الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 53


 

وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} الْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَلِذَلِكَ جَاءَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ: {إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} الآيَةَ: 54، الَّتي تَلِي هَذِهِ الآيَةَ. و “وَما بِكُمْ” أَيْ وَمَا يَكُنْ بِكُمْ، فَـ “مَا” ـ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ، بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَالْبَاءُ: فِي “بِكُمْ” مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ. و “مِنْ نِعْمَةٍ” أَيْ: مِنَ صِحَّةٍ في الجِسْمِ، وَسَعَةٍ في الرِزْقٍ، وَوَفْرةٍ في الوَلَدِ، وغيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعمٍ لا يُحْصيها سِوَى المُنْعِمِ بها ـ سُبْحانَهَ وتَعَالى. فَإِنَّ ذلكَ كلَّهُ مِنَ اللهِ ـ تَبَارَكَ وتَعَالَى. وَقِيلَ: المُرادُ بـ “نِعْمَةٍ” هو ما تتضمَّنُهُ الجملةُ التي تَلِيهَا، أَيْ قولُهُ تَعَالَى: “ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ}، لكنَّ الرَّأْيَ هو أَنَّ هذا أَيْضًا مَشْمُولٌ بـ قولِهِ “مِنْ نعمةٍ”، فإنَّ إجابتَهُ ـ تَعَالى، دُعَاءَ المُضطَّرينَ مِنْ عِبادِهِ الذينَ يرفعونَ الصوتَ إليهِ ضارعينَ، وَإِنْقاذَهم، وانْتِشالَهم ممَّا فِيهِ مِنْ ضيقٍ، هوَ بالتأْكيدِ مِنْ نِعَمِهِ ـ سُبْحانَهُ، وليسَ كُلَّ نِعَمِهِ، فإِنَّ نِعَمَهُ ـ جلَّ وعَلَا، لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ونِعمَةٌ واحِدَةً منْها لا تُحْصَى حدودُها، ولا تُسْتَقْصَى عَظَمَتُها، كَمَا قالَ تَعَالَى في الآيةِ: 34، مِنْ سُورَةِ إِبْراهيمَ: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا}، وَتَنْكِيرُ “نِعْمَةٍ” يُشِيرُ إِلَى هَذَا الذي ذَهَبْنَا إِليْهِ، لأَنَّ التنكيرَ للتَعْظِيمِ والتَفْخِيمِ والتَكْثِيرِ. وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَصْنُوعَاتِ اللهِ تعالى الْكَائِنَةِ فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ، وَفِيمَا يُحِيطُ بِهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا سَاقَ مِنَ النِّعَمِ، ومعَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَجِدُ في النَّاسِ مُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهَا، وَعَنْ شُكْرِهَا، وَهُمُ الْكَافِرُونَ.   

قولُهُ: {ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} وَالضُرُّ ـ أَيُّ ضُرٍّ، مِنْ فَقْرٍ، أَو سَقَمٍ، أَوْ مُصِيبَةٍ فِي المَالِ أَوِ الوَلَدِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ خَوْفِ بَلاءٍ، أَوْ جائحَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ. فإِنَّكَ تَرَى الإنْسانَ بِفِطْرَتِهِ وَدُونَ تَفْكِيرٍ تَرَاهُ يَلْتَجِأُ إِلَى اللهِ، خالِقِهِ ومَوْلاهُ طَالِبًا العونَ والمَدَدَ، ناشِدًا الأمْنَ والنَّجَاةَ والخَلاصَ. فقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ” الْآيَةَ. قَالَ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ للهِ أَنَّهُ رَبَّهُمْ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

و “تَجْأَرُونَ” تَضِجُّونَ بِالدُّعَاءِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ” يَقُولُ: تَضِجُّونَ بِالدُّعَاءِ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ” قَالَ: تَتَضَرَّعونَ، دُعَاءٌ. ويُقَالُ: جَأَرَ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وَجَأَرَ الرَّجُلُ إِلَى اللهِ، إِذَا تَضَرَّعَ إِلَيْهِ رافعًا صوتَهُ بِالدُّعَاءِ. قالَ الأعشى:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ المَليكِ ……………… طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤارا

وَالْجُؤَارُ أيضًا مِثْلُ الْخُوَارِ، يُقَالُ: جَأَرَ الثَّوْرُ يَجْأَرُ، إذا صَاحَ، وَمِنْهُ قَولُ الْنابغةِ الجَعْدِيِّ يَصِفُ بَقَرَةً فَقَدَتْ فَلْوَها فَطافَتْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيالِيها تَبْحَثُ عَنْهُ مُبْدِيَةً حَنِينَها إِلَيْهِ، وشَفَقَتَهَا عَلَيْهِ بِالجُؤارِ:

فَطَافَتْ ثَلَاثًا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ………… وَكَانَ النَّكِيرُ أَنْ تُضِيفَ وَتَجْأَرَا  

حَكَاهُ الْأَخْفَشُ. وَ مَعْنَى “تُضِيفُ”: تُشْفِقُ.

وفي اسْتِعْمَالِ المَسِّ المُنْبِئِ عَنْ أَدْنَى إِصَابَةٍ، وإيْرادِهِ بالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُعْرِبِ عَنْ الحُدوثِ مَعَ “ثُمَّ” الدالَّةِ عَلَى وُقُوعِهِ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَفي تَحْلِيَةِ الضُّرِّ بِلامِ الجِنْسِ المُفيدَةِ لِمِسَاسِ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجِنْسِ، مَعَ إِيْرادِ النِّعْمَةِ بالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ الدَالَّةِ عَلَى الدَوَامِ، والتَعْبيرِ عَنْ مُلابَسَتِهَا للمُخَاطَبِينَ بِبَاءِ المُصَاحَبَةِ، وإِيرادِ “مَا” المُعْرِبَةِ عَنِ العُمُومِ، في ذلكَ كُلِّهِ مَا لا يَخْفَى مِنَ الجَزَالَةِ والفَخَامَةِ. وَاسْتِعْمَالَ “إذا” دَونَ “إِنْ”، إنَّما هُوَ للتَوَصُّلِ إِلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الجَوَابِ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} الوَاوُ: للعَطْفِ، وَ “مَا” شَرْطِيَّةٌ، أَوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ باعْتِبارِ الإِخْبَارِ دونَ الحُصُولِ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و “بِكُم” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ متَعلِّقٌ بِصِلَةِ “ما” المَوْصُولَةِ؛ والتَقْديرُ: وَمَا حَلَّ بِكُمْ. وَكافُ الخِطَابِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. وَ “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنْ “مَا”، أَوْ مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَكِنِ فِي الظَّرْفِ، وَ “نِعْمَةٍ” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. وَ “فَمِنَ” الفَاءُ: زَائدَةٌ فِي الخَبَرِ لِشِبْهِ المُبْتَدَأِ بِأَسْمَاءِ الشُّروطِ في العُمومِ. وَ “مِن” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، وَلفظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى ما قَبْلَهَا مِنِ جُمَلٍ، عَلَى كَوْنِها مَقَولَ “قالَ”.

ويَجُوزُ أَنْ تُعْرَبَ “ما” شَرْطِيَّةً، وَفِعْلُ الشَرْطِ بَعْدَهُا مَحْذُوفٌ. وَإلى هَذَا نَحَا الفَرَّاءُ، وتَبِعَهُ الحُوفِيُّ وَأَبُو البَقَاءِ العُكْبُريُّ. قالَ الفَرَّاءُ: التَقْديرُ “وَمَا يَكُنْ بِكُمْ”. وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لا يُحْذَفُ فِعْلٌ إِلَّا بَعْدَ “إنْ” الشرطيَّةِ خاصَّةً، فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكونَ في بابِ الاشْتِغَالِ نَحْوَ قولِهَ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ التَوْبَة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتِجَارَكَ} الآية: 6، لأَنَّ المَحْذُوفَ فِي حُكْمِ المَذْكُورِ، والثاني: أَنْ تَكُونَ “إنْ” مَتْلُوَّةً بِـ “لا” النافِيَةِ، وَأَنْ يَدُلَّ عَلَى الشَّرْطِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَلامِ كَقَوْلِ الأَحْوَصِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصاريِّ يخاطِبُ رَجُلًا اسْمُهُ (مَطَر)، وكانَ مَطَرٌ هَذَا دَمِيمَ الخُلْقَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةً جميلةً وَسِيمَةً، فقَالَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا ويَتَوَعَّدُهُ بقطعِ رأْسِهِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ:

فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَهَا بكُفْءٍ ……………… وَإِلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسَامُ

أَيْ: وإِنْ لا تُطَلِّقْها، يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (فَطَلِّقْها) عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ “لا” النَّافِيَةُ، أَوْ كَانَتِ الأَدَاةُ غَيْرَ “إِنْ” لَمْ يُحْذَفْ إِلَّا ضَرُورَةً، مِثَالُ الأَوَّلَ قولُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجَّاجِ:

قالَتْ بَنَاتُ العَمِّ يا سَلْمَى وإِنْ ………… كان فقيرًا مُعْدِمًا قالت: وإنْ

أَي: وإنْ كانَ فَقِيرًا مُعْدِمًا رَضِيْتُ بِهِ. وَمِثَالُ الثاني قَوْلُ الشاعرِ كَعْبِ بْنِ جُعَيْلٍ:

صَعْدَة نابتةٌ في حائرٍ ……………………. اَيْنَما الريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ

الصَّعْدَةُ: القَنَاةُ التي تَنْبُتُ مُسْتَوِيَةً فَلا تَحْتَاجُ إِلَى تَثْقيفٍ وتعديلٍ، فَشَبَّهَ بِهَا المَرْأَةَ التي يُشَبِّبُ بِها. وَوَصَفَ القَنَاةَ أَنَّها نَبَتَتْ في حائرٍ، والحائرُ هوَ المَكانُ المُطْمَئِنُّ يَتَحَيَّرُ المَاءُ فيه. ومِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الشاعِرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ العِبادِيِّ:

فَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو …………… هُ، وتُعْطَفْ عَلَيْهِ كَأْسُ السَّاقي

قوْلُهُ: {ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ وَتَراخٍ، و “إِذَا” ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، خافِضٌ لِشَرْطِهِ مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِهِ. وَ “مَسَّكُمُ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفتْحِ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ على المَفْعوليَّةِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “الضُرُّ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الخَفْضِ بـ “إذا” عَلَى أَنَّها فِعْلُ شَرْطٍ لَهَا. و “فَإِلَيْهِ” الفاءُ: رَابِطَةٌ لِجَوابِ “إِذَا” جَوَازًا، و “إِلَيْهِ” إِلَى: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، والهاءُ: ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “تَجْأَرُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. وَالجُمْلَةُ جَوَابُ “إِذَا”، وَجُمْلَةُ “إِذَا” فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلَهَا عَلَى كَوْنِهَا مَقَوْل “قالَ”.

 قَرَأَ الجمهورُ: {يَجْأَرُونَ} وَقَرَأَ الزُهْرِيُّ “يَجَرَون” بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، فقد حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الجِيمِ تَخْفيفًا، كَمَا خُفِّفَّتْ “تَسَلُونَ” مِنْ “تَسْأَلُونُ”.

Advertisements

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 52


وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (52)

قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ: لَهُ ـ تَعَالَى، وحْدَهُ جميعُ مَا فِي السَمَاواتِ والأَرْضِ خَلْقًا وَمُلْكًا، وهُوَ عَطْفٌ عَلَى قولِهِ مِنَ الآيةِ التي قَبْلَها {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئنافًا جِيءَ بِهِ لتَقْريرِ عِلَّةِ انْقِيادِ مَا في السَّماوَاتِ والأَرْضِ لَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، خاصَّةً، ولِتَحْقِيقِ تَخْصِيصِ الرَّهْبَةِ بِهِ ـ جَلَّ جَلالُهُ العظيمُ، وقُدِّمَتْ “في” الظَّرْفِيَّةُ  لِتَقْوِيَةِ مَا في لامِ المُلْكِ مِنْ قولِ “لَهُ” مِنْ مَعْنَى التَخْصِيصِ. ومُنَاسَبَةُ مَوْقِعِها بَعْدَ قولِهَ في الآيةِ التي قبلَها: {لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ}، أَنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا إِلَهَيْنِ جَعَلُوهُمَا النُّورَ وَالظُّلْمَةَ. وَإِذْ كَانَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ مَظْهَرَيْنِ مِنْ مَظَاهِرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَانَ الْمَعْنَى: أَنَّ مَا تَزْعُمُونَهُ إِلَهًا لِلْخَيْرِ وَإِلَهًا لِلشَّرِّ هُمَا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ـ جلَّ وَعَلَا، وهُمَا مِنْ مُلْكِهِ، إِذْ جميعُ ما فيهِما لَهُ أَي: مُلْكُهُ.

قولُهُ: {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} أَيْ: وكما أَنَّهُ لَهُ ـ سبحانَهُ وتَعَالى، الخَلْقُ والمُلْكُ وَالتَصَرُّفُ، فإِنَّ “لَهُ” أَيْضًا “الدِّينُ” أَيْ: وهوَ السَّمْعُ وَالطاعَةُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ أَوَامِرُ اللهِ ـ تَعَالَى، وَنَوَاهِيهِ دِينًا، كَما قَالَ في الآيَةِ: 19، مِنْ سُورَةِ آلِ عُمْرَانَ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ}، وقالَ في الآيَةِ: 85، منْ نَفْسِ السَّورَةِ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، وَقَالَ في سُورَةِ المائدةِ: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} الآيَةَ: 3، وَالْمُرَادُ بِالدِّينِ فِي الْآيَاتِ: الاستسْلامُ للهِ ـ تَعَالَى، وطَاعَتُهُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ:

وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ كِرَامٍ ……………………. عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا

أَيْ: عَصَيْنَاهُ وَامْتَنَعْنَا أَنَّ نَدِينَ لَهُ، أَيْ: نُطِيعُهُ. أَوْ أَنَّ المُرَادَ بالدينِ هنا الجَزَاءُ، كما قالَ تعالى في سورةِ الفاتحة: {مالِكِ يومِ الدِّينِ} الآية: 3، أَي: مالِكِ يومِ الجزاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَا “الدِّينُ” بِمَعْنَى الدِّيَانَةِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ: {وَقالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ}، مِنَ الآيةِ السَّابقةِ، لِأَنَّ إِبْطَالَ دِينِ الشِّرْكِ يُنَاسِبُهُ أَنْ لَا يَدِينَ النَّاسُ إِلَّا بِمَا يُشَرِّعُهُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ، أَيْ هُوَ الَّذِي يُشَرِّعُ لَكُمُ الدِّينَ، ولَيْسَ غَيْرهُ مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالِ، ك (زَرَادَشْتَ)، وَ (مَزْدَكَ)، وَغَيْرِهِما، قَالَ تَعَالَى في الآيةِ: 21، مِنْ سُورَة الشُّورى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ}. و “وَاصِبًا” وَاجِبًا، ولازِمًا دائمًا لا ينقطِعُ وَلَا زَوَالَ لَهُ، أَيْ: لَهُ الطَّاعَةُ وَالذُّلُّ وَالْخُضُوعُ دَائِمًا، لِأَنَّهُ لَا يزولُ مُلكُهُ، ولا يَضْعُفُ سُلْطَانُهُ، وَلَا يُعْزَلُ عَنْهُ، وَلَا يُغْلَبُ عليْهِ، وَلَا يَمُوتُ ـ سبحانَهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ لَهُ حَالٌ. بِخِلَافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ ترى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ عَزيزًا مُطَاعًا، يَخَافُهُ النَّاسُ وَيَطْمَعُونَ فِيمَا عِنْدَهُ طالَمَا بقيَ لَهُ السَّلْطَنَةُ عَلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ فيهمَ، فإِذَا ماتَ أَوْ عُزِلَ ذَلَّ بَعْدَ عِزٍّ، وَاتَّضَعَ بَعْدَ رِفْعَةٍ، وافتقرَ بعدَ غِنًى. وَلَمْ يعُدْ أَحَدٌ يَعْبَأُ بِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ ـ تَعَالَى، هوَ الإلَهُ الواحِدُ الباقي عَلَى الدَّوامِ، الحَقيقُ بِأَنْ يُخْشَى ويُرْهَبَ، ولهُ السَّمْعُ والطَّاعَةُ وَاصِبًا.

أَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي (الْوَقْفُ والابتِداءُ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما: أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا”، فقَالَ لَهُ: الْوَاصِبُ: الدَّائِمُ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بُقُولِ الشاعِرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:

وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا وَلَهُ الْمُلْكُ ………………. وَحَمْدٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ

وهوَ مِنْ قَوْلِهمْ وَصَبَ الشَّيْءُ، إِذا دَامَ، وقد رُويَ ذلكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ العُلَمَاءِ المُفَسِّرِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم أَجْمَعينَ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ، أَيْضًا، وَابْنُ جَريرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ “وَاصِبًا” معناهُ: وَاجِبًا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ والرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ أَيْضًا ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ “وَاصِبًا”: خَالِصًا. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا” قَالَ: “الدِّينُ” الْإِخْلَاصُ، و “وَاصِبًا” دَائِمًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي صَالِحٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا” قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا” قَالَ: دَائِمًا. قالَ حَسَّانُ بْنُ ثابتٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ:

غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ………………………. وَهَزيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ

أَيْ دائمٌ، وَقَالَ أَبو الأَسْوَدِ الدُّؤَلَيُّ:

لا أَبْتَغِي الحَمْدَ القَليلَ بَقَاؤُهُ ………….. يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أَجْمَعَ وَاصِبَا

والوَصِبُ: هوَ العَليلُ، وذَلِكَ لِمُداوَمَةِ السَّقَمِ لَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الوَصَبِ، وهوَ التَّعَبُ، لأَنَّ الدِّينَ فِيهِ تَكَالِيفُ عَلَى العِبادِ مِنَ اللهِ ـ تَعَالَى، فِيها شَيْءٌ مِنَ المَشَقَّةِ عَلَيْهم. فقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ دِينٌ وَاصِبٌ، شَغَلَ النَّاسَ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَثيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهم، فَمَا يَسْتَطِيعُهُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ عَرَفَ فَضْلَهُ وَرَجَا عَاقِبَتَهُ. فهُوَ حينَئِذٍ عَلَى النَّسَبِ، أَيْ: ذا وَصَبٍ؛ فَهُوَ كَما قَالَ الشَّاعِرُ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ:

رَخِيمُ الْكَلَامِ قَطِيعُ الْقِيَامِ …………………. أَضْحَى فُؤَادِي بِهِ فَاتِنًا  أَيْ: ذَا فُتُوْنٍ.

قولُهُ: {أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ} أَعْقَبَ تَقْريرَ الشَّأْنِ المَذْكُورِ، مِنْ تَخْصِيصِ جَميعِ المَوْجُودَاتِ السُّجُودَ بِهِ ـ تَعَالَى، وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ وحدَهُ، وَنَهْيِهِ عَنِ اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، وَكَونِ الدِّينِ لَهُ وَاصِبًا، المُسْتَدْعِي لِتَخْصِيصِ التَّقْوَى بِهِ ـ سُبْحَانَهُ. أَعْقَبَ كُلَّ ذَلِكَ بقولِهِ: أَفَغَيْرَ اللهِ الذي شَأْنُهُ مَا ذُكِرَ تَتَّقُونَ فَتُطِيعُونَ، أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقُوا غَيْرَ اللهِ.  

قولُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الواوُ: للعَطْفِ عَلَى الخَبَرِ مِنْ قوْلِهِ في الآيةِ التي قَبْلَها {إِلَهٌ وَاحِدٌ}، عَطَفَ جُمْلَةٍ عَلَى مُفْرَدٍ، فَيَجِبُ تَأْويلُهَا بِمُفرَدٍ، ولِأَنَّها عُطِفَتْ عَلَى خَبَرٍ فَتَكونُ خَبَرًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الوَاوُ عَاطِفَةً عَلَى الجُمْلَةِ بِأَسْرِهَا وليسَ على الخبرِ فقط، كَمَا وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أَنْ تَكونَ ابْتِدائِيَّةً، أَيْ: اسْتِئْنَافِيَّةً. وَ “لَهُ” اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وَالهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “مَا” مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وبنيَّةٌ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “لَا تَتَّخِذُوا” عَلَى كَوْنِها مَقُولَ القَوْلِ لِـ “قَالَ”، وَ “فِي” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِصِلَةِ “مَا” المَوْصُولَةِ، و “السَّمَاوَاتِ” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. وَ “الْأَرْضِ” مَعْطوفٌ عَلَى “السَّمَاوَاتِ” مَجْرُورٌ مِثلُهُ.

قولُهُ: {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} الواوُ: للعَطْفِ، وَ “لَهُ” اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “الدِّينُ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفوعٌ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهَا عَلى كَوْنِهَا مَقُولُ القَوْلِ لِـ “قالَ”، وَ “وَاصِبًا” مَنْصُوبٌ عَلَى الحَالِ مِنَ “الدِّينُ”.

قولُه: {أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ} الهَمْزَةُ للاسْتِفْهَامِ التَوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ للإنْكارِ، دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ، وَالفاءُ: عَاطِفَةٌ عَلَى ذَلِكَ المَحْذوفِ، والتَقْديرُ: أَبَعْدَ العِلْمِ بِمَا ذُكِرَ مِنَ التَوْحِيدِ تُطِيعُونَ غَيْرَ اللهِ فَتَتَّقونَ، و “تَتَّقُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَماعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ مَعْطوفَةٌ عَلَى تِلْكَ المَحْذوفَةِ، وَتِلْكَ المَحْذُوفَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ القَوْلِ لِـ “قال”.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 51


َقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} عَطْفُ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَهُوَ مُرْتَبِطٌ بقولِهِ في الآيةِ 36، مِنْ هَذِهِ السُّورةِ المُباركة: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. فبَعْدَ أَنْ أُشْبِعَ اللهُ ـ جَلَّ جَلالُهُ، الْقَوْلُ فِي إِبْطَالِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ الذي كانَ منتَشِرًا بَيْنَ القَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأُتْبِعَهُ بِإِبْطَالِ الِاخْتِلَاقِ عَلَى الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُرْآنِ الكريمِ، نَهَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُبارَكَةِ الْناسَ أَنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ. فَانْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى إِبْطَالِ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ كانَ مُتَّبَعًا عِنْدَ بعضِ القَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ عبادةُ إِلَهَيْنِ إِلَهٌ لِلْخَيْرِ وَإِلَهٌ للشَّرِّ، مُتَأَثِّرينَ بذلكَ بِالفُرْسِ كَبَني بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي تَمِيمٍ، فَقَدْ دَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالْمَجُوسِيَّةِ، التي كانتْ تُثْبِتُ وُجودَ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: إِلَهًا لِلْخَيْرِ وَهُوَ النُّورُ، وَإِلَهًا لِلشَّرِّ وَهُوَ الظُّلْمَةُ، أَيِ الْمَزْدَكِيَّةِ وَالْمَانَوِيَّةِ زَمَنَ كِسْرَى أَبْرُويِشَ وكِسْرَى أَنُو شُرْوَانَ، فَسمُّوا إِلَهُ الْخَيْرِ الذي لَا يَصْدُرُ مِنْهُ غَيْرُ النِّعَمِ الْخَيْراتِ (يَزْدَان)، وَسَمُّوا إِلَهَ الشَّرِّ الذي لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الْآلَامُ الشُّرُّورُ (آهْرُمُنُ). وَقدْ زَعَمُوا أَنَّ يَزْدَانَ كَانَ مُنْفَرِدًا بِالْإِلَهِيَّةِ، وَكَانَ لَا يَخْلُقُ إِلَّا الْخَيْرَ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَالَمِ إِلَّا الْخَيْرُ، فَخَطَرَ فِي نَفْسِهِ مَرَّةً خَاطِرُ شَرٍّ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ إِلَهٌ آخَرُ شَرِيكٌ لَهُ هُوَ إِلَهُ الشَّرِّ. وَمَعَ ذَلِكَ فلَمْ يُعَدُّوا مِنْ عَبَدَةِ الطَّاغُوتِ لأَنَّهمْ لَمْ يَجْعَلوا لِهَذَيْنِ الإلَهَيْنِ صُوَرًا مُجَسَّمَةً، فإِنَّ اسْمِ الطَّاغُوتِ اخْتَصَّ بِالصُّوَرِ وَالْأَجْسَامِ الْمَعْبُودَةِ. فَهَذَا الدِّينُ ـ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، يُشْبِهُ الْأَدْيَانَ الَّتِي لَا تَعْبُدُ صُوَرًا مَحْسُوسَةً. وَقد ذَكَر أَبُو العَلاءِ الْمَعَرِّي هَذِهِ العَقِيدَةَ فِي لُزُومِيَّاتِهِ فَقَالَ:

فَكَّرَ يَزْدَانُ عَلَى غِرَّةٍ …………………… فَصِيغَ مِنْ تَفْكِيرِهِ أَهْرُمُنْ

وَقدْ أُكِّدَتْ صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ “إِلهَيْنِ” بِلَفْظِ “اثْنَيْنِ” لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الِاثْنِينِيَّةَ مَقْصُودَةٌ بِالنَّهْيِ إِبْطَالًا لِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ عَقِيدَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَعَدُّدِ الْإِلَهِ بَلِ خَصَّ هَذَهِ العَقيدَةَ وَهِيَ قَوْلُ الْمَجُوسِ بِوجودِ إِلَهَيْنِ، بِهَذا النَهْيِ الْخَاصِّ. ولِذَلِكَ فقد نَهى النبيُّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، سعدَ بْنَ وقاصٍ أَنْ يَدْعُوَ بِأُصْبعيْهِ ابتعادًا عنْ هَذِهِ العقيدةِ ونفيًا لَهَا حتَّى لا يُظَنَّ بأَنّهُ مُؤمنٌ بها فقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بِسَعْدٍ وَهُوَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا سَعْدُ أَحَدٌ أَحَدٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانُوا إِذا رَأَوْا إِنْسَانًا يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ ضَرَبُوا إِحْدَاهُمَا، وَقَالُوا: “إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد”. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ أَيضًا، عَنْ أُمِّ المُؤمنينَ السيدةِ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها، أَنَّها قَالَت: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُدْعَى هَكَذَا، وَأَشَارَتْ بِأُصْبَعٍ وَاحِدَةٍ. وَأَخْرَجَ أَيَضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّهُ قَالَ: الْإِخْلَاصُ يَعْنِي الدُّعَاءَ بالإِصْبَعِ. وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلَهُ: الْإِخْلَاصُ هَكَذَا. وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، وَالدُّعَاءُ هَكَذَا يَعْنِي بِبُطُونِ كَفَّيْهِ، وللاسْتِخَارَةِ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَوَلَّى ظَهْرَهُمَا وَجْهَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الدُعَاءُ هَكَذَا ـ وَأَشَارَ بِأُصْبَعٍ وَاحِدَةٍ، مَقْمَعَةُ الشَّيْطَانِ.

وَقالَ الزمخشَريُّ فِي (الْكَشَّافِ) بِأَنَّ “اثْنَيْنِ” جاءَ لِدَفْعِ احْتِمَالِ إِرَادَةِ الْجِنْسِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا. وَإِذْ نُهُوا عَنِ اتِّخَاذِ إِلَهَيْنِ فَقَدْ دَلَّ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى إِبْطَالِ اتِّخَاذِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ.

قولُهُ: {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أَيْ: إِنَّ الْمَعْبُودَ الْمُسْتَحِقَّ لِأَنْ يُعْبَدَ هُوَ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ. وَقدْ جاءَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الذِّكْرِ الحكيمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الإسْراءِ: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} الآيَةَ: 22، وَجاءِ بعدها في الآيَةِ: 39، منَ السورةِ ذاتِها: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}. وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ (ق): {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} الآيَةَ: 26]، وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الذارياتِ: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} الآيتانِ: (50 و 51). وَبَيَّنَ ـ سبحانَهُ، فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ اسْتَحَالَةَ تَعَدُّدِ الْأَلِهَةِ عَقْلًا، فقالَ في سُورةِ الإسْراءِ: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} الآيةَ: 42، وَقَالَ في سُورةِ الأَنْبِياءِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} الآية: 22، وَقَالَ في سورةِ المُؤمِنُون: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآيتانِ: (91 و 92)، وَالْآيَاتُ في هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ “إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ” بَيَانًا لِجُمْلَةِ “لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ”، فَهيَ مَقُولَةٌ لِفِعْلِ “وَقالَ اللهُ” لِأَنَّ عَطْفَ الْبَيَانِ تَابِعٌ لِلْمُبَيَّنِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وَبِذَلِكَ أُفِيدَ بِالْمَنْطُوقِ مَا أُفِيدَ قَبْلُ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. وَالضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ “إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ” عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ: “وَقالَ اللهُ” أَيْ قَالَ اللهُ: إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي حِكَايَةِ الْقَوْلِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِالْمَعْنَى كَمَا هُنَا، وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورَة الْمَائِدَة: {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} الآية: 117، وقد جاءَ ذَلِكَ حِكَايَةً عَنْ سيِّدِنا عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَـ {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ} مُفَسِّرٌ لقولِهِ قَبْلَهُ {مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي}، فَفِي “أَمَرْتَنِي” مَعْنَى الْقَوْلِ، وَاللهُ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ اعْبُدُوا اللهَ رَبَّكَ وَرَبَّهُمْ، فَحَكَاهُ بِالْمَعْنَى، فَقَالَ: “رَبِّي”. وَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ: “إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ” قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ، أَيِ: اللهُ مُخْتَصٌّ بِصِفَةِ تَوَحُّدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ لِإِبْطَالِ دَعْوَى تَثْنِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَحَصْرُ صِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ فِي اسْمِ عَلَمِ الْجَلَالَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ مُسَمَّى ذَلِكَ الْعَلَمِ مُسَاوٍ لِمُسَمَّى إِلَهٍ، إِذِ الْإِلَهُ مُنْحَصِرٌ فِي مُسَمَّى ذَلِكَ الْعَلَمِ.

قوْلُهُ: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ: “لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ” فَيَكُونُ “فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ” مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ، وَيَكُونُ فِي ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ قَوْلِهِ: “فَارْهَبُونِ” الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى فِعْلِ “وَقالَ اللهُ” فَلَا يَكُونُ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ، أَيْ “قَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ” فَلَا تَرْهَبُوا غَيْرِي. وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقد تَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: “فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ” بِصِيغَةِ الْقَصْرِ، أَيْ قَصْرَ قَلْبٍ، إِضَافِيًّا، أَيْ قَصَرَ الرَّهْبَةَ التَّامَّةَ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَلَا اعْتِدَادَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ عَلَى ضُرِّ أَحَدٍ. وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ يَرْهَبُونَ إِلَهَ الشَّرِّ فَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمَرْهُوبُ. وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ فِي قَوْلِهِ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحَصْرِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَمْرِ بِالرَّهْبَةِ وَقَصْرُهَا عَلَى كَوْنِهَا مِنَ اللهِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِقَصْرِ الرَّغْبَةِ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ قَصْرِ الرَّهْبَةِ عَلَى اعْتِقَادِ قَصْرِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَلَيْهِ تَعَالَى، فَيُفِيدُ الرَّدَّ عَلَى الَّذِينَ يَطْمَعُونَ فِي إِلَهِ الْخَيْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الرَّهْبَةِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ (المزْدكيَّةِ) أَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهُمْ عَنْ خَوْفِ إِلَهِ الشَّرِّ، لِأَنَّهُمْ فِي أَمْنٍ مِنْ إِلَهَ الْخَيْرِ، فَهُوَ مَطْبُوعٌ عَلَى الْخَيْرِ بحَسَبِ اعتقادِهم. وَقَدْ جاءَ الضَمِيرُ في “فَإِيَّايَ” الْتِفَاتًا مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ، لِمُنَاسَبَةِ انْتِقَالِ الْكَلَامِ مِنْ تَقْرِيرِ دَلِيلِ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تعالى عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ إِلَى تَعْيِينِ هَذَا الْوَاحِدِ، بِأَنَّهُ اللهُ مُنَزِّلُ الْقُرْآنِ تَحْقِيقًا لِتَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَفِي هَذَا الِالْتِفَاتِ اهْتِمَامٌ بِالرَّهْبَةِ لِمَا فِي الِالْتِفَاتِ مِنْ هَزِّ فَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ، ولَفْتِ عِنَايَتِهم. وَاقْتَرَنَ فِعْلِ “فَارْهَبُونِ” بِالْفَاءِ لِيَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى التَفْرِيعِ الأَوَّلِ، فَيُفِيدُ التأكيدَ عَلَى التَّأْكِيدِ، لِأَنَّ تَعَلُّقَ فِعْلِ “ارْهَبُونِ” بِالْمَفْعُولِ لَفْظًا يَجْعَلُ الضَّمِيرَ الْمُنْفَصِلَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ فِي تَقْدِيرِ مَعْمُولٍ لِفِعْلٍ آخَرَ، أَيْ: فَإِيَّايَ ارْهَبُوا فَارْهَبُونِ، أَيْ: لقد أَمَرْتُكُمْ بِأَنْ تَقْصُرُوا رَهْبَتَكُمْ عَلَيَّ، فَارْهَبُونِ امْتِثالًا لِأَمْرِي.

قولُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} الوَاوُ: اسْتِئْنَافِيَّةٌ، و “قَالَ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفتْحِ. وَلفظُ الجلالةِ “اللهُ” مرفوعٌ بالفاعليَّةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، وَ “لَا” ناهِيَةٌ جازِمَةٌ. وَ “تَتَّخِذُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بها، وعَلامَةُ جَزمِهِ حذفُ النُّونِ منْ آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَماعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ للتَّفْريقِ. والفِعلُ “لَا تَتَّخِذُوا” يَتَعَدَّى إِلى مَفْعولٍ واحِدٍ، لأَنَّهُ بِمَعْنَى “لا تَعْبُدُوا”. ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ، والثاني مِنْهُما مَحْذوفٌ، أَيْ: لا تَتَّخذوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ مَعْبودًا. وَ “إِلَهَيْنِ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ مثنَّى. و “اثْنَيْنِ” صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ “إِلَهَيْنِ” منصوبةٌ مِثْلهُ وعلامةُ النَّصْبِ الياءُ لأنَّهُ مُلْحَقٌ بالمثنَّى، وقالَ أَبو البقاءِ العُكْبُريُّ بِأَنَّهُ  هوَ المَفْعُولُ الأَوَّلُ، وإِنَّما أُخِّرَ، والأَصْلُ هُوَ: لا تَتِّخِذُوا اثْنَيْنِ إِلَهَيْنِ. وَفِي قولِهِ هذا بُعْدٌ، إِذْ لا مَعْنَى لهُ البَتَّةَ. أَمَّا الزَمَخْشَرِيِّ فيُفْهِمُ مِنْ كلامِهِ أَنَّ “اثْنَيْنِ” هُنَا لَيْسَ تَأْكِيدًا فقَدْ قالَ: (فإِنْ قُلْتَ: إِنَّما جَمَعوا بَيْنَ العَدَدِ والمَعْدودِ فِيما وَراءَ الواحِدِ والاثْنَيْنِ، فقالوا: عِنْدِي رِجَالٌ ثَلاثَةٌ وأَفْراسٌ أَرْبَعَةٌ؛ لأَنَّ المَعْدودَ عَارٍ عَنِ العَدَدِ الخاصِّ، فَأَمَّا رَجُلٌ ورَجُلانِ وَفَرَسٌ وَفَرَسانِ فمَعْدودانِ فِيهِمَا دَلالَةً عَلى العَدَدِ، فَلا حاجَةَ أَنْ يُقالَ: رَجُلٌ واحِدٌ، ورَجُلانِ اثْنانِ، فَمَا وَجْهُ قوْلِهِ تَعَالَى “إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ”؟ قلتُ: الاسْمُ الحامِلُ لِمَعْنَى الإِفْرادِ أَوِ التَثْنِيَةِ دَلَّ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلَى الجِنْسِيَّةِ والعَدَدِ المَخْصوصِ، فإِذا أُريدَتِ الدَّلالَةُ عَلى أَنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مِنْهُما والذي يُساقُ إِلَيْهِ الحَديثُ هوَ العَدَدُ، شُفِعَ بما يُؤَكِّدُ العَدَدَ، فَدَلَّ بِهِ عَلى القَصْدِ إِلَيْهِ والعِنايَةِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قلْتَ: إِلَه، وَلَمْ تُؤَكِّدْهُ بِواحِدٍ لَمْ يَحْسُنْ، وَخُيِّلَ أَنَّكَ تُثْبِتُ الإِلَهِيَّةَ لا الوَحْدانِيَّةَ). وَقالَ أَبُو حَيَّانٍ الأَنْدَلُسِيُّ: (لمَّا كانَ الاسْمُ المَوْضُوعُ للإِفرادِ والتَثْنِيَةِ قَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ، فَيُرادُ بِهِ الجِنْسُ نَحْوَ قولِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وَنِعْمَ الرَّجُلانِ الزَّيْدانِ، ونحْوَ قوْلِ نَصْرِ بْنِ سَيَّار:

فإنَّ النارَ بالعُوْدَيْنِ تُذْكَى ……………….. وإنَّ الحربَ أَوَّلُها الكلامُ

أَكَّدَ المَوْضوعَ لَهُما بالوَصْفِ، فَقِيلَ: “إلهَيْنِ اثْنَينِ”، وَقيلَ: إِلَهٌ واحِدٌ). والجُمْلةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ القَوْلِ لِـ “قَالَ”.

قولُهُ: {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إِنَّمَا: كافَّةٌ ومكفوفةٌ تُفيدُ الحَصْرٍ، و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ. و “إِلَهٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ. و “وَاحِدٌ” صِفَةٌ لِـ “إِلَهٌ” مَرْفوعةٌ مثله، والجُمْلةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ القولِ لِـ “قَالَ”.

قولُهُ: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} الفاءُ: واقِعَةٌ فِي جَوَابِ شَرْطٍ مَحْذوفٍ والتقديرُ: إِنْ كُنْتم راهِبينَ شَيْئًا فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَ “إِيَّايَ” ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجُوبًا يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ، والتقديرُ: فإِيَّايَ ارْهَبُوا، والجُمْلَةُ المَحْذوفَةُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذوفُ، أَيْ: إِنْ نَالَكُمُ الخَوْفُ فَارْهَبونِي أَنَا دُونَ سِوَايَ. وَجُمْلَةُ الشَّرْطِ المَحْذِوفِ تِلْكَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ القَولِ لِلفِعْلِ “قالَ”. وَ “فَارْهَبُونِ” الفاءُ: هنا للتَزْيِينِ فهيَ إِذًا زائدةٌ، وَ “ارْهَبُونِ” فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ منَ الأفعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ، مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ، فاعِلُهُ، وَ “النُّونُ” هَذِهِ هيَ نُونُ الوِقايَةِ، ويَاءُ المُتَكَلِّمِ المَحْذوفَةِ اجْتِزاءً عَنْها بِكَسْرَةِ نُونِ الوِقايَةِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.

فالقاعدَةُ النَّحْوِيَّةُ، تقضي بِأَنَّ المَفْعُولَ إِذَا كانَ ضَميرًا مُنْفَصِلًا وكانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا لِوَاحِدٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الفِعْلِ نَحْوَ قولِهِ تعالى مِنْ سورةِ الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} الآيَةَ: 5، ولا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الراجزِ حَمِيدٍ الأَرْقَط:

أَتَتْكُ عَيرٌ تَقْطَعُ الأَرَاكا …………………….إِلَيْكَ حَتَّى بَلَغَتْ إيَّاكا

فهُوَ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 50


يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} أَيْ: وَيَسْجُدُ للهِ جَمِيعُ مَا خَلَقَهُ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَبَشَرٍ وَحَيَوَانٍ وَجَمَادٍ، وَهُمْ خَائِفُونَ وَجِلُونَ مِنَ الرَّبِّ ـ جَلَّ جَلاَلُهُ العَظِيمِ. والظاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ الفاعلِ في قولِهِ “يَخافون”، عائدٌ عَلَى المَنْسُوبِ السَّاجِدينَ منَ قولِهِ في الآيةِ التي قبلَها {وَللهِ يَسْجُدُ}. وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ الخَوْفُ مِنْ صِفَةِ المَلائِكَةِ الكِرامِ خاصَّةً، فَيكونُ هذا الضَميرُ عائدًا عَلَيْهِمْ. والفَوْقِيَّةُ هنا مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَكونَ مَكَانِيَّةً بِالنِسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى، فإِنْ عَلَّقْنا الضَّمِيرَ “الهاءَ” مِنْ “ربِّهم” و “فوقِهِمْ” بِـ “يَخَافون” كانَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: يَخافُونَ عَذَابَهُ كَائِنًا مِنْ فَوْقِهِمْ، أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِهِمْ، لأَنَّ العَذَابَ إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ فَوْقُ، وَإِنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حَالًا مِنْهُ أَيْ: يَخافونَ رَبَّهُمْ عَالِيًا لَهُمْ قاهِرًا. وَفِي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَنْ نُسِبَ السُّجُودُ إِلَيْهِ، أَوْ للمَلائِكَةِ خَاصَّةً دَليلٌ عَلَى تَكْليفِ المَلائكَةِ كَسَائِرِ المُكَلِّفينَ، وأَنَّهمْ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجَاءِ مُدارُونَ عَلَى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى في الآية: 28، مِنْ سورةِ الأنبياء: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}. فالخَوْفُ خَوْفُ جَلالٍ ومَهَابَةٍ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيب فِي تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “يَخَافُونَ رَبَّهم مِنْ فَوْقِهم” قَالَ: مَخَافَةَ الإِجْلالِ. والفَوْقِيَّةُ فَوْقِيَّةُ القَدْرِ والعَظَمَةِ والقَهْرِ، فَوْقِيَّةُ تَصَرُّفٍ وَمِلْكٍ وَشَرَفٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَة الْأَنْعَام: {وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ} الآية: 18، وَكَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَاف: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ} الآيَةَ: 127.

قولُهُ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أَيْ: وَهُمْ مُثَابِرُونَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكَ نَواهَيهِ. أَمَّا المُؤْمِنُونَ فإِنَّما يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنَ الحَيَوَانِ فَبِالتَّسْخيرِ والقَدَرِ الذي يَسُوقُهُمْ إِلَى مَا نَفَذَ فِيهِمْ مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالى. وإِيرادُ الفِعْلِ “يُؤْمَرُونَ” مَبْنِيًّا للمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلَى سَنَنِ الجَلالَةِ، وإِيذانٌ بِعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَى التَصْريحِ بالفَاعِلِ لاسْتِحَالَةِ اسْتِنَادِهِ إِلَى غَيْرِهِ ـ سُبْحَانَهُ، وَفِيهِ أَنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفونَ مُتقلِّبونَ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجاءِ. وَهُنَا مَوضِعُ سُجُودٍ للقَارِئِ بِالِاتِّفَاقِ. وَالحِكْمَةُ فيهُ إِظْهَارُ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ مِنَ الْفَرِيقِ الْمَمْدُوحِ بِأَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلْمَلَائِكَةِ.

قولُهُ تَعَالَى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} يَخَافُونَ: فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَماعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. “رَبَّهُمْ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّر. و “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بـ “يَخَافُونَ” عَلَى حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: يَخَافُونَ عَذَابَ رَبِّهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، لأَنَّ العَذَابَ إنَّما يَنْزِلُ مِنْ فَوْق، ويَجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بِحالٍ مِنْ “ربَّ”، عَلى تَقَديرِ: حالَ كونِهِ عَالِيًا مِنْ فَوْقِهِمْ بِالقَهْرِ. و “فَوْقِهِمْ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ الجمعِ المذكَّرِ. والجُمْلةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ مِنْ ضميرِ الفاعِلِ في “يَسْتَكْبِرون”، أَوْ هِيَ عَطْفُ بَيَانٍ لِنَفْيِ الاسْتِكْبَارِ، وتقريرٌ لَهُ، لأَنَّ مَنْ يَخَافُ اللهَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ.

قولُهُ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} الواوُ: للعَطْفِ، وَ “يَفْعَلُونَ” مِثْلُ “يخافونَ” مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ. وَ “مَا” مَوْصُولَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ، أَوْ هِيَ نَكِرةٌ مَوْصُوفَةٌ. و “يُؤْمَرُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَماعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ نائبٌ عنْ فاعِلِهِ. والجُمْلَةُ صِلَةُ “مَا” المَوْصُولَةِ فَلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا فَي مَحَلِّ النَّصْبِ، إنْ أُعرِبَتْ نَكِرةً مَوْصُوفَةً. والعائدُ، أَوِ الرابطُ محذوفٌ تَقْديرُهُ: مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 49


وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} بَعْدَ مَا بَيَّنَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ سُجُودَ الظِلالِ وَأَصْحَابِها مِنَ الأَجْرَامِ السُفْلِيَّةِ الثابِتَةِ فِي إِحْيازِهَا ودُخُورِهَا لَهُ تَعَالى، شَرَعَ فِي هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ بِبَيَانِ سُجُودِ المَخْلوقاتِ المُتَحَرِّكَةِ بالإِرادَةِ، سَوَاءً كانَتْ لَهَا ظِلالٌ أَمْ لَا. أَيْ: للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ يَخْضَعُ وَيَنْقادُ كلُّ ما في السَمَاوَاتِ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِهِ تَعَالَى، اسْتِقْلالًا أَوِ اشْتِراكًا، فالقَصْرُ الذي أَفادَهُ تَقديمُ الجَارِّ والمَجْرورِ يَنْتَظِمُ القَلْبَ وَالإِفْرادَ، إِلَّا أَنَّ الأَنْسَبِ بِحَالِ المُخَاطَبِينَ قَصْرُ الإِفْرادِ، كَمَا هوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ: 51، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ: {وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. فإنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ السُّجُودُ الْقَسْرِيُّ ذُكِرَ بَعْدَهُ سُجُودٌ آخَرُ، بَعْضُهُ اخْتِيَارٌ وَفِي بَعْضِهِ شِبْهُ اخْتِيَارٍ.

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بالحَصْرِ ـ كَمَا تقدَّمَ، أَيْ: سَجَدَ للهِ ـ لَا لِغَيْرِهِ، كلُّ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَامِ المخلوقةِ التي لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، ولا يَسْجُدونِ للهِ تَعَالَى الذي خَلَقَها، وخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ. وَقد أُوثِرَتْ “مَا” الْمَوْصُولَةُ دُونَ (مَنْ) تَغْلِيبًا لِكَثْرَةِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ. وَيَشْمَلُ مَا فِي السَّماواتِ مَخْلُوقَاتٍ غَيْرَ الْمَلَائِكَةِ، مِثْلَ الْأَرْوَاحِ، أَو يُرَاد بالسموات الْأَجْوَاءُ فَيُرَادُ بِمَا فِيهَا الطُّيُورُ وَالْفَرَاشُ. وَقدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ عُلَماءِ التَفْسِيرِ أَنَّ المُرَادَ بِالْسُّجُودِ هُنَا هُوَ الطاعةُ والانْقِيادُ لأَمْرِهِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، سَواءً كانَ الانْقِيادُ لإِرادَتِهِ تَعَالَى طَبْعًا أَوِ طَواعيَةً بِتَكْليفٍ مِنْهُ ـ سُبْحانَهُ، لِيَصِحَّ إِسْنَادُهُ إِلَى عَامَّةِ أَهْلِ السَمَاواتِ والأَرْضِ مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ بَيْنَ الحَقيقَةِ وَالمَجازِ. وَلِأَنَّ الآيَةَ آيَةُ سَجْدَةٍ، لا بُدَّ مِنْ دَلالَتِهَا عَلِى السُّجودِ المُتَعَارَفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ ضِمْنًا.

قولُهُ: {وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ} هوَ بَيَانٌ لِمَا في الأَرْضِ، والدَبِيبُ هوَ حَرَكَةُ الجِسْمِ، وتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ عَلَى الأَرْضِ لِظُهُورِهِ، أَوْ لأَنَّهُ أَصْلُ مَعْنَاهُ، وهوَ عامٌّ هُنَا بِقَرينَةِ “مَا” فَقَدْ يَشْمَلُ الملائِكَةَ الكرامَ. وعَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الحَفَظَةُ فِي الأَرْضِ الموكَّلونَ مِنْهُمْ بحفظِ الخَلْقِ وإنفاذِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ. و “مِنْ دابَّةٍ” بَيَانٌ لِـ “مَا فِي الْأَرْضِ”، إِذِ الدَّابَّةُ تَشْمَلُ كُلَّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ ـ أيْ يتحرَّكُ عَلَيْهَا، غَيْرُ الْإِنْسَانِ، والملائكةُ الكِرامُ، وإنْ كانتْ أجسامًا نورانيَّةً لطيفةً فهي تَتَحَرَّكُ. وَالدَّابَّةُ اشْتِقَاقُهَا مِنَ الدَّبِيبِ، وَالدَّبِيبُ عِبَارَةٌ عَنِ الْحَرَكَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ـ كما تقدَّمَ، فَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوَانٍ جُسْمَانِيٍّ يَتَحَرَّكُ وَيَدِبُّ، فَلَمَّا مَيَّزَ اللهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ عَنِ الدَّابَّةِ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَدِبُّ، بَلْ هِيَ أَرْوَاحٌ مَحْضَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَنَاحَ لِلطَّيَرَانِ مُغَايِرٌ لِلدَّبِيبِ بِدَلِيلِ قَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الأَنْعامِ: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} الْآيَةَ: 38.

وَسُجُودُ الدَّوَابِّ للهِ تَعَالى مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ جَعَلَ فِي تَفْكِيرِهَا الْإِلْهَامِيِّ الْتِذَاذَهَا بِوُجُودِهَا، وَبِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْمَرَحِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَتَطْلُبُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهَا مِنَ الْمُتَغَلِّبِ وَمِنَ الْعَوَارِضِ بِالْمُدَافَعَةِ أَوْ بِالتَّوَقِّي، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُلَائِمَاتِ. فَحَالُهَا بِذَلِكَ كَحَالِ شَاكِرٍ للهِ تَعَالى تَيَسَّرتْ لهُ تِلْكَ الْمُلَائِمَاتُ، وَإِنَّمَا كانَ تَيْسِيرُهَا مِمَّنْ فَطَرَهَا. وَقَدْ تَصْحَبُ أَحْوَالَ تَنَعُّمِهَا حَرَكَاتٌ تُشْبِهُ إِيمَاءَ الشَّاكِرِ الْمُقَارِبِ لِلسُّجُودِ، وَلَعَلَّ مِنْ حَرَكَاتِهَا مَا لَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ لِخَفَائِهِ وَجَهْلِهِمْ بِكيفيَّتِهِ وأَوْقَاتِهِ، وَإِطْلَاقُ السُّجُودِ عَلَى هَذَا هو مِنَ المَجَازِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ طَوْعًا، وَمَنْ فِي الأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ” قَالَ: لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا عَبَّدَهُ لَهُ طَائِعًا أَوْ كَارِهًا.

قولُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} خَصَّ اللهُ تَعَالَى مَلائِكَتَهُ الكِرامَ بالذِكْرِ مَعَ أَنَّهمْ مَشْمُولَةٌ فِي الجُمْلةِ السابقةِ لأَنَّها مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي السَّماوَاتِ والأَرْضِ، وَذَلِكَ لِتَشْريفِهم والرَّفْعِ مِنْ شَأْنِهم. وَقِيلَ: لِخُرُوجِهمْ مِنْ المَوْصُوفِينَ بالدَّبِيبِ، لأَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطيرونَ بِها. وَقِيلَ؛ أَرادَ: وللهِ يَسْجُدُ مَا في السَمَاواتِ مِنَ المَلائِكَةِ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنَ الدوابِّ، والمَلَائكَةُ تَسْجُدُ لِمَوْلاها الكريمِ مَعَ رِفْعَةِ شَأْنِها عِنْدَهُ. “وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ” لأنَّ في سجودِ الملائكةِ لهُ ـ سُبحانَهُ، تَشْريفًا لَهَا. وَفي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ “لَا يَسْتَكْبِرُونَ” تَعْرِيضٌ بِبُعْدِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ الرفيعةِ، ومعَ ذَلِكَ فَهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ عَلَى السُّجُودِ للهِ تَعَالَى، ويأْنفونَ أَنْ يَسْجُدوا للهِ ويَنقادوا لِطاعَتِهِ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، و “للهِ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَسْجُدُ” بَعْدَهُ، ولفظُ الجَلالةِ “اللهِ” مَجْرُورٌ بحرْفِ الجرِّ. و “يَسْجُدُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وَ “مَا” مَوْصُولَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ، أَوْ نكرةٌ مَوْصوفَةٌ. وَالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بمَحْذوفِ صِلَةٍ لِـ “مَا” المَوْصُولَةِ أَوْ صِفَةٍ لَهَا. وَ “السَّمَاوَاتِ” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ.

قولُهُ: {وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ} وَمَا فِي الْأَرْضِ: مثلُ “ما في السماواتِ” مَعْطوفٌ عَلَيْهِ. و “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنْ “وَمَا فِي الْأَرْضِ”، و “دَابَّةٍ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ بَيَانًا لِمَا فِي السَمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، ويَكونُ للهِ تَعَالى فِي سَمَائِهِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ كَمَا يَدِبُّ الخَلْقُ الذي في الأَرْضِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ بَيَانًا لِمَا فِي الأَرْضِ فَقَط. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْتَ: فَهَلَّا جِيْءَ بـ “مَنْ” دُونَ “مَا” تَغْليبًا للعُقَلاءِ مِنَ الدَوَابِّ عَلَى غَيْرِهِمْ؟. قُلْتُ: لأَنَّهُ لَوْ جِيْءَ بـ “مَنْ” لَمْ يَكُنْ فيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَغْليبِ، بَلْ كانَ مُتَنَاوِلًا للعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هُوُ صالِحٌ للعُقَلاءِ وَغَيْرِهِمْ إِرادَةَ العُمُومِ.

قالَ الشَيْخُ أَبُو حيَّان الأندلُسيُّ: وَظَاهِرُ السُّؤالِ تَسَلِيمٌ أَنَّ “مَنْ” قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وَغَيْرَهُمْ عَلَى جِهَةِ التَغْلِيبِ، وَظَاهِرُ الجَوَابِ تَخْصيصُ “مَنْ” بالعُقَلاءِ، وَأَنَّ الصَّالِحَ للعُقَلاءِ وَغَيْرِهِمْ “ما” دونَ “مَنْ” وَهَذَا لَيْسَ بِجَوابٍ؛ لأَنَّهُ أَوْرَدَ السُّؤَالَ عَلَى التَسْلِيمِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الجَوَابَ عَلَى غَيْرِ التَسْلِيمِ، فَصَارَ المَعْنَى: أَنَّ “مَنْ” يُغَلَّبُ بِهَا، والجَوَابَ لا يُغَلَّبُ بِهَا، وَهَذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ. و “الْمَلَائِكَةُ” مَعْطُوفٌ عَلَى “مَا فِي السَّمَاوَاتِ” عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.

قوله: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} الوَاوُ: حاليَّةٌ. و “هُمْ” ضميرٌ منفصِلٌ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، و “لَا يَسْتَكْبِرُونَ” لا: نافيَّةٌ، و “يَسْتَكْبِرُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَماعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ في محلِّ الرفعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ على الحَالِ مِنَ “الْمَلَائِكَةُ”. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 48


أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ

(48)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ} أَيْ مِنْ كلِّ شَيْءٍ، فإِنَّهُ لمَّا ذَكَرَ تَعَالَى في الآيةِ التي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قُدْرَتَهُ عَلَى تَعْذيبِ المَاكِرينَ وإِهْلاكِهِمْ بِأَنْواعٍ مِنَ الأَخْذِ، ذَكَرَ هَنَا طَوَاعِيَةَ مَا خَلَقَ مِنْ غيرِ البَشَرِ لربِّهم، وخُضُوعَهُم لَهُ، بِضِدِّ مَا عَلَيْهِ الكافرونَ الماكِرونَ مِنَ البَشَرِ، لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكونُوا طائِعينَ لِمَوْلاهُمُ الحَقِّ، مُنْقادِينَ لأَمْرِهِ. وَ “مِنْ شَيْءٍ” بَيَانٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي “مَا” الْمَوْصُولَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ بَيَانًا بِاعْتِبَارِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْوَصْف بِجُمْلَةِ “يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ” الْآتِيَةِ بعدَها.  

قولُهُ: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} أَيْ: يَتَراجَعُ ظلالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ إِرادَةُ الخَالِقِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى. فإِنَّ التَفَيُّؤَ مُطَاوِعُ الإفاءَةِ. وَالتَّفَيُّؤُ: بِوَزْنِ “تَفَعُّلُ” مِنْ فَاءَ الظِّلُّ فَيْئًا، أَيْ عَادَ بَعْدَ أَنْ أَزَالَهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَلَعَلَّ أَصْلَهُ مِنْ “فَاءَ” إلى الْمَكَانِ إِذَا رَجَعَ إليْهِ بَعْدَ مُغَادَرَتِهِ، وَتَفَيُّؤُ الظِّلَالِ: تَنَقُّلُهَا مِنْ جِهَاتٍ بَعْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ زَوَالِهَا. وَ “فاءَ” قاصِرٌ، فإِذا أُريدَ تَعْدِيَتُهُ عُدِّيَ بالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ: {مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} الآيةَ: 7. أَوْ بالتَضْعيفِ نَحْو قولِكَ: فَيَّأَ اللهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأَ. وَتَفَيَّأَ مُطاوِعٌ، فهُوَ لازِمٌ. وَوَقَعَ فِي الشِعْرِ مُتَعَدِّيًا كما في قَوْلِ أَبي تَمَّامٍ:

طَلَبَتْ رَبِيعَ رَبيعَةَ المُمْرَى لَهَا ………………. وَتَفَيَّأَتْ ظِلالَهُ مَمْدُودا

واخْتُلِفَ في الفَيْءِ فَقِيلَ: هُوَ مُطْلَقُ الظِّلِّ، سَواءً كانَ قَبْلَ الزَّوالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهوَ المُوافِقُ لِمَعْنَى الآيَةِ هَهُنَا. وَقِيلَ: مَا كانَ قَبْلَ الزَّوالِ فَهُوَ ظِلٌّ فَقَطْ، وَمَا كانَ بَعْدَهُ فَهُوَ ظِلٌّ وَفَيْءٌ، فالظِّلُّ أَعَمُّ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ رُؤْبَةَ بْنِ العَجَّاجِ. وَقِيلَ: بَلْ يَخْتَصُّ الظِّلُّ بِمَا قَبْلَ الزَّوالِ، والفَيْءُ بِمَا بَعْدَهُ. قالَ الأَزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَفَيُّؤُ لا يَكُونُ إِلَّا بِالعَشِيِّ، وَمَا انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِلُّ مَا يَكونُ بالغَدَاةِ، وهوَ مَا لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ قال امرؤُ القيس أيضًا:

تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ ……… يَفِيْءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِ

وقالَ حَميدُ بْنُ ثَوْرٍ الهلاليُّ يَصِفُ سَرْحَةً مُكَنَّيًا بِهَا عَنِ امْرَأَةٍ:

فلا الظِلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ … وَلَا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوْقُ

وقد خَطَّأَ ابْنُ قُتَيْبَةَ النَّاسَ فِي إِطْلاقِهِمُ الفَيْءَ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوالِ، وَقالَ: إِنَّما يُطْلَقُ عَلى مَا بَعْدَهُ، واسْتَدَلَّ بالاشْتِقاقِ، فإنَّ الفَيْءَ هوَ الرُّجُوعُ وَهوُ مُتَحَقِّقٌ مَا بَعْدَ الزَّوالِ، فَإِنَّ الظِلَّ يَرْجِعُ إِلَى جِهَةِ المَشْرِقِ بَعْدَ الزَّوَالِ بَعْدَمَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ قَبْلَ الزَّوالِ.

قولُهُ: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} أَيْ: عَنْ أَيْمانِ الأَشْياءِ التي لَهَا ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ وَعَنْ شَمَائِلِها، أَيْ: عَنْ جانِبَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وقد اسْتُعِيرَ لَهُمَا ذَلِكَ مِنْ يَمِينِ الإِنْسَانِ وشِمَالِهِ. وتَرْجِعُ الظِلالُ مِنْ جانِبٍ إِلَى جانِبٍ بارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أَوْ باخْتِلافِ مَشَارِقِها وَمَغَارِبِها، فَإِنَّها تَتَحَرَّكُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَنَةِ عَلَى مَدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المَدَاراتِ اليَوْمِيَّةِ، وإنَّما يَتِمُّ ذلكَ كلُّهُ بحَسَبِ تَقديرِ العَزيزِ العَليمِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، بَلْ الْأَمَامُ وَالْخَلْفُ كَذَلِكَ، فَهو اخْتِصارٌ للْكَلَامِ. وَأُفْرِدَ الْيَمِينُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِنْسُ الْجِهَةِ، كَمَا يُقَالُ الْمَشْرِقُ. وَجَمْعُ الشَّمَائِلِ مُرَادًا بِهِ تَعَدُّدُ جِنْسِ جِهَةِ الشَّمَالِ بِتَعَدُّدِ أَصْحَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالى مِنْ سُورَةِ المَعَارِج: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ} الآية: 40. فَالْمُخَالَفَةُ بِالْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ تَفَنُّنٌ في القَوْلِ. وَقِيلَ: المُرادُ باليَمينِ والشَمَائلِ، يَمِينُ الفَلَكِ، وَهُوَ جانِبُهُ الشَرْقِيُّ، لأنَّ الكَواكِبَ تَظْهَرُ مِنْهُ آخِذَةً في الارْتِفاعِ والسُّطُوعِ، وشِمالُهُ هوَ جانِبُهُ الغَرْبيُّ المُقابِلُ لَهُ، فإنَّ الظَلالَ تَبْتَدِئُ مِنَ الشَّرْقِ واقعةً في أَوَّلِ النَّهارِ على الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأَرْضِ، أَمَّا عِنْدَ الزَّوالِ فإنَّها تَبْتَدِئُ مِنَ الغَرِبِ واقِعَةً عَلى الرُّبعِ الشَرْقِيِّ مِنْها.

وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ” قَالَ: ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ، وَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ. و “الْيَمينِ” أَوَّلُ النَّهَارِ، وَ “الشَّمَائِلِ” آخِرُ النَّهَارِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمينِ وَالشَّمَائِلِ” قَالَ: الغُدُوُّ وَالْآصَالُ، إِذا فَاءَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ، أَمَّا الظِلُّ بِالْغَدَاةِ فَعَنِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا بِالْعَشِيِّ فَعَنِ الشَّمَائِلِ. إِذا كَانَ بِالْغَدَاةِ سَجَدَتْ للهِ، وَإِذا كَانَ بالْعَشِيِّ سَجَدَتْ لَهُ.

قولُهُ: {سُجَّدًا للهِ} أَيْ: مُنْقادَةً لِمَا قُدِّرَ لَهَا مِنَ التَفَيُّؤِ، أَوْ وَاقِعَةً عَلَى الأَرْضِ مُلْتَصِقَةً بِهَا عَلى هَيْئَةِ السُجَّدِ مِنَ النَّاسِ، فَالمُرادُ بِسُجُودِ هَذِهِ الأَشْياءِ للهِ تَعَالى، تَصَرُّفُها عَلَى مَشِيئَتِهِ ـ سُبْحانَهُ، وتَأَتِّيها لإِرادَتِهِ في الامْتِدادِ وَالتَقَلُّصِ وغَيْرِ ذلكَ، فهيَ غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِي شيءٍ مِمَا سُخِّرَتْ لَهُ. و “سُجَّدًا” حَالٌ مِنْ الضَمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى “مِنْ شَيْءٍ” في قولِهِ “ظِلالُهُ”، فَهُوَ قَيْدٌ لِلتَّفَيُّؤِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ التَّفَيُّؤَ يُقَارِنُهُ السُّجُودُ مُقَارَنَةَ الْحُصُولِ ضِمْنَهُ. وبعدَ ما بَيَّنَ ـ تَعَالَى، سُجُودَ الظِلالِ وأَصْحابِها مِنَ الأَجْرامِ السُّفْلِيَّةِ الثابِتَةِ في أَخْبارِها، ووُضِّحُ انقيادُها لَهُ ـ سُبْحانَهُ، شُرِعَ في بَيَانِ سُجودِ المَخلوقاتِ المُتَحَرِّكَةِ بِالإِرادَةِ، سَواءٌ أَكانَتْ لَهَا ظلالٌ أَوْ لَمْ تكُنْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَن الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ” قَالَ: إِذا فَاءَ الْفَيءُ تَوَجَّهُ كُلُّ شَيْءٍ سَاجِدًا للهِ قِبَلَ الْقبْلَةِ، مِنْ بَيْتٍ، أَوْ شَجَرٍ، قَالَ: فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي (العَظَمَةِ) عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ، قَالَ: إِذا فَاءَ الْفَيْءُ، لَمْ يبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَابَّةٍ وَلَا طَائِرٍ إِلَّا خَرَّ للهِ سَاجِدًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وَسَلَّمَ: ((أَرْبعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ تُحْسَبُ بِمِثْلَيْنِ مِنْ صَلَاةِ السَحَرِ)). قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللهَ تِلْكَ السَّاعَةَ)). ثمَّ قَرَأَ: “يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ”. الْآيَةَ كُلَّهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ الآصالِ حَتَّى يَفِيءَ الْفَيْءُ قَبَلَ النِداءِ بِالظُّهْرِ، مَنْ صَلَّاهَا فَكَأَنَّمَا تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ ظِلُّهُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ، سُجُودُ الخَيَالِ فِيهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: إِذا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ للهِ.

وظلالُ البحرِ أمواجُهُ، فهي تسكُنُ وتتحرَّك، وتعلو وتنخفضِ، بأمرِ اللهِ تعالى، وهذهِ هي صَلاتُها للهِ تعالى، أيْ طاعتُها لهُ وانقيادها لأَمْرِهِ. فَقدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي غَالِبٍ الشَّيْبَانِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أنَّهُ قَالَ: أَمْواجُ الْبَحْرِ صَلَاتُهُ.

  قولُهُ: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أَيْ: وَهُمْ مُنْقادُونَ لأَمْرِهِ ـ جَلَّ جَلالُهُ العظيمُ، صَاغِرُونَ أَذِلَّةٌ خاضِعونَ. فَالدَّاخِرُ: هُوَ الْخَاضِعُ الذَّلِيلُ الصاغِرُ، أَيْ: وَهُمْ خاضِعُونَ لِعَظَمَةِ اللهِ جلَّ وعَلَا. والدُّخُورُ أَيضًا: التَوَاضُعُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ …… ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أَرْضِكَ فِي جُحْرِ

وقِيلَ: هوَ القَهْرُ والغَلَبَةُ. وَمَعْنَى داخِرُون: أَذِلَّاءُ صَاغِرُونَ. والواقِعُ أَنَّ أَصْحابَ هَذِهِ الظِلالِ مِنَ الأَجْرامِ هِيَ الداخِرَةُ المُنْقادَةُ لِحُكْمِهِ تَعَالَى، فإنَّ وَصْفَها بِأَنَّها دَاخِرَةٌ مُغْنٍ عَنْ وَصْفِ ظِلالِها بهذا الوَصْفِ، والمَعْنى أَنَّ ظِلالَ تِلْكَ الأَجْرَامِ تَرْجِعُ حالَ كَوْنِها مُنْقادةً للهِ تَعَالى، فوَصْفُها بِهَذيْنِ الوصْفَيْنِ مُغْنٍ عَنْ وَصْفِ ظِلالِها بِهِما، وَلَعَلَّ المُرادَ بِـ “مَا” المَوْصُولِةِ، الجَمَادَاتُ مِنَ الجِبالِ والأَشْجارِ التي لا يَظْهَرُ لِظلالِها أَثَرٌ سِوَى التَفَيُّؤِ بِمَا ذُكرَ، مِنِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أَوْ اخْتِلافِ مَشَارِقِها ومَغَارِبِها، وأَمَّا الحَيَوانُ فَظِلُّهُ يَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “دَاخِرُونَ” قَالَ: صَاغِرُونَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَنْعانيُّ، وَابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ “وَهُمْ دَاخِرُونَ” قَالَ: وهم صَاغِرونَ.

قولُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ} الهَمْزَةُ للاستفهامِ الإنْكارِيِّ التَوْبِيخِيِّ، دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، والواوُ: للاسْتِئنافِ، أَوْ للعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقَامُ، أَيْ: أَلَمْ يَنْظُرُوا؟. ولَمْ يُرَوْا مُتَوَجِّهينَ “إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ”. والجُمْلَةُ المَحْذوفَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “لم” حرفٌ للجزمِ والنهْيِ والقلبِ. و “يَرَوْا” فعلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جزْمِهِ حذْفُ النونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأسْماءِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والأَلِفُ فارِقَةٌ. وَ “إلى” حَرْفٌ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “يَرَوْا” بتضْمينِهِ معنى “يَنْظُرُوا”. وَ “مَا” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ “خَلَقَ” فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ. ولَفْظُ الجَلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مَرْفُوعٌ بِهِ. وَ “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ زائدٌ، مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنْ “مَا” أَوْ مِنَ الضَميرِ المَحْذوفِ. وَ “شَيْءٍ” مَجْرُورٌ لَفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مَنْصُوبٌ مَحَلًّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ “خَلَقَ”. وجُمْلَةُ “خَلَقَ” صِلَةُ الاسْمِ المَوْصُولِ فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجَرِّ إنْ أُعْرِبَتْ “ما” نَكِرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوْ الرابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: إِلى مَا خَلَقَهُ اللهُ، وجُمْلَةُ “يَرَوْا” مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ معطوفةٌ على الجملةِ المحذوفةِ على كونِها مُسْتأْنفةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. 

قولُهُ: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ} يَتَفَيَّأُ: فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، و “ظلالُهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ على الضمِّ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ، “عَنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَتَفَيَّأُ”، وَمَعْنَاهَا المُجَاوَزَةُ، أَيْ: تَتَجَاوَزُ الظِلالُ عَنِ اليَمِينِ إِلَى الشِّمَائِلِ. ويَجُوزُ أَنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهَا حَالٌ مِنَ “ظِلالُهُ”. ويَجُوزُ أَنَّها اسْمٌ بِمَعْنَى جانِب، فَعَلَى هَذَا تَنْتَصِبُ عَلَى الظَّرْفِ. وَ “اليَمِينِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “والشَّمَائلِ” الواوُ: للعطْفِ، و “الشَّمَائلِ” مثلُ “اليمينِ” معطوفٌ عَلَيْهِ. و “سُجَّدًا” منصوبٌ على الحالِ مِنَ الظِّلالِ، و “للهِ” اللامُ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بـ “سُجَّدًا”، ولفظُ الجلالةِ اسمٌ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ نَعْتًا لِـ “شيءٍ”. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: وَ “مَا” مَوْصُولَةٌ بـ “خَلَقَ الله” وَهُوَ مُبْهَمٌ، بَيَانُهُ “مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ”. وَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ “مِنْ شَيْءٍ” لَفْظٌ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا اقْتَضَتْهُ الصِفَةُ مِنْ قَوْلِهِ “يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ” فَظاهِرُ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ أَنَّ جُملَةَ “يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ” صِفَةٌ لِشَيْءٍ، وأَمَّا غَيْرُهُما فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِعَدَمِ كَوْنِ الجُمْلَةِ صِفَةً فإِنَّهُ قالَ: والمَعْنَى: مِنْ شَيْءٍ لَهُ ظِلٌ مِنْ جَبَلٍ وَشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائمٍ. وَقوْلُهُ: “يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ” إِخبارٌ عَنْ قَوْلِهِ “مِنْ شَيْءٍ” لَيْسَ بِوَصْفٍ لَهُ، وهَذا الإِخْبارُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحذوفِ الذي تقديرُهُ: هوَ لَهُ ظِلٌّ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، والصِّفَةُ أَبْيَنُ. وَ “مِنْ شَيْءٍ” في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المَوْصولِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ عَلَى جِهَةِ البَيَانِ، أَيْ: أَعْني مِنْ شَيْءٍ.

قولُهُ: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} الواوُ: واوُ الحالِ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ عاطفةً حالًا عَلى مِثْلِها، ولَيْسَتْ بواوِ الحالِ، وإنْ كانَ خُلُوُّ الجُمْلَةِ الاسْمِيَةِ الواقِعَةِ حالًا مِنَ الواوِ قَليلًا أَوْ مُمْتَنِعًا عَلى رَأْيٍ. ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّها عَاطِفَةٌ أَبُو البَقاءِ العُكْبُريُّ. وَعَلَى هَذا فَيُقالُ: كَيْفَ يَقْتَضِي العامِلُ حالَيْنِ؟. فالجَوابُ أَنَّهُ جازَ ذَلِكَ لأَنَّ الثانيَةَ بَدَلٌ مِنَ الأُولَى، فإِنْ أُريدَ بالسُّجودِ التَذَلُّلُ والخُضوعُ، فهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، وإِنْ أُريدَ بِهِ حَقيقَتُهُ فهُوَ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ إِذِ السُّجودُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدُّخورِ، ونَظيرُهُ: جاءَ زَيْدٌ ضَاحِكًا، وهوَ شاكٍ. فقولُكَ “وهوَ شاكٍ” يَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ مِنْ “زَيْدٍ” أَوْ مِنْ ضَميرِ “ضاحِكًا”. وَ “هم” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ يَعودُ عَلى الظِّلالِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ العُقَلاءِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و “دَاخِرُونَ” خبرُهُ مَرْفوعٌ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ الواوُ لأَنَّهُ جَمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمُ، والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ التَنْوينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنَ الضميرِ المُسْتَتِرِ في “سُجَّدًا”، أَوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في “ظِلالُهُ”، لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الجَمْعِ، كما قالَ أبو القاسِمِ الزَمَخْشَرِيُّ، وهوَ مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شيءٍ لَهُ ظِلٌّ وَجُمِع بالواوِ والنُّونِ؛ فهيَ حالٌ مُتَداخِلَةٌ، لأَنَّ الدُّخُورَ مِنْ أَوْصافِ العُقلاءِ، أَوْ لأَنَّ في جُملَةِ ذَلِكَ مَنْ يَعْقِلُ فَغُلِّبَ. وَقَدْ رَدَّ الشَيْخُ أبو حيَّانٍ الأندلُسيُّ هَذا: بِأَنَّ الجُمْهورَ لا يُجيزونَ مَجيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إِلَيْهِ، وهوَ نَظيرُ: جاءَني غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً. قالَ: وَمَنْ أَجازَ مَجيئَها مِنْهُ إِذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أَوْ كالجُزْءِ جَوَّزَ الحاليَّةَ مِنْهُ هَهُنا، لأَنَّ الظِّلَّ كالجُزْءِ، إِذْ هُوَ ناشِئٌ عَنْهُ.

قَرَأَ الجمهورُ: {يَرَوْا} بالياءِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ: {أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ} وقَرَأَ الأَخَوانِ حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وخَلَفٌ “تَرَوْا” بالخِطابِ جَرْيًا عَلى قولِهِ “فَإِنَّ رَبَّكُمْ”، وأَمَّا قَوْلُهُ في الآيةِ: 79، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ: {أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ} فَقَرَأَهُ حَمْزَةُ أَيْضًا بالخِطابِ، ووَافَقَهُ ابْنُ عَامِرٍ فِيهِ، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أَنَّ حَمْزَةَ قَرَأَ بِالخِطابِ فِيهِمَا، وقَرَأَ الكِسَائيُّ بالخِطَابِ فِي الأَوَّلِ، والغَيْبَةِ فِي الثاني، وقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بالعَكْسِ، وقَرَأَ الباقونَ بالغَيْبَةِ فِيهِما. فَأَمَّا تَوْجِيهُ القراءةِ الأُولَى فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا قراءةُ الخِطَابَ في الثانِيَةِ فَجَرْيًا عَلَى قَوْلِهِ في الآيةِ: 78، مِنْ هَذِهِ السُورةِ: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}. وَأَمَّا قراءةُ الغَيْبَةِ فَجَرْيًا عَلَى قَوْلِهِ في الآيةِ: 73، منها: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ}. وأَمَّا تَفْرِقَةُ الكِسَائِيِّ وابْنِ عامِرٍ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ فَجَمْعًا بَيْنَ الاعْتِبارَيْنِ وَأَنَّ كُلًا مِنْهُمَا صَحِيحٌ.

قَرَأَ العامَّةُ: {يَتَفَيَّأُ} بالياءِ لأَنَّهُ تَأْنيثٌ مَجَازِيٌّ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو “تَتَفَيَّأُ” بالتاءِ مِنْ فَوْقُ مُرَاعَاةٍ لِتَأْنيثِ الجَمْعِ، وَبِهَا قَرَأَ يَعْقُوب.

وقرَأَ العَامَّةُ: {ظِلالُهُ} جَمْعَ ظِلٍّ، وقَرَأَ عِيسى بْنُ عُمَر “ظُلَلُهُ” جَمْعَ “ظُلَّةٍ” كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. والظُلَّة: الغَيْمُ، وَهُوَ جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ الفَيْءُ وَهوَ عَرَضٌ، فَرَأَى عِيسَى أَنَّ التَفَيُّؤَ الذي هوَ الرُّجُوعُ بِالأَجْسَامِ أَوْلَى مِنْهُ بِالأَعْرَاضِ، وَأَمَّا في العَامَّةِ فَعَلَى الاسْتِعَارَةِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 47


أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} عَلَى تَخَوُّفٍ: على جِهَةِ التخوُّفِ، أيْ: عَلَى تَنَقُّصٍ، وهو مِنْ قولِكَ: تَخَوَّفْتُهُ إِذَا تَنَقَّصْتَهُ. أَيْ: يأْخُذُهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى أَنْ يُنْقِصَهمْ في أَنْفُسِهم وأَمْوالِهمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَهْلَكُوا مِنَ الخوفِ، أَيْ: مَخَافَةَ الهَلاكِ، وَحَذَرَ العَذَابِ، كَأَنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم، فيستولي الرُّعْبُ على قلوبِهم، أَوْ يُحْدِثَ حالاتٍ يَخافُونَ مِنْها غَيْرَ ذَلِكَ كالرِّياحِ الشَديدَةِ والصَواعِقِ والزَّلازِلِ، فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهمْ بالعَذَابِ وَهُمْ مُتَخَوِّفونَ. والمعنى: أَوْ أَمِنَ كُفَّارُ قُريشٍ أَنْ يَأْخُذَهُمُ اللهُ بَعْدَ أَنْ يُثِيرَ فِي نُفُوسِهِم وَالرُّعْبَ الخَوْفَ؟. فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الأَخْذِ يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ، لأَنَّ أَثَرَ مَا يَحْصُلُ لِلإنْسَانِ، وَهُوَ خَائِفٌ مِنْهُ مُتَوَقِّعٌ لَهُ، أَشَدُّ وَأَبْلَغُ.

ذكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنَى التَّخَوُّفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فسَأَلَ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَقُولُونَ فِيهَا؟. فَقَامَ شَيْخٌ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: هَذِهِ لُغَتُنَا. التَّخَوُّفُ: التَّنَقُّصُ. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ شَاعِرُنَا:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدَا ………. كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقَالَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِدِيوَانِكُمْ لَا يَضِلُّ، قَالُوا وَمَا دِيوَانُنَا؟. قَالَ شِعْرُ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ).

البيتُ لأَبي كَبيرٍ الهُذَلِيِّ يَصِفُ رَاحِلَةً أَثَّرَ الرَّحْلُ فِي سَنَامِها فَتَنْقُصُ مِنْ وَبَرِهِ. والتامِكُ: بِكَسْر الْمِيمِ، السَّنَامُ المُشْرِفُ. والقَرِدُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ المَتَلَبِّدُ الْوَبَرِ، والنَّبْعَةُ: قَصَبَةُ شَجَرِ النَّبْعِ تُتَّخَذُ مِنْهُ القِسِيُّ. والسَّفَنُ: بِالتَّحْرِيكِ الْبَرْدُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ” قَالُوا: مَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ تَنَقُّصِ مَا نُرَدِّدُهُ مِنَ الْآيَاتِ، فَقَالَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَا أَرَى إِلَّا أَنَّهُ علَى مَا تَنْتَقَصُونَ مِنْ مَعَاصِي اللهِ. فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَقِيَ أَعْرَابِيًا، فَقَالَ: يَا فلَانُ، مَا فَعَلَ رَبُّكَ؟. فَقَالَ: قَدْ تَخَيَّفْتُهُ، يَعْنِي تَنَقَصَّهُ. فَرَجَعَ إِلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ” قَالَ: يُنْقِصُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ” قَالَ: يَأْخُذُهُمْ بِنَقْصِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ” قَالَ: كَانَ يُقَالُ: التَخَوُّفُ هُوَ التَنَقُّصُ، تَنَقَصَّهم مِنَ الْبَلَدِ والأَطرَافِ.

قولُهُ: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} أَيْ: وَلَكِنَّ اللهَ رَحِمَهمْ وتَرَأَّفَ بِهِمْ وتلطَّفَ، فلَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالعُقُوبَةِ. وَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: ((لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ)). أخرجَهُ الأئمَّةُ: أَحْمَد في مُسْنَدِهِ: (4/395، 405)، والبُخَارِي في صحيحِهِ: بِرَقم: (6099، 7378)، ومُسْلِمٌ في صحيحِهِ بِرقم: (49/ 2804). مِنْ حديثِ أَبي موسى الأشعريِّ ـ رضِي اللهُ عنْهُ.

والعَبْدُ فِي جَميعِ أَحْوالِهِ عُرْضَةٌ لِسِهامِ القَدَرِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشْعِرَ الخَوْفَ فِي كُلِّ نَفَسِ مِنِ الإِصابَةِ بِها، وأَلَّا يِأْمَنَ مَكْرَ اللهِ فِي أَيِّ وَقْتَ، وأَكْثَرُ الأَسِنَّةِ تَعْمَلُ في المُوَطَّأَةِ نُفُوسُهم وقُلوبُهم عَلى مَا عَوَّدَهم الحقُّ مِنْ عَوائِدَ المِنَّةِ، ولكنْ كَمَا قالَ الشاعِرُ عديُّ بْنُ زَيْدٍ:

يا راقدَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بِأَوَّلِهِ …………. إِنَّ الحَوادِثَ قدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَارا

لَا تَفْرَحَنَّ بِلَيْلٍ طَابَ أَوَّلُهُ ………………. فَرُبَّ آخِرِ لَيْلٍ أَجَّجَ النَّارَا

قولُهُ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أَوْ يَأْخُذَهُمْ} أَوْ: للعَطْفِ. وَ “يَأْخُذَهُمْ” فِعْلٌ مضارعٌ مَنْصُوبٌ بِـ “أَنْ” عَطْفًا عَلَى “يَخْسِفَ”، والهاءُ: ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والمِيمُ: عَلامَةُ جَمْعِ المُذكَّرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يَعُودُ عَلَى اللهِ تَعَالَى. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِحَالٍ مِنْ ضَميرِ المَفْعُولِ، والتقديرُ: حالَةَ كَوْنِهم خائفينَ. و “تَخَوُّفٍ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يَخْسِفَ” عَلَى كَوْنِها صِلَةَ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ “أَنْ”، فَلَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الإِعْرابِ.

قولُهُ: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الفاءُ: تَعْلِيلِيَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقديرُهُ: إِنَّما لَمْ يُعَاجِلْهُمُ اللهُ بِهَذِهِ العُقُوباتِ لأَنَّ “رَبُّكُم رَؤوفٌ رَحِيمٌ”. و “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، للتوكيد، و “رَبَّكُمْ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ، مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. وَ “لَرَؤوفٌ” اللامُ: هِيَ المُزَحْلَقَةُ للتَوْكِيدِ (حَرْفُ ابْتِداءِ)، و “رَؤوفٌ” خَبَرُ “إِنَّ” مرفوعٌ بها. وَ “رَحِيمٌ” صِفَةُ “رَؤوف” مرفوعةٌ مثلُهُ، أَوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ “إنَّ”. وَالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ ذَلِكَ المَحْذوفِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 46


أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46)

قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} الْأَخْذُ: مُسْتَعَارٌ لِلْإِهْلَاكِ، وهو كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} الآيةَ: 44، وَكما قَالَ في سُورَةِ الحاقَّة: {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً} الآيةَ: 10. وَالتَّقَلُّبُ: السَّعْي فِي شُؤُونِ الْحَيَاةِ، مِنْ مُتَاجَرَةٍ، وَمُعَامَلَةٍ، وَسَفَرٍ، وَمُحَادَثَةٍ، وَمُزَاحَمَةٍ. وَأَصْلُهُ: الْحَرَكَةُ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، وَالْمَعْنَى: أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَشْعُرُونَ بِمَجِيءِ الْعَذَابِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَو يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهم” قَالَ: فِي اخْتلَافهمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “أَوْ يَأْخُذهُمْ فِي تَقَلُّبِهمْ” قَالَ: إِنْ شِئْتُ أَخَذَتُهُ فِي سَفَرِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ” قَالَ: فِي أَسْفَارِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنْ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ” يَعْنِي عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا، بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَقِيلَ أَيْ: “فِي تَقَلُّبِهِمْ” عَلَى فِرَاشِهِمْ أَيْنَمَا كَانُوا.

قولُهُ: {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} بِمُعْجِزِينَ: أَيْ ما همْ بِمُمْتَنِعِينَ، وَلَا فَائِتِينَ اللهَ تَعَالى بِالْهَرَبِ والفِرارِ، عَلى مَا يُوهِمُهُ حالُ التَقَلُّبِ والسَّيْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: يُريدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٍ أَرادَهُ. وَهَذَا تَفْرِيعُ على ما تَقَدَّمَ، واعْتِرَاضٌ، أَيْ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تَقَلُّبِهِمْ شَيْءٌ، إِذْ لَا يُعْجِزُهُ اجْتِمَاعُهُمْ وَتَعَاوُنُهُمْ. و “فِي” حرْفُ جَرٍّ لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، أَيِ الْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي “يَأْخُذَهُمْ”.

قولُهُ تَعَالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} أَوْ: للعَطْفِ. وَ “يَأْخُذَهُمْ” فِعْلٌ مضارعٌ مَنْصُوبٌ بِـ “أَنْ” عَطْفًا عَلَى “يَخْسِفَ”، أَوْ عَلى “يَأْتِيهِمْ”، والهاءُ: ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والميمُ: علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يَعُودُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، إذا عطفنا الفعلَ على “يَخْسِفَ”، وإذا عَطَفْنَاهُ عَلَى “يَأْتِيهِمْ” فإنَّ ضميرَ الفاعِلِ يعودُ على “العذاب”. و “فِي” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ ضَميرِ المَفْعُولِ بِهِ؛ أَيْ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ مُتَقَلِّبينَ فِي أَسْفَارِهِمْ، وَ “تَقَلُّبِهِمْ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والميمُ للجمْعِ المُذكَّرِ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يَخْسِفَ” عَلَى كَوْنِها صِلَةَ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ “أَنْ”، فَلَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الإِعْرابِ.

قوْلُهُ: {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} فَمَا: الفاءُ: وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ شَرْطٍ تقديرُهُ: فإِذا أَخَذَهُمْ بِالعُقُوبَةِ بِأَيِّ سَبَبٍ، و “ما” حِجازِيَّةٌ، و “هُم” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مبنيٌّ في محلِّ الرَّفْعِ اسْمُهَا. و “بِمُعْجِزِينَ” الباءُ: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “مُعْجِزِينَ” اسمٌ مجرورٌ لَفْظًا منْصوبٌ محلًا على أَنَّهُ خَبَرُ “مَا” الحجازيةِ، وعلامةُ الجرِّ الياءُ لأَنَّهُ جمع المُذكَّر السالمُ والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجُمْلَة الاسْمِيَّةُ جَوابُ “إِذَا” المُقَدَّرَةِ، وَجْمْلَةُ “إذا” المُقَدَّرَةِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعرابِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com