فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 108
 
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)
 
قولُهُ ـ جَلَّ مِنْ قائلٍ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} يأْمُرُ اللهُ تَعالى عَبْدَ ورَسُولَهُ محمَّدًا ـ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ، أَنْ يُخْبِر الثَّقَلَيْنِ: الإِنْسَ والجِنِّ: بِأَنَّ الدعوة إلى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ لَهُ هي سَبيلُهُ وطَريقُهُ ومَسْلَكُهُ ومِنْهَجُهَ وسُنَّتُهُ، وقدْ سُمِّيَ الدِّينُ سَبِيلًا لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى. وأَصْلُ السَّبِيلِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ، وَقد شَبَّهُوا الْمُعْتَقَدَاتِ بِهَا لِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَمُرُّ عَلَيْهَا إلى الجَنَّةِ.
قولُهُ: {أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} وبأنَّهُ ـ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَدْعو إِلى اللهِ على بَصِيرةٍ مِنْ ذَلِكَ تامَّةٍ، ويَقينٍ راسخٍ، وبرهانٍ ساطعٍ قاطعٍ واضِحٍ، وأنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَهُ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أيضًا يَدْعُو إَلَى مَا دَعَا إِليْهِ هو الناسَ، فهم جميعًا عَلَى بصيرةٍ ويَقيِنٍ وبُرهانٍ شَرْعَيٍّ وعَقْلِيٍّ، وحجَّةٍ دامغةٍ، لا لَبْسَ فيها ولا شكٍّ. وكُلُّ مَنْ ذَكَرَ الْحُجَّةَ وَأَجَابَ عَنِ الشُّبْهَةِ فَقَدْ دَعَا بِمِقْدَارِ وُسْعِهِ إِلَى اللهِ تعالى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّعَوةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى إِنَّمَا تَحْسُنُ وَتَجُوزُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الداعي عَلَى بَصِيرَةٍ وَهُدًى وَيَقِينٍ مِمَّا يَقُولُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَحْضُ الْغُرُورِ. قَالَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى عِبَادِ اللهِ مِنْ حَيْثُ يَحْفَظُونَ لِمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ)). رَوَاهُ الزُّبَيْدِيِّ في إِتْحافِ السَّادَةِ المُتَّقينَ: (1/388)، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في جامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ: (1/185) ، والمُتَّقي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ: (28952). وفيض القدير: (1/21)، وأَخْرَجَهُ أيضًا الْقُضَاعِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَديثِ أَنَسِ بْنِ مالكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والمَعْنَى أَنَّهم يَأْتونَ مُقرِّرينَ، ومُؤكِّدينَ وآمِرينَ بِما جاءَ بِهِ الأنْبياءُ المرسَلونَ، لا بِشَرْعٍ جَديدٍ. والبَصيرَةُ: هيَ المَعْرِفَةُ التي يُمَيِّزُ بِها الإنْسانُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وقيلَ: تَمَّ الكلامُ عِنْدَ قولِهِ “أَدْعُو إِلَى اللهِ” وقولُهُ “عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي” قولٌ مُسْتَأْنَفٌ، و “مَنِ اتَّبَعني” هم أصحابُ سيدنا محمدٍ ـ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم، قالَهُ ابْنُ عبِّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ عبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعودٍ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ: مَنْ كانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قدْ ماتَ، فإنَّ الحَيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُولئكَ أَصْحَابُ مُحمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كانُوا خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأَبرَّها قُلوبًا، وأَعْمَقَها عِلْمًا، وأَقَلَّها تَكَلُّفًا، قَوْمٍ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإِقامَةِ دِينِهِ، فاعْرِفوا لَهم فَضْلَهُمْ، واتَّبِعُوهم في آثارِهم وتَمَسَّكُوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلاقِهم وسِيَرِهم، فإِنَّهم كانُوا عَلى الهُدَى المُسْتَقيم). رَواهُ الإمامُ أَحْمَدُ في: (5/211) مِنْ مُسْنَدِهِ، ورَواهُ البَزَّارُ، والطَبَرانِيُّ في الكَبيرِ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ”. وقَدْ كانُوا ـ رضيَ اللهُ عَنْهم عَلَى أَحْسَنِ طَريقةٍ وأَقْصَدِ هِدايَةٍ، مَعْدِنُ العِلْمِ، وكِنْزُ الإيمانِ وجُنْدُ الرَّحْمنِ، كَمَا وصفهم ابنُ عبّاسٍ أَيْضًا ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعنْهمْ أَجْمَعينَ وأَرْضاهم. وقالَ الكَلْبيُّ وابْنُ زيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: أَيْ: ومَنْ آمَنَ بي وصَدَّقَني أَيْضًا يَدْعُو إِلى اللهِ. وقالا: حَقٌّ عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أَنْ يَدْعو إِلى مَا دَعَا إِلَيْهِ، ويُذَكِّرُ بالقُرآنِ. أخرجَهُ الطَبَرِيُّ: (16/293).
قولُهُ: {وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقُلْ ـ يا رسولَ اللهِ، سُبْحانَ اللهِ تَنْزيهًا لَهُ عَمَّا أَشْرَكُوا بِهِ. فهُوَ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ، ليس مِنَ المُشركينَ في شيءٍ، وإنَّما يُنَزِّهُ اللهَ تعالى عَنْ كُلِّ مَا لا يَليقُ بِذاتِهِ العَليَّةِ وجَنَابِهِ العَظيمِ، ويُجِلُّهُ ويُعَظِّمُهُ ويُقَدِّسُهُ، عَنْ أَنْ يَكونَ لَهُ شَريكٌ، أَوْ شَبيهٌ، أَوْ نَظيرٌ، أَوْ عَديلٌ، أوْ مثيلٌ، أَوْ نِدٍّ، أَوْ والدٌ، أَوْ صاحِبَةٌ، أوْ ولدٌ، وهو ـ سبحانَهُ وتعالى، مُسْتَغْنٍ عَنِ الوَزيرِ والمُشيرِ والمؤازِرِ والنَّصيرِ، فَتَبَارَكَ وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعَالى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبيرًا. وقدْ قالَ تَعَالى في مَكَانٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ العَزيزِ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } الآية: 44، مِنْ سورةِ الإسراءِ.
قولُهُ تَعَالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} قُلْ: فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابُ. و “هَذِهِ” الهاءُ: للتنبيهِ، و “ذِهِ” اسْمُ إِشارةٍ للمفردِ المؤنَّثِ مبنيٌّ الكَسْرِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “سَبِيلِي” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرهِ للثِقَلِ، والجُمْلَةُ من المبتَدَأِ وخبَرِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِـ “قُلْ”.
قولُهُ: {أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} أَدْعُو: فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخِرِهِ لثِقَلِها على الواوِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتتِرٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ (أنا) يعودُ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. و “إِلَى” حرفُ جَرٍّ متعلق بالفعلِ “أَدْعُوا”، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ تَفْسيرٌ للقَوْلِ المُتَقَدِّمِ أَوِ اسْتِئنافٌ بَيانيٌّ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “عَلَى” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ مقدَّمٍ، و “بَصِيرَةٍ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “أَنَا” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. أَو أَنَّ حرفَ الجرِّ “على” متعلِّقٌ بـ حالٍ من فاعِلِ “أَدْعُو”؛ أَيْ: أَدْعُو إِلَى اللهِ حالَةَ كَوْنِي كَائِنًا عَلَى بَصيرِةٍ، و “أَنَا” ضميرُ رفعٍ منفصِلٌ لتأكيدِ الفاعلِ في أدعو. و “وَمَنِ” الواوُ عطفةٌ، و “مَنْ” مَوصولةٌ مبنيَّةٌ على السُّكونِ في محَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى “أَنَا”. و “اَتَّبَعَنِي” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على “مَنْ”، والنُونُ للوِقايةِ، والياءُ ضَميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في َمحَلِّ النَّصبِ عَلى المفعوليَّةِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسمِ الموْصولِ “مَنْ”، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولَ القولِ لـِ “قُلْ”. والظاهِرُ أنَّ قولَهُ: “أَدْعُو إِلَى اللهِ” مُسْتَأْنَفٌ؛ ويجوزُ وأَنْ يَكونَ حالًا مِنَ الياءِ، وقولُهُ “وَمَنِ اَتبَعَنِي” عَطْفٌ على فاعِلِ “أَدْعُوا”، ولِذَلِكَ أُكِّدَ بالضَّميرِ المُنْفَصِلِ “أنا”، ويَجوُزُ أنْ يَكون َمُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذوفٌ؛ أَيْ: “وَمَنِ اَتبَعَنِي” يَدْعُو أَيْضًا، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ قولُهُ “عَلَى بَصِيرَةٍ” وَحْدَهُ حالًا، و “أَنَا” فاعلٌ بِهِ، و “مَنِ اَتَّبَعَنِي” عَطْفٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ “أَدْعُوا” يَجُوزُ أَنْ لا يُرادَ، ويَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ؛ أَيْ: أَدْعُو النَّاسَ.
قولُهُ: {وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الواوُ: للعطفِ. و “سُبْحَانَ” مَنْصوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجُوبًا والتَقديرُ: وأُسَبِّحُ سُبْحانَ اللهِ، وهوَ مُضافٌ، ولَفْظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقَوْلِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ: “هَذِهِ سَبِيلِي” عَلى كَوْنِها مُفَسِّرَةً لَهَا. و “وَمَا ” الواوُ للعَطفِ، و “ما” حَرْفُ نَفْيٍ عامِلٌ عَمَلَ (لَيْسَ) و “أَنَا” ضميرُ منفصلٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسمِ “ما”|، و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخبرِ “ما”، ويجوزُ أنْ نُعرِبَ “ما” حرفُ نفيٍ لا عَمَلَ له، و “أَنَا” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، فيَتعلَّقُ حرفُ الجرِّ “مِنَ” بِخبرِ المبتَدَأِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “هَذِهِ سَبِيلِي”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 107
أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)
قولُهُ ـ جلَّ جلالُهُ: {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ} أَفَأَمِنُوا: اسْتِفْهامٌ إِنْكارِيٌّ فيهِ تَوْبيخٌ وتَهْديدٌ ووعيدٌ، و “غَاشِيَةٌ” ما يَغْشَى ويَغَطِّيهم ويُغِمُّهم، وَ “الْغَاشِيَةُ” أيضًا الْحَادِثَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالنَّاسِ. وَالْعَرَبُ يُؤَنِّثُونَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مِثْلَ الطَّامَّةِ وَالصَّاخَّةِ وَالدَّاهِيَةِ وَالْمُصِيبَةِ وَالْكَارِثَةِ وَالْحَادِثَةِ وَالْوَاقِعَةِ وَالْحَاقَّةِ. وَالْغَشْيُ وَالْغَشَيَانُ: الْإِحَاطَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. أَيْ: أفأمِنَ أُلائك الذين يؤمنون باللهِ ويُشركونَ غيرَهُ معَهُ في العِبادةِ، أَنْ تَأْتِيَهم عقوبةٌ مُجَلَّلَةٌ شاملةٌ تَغْشاهم مِنْ فوقهم، أَيْ: عذابٌ مِنَ السَّمَاءِ، ونَظِيرُ هذِهِ الآيةِ قولُهُ تَعَالى في الآيَةِ: 55، مِنْ سُورَةِ العَنْكَبُوت: {يومَ يَغْشاهُمُ العذابُ مِنْ فوقِهم}. وَأخرج عبدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَن قَتَادَة ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَاقعَةٌ تَغْشَاهم. وأَخْرَجَ عَنْهُ أيضًا ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، أَنَّهٌ قَال: “غاشيةٌ” عُقُوبَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ. وقالَ الضَّحَّاكُ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، “غاشيَةٌ” يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوَارِعَ. ويُقالُ أيضًا: الغاشيةُ حجابٌ مِنَ القَسْوةِ يَحصُل في القلبِ، لا يَزولُ بالتَّضَرُّعِ، ولا يَنقَشِعُ بالتَّخَشُّعِ. ومجيءُ الغاشِيَةِ إنَّما يكونُ في الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ بعد ذلكَ: “أو تأتيهِمُ السَّاعَةُ” ومجيءُ الساعَةِ إنَّما يكونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قولُهُ: {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً: أيْ فجأة في الزَمانِ مِنْ حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ، و “وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ” بِقِيامِها، أي: وهم غيرُ مُسْتَعِدِّينَ لَهَا. وَهُوَ تَأْكيدٌ لِقَوْلِهِ: “بغتة”. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَهيجُ الصَّيْحَةُ بالنَّاسِ وَهُمْ في أَسْوَاقِهمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ اعْتِرَاضٌ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيتَانِ قَبْلَها مِنْ تَفْظِيعِ حَالِ المُشركينَ وَجُرْأَتِهِمْ عَلَى خَالِقِهِمْ ومولاهم، وَاصْرَارِهم عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْ تَوَقُّعِ حُصُولِ غَضَبِ اللهِ بِهِمْ آمِنُونَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَتَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ وَيَصِيرُونَ إِلَى الْعَذَابِ الْخَالِدِ. وهي ـ وإِنْ كانَتْ في الكُفَّارِ، فإِنَّ للعُصَاةِ حَظٌّ مِنْ أَلْفاظِها، فيَكون الإِيمانُ حَقيقَةً، والشِّرْكُ لُغَوِيًّا ، كالرِّياءِ مَثَلًا، لقولِهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((الرِّيَاءُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) أَخْرَجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (5/428)، والبَغَوِيُّ في (شرْحِ السُنَّةِ): (7/343)، مِنْ حَديثِ مَحْمودِ بْنِ لَبيدٍ ـ رضي اللهُ عنْهُ، ورواهُ الحاكم في (المُسْتَدْرَكِ): (4/329)، وصَحَّحَهُ، ووافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ.
قولُهُ ـ تعالى: {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ} أَفَأَمِنُوا: الهمزةُ: للاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ الإنْكارِيِّ دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ. والفَاءُ: عاطِفَةٌ عَلَى ذَلِك المَحْذوفِ، والتَقديرُ: أَغَفِلَ هَؤُلاءِ المُشرِكونَ عَنْ مَكْرِ اللهِ تَعَالى فَأَمِنُوا؟. و “أَمِنُوا” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ على الفاعليَّةِ، والألفُ الفارقةُ، والجملةُ معطوفةٌ عَلَى تِلْكَ الجملةِ المَحْذوفةِ، على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “أَنْ” حرفٌ مصدريٌّ ناصِبٌ، و ” تَأْتِيَهُمْ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بهِ، و “هم” ضميرُ الغائبينِ مبنيٌّ في محلِّ النَّصبِ على المفعوليَّةِ، و “غَاشِيَةٌ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بصِفَةٍ لِـ “غَاشِيَةٌ”، و “عَذَابِ” مَجْرورٌ بهِ مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلَى المَفْعولِيَّةِ والتقديرُ: أَفَأَمِنُوا إِتْيانَ غاشِيَةٍ مِنْ عَذَابِ اللهِ إِيَّاهم.
قولُهُ: {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أَوْ: حرفُ عَطْفٍ، و “تَأْتِيَهُمُ الساعةُ” مثل “تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ” وقد تقدَّمَ إعْرابهُا، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قولِهِ “تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ” على كونِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصُوبٍ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ والتقديرُ: أَوْ إِتْيانُ السَّاعَةِ إِيَّاهم. و “بَغْتَةً” منصوبٌ على الحالِ مِنَ “السَّاعَةُ” أَيْ: باغِتَةً. و “وَهُمْ” الواوُ للحالِ، و “هم” ضميرٌ منفصلٌ للغائبينَ مبنيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و “لَا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يشعُرُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرّفعِ على الفاعليَّةِ، وهذه الجملةُ الفعليَّةُ في محلِّ الرَّفعِ خبَرُ المُبْتدَأِ، والجُمْلةُ الاسِمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ مَفْعُولِ “تَأْتِيَهُمُ”.
قرأَ العامَّةُ: {تأتيهم} بالتاءِ، وقرَأَ أَبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: “أَوْ يَأْتِيَهمُ السّاعَةُ.


ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
‏‏


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 106
 
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)
 
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قد يَكونُ الإيمانُ في معانٍ كثيرةٍ وكذلك الشركُ، فمِنَ الإيمانِ تَصْديقٌ ببَعْضٍ، وتَكْذيبٌ بِبَعْضٍ، قالَ تعالى في آخر سورةِ البقرةِ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} الآية: 285. وقال أيضًا في الآيةِ: 65، من سورةِ النساءِ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقالَ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، لمَّا سألَهُ جبريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، في حديثِ عمرَ بْنِ الخطّابِ ـ رضيَ اللهُ عنه، الذي أخرجهُ الشيخانِ وغيرُهما: ((الإيمانُ أَنْ تؤمِنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخِرِ، والقضاءِ خيرِهِ وشرِّهِ مِنَ اللهِ تعالى)). وقالَ أيضًا ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((وَالذِي نَفْسِي بِيَدَهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)) من حديثِ عبدِ اللهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رضي اللهُ عنهما، رَواهُ ابْنُ أَبي عاصِمٍ في السُنَّةِ: (15). وَقَدْ صَحَّحَهُ النَوَوِيُّ فِي آخِرِ الأرْبَعِينَ منْ روايةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَان وَغَيْرِهِ عنْ أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنْهُ، وَرِجَاله ثِقَات، وأَخْرَجَهُ البَغَوِيُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ: (1/212). والأَحاديثُ الواردةُ مُفَصِّلَةً في الإيمانِ والشّرْكِ كثيرةٌ.
وفي سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ، وفيمنْ نزلتْ ومنِ المعنيُّ بذلك أَخبارٌ كثيرةٌ، مِنْها ما قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أنَّها نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَقَرُّوا بِاللهِ خَالِقِهِمْ وَخَالِقِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهُمْ يَعْبُدونَ الأوْثانَ، ومنها ما أَخرجَهُ ابْنُ جريرٍ وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلهِ تعالى: “وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِالله إِلَّا وهم مشركون” قَالَ: سَلْهُمْ مَنْ خَلَقَهمْ، وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ فَيَقُولُونَ: اللهُ. فَذَلِك إِيمَانُهم، وهُمْ يَعْبدُونَ غَيرَهُ. وَأخرج سعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَأَبُو الشَّيْخ، والبغويُّ عنْ عَطَاءٍ ـ رَضِي الله عَنهُ، قالَ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ نَسُوا رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى في سورة يونس: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} الآية: 22، و كما قالَ في سورة العنكبوت: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ} الآية: 65، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآيات. وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِي الله عَنهُ، فِي قَوْله: “وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِالله إِلَّا وهم مشركون” قَالَ: إِيمَانُهم قَوْلُهم: اللهُ خَلَقَنَا، وَهُوَ يَرْزُقُنا، ويميتنا، فَهَذَا إِيمَان مَعَ شِرْكِ عِبَادَتهم غَيرَهُ. وَأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، و البَغَويُّ، عَن الضَّحَّاك ـ رَضِي الله عَنهُ، فِي قَوْله: “وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِالله إِلَّا وهم مشركون” قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِي اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِالله إِلَّا وهم مشركون” قَالَ: ذَاك الْمُنَافِقُ يَعْمَلُ بالرِّياءِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وفي هَذَه الآيةِ الكريمةِ إِبْطَالٌ لِمَا يَزْعُمُهُ المُشركونَ مِنَ أنَّهم يؤمنونَ بِأَنَّ اللهَ تعالى خَالِقُهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى من سورةِ لقمان: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ، قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الآية: 25، فإنَّ إِيمَانَهُمْ بِاللهِ كَالْعَدَمِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللهِ إِلَّا ويُشْرِكونَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَشْنِيعُ حَالِهِمْ، وهوَ مِنْ قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّهَكُّمِ بهم والسُخْرِيَةِ منهم.
قولُهُ تعالى: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ} الواو: استئنافية. و “ما” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “يُؤْمِنُ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، و “أَكْثَرُهُمْ” فاعلُهُ مَرْفوعٌ، وهو مضافٌ، و “هم” ضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. و “بِاللهِ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِالفعلِ “يُؤْمِنُ” ولفظُ الجلالةِ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ.
قولُهُ: {إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} إِلَّا: أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرِّغٍ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ. و “وَهُمْ” الواو: حاليَّةٌ، وضميرُ الغائبينِ “هم” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و “مُشْرِكُونَ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّه جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، والجُملةُ الفعليَّةُ هذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحال مِنْ فاعِلِ “يُؤْمِنُ”


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 105
 
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} في هذه الآية الكريمةِ يُخبِرُ اللهُ تَعالى عَنْ غَفْلَةِ أَكْثرِ النَّاسِ عنْ مَولاهم، وعَنِ التَفَكُّرِ في آياتِ اللهِ تعالى ودَلائِلِ تَوْحيدِهِ. و “كَأَيِّنْ” كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كافِ التَشْبِيهِ و “أي” الاسْتِفْهامِيَّةِ المُنَوَّنَةِ، ثمَّ صارَتْ كلِمَةً واحدَةً بِمَعْنَى “كَمْ” الخَبَرِيَّةِ التي تستعملُ في تَكْثيرِ الشيءِ. أَيْ: كَأَيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الآياتِ والعَلاماتِ الدّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَوَحْدَتِهِ، وكَمَالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، غيْرِ هَذِهِ الآيَةِ التي جِئْتَ بِها. وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الدَّالَّةُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ـ سبحانَهِ وتَعَالَى، بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْإِشْرَاكِ بَعْدَهَا.
وآياتُ السمواتِ والأَرْضِ كَثيرَةٌ جدَّا ومنَ المستحيلُ إحصاؤها، فإنَّ العلماءَ مافتئوا يكتشفون كلَّ يومٍ آيةً جديدةً، حتى استعصتْ على الحَصْرِ. وقالَ المُفَسِّرونَ: آياتُ السَمَواتِ: الشمْسُ والقَمَرُ والنُّجومُ والسَّحابُ والرِياحُ والأَمْطارُ. وآياتُ الأَرْضِ: البِحارُ والجبالُ والشَّجرُ والثَّمَرُ. انْظُرْ تَفْسِيرَ الطَبَرِيِّ: (13/76). ومعاني القرآنِ وإعرابُهُ للفرَّاءِ: (3/131). وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: “وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ”، كَمْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي: شَمْسَها، وقمرَها، ونُجومَها، وسَحَابَها. وَفِي الأَرْضِ: مَا فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ، والأَنْهارِ، وَالْجِبَالِ، والمَدَائِنِ، والقُصُورِ.
قولُهُ: {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} المَعْنَى المرادُ: يَرَوْنَهَا ويَتَجاوَزونَها غَيْرَ مُتَفَكِّرينَ بها ولا مُعْتَبِرينَ. وَالْمُرُورُ هنا مَجَازٌ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ التَّحَقُّقِ وَالْمُشَاهَدَةِ، إِذْ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْمُرُورِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ له بِالنِّسْبَةِ لِآيَاتِ السَّمَاوَاتِ، فَالْمُرُورُ هُنَا كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى من سورةِ الفرقان: {وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} الآية: 72. ورَوَى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، والكَلْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: آياتُ الأَرْضِ آثارُ عُقوباتِ الأَمَمِ السَّالِفَةِ، يَمُرُّ أَهْلُ مَكَّةَ عَلى آثارِهمْ إذا سافَروا، ولا تَتَحَرَّكُ أَفْئِدَتُهم، ولا يَتَّعِظونَ، هذا معنى قولِهِ: “وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ”. انظر: “البَحْرَ المُحيطَ لأَبي حَيَّانٍ الأَنْدَلُسِيِّ: (5/351). والجامع لأَحْكامِ القُرْآنِ للقُرْطُبِيِّ: (9/272).
قولُهُ تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الواو: اسْتِئنافيَّةٌ. و “كَأَيِّنْ” اسْمٌ بِمَعْنَى (كَمْ) الخَبَرِيَّةِ؛ مَبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالابتداءِ لِشِبَهِهِ بالحرفِ شِبَهًا مَعنَويًّا. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٍ. و “آيَةٍ” مجرورٌ لفظًا بِـ “مِنْ” مَنصوبٌ محَلًّا عَلى أنَّهُ تَمْييزُ “كأين”. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بصفةٍ لِـ “آيَةٍ” و “السَّمَاوَاتِ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “وَالْأَرْضِ” حرفُ عطفٍ ومعطوفٌ على “السَّمَاوَاتِ” مجرورٌ.
قولُهُ: {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يَمُرُّونَ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ على الفاعليَّةِ، وهوَ عَائِدٌ إِلَى النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. و “عَلَيْهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بـ “يمرُّون” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجملةُ الفعليِّةُ هذه في محلِّ الرِّفعِ كونَها خَبَرًا للمُبتَدَأِ “كأيِّنْ”، وهذه الجملةُ الاسميَّةُ مُستَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “وَهُمْ” الواوُ: حاليَّةٌ. و “هم” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ. “عَنْهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بالخَبَرِ بعدَهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مُعْرِضُونَ” خبَرُ المُبتدأِ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المفرَدِ، والجُملةُ الاسْمِيَّةُ هذهِ في مَحلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “يَمُرُّونَ”، فيصبحُ مَعْنى الآيةِ كما لو قِيلَ: وآياتٌ كثيرةٌ كائنةٌ في السمواتِ والأَرْضِ مَارُّونَ عَلَيها حالةَ كونِهم مُعْرِضينَ عَنْها.
قرأ العامَّةُ: {والأرضِ}، بالكَسْرِ عَطْفًا على “السَّماءِ” وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ قَائِدٍ: “وَالْأَرْضُ” رَفْعًا على الابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ السُّدِّيُّ” وَالْأَرْضِ” نَصْبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بمَعْنَى: ويَطَؤونَ الأَرْضَ. وَالْوَقْفُ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى “السَّماواتِ”.
قرأَ العامَّةُ: {يَمُرُّونَ عَلَيْها}، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ رضي اللهُ عنه: “يَمْشُونَ عَلَيْهَا”. فقد وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: فِي مِصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: {وكأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمْشُونَ عَلَيْهَا}، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ آيَتانِ عَظيمَتانِ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: (104)
 
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)
 
قولُهُ ـ جَلَّ وعلا: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} توبيخٌ للكُفّار، وإقامةٌ للحُجَّةِ عَليهم، فما أَسْفَهَ أحلامَهم، فأنتَ تَدعوهم إلى اللهِ تعالى دونَ أَنْ تَبْتَغي مِنْهم أجْرًا فيُعطونَهُ لكَ على ذلكَ، أَوْ مصلحةً فيُبلِّغونكَ إيَّاها، فتكونَ لهم بذلك حجَّةٌ في النفورِ منكَ والإعراضِ عن دعوتِكَ، فيقولُ قائلُهم: بِسَبَبِ تلكَ المصلحةِ يتلوهُ عليهم، ولتلكَ المنفعةِ يبلِّغُهم، ولقاءَ ذلكَ الأَجْرِ يَدعوهم. فإنَّكَ يا رسُولَ اللهِ تتلو القرآنِ عليهم، وتُبلُّغُهم رسالةَ ربِّهم، وتهديهم إلى السبيلِ القويمِ والصراطِ المستقيمِ، ولما فيه خيرُهم وصلاحُهم في الدنيا والآخرةِ، دون أيِّ أجرٍ.
قولُهُ: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} الذِكْرُ: التذكيرُ والعِظَةٌ من اللهِ تعالى لِلْعالَمِينَ عامَّةً، فهو بصيرةٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ ورحمةٌ. وحُجَّةٌ عَلى مَنْ لمْ يُؤْمِنْ بهِ ونِقمة. وفيه تَذْكرَةٌ لهم بما هو صلاحَهم ونجاتُهم مِنَ النّارِ وفوزهم بالجنَّةِ وفلاحُهم. فلقد أنزلْنا القرآنَ تذكرةً للعالمين، وبَعَثْناكَ مُبَلِّغًا لهم بِلا أَجْرٍ منهم؛ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنَ الإجابةِ ممتنعٌ منهم لِمَا يَلْزَمَهم منَ الأَجْرِ، حتى يكونوا بذلكَ أَقرَبَ إلى تَصديقِه، والإيمانِ به.
وهذِهِ الآيةُ تَأْكيدٌ للأُولى؛ لأنَّه لَمَّا ذَكَرَ هناكَ أَنَّهُ لنْ يُؤْمِنَ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ لهُ ذلكَ، وإِنْ حَرَصَ النَّبِيُّ عَليهِ، وهمُ الأكثرُ، ذَكَرَ هنا أَنَّهُ أَزاحَ العِلَّةَ في التَكذيبِ بِرَفعِ الأَجْرِ على التبليغِ، وإنزالِ القرآنِ تَذْكرةً وعِظَةً مجّانيَّةً دونَ أَجْرٍ، ومَعَ هذا كُلِّهِ، فإنَّهُ لَنْ يُؤمِنَ مِنْ هؤلاءِ باللهِ تعالى وَرَسُولِهِ الذي أرسلَ، وكتابِهِ الذي أَنْزَلَ، إِلَّا مَنْ أَرَادَ اللهُ إِيمانَهُ وهداهُ إلى ذلك، فلا تَحْزَنْ يا رسولَ اللهِ، إذا رأيتَ منهم إنكارًا لرسالتِك وإعراضًا عن دعوتِكَ.
قولُهُ تعالى: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} الواوُ: للعطفِ. و “ما” نافِيَةٌ لا عملَ لها. و “تَسْأَلُهُمْ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يعودُ على سيِّدنا محمَّدٍ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ الأوِّل. و “عَلَيْهِ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِـ الفعلِ “تسألُ”، والميمُ علامةُ المُذكَّرِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٍ، و “أَجْرٍ” مجرورٌ لفظًا بِـ “مِنْ” منصوبٌ محلًا على أنَّهُ المفعولُ الثاني لـِ “تسألُ”، والجُمْلَةُ مَعطوفةٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ}.
قولُهُ: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} إِنْ: نافِيَةٌ بمعنى (ما)، لا عَمَلَ لها. و “هُوَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ. و “إِلَّا” أداةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفَرَّغٍ، أو أداةُ حَصْرٍ. و “ذِكْرٌ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، و “لِلْعَالَمِينَ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، ومجرورٌ به، وعلامةُ جرِّه الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَهَا لا محلَّ لها مِنَ الإعراب.
قرأَ العامَّةُ: {وما تسألُهم} بالتاءِ، فيعودُ الضميرُ إلى النبيِّ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، وقرَأَ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: “وَمَا نَسْأَلُهُمْ” بِالنُّونِ، فيعودُ الضميرُ إلى اللهِ تعالى.
 
 
 
 


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 103

وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تُشيرُ هذِهِ الآيةُ الكَريمَةُ إِلى أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَيْسُوا بِمُؤمِنينَ، مَعَ كَثْرَةِ الأَدِلَّةِ التي تُوجِبُ الإيمانَ وتَضَافِرِها، لأَنَّ مَدارِكَهمْ فاسدةٌ وكذلك مَقاصِدُهم، فلا يَنْفَعُهم حِرْصُ حريصٍ ولا نُصحُ ناصحٍ، ولوْ أُقيمَ لَهم مِنَ الشَّواهِدِ والآياتِ والدَلالاتِ كلُّ ما أمكنَ إقامتُهُ.
والمُرادُ بالنَّاسِ، كُلُّ مَنْ يَشْمَلُهُمْ هذا الاسْمُ مِنْ عَرَبٍ وعَجَمٍ، أَبْيَضِهم وأَسْوَدِهم، أَصْفَرَهم وأَحْمَرِهم. وقيلَ: المُرادُ أَهْلُ مَكَّةَ والمُشْرِكِونَ، وقيلَ: أَهلُ الكتابِ، وقيلَ: المُنافقون، واللهُ أعلمُ.
وعَلَى أَنَّ المُرادَ بالنَّاسِ هم أَهْلُ مَكَّةَ، فإنَّ المعنى: ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولوْ حَرَصْتَ عَلى إِيمانِهم بِمُؤمنينَ لكَ، ومُسْلِمينَ بِهَذِهِ الأَدِلَّةِ، إلى أنْ تُصبِحَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيا، فبَعْدَ فتحِ مَكَّةَ صَارَ أَكْثَرُ النَّاسِ مُؤمنينَ، وكانَ مِنْهم أَبْطالٌ في الجِهادِ والإمارَةِ وقيادةِ جُيُوشِ الفُتوحِ، أَمْثالَ خالِدِ ابْنِ الوَليدِ، وعِكْرِمَةِ بْنِ أَبي جَهْلٍ وغيرُهما كثيرٌ، وعليهِ فالنَّفْيُ ـ وإِنْ كانَ ظاهرُهُ العُمومَ، فإنَّهُ مُقَيَّدٌ بالزَّمانِ، فقد أَخْبَرَ الحقُّ تعالى عَنْ سابِقِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وصادِقِ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ فيهمْ. وقد يُقالُ: أَقَمْتُكَ شاهدًا لإرادةِ إيمانِهم، وشِدَّةِ الحِرْصِ عَلَى تَحَقُّقِهم بالدِّينِ، وإِيقانِهمْ. وإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ أَكْثرَهم لا يُؤمِنُ، وقد أَخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ، وفَرَضَتُ عَلَيْكَ تَصديقي بِهِ.
وَقد رُوِيَ في سِبَبِ نُزولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ أَنَّ الْيَهُودَ وَقُرَيْشًا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ ـ عليه السَّلامُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَلَى مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُسْلِمُوا، فَحَزِنَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِنْ حَرَصْتَ عَلَى إِيمَانِهِمْ. ذكرَهُ ابْنُ الأَنْباريِّ، انْظُرُ: زاد المَسيرِ لابْنِ الجَوْزِيِّ: (4/293)، والبحر المُحيط لأبي حيان الأندلُسيِّ: (5/350).
قولُهُ تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ. و “ما” حِجَازِيَّةٌ أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “أَكْثَرُ” اسْمُها مرفوعٌ بها، إنْ كانتِ الحجازيَّةَ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ إِنْ كانتِ التميميَّةَ، وهو مضافٌ، و “النَّاسِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. و “وَلَوْ” الواوُ: اعْتِراضِيَّةٌ. و “لو” شَرْطِيَّةٌ. و “حَرَصْتَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بتاءِ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ “لو”، وجَوابُ “لو” محذوفٌ لِدَلالَةِ ما قبْلَهُ عَلَيْهِ والتقديرُ: ولَوْ حَرَصْتَ عَلى هِدايَتِهمْ وبالَغْتَ في دَعْوَتِهم لا يُؤْمنونَ، وجُمْلَةُ “لو” اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ لاعْتِراضِها بَيْنَ “ما” وخَبَرِها. و “بِمُؤْمِنِينَ” الباءُ: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “مؤمنينَ” مجرورٌ به لفظًا، منصوبٌ مَحَلًّا، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ “ما” الحجازيَّةِ، أَوْ أنَّهُ مرفوعٌ محلًّا على أنَّهُ خبَرُ المُبْتَدَأِ إنْ كانت “ما” تميميَّةً، وعلامةُ الجرِّ هي الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ منَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجُمْلَةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
ويُقرَأُ: “حَرِصَ” أوْ “حَرَصَ” لأَنَّها مِنْ بابِ (ضَرَبَ) و (عَلِمَ) وكلاهُما لُغَةٌ فَصِيحَةٌ.


فيضُ العليم … سورة يوسُف، الآية: 102
 
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} الإشارةُ إلى ما تقدَّم في الآياتِ السَّابِقَةِ مِنْ أَحْداثٍ في قصَّةِ يوسُفَ ـ عَليْهِ السَّلامُ، وهِيَ بالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، غيبٌ، لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ، ولمْ يقرأْهُ في كِتابٍ، لأَنَّ العَرَبَ ما سَمِعُوا بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، ولا عَرَفوا شيئًا مِنْ قصَّتهِ، تحَدَّثوا به في نواديهم، ولا رووها في مجالِسِهم.
وَأَصْلُ الْغَيْبِ مَصْدَرُ غَابَ، فَسُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُشَاهَدُ، وهو مَا غَابَ عَنْ عِلْمِ النَّاسِ، أوْ بَعْضِهم دونَ بعضِهمُ الآخَرُ، فهوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ؛ فغيبٌ لمن غابَ عنهُ، وشهودٌ لمن رآهُ وعاينهُ، أو عَلِمَ بهِ، ويكونُ غيْبًا مُطْلَقًا، إذا غابَ عَنْكَ وعَنْ غيرِكَ مِنَ البَشَرِ. وللغيبِ حاجِزانِ: حاجزُ الزَّمَانِ وحاجزُ المَكانِ، فقد يكونُ في الماضي الذي لم تَشْهَدْهُ؛ أَوِ المُسْتَقْبَلِ الذي لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. أوْ قدْ يَحْدُثُ أَمْرٌ في مَكانٍ بَعيدٍ عنكَ، فلا تَعْلمُ بِحُدوثِهِ، ولا تَسْمَعَ شيئًا عنه.
قولُهُ: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} وقد جِيءَ بالضميرِ في قولِهِ “نُوحِيهِ” مُذَكَّرًا مُراعاةً لاسْمِ الإشارةِ “ذلك”، والخطابُ هُنَا للرّسُولِ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، والمَعنى أَنَّ هَذِهِ الأَنْبَاءَ التي تقدَّمَ سَردُها هي غَيْبٌ بالنسبةِ إِلَيْكَ يا “محمَّدُ” لَمْ تَسْمَعْ بِهِ مِنْ قبلُ، ولا قرأتَهُ في كتابٍ، فلمْ تعلمْ به إلَّا بطريقِ الوَحْيِ.
قولُهُ: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} وما كُنْتَ يا رسولَ اللهِ عنْدَ بَني يَعقوبَ، إِخْوةِ يوسُفَ حينَ عَقَدوا العَزْمَ عَلى أَنْ يُلْقوا أَخاهم يوسُفَ في الجُبِّ وهوَ حيٌّ لِيَتَخَلَّصوا منهُ بسببِ غيرَتهم منْ حبِّ أَبيهِم إِيّاهُ، وكُرههم لهُ، ولا حينَ نفَّذوا ذَلِكَ وأَلقَوْهُ فيه، ولا حينَ جاءَ السيّارةُ والتقطوهُ منهُ، ولا حينَ باعَه لهم إخوتُه، ولا حين باعوهُ لعزيزِ مِصرَ، ولا حينَ راودتْهُ امْرَأَةُ العزيزِ عنْ نفسِهِ، ولا حينَ راودُهُ عن نفسِها غيرُها منْ نساءِ أكابِرِ المدينةِ وأَعيانِها وأَشرافِها، ولا شَهِدْتَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الَأْحداثِ التي أخبرناكَ بها، ورَوَيْناها لكَ عنْ طريقِ الوحيِ. وَأَخرجَ ابْنْ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قال: “وَمَا كنتَ لَدَيْهم” يَعْنِي مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُول: “وَمَا كنتَ لديْهم” وهمْ يُلْقونَهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، “وهم يَمْكُرونَ” بِيُوسُفَ ـ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قولُهُ: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} وَهُمْ يَمْكُرُونَ” بِأخيهم يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، ويُريدونَ بِهِ المهالِكَ، ويَتَشاورونَ في ذلك، ويَمْكُرون بِأبيهم يَعقوبَ ـ عليه السلامُ، وذلك حينَ أَتَوا بالقَميصِ مُلَطَّخًا بالدَمِّ، ليُوهِموهُ أنَّ الذئبَ قد أكلَهُ، وهم كاذبونَ في ذلك. وأخرج ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَمَا كنتَ لديهم إِذْ أَجمَعُوا أَمرَهم وهمْ يَمْكُرونَ” قَالَ: هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ إِذْ يَمْكُرون بِيُوسُفَ.
وهذِهِ الآيةُ الكريمةُ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا، واسْتِخْلَاصٌ لِمَوَاضِعِ الْعِبْرَةِ مِنَ الْقِصَّةِ. وَفِيهَا مِنَّةٌ عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ وتَنْبِيهٌ لهِمْ إلى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مِنَ الْجَانِبِ الْعِلْمِيِّ، فَإِنَّ صُدُورَ ذَلِك مِنْ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الْأُمِّيُّ، آيَةٌ كُبْرَى عَلَى أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَلِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: {وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}. وفيها دَليلٌ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَنْباءِ الغَيْبِ المُوحَى بِها إلى رَسُولِ اللهِ محمَّدٍ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وفي هذا تصريحٌ لقُريشٍ بِصِدْقِهِ ـ صَلّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ، فيما يُبلِّغِ عنْ ربِّهِ. ويُسَمَّى هذا في عِلْمِ البيانِ بالاحتجاجِ النَظَرِيِّ، وهوَ أَنْ تُلْزِمَ الخَصْمَ ما هوَ لازِمُ هذا الاحْتِجاجِ.
قولُهُ تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} ذَلِكَ: ذا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بالخبرِ المحذوفِ المقدَّرِ بِـ (كائنٌ) و “أَنْبَاءِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “الْغَيْبِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وهذه الجُمْلَةُ الإسميةُ من المبتدَأِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعراب.
قولُهُ: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} نُوحِيهِ: فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، علامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لثِقَلِها على الياءِ، والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ (نحنُ) يعودِ على الذاتِ الإلهيَّةِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ. وهذه الجملةُ الفعليَّةُ في محلِّ النَّصْبِ على الحالِ، مِنَ المُبْتَدَأِ، أَوْ مِنَ الضَميرِ في الخَبَرِ، ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ خَبَرًا ثانيًا لاسْمِ الإشارةِ. وجَوَّزَ الزمخشَريُّ عَلى مَذْهَبٍ مَرْجوحٍ أَنْ يَكونَ “ذا” اسْمًا موصولًا مُبْتَدَأً، و “مِنْ أَنبَاء الغيب” صِلَتُه، وخبرُهُ “نُوحِيهِ إِلَيْكَ”، وهذا على مَذهَبِ مَنْ جَعَلَ سائرَ أَسماءِ الإشارةِ أسماءً موصولةً. و “إِلَيْكَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بالفعلِ “نوحي” والكافُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ.
قولُهُ: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} الواوُ: للعطفِ. و “ما” نافيةٌ لا عملَ لها. و “كُنْتَ” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتَّصالِهِ بتاءِ الفاعلِ، وتاء الفاعلِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلَّ رفعِ اسْمِهِ. و “لَدَيْهِمْ” لدى: مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النصبِ على الظَرْفيَّةِ المَكانِيّةِ، متعلِّقٌ بخبرِ كانَ، وهو مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ، والجُملةُ مَعطوفَةٌ على جُملةِ قولِهِ: “ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ” عَلى كونِها مُعَلِّلَةً للخَبَرَيْنِ.
قولُهُ: {إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} إِذْ: ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنَ الزَّمانِ، بمعنى (حين) مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ النَّصبِ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ، متعلِّقٌ بِـ “كان”، و “أَجْمَعُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ على الفاعليَّةِ، والألِفُ الفارقةُ. و “أَمْرَهُمْ” مفعولٌ بهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ عَلامةُ الجمعِ المُذَكَّرِ، وهذِهِ الجملةُ هيَ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافَةِ “إِذْ” إِلَيْها.
قولُهُ: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} الواوُ: حاليَّةٌ. و “هم” ضميرُ فصلٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و “يَمْكُرُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ على الفاعليَّةِ، والجملةُ في محلِّ النَّصبِ خبرًا للمُبْتَدَأِ “هُمْ” والجُمْلةُ الاسْمِيَّةُ منَ المبتدأِ وخبرِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضميرِ الفاعِلِ في “أَجْمَعُوا”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com