الموسوعة القرآنية فيض العليم… سورة إبراهيم، الآية: 23
 
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ {وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا} فبَعدَ أَنْ بيَّنَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لَنَا حَالَ الكافرينَ الأَشْقِياءِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ آياتٍ، شَرَعَ في بيانِ أَحْوال المُؤْمِنينَ السُعَداءِ، ومَا أَعَدَّهُ لَهمْ في الآخِرَةِ منَ النَّعيمِ المُقيمِ والثوابِ الجزيلِ والأِجرِ العَظيمِ، والتكريمِ الدائمِ المقرونِ بالترحيبِ والتَعْظيمِ، أَلَا وَهوَ الخُلودُ في جنّاتِ النعيمِ، لِأَنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْمَقْصُودَةِ بِالْوَصْفِ إِظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الْأَحْوَالِ، و “أُدْخِلَ” أَيْ: أَدْخَلَ اللهُ تعالَى الَّذِينَ آمَنُوا، هَذِهِ الجَنَّاتِ عَلَى أَيْدي المَلائِكَةِ المُكرَّمينَ. و “الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” أي الذين وَحَّدوا اللهَ تعالى ولم يشركوا بِهِ شيئًا، وانْتَهوا عَنِ المَحَارِمِ التي حرَّمها اللهُ عليهم، وأَدُّوا الفَرائضَ التي كلَّفهم القيامَ بها، و “جنَّاتٍ” أَيْ: فِي جَنَّاتٍ، لِأَنَّ (دَخَلَ) لَا يَتَعَدَّى بنفسِهِ، كَمَا لَا يَتَعَدَّى نَقِيضُهُ بنفسِهِ أَيضًا وَهُوَ (خَرَجَ)، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
قولُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أَيْ: تَجْرِي الأَنْهارُ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وقُصُورِها، وهوَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنينَ لأَنَّ مَنْظرَ الماءِ يَبْعَثُ في النَّفْسِ الرَّاحَةَ والفَرَحَ والمرحِ والسُرورَ. و “الْأَنْهارُ” هيَ التي ذَكَرَها اللهُ تعالى في سورةِ (محمد) بقولِهِ: {أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ} الآية: 15.
قولُهُ: {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} خالدينَ: مُقيمينَ فيها لا يموتونَ أَبَدًا ولا يَتَحوَّلُونَ عنها، ولا يَبْرَحونَها، و “بِإِذْنِ رَبِّهِمْ” أَيْ بِأَمْرِهِ. وَقِيلَ: بِمَشِيئَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ. وَقَالَ: “بِإِذْنِ رَبِّهِمْ” وَلَمْ يَقُلْ: بِإِذْنِي تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا. وفيه إِشَارَةٌ إِلَى الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ، فَهُوَ إِذَنْ أَخَصُّ مِنْ أَمْرِ الْقَضَاءِ الْعَامِّ.
قولُهُ: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} أَي: يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتُسَلِّمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ. لِمَا أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنْ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “تحيتهم فِيهَا سَلامٌ” قَالَ: الْمَلَائِكَة يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِم فِي الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: الْمُحَيِّي بِالسَّلَامِ هُوَ اللهُ تعَالى.
قولُهُ تَعَالَى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} الواوُ: للاسْتِئنافِ، و “أُدْخِلَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، مبنيٌّ للمجهولِ، و “الَّذِينَ” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ نائبُ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “آمَنُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعة، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والألِفُ للتفريق، والجملةُ صِلَةُ الموصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “وَعَمِلُوا” مثلُ “آمنوا” معطوفٌ عليهِ. و “الصَّالِحَاتِ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الكسرةُ نيابةً عنِ الفتحةِ لأنَّهُ جمعُ المُؤنَّثِ السّالمُ. و “جَنَّاتٍ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ المَكَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أُدْخِلَ”. ويجوزُ نَصْبُهُ مفعولًا به ثانيًا لِـ “أُدخِلَ” كما يجوزُ أنَّهُ منصوبٌ بنزعِ الخافِضِ، لأنَّ الفعلَ (دَخَلَ) لا يتعدَّى بنفسِهِ برأْي المهدويِّ والتقديرُ: في جناتِ.
قولُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} تَجْرِي: فعلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخِرِهِ لثقلِها على الياءِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ مُتعلِّقٌ بِـ “تَجْري” أَوْ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنَ الأَنْهارِ، و “تَحْتِها” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، و “الْأَنْهَارُ” فاعلٌ مرفوعٌ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً لِـ “جَنَّاتٍ”، ولكنَّها سَبَبِيَّةٌ.
قولُهُ: {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} خَالِدِينَ: مصوبٌ على الحالِ مِنِ الاسْمِ المَوْصولِ الواقِعِ نائبًا عن فاعِلِ “أُدْخِلَ”، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السّالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوين في الاسْمِ المفردِ. و “فِيهَا” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “خَالِدِينَ”، و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. و “بِإِذْنِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أُدْخِلَ” و “إذْنِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهو مُضافٌ، و “رَبِّهِمْ مَجْرورٌ بالإضافةِ إليهِ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ.
قولُهُ: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} تَحِيَّتُهُمْ: مرفوعٌ بالابْتِداءِ مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرَّ بالإضافةِ إليهِ، والميمُ علامةُ جمع المُذكَّرِ. و “فِيهَا” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنْ ضَميرِ الغائِبينَ في “تحيَّتُهم” و “ها” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. و “سَلَامٌ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ في محلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ مَرْفوعِ “أُدْخِلَ”.
قرَأَ العامَّةُ: {وَأُدْخِلَ} ماضيًا مَبْنِيًّا للمَفْعولِ، والفاعِلُ (اللهُ) أَوْ المَلائكةُ. وَقَرَأَ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ “وأُدْخِلُ” فعلًا مُضَارِعًا مُسْنَدًا للمُتَكَلِّمِ وهوَ اللهُ تَعَالى، فمَحَلُّ المَوْصُولِ عَلى الأَوَّلِ رَفْعٌ، وعَلَى الثانيِ نَصْبٌ.
Advertisements


الموسوعة القرآنية فيض العليم… سورة إبراهيم، الآية: 22
 
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
 
قولُهُ تعالى شَأْنُهُ: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} أي أُحكم وفُرغ منه وهو الحسابُ ودخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النارَ وقف إبليسُ فيهم خطيبًا في مَحْفِلِ الأَشْقياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، لِيَزِيدَهُمْ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ، وَغَبْنًا إِلَى غَبْنِهِمْ، وَحَسْرَةً إِلَى حَسْرَتِهِمْ. وقَالَ الْحَسَنُ البَصْريُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَقِفُ إِبْلِيسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَطِيبًا فِي جَهَنَّمَ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ نَارٍ يَسْمَعُهُ الْخَلَائِقُ جَمِيعًا. وذَلِكَ لَمَّا اعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ الكُبَرَاء للضُعَفاءِ بِأَنَّهم مَحْرومونَ مِنَ الْهُدَى، وعَلِمُوا أَنَّ سَبَبَ إِضْلَالِهِمْ هُوَ الشَّيْطَانُ لِأَنَّ نَفْيَ الِاهْتِدَاءِ يُرَادِفُهُ الضَّلَالُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُسْتَكْبِرِينَ انْتَقَلُوا مِنَ الِاعْتِذَارِ لِلضُّعَفَاءِ إِلَى مَلَامَةِ الشَّيْطَانِ الْمُوَسْوِسِ لَهُمْ مَا أَوْجَبَ ضَلَالَهَمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمٍ يَقَعُ فِي نُفُوسِهِمْ كَالْوِجْدَانِ، نَطَقَ مَصْدَرِ الضَّلَالَةِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ. عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَلا تَلُومُونِي يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُم تَوَجَّهوا إِلَيْهِ بصَرِيحِ المَلامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَوَقَّعَهُ فَدَفَعَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَجُمْلَةُ “وَقالَ الشَّيْطانُ” عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَقالَ الضُّعَفاءُ. و “الأَمْرُ” إِذْنُ اللهِ وَحُكْمُهُ، وَمَعْنَى “قُضِيَ الْأَمْرُ” تُمِّمَ الشَّأْنُ. وَإِتْمَامُهُ: ظُهُورُهُ، وَهُوَ أَمْرُهُ تَعَالَى بِتَمْيِيزِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَأَهْلِ الْهِدَايَةِ، كما قَالَ تَعَالَى في سُورَةِ (يَس): {وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} الآية: 59، وَذَلِكَ بِتَوْجِيهِ كُلِّ فَرِيقٍ إِلَى مَقَرِّهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِعَمَلِهِ، فَيَتَصَدَّى الشَّيْطَانُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْمَلَامِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَشْرِيكِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ مَعَهُ فِي تَبِعَةِ ضَلَالِهِمْ، وَقَدْ أَنْطَقَهُ اللهُ بِذَلِكَ لِإِعْلَانِ الْحَقِّ، وَشَهَادَةٍ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ كَسْبًا فِي اخْتِيَارِ الانْصِياعِ إِلَى دَعْوَةِ الضَّلَالِ دُونَ دَعْوَةِ الْحَقِّ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الْحَقُّ: هُنَا بِمَعْنَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ بِالْمَوْعُودِ بِهِ. وَضِدُّهُ: الْإِخْلَافُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تعالى هنا: “وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ” الآية، أَيْ كَذَبْتُ مَوْعِدِي. وَإِضَافَةُ وَعْدَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ مُبَالَغَةً فِي الِاتِّصَافِ، أَيِ الْوَعْدُ الْحَقُّ الَّذِي لَا نَقْضَ لَهُ، وَشَمَلَ وَعَدُ الْحَقِّ جَمِيعَ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ بِالْقُرْآنِ عَلَى لِسَان رَسُولِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاة والسَّلامُ. يَعْنِي الْبَعْثَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَثَوَابَ الْمُطِيعِ وَعِقَابَ الْعَاصِي وَشَمَلَ الْخُلْفُ جَمِيعَ مَا كَانَ يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِ أَوْلِيَائِهِ وَمَا يَعِدُهُمْ إِلَّا غُرُورًا.
أَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ: (1/111، رقم: 374)، وَابْنُ جَريرٍ في تفسيره: (13/201)، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، واللفظُ لَهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ في معجمهِ الكبير: (17/320، رقم: 887)، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِر: (7/453)، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ، فَفَرَغَ مِنَ الْقَضَاءِ، قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: قَدْ قَضَى بَيْنَنَا رَبُّنَا، فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا؟ فَيَقُولُونَ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى آدَمَ ـ وَذَكَرَ نُوحًا، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، فَيَقُولُ عِيسَى: أَدُلُّكُمْ عَلَى النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ. فَيَأْتُونِي، فَيَأْذَنُ اللهُ لِي أَنْ أَقُومَ إِلَيْهِ فَيَثُورُ مِنْ مَجْلِسِي مِنْ أَطْيَبِ رِيحٍ شَمَّهَا أَحَدٌ قَطُّ، حَتَّى آتِيَ رَبِّي فَيُشَفِّعَنِي، وَيَجْعَلَ لِي نُورًا مِنْ شَعَرِ رَأْسِي إِلَى ظُفْرِ قَدَمِي، ثُمَّ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا: قَدْ وَجَدَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ، فَمَنْ يَشْفَعُ لَنَا؟ مَا هُوَ إِلَّا إِبْلِيسُ هُوَ الَّذِي أَضَلَّنَا، فَيَأْتُونَ إِبْلِيسَ فَيَقُولُونَ: قَدْ وَجَدَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُمْ، فَقُمْ أَنْتَ فَاشْفَعْ لَنَا، فَإِنَّكَ أَنْتَ أَضْلَلْتَنَا. فَيَقُومُ فَيَثُورُ مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ أَنْتَنِ رِيحٍ شَمَّهَا أَحَدٌ قَطُّ، ثُمَّ يَعْظُمُ نَحِيبُهُمْ: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ”. وأَخْرَجَهُ أَيْضًا: البُخَارِيُّ في (خَلْقِ أَفعالِ العِبادِ: (1/117)، والدارِمِيُّ في سُنَنِهِ: (2/421، رقم: 2804)، ونعيمُ بْنُ حَمَّاد في زوائدِهِ عَلَى الزُّهْدِ: (1/111، رقم: 374).
قولُهُ: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} أَيْ مِنْ حُجَّةٍ وَبَيَانٍ، فقد قالَ لهُمُ الشَيْطانُ: مَا قدَّمْتُ لَكُمْ منْ حُجَّةٍ عَلَى مَا وَعَدْتُكُمْ بهِ ولا برهانٍ سُقْتُ لكم برهانًا يؤكِّدُ حقيَّةَ ما زَيَّنْتُهُ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا ِمِنْ معصيَةِ اللهِ تعالى، وكفرانِ نِعَمِهِ، والكفرِ بِهِ وتكذيبِ أَنبيائهِ ـ صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُهُ، ومُنَاصَبَةِ دِينِهِ والمَؤْمِنينَ بهِ العِداءَ “إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي”، أَيْ لقد أَغْوَيْتُكُمْ فَاتَّبَعْتُمُونِي بمحضِ إرادتكم ورِضاكمْ. وَما كانَ لي عليكمْ مِن سُّلْطَانِ القُوَّةِ والقهرِ ما أَحْمِلُكمْ بِهِ عَلَى طاعَتي واتَّباعِي، والسُّلْطانُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ ـ أَو عليهم، فهو سُلْطانٌ، أَيْ غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، فما كانَ لي أَنْ أُجْبِرَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ. وَقِيلَ: “وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ” أَيْ: عَلَى قُلُوبِكُمْ التي هي مَوْضِعُ إِيمانِكُمْ. فَقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَةِ قَامَ إِبْلِيسُ خَطِيبًا عَلى مِنْبَرٍ مِنْ نَارٍ فَقَالَ: “إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعْدَ الْحَقِّ” إِلَى قَوْلِهِ: “وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِي” قَالَ: بِنَاصِرِي، “إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمونِ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: بِطَاعَتِكمْ إيَّايَ فِي الدُّنْيَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الإمامِ الشَّعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَطِيبانِ يَقومانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِبْلِيسُ، وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ـ عليْهِ السَّلامُ، فأَمَّا إِبْلِيسُ فَيَقومَ فِي حِزْبِهِ فَيَقُولُ هَذَا القَوْلَ، وَأَمَا عِيسَى عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ، فَيَقُولُ في الآيَة: 117، مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَة: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكم، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُذَلِّلُهُ الشَّيْطَانُ كَمَا يُذَلِّلُ أَحَدُكُمْ قَعُودَهُ مِنَ الإِبِلِ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ هنا فِي “إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ” اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ. فَالْمَعْنَى: لَكِنِّي دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.
قولُهُ: {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} تَفْريعٌ عَلَى قولِهِ: “وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ”، وَالْمَقْصُودُ: لُومُوا أَنْفُسَكُمْ إِذْ قَبِلْتُمْ إِشَارَتِي وَدَعْوَتِي. وفيهِ إِبْطَالٌ لِإِفْرَادِهِم إِيَّاهُ بِاللَّوْمِ، أَوْ لِابْتِدَاءِ تَوْجِيهِ الْمُلَامِ إِلَيْهِ، فِي حِينِ أَنَّهُمْ أَجْدَرُ منهُ بِاللَّوْمِ أَوْ بِابْتِدَاءِ تَوْجِيهِهِ. وَأَمَّا وَقْعُ كَلَامِ الشَّيْطَانِ مِنْ نُفُوسِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ فَهُوَ مُوقِعُ الْحَسْرَةِ مِنْ نُفُوسِهِمْ زِيَادَةً فِي عَذَابِ النَّفْسِ.
قولُه: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} بَيَانٌ لِجُمْلَةِ النَّهْيِ عَن لومه لِأَنَّ لَوْمَهُ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ يَتَطَلَّبُونَ مِنْهُ حِيلَةً لِنَجَاتِهِمْ، فَنَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَلُومُوهُ.
وأَصْرَخَهُ، إِذَا أَجَابَ صُرَاخَهُ، كَمَا قَالُوا: أَعْتَبَهُ، إِذَا قَبِلَ اسْتِعْتَابَهُ. وَأَمَّا عَطْفُ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ اسْتِقْصَاءُ عَدَمِ غَنَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ. والمُصْرِخُ: المُغِيْث يُقال: اسْتَصْرَخْتُه فَأَصْرَخَني، أي: أعانني، وكأنَّ همزتَه للسَّلْب، أي: أزال صُراخي. والصَّارخ هو المستغيثُ. وَالْإِصْرَاخُ: الْإِغَاثَةُ، اشْتُقَّ مِنَ الصُّرَاخِ لِأَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ.
فَقد أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصنعانيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “مَا أَنَا بمُصْرِخِكمْ” قَالَ: مَا أَنَا بِمُغيثِكمْ.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثلَهُ. ومنْهُ قولُ الشَّاعِرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
وَلَا تَجْزَعُوا إِنِّي لَكُمْ غَيْرُ مُصْرِخٍ …… وَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي غَنَاءٌ وَلَا نَصْرُ
ويُقال: صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخاً وصُراخاً وصَرْخَة. كما قَالَ الشاعِرُ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
كُنَّا إِذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ …………. وَكَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنَابِيبِ
يُريدُ: وَكانَ بَدَلَ الإِصْراخِ، فحَذَفَ المُضافَ، وأَقامَ مَصْدَرَ الثلاثيِّ مُقامَ مَصْدَرِ الرُّباعِيِّ، نحوَ قولِهِ تَعَالى في الآية: 17، مِنْ سُورةِ نوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {واللهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا}. والصَّريْخُ أَيضًا: هُمُ القَوْمُ المُسْتَصْرِخُونَ، قالَ الصحابيُّ الجَليلُ الشَّاعِرُ حَمِيدُ بْنُ ثَوْرٍ الهِلالِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
قومٌ إذا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ ………… ما بين مُلْجِمِ مُهْرِهِ أو سافِعِ
والصَّريخُ أَيْضًا: المُغِيثونَ فَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ، وهوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكونَ وَصْفًا عَلى وَزْنِ (فَعِيْل) ك (خَليط)، وأَنْ يَكونَ مَصْدَرًا في الأَصْلِ. وَقالَ تعالى في سورةِ (يس): {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} الآية: 43، فهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ (فَعيلًا) بِمَعْنَى (مُفْعِل)، أَيْ: فَلا مُصْرِخَ لَهُمْ، أَيْ: نَاصِر، وتَصَرَّخَ: تَكَلَّفَ الصُّراخَ.
وَأَصْلُهُ بِمُصْرِخِيِيَ، بِيَاءَيْنِ، أُولَاهُمَا يَاءُ جَمْعِ الْمُذكر الْمَجْرُور، وثانِيَتُهُما يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ، وَحَقُّهَا السُّكُونُ فَلَمَّا الْتَقَتِ الْيَاءَانِ سَاكِنَتَيْنِ وَقَعَ التَّخَلُّصُ مِنَ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ بِالْفَتْحَةِ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ.
قولُه: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} جُمْلَةُ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ اسْتِئْنَافُ تَنَصُّلٍ آخَرَ مِنْ تَبِعَاتِ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ قُصِدَ مِنْهُ دَفْعُ زِيَادَةِ الْعَذَابِ عَنْهُ بِإِظْهَارِ الْخُضُوعِ للهِ تَعَالَى. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: كَفَرْتُ شدَّةَ التَبَرِّي مِنْ إِشْرَاكِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنْ أَرَادَ مِنْ مُضِيِّ كَفَرْتُ مُضِيَّ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا، أَيْ كُنْتُ غَيْرَ رَاضٍ بِإِشْرَاكِكُمْ إِيَّايَ فَهُوَ كَذِبٌ مِنْهُ أَظْهَرَ بِهِ التَّذَلُّلَ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنَ الْمُضِيِّ إِنْشَاءَ عَدَمِ الرِّضَى بِإِشْرَاكِهِمْ إِيَّاهُ فَهُوَ نَدَامَةٌ بِمَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ مَتَابٌ.
وَالْإِشْرَاكُ الَّذِي كَفَرَ بِهِ إِشْرَاكُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْعِبَادَةِ بِأَنْ عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ لِأَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ وَالْجِنَّ، فَهَؤُلَاءِ يَعْبُدُونَ جِنْسَ الشَّيْطَانِ مُبَاشَرَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَهُمْ يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ بِوَاسِطَةِ عِبَادَةِ آلِهَتِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، فِي قَوْلِهِ تعالى: “مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخيّ” قَالَ: مَا أَنَا بِنَافِعِكمْ وَمَا أَنْتُم بِنَافِعِيَّ “إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمونِ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: شِرْكَ عِبَادَةٍ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمونِ مِنْ قَبْلُ” يَقُولُ: عَصَيْتُ اللهُ فِيكُم.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ” قَالَ إِبْلِيس يَخْطُبُهمْ فَقَالَ: “إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكمْ فَأَخْلَفْتُكمْ” إِلَى قَوْلِهِ: “مَا أَنا بِمُصْرِخِكُمْ” يَقُولُ: بِمُغْنٍ عَنْهُم شَيْئًا، “وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا مَقَالَتَهُ مَقَتُوا أَنْفُسَهم فَنُودُوا {لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكم أَنْفُسَكُم} الْآيَة: 10، منْ سُورَةِ غَافِر.
قولُهُ: {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مِنَ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ عَنِ الشَّيْطَانِ. وَهِيَ فِي مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ، أَيْ لِأَنَّهُ لَا يدْفع عَنْكُم الْعَذَابَ دَافَعٌ فَهُوَ وَاقع بكم.
قولُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} الواوُ: للاسْتِئنافِ، و “قالَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الشيطانُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “لَمَّا” ظرفيَّةٌ بِمَعْنَى (حين) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزمانيَّةِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجَوابِ. و “قُضِيَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الْأَمْرُ” نائبٌ عنْ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ مُضافٌ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} إِنَّ: حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ. و “وَعَدَكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ وكافُ الخِطابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ عَلَى الضَّمِّ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّل، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تَقْديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهَ” تَعَالى. و “وَعْدَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ ثانٍ، وهو مُضافٌ و “الْحَقِّ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وَيَجوزُ أَنْ يَكونَ “وَعْدَ الحَقِّ” مِنْ إِضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ، أَيْ: الوَعْدَ الحَقَّ، وأَنْ يُرادَ بالحَقِّ صِفَةُ البَارِي تَعَالى، أَيْ: وَعَدَكمُ اللهُ وَعْدَهُ، وأَنْ يُرادَ بالحَقِّ البَعْثُ والجَزَاءُ عَلَى الإِجْمالِ، فَتَكونُ إِضَافَةً صَريحَةً، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” مِنِ اسْمِها وخَبَرِها في مَحَلِّ النَّصْبَ مَقولُ القَوْلِ لِـ “قالَ”.
قولُهُ: {وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “وَعَدْتُكُمْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَبنِيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ تاءُ الفاعِلِ، وتاءُ الفاعِلِ ضميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضَمِّ في مَحلِّ الرفْعِ فاعِلٌ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضَمِّ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلةِ “إِنَّ” عَلَى كَوْنِها مَقولَ القولِ لـ “قالَ”. و “فَأَخْلَفْتُكُمْ” الفاءُ: للعَطْفِ. و “أَخْلَفْتُكُمْ” مِثْلُ “وَعَدْتُكم”، مَعْطوفَةٌ عَلَيها.
قولُهُ: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} الواوُ: عاطِفَةٌ. و “ما” نَافِيَةٌ. و “كَانَ” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ. و “لِي” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ “كَانَ” المُقَدَّمِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “عَلَيْكُمْ” عَلَى: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “سُلْطَانٍ”؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَى (تَسَلَّطَ)، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضَمِّ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ علامةُ جَمْعِ المُذكَّرِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ زائدٍ، و “سُلْطَانٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ الزائدِ لَفْظًا، مرفوعٌ محلًا اسْمُ “كَانَ” مُؤَخَّرٌ، والتَقْديرُ: ومَا كانَ سُلْطانٌ عَلَيْكُمْ كائنًا لِي، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِـ “قالَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “أَخْلَفْتُكم”.
قولُهُ: {إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} إِلَّا: أَدَاةُ اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ. و “أَنْ” حَرْفُ نَصْبٍ مَصْدَرِيٌّ. و “دَعَوْتُكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِـ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ، وتاءُ الفاعِلِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلَى الاسْتِثْناءِ، والتقديرُ: وما كانَ لي عَلَيْكمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا دَعْوَتي إِيَّاكم، فالاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ كما تقدَّمَ؛ لأَنَّ دَعْوَتَهُ إِيَّاهُمْ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ السُّلْطانِ حَتَّى تُسْتَثْنَى مِنْهُ؛ أَيْ: لَكنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتم لِي. ويَجوزُ: أَنْ يكونَ مُتَّصِلًا، لأَنَّ القُدْرَةَ عَلى حَمْلِ الإنسانِ عَلَى الشَّرِّ تَارَةً تَكونُ بالقَهْرِ، وتارَةً تَكُونُ بِقُوَّةِ الداعِيَةِ في قَلْبِهِ، وَذَلِكَ بالوَسْوَسَةِ إِلَيْهِ فهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَسَلُّطِ. و “فَاسْتَجَبْتُمْ” الفاءُ: عاطِفَةٌ. و “اسْتَجَبْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٌ هوَ تاءُ الفاعِلِ، وتاءُ الفَاعِلِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، و جملةُ “اسْتَجَبْتُمْ” مَعْطوفةٌ عَلَى جملةِ “دَعَوْتُكُمْ” على كونِها في منْصوبَةً على الاستِثْناءِ. و “لِي” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “اسْتَجَبْتُمْ”، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْريعٍ. و “لا” ناهِيَةٌ جَازِمَةٌ. و “تَلُومُونِي” فِعْلٌ مُضارِعٌ مجزومٌ بِـ “لا” النَّاهِيَةِ وعلامةُ جَزْمِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجَماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلٌ. والنونُ للوِقايَةِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ”، على كونِها مَعَطوفةً عَلَى جُمْلَةِ “أَخْلَفْتُكم” المنصوبةِ بالقولِ.
قولُهُ: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} مَا: نافِيَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، أَوْ حِجَازِيَّةٌ. و “أَنَا” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، أَوْ هوَ في محلِّ رفعِ اسْمِ “مَا” الحجازيَّةِ. و “بِمُصْرِخِكُمْ” الباءُ: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “مُصْرِخِكُمْ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مرفوعٌ محلًا خبرًا للمُبْتَدَأِ، أَوْ مَنْصوبٌ مَحَلًّا خَبَرًا لـ “مَا” الحجازيَّةِ، وهو مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضمِّ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِـ “قال”. و “وَمَا” الواوُ: عاطِفَةٌ. و “ما” كسابِقتِها. و “أَنْتُمْ” مثلُ “أَنا”، و “بِمُصْرِخِيَّ” الباءُ: كسابقتها. و “مُصْرِخِي” كسابِقِهِ، مجرورٌ لفظًا أيضًا بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ وإِذا أُعربَ خَبَرًا لِـ “مَا” الحِجازِيَّةِ فهو مَنْصُوبٌ محلًا وعَلامَةُ نَصْبِهِ الياءُ أيضًا لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، وإذا أعربَ خبرًا للمبتدأِ “أَنْتُمْ” كانتْ علامةُ رفعِهِ مقدَّرةً على ما قبلِ ياءِ المتكلِّمِ مَنَعَ مِنْ ظهورِها اشْتِغَالُ المَحَلِّ بالياءِ المَجْلُوبَةِ لِحَرْفِ الجَرِّ الزائدِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكون في مَحَلِّ الجَرِّ مُضافٌ إِلَيْهِ، لأَنَّ أَصْلَهُ: مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِينَ لِي، جَمْعُ مُصْرِخٍ، كَ “مُسْلِمينَ” جَمْعُ مُسْلِمٍ، فَياءُ الجَمْعِ ساكِنَةٌ، وياءُ الإِضافَةِ ساكنةٌ كَذَلِكَ، فَحُذِفَتْ لامُ “لي” للتَّخْفيفِ، ونونُ الجمعِ المذكَّر السالمِ للإضافة، فالْتَقَى ساكِنَانِ هُمَا الياءانِ، فأُدْغِمَتْ ياءُ الجَمْعِ في ياءِ الإِضَافَةِ، ثمَّ حُرِّكَتْ ياءُ الإِضافَةِ بالفَتْحِ عَلَى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ طَلَبًا للخِفَّةِ، وتَخَلُّصًا مِنْ تَوالي ثلاثِ كَسْرَاتٍ، وكُسِرَتْ عَلَى القراءةِ غَيْرِ المَشْهورَةِ عَلى أَصْلِ التَّخَلُّصِ مِنِ الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، أَوْ اتْباعًا لِكَسْرَةِ الخاءِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ التي قَبْلَها.
قولُه: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} إِنِّي” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ لإفادةِ التوكيدِ، و ياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمًا لِـ “إنَّ”. و “كَفَرْتُ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعِلِ، وتاءُ الفاعِلِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا لـ “إنَّ”، وَجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِـ “قَالَ”. و “بِمَا” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ، و “ما” يجوزُ أَنْ تَكونَ اسمًا موصولًا بِمَعْنَى (الذي). والمُرادُ بِهَذا المَوْصولِ إمَّا الأَصْنامُ، والتَقْديرُ: بالصَّنَمِ الذي أَطَعْتُموني كَمَا أَطَعْتُمُوهُ، والعائدُ محذوفٌ، تَقْديرُهُ: بِمَا أَشْرَكْتُموني بِهِ، ثمَّ حُذِفَ بَعْدَ حَذْفِ الجَارِّ وَوُصُولِ الفِعْلِ إِلَيْهِ، وَلا حَاجَةَ إِلى تَقْديرِهِ مَجْرورًا بالباءِ؛ لأَنَّ هَذَا الفِعْلَ مُتَعَدٍّ لِواحدٍ نَحْوَ: شَرَكْتُ زَيْدًا، فلَمَّا دَخَلَتْ همزةُ النَّقْلِ أَكْسَبَتْهُ مفعولًا ثانِيًا هوَ العائدُ، فتَقُولُ: أَشْرَكْتُ زَيْدًا عَمْرًا، إذا جعلتَهُ شَريكًا لَهُ. وإِمَّا أَنَّ المُرادَ بِهَذا المَوْصولِ هو الباري تَعَالى، أَيْ: بِمَا أَشْرَكْتُموني بِاللهِ تَعَالى، والكلامُ في العائدِ كَمَا تَقَدَّمَ في الوجْهِ الأوَّل، إِلَّا أنَّ فيهِ إِيقاعَ “ما” عَلَى مَنْ يَعْلَمُ، والمَشْهورُ فِيها أَنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ، ونَحْوه قولُهم: (سبحانَ مَا سَخَّرَكُنَّ)، ومَعْنَى إِشْراكِهِمُ الشَيْطانَ باللهِ تَعَالى طاعَتُهم لَهُ فِيما كانَ يُزَيِّنُهُ لَهم مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثانِ. ومَنْ مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ “سُبْحَانَ” عَلَمًا للتَّسْبيحِ كَمَا جَعَلَ “بَرَّةَ” عَلَمًا للمَبَرَّةِ، و “ما” مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: فَيَكونُ عَلَى حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: سُبْحانَ صَاحِبِ تَسْخِيرِكُنَّ؛ لأَنَّ التَسْبيحَ لا يَلِيقُ إِلاَّ باللهِ تعالى. وَيَجُوزُ أنْ تكونَ “ما” مَصْدَرِيَّةً، أَيْ: إنِّي كَفَرْتُ بِإشْراكِكُمْ إِيَّايَ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “كَفَرْتُ” على القَوْلِ الأَوَّلِ، أَيْ: كَفَرْتُ مِنْ قَبْلُ، حِينَ أَبَيْتُ السُّجُودَ لآدَمَ بِالذِي أَشْرَكْتُمُونِيهُ، وهوَ اللهُ تَعَالَى، وهو متعلِّقٌ بِـ “أَشْرَكْتُ” علَى القولِ الثاني، أَيْ: كَفَرْتُ اليَوْمَ بَإشْراكِكُمْ إِيَّايَ مِنْ قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، أَيْ في الدُنْيَا، كَما في قَوْلِهِ تعالى مِنْ سورةِ فاطر: {وَيَوْمَ القيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} الآية: 14. وجَوَّزَ أبو البقاءِ العُكْبُريُّ تَعَلُّقَهُ بِـ “كفرْتُ” وبِـ “أشركتموني”، مِنْ غَيْرِ تَرْتيبٍ عَلى كَوْنِ “ما” مَصْدَرِيَّةً أَوْ مَوْصُولَةً فَقالَ: ومِنْ قَبْلُ: مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَشْركْتُموني”، أَيْ: كَفَرْتُ الآنَ أَشْرَكْتُموني مِنْ قَبْلُ. وقِيلَ: وهيَ مُتَعَلِّقةٌ بـ “كفرتُ” أَيْ: كَفَرْتُ مِنْ قبلِ إِشراكِكم فلا أَنْفَعُكم شيئًا. و “أَشْرَكْتُمُونِ” أشركتُ: مثلُ “كَفَرْتُ” والميمُ: علامةُ الجمع المُذكَّرِ، والواوُ: حَرْفٌ زائدٌ لإشْبَاعِ حَرَكَةِ المِيمِ، والنُّونُ: للوِقايَةِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ المَحْذوفَةِ اجْتِزاءً عَنْهَا بِكَسْرَةِ نُونِ الوِقايَةِ ضميرٌ متَّصلٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَل النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَشْرَكْتُمُونِ”، و “قَبْلُ” اسْمٌ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ في مَحَلِّ جرّ مُجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجملةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ “ما” المَصْدَرِيَّةِ، و “ما” مَعَ صِلَتِها: في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجرورٍ بالباءِ، الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقانِ بِـ “كَفَرْتُ”، والتقديرُ: إِني كَفرْتُ بإشراكِكُم إِيَّايَ بِاللهِ مِنْ قبلُ.
قولُهُ: {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} إِنَّ: حرفٌ ناصبٌ ناسِخٌ مُشبَّهٌ بالفعلِ، للتوكيدِ، و “الظَّالِمِينَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المفردِ. و “لَهُمْ” اللامُ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ. و “عَذَابٌ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ. و “أَلِيمٌ” صِفَتُهُ مرفوعةٌ مثله، وجُملةُ الابْتِداءِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنَّ”، وجُملةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لـ “قالَ” إِنْ قُلْنا: إِنَّهُ مِنْ تَمَامِ كَلامِ إِبْلِيسَ اللَّعينِ، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مِنْ كَلامِ اللهِ تعالى.
قَرَأَ العامَّةُ: {بِمُصْرِخِيَّ} عَلَى فَتْحِ الياءِ؛ لأَنَّ الياءَ المُدْغَمَ فِيها تُفْتَحُ أَبَدًا لا سِيَّما وَقَبْلَها كَسْرٌ ثانٍ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ “بِمُصْرِخِيِّ” بِكَسْرِها، وهيَ لُغَةُ بَنِي يَرْبوع. وقدِ اضطَّرَبَتْ أَقوالُ النَّاسِ في هَذِهِ القِراءَةِ اضطِّرابًا شَديدًا: فَمِنْ مُجْتَرِئٍ عَلَيْها مُلَحِّنٍ لِقَارِئِها، ومِنْ مُجَوِّزٍ لَهَا مِنْ غَيْر ِ تَضْعيفٍ، ومِنْ مُجَوِّزٍ لَهَا بِضَعْفٍ. فقال أَبُو عَمْرٍو ابنُ العلاءِ: هِيَ جائزَةٌ، وِإنَّمَا أَرادَ تَحْريكَ الياءِ، فَلَسْتَ تُبالي إِذا حَرَّكْتَها إِلَى أَسْفَلَ أَمْ إلى فَوْق. وقالَ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيِّ بْنِ الوَلِيْدِ الجُعْفِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنا أَبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ فسَأَلْتُهُ عَنِ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ بِهِ عالِمًا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ قِراءَةِ الأَعْمَشِ واسْتَشْعَرْتُهُ: “وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ” بالجَرِّ فقالَ: هيَ جائزَةٌ، فلَمَّا أَجازَها وقَرَأَ بِهَا الأَعْمَشُ أَخَذْتُ بِهَا. وقدْ أَنْكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى أَبي عَمْرٍو تَحْسِينَهُ لِهَذِهِ القِراءَةِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى إنكارِهِ هَذا لأَنَّ أَبا عمرٍو عَلَمٌ مِن ْأَعلامِ القُرْآنِ واللُّغَةِ والنَّحْوِ، وقَدِ اطَّلَعَ عَلى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَنْ فَوْقَ السَجَسْتَانِيِّ، وقد صدقَ الشاعرُ الأمويُّ جريرُ بْنُ عطيَّةَ حينَ قالَ:
وَابْنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ …….. لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ
ثمَّ ذَكَرَ العُلَمَاءُ في ذَلِكَ تَوْجيهاتٍ: مِنْها أَنَّ الكَسْرَ عَلَى أَصْلِ الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ ياءَ الإِعْرابِ سَاكِنَةٌ، وَيَاءَ المُتَكَلِّمِ أَصْلُها السُّكونُ، فلَمَّا الْتَقَيَا كُسِرَتْ لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ. الثاني: أَنَّها تُشْبِهُ هاءَ الضميرِ في أَنَّ كلًّا مِنْهُما ضَميرٌ عَلَى حَرْفٍ واحِدٍ، وهاءُ الضَميرِ تُوْصَلُ بِواوٍ إِذا كانَتْ مَضْمَومَةً، وبِيَاءٍ إِذا كانَتْ مَكْسُورَةً، وتُكْسَرُ بَعْدَ الكَسْرَةِ والياءِ السَّاكِنَةِ، فَتُكْسَرُ كَمَا تُكْسَرُ الهاءُ في (عَليْهِ)، وبَنُو يُرْبوعٍ يَصِلونَهَا بِيَاءٍ، كَمَا يَصِلُ ابْنُ كَثيرٍ بِيَاءٍ نَحْوَ: (عَلَيْهِ) فيقرأُ (عَلَيْهِي)، فحَمْزَةُ كَسَرَ هَذِهِ الياءَ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ، إِذْ أَصْلُهُ يَقْتَضِي عَدَمَها. وَزَعَمَ قُطْرُبٌ أَيْضًا أَنَّها لُغَةُ بَني يُرْبوعَ، فقالَ: يَزيدونَ عَلى ياءِ الإِضافَةِ ياءً، وأَنْشَدَ لِلشاعِرِ الراجزِ الأَغْلَبِ العِجْلِيِّ:
ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِيِّ ………………. قالَ لَهَا: هَلْ لَكِ ياتَا فِيَّ
وأَنْشَدَهُ الفَرَّاءُ وَقالَ: فإِنْ يَكُ ذَلِكَ صَحيحًا فهوَ مِمَّا يَلْتَقي مِنَ السَّاكِنَيْنِ. وقالَ الفَرَّاءُ في كِتابِ التَصْريفِ له: زَعَمَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ أَنَّهُ صَوَابٌ، وَكَانَ ثِقَةً بَصِيرًا.
ومِمَّنْ طَعَنَ عَلَ هذِهِ القراءةِ أَبُو إِسْحاقٍ الزَّجاجُ إِبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ سَهْلٍ، قالَ: هذه القراءَةُ عِنْدَ جَميعِ النَّحْوِيّينَ رَديئَةٌ مَرْذُوْلَةٌ وَلا وَجْهَ لَهَا إِلَّا وَجْهٌ ضَعيفٌ. وقالَ أَبو جَعْفَرٍ النحَّاسُ: صارَ هَذَا إِدْغامًا، ولا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى عَلَى الشُّذوذِ. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: هيَ ضَعيفةٌ، واسْتَشْهَدوا لِهَا بِبَيْتٍ مجهولٍ، وكأَنَّهُ قدَّرَ ياءَ الإِضافَةِ سَاكِنَةً، وَقَبْلَها ياءٌ سَاكِنَةٌ، فَحَرَّكَها بالكَسْرِ لِمَا عَلَيْهِ أَصْلُ الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ صَحيحٍ؛ لأَنَّ ياءَ الإِضافَةِ لا تَكونُ إِلَّا مَفْتُوحَةً حَيْثُ قَبْلَهَا أَلِفٌ، نحَوَ: (عَصَايَ) فَمَا بالُها وقَبْلَها ياءٌ؟ فإنْ قُلْتَ: جَرَتِ الياءُ الأُولى مَجْرَى الحَرْفِ الصَّحِيحِ لأَجْلِ الإِدْغامِ فَكَأَنَّها ياءٌ وَقَعَتْ ساكِنَةً بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ سَاكِنٍ فَحُرِّكَتْ بالكَسْرِ عَلَى الأَصْلِ. وهذَا قِياسٌ حَسَنٌ، ولكنَّ الاسْتِعْمَالَ المُسْتَفِيضَ الذي هوَ بِمَنْزِلَةِ الخَبَرِ المُتَواتِرِ تَتَضاءَلُ إِلَيْهِ القِياساتُ. وقال الفرَّاءُ في كتابِ (المعاني) له: وقد خَفَضَ الياءَ مِنْ “بمُصْرِخِيّ” الأَعْمَشُ ويَحيى بْنُ وثابٍ جَميعًا، حَدَّثني بِذلكَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ عَنِ الأَعْمَشِ، ولَعَلَّها مِنْ وَهْمِ القُرَّاءِ، فإنَّهُ قَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهم مِنَ الوَهْمِ، ولَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ الباءَ في “بمُصْرِخِيَّ” خافضَةٌ للفْظِ كُلِّهِ، والياءُ للمُتَكَلِّمِ خارجةٌ مِنْ ذَلِكَ. قالَ: ومما نَرى أَنَّهم وَهِمُوا فيهِ قولُهُ تعالى: {نُوَلِّهْ مَا تولى وَنُصْلِهْ جَهَنَّمَ} سُورةِ النِّساءِ الآية: 115، بالجَزمِ في الهاءِ.
وقالَ أبو عُبيدٍ: أَمَّا الخَفْضُ فإنَّا نَراهُ غَلَطًا، لأَنَّهم ظَنُّوا أَنَّ الياءَ تُكْسِرُ كلَّ ما بَعْدَها، وقد كان في القرَّاءِ مَنْ يَجْعَلُهُ لَحْنًا، ولا أُحِبُّ أَنْ أَبْلُغَ بِهِ هَذا كُلِّهُ، ولكنَّ وَجْهَ القراءةِ عندنا غَيْرُها. وقالَ الأَخْفَشُ: ما سَمِعْتُ بِهَذا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَرَبِ وَلا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيين.
وقد تقدَّم ما حَكَاهُ العُلَماءُ مِنْ أَنَّها لُغَةٌ ثانيةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وقالَ أبو عليٍّ الفارسيُّ، في (حُجَّتِهِ) نُصْرَةً لهَذِهِ القِراءَةِ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الياءَ لَيْسَتْ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ، فالياءُ في النَّصْبِ والجرِّ كالهاءِ فِيهِما، وكالكافِ في (أَكْرَمْتُكَ) و (هَذَا لَكَ)، فَكَما أَنَّ الهاءَ قَدْ لَحِقَتْها الزِّيادَةُ في هَذا: (لَهُوْ)، و (ضَرَبَهُوْ)، ولَحِقَ الكافَ أَيْضًا الزِّيادَةُ في قولِ مَنْ قالَ: (أَعْطَيْتُكاه) و (أَعْطَيْتُكِيْه) فيما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، وهُما أُخْتا الياءِ، ولَحِقَتِ التاءَ الزِّيادَةُ في قوِلِ الشَّاعِرِ مِنَ الهَزَجِ:
رَمَيْتِيْهِ فَأَصْمَيْتِ …………………………. وما أَخْطَأْتِ في الرَّمْيَهْ
بِسَهْمَيْنِ مَلِيحَيْنِ ……………………………. أَعَارَتِكِيهما الظِّبْيَهْ
كذَلكَ أَلْحَقوا الياءَ الزِّيادَةَ مِنَ المَدِّ فقالوا: (فِيَّ)، ثمَّ حُذِفَتِ الياءُ الزائدةُ عَلى الياءِ كَمَا حُذِفَتِ الزِّيادةُ مِنَ الهاءِ في قولِ يَعْلى الأَحْوَلِ الأَزْدِيِّ يَصِفُ بَرْقًا:
أَرِقْتُ لِبَرْقٍ دُونَه شَرَوانِ ………………. يَمانٍ وأَهْوَى البَرْقَ كُلَّ يَمانِ
فَبِتُّ لَدَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أخِيلُهُ ………….. وَمِطْوايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقَان
قالَ ابْنُ جِنِّي جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، يَعْني إِثْباتَ الواوِ في أُخِيلُهو وإِسْكانَ الهاءِ في (لَهْ) وليسَ إِسْكانُ الهاءِ في (لَهْ) عَنْ حَذْفٍ لَحِقَ الكَلِمَةَ بالصَّنْعَةِ وهَذا في لُغَةِ أَزْدِ السَّراةِ كَثيرٌ. ومُرادُ أَبي عَلِيٍّ بِالتَنْظيرِ بالبَيْتِ في قولِهِ: (لَهْ أَرِقانِ) حَذْفُ الصِلَةِ، واتَّفَقَ أَنَّ في البَيْتِ أَيْضًا حَذْفُ الحَرَكَةِ، ولَوْ مَثَّلَ بِنَحْوَ (عَلَيْهِ) و (فِيهِ) لَكانَ أَوْلى.
ثمَّ قالَ الفَارِسِيُّ: كَمَا حُذِفَتْ الزِّيادَةُ مِنَ الكافِ فَقِيلَ: أَعْطَيْتَكَهُ وأَعْطَيْتُكِهِ، كَذَلِكَ حُذِفَتِ الياءُ اللاحِقةُ للياءِ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ أُخْتَيْها، وأُقِرَّتِ الكَسْرَةُ التي كانَتْ تَلي الياءَ المَحْذوفَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ عَلَى مَا كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الكَسْرِ. قالَ: فإِذا كانَتِ الكَسْرَةُ في الياءِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ ـ وإِنْ كانَ غَيْرُها أَفْشَى مِنْها، وعَضَدَهُ مِنَ القِياسِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَجُزْ لِقائلٍ أَنْ يَقولَ: إِنَّ القِراءَةَ بِذَلِكَ لَحْنٌ لاسْتِقامَةِ ذَلِكَ في السَّمَاعِ والقِياسِ، وَمَا كانَ كَذَلِكَ لا يَكونُ لَحْنًا. وهذا التَوْجِيهُ هوَ تَوْضيحٌ للتَوْجيهِ الثاني الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأَمَّا التَوْجيهُ الأَوَّلُ فَأَوْضَحَهُ الفَرَّاءُ أَيْضًا، وأَجَازَهُ عَلى وَجْهٍ ضَعيفٍ لأَنَّ أَصْلَ الْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ الكَسْرُ. قالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهم يَقولونَ: مُذُ اليَوْمِ، ومُذِ اليَوْمِ، والرَّفْعُ في الذَّالِ هوَ الوَجْهُ، لأَنَّهُ أَصْلُ حَرَكَةِ (مُنْذُ)، والخَفْضُ جائزٌ، فَكَذَلِكَ الياءُ مِنْ (مُصْرِخيَّ) خُفِضَتْ وَلَها أَصْلٌ في النَّصْبِ. وتَشبيهُ الفَرِّاءِ المَسْأَلَةَ بـ (مُذُ اليَوْمِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الحَرْفَ الأَوَّلَ صَحيحٌ، وَلَمْ يَتَوالَ قَبْلَهُ كَسْرٌ، بِخِلافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَهَذا هوَ الذي عَنَاهُ الزَمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَكَأَنَّها وَقَعَتْ بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ.
وقيلَ إنَّ الكسْرَ للإِتْباعِ لِمَا بَعْدَهَا، وهوَ كَسْرُ الهَمْزِ مِنْ “إنِّي” كقراءَةِ {الحَمْدِ للهِ}، وكَقولِهم: بِعِير، وشِعِير، وشِهيد، بِكَسْرِ أَوائِلها إِتْباعًا لِمَا بَعْدَهَا، وهوَ ضَعيفٌ جِدًّا.
وقيلَ: إنَّ المُسَوِّغَ لِهَذا الكَسْرِ في الياءِ ـ وإِنْ كانَ مُسْتَثْقَلًا، أَنَّها لَمَّا أُدْغِمَتْ فِيها التي قَبْلَها قَوِيَتْ بالإِدْغَامِ، فَأَشْبَهَتِ الحُروفَ الصِّحاحَ فاحْتَمَلَتِ الكَسْرَ؛ لأَنَّهُ إِنَّما يُسْتَثْقَلُ فيها إِذا خَفَّتْ وانْكَسَرَ مَا قَبْلَها، أَلَا تَرَى أَنَّ حَرَكاتِ الإِعْرابِ تَجْري عَلى المُشَدِّدِ، وَما ذَاكَ إلَّا لإِلْحاقِهِ بالحُرُوفِ الصِّحاحِ.
قرأَ الجمهورُ: {أَشْرَكْتُمونِ} بحذْفِ ياءِ المتكلِّمِ وصلًا ووقْفًا، وَقَرَأَ أَبو عَمْرٍو بْنُ العلاءِ “أَشْرَكْتُموني” بإثباتِ الياءِ وَصْلًا وحَذْفِها وَقْفًا.
وقُرِئَ “فلا يَلُوْموني” بالياءِ مِنْ تَحْتُ عَلَى الالْتِفاتِ، كَقَوْلِهِ تعالى مِنْ سورةِ يونُسَ: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} الآية: 22.
 
 
 


الموسوعة القرآنية فيض العليم… سورة إبراهيم، الآية: 21
 
وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا} أَي: ظَهَرُوا أَمَامَ اللهِ جَمِيعًا، بَعْدَ أَنْ بَعَثَهمُ اللهُ تَعَالى، وَأَنْشَرَهمْ مِنْ قُبُورِهمْ وَجَمَعَهمْ يَوْمَ الحَشْرِ، فَكانُوا أَمَامَ اللهِ تَعَالى، وَقَدْ عَصَوْهُ وكذبوا بلقائهِ، وَقالُوا: {أَئِذَا كُنًا ترَابًا أَئِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} الآيةَ: 5، مِنْ سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَدْ أَشْرَكُوا بِهِ، وجَعَلُوا لهُ أَنْدادًا مِمَّا لَا نَفْعَ لهُ ولا ضَرَرَ. وبَرَزَ فِي اللُّغَةِ: مَعْنَاهُ ظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءِ. وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْمَكَانِ الْوَاسِعِ: الْبَرَازُ لِظُهُورِهِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تعالى مِنْ سُورَةِ الكَهْفِ: {وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً} الْآية: 47، أَيْ ظَاهِرَةً لَا يَسْتُرُهَا شَيْءٌ، وَامْرَأَةٌ بَرْزَةٌ إِذَا كَانَتْ تَظْهَرُ لِلنَّاسِ. وَيُقَالُ: بَرَزَ فُلَانٌ عَلَى أَقْرَانِهِ إِذَا فَاقَهُمْ وَسَبَقَهُمْ، وَأَصْلُهُ فِي الْخَيْلِ إِذَا سَبَقَ أَحَدُهَا. قِيلَ: بَرَزَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ غِمَارِهَا فَظَهَرَ. وَالمرادُ من “برزوا” أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِحِسَابِ اللهِ تَعالى لَهُمْ وَحُكْمِهِ عَلَيْهم، يُقَالُ: بَرَزَ لِفُلَانٍ، إِذَا ظَهَرَ لَهُ، وحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: ظَهَرَ لَهُ. أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ الْعُيُونِ عِنْدَ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ خَافٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ انْكَشَفُوا للهِ تَعَالَى، وَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. وَأَوَّلَ الْحُكَمَاءِ ذلك بأَنَّ النَّفْسَ إِذَا فَارَقَتِ الْجَسَدَ فَكَأَنَّهُ زَالَ الْغِطَاءُ وَالْوِطَاءُ وَبَقِيَتْ مُتَجَرِّدَةً بِذَاتِهَا عَارِيَةً عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْبُرُوزُ للهِ، لأَنَّ البُروزَ بِمَعْنَى الظُهُورِ بَعْدَ خَفَاءٍ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى. وَجاءَ “بَرَزُوا” بِلَفْظِ الْمَاضِي وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَهُوَ صِدْقٌ وَحَقٌّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ وَدَخَلَ فِي حيِّزِ الْموْجُوداتِ، وَنَظِيرُ هُذا قَوْلُهُ تعالى مِنْ سُورةِ الْأَعْرَافِ: {وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ} الآية: 50. و “جميعًا” إشارةٌ إِلى أَنَّهُ قدْ جَمَعَ التَّابِعَ والمَتْبوعَ والأَبْيَضَ والأَسْوَدَ، والعَرَبِيَّ والأَعْجَمِيَّ، وكانوا بَيْنَ يَدِيِ اللهِ تعالى وَحْدَهُ.
قولُهُ: {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} الضُّعَفَاءُ: همْ عَوَامُّ النَّاسِ ومَساكينُهم والبُسَطاءُ وَالْأَتْبَاعُ. وَ “الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا” همُ زعماءُ الناسِ وكُبَراؤُهم والسَّادَةُ، لِأَنَّهُمْ في العادةِ يَتَكَبَّرُونَ عَلَى العَومِّ، وَكَانَ التَّكَبُّرُ دأْبَهم وشِعَارَهم. وَالسِّينُ وَالتَّاءُ في “اسْتَكْبَرُوا” لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكِبْرِ. وَ “تَبَعًا” التَّبَعُ: اسْمُ جَمْعٍ، وهمُ الْخَدَمُ وَالْخَوَلُ، وكلُّ مَنْ تَبِعَ السادةَ والمُتَزَعِّمينَ، وَالْفَاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِكْبَارِ عَلَى التَّبَعِيَّةِ لِأَنَّهَا سَبَبٌ يَقْتَضِي أَنْ يَشْفَعوا لَهُمْ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “تَبَع” جَمْعُ “تابِع” كَ “خادِم” و “خَدَم” و “غائِب” و “غَيَب”، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا، نَحْوَ: قوْمٌ عَدْلٌ، ففِيهِ ثلاثَةُ التَأْويلاتِ المَشْهُورَةِ.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “فَقَالَ الضُّعَفَاءُ” قَالَ: الأَتْبَاعُ “للَّذينَ اسْتَكْبَرُوا” قَالَ: للقادَةِ.
قولُهُ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ} الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِـ “هَلْ” كَوْنُ الْمُسْتَكْبِرِينَ يُغْنُونَ عَنْهُمْ، لَا أَصْلُ الْغَنَاءِ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ لا أَمَلَ لهم بشيءٍ مِنْ ذلك، فقد رَأَوْا آثَارَ الْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى سَادَتِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذلك حِكَايَةُ قَوْلِ الْمُسْتَكْبِرِينَ “سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ” فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ غَرُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَوْبيخِ والتَهَكُّمِ والتَبَكِيتِ، أَيْ فَأَظْهِرُوا مَكَانَتَكُمْ عِنْدَ اللهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَهَا وَتَغُرُّونَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا. وَنَظِيرِ هذهِ الآيةِ قولُ مِنْ سُورَةِ غَافِرٍ: {وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ} الآيَتان: (47) و (48). وهذا هوَ مُوجِبُ تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ فِي “فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا” فَإِيلَاءُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
قولُهُ: {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} أَيْ: لَوْ هَدَانَا اللهُ إِلى الإيمانِ لَهَدَيناكمْ إِلَيْهِ. أَو: لَوْ هَدَانَا اللهُ إِلَى طَريقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم إِلَيْها. وقيل: المُرادُ: لَوْ نَجَّانَا اللهُ مِنَ العَذابِ لَنَجَّيْنَاكُمْ مِنْهُ.
قولُهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ كلامِ المُسْتَكْبِرينَ. وقيلَ: هوَ مِنْ كلامِ المُسْتَكْبِرينَ والضُعفاءِ مَعًا. وجاءَتْ كلٌّ جملةٍ مستقلةً من غيرِ عاطفٍ للدَلالَةِ على أَنَّ كلًّا مِنَ المَعاني مُسْتَقلٌّ بِنَفْسِهِ كافٍ في الإِخبارِ، وَالْجَزَعُ: هو حُزْنٌ مَشُوبٌ بِاضْطِرَابٍ، والجَزَعُ أَيضًا: عدمُ احتمالِ الشِّدَّةِ. ومن ذلك قولُ الشاعِرِ الجاهليِّ امْرُؤُ القَيْسِ:
جَزِعْتُ ولم أَجْزَعْ من البَيْنِ مَجْزِعًا …… وعَزَّيْتَ قلبًا بالكواعب مُولَعا
وقال الراغبُ الأصفهانيُّ: أَصْلُ الجَزَعِ: قَطْعُ الحَبْلِ مِنْ نِصْفِهِ يُقالُ: جَزَعْتُهُ فانْجَزَعْ، ولتصَوُّرِ الانقطاعِ فيهِ قِيلَ: جَزْعُ الوادي لمُنْقَطَعِهِ، ولانقطاعِ اللونِ بتغيُّره. قيل للخرزِ المتلوِّن: جَزْعٌ، واللحمُ المُجَزَّع ما كان ذا لونين، والبُسْرَة المُجَزَّعَة أن يَبْلغَ الإِرطابُ نصفَها، والجازِع خشبةٌ تُجعل في وسط البيت تلْقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وكأنه سُمِّي بذلك تَصَوُّراً لجَزَعِهِ لِما حُمِل عليه من العِبْء أو لقطعِه وسطَ البيت. والجَزَعُ أخصُّ من الحزن، فإنَّ الجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِف الإِنسان عمَّا هو بصددِه. وَ “الْمَحِيصُ” مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَالْمَغِيبِ وَالْمَشِيبِ وَهُوَ النَّجَاةُ. يُقَال: حَاصَ عَنْهُ، أَيْ نَجَا مِنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ مِنْ حَاصَ أَيْضًا، أَيْ مَا لَنَا مَلْجَأٌ وَمَكَانٌ ننجو فِيهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا” قَالَ: جَزِعُوا مِئَةَ سَنَةٍ وصَبَرُوا مِئَةَ سَنَةٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ أَهْلِ النَّارِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نَبْكِ وَنَتَضَرَّعَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَإِنَّمَا أَدْرَكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ بِبُكائهمْ وَتَضَرُّعِهمْ إِلَى اللهِ، فَبَكَوْا فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك لَا يَنْفَعَهُمْ قَالُوا: تَعَالَوْا نَصْبِرْ فَإِنَّمَا أَدْرَكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ بِالصَّبْرِ، فَصَبَروا صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِك قَالُوا: “سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ”.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا أَحْسَبُ، فِي قَوْله تعالى: “سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ” قَالَ: يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَصْبِرْ، فيَصْبِرونَ خَمْسَمِئَةِ عَامٍ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك لَا يَنْفَعُهُمْ، قَالُوا: هَلُمُّوا فَلْنَجْزَعْ، فَيَبْكونَ خَمْسَمِئَةِ عَامٍ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ، قَالُوا: “سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ”. والمَحيصُ: يكون مصدرًا ويكون مكانًا. وأَيضًا يُقالُ: جاض بالضاد المعجمة وجَيْضًا، بها وبالجيم.
وقَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُونَ فِي النَّارِ تَعَالَوْا نَجْزَعُ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِئَةِ عَامٍ فَلَا يَنْفَعُهُمُ الْجَزَعُ، ثُمَّ يَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَصْبِرُ فيصبرون خمسمئة عام فلا بنفعهم الصبر، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ النَّارِ استغاثوا بالخزنة، كما قال تَعَالَى في سورةِ غافر: {وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ} الآية: 49، فرَدَّتِ الخَزَنَةُ عليهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى} الآية: 50، من ذات السورة. فردت الخزنة عليهم: {قَالُوا: فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} الآية: 50، من ذات السورة، فَلَمَّا يَئِسُوا مِمَّا عِنْدَ الْخَزَنَةِ نَادَوْا: {يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} الآية: 77، مِن سورةِ الزُّخْرُفِ، سَأَلُوا الْمَوْتَ فَلَا يُجِيبُهُمْ ثمانين سَنَةً والسنَةُ ثلاثمِئةٍ وستون يَوْمًا وَالْيَوْمُ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ لَحَظَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الثمانين {إِنَّكُمْ ماكِثُونَ} سورة الزخرف، الآية: 77، فلما أَيِسوا مِمَّا قَبْلَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا تَرَوْنَ فَهَلُمُّوا فَلْنَصْبِرْ فَلَعَلَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُنَا كَمَا صَبَرَ أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَنَفَعَهُمْ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الصَّبْرِ فَطَالَ صَبْرُهم، ثم جَزِعُوا، فطال جزعهم، فَنَادَوْا “سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ”، أيْ: مِنْ مَنْجاة.
قولُهُ تعالى: {وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا} الواو: للاسْتِئْنافِ، و “بَرَزُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والألفُ فارقٌ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “للهِ” اللامُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “بَرَزُوا”. واسْمُ الجلالةِ “اللهُ” في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و “جَمِيعًا” منصوبٌ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “بَرَزُوا”.
قولُهُ: {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} الفَاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَرْتيبٍ، و “قالَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الضُعَفاءُ” فاعِلُهُ مَرفوعٌ بِهِ، و “لِلَّذِينَ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قَالَ”، و “الذينَ” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ مَعْطوفةٌ عَلَى جُمْلَةِ “بَرَزُوا”. و “اسْتَكْبَرُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والأَلِفُ للتفريقِ، وهذه الجُملةُ الفعليَّةُ صِلَةُ الاسْمِ الموصولِ “الذين” لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} إِنَّا: “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ يفيدُ التوكيدَ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ اسُمُهُ. و “كُنَّا” فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ اسْمُ “كانَ”. و “لَكُمْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلّ الجرِّ بحرف الجرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “تَبَعًا” خَبَرُ “كان”، وجُمْلَةُ كانَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قال”.
قولُهُ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ} الفاءُ : حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْريعٍ للدَّلالةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الإتِّباعِ للاعْتِناءِ. و “هلْ” للاسْتِفْهامِ التَوبْيخيِّ. و “أَنْتُمْ” ضميرٌ منفصِلٌّ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و “مُغْنُونَ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمع المذكَّرِ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجُملَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا عَلى الجُمْلةِ التي قَبْلَها عَلى كَوْنِها مَنصوبةً بالقولِ. و “عَنَّا” و “عَنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ “مُغْنُونَ”، و “نا” ضميرٌ متِّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ حالٍ مِنْ “شَيْءٍ” لأَنِّهُ صِفَةُ نَكِرَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْها. وقيلَ هيَ بَدَلِيَّةٌ هُنَا، أَيْ غَنَاءً بَدَلًا عَنْ عَذَابِ اللهِ. و “عَذَابِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، واسمُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٍ. و “شَيْءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، منصوبٌ محلًّا على أنَّهُ مفعولُ “مُغْنُونَ” لأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ يَعْمَلُ عَمَلَ الفَصيحِ الصَّحيحِ.
وقالَ أبو القاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ: في “مِنْ” مِنْ قوْلِهِ: “مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ” أَوجهٌ:
أَحَدُها: أَنَّ: “مِنْ” الأُولى للتَّبْيينِ، والثانِيَةَ للتَّبْعيضِ، تَقْديرُهُ: مُغْنُون عَنَّا بَعْضَ الشَّيْءِ الذي هوَ عَذابُ اللهِ. قالَ الشَّيْخُ أَبو حيَّانَ الأندلُسِيُّ: هذَا يَقْتَضي التَّقديمَ في قوْلِهِ: “مِن شَيْءٍ” عَلى قولِهِ: “مِنْ عَذَابِ الله” لأّنَّهُ جَعَلَ “مِن شَيْءٍ” هوَ المُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ “مِنْ عَذابِ”، و “مِنْ” التَبْيِينِيَّةُ مُقدَّمٌ عَلَيْها مَا تُبَيِّنُهُ ولا يَتَأَخَّرُ. قالَ السمينُ: كلامُ الزَمَخْشَرِيِّ صَحيحٌ مِنْ حَيْثُ المَعْنَى، فإنَّ “مِنْ عَذَابِ اللهِ” لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ “شيء” كانَ صِفَةً لَهُ ومُبَيِّنًا، فَلَمَّا تَقَدَّمَ انْقَلَبَ إِعْرابُهُ مِنَ الصِّفَةِ إِلى الحالِ، وأَمَّا مَعْنَاهُ، وهوَ البَيانُ، فَبَاقٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
ثانيها: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيضًا: أَنْ تَكُونَا معًا للتَبْعيضِ، بِمَعْنَى: هَلْ أَنْتُمْ مُغْنُوْنَ عَنَّا بَعْضَ شَيْءٍ هوَ بَعْضُ عَذابِ اللهِ؟ أَيْ: بَعْضَ عَذابِ اللهِ، فردَّ الشيْخُ أبو حيَّانَ: وهذا يَقتضي أَنْ يَكونَ بَدَلًا، فيكونَ بدلَ عامٍّ مِنْ خاص، وهذا لا يُقال؛ فإنَّ بَعْضِيَّةِ الشَّيْءِ مُطْلَقَةٌ، فَلا يَكونُ لَهَا بَعْضٌ. قالَ السمينُ الحلبيُّ: لا نِزَاعَ أَنَّهُ يُقالُ: بَعْضُ البَعْضِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ مُتَدَاوَلَةٌ، وذَلِكَ البَعْضُ المُتَبَعِّضُ هوَ كُلٌّ لأَبْعاضِهِ، بَعْضٌ لِكُلِّهِ، وهَذا كالجِنْسِ المُتَوَسِّطِ هوَ نَوْعٌ لِمَا فوْقَهُ، جِنْسٌ لِما تَحْتَهُ.
الثالثُ: أَنَّ “مِنْ” في قولِهِ: “مِن شَيْءٍ” مَزيدَةٌ، و “مِنْ” في قولِهِ: “مِنْ عَذَابِ” فيها وَجْهَانِ كما تقدَّمَ أَعْلاهُ، الأَوَلُ: أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفٍ، لأَنَّها في الأَصْلِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ، فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ نُصِبَتْ عَلَى الحالِ. والثاني: أَنْ تتعلَّقَ بِنَفْسِ “مُغْنُوْنَ” عَلَى أَنْ يَكونَ “مِنْ شَيْءٍ” واقعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، أَيْ: غِنَى. وَهَذَا يُوضِحُ مَا قالَهُ العُكْبُريُّ أَبو البَقاءِ، قال: و “مِنْ” زائدَةٌ، أَيْ: شَيْئًا كائنًا مِنْ عَذابِ اللهِ، ويَكونُ مَحْمُولًا عَلَى المَعْنَى والتَقديرُ: هَلْ تَمْنَعونَ عَنَّا شَيْئًا؟. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “شَيْءٌ” واقعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، أَيْ: غِنَى، فَيَكُونُ “مِنْ عَذَابِ اللهِ” مُتَعَلِّقًا بـ “مُغْنُوْن”. وَقَالَ الحُوفِيُّ أَيْضًا و “مِنْ عَذَابِ اللهِ” مُعْتَلٌّ بـ “مُغْنُون”، وَ “مِنْ” في “مِنْ شَيْءٍ” لاسْتِغْراقِ الجِنْسِ زَائدةٌ للتَوْكِيدِ. وَ “مِنْ” فِي قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِوُقُوعِ مَدْخُولِهَا فِي سِيَاقِ الِاسْتِفْهَامِ بِحَرْفِ هَلْ. وشَيْءٍ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَحَقُّهُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَوَقَعَ جَرُّهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ. وَالْمَعْنَى: هَلْ تُغْنُونَ عَنَّا شَيْئًا.
قولُهُ: {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} قَالُوا: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ للتَفْريقِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “لَوْ” حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جازِمٍ. و “هَدَانَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقَدَّرِ عَلَى آخِرِهِ لِتَعَذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، واسْمُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مَرْفوعٌ بِهِ، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطِ “لَوْ” فلا محلَّ لَهَا مِنَ الإعراب. و “لَهَدَيْنَاكُمْ” اللامُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “لَوْ”. و “هَدَيْنَاكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتَّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه جَوابُ شرطٍ لـ “لَوْ” فَلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “لَوْ” الشَّرْطِيَّةِ منْ فعلِ شَرْطِها وجوابِها، في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ قولٍ لـ “قَالُوا”.
قولُهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} سَوَاءٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِمُبْتَدَأٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ الجُمْلَةِ التي بَعْدَها. و “عَلَيْنَا” على: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “سواءٌ” لأَنَّهُ بِمَعْنَى “مُسْتَوٍ” و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “أَجَزِعْنَا” الهَمْزَةُ: حرفٌ مَصْدريٌّ لِتَأْكِيدِ والتَسْوِيَةِ. و “جَزِعْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الرفعِ على الفاعليَّةِ. و “أَمْ” للعَطْفِ. و “صَبَرْنَا” مثلُ “جَزِعْنَا” معطوفٌ عليهِ، وجُمْلَةُ “جَزِعْنَا” مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ: في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلى كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا لِـ “سَوَاءٌ” والتَقديرُ: جَزَعُنَا وَصَبْرُنا مُسْتَوٍ عَلَيْنَا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بـ “قَالُوا”.
قولُهُ: {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} “مَا” حِجازِيَّةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، أَوْ تَمِيَّمِيَّةٌ. و “لَنَا” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِـ “مَا”، أو للمُبْتَدَأِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ زائدٍ. و “مَحِيصٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مرفوعٌ محلًا على أنَّهُ مبتدأٌ مُؤَخَرٌ، أَوِ اسْمُ “مَا” المُؤَخَّرُ، والتَقْديرُ: مَا مَحيصٌ كائنٌ لَنَا، أَوْ كائنًا لَنَا.


الموسوعة القرآنية فيض العليم… سورة إبراهيم، الآية: 20

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (20)

قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} أي: وليس الذهابُ بكمْ والإتيانُ بخلقٍ جديدُ مستحدَثٍ مكانَكم عَلَى غَيْرِ مِثالٍ سابقٍ أَمْرًا صعبًا عليْهِ ـ سبحانَهُ وتَعالى، ولا متعذِّرًا أبدًا، بلْ هو أمرٌ يسيرٌ في غايةِ السهولةِ والبساطةِ واليُسْرِ، لأنَّه ـ جَلَّ جلالُهُ، إذا أرادَ شيئًا فإنَّما يقولُ لهُ (كُنْ فيكون)، فمتى توجَّهتْ إرادتُه تعالى إلى شيْءٍ بالإيجادِ وُجِدَ بالصفاتِ التي أرادَها اللهُ في هذا المخلوقِ على أَتمِّ وجهٍ وأكملِه. ومَنْ هذا شَأْنُهُ حَقيقٌ بِأَنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُرْجَى ثوابُهُ ويُخْشَى عِقابُهُ.
قولُهُ تَعالى: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} الواوُ: للعِطْفِ، و “ما” حِجازِيَّةٌ، أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “ذَلِكَ” ذا: اسمُ إِشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ، اسْمُهَا، إنْ كانت حجازيَّةً، أَوْ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ إنْ أُعرِبتْ تميميَّةً، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ للخطابِ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “عَزِيزٍ” ولَفْظُ الجلالةِ “اللهِ” اسْمٌ مَجْرورٌ بحرْفِ الجَرِّ. و “بِعَزِيزٍ” الباء: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “عزيزٍ” مجرورٌ لَفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مرفوعٌ محلًا على أنَّهُ خبرٌ “ما” الحجازيَّةِ، أو خَبَرُ المبتدَأِ إنْ كانتْ “ما” تَميمِيَّةً، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ “إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ” مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِهَا، أو مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعراب.


َلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ

(19)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنَهَ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} بِمَا أَنَّهُ ـ جَلَّ وعَزَّ، أَخْبَرَ في الآياتِ الثلاثِ السَّابِقاتِ عَمَّا أَعَدَّه للكافرينَ مِنْ عذابٍ في الآخرةِ، فقد أتى بهذه الآيةِ الكريمةِ بعدها ببرهانٍ على أَنَّه قادرٌ على ذلك، لأنَّ الكفرةَ يشكَّونَ في قدرتِهِ تعالى على جمعهم بعد أَن تبلى أجسادهم وتبدَّدَ، كما أخبر هنهم في الآيةِ: 78، مِنْ سُورَةِ (يَس) فقال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} وردَّ عليهم على شبهتهم هذه هناكَ في الآيةِ التي تليها فقالَ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} الآية: 79، منْ سورةِ (يس). أمَّا هنا فقد جاءَ بِبُرْهانٍ مُفْحِمٍ آخَرَ، لِمَا قَدْ يَسْتَعْظِمونَهُ مِنْ خَلْقِهم مَرةً ثانيةً ليُحاسِبَهم عَلَى مَا اقْتَرَفُوهُ ويُعَذِّبَهم عَلَى كُفْرِهمْ وعِصْيانِهم.

فالخِطَابُ للرَسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُخْبِرُهُ فِيهِ عَنْ عظيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ الأَبْدَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ، والمُرادُ بِهذا الخِطابِ أُمَّتُهُ ـ عليهِ صلاةُ اللهِ وَسَلامُهُ، الذينَ بُعِثَ إِلَيْهم، وَقِيلَ: هوَ خِطابٌ للكَفَرَةِ خاصَّةً لِقَوْلِهِ فيهِ: “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ” أي: يُعْدمكم.

وقد رَتَّبَ قُدْرَتَهُ تَعَالى عَلَى ذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ السَّمَواتِ والأَرْضِ عَلى هَذَا النَمَطِ البَديعِ إِرْشادًا إِلى طَريقِ الاسْتِدْلالِ، فإنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ مِثْلِ ها تيكَ الأَجْرامِ العَظيمةِ كانَ عَلى تَبْديلِ خَلْقٍ آخَرَ بِهِمْ أَقْدَرَ.

 والرُّؤْيةُ هُنَا في قولِهِ “أَلَمْ تَرَ” رُؤْيَةٌ قَلْبِيَّةٌ، رؤيةُ بَصَرٍ وبَصِيرةٍ، فإنَّ اللهَ تَعَالى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحِكْمَةِ عَلَى أَكْمَلِ صُورَةٍ، وَأَحْسَنِ خَلْقٍ، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، فإنَّ مَنْ يَنْظُرْ ويُعْمِلْ فِكْرَهُ في هَذا الخَلْقِ العَظيمِ العَجيبِ يَعْلَمْ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ الذِي قَدِرَ عَلَى خَلْقِ كُلِّ مَا فِي هَذا الكَوْنِ العَظِيمِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ البَشَرِ مِنْ جَدِيدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ وقادرٌ عَلَى تَعْذيبِهمْ بِمَا يَشَاءُ مِنْ شَديدِ العَذابِ.

قولُهُ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَ النَّاسَ إَنْ شَاءَ، وَعَلَى أَنْ يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرَهُمْ.

قولُهُ تَعَالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أَلَمْ: الهمزة: للاسْتِفْهامِ التَقْريريِّ. و “لم” حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ. و “تَرَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَجْزومٌ بِـ “لم” وعَلامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ العِلَّةِ مِنْ آخرِهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنت) يَعودُ عَلَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أَوْ عَلَى كلِّ مَنْ هو أهلٌ للخطابِ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “أَنَّ حرفٌ ناصبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، ولفظُ الجلالةِ ” اللهَ” اسُمُهُ منصوبٌ بِهِ. و “خَلَقَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى “اللهَ” تعالى. و “السَّمَاوَاتِ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الكَسْرَةُ نِيابَةً عَلى الفَتْحَةِ لأَنَّهُ جمع المُؤنَّثِ السَّالمُ. و “وَالْأَرْضَ” حرفُ عطْفٍ ومعْطوفٌ عَلَى “السَّمَاوَاتِ” منصوبٌ مثلُهُ. و “بِالْحَقِّ” الباء: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “خَلَقَ”، أَوْ بحالٍ مِنْ الفاعِلِ في “خَلَقَ”، أُوْ مِنَ المَفْعُولِ؛ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بالحَقِّ، و “الحقِّ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، وجُملةُ “خَلَقَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “أَنَّ”، وجُملةُ “أَنَّ” فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعولَيْ “رَأَى”.

قولُهُ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} إِنْ: حرفٌ شرطٍ جازِمٌ، و “يَشَأْ” فِعْلٌ مَجْزومٌ بِـ “إنْ” عَلَى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لِـ “إِنْ” الشَّرْطِيَّةِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى “اللهَ” تعالى. و “يُذْهِبْكُمْ” فِعْلٌ مضارعٌ مَجزومٌ عَلى كَوْنِهِ جَوابَ الشَّرْطِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “اللهَ” تعالى، وجُمْلَةُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ: مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و “وَيَأْتِ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ عطفًا “يُذْهِبْكم” وعلامةُ جزْمِهِ حذْفُ العلَّةِ مِنْ آخِرِهِ وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “اللهَ” تعالى، وكافُ الخطابِ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ رفعِ مفعولِهِ، والميمُ: علامةُ جمعِ المذكَّرِ. و “بِخَلْقٍ” الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَأْتِ”، و “خلقٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “جَدِيدٍ” صِفَةٌ لِـ “خَلْقٍ” مجرورةٌ مِثْلهُ. و “وَمَا” الواوُ: للعِطْفِ، و “ما” حِجازِيَّةٌ، أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “ذَلِكَ” ذا: اسمُ إِشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ، اسْمُهَا، إنْ كانت حجازيَّةً، أَوْ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ إنْ أُعرِبتْ تميميَّةً، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ للخطابِ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “عَزِيزٍ” ولَفْظُ الجلالةِ “اللهِ” اسْمٌ مَجْرورٌ بحرْفِ الجَرِّ. و “بِعَزِيزٍ” الباء: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “عزيزٍ” مجرورٌ لَفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، مرفوعٌ محلًا على أنَّهُ خبرٌ “ما” الحجازيَّةِ، أو خَبَرُ المبتدَأِ إنْ كانتْ “ما” تَميمِيَّةً، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعراب.


الموسوعة القرآنية فيض العليم … سورة إبراهيم، الآية 18
 
 
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} والمَثَلُ اسْتِعَارَةٌ للصِّفَةِ التي فِيها غَرَابَةٌ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ، عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومَالُهُ مَبْذولٌ. والمعنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، المذكورينَ في الآياتِ السَّابِقَةِ لهذه الآيةِ الكريمةِ، سَواءٌ أَكانُوا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أَوْ مِنْ كَفَرةِ أَهْلِ الكِتَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَفَرَ باللهِ تَعَالى ونِعَمِهِ عَلَيْهِم، وكَذَّبَ رُسُلَهُ والمُؤمِنينَ بِهم وعاداهم، وحَارَبَ دِينَهُ الذي شَرَعَهُ لهم، ويَشْمَلُ هذا كُلَّ الكافرينَ باللهِ ـ تعالى، والمُشْركينَ مَعَهُ غيرَهُ في مُخْتَلِفِ العُصُورِ والأَزْمانِ، عَلَى اخْتِلافِ أَنْسابِهم وأَلوانِهمْ.
قولُهُ: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} الرَّمَادُ: مَا يَبْقَى مِنَ احْتِرَاقِ الْحَطَبِ وَالْفَحْمِ وما سَحَقَتْهُ النَّارُ مِنَ الأَجْرامِ، وجَمْعُهُ في الكَثْرَةِ عَلَى (رُمُد)، وفي القِلَّةِ عَلى (أَرْمِدَة) كَ (جَمَاد) و (جُمُد) و (أَجْمِدَة)، أمَّا جَمْعُهُ عَلَى (أَرْمِدَاء) فشَاذٌّ. والرِّمَادُ أيضًا: السَّنَةُ المَحْلُ، ويقالُ: أَرْمَدَ الماءُ، إذا صارَ لونُهُ بِلونِ الرَّمادِ، والأَرْمَدُ: مَا كانَ عَلى لونِ الرَّمادِ. وقِيلَ للبعوضِ (رُمْد) لأنَّ لونَهُ كَذلِكَ، ويُقالُ: رَمادٌ رِمْدِدٌ، إذا صارَ هَبَاءً.
وقد شَبَّهُ اللهُ تَعالى أَعْمالَ أَولئكَ الكافرين الحَسَنَةَ وذَهَابَها دونَ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِها، كَمَا لوْ أَنَّ ريحًا قَوِيَّةً سَريعةً جِدًّا هَبَّتْ عَلى رَمَادٍ، لأَنَّهُ لا ثَبَاتَ لَهُ عندها، ولا يَتْرُكُ أَيَّ أَثَرٍ.
أَخرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحِ” قَالَ: الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهمْ وعَبَدُوا غَيْرَهُ. فَأَعْمالُهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهمْ يَنْفَعُهُمْ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلى الرَّمادِ إِذا أُرْسِلَ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ، قَالَ: مَثَلُ أَعْمالِ الْكُفَّارِ كَرَمادٍ ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ فَلَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَكَمَا لَمْ يُرَ ذَلِكَ الرَّمادُ، وَلَمْ يُقْدَرْ مِنْهُ عَلى شَيْءٍ، كَذَلِكَ الْكُفَّارُ لَمْ يَقْدِرُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ عَلَى شَيْءٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحِ” قَالَ: حَمَلَتْهُ الرِّيحُ.
قولُهُ: {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أَيْ: شَدِيدِ الرِّيحِ، يُقالُ: رِيحٌ عاصِفٌ ومُعْصِفٌ، وأَصْلُهُ مِنَ العَصْفِ، وهوَ مَا يُكْسَرُ مِنَ الزِّرْعِ فَقيلَ ذَلِكَ للرِّيحِ الشَّديدَةِ لأَنَّها تَعْصِفُ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا تَمُرُّ عَلَيْهِ.
فإنَّ المُؤَكَّدَ الذي لا شَكَّ فيهِ أَنَّ تِلْكَ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ الْعَاصِفَةَ تَذْهَبُ بذَلِكَ الرَّمَادِ وَلَا تُبْقِي لَهُ أَثَرًا، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْكُفَّارِ كَصِلَاتِ الْأَرْحَامِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ يُبْطِلُهَا الْكُفْرُ وَيُذْهِبُهَا، كَمَا تَطيرُ تِلْكَ الرِّيحُ بذَلِكَ الرَّمَادَ.
وقد ضَرَبَ أَمْثَالًا أُخَرَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ بِهَذَا الْمَعْنَى، كقولِهِ في الآيةِ: 264، مِنْ سورةِ البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا}. وَكقَوْلِهِ في الآيةِ: 117، منْ سورةِ آل عمران: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ}. وكَقَوْلِهِ في الآيةِ: 39، مِنْ سورةِ النُّور: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}. وكَقَوْلِهِ في الآيةِ: 23، مِنْ سورةِ الفُرقان: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. وَوَصْفُ الْيَوْمِ بِالْعَاصِفِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، أَيْ عَاصِفٌ رِيحُهُ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ مَاطِرٌ، أَيْ سَحَابُهُ. وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنِ اخْتِيرَ لَهُ التَّشْبِيهُ بهيئة الرماد المتجمع، لِأَنَّ الرَّمَادَ أَثَرٌ لِأَفْضَلِ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَشْيَعِهَا بَيْنَهُمْ وَهُوَ قِرَى الضَّيْفِ حَتَّى صَارَتْ كَثْرَةُ الرَّمَادِ كِنَايَةً فِي لِسَانِهِمْ عَنِ الْكَرَمِ.
قولُهُ: {لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} لا يَقْدِرونَ على الانْتِفاعِ بِشَيْءٍ منْها، لذَهابِها وتَلاشي أَثَرَها، وحُبُوطِ ثوابِها عندَ اللهِ، لأَنَّها لمْ تُفْعَلَ لوجهِهِ سبحانَهُ وابْتِغاءَ ثوابِهِ، والْتِماسَ رِضاهُ، فإنَّ فاعِلَها لا يؤمِنُ بهِ تعالى أساسًا ليَعملَها مِنْ أجلِهِ.
قولُهُ: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} وهلْ بعْدَ ذلكَ من ضلالٍ، وهلْ منْ خسرانٍ أَعْظَم منْ هذا الخُسْرانِ؟!. وبعدُ فهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لأَعْمَالِ الخَيْرِ التِي يَعْمَلُهَا الكُفَّارُ، الذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَبَنُوا أَعْمَالَهُمْ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ صَحِيحٍ مِنَ الإِيمَانِ وَالتَّقْوى. وَالْمُرَادُ بِالْبَعِيدِ الْبَالِغُ نِهَايَةَ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مَاهِيَّتُهُ، أَيْ بِعِيدٌ فِي مَسَافَاتِ الضَّلَالِ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: أَقْصَى الضَّلَالِ أَوْ جِدُّ ضَلَالٍ.
والْحِكْمَةَ فِي ضَرْبِهِ تعالى لِلْأَمْثَالِ أَنْ يَتَفَكَّرَ النَّاسُ فِيهَا فَيَفْهَمُوا الشَّيْءَ بِنَظْرَةٍ، وَهُوَ مضمونُ قَوْلِهِ تَعَالى في سورةِ الحشرِ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الآية: 21، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الآية: 25، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْأَمْثَالَ لَا يَعْقِلُهَا إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى منْ سورةِ العَنْكبوت: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} الآية: 43، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْمَثَلَ الْمَضْرُوبَ يَجْعَلُهُ اللهُ سَبَبَ هِدَايَةٍ لِقَوْمٍ فَهِمُوهُ، وَسَبَبَ ضَلَالٍ لِقَوْمٍ لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَتَهُ، قَالَ تَعالى في الآية: الآية: 26، مِنْ سُورةِ البقرة: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}، وَكانَ اللهُ تعالى بَيَّنَ فِي أَولِ ذاتِ الآيةِ منَ السُّورةِ ذاتِها (البقرة) أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا وَلَوْ كَانَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، قِيلَ: فَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ يَفُوقُهَا فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: فَمَا فَوْقَهَا أَيْ فَمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. وَلِذَلِكَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْعَنْكَبُوتِ بقَوْلِهِ في سورة الْعَنْكَبُوتِ: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} الآية: 41، وَضَرَبَهُ بِالْحِمَارِ فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} الآية: 5، مِنْ سُورةِ الجُمُعةِ. وَضَرَبَهُ بِالْكَلْبِ فِي قَوْلِهِ مِنْ سورةِ الأعراف: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} الآية: 176.
قولُهُ تَعَالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} مَثَلُ: مَرْ فوعٌ بالابْتِداءِ، خَبَرُهُ مَحْذوفٌ تَقديرُهُ: كائنٌ، وهوَ مُضافٌ. و “الَّذِينَ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسميَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “كَفَرُوا” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والألفُ للتفريق، والجملةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “بِرَبِّهِمْ” الباءُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “كفروا” و “ربِّ” اسْمٌ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهو مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ: علامةُ جمعِ المُذكَّرِ.
قولُهُ: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} أَعْمَالُهُمْ: مَرفوعٌ بالابْتِداءِ، مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والميمُ كسابقتها. و “كَرَمَادٍ” الكافُ: حرفُ جَرٍّ للتشبيهِ، متعلِّقٌ بالخَبَرِ المقدَّرِ بـ “كائنٌ” و “رمادٍ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، وهي واقِعَةٌ فِي جَوابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، بـ: ومَا ذَلِكَ المَثَلُ. ويَجُوزُ: أَنْ يَكونَ “مَثَلُ” مُبْتَدَأً أَوَّلَ، و “أَعْمَالُهُمْ” مُبْتَدَأ ثانٍ، و “كَرَمَادٍ” خَبَرٌ ثانٍ، وخبرُ المُبتدأِ الثاني خَبَرُ الأَوَّلِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “مَثَلُ” مُبْتَدَأً، و “أعْمَالُهُمْ” بَدَلًا مِنْهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، و “كَرَمَادٍ” هو الخَبَر. ويجوزُ أَنْ يَكونَ “مَثَلُ” مُبْتَدَأً، و “أعمالُهم” خبَرَهُ، أَيْ: مَثَلُ أَعْمالِهم، فَحذفَ المُضافَ. وعَلَيْهِ فـ “كرمادٍ” خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ.
قولُه: {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} اشْتَدَّتْ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والتاءُ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعلِ. و “بِهِ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بـ “اشتدَّ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “الرِّيحُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ، والجُملةُ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِـ “رَمَادٍ”. و “في” حرفُ جَرٍّ مُتعلِّقٌ بِـ “اشْتَدَّ” و “يَوْمٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، و “عَاصِفٍ” صفةُ “يومٍ” مجرورةٌ مثله. وفيهِ أَوْجُهٌ، أَحَدُها: أَنَّهُ عَلى تقديرِ: عاصِفٍ رِيحُهُ، أَوْ عاصِفِ الرِّيحِ، ثمَّ حُذِفَ “الريحُ” وجُعِلَتِ الصِفَةُ لليومِ مَجازًا كقولِهم: (يومُ ماطِرٍ) و (ليلُ نائمٍ). قالَ الهرَويُّ: فَحُذِفَتْ لتقدُّم ذِكْرِهَا، كما قالَ الشاعرُ مِسْكينٌ الدارِميٌّ:
ويُضْحِكُ عِرفانُ الدُّرُوْعِ جُلودَنا …. إذا جاءَ يومٌ مظلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ
أيُ: كاسِفُ الشمسِ. ثانيها: أَنَّهُ عَلى النَّسَبِ، أَيْ: ذِي عُصُوفٍ. وثالثُها: أَنَّهُ خُفِضَ عَلى الجِوارِ، أَي: كانَ الأصْلُ أَنْ يَتْبَعَ العاصفُ الريحَ في الإِعرابِ فيُقال: اشتَدَّتْ به الريحُ العاصِفُ في يومِ، فلمَّا وقع بعد اليوم أُعْرِبَ بإعرابِهِ، كقولهم: جُحرُ ضَبٍّ خَربٍ. وفيه نظرٌ، لأنَّ مِنْ شرطِهِ: أن يكون بحيث لو جُعِل صفة لِما قُطع عن إعرابه لَصَحَّ، وهنا لو جَعَلْتَه صفةً للريح لم يَصِحَّ لتخالفِهما تعريفًا وتَنكيرًا في هذا التركيبِ الخاصِّ.
قولُهُ: {لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} لَا: نافيةٌ لا عَمَلَ لها. “يَقْدِرُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ، لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويَضْعُفُ أَنْ يكونَ صفةً لـ “يوم” على حَذْفِ العائد، أي: لا يَقْدِرُون فيه. و “مِمَّا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِحالٍ محذوفٍ مِنْ شَيْءٍ؛ لأَنَّهُ صِفَةُ نَكِرَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْها، إِذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكانَ صِفَةً. والتقديرُ: عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا. و “ما” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، أو هو نَكِرةٌ مَوْصوفةٌ. و “كَسَبُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والألِفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” الموصولةِ، أَوْ صِفَةٌ لهَا، إنْ أُعْرِبَتْ نَكِرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرابطُ محذوفٌ والتقديرُ: ممَّا كَسَبُوهُ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتعلِّقٌ بِـ “يَقْدِرُونَ” و “شَيْءٍ” مجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ.
قولُهُ: {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} ذَلِكَ: ذا: اسْمُ إشارةٍ إِلى التَمْثيلِ عَنْ أَعمالِهم مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، واللامُ للبُعدِ، والكافُ للخِطابِ. و “هُوَ” ضَميرُ فَصْلٍ لا محلَّ لهُ مِنَ الإعرابِ. و “الضَّلَالُ” خبرٌ مرفوعٌ. و “الْبَعِيدُ” صِفَةٌ لِـ “الضَّلَالُ” مرفوعةٌ مثلهُ، والجُملةُ الاسْميَّةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قرأَ العامَّةُ: {يومٍ عاصِفٍ} على أنَّهما صِفَةٌ ومَوْصوفٌ، وقَرَأَ الحَسَنُ، وابْنُ أَبي إِسْحاقٍ “يومِ عاصِفٍ” بإِضافَةِ “يوم” لـ “عاصِفٍ”. وهيَ على حَذْفِ المَوْصوفِ، أَيْ: في يومِ ريحٍ عاصِف، فَحُذِفَ لِفَهْم المعنى الدالِّ على ذلك. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ إِضافةِ المَوْصوفِ إِلى صِفَتِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلكَ نحو: بَقْلَةُ الحَمْقَاءِ.
قَرَأَ العامَّةُ: {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ “اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيَاحُ” بالجمعِ. وَهَمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.


الموسوعة القرآنية فيض العليم … سورة إبراهيم، الآية: 17
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
 
قولُهُ ـ تَعالى جَدُّهُ: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} يَتَجَرَّعُهُ: أَيْ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِغَلَبَةِ العَطَشِ واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ، و “تَجَرَّع” وزنُهُ (تَفَعَّل) وفيهِ احْتِمالاتٌ، أَحَدُها: أَنَّهُ مُطاوِعٌ لِـ (جَرَّعْتُهُ) نَحْوَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمْ. ثانيها: أَنْ يَكونَ للتَكَلُّفِ نَحْوَ: تَحَلَّم، أَيْ، يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ثالثُها: أَنَّهُ دالٌّ عَلَى المُهْلَةِ، أَيْ: يَتَنَاوَلُهُ بالجَرْعِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فهو نَحْو: فَهَّمْتُهُ، فهوَ يَفْهَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا بالتَفْهيمِ. والرابعُ: أَنَّهُ بِمَعْنَى (جَرَعَ) المُجَرَّدِ نحوَ: عَدَوْتُ الشَّيْءَ، وتَعَدَّيْتُهُ. و “وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ” أَيْ: لا يُقَارِبُ إِساغَتَهُ، فَكَيْفَ بِحُصُولِها؟! كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيَةِ: 40، مِنْ سُورَةِ النّورِ: {إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها}. وهوَ مِنْ: سَاغَ الشرابُ سَوغًا وسِواغًا طابَ وهَنُؤَ واستُمْرئَ بقبولِ النَّفْسِ طعمَهُ وطلَبِها لَهُ، وسَهُل في الحَلْقِ انْحِدارُهُ ومَدْخِلُهُ فِيهِ، وساغَ الأَمرُ، وسِيغَ: جازَ وأُبيحَ فهوَ سائغٌ. والمعنى لا يُقارِبُ أَنْ يَسيغَهُ فَضْلًا عَنْ اسْتِساغَتِهِ، بَلْ غَصَّ بِهِ وطالَ عَذَابُهُ، إنْ بالعَطشِّ وشدَّةِ الظِمِأِ واشتدادِ الحرارةِ، وإنْ بِشُرْبِهِ وهو عَلَى هذه الحالُ، وقيلَ: لا يَكادُ يُدْخِلُهُ في جَوْفِهِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بالإساغَةِ لأَنَّها المَعْهودَةُ فِي الأَشْرِبَةِ. وبابُهُ (سَمِعَ) و (مَنَعَ)، وفي هَذا بَيَانٌ لِحَالَةِ هَذَا الجَبَّارِ العَنيدِ عِنْدَ تَعَاطِيهِ الصَّديدَ.
قولُهُ: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} أَي: تَأْتِيهِ أَسْبابُ المَوْتِ مِنَ الشَّدائدِ والأهوالِ المُحيطَةِ بِهِ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ، مِنْ عَنْ يَمينِهِ وشِمالِهِ، ومِنْ فَوْقِهِ ومِنْ تَحْتِه، ومِنْ قُدَّامِهِ وخَلْفِهِ، كَقَوْلِهِ تعالى في الآية: 16، مِنْ سُورَةِ الزُمَر: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}. أَوْ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضاءِ جَسَدِهِ، حَتَّى مِنْ أُصُولِ شَعْرِهِ، وإِبهامِ رِجْلِهِ. بِسَبَبِ الآلام التي تَعَمُّ جسمَهُ جَميعًا. فقد أَخْرَجَ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تَعَالى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ مَوْضِعِ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ عَالِمِ الجَزِيْرَةِ ومُفْتيها، الإِمَامِ الحُجَّةِ، مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ عَظْمٍ وعِرْقٍ وَعَصَبٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، فِي (العَظَمَةِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ عُضْوٍ ومِفْصَلٍ. وَرُوِيَ أَيضًا عَنْهُ قولُهُ: إِذَا دَعَا الْكَافِرُ فِي جَهَنَّمَ بِالشَّرَابِ فَرَآهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَإِذَا شَرِبَ مِنْهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ”. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: أَنْوَاعُ الْعَذَابِ، وَلَيْسَ مِنْهَا نَوْعٌ إِلَّا الْمَوْتُ يَأْتِيهِ مِنْهُ، لَو كَانَ يَمُوتُ، وَلكنَّهُ لَا يَمُوتُ لِأَنَّ اللهَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِم فَيَمُوتُوا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ” قَالَ: تَعْلَقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فَيَجِدُ لِذَلِكَ رَاحَةً فَتَنْفَعُهُ الْحَيَاةُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَعْنِي الْبَلَايَا الَّتِي تُصِيبُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ سَمَّاهَا مَوْتًا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوْتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّهُ لَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَمَكَانٍ حَتَّى مِنْ إِبْهَامِ رِجْلَيْهِ. وقَالَ أَيْضًا: لَا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَعَلَّقُ رُوحُهُ فِي حَنْجَرَتِهِ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فَتَنْفَعُهُ الْحَيَاةُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى} الآية: 74، منْ سورة (طه). وَإِتْيَانُ الْمَوْتِ: حُلُولُ آلَامِهِ وَسَكَرَاتِهِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، أَيْ فَيَسْتَرِيحُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
مَتَى يَأْتِ هَذَا الْمَوْت لَا يلف حَاجَةٌ …. لِنَفْسِي إِلَّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَهَا
قولُهُ: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أَيْ: وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ فَيَسْتَريحَ مِنْ هَذَا الشَّقاءِ والعذابِ، فالحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ كَمَا هوَ الظاهِرُ مِنْ مَجيءِ أَسْبابِهِ، لا سِيَّما مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ حَتَّى لا إنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِمَا غَشِيَهُ مِنْ أَصْنَافِ المُوبِقاتِ، لِتَطَاوُلِ شَدائدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذَابِهِ. وهذا كما قالَ تعالى في الآية: 36، مِنْ سُورَةِ فاطر: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} وكقوْلِهِ مِنْ سورةِ الأَعلى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى * الذي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} الآيات: 11 ـ 13.
قولُهُ: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أَيْ: وينتظرُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ يَسْتَقْبِلُهُ، ففي كُلِّ وَقْتٍ لَهُ عَذَابٌ أَشَدُّ وأَشَقُّ، مِمّا كانَ قَبْلَهُ، وفي ذلكَ دَفْعٌ لما قد يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسَبِ الاعْتِيادِ، كما هو الحالُ في عَذابِ الدُنْيا، فقيلَ: هوَ الخُلودُ في النَّارِ. فَقد أَخْرَجَ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “وَمن وَرَائهِ عَذَابٌ غليظٌ” قَالَ: الخُلودُ. وَقيلِ: هوَ حَبْسُ الأَنْفاسِ. فَقد أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَمِنْ وَرَائهِ عَذَابٌ غليظٌ” قَالَ: حَبْسُ الأَنْفاسِ.
قولُهُ تَعالى: {يَتَجَرَّعُهُ} يَتَجَرَّعُهُ: فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “جَبَّارٍ” والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لِـ “مَاءٍ”، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ حالًا مِنَ الضَميرِ في “يُسْقَى”.
قولُهُ: {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} الواوُ: للعطْفِ، و “لا” نافية لا عَمَلَ لها، و “يَكادُ” فعلٌ مُضَارِعٌ ناقِصٌ مَرْفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، واسُمُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديره (هو) يَعودُ عَلى “جَبَّارٍ”. و “يُسِيغُهُ” مثلُ “يَتَجَرَّعُهُ”، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرُ “يَكادُ”، وجُمْلَةُ “يَكادُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “يَتَجَرَّعُهُ”، أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، أَوْ مِنْهُما جَميعًا، وقيلَ: “يَكادُ” هُنَا صِلَةٌ ولا عَمَلَ لَهَا، أي: يتجرَّعُهُ ولا يُسيغُهُ.
قولُهُ: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} الوَاوُ: للعطفِ، و “يَأْتِيهِ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخِرِهِ لثِقَلِ لفظِها على الياءِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، و “الْمَوْتُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بـ “يأتي” و “كُلِّ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ، و “مَكَانٍ” مَجْرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يَتَجَرَّعُهُ”.
قولُهُ: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} الواوُ: حَالِيَّةٌ. و “ما” حِجَازِيَّةٌ، أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ إمَّا اسمًا لِـ “ما الحجازيةِ، أَوْ مُبْتَدَأً لها إنْ كانتْ تميميَّةً، و “بِمَيِّتٍ” الباءُ: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “مَيِّتٍ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ لَفْظًا، مَنْصُوبٌ مَحَلًّا على أنَّها خبرُ “ما” الحجازيَّةِ، أَوْ مرفوعٌ مَحَلًّا على أَنَّهُ خَبَرُ المبتَدَأِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ الضَميرِ في “يَأْتِيهِ”.
قولُهُ: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} الوَاوُ: للعَطْفِ أوْ للاسْتِئنافِ، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ مُقدَّمٍ، و “وَرَائِهِ” مَجْرورٌ بِحرْفِ الجَرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. والَأظْهَرُ أَنَّ هَذا الضَميرَ عائدٌ عَلَى “كُلِّ جَبَّارٍ”. ويجوزُ أَنَّهُ عائدٌ على “عَذابٌ” مُتَقَدِّمًا عليْهِ. و “عَذَابٌ” مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ، مُؤَخَّرٌ. و “غَلِيظٌ” صِفَةٌ لِـ “عَذَابٌ” مَرْفوعَةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ”، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
 
عبد القادر الأسود


الموسوعة القرآنية فيض العليم … سورة إبراهيم، الآية: 17
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
 
قولُهُ ـ تَعالى جَدُّهُ: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} يَتَجَرَّعُهُ: أَيْ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِغَلَبَةِ العَطَشِ واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ، و “تَجَرَّع” وزنُهُ (تَفَعَّل) وفيهِ احْتِمالاتٌ، أَحَدُها: أَنَّهُ مُطاوِعٌ لِـ (جَرَّعْتُهُ) نَحْوَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمْ. ثانيها: أَنْ يَكونَ للتَكَلُّفِ نَحْوَ: تَحَلَّم، أَيْ، يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ثالثُها: أَنَّهُ دالٌّ عَلَى المُهْلَةِ، أَيْ: يَتَنَاوَلُهُ بالجَرْعِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فهو نَحْو: فَهَّمْتُهُ، فهوَ يَفْهَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا بالتَفْهيمِ. والرابعُ: أَنَّهُ بِمَعْنَى (جَرَعَ) المُجَرَّدِ نحوَ: عَدَوْتُ الشَّيْءَ، وتَعَدَّيْتُهُ. و “وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ” أَيْ: لا يُقَارِبُ إِساغَتَهُ، فَكَيْفَ بِحُصُولِها؟! كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيَةِ: 40، مِنْ سُورَةِ النّورِ: {إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها}. وهوَ مِنْ: سَاغَ الشرابُ سَوغًا وسِواغًا طابَ وهَنُؤَ واستُمْرئَ بقبولِ النَّفْسِ طعمَهُ وطلَبِها لَهُ، وسَهُل في الحَلْقِ انْحِدارُهُ ومَدْخِلُهُ فِيهِ، وساغَ الأَمرُ، وسِيغَ: جازَ وأُبيحَ فهوَ سائغٌ. والمعنى لا يُقارِبُ أَنْ يَسيغَهُ فَضْلًا عَنْ اسْتِساغَتِهِ، بَلْ غَصَّ بِهِ وطالَ عَذَابُهُ، إنْ بالعَطشِّ وشدَّةِ الظِمِأِ واشتدادِ الحرارةِ، وإنْ بِشُرْبِهِ وهو عَلَى هذه الحالُ، وقيلَ: لا يَكادُ يُدْخِلُهُ في جَوْفِهِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بالإساغَةِ لأَنَّها المَعْهودَةُ فِي الأَشْرِبَةِ. وبابُهُ (سَمِعَ) و (مَنَعَ)، وفي هَذا بَيَانٌ لِحَالَةِ هَذَا الجَبَّارِ العَنيدِ عِنْدَ تَعَاطِيهِ الصَّديدَ.
قولُهُ: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} أَي: تَأْتِيهِ أَسْبابُ المَوْتِ مِنَ الشَّدائدِ والأهوالِ المُحيطَةِ بِهِ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ، مِنْ عَنْ يَمينِهِ وشِمالِهِ، ومِنْ فَوْقِهِ ومِنْ تَحْتِه، ومِنْ قُدَّامِهِ وخَلْفِهِ، كَقَوْلِهِ تعالى في الآية: 16، مِنْ سُورَةِ الزُمَر: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}. أَوْ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضاءِ جَسَدِهِ، حَتَّى مِنْ أُصُولِ شَعْرِهِ، وإِبهامِ رِجْلِهِ. بِسَبَبِ الآلام التي تَعَمُّ جسمَهُ جَميعًا. فقد أَخْرَجَ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تَعَالى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ مَوْضِعِ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ عَالِمِ الجَزِيْرَةِ ومُفْتيها، الإِمَامِ الحُجَّةِ، مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ عَظْمٍ وعِرْقٍ وَعَصَبٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، فِي (العَظَمَةِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: مِنْ كُلِّ عُضْوٍ ومِفْصَلٍ. وَرُوِيَ أَيضًا عَنْهُ قولُهُ: إِذَا دَعَا الْكَافِرُ فِي جَهَنَّمَ بِالشَّرَابِ فَرَآهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَإِذَا شَرِبَ مِنْهُ مَاتَ مَوْتَاتٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ”. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ” قَالَ: أَنْوَاعُ الْعَذَابِ، وَلَيْسَ مِنْهَا نَوْعٌ إِلَّا الْمَوْتُ يَأْتِيهِ مِنْهُ، لَو كَانَ يَمُوتُ، وَلكنَّهُ لَا يَمُوتُ لِأَنَّ اللهَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِم فَيَمُوتُوا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ” قَالَ: تَعْلَقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فَيَجِدُ لِذَلِكَ رَاحَةً فَتَنْفَعُهُ الْحَيَاةُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَعْنِي الْبَلَايَا الَّتِي تُصِيبُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ سَمَّاهَا مَوْتًا، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوْتِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّهُ لَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَمَكَانٍ حَتَّى مِنْ إِبْهَامِ رِجْلَيْهِ. وقَالَ أَيْضًا: لَا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَعَلَّقُ رُوحُهُ فِي حَنْجَرَتِهِ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فَتَنْفَعُهُ الْحَيَاةُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى} الآية: 74، منْ سورة (طه). وَإِتْيَانُ الْمَوْتِ: حُلُولُ آلَامِهِ وَسَكَرَاتِهِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، أَيْ فَيَسْتَرِيحُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
مَتَى يَأْتِ هَذَا الْمَوْت لَا يلف حَاجَةٌ …. لِنَفْسِي إِلَّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَهَا
قولُهُ: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أَيْ: وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ فَيَسْتَريحَ مِنْ هَذَا الشَّقاءِ والعذابِ، فالحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ كَمَا هوَ الظاهِرُ مِنْ مَجيءِ أَسْبابِهِ، لا سِيَّما مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ حَتَّى لا إنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِمَا غَشِيَهُ مِنْ أَصْنَافِ المُوبِقاتِ، لِتَطَاوُلِ شَدائدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذَابِهِ. وهذا كما قالَ تعالى في الآية: 36، مِنْ سُورَةِ فاطر: {والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} وكقوْلِهِ مِنْ سورةِ الأَعلى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى * الذي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} الآيات: 11 ـ 13.
قولُهُ: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أَيْ: وينتظرُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ يَسْتَقْبِلُهُ، ففي كُلِّ وَقْتٍ لَهُ عَذَابٌ أَشَدُّ وأَشَقُّ، مِمّا كانَ قَبْلَهُ، وفي ذلكَ دَفْعٌ لما قد يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسَبِ الاعْتِيادِ، كما هو الحالُ في عَذابِ الدُنْيا، فقيلَ: هوَ الخُلودُ في النَّارِ. فَقد أَخْرَجَ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “وَمن وَرَائهِ عَذَابٌ غليظٌ” قَالَ: الخُلودُ. وَقيلِ: هوَ حَبْسُ الأَنْفاسِ. فَقد أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَمِنْ وَرَائهِ عَذَابٌ غليظٌ” قَالَ: حَبْسُ الأَنْفاسِ.
قولُهُ تَعالى: {يَتَجَرَّعُهُ} يَتَجَرَّعُهُ: فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “جَبَّارٍ” والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لِـ “مَاءٍ”، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ حالًا مِنَ الضَميرِ في “يُسْقَى”.
قولُهُ: {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} الواوُ: للعطْفِ، و “لا” نافية لا عَمَلَ لها، و “يَكادُ” فعلٌ مُضَارِعٌ ناقِصٌ مَرْفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، واسُمُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديره (هو) يَعودُ عَلى “جَبَّارٍ”. و “يُسِيغُهُ” مثلُ “يَتَجَرَّعُهُ”، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرُ “يَكادُ”، وجُمْلَةُ “يَكادُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “يَتَجَرَّعُهُ”، أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، أَوْ مِنْهُما جَميعًا، وقيلَ: “يَكادُ” هُنَا صِلَةٌ ولا عَمَلَ لَهَا، أي: يتجرَّعُهُ ولا يُسيغُهُ.
قولُهُ: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} الوَاوُ: للعطفِ، و “يَأْتِيهِ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخِرِهِ لثِقَلِ لفظِها على الياءِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، و “الْمَوْتُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بـ “يأتي” و “كُلِّ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ، و “مَكَانٍ” مَجْرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يَتَجَرَّعُهُ”.
قولُهُ: {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} الواوُ: حَالِيَّةٌ. و “ما” حِجَازِيَّةٌ، أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ إمَّا اسمًا لِـ “ما الحجازيةِ، أَوْ مُبْتَدَأً لها إنْ كانتْ تميميَّةً، و “بِمَيِّتٍ” الباءُ: حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “مَيِّتٍ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ لَفْظًا، مَنْصُوبٌ مَحَلًّا على أنَّها خبرُ “ما” الحجازيَّةِ، أَوْ مرفوعٌ مَحَلًّا على أَنَّهُ خَبَرُ المبتَدَأِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ الضَميرِ في “يَأْتِيهِ”.
قولُهُ: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} الوَاوُ: للعَطْفِ أوْ للاسْتِئنافِ، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ مُقدَّمٍ، و “وَرَائِهِ” مَجْرورٌ بِحرْفِ الجَرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. والَأظْهَرُ أَنَّ هَذا الضَميرَ عائدٌ عَلَى “كُلِّ جَبَّارٍ”. ويجوزُ أَنَّهُ عائدٌ على “عَذابٌ” مُتَقَدِّمًا عليْهِ. و “عَذَابٌ” مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ، مُؤَخَّرٌ. و “غَلِيظٌ” صِفَةٌ لِـ “عَذَابٌ” مَرْفوعَةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ”، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
 
عبد القادر الأسود

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com