِفين، مِنْ مُشاهَدَةِ الذاتِ، وسَكينَةُ المؤمنين مِنْ مُعايَنَةِ الصِفاتِ، ولهم في تعريفِ السَكينَةِ عِباراتُ كثيرةٌ مُتقاربَةٌ في المعنى فقيلَ: هي اسْتِحْكامُ القَلْبِ عِنْدَ جَريانِ حُكْمِ الرَبِّ بِنَعْتِ الطُمأنينةِ بِخُمودِ آثارِ البَشَرِيَّةِ بالكُلِّيَّةِ، والرِضا بالبادي مِنَ الغَيْبِ مِنْ غيرِ مُعارَضَةٍ واخْتيار، وقيلَ: هيَ القَرارُ عَلى بِساطِ الشُهودِ بِشَواهِدِ الصَحْوِ، والتَأَدُّبُ بإقامَةِ صَفاءِ العُبودِيَّةِ مِنْ غيرِ لُحوقِ مَشَقَّةٍ ولا تَحَرُكِ عِرْقٍ بمعارضَةِ حُكْمٍ. وقيلَ: هِيَ المَقامُ مَعَ اللهِ تَعالى بِفَناءِ الحُظوظِ.
وَلَزِمَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، مَكَانَهُ، وَمَعَهُ القِلَّةُ التِي ثَبَتَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ البراءُ: كُنَّا واللهِ إذا حمِيَ البَأْسُ نَتَّقي بِهِ، وأَنَّ الشُجاعَ مِنَّا الذي يُحاذي بِهِ، يَعْني النَبيَّ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ. وكانَ ممن ثبتَ معَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَبو سُفيانَ بْنُ الحَرْثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وابْنُهُ جَعفَرُ، وعليٌّ بْنُ أَبي طالبٍ، ورَبيعةُ بْنُ الحَرْثِ، والفَضْلُ بْنُ العَبَّاسِ، وأُسامةُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيمنُ بْنُ عُبَيْدٍ وهو أَيمنُ ابْنُ أَمِّ أَيمن، الذي قُتِلَ بَينَ يَدَيْ الرَسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وهؤلاءِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وثَبَتَ مَعَهُ أَبو بَكٍرًٍ وعُمَرُ ـ رضي اللهُ عنهما، فكانوا عَشَرَةَ رِجالٍ، ولهذا قالَ العباسُ ـ رضي اللهُ عنه:
نَصَرْنا رَسُولَ اللهِ في الحَرْبِ تِسْعَةً … وقدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ مِنْهُم وأَقْشَعُوا
وعاشِرُنا لاقى الحِمَامَ بِنَفْسِهِ …………….. بما مَسَّهُ في اللهِ لا يَتَوَجَّعُ
وكانَتْ أُمُّ سَليمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنها، في جملَةِ مَنْ ثَبَتَ مُمْسِكَةً بَعيراً لأَبي طَلْحَةَ، وفي يَدِها خِنْجَرٌ.
قولُهُ: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} وَاسْتَنْصَرَ الرَّسُولُ رَبَّهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ جُنُوداً مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، بَلْ وَجَدُوا أَثَرَها فِي قُلُوبِهِمْ، بِمَا عَادَ إِلَيْهَا مِنْ رَبَاطَةَ جَأْشٍ، وَشِدَّةِ بَأْسٍ. والجُنودُ رَوادِفُ آثارِ قُوَّةِ تَجَلِّي الحَقِّ سبحانَه، ويُقالُ: هِيَ وُفُودُ اليَقينِ وزَوائدُ الاسْتِبْصارِ. والجُنودُ جمْع جُنْدٍ. والجُنْدُ اسْمُ جمعٍ لا واحدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وهُوَ الجَماعَةُ المُهَيَّئَةِ للحَرْبِ، وواحدُهُ بِياءِ النِسبَةِ: جُنْدِيٌّ، ولكونِ الملائكةِ مَلائِكَةَ النَصْرِ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الجُنودِ. وهُمُ المَلائكةُ بِلا خِلافٍ، ولم تَتَعَرَّضِ الآيةُ لِعَدَدِهم. فقالَ الحَسَنُ: هم سِتَةَ عَشَرَ أَلْفاً. وقال مجاهد: ثمانيةُ آلافٍ. وقالَ سعيدُ بْنُ جُبيرٍ: خمسةُ آلافٍ.
والجُمهورُ عَلى أَنها لم تُقاتِلْ يَوْمَ حُنينٍ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: حَدَّثَني رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكينَ يَومَ حُنينٍ قالَ: لمَّا كَشَفْنا المُسْلِمين جَعَلْنا نَسُوقُهم، فلما انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجوهِ حِسانُها فَقالوا: شاهَتِ الوُجوهُ، ارْجِعُوا فَرَجَعْنا، فَرَكِبوا أَكْتافَنا. والظاهُرُ نَفْيُ رُؤْيَةِ الملائكةِ عَنِ المُؤمنين، لأنَّ الخِطابَ هُوَ لهم، فلا مانعَ مِنْ أَنْ يكونَ غيرُ المؤمنين غيرُ المؤمنين قد رآهم.
أَخْرجَ ابْن ُأبي حاتمٍ عَنْ سَعيدِ بْن ِجُبيرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قال: في يَوْمِ حُنَينٍ أَمَدَّ اللهُ رَسولَهُ ـ صلّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ بخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الملائكةِ مُسَوّمينَ، ويَوْمَئِذٍ سمّى اللهُ تَعالى الأنْصارَ مَؤْمِنينَ، قالَ: “ثمَّ أَنْزلَ اللهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسُولَهَ وعلى المُؤمنين”.
وَكما تقدَّمَ فقد أَخَذَ الرَّسُولُ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ وقَذَفَهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ كما فعل في غزوة بدرٍ، فَلَمْ يَبْقَ مُقَاتِلٌ مِنْ هَوَازِنْ إلاَّ وَدَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ أَوْ فَمِهِ حَبَّةٌ مِنْ تُرَابٍ أشْغَلَتْهُ عَنِ القِتَالِ. وأَخرجَ ابْن ُإسْحق، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مردويْهِ، وأَبو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: رَأَيْتُ قبلَ هَزيمَةِ القَوْمِ ـ والناسُ يَقْتَتِلون، مِثْلَ البِجادِ الأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِن َالسَماءِ حتى سَقَطَ بَينَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فإذا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثوثٌ قدْ مَلأَ الوادي، لمْ أَشُكّ أَنَّها الملائكةُ ـ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ولم يَكُنْ إلاَّ هَزيمَةُ القومِ.
قولُهُ: {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَتَرَاجَعَ الذِينَ هَرَبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَى حَيْثُ كَانَ يَقِفُ رَسُولَ اللهِ وَصَحْبُهُ الثَّابِتُونَ، وَحَمَلُوا عَلَى هَوَازِنَ فَنَصَرَهُمُ اللهُ، وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا، وَقَاتَلُوا رَسُولَ اللهِ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ وَأَذَلَّهُمْ بِالقَتْلِ وَالسَّبْيِ، الذي اسْتَحَرَّ فيهم، والأَسْرِ لِذَراريهم ونِسائهم، والنّهْبِ لأَمْوالهم، وكان السَبيُ أَرَبَعةَ آلافِ رَأسٍ. وقيل: ستَّةَ آلافٍ، ومِنَ الإبِلِ اثْنا عَشَرَ أَلْفاً سِوى ما لا يُعْلَمُ مِنَ الغَنَمِ، قَسَّمَها رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، بينهم بالجِعِرّانَةِ، كما تقدَّم فيها قِصَّةُ عَبَّاسِ بْن ِمَرْداسَ وشِعْرُهُ.
وكان مالِكُ بْنُ عَوْفٍ حين أَخْرَجَ الناسَ للقِتالِ أخرجَ معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم لِيُقاتِلوا عَلَيْها، فَخَطَّأَهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فقال له: هُوَ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ وقد قُتِلَ في ذَلِكَ اليومِ دُرَيْدٌ، قَتَلَهُ رَبيعَةُ بْنُ رَفيعٍٍ بْنِ أهبان السُلَمي، ويُقالُ لُهُ: ابْنُ الدّغنَّةَ.
قولُهُ: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} وَهَذَا هُوَ مَصِيرُ القَوْمِ الكَافِرِينَ، وَجَزاؤُهُمْ، وفيه تحذيرٌ لكلِّ كافرٍ باللهِ تعالى، يناصِبَ المؤمنينَ باللهِ العداءَ ويحاولُ إطفاء نورِ هذا الدينِ الحقِّ، من مصيرٍ مشابهٍ ينتظِرُه إذا ما أصرَّ على كفرِه ومحاربته لله ولدينِهِ.
قولُهُ تعالى: {ثمَّ} هي هاهنا على بابها مِنَ التَرْتيبِ، وقيلَ هِيَ للتَراخي الرُتَبي فإنَّ نُزولَ السَكينةِ، ونُزولَ المَلائكةِ، أَعْظَمُ مِنَ النَصْرِ الأوَّلِ يَوْمَ حُنَينٍ، على أَنَّ التَراخِي الزَمني مُرادٌ؛ تَنْزيلاً لِعِظَمِ الشِدَّةِ وهَوْلِ المُصيبةِ مَنْزِلَةَ طولِ مُدَّتِها، فإنَّ أَزْمانَ الشِدَّةِ تُخَيَّلُ للمرءِ طَويلةً وإنْ قَصُرَتْ.
قولُه: {على رسوله وعلى المؤمنين} الجارُّ الأوَّلُ مُتعلِّقٌ ب “أَنْزَلَ”. وأعيدَ “عَلَى” بَعْد حَرْفِ العَطْفِ: تنبيهاً على تجديدِ تَعليقِ الفِعْلِ بالمجرورِ الثاني للإيماءِ إلى التَفاوُتِ بَينَ السَكِينَتين: فَسَكينَةُ الرَسُولِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، سَكينَةُ اطْمِئْنانٍ على المُسْلِمينَ الذينَ مَعَهُ وثِقَةٌ بالنصرِ، وسَكينةُ المُؤمِنينَ سَكِينَةُ ثَبَاتٍ وشَجاعَةٍ بَعْدَ الخَوْفِ والجَزَعِ.
قولُهُ: {لم تروها} هذه الجملةُ نَعْتٌ ل “جُنوداً”. وقولُهُ: {وذلك جزاءُ الكافرين} جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها.
قرأَ العامَّةُ: {سَكينَتَه} بِفَتْحِ السِينِ، وَقرأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: “سِكِّينَتَهُ” بِكَسْرِها وتَشديدِ الكافِ مُبالَغَةً في السَكينَةِ. وهي نحوَ قولك: شِرِّيب، وطِبَّيخِ.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 25


لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
قولُهُ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} خِطابٌ لجَميعِ المؤمنينَ في عَهْدِ النبوَّةِ، يُذَكِّرُهُم فيهِ بِفَضْلِهِ عَلَيهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، بِأَنْ نَصْرَهم فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ غَزَوَاتِهِمْ، وهذِه المَواطِنُ المُشارُ إليها أو المعاركُ هي بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضيرُ، وقُريْظَةَ، وفتحُ مَكَّة، وتلِكَ الانْتصاراتُ كُلُّها إنَّما كَانَت مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبَتَأيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لاَ بِعَدَدِ المُسْلِمِينَ، وَلاَ بِعُدَدِهِمْ، وَلاَ بِعَصَبِيَّتِهِمْ، وَلا بِقُوَّتِهِمْ، وَلاَ بِكَثْرَةِ أمْوَالِهِمْ. لِيُنَبِّهَهُمْ إلى أَنَّ النَّصْرَ إنّما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وحدَهُ، قَلَّ الجَمْعُ أوْ كَثُرَ.
وقد كانت هذِهِ الآيةُ أَوَّلَ ما أَنْزَلَ اللهُ تَعالى مِنْ سُورَةِ (بَراءة)، فيما أَخْرَجَ الفِرْيابيُّ، وابْنُ حاتمٍ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغيرُهم عَنْ مجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وذَلِكَ لِيُعَرِّفَهم نَصْرَهُ ويُوَطِّنَهم لِغَزْوَةِ تَبوك.
قولُهُ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} فِي يَوْمِ حُنَينٍ داخلَ العُجْبُ نفوسَ المُسْلِمِينِ بِكَثْرَتهِمْ، حتى قال قائلهم: لَنْ نُغلَبَ اليومَ مِنْ قلَّةٍ، فَلَمْ تنفعْهُمْ كثرتُهم هذه شَيْئاً، ووَلَّوا مُدْبِرِينَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْضَ، عَلَى سَعَتِها، مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى النَّجَاةِ سَبِيلاً، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ إلاَّ عَدَدٌ قَلِيلٌ مَعَ الرَّسُولِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فقد شاء اللهً أنْ يلقِّنهم والمؤمنينَ من بعدهم إلى يوم القيامةِ بأنَّ النصرَ هو من عنده وحدَه يؤتيه مَن يشاءُ من عبادِه، فقد نصرهم لما كانوا قلّةً ضعفاءَ لا يكادُ عدَدُهم يتجاوز الثلاثَ مئةِ رجلهم، حين توكَّلوا عليهِ، وانهزَموا وهم جيشٌ جرّارٌ يتجاوز تعدادُه الاثني عشر ألفاً مدجَّجين بالسلاحِ أمامَ أربعة آلافِ مقاتلٍ لمّا اطمأنوا إلى قوَّتهم واعتمدوا على كثرتهم، والنبيُّ بين أَظْهُرِهم، فكيفَ بمَنْ بَعْدَهم. لقد كَانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ عَلَى عُجْبِهِم بِكَثْرَتِهِمْ. ودرساً للمؤمنين في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ.
و “حُنَيْن” ماءٌ بَين مَكَّةَ والطائِفِ، في وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجَازِ، حيثُ قاتَلَ النَبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فيهِ هَوازِنَ وعليها مالكُ بْنُ عَوْفٍ، وثَقيفَ وعَلَيْها عَبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَقَفِيُّ. فقد بَلَغَ رَسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَنَّ هَوزانَ جمَعوا لَهُ لِيُقاتِلوهُ، ومعَهم ثَقيفٌ بِكامِلِها، وبَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. كانَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّةَ بِنِصْفِ شَهْرٍ أيْ في شَوال سَنَةَ ثمانٍ مِنْ الهِجْرَةِ: بَعدَ أَنْ فَرَغَ ـ صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ، وتَمَهَّدَتْ أُمُورُها، وأَسْلَمَ عامَّةُ أَهْلِها، وأَطْلَقَهم.
فخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، في جيشِهِ الذي فَتَحَ به مكةَ وقوامُه عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ المُهاجرينَ والأَنْصارِ وقَبائلِ العَرَبِ، ومَعهم ألفان مِنْ أَهلِ مَكَّةَ الذين أَسْلموا وعلى رأسِهم زعيمهم أَبو سُفيانَ بنُ حربٍ. فسَارَ بِهمْ حتى الْتَقوا بعدوُّهم في حُنين، فكانَتْ فيه الموقِعةُ أَوَّلَ النَهارِ في غَلَسِ الصُبْحِ. إذِ انْحَدروا في الوادي، وقدْ كَمَنَتْ لهم فيهِ هَوَزانُ، فلم يَشْعُرِ المُسْلِمونَ بهم إلاَّ حين بادروهم بالنبالِ، يرشقونهم بها، وحملوا عليهم حملةَ رَجُلٍ واحِدٍ مصلتي السيوفِ. فولى المسلمونَ الأَدْبارَ، وثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وثَبَتَ مَعَهُ ما يقرُبُ المئةَ مِنْ أصحابِهِ منهم عمّهُ العباسُ وأبو سفيانَ بنُ حربٍ الذي أرادَ أن يكفِّرَ عمَّا سَلَفَ منه في عداء المسلمين وحربهم. ثمَّ أَمَرَ ـ صلى الله عليه وسلم، عمَّهُ العبَّاسَ ـ وكانَ جهيرَ الصَوْتِ، أَنْ يُنادى بِأَعلى صوتِهِ يا أَصْحابَ الشَجَرَةِ ـ مذكِّراً أهلَ بَيْعَةِ الرِضوانِ الذين بايعوه تحتَها على أَنْ لا يَفِرّوا عَنْهُ، فجَعَلوا يَقولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. وانْعَطَفَ الناسَ ورجَعوا. فأَمَرَهم رَسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَنْ يَصْدُقوا الحَمْلةَ، وأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرابٍ ثمَّ رَمى بها وجوه القَوْمِ، كما فعلَ في بدرٍ، فما بَقِي رجلٌ مِنْهم إلاَّ أَصابَهُ مِنها في عَيْنَيْهِ وفَمِهِ ما شَغَلَهُ عَنِ القِتالِ، ثمَّ انْهَزَموا فاتَّبَعَ المُسلمون أَقْفاءَهم يَقْتُلونَ ويَأْسُرونَ، وما تَراجَعَ بَقِيَّةُ الناسِ إلاَّ والأَسْرى في الأغلالِ بينَ يَدَيْهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَلائِلِ عَنِ الرَبيعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنُْه، أَنَّ رَجُلاً قالَ يَومَ حُنينٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ. فَشَقَّ ذَلكَ على رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، فأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: “ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم” قالَ الرَبيعُ: وكانوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً، مِنْهم أَلْفانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وأَخرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وأحمدُ والحاكمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مردويْهِ والبَيْهَقيُّ في الدلائلِ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنه. أَنَّ هَوازِنَ جاءتْ يَوْمَ حُنَينٍ بالنِساءِ والصِبْيانِ والإِبِلِ والغِنَمِ، فجَعلوهُم صُفوفاً لِيَكْثُروا عَلى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فالتَقى المُسلمونَ والمُشْرِكونَ، فوَلَّى المُسْلَمونَ مُدْبِرينَ كما قالَ اللهُ ـ عَزَّ وجَلَّ، فقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، يا عبادَ اللهِ أَنَا عَبْدُ اللهِ ورَسولُهُ، ثمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأَنْصارِ أَنَا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ، فهَزَمَ اللهُ المُشْرِكينَ، ولم يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، ولم يَطْعَنْ بِرُمْحٍ.
وأَخرَجَ عبدُ الرَزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ وأَحمدُ ومُسلم والنَسائيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَويْهِ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبدِ المُطَّلِبِ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، يومَ حُنينٍ، فلَقدْ رَأَيْتُ النَبيَّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وما مَعَهُ إلاَّ أَنَا وأَبو سُفيانَ بْنُ الحَرْثِ بْنُ عبدِ المُطَّلِبِ، فَلِزِمْنا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ نُفارِقْهُ وهُوَ على بَغْلَتِهِ الشَهباءِ التي أَهْداها لَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُعاوِيَةَ الجُذامِيُّ، فلَمَّا الْتَقى المُسلِمونَ والمُشرِكون، ولّى المسلمونَ مُدْبِرينَ وطَفِقَ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ، وأَنَا آخِذٌ بِلِجامِها أَكُفُّها إرادةَ أَنْ لا تُسْرِعَ وهو لا يَأْلو ما أَسْرَعَ نحوَ المُشْرِكينَ، وأَبو سُفيانَ بْنُ الحَرْثِ آخِذٌ بِغرزِ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. فقالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عليه وسَلَّم: يا عبَّاسُ نادي أَصْحابَ السَمُرَةِ يا أَصْحابَ البَقَرَةِ، فو اللهِ لَكَأني عَطَفْتُهم حِينَ سمِعوا صَوتي عطْفَةَ البَقَرَةِ على أَوْلادِها يُنادونَ يا لَبَّيْكَ يا لَبَّيْك، فأَقبلَ المُسلمون فاقْتَتَلوا هُمْ والكُفَّارُ، وارْتَفَعَتِ الأَصْواتُ وهُمْ يَقولونَ: يا مَعْشرَ الأَنْصارِ، يا مَعْشَرَ الأَنْصارِ. ثمَّ قُصِرَتِ الدَعوةُ على بَني الحَرْثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَتَطاوَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلّمَ، وهو على بَغْلَتِهِ فقالَ: هذا حينَ حميَ الوَطيسُ، ثمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حُصيَّاتٍ فرَمى بهِنَّ وُجوهَ الكُفَّارِ، ثمَّ قالَ: انْهَزَموا ورَبِّ الكَعْبَةِ. فذَهَبْتُ أَنْظُرُ فإذا القِتالُ على هَيْنَتِهِ فيما أَرْى، فما هُو إلاَّ أنْ رَماهُم رَسُولُ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ بحُصَيَّاتٍ، فما زَلتُ أَرَى حَدَّهم كَليلاً وأَمْرَهم مُدْبِراً حتى هَزَمَهُمُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ.
وأَخرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحهُ عَنْ جابرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قالَ: نَدَبَ رَسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، يومَ حُنينٍ الأَنْصارَ فقالَ: ((يا مَعْشَرَ الأَنْصارِ)). فأَجابوهُ لَبَّيْكَ ـ بِأَبينا أَنْتَ وأُمِّنا، يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: ((أقبلوا بِوُجوهِكم إلى اللهِ ورَسُولِهِ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تجْري مِنْ تحتِها الأَنهارُ)). فأَقْبَلوا ولهم حَنينٌ حتى أَحْدَقوا بِهِ كَبكبة تحاكُ مَناكِبُهم يُقاتِلونَ حَتى هَزَمَ اللهُ المُشْرِكين.
قولُهُ تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} عطفٌ على محلِّ قَوْلِهِ “في مواطنَ”، عَطَفَ ظَرْفَ الزَمانِ مِنْ غيرِ واسِطَةِ “في” على ظَرْفِ المَكان المجرورِ بها. ولا غَرْوَ في نَسَقِ ظَرفِ زَمانٍ على مَكانٍ أَوِ العَكْس تَقولُ: “سِرْتُ أَمامَكَ يَومَ الجُمُعةِ” إلا أَنَّ الأَحْسَنَ أَنْ يُتْركَ العاطفُ مِثله. وزَعَمَ ابْنُ عَطيَّةَ أَنَّه يجوزُ أَنْ يُعْطَفَ على لَفْظِ “مواطن” بِتَقديرِ: “وفي”، فحَذَفَ حرفَ الخَفْضِ. وهذا لا حاجةَ إليه. وقالَ الزَمخْشَرِيُّ: فإنْ قلتَ: كَيْفَ عطفَ الزمانَ على المكان، وهو “يوم حنين” على “مواطن”؟، قلتُ: معناه: وَمَوْطِن يومِ حُنينٍ أَوْ في أَيامِ مَواطنَ كَثيرةٍ ويَوْمَ حُنين. ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالمواطِنِ الأَوْقاتُ، فيكون حينئذٍ عَطْفَ زَمانٍ على زَمانٍ. وقالَ الزمخشريُّ بعدما تقَدَّمَ عنه: ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالمَواطِنِ الوقتُ، على أَنَّ الواجبَ أَنْ يَكونَ “يومَ حُنينٍ” مَنْصوباً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لا بهذا الظاهر. ومُوْجِبُ ذلك أَنَّ قولَهُ: “إذا أعجبتكم” بدلٌ من “يوم حنين”، فلو جَعَلْتَ ناصبَه هذا الظاهرَ لم يصحَّ؛ لأنَّ كثرتَهم لم تُعْجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أَنْ يَكونَ ناصبُه فعْلاً خاصّاً بِهِ. ولا أَدْرِي ما حَمَلَهُ على تقدير أحد المضافين أو على تأويل الموطن بالوقت ليصحَّ عَطْفُ زمانٍ على زمان ، أو مكان على مكان ، إذ يصحُّ عَطْفُ أحدُ الظرفين على الآخر؟
وأمَّا قولُه: على أن الواجبَ أن يكون إلى آخره. كلامٌ حسن، وتقديره أن الفعلَ مقيدٌ بظرفِ المكان ، فإذا جعلنا “إذ” بدلاً من “يوم” كان معمولاً له؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدل منه، فيلزم أنه نصرهم إذا أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة. إلا أنه قد ينقدح فإنه تعالى لم يقل: في جميع المواطن حتى يلزم ما قال، ويمكن أن يكونَ أراد بالكثرة الجميعَ، كما يُراد بالقلة العدمُ.
قوله: {بِمَا رَحُبَتْ} ما: مصدريةٌ أي: رَحْبها وسَعَتها. وقرأ زيد ابن علي في الموضعين: “رَحْبَت” بسكون العين، وهي لغة تميم، يَسْلُبون عين فَعُل فيقولون في شَرُف: شَرْف.
والرُّحْب بالضم: السَّعَة، وبالفتح: الشيء الواسع. يقال: رَحُب المكان يَرْحُب رُحْباً ورَحَابة وهو قاصر. فأمَّا تعدِّيه في قولهم: “رَحُبَتْكم الدار” فعلى التضمين لأنه بمعنى وَسِعَتْكم.
وحُنَيْن اسمُ وادٍ، فلذلك صَرَفَه. وبعضُهم جعله اسماً للبقعة فَمَنَعَه كما في قولِ حَسّانِ بْنِ ثابتٍ الأَنْصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
نَصَرُوا نبيَّهُم وشَدُّوا أَزْرَه ……………… بحنينَ يومَ تواكُلِ الأبطال
وهذا كما قال الآخر في “حِراءٍ” اسْمِ الجَبَلِ المعروفِ، اعتباراً بتأنيثِ البُقْعَةِ كما في قولِ جَريرٍ:
أَلَسْنا أَكْبرَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلاً ……………… وأَعْظَمَهم بِبَطْنَ حِراءَ نارا
والمواطن جمع مَوْطِن بكسر العين، وكذا اسم مصدره وزمانه لاعتلالِ فائه كالمَوْعد قال يَزيدُ بْنُ الحَكَمِ الثَقَفي:
وكم مَوْطنٍ لولايَ طِحْتَ كما هوى …. بأَجْرامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيْقِ مُنْهَوى

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 24


قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
(24)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ}، الخِطابُ في هذه الآيةِ الكريمةِ مِنَ اللهِ تَعالى للنَبِيِّهِ ورسولِه محمَّدٍ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، يأَمُرُهُ فيه، بِتَوَعُّدِ مَنْ آثَرَ حُبَّ القَرَابَةِ وَالعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ وَالتِّجَارَةِ وَالأَمْوَالِ وَالمَسَاكِنِ، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الحياةِ الدُنيا وعلائقِها فقدّمَ حبَّها عَلَى حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالهجرةِ والجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وإنَّما يُتَرْجَمُ حُبُّهُ تعالى، بالطاعَةِ له سبحانَهُ، في كلِّ ما بِهِ أَمَرَ وعَنْهِ نهى، لا سِيَّما الهِجْرَة والجهاد، فقدْ يمنَعُ التعلُّق بهذه الأُمُورِ الدُنْيَويَّةِ مِنْهُما، فكِلاهُما يَتَطَلَّبُ التَضْحِيَةَ بهذِهِ الأَشْياءِ والتَخلُّصَ مِنْ عَلائقِها، وهذِهِ هي مُنَاسَبَةُ ذِكْرِها هُنا، واللهُ أعلمُ.
والعَشِيرَةُ مِنَ العَشْرةِ، وهوَ العَدَدُ الكامِلُ. وقيلَ هِيَ الأَهْلُ الأَْدْنَوْنَ الأقربون للرجُلِ بالغاً ما بَلَغَ عَدَدُهم، سَواءً أَكانُوا عَشَرَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أكثرَ. وقيلَ: هُمْ أَهْلُ الرَجُلِ الذينَ يُكاثِرُ الناسَ بِهِمْ ويفاخرُ. وإليهم يستندُ في المُلمّاتِ وعليهم يَعْتَمِدُ، وقيلَ: هيَ الجماعةُ المجتَمِعةُ بِنَسَبٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ وِدادٍ.
قولُهُ: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} التربُّصُ الانتظارُ والترقُّبُ، وهنا المنتظَرُ هو أمرُ اللهِ، فمن المحتمَلِ أن يكونَ أمراً بعذابٍ في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما معاً، وذلك عِقاباً على تقديم الدنيا وزينتها وعلائقَها وحبَّها على حبِّ الله ورسولِهِ. فقد يكون العذابُ نازلاً من السماءِ أو نابعاً من الأرضِ، كالصاعقةِ والريح والطوفان والغرقِ وغيرِ ذلِكَ. وقد يكونُ هزيمةً وخزيٍاً على يَدِ عبادِ اللهِ بتسليطٍ منه سبحانه وتأييد.
قولُهُ: {وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وَعيدٌ شديدٌ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لا يَهْدِي الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ سَوَاءَ السَّبِيلِ. إلى ما فيه نصرُهم وعزّتهم وصلاحُ أمرهم في الدنيا والآخرة. والفْظُ عامٌّ هنا يُرادُ بِهِ الخُصوصُ فيمَنْ يُوافي عَلى فِسْقِهِ، أَوْ هو عُمومٌ مُطْلَقٌ على أَنَّهُ لا هِدايةَ مِنْ حيثُ الفِسْق.
قولُهُ تَعالى: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ .. أَحَبَّ} آباؤكمْ: اسْمُ كانَ، و “أحبَّ” خبرُها فهو مَنْصوبٌ. وكان الحَجَّاجُ ابْنُ يُوسُفَ يَقْرؤها بالرَّفْعِ، فلَحَّنَهُ يحيى بْنُ يَعْمُرَ لمُخالَفَتِهِ القُرَّاءً النَّقَلَةً فَنَفاهُ. والرفعُ جائزٌ في العَرَبِيَّةِ، وذلك بأنْ يُضْمَرَ في “كان” اسمٌ، هُوَ ضميرُ الشَأْنِ، ويُرْفَعَ ما بَعدَها على المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، فتكونُ الجملةُ خَبَراً عن “كان”.
ومِنْ ذلكَ قولُ العُجَيرِ السَّلوليِّ:
إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفانِ ….. شامتٌ وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أَصْنَعُ
وقد جاءَ بِهِ هنا على لُغةِ بني الحَرْثِ ومَنْ وافَقَهم.
قرأ الجمهور: {عشيرتكم} بالإِفْرادِ، وقرَأَ أَبو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: “عشيراتكم” جمعَ السّالِمِ. ووَجْهُ الجَمْعِ، أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ المُخاطَبينَ عَشيرَةً فَحَسُنَ الجَمْعُ. وهذه القراءةُ حُجَّةٌ على الأَخْفَشِ الذي زَعَمَ أَنَّ “عشيرة” لَيْس لها جمعٌ سالمٌ، إنَّما تُجْمع تَكْسيراً على عَشَائرَ. وهي قراءةُ أَبي عبدِ الرَحمنِ السُلَمِيِّ، وأَبي رَجاءٍ. وقرَأَ الحَسَنُ “عشائركم” فقيل: وهي أَكْثَرُ مِنْ عَشيراتِكم.

فيض العليم …. سورة التوبة، الآية: 23


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
(23)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْر عَلَى الإِيمَانِ} هذا استئنافٌ ابْتِدائيٌّ لافْتِتاحِ غَرَضٍ آخَرَ وهُوَ تَقْريعُ المَنافِقينَ ومَنْ يُواليهم، ونهيٌ عَنْ مُوالاةِ الكافرين مهما كانت درجة قرابتهم وهذا الأمْرُ بالنهي يعُمُّ كلَّ فَرْدٍ مِن المُخاطَبين عن موالاةِ أيٍّ مِنَ المُشْرِكينَ لا عن موالاة طائفةٍ منهم، وهو مِنْ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بالجَمْعِ المُوجبِ لانْقِسامِ الأفرادِ إلى الأفرادِ كما هو في قولِهِ عَزَّ وجَلَّ في سورة المائدة: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} الآية: 72. فإنَّه مَفْهومٌ مِنَ النَظْمِ دَلالةً لا عبارةً. ولذلك فقد افْتَتَحَ الخطابَ بقولِه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” إشْعاراً بِأَنَّ ما سَيُلْقى إلَيْهِم مِنَ وَصايا هوَ مِنْ مُقْتَضياتِ الإيمانِ وشِعارِهِ. وذلك بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهُ، وَبَرَاءَةَ رَسُولِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَآذَنهم بِنَبْذِ عُهُودِهِمْ، بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ تَعَالَى أنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ، لأنهم لم يَرْعَوْها، عَزَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، وَتَبَرَّمَ مِنْهُ ضُعَفَاءُ الإِيمَانِ، وَكَانَ مَوْضِعَ الضَعْفِ نُصْرَةُ القَرَابَةِ وَالعَصَبِيّةِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّ فَضْلَ الإِيمَانِ وَالهِجْرَةِ وَالجِهَادِ لاَ يَتَحَقَّقُ، وَلاَ يَكْتَمِلُ إلاَّ بِتَرْكِ وَلاَيَةِ الكَافِرِينَ، وَإِيثَارِ حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، عَلَى حُبِّ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَالأخِ وَالعَشِيرَةِ، فَنَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالاَةِ الذِينَ يَخْتَارُونَ الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ. فدَلَّ ذلك على أَنَّ حُكْمَ اللهِ تَعالى يَغْلِبُ حُكْمَ القُرْبِ والنَسَبِ.
قولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} تَوَعَّدَ مَنْ يَتَولاَّهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالعِقَابِ الشَّدِيدِ، فِي هذِهِ الآيَةِ، وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى، توَعَدَّ مَنْ يَتَولَّى الكُفَّارَ، وَلُوْ كَانُوا آباَءً أَوْ إِخْوَاناً، بالعذابِ المُهينِ وعدَّهم مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَثِيراً مَا عَبَّرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الكُفْرِ بِالظُلْمِ وَمَاثَلَ بَيْنَهُمَا. ودلَّ هذا على أَنَّ تَوَلي الكافِرِ تَعْظيمٌ، فلِذلكَ أَطْلَقَ تَعالى فيمَن يَفْعَلُ ذَلكَ أَنَّهُ ظالمٌ. وجاءَ في الكشَّافِ للزمخشريِّ عَنِ النبيِّ الكريم ـ عليْه أَفْضلُ الصلاةِ مِنَ اللهِ وأَكْمَلُ التَسْليمِ: ((لا يَطْعَمُ أَحدُكُم طَعْمَ الإيمانِ حتى يُحِبَّ في اللهِ أَبْعَدَ الناسِ مِنْهُ ويُبْغِضَ في اللهَ أَقْرَبَ الناسِ إليْهِ)). ورواهُ أَبو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ عن مُعاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهني مرفوعاً. وروى الإمامُ الطَبراني في مُعْجَمِهِ عن عمرو بْنِ الحَمِقِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ سِمِعَ رَسُولَ اللهَِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلّم، يقول: ((لا يَجِدُ العبدُ صَريحَ الإيمان حتى يحِبَّ في اللهِ ويُبْغِضَ في اللهِ)). وأَخْرجَ أَيضاً أَنسٍ الجُهني عَنِ النَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ((أَفْضَلُ الإيمانِ أَنْ تحِبَّ للهِ وتُبْغِضَ للهِ)). وروى البيهَقيُّ عن أَبي أُمامَةَ، عَنِ النبيِّ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ((مَنْ أَحَبَّ للهِ وأَبْغَضَ للهِ، وأَعْطى للهِ ومَنَعَ للهِ فقدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ)). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن حلاوَةَ الإيمانِ))، وذكرَ منها: ((أَنْ تُحِبَّ المرءَ لا تُحِبُّهُ إلاَّ للهِ)) رواهُ الشيخان، البُخاري ومُسلم. والأحاديثُ الواردةُ في هذا كثيرة.
وقدْ جاء في سببِ نُزولِ هذِه الآيةِ الكريمة أنَّه لمَّا أُمِروا بالهِجْرَةِ قال بعضٌ منهم: إنْ هاجرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأَبْناءَنا وعَشيرَتَنا، وذَهَبَتْ تِجارتُنا، وهَلَكتْ أَمْوالُنا، وخَرِبَتْ ديارُنا، وبَقِينا ضائعين. فنَزَلَتْ فهاجَرُوا فجَعَلَ الرَجُلُ يَأْتيهِ ابْنُهُ، أَوْ أَبوهُ، أوْ أَخوهُ، أَوْ بَعْضُ أَقارِبِهِ، فلا يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ولا يُنْزِلُهُ ولا يُنْفِقْ عليه، ثمَّ رُخِّصَ لهم في ذلك. وقيلَ: نَزَلَتْ في التِسْعَةِ الذين ارْتَدُّوا ولحِقُوا بِمَكَّةَ نهْياً عَنْ مُوالاتِهِم. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ عَنْ مجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أُمِروا بالهِجْرَةِ فقالَ العباسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَا أَسْقي الحاجَّ. وقالَ طَلحَةُ أَخو بَني عَبدِ الدارِ، أَنَا أَحْجُبُ الكَعْبَةَ فلا نُهاجِرُ، فأُنْزِلَتْ: “لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإِيمان”. ومعنى اسْتَحَبًّوا الكُفْرَ على الإيمانِ، أيْ: اخْتاروهُ عليهِ.
قولُه تعالى: {لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ} أولياء: مَفْعولٌ ثانٍ مَنْصوبٌ بِ “تتَّخِذوا”، والمفعولُ الأَوَّلُ: “آباءَكم” و “إخوانَكم” عطفٌ عليه. وجملة “إن استحبوا” مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُ الشَرْطِ محذوفٌ دَلَّ عليه ما قبلَهُ. و “اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ} أيْ: أحبُّوهُ حُبّاً مُتَمَكِّناً. فالسينُ والتاءُ للتَأْكيدِ، مِثلُ ما في اسْتَقامَ واسْتَبْشَرَ.
قولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهم مِنْكم} هذا الجارُّ والمجرورُ “منكم” متعلِّقٌ بمحذوفِ حالٍ مِنْ فاعِلِ “يتولهَّم”، وجملة “ومن يتولهم” معطوفة على جوابِ النداءِ لا محَلَّ لها.
وقوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} أُتِيَ باسْمِ الإشارَةِ “أولئك” لزيادة تمييزِهم، و “هم الظالمون” هذِهِ الصِيغَةُ تُفيد الحَصْرَ للمُبالَغَةِ، بمعنى أَنَّ ظُلْمَ غيرِهم بجانب ظلمهم لا شيءَ لِعَظَمَةِ ظُلْمِهم. ويجوزُ أنَ يَكونَ “هُمُ الظَّالِمُونَ” عائداً إلى ما عاد إليهِ ضميرُ النَصْبِ في قولِهِ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} أَيْ إلى الآباءِ والإخْوانِ الذين اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ على الإيمان.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com