فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 65


وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ
كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ
(65)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} لَوْ أنَّكَ سألتَ أيَّها الرسولُ هؤلاءِ المُنافقين عنْ أَقوالهم هذِهِ، وسَبَبِ طَعْنِهم في الدِينِ، واسْتِهْزائِهم بالله وآياتِهِ، لاعْتَذَروا لك وقَالوا: كُنَّا نَخوضُ في الحديثِ ونَلْهو وَنَلْعَبُ قَطْعاً لِلطَّرِيقِ وتقصيراً لمسافَةِ السَفَرِ بالحَديثِ والمُداعَبَةِ كما يَفْعَلُ الرَكْبُ في العادةِ، ولم يَكُنْ ذلك بالجَدِّ مِنَّا. وذلك حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، مُنْطَلِقاً فِي الطَّرِيقِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حين قَالَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلاَدَ بَنِي الأَصْفَر (يَعْنِي الرُّوم) كَقِتَالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً، وَاللهِ لَكَأَنَّنَا بِكُمْ غَداً مُقَرَّنِينَ فِي الحِبَالِ؟. وَكَانَ هَؤُلاَءِ المنافقون يَقُولُونَ هَذَا إِرْجَافاً، وَتَرْهِيباً لِلْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الرَّسُولُ ـ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارُ ذَلِكَ فَأَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. أَيْ: إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا جَادِّينَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَا قَالُوا لِلتَّسَلِّيِ وَالتَّلَهِّي، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا العُذْرَ مَقْبُولٌ منهم. فقد وأَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآية، قال: بينَما رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في غَزْوَتِهِ إلى تَبوك، وبين يَدَيْهِ أُناسٌ مِنَ المُنافقين، فقالوا: يَرْجو هَذا الرَجُلُ أَنْ تُفْتَحَ لَهُ قُصُورُ الشَامِ وحُصُونُها؟ هيهاتِ هيهات! فأَطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، على ذَلِكَ، فقالَ: ((احْبِسوا علَيَّ هؤلاءِ الرَّكْبِ. فأَتاهم فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا، قُلْتُمْ كَذا. قالوا: يا نَبيَّ اللهِ إنَّما كُنَّا نَخوضُ ونَلْعَبُ، فأَنْزَلَ اللهُ فيهِم ما تَسْمَعون.
وأَخْرَجَ ابْن ُمَردوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقينَ مِنْ بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فيهم وَدِيعَةُ بْنُ ثابتٍ ورَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَليفٍ لهم يُقالُ لَهُ مخشيُّ بْنُ حُمَيرٍ، كانوا يَسيرونَ مَعَ رَسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلّمَ، وهُو مُنْطَلِقٌ إلى تَبوكَ، فقالَ بَعضُهم لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ قِتالَ بَني الأَصْفَرِ كَقِتالِ غَيرِهم؟ واللهِ لَكَأَنَّا بِكم غَداً تُقادونَ في الحِبالِ. قالَ مخشيُّ بْنُ حُميرٍ: لَوَدِدْتُ أَني أُقاضي. فذَكَرَ الحديثَ مِثْلَ الذي قَبْلَهُ. وأَخْرَجَ أيضاً عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رضي اللهُ عنه، نحوَهُ.
وأخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَأُمِرَ بِالْغَزْوِ إِلَى تَبُوكَ، قَالَ: وَنَزَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي جَانِبٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللهِ إِنَّ أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وَأَجَبْنَنا عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَأَضْعَفَنَا لَقُرَّاؤُنَا، فَدَعَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمَّارًا، فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَى هَؤُلاءِ الرَّهْطِ فَقُلْ لَهُمْ: مَا قُلْتُمْ؟ وأَخْرَجَ أَبو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ـ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً قالَ لأَبي الدَرْداءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يا مَعْشَرَ القُرَّاءِ ما بالُكم أَجْبَنَ مِنَّا وأَبْخَلَ إذا سُئِلْتُمْ، وأَعْظَمَ لُقَماً إذا أَكَلْتُم؟ فأَعْرَضَ عَنْهُ أَبو الدَرْداءِ، ولم يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً، فأَخبرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فانْطَلَقَ عُمَرُ إلى الرَجُلِ الّذي قالَ ذَلكَ، فخنقَه بِثَوْبِهِ وقادَهُ إلى النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فقالَ الرَجُلُ: إنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فأَوْحى اللهُ تَعالى إلى نَبْيِّهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلَّم: “ولئن سألتَهم لَيَقولُنَّ إنَّما كُنّا نَخوضُ ونَلْعَبُ”.
وأَصْلُ الخَوْضِ الدُخولُ في مائعٍ كالماءِ والطِينِ، ثمَّ كَثُرَ حتى صارَ اسْماً لِكُلِّ دُخولٍ فيهِ تَلْويثٌ وإيذاءٌ، فَالخَوْضُ لُغَةً هُوَ الدُّخُولُ فِي البَحْرِ أَوْ الوَحْلِ وَقد كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي البَاطِلِ.
قولُهُ: {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} أَيْ: قُلْ لهم غيرَ مُلْتَفِتٍ إلى اعْتِذارِهم ناعياً عَلَيهم جِناياتِهم، لقدِ اسْتَهْزَأْتمْ بِمَنْ لا يَصِحُّ الاسْتِهْزاءُ بِهِ، وأَخْطَأْتم مَواقِعَ فِعْلِكُمُ الشَنيعِ الذي طالما ارْتَكْبْتُموهُ. فالاسْتِفهامُ هُنا إِنْكاريٌّ للتَقْريعِ والتَوْبيخِ. ولم يَعْلَمُوا أَنَّ اتِخَاذَ الدِّينِ هَزْواً وَلِعِباً كُفْرٌ مَحْضٌ، لأنَّ الخَوْضَ وَالَّلعِبَ فِي صِفَاتِ اللهِ، وَشَرْعِهِ وَآيَاتِهِ، المُنْزَّلَةِ هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهَا. وفيِهِ دَلالَةٌ عَلى أَنَّ اللاعِبَ والخائضَ سَواءً في إظهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ على غيرِ وَجْهِ الإكْراهِ لأنَّ المُنافقين ذَكَروا أَنَّهم قالوا ما قالوهُ لَعِباً, فأَخْبرَ اللهُ تَعالى عَنْ كُفْرِهم باللَّعِبِ بِذلكَ. ودَلَّ أَنَّ الاسْتِهْزاءَ بآياتِ الله تَعالى كُفْرٌ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشيخِ وابْنُ مَردوَيْهِ عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قال: قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي مَجْلِسٍ يَوْمًا: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلاءِ لا أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلا أَكْذَبَ أَلْسِنَةً، وَلا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ لأُخْبِرَنّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَنْكُبُهُ الْحِجارَةُ وَهُوَ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ: “إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ” وَرَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: “أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ”.
وأَخْرَجَ ابْنُ المُنذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، والعَقيليُّ في الضعفاء، وأَبو الشيخِ، وابْنُ مردوَيْهِ، والخَطيبُ في روايةِ مالك عنِ ابْنِ عُمَرَ قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بْنِ أُبيٍّ وهوَ يَشْتَدُّ قُدّامَ النَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، والأَحجارُ تَنْكُبُه، وهو يَقولُ: يا محمَّدُ إنَّما كُنا نُخوضُ ونَلعبُ، والنبيُّ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم، يقولُ: أَبِالله وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئونَ؟.
قولُهُ تَعالى: {ولئن سألتَهم لَيَقولُنَّ} اللام في “لئن” مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، واللامُ في “ليقولُن” واقعةٌ في جوابِ القَسَمِ، والفعلُ “يقولُنَّ” مُضارِعٌ مَرْفوعٌ بِثُبوتِ النونِ المحذوفةِ لتَوالي الأَمْثالِ، والواوُ المحذوفة لالتقاءِ الساكنينِ فاعِلٌ، والنُونُ للتَوْكيدِ.
قولُهُ: {أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون} الجارُّ في “بالله” مُتَعلِّقٌ بقولِهِ: “تَسْتَهزئون” و “تستهزئون” خبرُ كانَ. وفيه دليلٌ على تقديم خبرِ كانَ عَلَيْها، لأَنَّ تَقديمَ المَعمولِ بِطريقِ الأَوْلى. وفيه بحثٌ: وذلِكَ أَنَّ ابْنَ مالكٍ قَدَحَ في هذا الدَليلِ بقولِهِ تَعالى في سُورةِ الضُحى: {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ} الآيتانِ: 9 و10. قالَ: فاليَتيمُ والسائلُ قدْ تَقَدَّما على “لا” الناهيةِ، والعاملُ فيهما ما بَعْدَها، ولا يجوز تقديمُ ما بعدَ “لا” الناهيةِ عليْها لكونِهِ مَجْزوماً بها، فقدْ تقَدَّم المعمولُ حيثُ لا يَتَقدَّمُ العامِلُ. ذُكِرَ ذلكَ عندَ اسْتِدْلالهم على جوازِ تَقديمِ خبرِ لَيْسَ بقولِهِ في سُورِةِ هُود: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} الآية: 8.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 64


فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 64

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
(64)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ
تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} مَعنى “تَنْبئهم” بما في قلوبهم مَعَ أَنَّهُ مَعْلومٌ لهم، هو أَنَّ المحذورَ عندَهم إطْلاعُ المُؤمنينَ على أَسْرارِهم لا إطْلاعُ أَنْفُسِهم عَلَيْها، وأَنَّها تُذيعُ ما كانوا يُخْفُونَهُ مِنْ أَسْرارِهم، فتَنْتَشِرُ بينَ الناسِ، فيَسْمَعونها مِنْ أَفْواهِ الرِجالِ مُذاعَةً، فَكَأَنَّها تُخْبرُهم بِها. أَوِ المُرادُ ب “تَنَبِِّئُهم” المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُورَةِ مُشْتَمِلَةً على أَسْرارِهم كأنَّها تَعْلَمُ مِنْ أَحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمونَهُ فتُنْبِئُهم بها وتَنْعي عَلَيْهم قَبائحَهم. فقد كَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ، تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ مِنَ الأَسْرارِ الخَفِيَّةِ، فَضْلاً عَمَّا كانوا يُظْهِرونَهُ فيما بَيْنَهم مِنْ أَقاويلِ الكُفْرِ والنِفاقِ.
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنْزَلَ اللهُ أَسماءَ المُنافِقينَ وكانوا سَبْعينَ رَجُلاً، ثمَّ نَسَخَ تِلْكَ الأسماءَ مِنَ القُرآنِ رَأْفَةً مِنْهُ ورَحمةً، لأنَّ أَوْلادَهم كانوا مُسْلِمينَ والنّاسُ يُعَيِّرُ بعضُهم بَعضاً. وقد جاءَ في رِوايَةٍ أُخرى عَنْهُ ـ رَضِيَ اللهُ عُنْهُ، أنَّ عَدَدَ المنافقين بالمدينةِ مِنَ الرِجالِ ثَلاثمئةٍ، ومِنَ النِساءِ سَبعينَ ومئةَ امْرَأَة. فالسبعون إذاً هم الذين نزلتْ أسماؤهم، وليس الجميع.
وروى مكحول عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة المنافق : فقال : « إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ ، وَإِذا وَعَدَ أَخلَفَ ، وَإِذَ خَاصَمَ فَجَرَ ، وَإِذَا عَاهَدَ نَقَضَ ، لاَ يَأْتِي الصَّلاَةَ إِلاَّ دُبُراً وَلاَ يَذْكُرِ اللَّهَ إِلاَّ هَجْراً
وقالَ الطَبَرِيُّ: كانَ المُنافِقونَ إذا عابوا رسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وذَكَروا شيئاً مِنْ أَمْرِهِ قالوا لَعَلَّ اللهَ لا يُفْشي سِرَّنا فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ في ذَلِكَ.
قولُهُ: {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا. فقدِ ابْتدَأَ الإخبارَ عَنْ أَنَّهُ يُخْرِجُ لهم إلى حيِّزِ الوُجودِ ما يَحْذَرونَهُ، وقدْ فَعَلَ ذَلِكَ ـ تَبارك وتعالى، في هذه السُورَةِ التي تُسَمَّى الفاضِحَةَ لأنَّها فَضَحَتِ المُنافقين.
فعلى هذا قدْ أَنْجَزَ اللهُ وعدَهُ بإظْهارِهِ ذَلِكَ إذْ قالَ: “إن الله مخرِجٌ ما تحْذَرون”. وقيلَ: إخْراجُ اللهِ أَنَّه عَرَّفَ نَبِيَّهُ ـ صلى اللهُ عليْهِ وسلَّم، أَحوالَهم وأَسماءَهم، لا أَنَّها نَزَلَتْ في القُرآنِ، ولقد قالَ اللهُ تَعالى في سورةِ محمَّدٍ: {ولَتَعْرِ فَنَّهم في لَحْنِ القَولِ} الآية: 30. وهوَ نَوْعٌ من الإلهامِ.
وَخَوْفُ المُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ، وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ، لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ، لاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ، وَلاَ هُمْ بِالكَافِرِينَ الجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ.
قالَ السُدِّيُّ: قالَ بَعْضُ المُنافِقينَ: واللهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مئةَ جَلْدَةٍ ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ. وقالَ مجاهِد: كانوا يَقولونَ القولَ بَيْنَهم ثمَّ يَقولونَ عَسى اللهُ أَنْ لا يُفْشِيَ عَلَيْنا سِرَّنا.
قولُهُ تَعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ} يحذرُ: خبرٌ عَنْ حالِ قلوبهم، والمصدرُ المنسبكُ من “أَنْ تُنَزَّلَ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ ل “يحذَر”، فإنَّ “يَحْذَر” مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِقولِهِ تعالى في سورة آلِ عمران: {وَيُحَذِّرْكُمُ الله نَفْسَهُ} الآية: 30. فلولا أَنَّهُ مُتَعَدٍّ في الأَصْلِ لِواحِدٍ لَما اكْتَسَبَ التَضْعيفُ مَفْعولاً ثانياً، ومن ذلك قولُ الشاعر:
حَذِرٌ أُموراً لا تَضيرُ وآمِنٌ …………….. ما ليسَ مُنْجيَه من الأَقْدارِ
هذا البَيْتٌ مَصْنُوعٌ، صَنَعَهُ أَبَانُ اللاحِقِيُّ، صاحبُ أبي نُواسٍ، كما روى الإمامُ السُيوطيِّ في كتابه (المزهرِ في علومِ اللّغةِ)، صَنَعَهُ لِسيبَوَيْهِ حين سألَهُ: هل تحفظُ للعرَبِ شاهداً على إعمالِ فَعِلَ قال: فوَضَعْتُ لَهُ هذا البيت.
وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ “حَذِرَ” لا يَتَعَدَّى لأنَّهُ مِنْ هَيْئاتِ النَفْسِ كَ “فَزِعَ”، وهذا لا يصِحُّ فإنَّ مِنْْ هيئاتِ النَفْسِ ما هُوَ مُتَعَدٍّ ك “خاف”، و “خشِي”، وهابَ ،وأَحَبَّ وكَرِهَ وحَسَدَ وغيرها. فقد أَعْربَ المُبرِّدُ “أَنَّ تُنَزَّل” نَصْباً بِنَزْعِ الخافِضِ، أَيْ: مِنْ أَنْ تُنَزَّلَ.
وقولُهُ: {تُنَبِّئهم} هذه الجملةُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفَةً لقولِهِ تَعالى: “سورةٌ”.
وقولُهُ: {قُلِ اسْتَهْزِئوا} لَفْظُهُ الأَمْرُ ومعناهُ التَهْديدُ. وجملةُ: “قُلْ” مُسْتَأْنَفَةٌ.
وقولُهُ: {إن الله مخرج ما تحذرون} ما: هذا الموصولُ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ بِهِ لاسْمِ الفاعِلِ “مُخْرِجٌ”، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ.
قرَأَ الحَسَنُ والأَعْرَجُ وعاصِمُ والأَعْمَشُ: {أَنَّ تُنَزَّل} بِفَتْحِ النُونِ مُشدَّدَةَ الزايِ وَقَرَأَ أَبو عَمْرٍو وجماعَةٌ مَعَهُ “أَنْ تُنْزَل” ساكنةَ النُونِ خَفيفةَ الزايِ.

فيض العليم … سورة التوبة الآية: 63


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
(63)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ} المُحَادَّةُ: المُشَاقَّةُ، وَالمُخَالَفَةُ، وَالمُعَادَاةُ، والمعانَدَةُ، ومجاوَزَةُ الحَدِّ. قيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحَدِّ وهُوَ حَدُّ السِلاحِ الذي يُحارَبُ بِهِ مِنَ الحَديدِ. وقِيلَ: مِنَ الحَدِّ الذي هُوَ الجِهَةُ كأَنَّهُ في حَدٍّ غَيرِ حَدِّ صاحِبِهِ كَقَوْلِهم: شاقَّهُ، أيْ: كانَ في شِقٍ غَيرِ شِقِّ صاحِبِهِ. وعاداهُ: أَيْ كانَ في عُدْوَةٍ غَيْرِ عُدْوَتِهِ.
يقولُ ـ سُبْحانهُ وتَعالى، مهدِّداً متوعِّداً أُولئِكَ المُنافِقينَ الذينَ كانوا مَدارَ الحَديثِ في الآياتِ المُتَقَدِّماتِ، وغيرَهم ممَّنْ كانَ مثلَهم، فسَلَكَ سَبِيلَ العِداءِ للهِ ولِلرَسولِ وللمُؤمنين، أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وتَعَدّى حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَحَارَبَ اللهَ ورسولَهُ وَخَالَفَهُمَا، وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ: “فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا” يَصْلاها ويُشوى بِها، وَيَبْقَى خَالِداً فِيهَا ما شاءَ اللهُ ذَلِكَ، وذلك هو “الْخِزْيُ الْعَظِيمُ” والذُّلُّ العميمُ والعذابُ المقيمُ، وَالشَّقَاءُ الذي لا شَقَاءَ مِثْلُهُ، والخَسارةُ الكُبرى التي لا تَعْدِلُها خسارةٌ أَبَداً. فقد أَخْرَجَ أَبو الشَيْخِ عَنْ يَزيدِ بْنِ هَرونَ قال: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقال في خُطْبَتِهِ: يُؤْتَى بِعَبْدٍ قدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ، وبَسَطَ لَهُ في الرِزْقِ، قَدْ أَصَحَّ بَدَنَهُ، وقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَيُوقَفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعالى، فيُقالُ لَهُ: ماذا عَمِلْتَ لِيَوْمِكَ هَذا، وما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَلا يَجِدُهُ قَدَّمَ خَيراً، فَيَبْكي حتى تَنْفَدَ الدُموعُ، ثمَّ يُعَيَّرُ ويَخْزَى بما ضَيَّعَ مِنْ طاعَةِ اللهِ، فيَبْكي الدَمَ، ثمَّ يُعَيَّرُ ويَخْزَى حتى يَأْكُلَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ، ثمَّ يُعَيَّرُ ويَخْزَى بما ضَيَّعَ مِنْ طاعَةِ اللهِ، فيَنْتَحِبُ حتّى تَسْقُطَ حَدَقَتاهُ على وَجْنَتَيْهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنْهُما فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، ثمَّ يُعَيَّرُ ويَخْزَى حتَّى يَقولَ: يا رَبِّ ابْعَثْني إلى النَارِ وارْحَمْني مِنْ مَقامي هذا. وذَلِكَ قَوْلُهُ: “أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ فَأِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ”.
قولُهُ تَعالى: {أَلَمْ يَعْلَموا} هُوَ الْتِفاتٌ مِنَ الغَيْبة إلى الخِطابِ، إنْ كانَ المُرادُ المُنافِقين. وقيلَ: الخطابُ للنبيِّ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأَتى بِصيغَةِ الجَمْعِ تَعْظيماً كما قالَ العَرْجيُّ مخاطباً امْرَأتَهُ:
وإنْ شئتِ حرَّمْتُ النِساءَ سِواكُمُ .. وإنْ شئتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
النُقاخُ: الماءُ العَذْبُ الذي يَنْقَخُ الفُؤادَ بِبَرْدِهِ. والنَقْخُ: النَقْفُ،
وهوَ كَسْرُ الرَأْسِ عَنِ الدِماغِ. واسمُ العَرْجِيِّ: عبدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عُثمانَ الأُمَوِيُّ القُرَشيُّ. والعرجيُّ نِسْبَةً إلى العَرْجِ، وهوَ مَوْضِعٌ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةَ فيهِ وُلِدَ أَوْ كانَ يَنْزِلُ بهِ، وقد صَحِبَ مَسْلَمةَ ابْنَ عبدِ المَلِكِ، وكانَ شاعِراً فارِساً سَخِيّاً شُجاعاً، مَيّالاً للَّهْوِ والصَيْدِ، وكان أَكْثرَ شِعرِهِ وأَجودَهُ الغزلُ والنسيبُ.
وقيلَ: الخطابُ للمؤمنين، وبهذِهِ التَقديراتِ الثلاثَةِ يَخْتَلِفً مَعنى الاسْتِفْهامِ: فعَلَى الأَوَّلِ يَكونُ الاسْتِفْهامُ للتَقْريعِ والتَوْبيخِ، وعلى الثاني يَكونُ للتَعَجُّبِ مِنْ حالِهم، وعلى الثالثِ يكونُ للتَقْريرِ.
والعِلْم هنا في قولِهِ: “أَلمْ يَعْلَموا” يُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ على بابِهِ فَتَسِدُّ “أَنَّ” مَسَدَّ مَفْعولَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومَسَدَّ أَحَدِهِما عِنْدَ الأَخْفَشِ والآخَرُ محَذوفٌ، ويحتَمَلُ أَنْ يَكونَ العلمُ هُنا بمعنى العِرْفانِ فتَسِدُّ “أَنَّ” مَسَدَّ مفعولٍ واحدٍ. و “مَنْ” شَرْطِيَّةٌ و {فَأَنَّ لَهُ نَارَ} جوابُها، وفُتِحتْ “أنَّ” بعدَ الفاءِ لِما تقدَّمَ بيانُه في سورةِ الأنْعامِ، والجملَةُ الشَرْطِيَّةُ في محَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “أنَّ” الأُولى. وهذا تخريجٌ واضِحٌ، وقد عَدَلَ عَنْ هَذا الواضِحِ جماعةٌ إلى وجوهٍ أُخرَ فقالَ الزمخشريُّ: ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “فأنَّ له” مَعْطوفاً على “أَنَّه” على أَنَّ جوابَ “مَنْ” محذوفٌ تَقديرُهُ: أَلم يَعْلَموا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ يُهْلَكْ “فأَنَّ لَهُ”. وقالَ الجُرْمِيُّ والمُبَرِّدُ: “أَنَّ” الثانيةُ مُكَرَّرةٌ للتَوْكيدِ، كأَنَّ التَقديرَ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وكُرِّرَتْ “أنَّ” توكيداً. وشبَّهَهُ أَبو البَقاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النحلِ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوءَ} ثم قالَ: {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} الآية: 119، قالَ:
“والفاءُ على هذا جَوابُ الشَرْطِ”.
وقد رَدَّ الشيخُ أبو حيّانَ الأَنْدَلُسيُّ على الزَمَخْشَريِّ، قولَهُ بِأَنَّهم نَصُّوا على أَنَّهُ إذا حُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ، لَزِمَ أَنْ يَكونَ فِعْلُ الشَرْطِ ماضياً، أوْ مُضارِعاً مَقْروناً بِ “لم”، والجوابُ على قولِهِ محذوفٌ، وفعلُ الشَرْطِ مُضارِعٌ غيرُ مُقْتَرِنٍ بِ “لم”، وأَيْضاً فإنَّا نَجِدُ الكلامَ تامّاً بِدونِ هَذا الذي قَدَّرَهُ.
وقد نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قالَ: “الثانيةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى”، وهذا لا يَصِحُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ فإنَّهُ ضَعيفٌ أوْ ممتَنِعٌ بوَجهين، أوَّلُهُما: أَنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، والحُكْمُ بِزِيادَتِها ضَعيفٌ. وثانيهُما: أَنَّ جَعْلَها بَدْلاً يُوجِبُ سُقوطَ جَوابِ “مَنْ” مِنَ الكَلامِ. وقالَ القاضي أبو محمَّدٍ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهذا يُعْتَرَضُ بأَنَّ الشيءَ لا يُبَدَّلُ مِنْهُ حَتى يُسْتَوْفى، والأُولى في هذا المَوْضِعِ لم يَأْتِ خَبرُها بَعْدُ، إذْ لمْ يَأْتِ جَوابُ الشَرْطِ، وتِلْكَ الجُمْلَةُ هِيَ الخبرُ. وأَيْضاً فإنَّ الفاءَ تمانعُ البدلَ، وأَيْضاً فهي في معنًى آخَرَ غيرِ البدَلِ فَيَقْلَقُ البَدَلُ. وقال بعضُهم: فيَجِبُ على تَقديرِ اللامِ، أَيْ: فَلأَنَّ لَهُ نَارُ جَهَنَّمَ وعلى هَذا فلا بُدَّ مِنْ إِضْمارِ شَيْءٍ يَتِمُّ بِهِ جَوابُ الشَرْطِ تَقْديرُهُ: فمُحادَّتُه، لأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ.
وهَذِهِ كُلُّها تَكَلُّفاتٌ لا يُحْتاجُ إلَيْها، فالأَوْلى ما تَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ: وهُوَ أَنْ يَكونَ “فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ” في مَحَلِّ رَفْعٍ بالابْتِداءِ، والخَبَرُ محذوفٌ، ويَنْبَغِي أَنْ تُقَدِّرَهُ مُتَقَدِّماً عَلَيْها كما فَعَلَ الزَمَخْشَرِيُّ وغيرُهُ أَيْ: فحَقٌّ أَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ. وقَدَّرَهُ غيرُهُ مُتَأَخِّراً، أَيْ: فأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ واجِبٌ. كذا قدَّرَهُ الأَخْفَشُ. ورَدُّوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّها لا يُبْتَدَأُ بها، وهذا لا يُلْزِمُه فإنَّه يُجيزُ الابْتِداءَ بِ “أَنَّ” المفتوحَةِ مِنْ غيرِ تَقديمِ خَبرٍ، وغَيرُهُ لا يُجيزُ الابْتِداءَ بِها إلاَّ بِشَرطِ تَقَدُّمِ “أَمَّا”، نحوَ: “أمَّا أَنَّكَ ذاهِبٌ فَعِنْدِي” أَوْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الخَبَرِ نحوَ: “عِنْدِي أَنَّكَ مُنْطَلِقٌ”. وقيلَ: “فَأَنَّ لَهُ” خَبرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: فالواجِبُ أَنَّ لَهُ. وهذِهِ الجُمْلةُ التي بَعْدَ الفَاءِ مَعَ الفاءِ في محَلِّ جَزْمٍ جَواباً للشَرْطِ. و “خالداً” نَصْبٌ عَلى الحالِ.
قرأَ الجُمْهورُ: “يَعْلموا” بِياءِ الغَيْبَةِ رَدَّاً على المنافقين. وقرأَ الحَسَنُ والأَعْرَجُ: “تَعْلموا” بتاءِ الخِطابِ.
وقرأ الجمهورُ: {فأنَّ له نارَ جهنَّمَ} بالفتحِ، وقَرَأَ أَبو عَمْرٍو فيما رَواهُ أَبو عُبَيْدَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ أَبي عَبْلَةَ: “فإنَّ” بالكَسْرِ، وهيَ قِراءةٌ حَسَنَةٌ قَوِيَّةٌ، تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ بها بَعْضُ السَبْعَةِ في الأَنْعامِ، وتَقَدَّم توجيهُها هناك.

فيض العليم … سورة التوبة الآية: 62


يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
(62)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّه: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} خِطابٌ للمُؤْمِنينَ الذينَ كانَ المنافِقونَ يَذْكُرونَهم بالسُوءِ، ثمَّ يَأْتونَ مُعْتَذِرين إليهم بعدَ ذلك. وهذا نوعٌ آخَرُ مِنْ أَفعال المنافقين القَبيحةِ وهو إقدامِهم على اليَمين الكاذبة حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَنْ رُؤَسَاءِ المُنَافِقِينَ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا، وَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقّاً، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمَارِ. ثُمَّ ذَهَبَ المُسْلِمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُحَدِّثُهُ بِمَا جَرَى. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى المُنَافِقِ وَسَأَلَهُ، وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ فَأَخَذَ المُنَافِقُ يَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا قَالَ ذَلِكَ. وَقَالَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ، وَكَذِّبْ الكَاذِبَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الْكَرِيمَةَ. جاءَ ذلكَ فيما أَخْرَجَ الطبريُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنْ قَتادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عُنْهُ، قَوْلَهُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ: وَاللهِ إِنَّ هَؤُلاءِ لَخِيَارُنَا، وَأَشْرَافُنَا وَلَئِنْ كَانَ ما يقولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، قَالَ: فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّ مَا يَقُولُ محمَّدٌ لَحِقٌ، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ، فَسَعَى بِهَا الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ المنافقِ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ؟! فَجَعَلَ يَلْتَعِنُ وَيَحْلِفُ بِاللهِ مَا قَالَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: “يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ”. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ أيضاً عَنِ السُدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. مِثْلَهُ، وسمَّى الرَجُلَ المُسْلِمَ بأنَّهُ عامرُ بْنُ قيْسٍ مِنَ الأَنْصارِ. ورَوَى الإمامُ البَغَوِيُّ في تفسيرِهِ عن قتادَةَ والسُدِّيِّ ـ رضي اللهُ عنهما، قريباً من ذلك فقالَ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنْ المُنافقين فيهِمُ الجّلاَّسُ بِنْ سُوَيْدٍ، ووديعةُ بْنُ ثابتٍ، فوَقَعوا في النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وقالوا: إنْ كانَ ما يَقولُ محمَّدٌ حَقّاً فنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَميرِ، وكانَ عِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأَنْصارِ يُقالُ لَهُ عامرُ بْنُ قَيْسٍ، فحَقَروهُ وقالوا هذِهِ المَقالَةَ، فغَضِبَ الغُلامُ وقالَ: واللهِ إنَّ ما يَقولُ محمَّدٌ حَقٌّ وأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الحَميرِ، ثمَّ أَتى النَبيَّ ـ صَلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخْبَرَهُ، فدَعاهُمْ وسَأَلَهم رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَليْه وسَلَّم، فحَلَفوا أَنَّ عامراً كذّابٌ. وحَلَفَ عامِرٌ أَنَّهمْ كَذَبَةٌ، فَصَدَّقَهم النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فجَعَلَ عامرٌ يَدْعُو ويَقولُ: اللهُمَّ صَدِّقِ الصادِقَ، وكَذِّبِ الكاذِبَ. فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الآية.
وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافقينَ تَخَلَّفوا عَنْ غَزْوَةِ تَبوك، فلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، أَتَوْهُ يَعْتِذِرونَ إلَيْهِ ويَحْلِفونَ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى هذِهِ الآيَةَ.
قولُهُ: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} أَيْ: أَحَقُّ بالإرْضاءِ، وهذا لا يَتَسنّى لهم إلاَّ بالطاعَةِ للهِ والمتابعةِ لرسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّم، وإيفاءِ حقوقِهِ، من الإجلالِ والإعظامِ مَشْهَداً ومَغيباً، وأَمَّا ما أتَوا بِهِ من الأَيمان الفاجِرَةِ فإنَّما يَرْضَى بِهِ مَنِ انْحَصَرَ طريقُ عِلْمِهِ في الأَخْبارِ إلى أَنْ يَجيءَ الحقُّ ويَزْهَقَ الباطلُ. فَإنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ الذين يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَىً للنَّبِيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، لِيُرْضُوكُمْ، حتى لاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ بذلك، مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِأنْ يُرْضَوهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ، لأَنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فلو أَنَّ هؤلاءِ كانوا مُؤمنينَ حَقّاً لَعَلِمُوا ذَلِكَ يَقيناً و لكانوا آمَنوا بِهِ.
قال العلماءُ: لقد تَضَمَّنَتْ هذِهِ الآيةُ قَبُولَ يَمينِ الحالِفِ وإنْ لمْ يَلْزِمِ المحلوفَ لَهُ الرِّضا. واليَمينُ حَقٌّ للمُدَّعي. وتَضَمَّنتْ أَنْ يَكونَ اليَمينُ باللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ، لقولِهِ تعالى: “يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ” حسب ما تقدم. ولقولِه ـ صلى الله عليه وسلَّمَ: ((مَنْ حَلَفَ فلْيَحْلِفَ باللهِ أَوْ لِيَصْمِتْ، ومَنْ حُلِفَ لَهْ فَلْيُصَدِّقْ)). وقد مَضى القولُ في الأَيمانِ والاسْتِثْناءِ فيها مستوفىً في سورةِ المائدةِ.
قولُهُ تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} جَوابُ القَسَمِ
“يحلفون” محذوفٌ، والتقديرُ: يَحلِفونَ باللهِ لكم لَيَكونَنَّ كَذا، وقال الأخفشُ في (معاني القرآن): وَلا أَعْلَمُهُ إلاَّ على قولِهِ: “لَيُرْضُنَّكُم” كما قال الشاعر:
إِذا قُلْتُ قَدْنِي قالَ باللهِ حِلْفَةً …………. لَتُغِنِيَ عَنّي ذا أَنائِكَ أَجْمَعا
أيْ: لَتُغْنِيَنَّ عني. وهوَ نحو قولِهِ تعالى في سورة الأَنْعامِ: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} الآية: 113. أَيْ: ولَتُصْغِيَنَّ.
والمعنى المُرادُ في البَيْتِ: إذا شَرِبَ الضَيْفُ مِنْ إناءِ اللَّبنِ وقالَ: قِدْني, أَيْ: حَسْبيَ أَقْسَمْتُ عَلَيْهِ باللهِ لَتُغْنيَ عَني ذا إنائك أَجمعَاً، فاللامُ في “لَتُغْني” لامُ القَسَمِ وهيَ مَفْتوحةٌ، وتُغْني: أَيْ تُبْعِدُ عَني, يَقولونَ: أَغْنِ عَنِّي وجهَكَ أَيْ أَبْعِدْهُ، وأَرادَ: لا تُرْجِعْهُ إليَّ. وذا إنائك: أَيْ ما في إنائكَ مِنَ اللَّبَنِ، وهُو مَفعولُ “تُغْني” أَيْ: حَلَفَتُ عَلَيْهِ لَيَشْرَبَنَّ جميعَ ما في الإناءِ. والياءِ التَحْتَيَّةُ في قولِهِ: “لَتُغْنيَ” مَفْتوحةٌ فَتْحةَ بِناءٍ, فإنَّ أَصْلَهُ “لَتُغْنِيَنَّ” بِنُونِ تَوكِيدٍ فحَذَفَها تخفيفاً وأَبْقَى فَتْحَةَ ما قبْلَها دَليلاً عليها.
وجملةُ “واللهُ ورسولُهُ أَحَقُّ” حالِيَّةٌ مِنْ فاعِلِ “يحلفون”، في محلِّ نَصْبٍ، والمَصْدَرُ المُنسبِكُ مِنْ “أنْ يُرضوهُ” في مَحلِّ نَصبٌ بنَزْعِ خافِضِهِ “الباء”، وقد أُفْرِدَ الضَميرُ في “يرضوه”، والأَصْلُ فيه المطابِقَةُ؛ لأنَّ التَقديرَ: وأَمْرُ اللهِ ورَسُولِهِ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، فإرْضاءُ اللهِ إرْضاءٌ لِرَسُولِهِ، وكلٌ مِنْهُما يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ. لقولِهِ تعالى في سورة النساء: {مَنْ يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ}، الآية: 80. ولقولِه في سورة الفتح: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله}، الآية: 10، فلذلك جَعلَ الضميرين ضميراً واحداً للتنْبيهِ على ذلك. أو لأنَّ الضميرَ عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحِدِ بِتَأْويلِ “المذكور” كقولِ رُؤبةَ العَجّاج:
فيها خطوطٌ مِنْ سوادٍ وبَلَقْ …………… كأنَّه في الجلد تَوْلِيْعُ البَهَقْ
أيْ: كأنَّ ذاكَ المَذْكورَ. وقد تَقَدَّمَ بيانُ هذا في أوائلِ سورةِ البَقَرَةِ.
وقالَ المبرِّدُ: في الكلامِ تَقديمٌ وتأخيرٌ تَقديرُهُ: واللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ورُسُولُهُ. وهذا على رأي مَنْ يدَّعي الحَذْفَ من الثاني. ومذهَبُ سيبويْهِ أَنَّه حَذَفَ خَبَرَ الأَوَّلَ وأَبْقى خبرَ الثاني. وهُو أَحْسَنُ مِنْ قولِ المُبرِّدِ بعَكْسِهِ، لأنَّ فيهِ عَدَمَ الفَصْلِ بينَ المُبتدأ أوْ خَبرِهِ، ولأنَّ فيهَِ أَيْضاً الإِخبارُ بالشيءِ عَنِ الأَقرَبِ إليْهِ، وهو متعيَّنٌ أيضاً في قولِ الشاعرِ قيسِ بْنِ الخطيمِ الأنصاريِّ:
نحن بما عندنا وأنت بما ………………. عندكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
أيْ: نحنُ راضُون، حَذَفَ “رَاضونَ” لِدَلالَةِ خبرِ الثاني عَلَيْهِ.
قالَ القاضي أبو محمَّدٍ ابْنُ عَطِيَّة شارحاً مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهما جملتانِ حُذِفَتِ الأُوْلى لِدَلالَةِ الثانيةِ عليها. فقالَ الشَيْخُ أبو حيّان الأندلُسيُّ معقِّباً عَلَيْهِ: (إنْ كانَ الضَميرُ في أيِّهما عائداً على كُلِّ واحدةٍ مِنَ الجُمْلَتَينِ فكيفَ يَقولُ “حُذِفَتِ الأُولى” والأُوْلى لم تُحْذَفْ، إنما حُذِفَ خبرُها، وإنْ كانَ عائداً على الخبرِ وهُوَ {أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} فلا يكونُ جملةً إلاَّ باعْتِقادِ أَنْ يَكونَ “أَنْ يُرْضُوه” مَبْتَدَأً وخَبَرُهُ “أَحَقُّ” مُقدَّماً عَلَيْهِ، ولا يَتَعيَّنُ هذا القولُ إذْ يَجوزُ أَنْ يَكونَ الخَبَرُ مُفْرَداً بِأَنْ يَكونَ التَقديرُ: أَحَقُّ بأَنْ تُرْضُوهُ). وإنَّما أَرَادَ ابْنُ عطيَّة التَقديرَ الأَوَّلَ وهوَ المَشْهورُ عندَ المُعْربين، يجعلونَ “أَحَقُّ” خَبَراً مُقدَّماً، و “أَنْ يُرْضُوهُ” مُبْتَدأً مُؤخَّراً، أَيْ: واللهُ ورَسُولُه إرْضاؤُهُ أَحَقُّ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا قريباً في قولِهِ: {فاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} الآية: 13. مِنْ هَذِهِ السُورَةِ.
وقولُهُ: {إِنْ كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} شَرْطٌ جَوابُهُ محذوفٌ أَوْ مُتَقَدِّمٌ. وجملةُ “إن كانوا مؤمنين” مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها، وجَوابُ الشَرْطِ محذوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.

فيض العليم … سورة التوبة الآية: 61


وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بِالكَلاَمِ فِيهِ، وقولُهُ: “يُؤْذُونَ” لَفْظٌ عامٌّ يَعُمُّ أَنْواعَ إيذَائهم لَهُ، ثمَّ خصَّ بعدَ ذلكِ قولَهم: “هُوَ أُذُنٌ”، وقد رُوِيَ أَنَّ قائلَ هَذِهِ المَقالَةَ هو نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكانَ مِنْ مَرَدَةِ المُنافقين، وفيهِ قالَ ـ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ)). وكانَ ثائرَ الرَأْسِ، مُنْتَفِشَ الشَّعْرِ، أَحمرَ العَيْنَيْنِ، أَسْفَعَ الخَدَّيْن، مُشَوَّهاً. وأَسْفَع مِنَ السُفْعَةِ بضَمِّ السينِ: وهو سَوادٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ.
قولُهُ: {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} هُوَ أُذُنٌ: أيّْ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَكلُّ مَنْ قَالَ لَهُ شَيْئاً صَدَّقَهُ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا. و “الأُذْنُ” الرَجُلُ الذي يُصَدِّقُ كلَّ ما يَسْمَعُ، ويَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ أَحَدٍ، سُمِّيَ بالجارِحَةِ التي هي آلةُ السَّماعِ كأَنَّ جُمْلَتَهُ أُذُنٌ سامِعَةٌ ونَظيرُهُ قولُهم للرَبيئَةِ، أَيْ طَليعة الجيش، التي تَستطلِعُ أَخبارَ العدوِّ وأَحوالَهُ: عَينٌ. من ذلك قولُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
أَيُّها القلبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ ………………….. إنَّ همّي مِنْ سماعٍ وأُذُنْ
الددنُ: اللهْوُ. وقد وصفوا به الذَكَرَ والأنْثى والواحدَ والجمعَ. فيُقالُ: رَجُلٌ أُذُنٌ، وامرأة أذن ورجالٌ ونِساءٌ أُذُنٌ، فلا يُثنّى ولا يُجْمَعُ. إنَّما سمّوهُ باسْمِ العُضْوِ تَهْويلاً وتَشْنيعاً، فهو مجازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ فيهِ الجَزْعُ على الكُلِّ مُبالَغةً لِفَرْطِ اسْتِماعِهِ، كما سمِّيَ الجاسوسُ عَيْناً.
وقيل: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ؛ إِذا اسْتَمَعَ؛ ومِنْهُ قولُ الشاعرِ قَعْنَب بْنُ أُمِّ صاحِبٍ:
إنْ يَسْمَعوا رِيبَةً طاروا بها فَرَحاً ……. مني وما سَمِعُوا من صالحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه …… وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
فإنَّ معنى الآيةِ: ومِنْ هؤلاءِ المنافقين قومٌ يُؤذونَ النبيَّ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فيَقولونَ عَنْهُ أَنَّهُ كَثيرُ السَماعِ والتَصْديقِ لِكُلِّ ما يُقالُ لَهُ بِدونِ تَمْييزٍ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ.
وقيلَ هو مِنْ بابِ إطْلاقِ الجُزْءِ على الكُلِّ للمبالَغَةِ، كَقَوْلِ الشيخ شرفِ الدين ابْنِ الفارِضِ ـ رحمه اللهُ:
إذا ما بَدَتْ لَيْلى فُكُلِّي أَعْيُنٌ ……….. وإنْ هِيَ ناجَتْني فَكُلِّي مَسامِعُ
قوْلُهُ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} هو رَدٌّ عليهم بما يُخْرِسُ أَلْسِنَتَهم، ويَكْبِتُ أَنْفُسَهم، فهوَ مِنْ إضافَةِ المَوْصوفِ إلى الصِفَةِ للمُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَلاحِ، كقولِهم: فُلانٌ رَجُلُ صِدقٍ. أي: قَدْ بَلَغَ النِهايَةَ في الصِدْقِ والاسْتِقامَةِ. كأنَّهُ قيلَ: نَعَمْ هُوَ أُذُنٌ ولكنْ نِعْمَ الأُذُنُ. فهُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقّاًُ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الإِضافةُ فيه على مَعنى “في”، أي: هوَ أُذُنٌ في الخيرِ والحقِّ، وليسَ بِأُذُنٍ في غيرِ ذَلِكَ مِنْ وُجوهِ الباطِلِ والشَرِّ.
وهذه الجملةُ الكريمةِ مِنْ أَسمى أَساليبِ الرَدِّ على المُرْجِفينَ الفاسِقينَ وأَحكَمِها، لأنَّهُ سبحانه، صدَّقَهم في كونِهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهَ وسلَّمَ، أُذُناً، ولكن بما هُوَ مَدْحٌ لَهُ، ولا شيءَ أَبْلَغُ من هذا الوجه في الرَدِّ عليهم، لأنَّه أطْمعَهم بالمَوافَقَةِ على ادِّعائهم ثمَّ نَقَضَ طَمَعَهم بالحسم، وأَعقبَهم في تَنَقُّصِهِ باليأَسِ منه.
قولُهُ: {يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} تَفْسيرٌ وتَوْضيحٌ لِكَوْنِهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أُذُن خَيرٍ لهم لا أُذُنُ شَرٍّ عَلَيْهم. فإِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، إذ أَنَّ مِنْ مظاهر كونِهِ أُذُنَ خيرٍ، أنَّه “يؤمن بالله” إيماناً حَقًّاً ليَس فيه شَيءٌ مِنَ الخداعِ أو الرِياءِ، أَوْ غيرِ ذلك، و “يُؤْمِنُ للمُؤمِنين” أيْ: يُصَدِّقُهم فيما يَقولونَهُ مِنْ أَقوالٍ تُوافِقُ الشَرْعَ لأَنهم أَصْحابُهُ الذين أَطاعوه، واتَّبَعوا النُورَ الذي أُنْزِلَ مَعَهُ، فهم أَهْلٌ للقبولِ والتصديقِ دونَ غيرِهم. ولما كانَتْ أَخبارُ المُنافِقينَ تَصِلُ إِلى النبيِّ ـ صَلَّى الله عليه وسلَّمَ، تارةً بإِخبارِ الله تعالى لَهُ، وتارةً بإِخبارِ المؤمنينَ، وهُمْ عُدولٌ، ناسَبَ اتِّصالُ قولِهِ سبحانَهُ: “يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ” بما قَبْلَهُ، فيكونُ التَصديقُ هُنا خاصًّا بهذِهِ القَضيَّةِ، وإِنْ كانَ ظاهرُ اللفْظِ عامًّا؛ إِذْ مِنَ المعلومِ أَنَّهُ ـ صَلَّى الله علَيْهِ وسَلَّمَ، لم يَزَلْ مُصَدِّقاً باللهِ.
قولُه: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، كما قالَ في حقِّهِ: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} الآية: 128. من هذه السورة، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ كما قال تعالى في سورة النساء: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} الآية: 41.
قولُهُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ، قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الآخِرَةِ. وإيرادُهُ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بعنوانِ الرِسالةِ مُضافاً إلى الاسْمِ الجَليلِ لِغايَةِ التَعظيمِ والتَنْبيهِ على أَنَّ أَذِيَّتَهُ راجعةٌ إلى جنابِهِ ـ عزَّ وجَلَّ، مُوجِبَةٌ لِكمالِ سُخْطِه وغَضَبه.
أَخْرَجَ ابْنُ إسْحقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: “كَانَ نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ فَيَسْتَمِعُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: “وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ”.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، قولَه: “وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنُ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ”. قَالَ: “اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ: جِلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ، وَمَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَرَادُوا أَنْ يَقَعُوا فِي النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَبْلُغَ مُحَمَّدًا فَيَقَعُ بِكُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنَا، وَعِنْدَهُمْ غُلامٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُدْعَى عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَحَقَّرُوهُ فَتَكَلَّمُوا، وَقَالُوا: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنْ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهَا الْغُلامُ فَغَضِبَ، وَقَالَ: وَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَإِنَّكُمْ لَشَرٌ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَبَلَّغْهَا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَاهُمْ، فَحَلَفُوا بِاللهِ إِنَّ عَامِرًا لَكَاذِبٌ، وَحَلَفَ عَامِرُ إِنَّهُمْ لَكَذِبَةٌ فَصَدَّقَهُمُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَامِرٌ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقَ بَيْنَنَا حَتَّى تَبَيَّنَ صِدْقُ الصَّادِقَ مِنْ كَذَبِ الْكَاذِبِ، وَقَدْ كَانَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُنَافِقِينَ، وَاللهِ إِنِّي لأَرَى أَنَّا شَرَّ خَلْقِ اللهِ وَخَلِيقَتِهِ، وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِئَةَ جَلْدَةٍ، وَأَنَّهُ لا يَنْزِلُ فِينَا شَيْءٌ يَفْضَحُنَا فَعِنْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا، وَقَالُوا: “هُوَ أُذُنٌ”.
قولُهُ تَعالى: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أُذُنُ: خبرُ لمبْتَدَأٍ محذوفٍ، تقديره:
هو، أيْ: قلْ هُوَ أُذُنُ خَيرٍ. وهو مضافٌ، و “خيرٍ” مضافٌ إليه، والخبرُ هو متعلَّقُ “لكم”، وجُوِّزَ، أنْ يكونَ “خيرٌ” بالرَفْعِ على أنَّه صِفِةٌ لِ “أُذُنُ”. وجُوِزَ أَنْ يَكونَ “أَذُن” صِفَةً مُشَبَّهَةٍ مِنْ أَذِنَ يَأْذَنُ إذْناً، إذا اسْتَمَعَ، وأَنْشَدوا لقَعْنَبَ:
إنْ يَسْمَعوا رِيبَةً طاروا بها فَرَحاً …… مِنّي، وما سمِعوا مِنْ صالحٍ دَفَنوا
صُمٌّ إذا سمِعوا خَيراً ذُكِرْتُ بِهِ ……… وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أَذِنُوا
وعلى هذا هُوَ صِفَةٌ بمَعْنى سميعٌ ولا تَجَوُّزَ فيهِ
وجملةُ “يؤمن” خبرٌ ثانٍ للمُقَدَّرِ، فيكونَ خبراً بعد خبرٍ. و “خير” يجوزُ أَنْ تَكونَ وَصْفاً مِنْ غيرِ تَفضيلٍ، أَيْ: أُذُنُ ذو خيرٍ لَكم، ويَجوزُ أََنْ تَكونَ على بابها من التَفْضِيلِ، أَيْ: أَكْثَرُ خيرٍ لكم. وجَوَّزَ أبو الفَضْلِ الرازي صاحبُ “اللوامح” أَنْ يَكونَ “أُذُن” مُبْتَدَأً و “خير” خبرُها، وجازَ الابْتِداءُ هُنا بالنَكِرَةِ لأنها مَوْصوفةٌ تَقديراً، أَيْ: أُذُنٌ لا يُؤاخِذُكم خَيرٌ لَكم مِنْ أُذُنٍ يُؤاخِذُكُمْ.
و يقالُ: أَذِنَ يَأْذَنُ فهو “أُذُن” عَلى وزن “فُعُل” كأُنُف، قالَ القاضي عُمَرُ بْنُ أَبي بَكْرٍ المَوْصِلِيِّ:
وقد صِرْتَ أُذْناً للوُشاةِ سَميعةً .. يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولو شئتَ ما نَالوا
قولُهُ: {وَرَحْمَةٌ}، هُوَ عَطْفٌ على “يُؤْمِنُ”؛ و “يُؤْمِنُ” في محلِّ رَفْعٍ صفةً لِ “أُذُن” والتَقديرُ: أُذُنٌ مُؤْمِنٌ ورَحمةٌ. ويجوزُ “ورحمةٍ” بالجَرِّ نَسَقاً على “خيرٍ” المخفوضِ بإضافةِ “أُذُن” إليه. وعلى هذا فالجملة معترضةٌ بين المتعاطفين تَقديرُهُ: أُذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. ويجوزُ “ورحمةً” نَصْباً عَلى أَنَّهُ مَفْعولٌ مِنْ أَجلِهِ، والمُعَلِّلُ محذوفٌ، أَيْ: يَأْذَنُ لكم رَحمةً بِكُم، فحُذِفَ لدَلالَةِ قولِهِ: “قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ”.
والباءُ في “يؤمن بالله” واللامُ في “ويؤمن للمؤمنين” مُعَدِّيتان قد تقدَّم الكلامُ عليهما. وقالَ الزَمخْشَرِيُّ: قَصَدَ التصديقَ باللهِ الذي هُوَ نقيضُ الكُفْرِ فَعَدَّى بالباءِ، وقَصَدَ الاسْتِماعَ للمؤمنين، وأَنْ يُسَلِّم لهم ما يقولون فعَدَّى باللام، أَلا تَرى إلى قولِهِ في سورة يوسُف: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} الآية: 17. ما أَنابهُ عَنِ الباءِ، ونحوِهِ: {فَمَا آمَنَ لموسى} سورة يونس، الآية: 83. و {أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون} سورة الشعراء، الآية: 111. و {آمَنتُمْ لَهُ} الشعراءُ الآية: 49. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هما زائدتان، والمعنى: يُصَدِّقُ اللهَ ويُصَدِّقُ المؤمنين. وهذا قولٌ مَرْدودٌ، ويَدُلُّ على عَدَمِ الزِيادَةِ تَغايُرُ الحَرْفِ الزائدِ، فلَوْ لم يُقْصَدْ معنىً مُسْتَقِلٌّ لَمَا غايَرَ بين الحَرْفينِ، وقالَ المبرِّدُ: هيَ مُتَعَلِّقَةٌ بمَصدَرٍ مُقدَّرٍ مِنَ الفِعْلِ كأنَّهُ قالَ: وإيمانُهُ للمُؤمنينَ. وقيلَ: يُقالُ: آمَنْتُ لَكَ بمَعنى صَدَّقْتُكَ، ومِنْهُ قولُهُ تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} وهذِه اللامُ في ضِمْنِها “ما” فالمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونَه به. وقالَ أَبو البَقاءِ: واللامُ في “للمؤمنين” زائدةٌ دَخَلَتْ لتفرِّقَ بين “يؤمن” بمعنى يُصَدِّق، وبين يُؤمنُ بمعنى يُثْبِتُ الإِيمان.
قرأَ الجمهورُ: {خيرٍ} على الجَرِّ بإِضافةِ “أذنُ” إليها كما تقدَّمَ. وقرأَ الحَسَنُ ومجاهدٌ وزيدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبو بكرٍ عَنْ عاصِمٍ “أُذُنٌ” بالتنوين، “خيرٌ” بالرَفْعِ على أَنَّها وَصْفٌ لِ “أُذُن”.
وقرَأَ الجمهورُ: {ورحمةٌ}، رَفعاً نَسَقاً على “أُذُنٌ”، فيمن رَفَعَ “رَحمة”. وقرأَ حمزةُ والأعمش: “ورحمةٍ” بالجَرِّ نَسَقاً على “خيرٍ” المخفوضةِ بإضافةِ “أَذُن” إليه. وقرأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ: “ورحمةً” نصباً على أنَّهُ مفعولٌ مِنْ أَجْلِهِ.

فيض العليم … سورة التوبة الآية: 60


إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(60)
قولُهُ ـ تقدَّستْ ذاتُه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى اعْتِرَاضِ المُنَافِقِينَ الجَهَلَةِ، وَلَمْزَهُمُ النَّبِيَّ الكَرِيمَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ (أَمْوَالِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ)، بَيَّنَ اللهُ سبحانَه، أَنَّهُ هُوَ الذِي قَسَّمَهَا، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا، وَتَوَلَّى أَمْرَهَا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، وَلَمْ يَكِلْ قِسْمَتَهَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِه، فَجَزَّأَهَا لِهَؤُلاَءِ المَذْكُورِينَ فِي الآيَةِ. وَهُمْ:
1 ـ الفُقَرَاءَ: وَهُمْ مَنْ لَهُمْ مَالٌ قَلِيلٌ دُونَ النِّصَابِ أَيْ أَقَلَّ مِنْ 12 دِينَاراً. وأَصْلُ الفقيرِ في اللُّغَةِ: هو مَنْ كُسِرَ فِقارُ ظَهْرِهِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَنْ قَلَّ مالُهُ لانْكِسارِهِ بِسَبَبِ احْتِياجِهِ إلى غيرِهِ. أَوْ هُوَ مِنْ الفِقْرَةِ بمَعنى الحُفْرَة، ثمَّ اسْتُعْمِلَ فيما ذُكِرَ لِكَوْنِ الفقيرِ أَدْنى حالاً مِنْ كثيرٍ من الناسِ، كما أَنَّ الحُفْرَةَ أَدْنى مِنْ مُسْتَوى ما حولَها مِنْ أَرْضِ.
2 ـ المَسَاكِينَ: جمعُ مِسْكينٍ وهو مَأْخوذٌ مِنَ السُكونِ (ضدّ الحركة)، لأَنَّ احْتِياجَهُ إلى غيرِهِ خفَّفَ نشاطَهُ وأَسْكَنَهُ وأَذَلَّهُ. وَالمساكين هُمُ الَّذِينَ لاَ شَيْءَ لَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ غِنىً يُغْنِيهِمْ، وَلاَ يُفْطَنُ إِلَيْهِمْ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئاً.
وقد اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هذيْنِ الصِنْفَينِ مِنَ النَّاسِ أَيُّهِما أَشَدُّ حاجَةً وأَسْوَأُ حالاً مِنَ الآخَرِ، فقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المسْكِينُ أَحْسَنُ حالاً مِنَ الفقيرِ، واسْتَنَدوا في ذَلِكَ إلى نَصٍّ قُرآنيٍّ في قولِهِ تَعالى في سورة الكهف: {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ} الآيَةِ: 79. إذاً فهؤلاءِ المَساكينُ يَمْلُكونَ سَفِينَةً فهم عِنْدَهُم شِيْءٌ يَِمْلُكونَهُ. ولكنَّ العائدَ الذي يَأتيهم من هذه السَفينَةِ لا يَكْفيهم. وقال بَعضٌ آخرُ من العُلَماءِ عَكْسَ ذلِكَ، ورأَوا أَنَّ المِسْكينَ هُوَ مَنْ لا يَمْلُكُ شيئاً مُطْلَقاً، والفقيرُ هُوَ الذي يَجِدُ الكَفافَ. وعلى هَذا يَكونُ الفَقيرُ أَحْسَنُ حالاً مِنَ المِسْكينِ.
3 ـ العَامِلُونَ عَلَيْهَا: وَهُمْ السُّعَاةُ وَالْجُبَاةُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونُوا مِنْ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، لأنَّ أَقْرِبَاءَ الرَّسُولِ لاَ تَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ. وقد جاءَ قولُهُ: “العاملين عَلَيْهَا” مُطْلَقاً؛ فلَمْ يُحَدِّدْ هَلْ يَسْتَحِقُّ الصَدَقَةَ مَنْ كانَ يَجْمَعُها وهُوَ فَقيرٌ، أَوْ مَنْ كانَ يَجْمَعُها وهو غيرُ مُحْتاجٍ. فإنْ قلنا بأنَّ جمعَ الصَدَقَةِ عَمَلٌ، وأنَّ غَيرَ المُحْتاجِ يجبُ أن لا يَأْخُذَ أَجْراً على جمعها، سيُصْبِحُ عَمَلُهُ تَفَضُّلاً ورُبَّما لَنْ يَكونَ بِنَفْسِ الكَفاءَةِ التي يَعْمَلُ بها منْ يأخذُ الأَجْرَ ولن نستطيع مساءلَتَه على تقصيره، ولذلك فإنَّ في تَقاضِيهِ الأَجْرَ مَصْلَحةٌ للمجتَمَعِ.
4 ـ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ، كما أخرجَ بنُ أبي حاتمٍ عَنِ الضَحَّاكِ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، قولَه: “وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ” قَالَ: قَوْمٌ مِنْ وجُوهِ الْعَرَبِ، يَقْدمُونَ عَلَيْهِ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا مَا دَامُوا، حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَرْجِعُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَي لِيُسْلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَي لِيَحْسُنَ إِسْلاَمُهُ، كالأقرَعِ بْنِ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنِ حُصْنٍ، والزِبْرِقان بْنِ بَدْرٍ، فقد أعطاهم ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، لمَكانَتِهمْ في عَشيرَتِهم، ولِشَرَفِهِمْ في أَقْوامِهِمْ. ومن هؤلاءِ العبَّاسُ بْنُ مِرداسٍ السُلميُّ، فقد أَعْطاهُ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، تَأْليفاً لِقَلْبِهِ، وتَثْبيتاً لإِيمانِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيَكُفَّ آذاهُ عَنِ المُسْلِمينَ. لأنَّ المسلمينَ في الزَمَنِ الأَوَّلِ كانوا ضِعافاً لا يَقْدِرونَ على حمايَةِ أَنْفُسِهم. والإحسانُ يُؤَلِّفُ قَلْبَ الإنْسانِ، فلا يَعْتَدي على مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ باللِّسانِ أَوْ باليَدِ، فقد أخرجَ أَبو نُعيْمٍ في الحُلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، والقُضاعِيُّ، والدَيْلَمِيُّ، بسندٍ ضعيفٍ عَن عبد اللهِ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلّمَ، قال: ((جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إلَيْها)). وفي ذلك قال الشاعرُ أَبو الفَتْحِ البَسْتيُّ:
أَحْسِنْ إلىَ النَّاسِ تَسْتعبدِ قُلُوبَهُم …… وطَالَما اسْتعبَد الإنْسانَ إحْسَانُ
وعندما أَعَزَّ اللهُ دَوْلَةَ الإسلامِ بالقُوَّةِ والعِزَّةِ والمَكانَةِ، مَنَعَ الخَليفَةُ الثاني عمرُ بْنُ الخَطّابِ ـ رضي اللهُ عنه، إعْطاءَ المُؤَلَّفَةِ قُلوبُهم نَصيباً مِنَ الزَكاةِ؛ لأنَّه لم يَجِدْ أَنَّ قُوَّةَ الإسْلامِ تحتاجُ أَحَداً من غيرهم؛ وقد وافقَهُ في ذلكَ الصَحابةُ ـ رضوانُ اللهِ عليهم.
أخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ: أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ: حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَبَو سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمِنْ بَنِي فَزَارَةَ: عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَمِنْ بَنِي تَمِيمٍ: الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَمِنْ بَنِي نَصْرٍ: مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ، وَمِنْ ثَقِيفٍ: الْعَلاءَ بْنَ حَارِثَةَ. أَعْطَى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِئَةَ نَاقَةٍ مِئَةَ نَاقَةٍ، إِلاَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى فَإِنَّهُ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ. وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَتَأَلَّفُ الأَعْرَابَ وَغَيْرَهُمْ.
5 ـ الرِّقَابِ: وهُمُ العَبِيدُ المُكَاتَبُونَ الذين أُسِروا في الحُروبِ والذِينَ يُرِيدُونَ أَدَاءَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَرِيضَةٍ لإعْتَاقِهِمْ، أَوْ تَعْنِي صَرْفَ جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ فِي إِعْتَاقِ الرِقَابٍ.
وكانَ مِنَ المُعْتادِ في تلك الأيَّامِ أَنَّ يؤخذَ المَدينُ أوْ أَحَدُ أبنائه فيُستَعبَدَ إذا عَجَزَ عَنْ سَدادِ ما عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ. وكذلك إذا ارْتَكَبَ جِنايَةً أَوْ سَرَقَ، فإنَّهُ يَأْخُذُ العَفْوَ مِنَ المَجْنيِّ عَلَيْهِ مُقابِلَ أَنْ يُعْطيهِ أَحَدَ أَوْلادِهِ عَبْداً. كما وَرَدَ في قِصَّةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، حينَ أَخَذَ أَخاهُ مقابلَ صُواعِ الملِكِ على شريعةِ أبيهِ إسحاقَ ـ عليهِمُ السلامُ. وكذلك فقد كان الأقوياءُ يَسْتَعْبِدونَ الضُعَفاءَ؛ فيَخْطِفونَ نِساءَهُم وأَوْلادَهم بالقُوَّةِ ويَبِيعونَهم في أسواقِ الرَقيقِ، ولمّا جاء الإسلامُ كانَتْ مسألةُ تَصْفِيَةِ الرِقِّ مِنْ أَهْدافِهِ؛ لِذلِكَ جَعَلَ تحريرَ العَبيدِ مِنْ مَصارِفِ الزَكاة، كما جَعَلَه كَفَّارَةً لِبَعْضِ الذُنُوبِ، فعالجَ المسألةَ على مراحلَ بالتدريج، وهكذا تَصَرَّف في المعضلات والأمراضِ الاجتماعيَّةِ المستفحلَّةِ كمعاقرة الخمرةِ، فبدأ بتحريمها عند الصلوات. وهكذا فعل في معضلة الرقِّ فجفَّفَ مصادرهُ التي ذكرناها آنفاً، ولم يبقِ غير مصدرٍ واحدٍ وهو الحروبُ المشروعة دفاعاً عن الدين والنفس والمالِ والأرضِ، لأنَّ العدوَّ يأسر في المقابلِ، فمن الضروري الإبقاءُ على هذا المصدر كوسيلة لاستبدالِ الأسرى، ثمَّ شجّعَ على عتق الرقاب، كما تقدّمَ لينهي هذه المسألة.
6 ـ الغَارِمُونَ: من الغُرْمِ وأَصْلُه لُزومُ شَيْءٍ شاقٍّ، ومِنْهُ قِيلَ للعِشْقِ غَرامٌ، ويُعَبَّرُ بِهِ أيضاً عَنِ الهَلاكِ كما هو قولُهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} الآية: 65، وغَرامَةُ المالِ فيها مَشَقَّةٌ عَظيمَةٌ. كَمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، أَوْ ضَمِنَ دَيْناً فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ فَأَجْحَفَ بِمَالِهِ، أَوْ غَرِمَ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ فِي مَعْصِيةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا، فَهَؤُلاَءِ يُدْفَعُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ. وقد شاءَ الحقُّ سبحانَهُ إعطاءَ الغارِمِ الّذي لا يَجِدُ ما يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ حتى لا يَجْعَلَ النَّاسَ يَنْقَلِبونَ عَنْ الكَرَمِ وَعَنْ إقراضِ المُعْسِرِ، وبِذَلِكَ يَبْقى اليُسْرُ في المجتَمَعِ، وتَبْقى نَجْدَةُ النَّاسِ بعضِهم لبعضٍ في ساعَةِ العُسْرَةِ، فلا يمْتَنِعُ أَحَدٌ عَنْ مُساعَدَةِ أخيه الإنسانِ ساعةَ العُسْرَةِ؛ لأنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ لم يَسْتَطِعْ سَدادَ دينِه فَسَيَقومُ بيتُ المالِ بالسَدادِ عنه مِنَ الزَكاةِ، كما جَوَّزَ للدائنِ أن يحسِبَ هذا الدينَ مما يستحقُّ عليه من زكاةِ مالِهِ، ولقد عرفنا بعضاً من إخواننا الموسرينَ إذا جاء رمضانُ مزقوا سجلاتِ ديونهم على المعسرين وحسبوا ذلك من الزكاةِ، فجزاهمُ اللهُ خير الجزاءِ.
7 ـ فِي سَبِيلِ اللهِ: هُمُ الغُزَاةُ المُجِاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مَنَ أَرَادَ الحَجَّ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ، كما يدخلُ تحت البندِ أَبوابٌ كثيرةٌ مِنْ أَعمالِ البِرِّ، كَبِناءِ المَساجِدِ وعمارَتِها، والمستشفياتُ والمدارسُ، ويتّسعُ هذا البابُ لِيَشَملَ الكثيرَ مِنَ المَصارفِ بحسَبِ وَفْرَةِ المالِ، ويَذْكُرُ المُؤَرِّخونَ أَنَّ مَصارِفَ الزَكاةَ تَعَدَّدَتْ في عَهْدِ الخَليفَتَينِ مُعاويةَ بْنِ أَبي سُفيانٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيزِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، حتى بَلَغَتْ ثمانينَ باباً أَوْ يَزيدُ، وأَنَّ المُنادي كان يُنادي على مَنْ يَأْخُذُ الزَكاةَ في الأَسْواقِ فلا يجدُ أَحَداً.
8 ـ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ: هُمُ المُسَافِرُونَ المُجْتَازُونَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى سَفَرِهِمْ، وَلاَ يَتَيَسَّرُ لَهُمْ إِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَلَدِهِمْ، فَيُعْطَوْنَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مَا يَكْفِي لِنَفَقَتِهِمْ.
قولُهُ: {فَرِيضَةً مِنَ اللهِ} أيْ: أَنَّ كُلَّ مَنْ حَدَّدَ اللهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، اسْتِحقاقَهُ للصَدَقَةِ إنَّما اسْتَحَقَّها بِفَرضٍ مِنَ اللهِ تعالى، وليس لأحدٍ مِنَّةٌ عليه في ذلك.
قولُهُ: {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} واللهُ هُوَ واجِبُ الوُجودِ وخالِقُهُ، واللهُ هو الأعلمُ بما يُصلِحُهُ وما يُفسِدُهُ، وإنَّ خَلَقَ الإنْسانِ وتسييرَ أُمورِ حياتِهِ لا يَقتَضي عِلْماً فَقَط، ولكنه يقتضي أيضاً حكمة؛ لأنك قد تعلم، ولكنَّكَ لا تَسْتَخْدِمَ عِلْمَكَ فيما تَفْعَلُ، فلا بُدَّ من الحكمةِ مَعَ العِلْمِ لِتَضَعَ الشَيْءَ في مَوْضِعِهِ، وهكذا فإنَّ اللهُ سبحانهُ يعلَمُ ويتصرَّفُ بحكمةٍ في كلِّ ما يفعلُ أو يَشْرَعُ لعبادِهِ.
قولُهُ تَعالى: {إِنَّمَا} المُرادُ بهذه الكلمةِ القَصْرُ، فإذا قلتَ “إنَّما الكريمُ فلانٌ” تكون قدْ قَصَرْتَ الكَرَمَ عليه.
وقولُهُ: {والعاملينَ عليها} عليها: هذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ ب: “العاملينَ”.
وقولُهُ: {والمؤلَّفةِ قلوبُهم} قلوبهم” نائبُ فاعلٍ للصفةِ المشبَّهة بالفعلِ “المؤلفة”، وقولُه {والغارمين} مَعْطوفٌ على “الفقراء”.
وقولُهُ: {وفي الرقاب} والجارُّ “في” مَعْطوفٌ على الجارِّ في “للفقراءِ” مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ بِهِ، وكذلك “في سبيل الله”. و “فِي” هنا للظَرْفِيَّةِ المجازِيَّةِ، وهِيَ مُغْنِيَةٌ عَنْ تَقديرِ “فَكِّ الرِقابِ” لأنَّ الظَرْفِيَّةَ جَعَلَتِ الرِّقابَ كأَنَّها وُضِعَتِ الأَمْوالُ في جماعَتِها. وقد عَدَلَ عَنِ اللامِ إلى “في” فيها وفيما بعدَها للإِيذانِ بأَنَّ هذِهِ الأَصْنافَ الأَرْبَعَةَ أَرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّن سَبَق ذِكْرُهُ؛ لأنَّ “في” للوِعاءِ، فنَبَّهَ على أَنهم أَحقّاءُ بِأَنْ تُوضَعَ فيهمُ الصَدَقاتُ ويُجْعَلوا مَظِنَّةً لها ومَصَبَّاً. وَلمْ يُجَرَّ باللامِ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الرِقابَ تُدْفَعَ إليْهِمْ أَمْوالُ الصَدَقات.
قولُهُ: {وَفِي سَبِيلِ اللهِ وابْنِ السَبيلِ} تَكريرُ “في” هُنا فيهِ فَضْلُ تَرجيحٍ لهذينِ على الصَنْفَينِ على الصِنْفينِ قَبْلَهُما.
وقولُهُ: {فَرِيضَةً من اللهِ} فريضةً: مفعولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: فَرَضَ فَريِضَةً، فهو نَصْبٌ على المصدَرِ بالمعنى، لأَنَّ مَعْنى “إنَّما الصَدَقاتُ للفُقراءِ، في قُوَّةِ: فَرَضَ اللهُ الصدقاتِ للفقراءِ “فريضةً”. أوْ هُوَ نَصْبٌ على الحالِ من ضميرِ الفقراء المُسْتَكِنِّ في الجارِّ لِوُقوعِهِ خَبراً، أَيْ: إنَّما الصَدَقاتُ كانتْ لهم حالَ كونِها فَريضةً، أيْ: مَفْروضَةً. ويجوزُ أَنْ تَكونَ “فريضة” حينئذ بمعنى مفعولة، وإنما دخلتِ التاءُ لِجَريانِها مُجْرى الأسماءِ كالنَّطيحَةِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ مَصْدَراً واقِعاً مَوْقِعَ الحالِ. ونُقِلَ عَنْ سيبوَيْهِ أَنَّها نَصْبٌ بِفْعلٍ مُقدَّرٍ، أَيْ: فَرَضَ اللهُ ذَلِكَ فَريضَةً. ونُقِلَ عَنِ الفَرَّاءِ أَنَّها نَصْبٌ على القَطْعِ. و “من الله” الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل “فريضة”، وجملةُ: “فرض فريضة” مُسْتَأْنَفَةٌ.
قرأَ الجمهورُ: {فريضةً} بالنَصْبِ وقدْ تقدَّمَ توجيهُها، وقُرِئَ: “فريضةٌ” بالرَفْعِ على تقديرِ: تِلْكَ فَريضةٌ.

فيض العليم … سورة التوبة الآية: 59


وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ
(59)
قولُهُ ـ جلَّ شأنُه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} وَيُعَلِّمُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَدَبَ الإِيمَانِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَوْ رَضُوا بِمَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ، طيبيِّ النفوس به وإنْ قَلَّ، وَقَنِعُوا بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهِ. فإنَّ “ما” وإنْ كانَتْ مِنْ صِيَغِ العُمومِ إلاَّ أَنَّ ما قبلها وما بعدها قرينةٌ على التَخْصيصِ، وقد أَبقاها بعضُهم على عمومها، لأنَّه الأَنَسَبُ أَيْ: ما أَعطاهُم مِنَ الصَدَقَةِ أَوِ الغَنيمَةِ. وذُكِرَ اسمُ اللهِ ـ عَزَّ وجَلَّ، تَعْظيماً وللتَنبيه على أَنَّ ما فَعَلَهُ الرَسُولُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، كانَ بِأَمْرِهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى.
قولُهُ: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} قَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَكِيلاً، وَرَازِقاً فِي كُلِّ حَالٍ، يكَفينا فَضْلُ اللهِ وَقِسْمَتُه. وَسَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ لاَ يَبْخَسُ أَحَداً مِنَّا شَيْئاً يَسْتَحِقُّهُ فِي شَرْعِ اللهِ.
قولُهُ: {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} وَإِنَّا رَاغِبُونَ إِلَى اللهِ العَلِيِّ الْقَدِيرِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ وَلَمْزِ الرَّسُولِ وَهَمْزِهِ، ولما كان آلَ أَمْرُهم إلى النِفاقِ، فإنَّ في الآيةِ دليلٌ على أَنَّ مَنْ طَلَبَ الدُنيا جشعاً بِلا قَناعَةٍ آلَ أَمْرُهُ في الدين إلى النِفاقِ، وأَمَّا مَنْ طَلَبَ الدُنيا بِقَدْرِ مَا أَذِنَ اللهُ فيهِ وكانَ غَرضُه مِنَ الدُنْيا التوَسُّلَ بها مَصالحِ الدِينِ فهذا هو الطريقُ الحَقُّ، والأَصْلُ في هذا البابِ أَنْ يَكونَ راضياً بقضاءِ اللهِ سبحانَهُ وعطائه، وهي مَرْتَبَةٌ عاليَةٌ في الدين، ألاَ تَرى أنَّه قال: “إِنَّا إِلَى الله راغبون” ولم يَقُلْ: إنَّا إلى ثَوابِ اللهِ راغبون. وهذا كالذي نُقِلَ عن نَبيَّ اللهِ عيسى ـ عليه السلامُ، أَنَّه مَرَّ يوماً بِقومٍ يَذْكُرونَ اللهَ تَعالى، فقال: ما الذي يحمِلُكم عل ذلك؟ قالوا: الخَوْفُ مِنْ عِقابِ اللهِ، فقال: أَصَبْتُم، ثمَّ مَرَّ على آخرينَ يَذْكُرونَ اللهَ، فقالَ: ما الذي يحمِلُكم على ذلك؟ قالوا: الرَغْبَةُ في ثوابِ اللهِ سُبْحانَهُ، فقال: أَصَبْتم، ثمَّ مَرَّ على قومٍ مُشْتَغِلين بذِكْرِ اللهِ أيضاً فَسأَلهم فقالوا: لا نَذْكُرُهُ خَوْفاً مِنَ عِقابِه، ولا رَغْبَةً في ثوابه، بَلْ إظهاراً لذِلَّةِ العُبودِيَّةِ، وعِزَّةِ الرُبوبِيَّةِ، وتشريفاً للقَلْبِ بمَعْرِفَتِهِ، وتشريفاً للسانِ بالأَلْفاظِ الدَالَةِ على صفاتِ قُدْسِهِ وعِزَّتِهِ. فقال: أَنْتُمُ المُحِقُّونَ المُحَقِّقُونَ.
قولُهُ تَعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا} الظاهر أن جواب “لو” محذوفٌ تقديرُهُ: لَكانَ خيراً لهم. وقيلَ: جوابُها “وقالوا”، والواوُ مَزيدةٌ، وهذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّين. وقولُهُ “سَيُؤْتينا” و “إنَّا إلى الله راغبون” هاتان الجملتان كالشَرْحِ لقولهم: حَسْبُنا اللهُ، وقد مَنَعَ العَطْفَ بينهما شِدَّةُ الاتِّصالِ لأَنَّهما كالشيءِ الواحِدِ.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 58


وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} يَلْمِزُكَ: يَعِيبُكَ وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ، فمنهم من قال: بأَنَّهُ الْعَيْبُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْعَيْبُ بِالْغَيْبِ، ومعنى “يَلْمِزُكَ” يُعيبُكَ ويَأْخُذُ مِنكَ في الغَيْبَةِ ومِنْهُ قولُ الشاعر زياد الأعجم:
إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة ……….. وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ
ومنه قول رؤبة بْنُ العجّاج في أَبَانَ بْنِ الوَليدِ البُجَلِيِّ:
قَارَبْتُ بَيْنَ عَنَقِي وَجَمْزِي …………. في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلي ولَمْزِي
وقيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أَتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟ فقال: إنَّها تَهْمِزُها الهُرَّةُ. قالَ أبو عَليٍّ الفارسيُّ: فجَعَلَ الأَكْلَ همْزاً. ولم يجعل الأعرابيُّ الهمزَ الأَكْلَ، وإنَّما أَرادَ ضَرْبها إيَّاها بالنابِ والظُفْرِ، وهذِهِ اسْتِعارَةٌ كما اسْتَعارَ حسَّانُ بْنُ ثابِتٍ الغَرْثَ في قصيدةٍ لَهُ يُثْني فيها على أُمِّ المُؤمنين عائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها، ويُظْهِرُ براءَتَهُ ممّا نُسِبَ إليْهِ في حديث الإفك:
حصان رزان ما تزنّ بريبة ……….. وتُصْبِحُ غَرْثى مِنْ لُحومِ الغَوافِلِ
تركيباً على استعارةِ الأَكْلِ في الغَيْبَةِ. يُقَالُ: لَمَزَهُ يَلْمِزُهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَضَمِّهَا قَالَ تَعَالَى في سورة الحجرات: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} الآية: 11. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى في سورة الهُمُزَة: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} الآية: 1. فإنَّ مِنَ هؤلاءِ المُنَافِقِينَ مَنْ يَعِيبُ عَلَيْكَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ وَالمَغَانِمِ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُحَابِي فِيهَا، وَتُؤْتِي مَنْ تَشَاءُ مِنَ الأَقَارِبِ وَأَهْلِ الْمَوَدَّةِ، وَلاَ تُرَاعِي العَدْلَ فِي ذَلِكَ. لأَنَّ المنافقين عُرِفُوا بالشُحِّ كما قالَ الله تعالى في حقِّهم: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} و {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} سورة الأَحزاب، الآية: 19.
ومِنْ شُحِّهم أَنَّهم يَوَدُّون أَنَّ الصَدَقاتِ تُوَزَّعَ عَلَيْهم فإذا رَأَوْها تُوَزَّعُ على غيرِهم طَعنوا في إعطائها.
قولُهُ: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا} وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ما يفعلون من لومٍ سَعياً وَرَاءَ مَنْفَعَتِهِم الخَاصَّةِ، لا حرصاً على شريعةٍ ومبدأٍ، فَإِذَا أُعْطُوْا مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، رَضُوا القِسْمَةَ، وَاسْتَحْسَنُوهَا، وَأَثْنُوا عَلَى فِعْلِكَ فيها.
قولُهُ: {وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا مَا يُرْضِيهِمْ، سَخِطُوا، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْتَحِقِّينَ لِهذا الْعَطَاءِ، فهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سُخْطاً لِلدِّينِ، وَلاَ غَيْرَةً عَلَى مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ،
وقد نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ في ابْنِ أُبيٍّ؛ رَأْسِ النفاق إذ قال: أَلا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكُم إِنَّما يقْسِمُ صَدقَاتكُمْ في رُعَاةِ الغَنَم، ويَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْدل.
وقِيلَ هُوَ في ذُو الخُوَيْصِرَةِ واسمُهُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيرٍ التَميمِيُّ، رَأْسُ الخَوَارِجِ، وكانَ مِنَ مُنافِقيِّ الأَعْرابِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَقْسِمُ غَنائمَ حُنَينٍ، فاسْتَعْطَفَ قُلوبَ أَهْلِ مَكَّةَ، فآثَرَهُم بالعَطاءِ، فقال ذو الخُويْصِرةِ: اعْدِلَ يا رَسُول الله، فقال ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ويلَكَ، إنْ لَمْ أَعْدِلْ فمنْ يَعْدِل؟!)). فقدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقْسِمُ قَسْمًا، إِذَا جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((وَيْلَكَ، فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدَلْ؟!)) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: ((دَعْهُ فَإِنَّ لِهَذَا أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلا يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ (كَذَا يَقُولُ مَعْمَر): فَلا يَرَى فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ فَلا يَرَى فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ: رَجُلٌ أَسْوَدٌ إِحْدَى يَدَيْهِ، (أَوْ قَالَ: مِثْلُ إِحْدَى يَدَيْهِ) مِثْلُ حَلَمَةِ ثَدْي الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلَ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ النَّاسِ)) قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ”
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا حِينَ قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأَخرَجَهُ كذلك الأئمَّةُ: أَحمدُ: (3/4، رقم 11021)، والبُخاريُّ: (4/1581، رقم 4094)، ومسلم: (2/742، رقم 1064). وهذا نَصُّ البُخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟)) قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اتَّقِ اللهَ. قَالَ: ((وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟)) قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: ((لا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي)) فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ)) قَالَ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: ((إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ)) وَأَظُنُّهُ قَالَ: ((لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ)). ذُهَيْبَة: تَصغيرُ ذَهَبَةٍ، وهيَ القِطْعَةٌ مِنَ الذَهَبِ. وأَديمٌ مَقْروظٌ: جِلْدٌ مَدْبوغٌ بالقرظِ، وهو نَبْتٌ معروفٌ لديهم. ومِنْ ضِئْضِئِ هَذَا: مِنْ أَصْلِهِ وجِنْسِهِ. ولعلَّ السَبَبَ تَكَرَّرَ، فقدْ رُوِيَ أنَّ أَبا الجَوَّاظِ، مِنَ المنافقين، طَعَنَ في أَنْ أَعْطى النبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، مِنْ أَمْوالِ الصَدَقاتِ بَعضَ ضُعفاءِ الأَعْرابِ رِعاءِ الغَنَمِ، إعانةً لهم، وتأليفاً لِقُلوبهم، فقال: ما هذا بالعدلِ أَنْ يَضَعَ صَدَقاتِكم في رِعاءِ الغَنَمِ، وقدْ أُمِرَ أَنْ يَقْسِمَها في الفُقَراءِ والمَساكينِ، ورُوِيَ أَنَّه شافَهَ بِذلكَ النبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم.
ورَوى أَبو بَكْرٍ الأَصَمُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في تفسيرِهِ: أَنَّ رسولَ اللهِ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحابِهِ: ((ما عِلْمُكَ بِفُلان؟)) فقال: مالي بِهِ عِلْمٌ إلاَّ إنَّكَ تُدْنيهِ في المجْلِسِ وتُجْزِلُ لَهُ العَطاءَ، فقال صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((إنَّهُ مُنافِقٌ أُدارِي عَنْ نِفاقِهِ وأَخافُ أَنْ يُفْسِدَ على غَيرِهِ)). فقال: لو أَعْطيتَ فُلاناً بَعْضَ ما تُعْطيهِ، فقالَ ـ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّهُ مُؤمِنٌ أَكِلُهُ إلى إيمانِهِ، وأَمَّا هذا فَمُنافِقٌ أُداريهِ خَوْفَ إِفْسادِهِ)).
قولُهُ تعالى: {ومنهم مَنْ يلمِزُكَ في الصدَقاتِ} مَنْ: اسْمٌ مَوْصولٌ في محلِّ رفعٍ مبتدأً، والجارّ في “منهم” مُتَعَلِّقٌ بالخَبرِ، وجملةُ الشَرْطِ مَعْطوفَةٌ على جملَةِ “منهم مَنْ يلمزك”، وقد أَدِخِلتْ “فِي” على الصدقات، وإنَّما اللَّمْزُ في تَوزيعِها لا في ذَواتها: لأنَّ الاسْتِعْمالَ يَدُلُّ على المُرادِ، فهذا مِنْ إسْنادِ الحُكم إلى الأَعْيانِ والمُرادُ أَحْوالُها وهو شائعٌ.
قولُهُ: {فإذا هم يسخطون} إذا: هي الفجائيةِ ودَلَّتْ على أَنَّ سَخَطَهم أَمْرٌ يُفاجِئُ العاقِلَ حين يَشْهَدُهُ لأنَّهُ يَكونُ في غيرِ مَظَنَّةِ سَخَطٍ، و “إذا” نائبٌ مَنابَ فاءِ الجزاءِ، وشَرْطٌ لِنِيابَتِها عَنْهُ كونُ الجزاءِ جمْلَةً اسميَّةً، ووَجْهُ نِيابَتِها دَلالَتُها على التَعْقيبِ، كالفاءِ، وقد غايَرَ سبحانَهُ، بين جوابيْ الجُمْلَتَينِ فقال في جوابِ الأولى: “رَضُوا” فجاء فعلاً ماضياً، وفي جواب الثانية “إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ” فجاء جملةً اسميَّةً وذلك للإشارةِ إلى أَنَّ سَخَطَهم ثابتٌ لا يَزولُ ولا يَفْنى بخِلافِِ رِضاهُم فإنَّهُ سرعان ما يَزولُ.
قالَ أَبو البَقاءِ: والعاملُ فيها “يَسْخَطون”، لأنَّهُ قالَ: إنِّها ظَرْفُ مَكانٍ، وفيهِ نَظَرٌ تَقدَّمَ في نَظيرِهِ.
قوله: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا} يُحْتَمَلُ: أَنْ يَعودَ ظاهرُ الضَميرِ على المَذكورِ، أيْ أُعطيَ اللاّمِزون، أَيْ أَنَّ الطاعِنين يَطْمَعونَ أَنْ يَأْخُذوا مِنْ أَموالِ الصَدَقاتِ بِوَجْهِ هَدِيَّةٍ وإعانَةٍ، فيَكونُ ذَلكَ مِنْ بُلوغِهِمُ الغايَةَ في الحِرْصِ والطَمَعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الضميرَ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إليْهِ ضَميرُ “مِنْهُمْ” أَيْ: فإنْ أُعْطِيَ المُنافِقونَ رَضِيَ اللاَّمِزون، وإنْ أُعْطِيَ غيرُهم سَخِطوا، فالمَعنى أَنَّهم يَرومونَ أَنْ لا تُقْسَمَ الصَدَقاتُ إلاَّ على فُقَرائهم، ولِذلكَ كَرِهَ أَبو الجَوَّاظِ أَنْ يُعْطَى الأَعْرابُ مِنَ الصَدَقاتِ. ولم يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُ “رَضُوا”، لأنَّ المُرادَ صاروا راضِين، أَيْ عَنْكَ.
قرأَ العامَّةُ “يَلْمِزُكَ” بِكَسْرِ الميمِ مِنْ لَمَزه يَلْمِزُهُ، مِنْ بابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ، أَيْ: عابَهُ وقَدَحَ فيه، وأصله الإِشارة بالعين ونحوها. قالَ الأَزْهَرِيُّ: أَصْلُه الدَفْعُ، لَمَزْته: دَفَعْتُهُ، وقالَ اللّيثُ: هُوَ الغَمْزُ في الوَجْهِ ومِنْهُ هُمَزَةٌ لُمَزَة، أَيْ: كَثيرُ هَذَيْنِ الفِعْلَين.
وقرأَ يَعقوبُ، وحمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثيرٍ، والحَسَنِ، وأَبو رجاءٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أَبي عَمْرٍو “يلمُزكَ” بِضَمِّها من بابِ نَصَرَ يَنصُرُ، وهما لُغتانِ في المُضارِعِ.
وقرأَ الأَعمَشُ “يُلْمِزُك” مِنْ أَلْمز رُباعيَّاً. وروى حمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: “يُلامِزُك” على المُفاعَلَةِ مِنْ واحدٍ كَسافَرَ وعاقَب.
وقرأَ العامّةُ: {إذا هُم يَسْخَطون} وقرَأَ إيادُ بْنُ لَقيطٍ فيما أَخْرَجَ عنه أَبو الشيخِ: “إذا هم ساخطون”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com