الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 118


وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شأْنُهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} وقد حرَّمنا على الذين هادوا خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ أُمَمِ الأَوَّلينَ. والهَوْدُ في اللُّغَةِ: التَّوْبَةُ، وهو مِنْ هادَ يَهُودُ هوْدًا، إِذا تابَ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ ذَنْبِهِ، ورَجَعَ عَنْ غيِّهِ. وتَهَوَّدَ أَيضًا: تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الحَقِّ فَهُوَ هَائدٌ، وقَوْمٌ هُودٌ، مِثْلُ: بازِلٍ وبُزْلٍ، وفي التَنْزيلِ قوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الآيَةَ: 156، أَيْ تُبْنَا إِلَيْكَ، وَقالَ تَعَالى مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {إِنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هادُوا} الآية: 62، أَيْ تَهَوَّدُوا يُقالُ: هَادَ وتَهَوَّدَ إِذا دَخَلَ فِي اليَهُودِيَّةِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
سِوَى رُبَعٍ لم يَأْتِ فيها مَخافةً ……………. ولا رَهَقًا مِنْ عابِدٍ مُتَهَوِّدِ
المُتَهَوِّدُ: المُتَقَرِّبُ، والمُتَهَوِّدُ أَيْضًا: المُتَوَصِّلُ بِهَوادةٍ إِليْهِ. وأَيضًا التَّهَوُّدُ: التَوْبَةُ والعَمَلُ الصَّالِحُ، والهَوادَةُ: الحُرْمَةُ والسَبَبُ. وهادَ: إِذا رَجَعَ مِنْ خَيْرٍ إِلى شَرٍّ، أَوْ مِنْ شَرٍّ إِلى خَيْرٍ، وهادَ: إِذا عَقَلَ، ويَهُودُ اسْمٌ للقَبيلَةِ أَيضًا، قالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ يُؤَنَّبُ الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْداسٍ السُّلَمِيَّ فِي مَدْحِهِ قُرَيْظَةَ وبُكائِهِ عَلَيْهِمْ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ مَدْحَهُ الْأَنْصَارَ ـ رُضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، كَانَ أَوْلَى بِهِ:
أُولئِكَ أَوْلى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحةٍ …………. إِذا أَنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ
وقالَ الشاعِرُ الجاهِلِيُّ الأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ النَهْشَلِيُّ:
فَرَّتْ يهودُ وأَسْلَمَتْ جيرانُها ………… صَمِّي لِمَا فَعَلتْ يَهُودُ صَمَامِ
وقِيلَ إِنَّما اسْمُ هَذِهِ القَبيلَةِ يَهُوذ فَعُرِّبَ بِقَلْبِ الذالِ دالًا، وأَدْخَلوا الأَلِفَ واللامَ فِيها عَلَى إِرادَةِ النَسَبِ فقالوا: اليَهودُ، يُريدونَ اليَهُودِيِّينَ، وهادُوا: دَخَلُوا في اليهوديةِ، قالَ تَعَالى مِنْ سُورةِ الأَنْعامِ: {وَعَلَى الذينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُر} الآية: 146، قالَ الفَرَّاءُ المَعْنَى دَخَلوا فِي اليَهُوديَّةِ. وفي قولِهِ تَعَالى مِنْ سُورةِ : {وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} الآية: 111، قالَ يُريدُ يَهُودًا فَحَذَفَ الياءَ الزائدَةَ، وَرَجَعَ إِلى الفِعْلِ مِنْ اليَهودِيَّةِ وفي قراءَةِ أُبيٍّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ: {إِلَّا مَنْ كانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا} قالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ هُودًا جَمْعًا واحِدُهُ هائِدٌ، مِثْلُ حائِلٍ وعائطٍ مِنَ النُّوقِ والجَمْعُ حُولٌ وَعُوطٌ، وَجَمْعُ اليَهودِيِّ يَهُودٌ، كَمَا يُقالُ في المَجُوسِيِّ مَجُوسٌ، وفي العَجَمِيِّ عُجْمٌ، وفي العَرَبِيِّ عُرْبٌ، والهُودُ: اليَهُودُ، هادُوا يَهُودُونَ هَوْدًا، وَسُمِّيَتِ اليَهُودُ اشْتِقاقًا مِنْ هادُوا، أَيْ: تابُوا، وأَرادوا باليَهُودِ اليَهُودِيِّينَ، ولكنَّهم حَذَفوا ياءَ الإِضافَةِ كَمَا قالوا: زِنْجِيٌّ وَزِنْجٌ، وإِنَّما عُرِّفَ عَلى هَذَا الحَدِّ فَجُمِعَ عَلى قِياسِ شَعيرَةٍ وشَعِيرٍ ثمَّ عُرِّفَ الجَمْعُ بِالأَلِفِ واللامِ، ولولا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الأَلِفِ واللامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُؤَنَّثٌ، فَجَرَى فِي كلامِهِمْ مَجْرَى القَبيلَةِ، ولَمْ يُجْعَلْ كالحَيِّ، وهَوَّدَ الرَّجُلَ: حَوَّلَهُ إِلى مِلَّةِ يَهُودَ، قالَ سِيبَوَيْهِ، وفي الحديثِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، حَتَّى يَكونَ أَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أَوْ يُنَصِّرانِهِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُما يُعَلِّمانِهِ دِينَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصَارَى، ويُدْخِلانِهِ فِيهِ، والتَّهْوِيدُ أَنْ يُصَيَّرَ الإِنْسانُ يَهُودِيًّا، فهَادَ وَتَهَوَّدَ إِذا صَارَ يَهودِيًّا، والهَوادَةُ: اللِّينُ، وَمَا يُرْجَى بِهِ الصَلاحُ بَيْنَ القَوْمِ، وفي الحَديثِ: ((لا تَأْخُذُهُ في اللهِ هَوادَةٌ)). أَيْ: لا يَسْكُنُ عِنْدَ حَدِّ اللهِ، ولا يُحابي أَحَدًا فِيهِ، والهَوادةُ السُّكونُ والرُّخْصةُ والمُحاباةُ، وفي حديثِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أُتِيَ بِشارِبٍ فَقَالَ: لأَبْعَثَنَّكَ إِلى رَجُلٍ لا تأْخُذُهُ فيكَ هَوادَةٌ، والتَّهْوِيدُ، والتَّهْوادُ، والتَّهَوُّدُ، الإِبْطاءُ في السَّيْرِ، واللِّينُ، والتَّرَفُّقُ. والتَّهْوِيدُ المَشْيُ الرُّوَيْدُ، مِثْلُ الدَّبِيبِ ونَحْوِهِ، وأَصْلُهُ مِنَ الهَوادةِ، والتَّهْوِيدُ: السَّيْرُ الرَّفِيقُ، وَفي حَديثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ: إِذا مُتُّ، فَخَرَجْتُمْ بي، فأَسْرِعُوا المَشْيَ، ولا تُهَوِّدُوا، كَمَا تُهَوِّدُ اليهودُ والنَّصَارَى، وفي حَديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ: إِذا كُنْتَ في الجَدْبِ فأَسْرِعِ السَّيْرَ، ولا تُهَوِّدْ، أَيْ: لا تَفْتُرْ. قالَ: وكَذَلِكَ التَّهْوِيدُ في المَنْطِقِ، وهوَ السَّاكِنُ، يُقالُ: غِناءٌ مُهَوِّدٌ، وقالَ الرَّاعِي النُمَيْري يَصِفُ ناقَةً:
وخُودٌ مِنَ اللاَّئي تَسَمَّعْنَ بالضُّحى …… قَرِيضَ الرُّدافَى بالغِناءِ المُهَوِّدِ
قولُهُ: وخُودٌ، الواوُ هنا أَصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِواوِ العَطْفِ، وهُوَ مِنْ وَخَدَ يَخِدُ، إِذا أَسْرَعَ، وهَوَّدَ الرَّجُلُ: إِذا سَكَنَ، وهَوَّدَ: إِذا غَنَّى، وهَوَّدَ: إِذا اعْتَمَدَ عَلَى السَّيْرِ، قالَ ذو الرُّمَّةِ مرتجزًا:
سَيْرًا يُراخِي مُنَّةَ الجَلِيدِ ………………….. ذَا قُحَمٍ وَلَيْسَ بالتَّهْوِيدِ
أَيْ: لَيْسَ بالسَّيْرِ اللَّيِّنِ، والتهوِيدُ أَيْضًا: النَّوْمُ، وتَهْوِيدُ الشَّرابِ: إِسْكارُهُ، وهَوَّدَهُ الشَّرابُ: إِذا فَتَّرَهُ فأَنامَهُ، قالَ الأَخْطَلُ:
ودافَعَ عَنِّي يَوْمَ جِلَّقَ غَمْزُهُ ……….. وصَمَّاءُ تُنْسِيني الشَّرابَ المُهَوِّدا
والهَوادَةُ: الصُّلْحُ، والمَيْلُ: والتَهْوِيدُ، والتَّهْوادُ: الصَّوْتُ الضَّعيفُ اللَّيِّنُ الفاتِرُ، والتَهْوِيدُ: هَدْهَدةُ الرِّيحِ في الرَّمْلِ، ولِينُ صَوْتِها فيه، والتَّهْوِيدُ: تَجاوُبُ الجِنِّ، وذَلِكَ لِلِينِ أَصْواتِها وَضَعْفِها، قالَ الراعي النميريِّ:
يُجاوِبُ البُومَ تَهْوِيدُ العَزِيفِ بِهِ …………… كَمَا يَحِنُّ لِغَيْثٍ جِلَّةٌ خُورُ
والتَهْوِيدُ التَرْجِيعُ بالصَّوْتِ في لِينٍ، والهَوادَةُ: الرُّخْصَةُ، وَهْوَ مِنْ ذَلِكَ لأَنَّ الأَخْذَ بِها أَلْيَنُ مِنَ الأَخْذِ بالشِدَّةِ، والمُهاوَدَةُ: المُوادَعَةُ، والمُهاوَدةُ: المُصالَحَةُ، والمُمايَلةُ. والمُهَوِّدُ: المُطْرِبُ المُلْهِي. والهَوَدَةُ، بالتحريك: أَصْلُ السَّنامِ. والهَوَدةُ: مُجْتَمَعُ السَّنَامِ، والجَمْعُ: هَوَدٌ. وقالَ: كُومٌ عَلَيْها هَوَدٌ أَنْضَادُ، وَتُسَكَّنُ الواوُ فَيُقالُ: هَوْدَةٌ. وَهُودٌ: اسْمٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ تعالى ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَنْصَرِفُ فَتَقولُ هَذِهِ هُودٌ، إِذا أَردْتَ سُورَةَ هُودٍ، وإِنْ جَعَلْتَ هُودًا اسْمَ السُّورَةِ لَمْ تَصْرِفْهُ وَكَذلِكَ نُوحٌ ونُونٌ. وقدْ يُجْمَعُ يَهودُ عَلى يُهْدَانٍ بِضَمٍّ فَسُكونٍ، قال حَسَّانُ بْنُ ثابتٍ ـ رَضِي اللهُ عُنْهُ يَهْجُو الضَّحَّاكَ ابْنَ خَلِيفَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ وكان أَبو الضَّحَّاكِ مُنَافِقًا:
أَتُحِبُّ يُهْدَانَ الحِجَازِ وَدِينَهُمْ ………. عَبْدَ الحِمَارِ ولا تُحِبُّ مُحَمَّدَا
قولُهُ: {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} مِنْ قَبْلُ: أَيْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: {وَعَلَى الذينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآيَة: 146.
فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَعَلى الَّذينَ هادوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: فِي سُورَة الْأَنْعَامِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَعَلى الَّذينَ هادوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: مَا قَصَّ اللهُ ذِكْرَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ حَيْثُ يَقُولُ: {وَعَلى الَّذينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّا لَصَادِقونَ) الآيَة: 146، مِنْ سُورةِ الْأَنْعَامِ.
ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقدَّرَ الكلامُ: مِنْ قَبْلِ تَحْريمِ مَا حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِكَ “مِنْ قبلُ”، وَهُوَ أَوْلَى. وَيَجوزُ أَنْ يَكونَ الكلامُ مِنْ بابِ التَنَازُعِ، وكانَ اليهودُ يَقولونَ: لَسْنَا أَوَّلَ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ هذِهِ الأَشياءُ، وإِنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإِبْراهيمَ. وَمَنْ بَعْدَهُمَا حَتَّى انْتَهَى التَحْرِيمُ إِلَيْنَا، فَرَدَّ اللهُ فِرْيَتَهم، وهذا واضِحٌ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ النِّساءِ: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} الآيةَ: 160.
قولُهُ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أَيْ: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ التَحْرِيمِ وَلكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. مِنْ حِيْثُ أَنَّهم فَعَلُوا مَا عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ التحريم. وَفِيهِ تَنْبيهٌ عَلَى أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهم فِي التَحْريمِ، وَأَنَّهُ قدْ يَكونُ التحريمُ عقوبةً، وقد يكونُ بسببِ الضَرَرِ يكون للعقوبة.
قولُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} الوَاوُ: ، و “عَلَى” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَرَّمْنَا” الآتي، و “الَّذِينَ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. وجُمْلَةُ “هَادُوا” صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.
قولُهُ: {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} حَرَّمْنَا: فِعلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو “نا” المُعَظِّمِ نفسهُ ـ سبحانَهُ وتَعالى، و “نا” التعظيمِ هذِهِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، و “مَا” اسمٌ مَوْصولٌ مَبْنيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ النَّصْبِ على المفعوليَّةِ، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وَ “قَصَصْنَا” مِثْلُ “حَرَّمْنَا” لَهُ نَفْسُ الإِعْرابِ. وَ “عَلَيْكَ” عَلَى: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قَصَصْنَا”، وكافُ الخِطابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجرِّ، و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَرَّمْنَا” أَوْ بِـ “قَصَصْنَا”، و “قَبْلُ” اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ وَهوَ مُضافٌ، إِلى مُضَافٍ إِلَيْهِ مُقَدَّرٍ، أَيْ: ومِنْ قَبْلِ تَحْريمِنا عَلَى أَهْلِ مِلَّتِكَ. وَجُمْلَةُ “قَصَصْنا عَلَيْكَ” صِلَةٌ لِـ “مَا” لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصِبِ، والعائدُ أَوِ الرّابِطُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ.
قولُهُ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} الوَاوُ: اسْتِئنافيَّةٌ، و “مَا” نَافيةٌ، و “ظَلَمْنَا” مَثْلُ “حَرَّمْنَا” و “هم”، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ على المَفْعُولِيَّةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الواوُ: عَاطِفَةٌ، و “لكنْ” حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ. و “كَانُوا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرَفعِ اسْمُ “كان”، والأَلِفُ فارقةٌ. و “أَنْفُسَهُمْ” مَفْعُولٌ بِهِ لِمَا بَعْدَهُ مَنْصوبٌ مُضافٌ. والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ وَ “يَظْلِمُونَ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ وَالجَازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعةِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعِلُهُ، والجملةُ خَبَرُ “كَانُوا” في مَحَلِّ النَّصْبِ. والجُمْلَةُ الاسْتِدْراكِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلةِ قَوْلِهِ: “وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ” عَلى كَوْنِها مُسْتَأْنَفةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ.
Advertisements

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسْراء، الآية: 8


عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)


قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} أَي: لَعَلَّ اللهَ يغفرُ لكمْ ويَرْحَمُكُمْ بَعْدَ المَرَّةِ الثَانِيَةِ إِنْ تُبْتُمْ عَنِ المَعَاصِي ورَجَعْتُمْ إلى مَوْلاكُمْ فإِنَّهُ غفورٌ رحيمٌ. قولُهُ: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} وإِنْ عُدْتُم إلى ارتكابِ الموبقاتِ والمُخَالفاتِ، وارْتكابِ المعاصي، واقْتِرافِ الجرائمِ، فإِنَّنا سوفَ نعودُ إلى الانتقامِ مِنْكُمْ وتَأْديبِكمْ كما فعلْنا في المَرَّتَيْنِ الأُولى والثانيةِ. لكنَّ بني إِسْرائيلَ عادوا لأَنَّ العنادَ والاسْتكبارَ وعدَمَ الاتعاظِ والاعْتِبَارِ دأْبُهُم ودَيْدَنُهْم، فَقَدْ عَادُوا بِعِدائهِمُ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتَكْذِيبِهِ ومحاولةِ قَتْلِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بالسُمِّ، ومَرَّةً بإلقاءِ حَجَرٍ ضَخْمٍ عَلَيْهِ مِنَ سطْحٍ عَالٍ، ونَقَضُوا عَهُودَهُمْ إِلَيْهِ بِحُسْنِ الجِوارِ، ومواثيقِهُمْ، وحرَّفوا تَوراتِهِمْ لِطَمْسِ حقيقةِ رِسالَتِهِ، وتَآمَرُوا عليهِ مع المُشْرِكَينَ، وأَلَّبوا عَلَيْهِ الكافرينَ، وتحالفوا معَ أعدائهِ عليْهِ وشَنُّوا عَلَيْهِ الحروبَ. فَعَادَ اللهُ تَعَالَى إلى عُقُوبَتِهِمْ بتقتيلِهم وتَدميرِهِمْ وتَشْتِيتِ شَمْلِهمْ، وأَيَّدَ رَسولَهُ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وسَلَّطَهُ عَلَيِهِمْ، فَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةِ، وَأَجْلَى بَنِي النَضِيرِ، وفَتَحَ حصنَ خَيْبَرَ، وَضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ، مِنَ اليهودِ وهذا هوَ المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وَقِيلَ: المُرادُ أَنَّهُمْ عَادُوا إلى المَعَاصِي والجَرائمِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَادَ اللهُ تَعَالَى إلى تَأْديبِهِمْ بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأَكَاسِرَةَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ مِنَ الأَفَاعِيلِ مَا فَعَلُوا، مِنْ إِذْلالٍ وإِخْضَاعٍ وَضَرْبِ الإِتَاوَاتِ، وقَتْلٍ فظيعٍ لا يُوصَفُ، وذَلِكَ بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الطَوائِفِ اسْمُهُ “جُودَرْدِ”، أو “جِرْدُوس”، فَقِيلَ: وَجَدَ دَمًا يَغْلِي فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: دَمُ قُرْبَانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنَّا، فَقَالَ: لَمْ تَصْدُقوني، فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ أُلُوفًا فَلَمْ يَهْدَأِ الدَمُ، ثُمَّ قال: إِنْ لَمْ تَصْدُقوني مَا تَرَكْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، فَقَالُوا: إِنَّهُ دَمُ نبيِّ اللهِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ـ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَقَالَ: لِمِثْلَ هَذَا يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ رَبُّكمْ، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيَى قَدْ عَلِمَ رَبِّي وَرَبُّكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ مِنْ أَجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالىَ قَبْلَ أَنْ لَا أُبْقِيَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَهَدَأَ الدمُ. واللهُ أَعْلَمُ. قولُهُ: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} حَصِيرًا: مَحْبِسًا لا يَسْتَطِيعونَ الخُرُوجَ مِنْهُ أَبَدَ الآبِدينَ، وقَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَبِّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: “للكافرينَ حَصيرًا” أَيْ سَجَنَّا لَهُم. وَقالَ الحسَنُ البَصْرِيُّ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَصْرِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا حَاصِرَةٌ لَهُمْ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِمْ، فَمعنى “حَصِيرٌ” ذَاتُ حَصْرٍ، إِذْ لَوْ كَانَ لِلْمُبَالَغَةِ لَزِمَتْهُ التَّاءُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مُؤَنَّثٍ كَمَا تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وَعَلِيمَةٌ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أَيْ ذَاتُ انْفِطَارٍ. وأَنْشَدَ الشيخُ أَبُو حَيَّان الأَنْدَلُسِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي تفسيرِهِ (البَحْر المُحِيط) قَوْلَ لَبِيدَ بْنِ ربيعَةَ:وَمَقَامُهُ غَلَبَ الرِّجَالَ كَأَنَّهُمْ …………… جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامُ البَحْرُ المُحِيطُ فِي التَفْسِيرِ للشَّيْخِ أبي حيَّانٍ الأَندلُسيِّ: (7/17). وقِيلَ: مَعْنَى “حَصِيرًا” بِساطًا، كَمَا يُبْسَطُ الحَصِيرُ. وقيلَ: “حصيرًا” فِراشًا يفرَشُ. وقَالَ: “وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ” ولمْ يقلْ: وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَّ لَكُمْ، كما كانَ يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ تَأْكِيدًا عَلَى كُفْرِهِمْ بالعَوْدَةِ إِلَى مُخَالَفَةِ كِتَابِهِم وتَزْويرِهِ وتَحْرِيفِهِ، ومُعَادَاةِ أَنْبِياءِ اللهِ وَقَتْلِهمْ. وزِيَادَةً فِي ذَمِّهم، وإِشْعَارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. قولُهُ تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} عَسَى: فِعْلٌ مَاضٍ ناقصٌ جامِدٌ، أَوْ هو فعلٌ ماضٍ بِمَعْنَى حَقَّقَ، مبنيٌّ على الفتحِ المُقَدَّرِ عَلَى آخِرِهِ، لتَعَذُّر ظهورِهِ على الأَلِفِ. و “رَبُّكُمْ” ربُّ: اسْمُ “عَسَى” إنْ أعربنا “عَسَى” فعلًا ناقصًا، وإِنْ أَعْرَبْنَا “عَسَى” فعلًا تامًّا فَـ “ربُّ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، وهو مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإِضافةِ إليْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “أَنْ” حرفٌ مَصْدَرٌّ ناصِبٌ. وَ “يَرْحَمَكُمْ” فِعْلٌ مُضارعٌ منْصوبٌ بـ “أَنْ”، وَفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازً تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى اللهِ تعالى، وكافُ الخِطَابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصُوبٍ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ، والتَقْديرُ: حَقَّقَ رَبُّكمْ رَحْمَتَهُ إِيَّاكم، إِنْ تُبْتُمْ وَانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعَاصِي. قولُهُ: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} الوَاوُ: اسْتِئنافيَّةٌ، و “إِنْ” شرطيَّةٌ جازِمَةٌ. و “عُدْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هوَ تاءُ الفاعِلِ، وتاءُ الفاعلِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والميمُ للجمعْ المُذكَّرِ والجُملةُ مُسْتَأْنفةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. و “عُدْنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المعظِّمِ نفسَهُ ـ سُبْحانَهَ، و “نا” التَعْظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ جَوابُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ، وَجُمْلَةُ “إِنْ” الشَرْطِيَّة مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعراب. قولُهُ: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ، و “جَعَلْنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هُوَ “نا” المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهَ، وَ “نا” التَعْظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، و “جَهَنَّمَ” مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ. و “لِلْكافِرِينَ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَ “الكافرينَ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامَةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالِمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفْرَدَ. وَ “حَصِيرًا” مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لِـ “جَعَلَ”. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 7


إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)


قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما: “إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ” يُريدُ إِنْ أَطَعْتُمْ اللهَ فِيمَا بَقِيَ، عَفَا عَنْكُمُ المَسَاوِئَ. “وَإِنْ أَسَأْتُمْ” قالَ: يُريدُ الفَسَادَ وَعِصْيَانَ الأَنْبِياءِ وَقَتْلَهُمْ. “فَلَهَا”، قالَ يُريدُ: فَعَلى أَنْفُسِكُمْ يَقَعُ الوَبالُ. ورُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وكرَّمَ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قالَ: (مَا أَحْسَنْتُ إِلَى أَحَدٍ وَلَا أَسَأْتُ إِلَيْهِ) وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ الكريمَةَ. ويَعْني ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: أَنَّهُ إِنَّما كانَ إِحْسَانُهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إِسَاءَتُهُ. فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِبَنِي إِسْرائيلَ: ونَرُدُّ لَكُمُ الْكَرَّةَ لتَتُوبُوا وَتَجَدِّدُوا الْجِيلَ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي حَالَةٍ مِنَ النِعْمَةٍ والسَعَةِ، فَتَزَوَّجُوا، وأَنْجِبُوا، وتَكَاثَرُوا، فَإِنْ أَحْسَنْتُمْ العَمَلَ، كَانَ جَزَاؤُكُمْ حَسَنًا، وكانتْ عَاقِبَتُكمْ حَسَنةً، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فإنَّما لِأَنْفُسِكُمْ أَسَأْتُمْ، لأَنَّ عَاقِبَتَكُمْ فِي الدُنْيا سَتَكُونُ سَيِّئَةً، وَسَيَكُونُ جَزَاؤُكُمْ فِي الأُخْرَى سَيِّئًا كَذَلِكَ، فَإِنَّنَا أَهْلَكْنَا مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبائكمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأَحْسَنَّا إِلَيْكُمْ بِتَوْبَتِكُمْ ورُجُوعِكُمْ إِلَيْنَا، فَاحْذَرُوا الْإِسَاءَةَ كَيْلَا تَصِيرُوا إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ آباؤكمْ مِنْ قَبْلِكُمْ. وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ فَلِأَنْفُسِكُمْ، إِنَّما أَعَادَ فِعْلِ “أَحْسَنْتُمْ”، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْأَحْوَصِ:فَإِذَا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ………….. تُخْشَى بَوَادِرُهُ عَلَى الْأَقْرَانِقَالَ أَبُو الْفَتْحِ عُثْمَانُ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي الْحَمَاسَةِ شَارِحًا هَذَا البَيْتِ: إِنَّمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ (فَإِذَا تَزُولُ تَزُولُ) لِمَا اتَّصَلَ بِالْفِعْلِ الثَّانِي مِنْ حَرْفِ الْجَرِّ الْمُفَادَةِ مِنْهُ الْفَائِدَةُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْقَصَص: {هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا} الآيةَ: 63، وَلَوْ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ لَمْ يُفِدِ الْقَوْلُ شَيْئًا، كَقَوْلِكَ: (الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ). ويَرَى أَبو عَلِيٍّ الفارسيُّ جَوَازَ أَنْ تَكُونَ “أَغْوَيْناهُمْ” تَأْكِيدًا لـ “أَغْوَيْنَا” وَقَوْلَهُ: كَمَا غَوَيْنا اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْصُولِ مُسْنَدٌ إِلَى مُبْتَدَأٍ وَهُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ، فَتَمَّ بِذَلِكَ الْكَلَامُ، بِخِلَافِ بَيْتِ الْأَحْوَصِ وَمِثَالِ ابْنِ جِنِّيٍّ، فمَا أَخَذَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فِي الْآيَةِ تَعَيُّنَهُ فِي بَيْتِ الْأَحْوَصِ. وَأُسْلُوبُ إِعَادَةِ الْفِعْلِ عِنْدَ إِرَادَةِ تَعَلُّقِ شَيْءٍ بِهِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ القَصْدُ مِنْهُ الِاهْتِمَامُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ، كقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةَ:130، مِنْ سُورةِ الشُعَراء: {وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} وَقَولِهِ مِنْ سُورةِ الْفرْقَان: {وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} الآية: 72. وَقد جَاءَ قَولُهُ تعالى: “إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ” عَلَى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، بِأَنْ جُعِلَتْ نَفْسُ الْمُحْسِنِ كَذَاتٍ يُحْسَنُ لَهَا. وَاللَّامُ مِنْ قولِهُ “فَلَها” لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ “أَحْسَنْتُمْ”، يُقَالُ: أَحْسَنْتُ لِفُلَانٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: “وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها”. فَقَوْلُهُ: “فَلَها” مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ فَاءِ الْجَوَابِ، تَقْدِيرُهُ: أَسَأْتُمْ لَهَا. وَلَيْسَ الْمَجْرُورُ بِظَرْفٍ مُسْتَقِرٍّ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ “أَسَأْتُمْ” لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَعَلَيْهَا، كَما قَالَ فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: {مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها} الآية: 46. وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الآيَةَ التي مِنْ سورةِ (فُصِّلَتْ) لَيْسَ فِيهَا تَجْرِيدٌ، فالتَّقْدِيرُ فِيهَا: فَعَمَلُهُ لنَفسِهِ وإساءَتُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْمُقَدَّرُ اسْمًا كَانَ الْمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُسْتَقِرًّا غَيْرَ حَرْفِ تَعْدِيَةٍ، فَجَرَى عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْإِخْبَارُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ نَافِعًا فَيُخْبَرُ عَنْهُ بِمَجْرُورٍ بِاللَّامِ، أَوْ ضَارًّا يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَجْرُورٍ بِـ (إِلَى) ، وَأَمَّا آيَةُ الْإِسْرَاءِ فَإِنِّ فِعْلَ “أَحْسَنْتُمْ”، وَفعلَ “أَسَأْتُمُ” الْوَاقِعَينِ فِي الْجَوَابَيْنِ يَقْتَضِيَانِ التَّجْرِيدَ، لذلك فقد فَجَاءَا عَلَى أَصْلِ تَعْدِيَتِهِمَا بِاللَّامِ لَا لِقَصْدِ نَفْعٍ وَلَا ضُرٍّ. وفي لامِ “فلَهَا” أَوْجُهٌ: ـ أَحَدُها: أَنَّها بِمَعْنَى “عَلى”، أَيْ: “فَعَلَيْها”، ومثلُهُ قَولُ المُقَشْعِرِ النُّضريِّ، وَكَانَ قَدْ طَعَنَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ التَّيْمِيَّ يَوْم وقعةِ الْجَمَلِ:ضَمَمْتُ إِليهِ بالسِّنانِ قميصَه …………….. فَخَرَّ صريعًا لليدينِ وللفمِأَيْ: عَلَى اليَدَيْنِ. وقد نُسِبَ هذا البَيْتُ أَيْضًا إِلى شَاعِرَيْنِ آخرَيْنِ غَيْرِ المُقَشْعرِ.والثاني: أَنَّ “لـ” هُنَا بِمَعْنَى “إِلَى”. قالَ ابْنُ جريرٍ الطَبَرِيُّ: أَيْ فإِلَيْها تَرْجِعُ الإِساءَةُ. والثالثُ: أَنَّها عَلى بابِها، وَإِنَّما أَتى بِها دُونَ “عَلَى” للمُقابَلَةِ في قولِهِ: “لِأَنْفُسِكمْ” فَأَتَى بِها ازْدِواجًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعلَّقَ هَذِهِ اللامُ بفعلٍ مُقَدَّرٍ، كَمَا تقدَّمَ في قَوْلِ الطَبَرِيِّ، أَوْ تتعلَّقُ بِمَحذوفٍ عَلى أَنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، والتقديرُ: فَلَها الإِساءَةُ لا لِغَيْرِها.قولُهُ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤوا وُجُوهَكُمْ} وَعْدُ الآخِرَةِ” مَوْعِدُ المَرَّةِ الآخِرَةِ، فَحُذِفَتِ “المَرَّةُ” للدَّلالَةِ عَلَيْها، وَجَوَابُ الشَّرْطِ محذوفٌ، تقديرُهُ: بَعَثْناهم. أيْ: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا لِيَسُوؤوا وُجُوهَكُمْ. وَ “لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ” مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الجَوَابِ المُقَدَّرِ. وَسَوْءُ الْوُجُوهِ: جَعْلُ الْمَسَاءَةِ عَلَيْهَا، أَيْ تَسْلِيطُ أَسْبَابِ الْمَسَاءَةِ وَالْكَآبَةِ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَبْدُوَ عَلَى وُجُوهِكُمْ لِأَنَّ مَا يُخَالِجُ الْإِنْسَانَ مِنْ غَمٍّ وَحُزْنٍ، أَوْ فَرَحٍ وَمَسَرَّةٍ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْوَجْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْجَسَدِ، ومنه قَوْلُ الْأَعْشَى:كذَلكَ فافْعَلْ ما حيَيتَ إذا شَتَوْا ……. وَأُقْدِمُ إِذَا مَا أَعْيُنُ النَّاسِ تَفْرَقُ أَرَادَ إِذَا مَا تَفَرَّقَ النَّاسُ وَتَظْهَرُ عَلَامَاتُ الْفَرَقِ فِي أَعْيُنِهِمْ.قولُهُ: {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أَي: ليدُخُلوا الْمَسْجِدِ دُخُولُ غَزْوٍ، بِقَرِينَةِ تَشْبِيهِ هَذَا الدُخُولَ الجديد “كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ” بالدُخولِ قَبْلَهُ المَذْكُورِ بقَوْلِهِ في الآية : 5، السابقةِ: {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ}.قولُهُ: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} وَالتَّتْبِيرُ: الْإِهْلَاكُ وَالْإِفْسَادُ. وَالْعُلُوُّ هنا مَجَازِيٌّ، وَيَعْنِي الِاسْتِيلَاءَ وَالْغَلَبَةَ. وَالضَّمَائِرُ الأَرْبَعَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ لَامُ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: “لِيَسُوؤُوا” إِذْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْآيةِ: 5، السَّابِقَةِ: {فإِذا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا}، فَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنَا لَيَسوؤوا وُجُوهَكُمْ، لِأَن الَّذينَ أَسَاؤُوا وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ هَذِهِ الْمَرَّةَ أُمَّةٌ غَيْرُ الَّذِينَ جَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ حَسَبِ شَهَادَةِ التَّارِيخِ وَأَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ.أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَمَّا الْمَرَّةُ الأُولى فَسَلَّطَ عَلَيْهِم جَالوتُ حَتَّى بُعِثَ طالوتُ وَمَعَهُ دَاوُدُ، فَقَتَلَهُ دَاوُدُ، ثمَّ رَدَّ اللهُ الكَرَّةَ لِبَني إِسْرَائِيلَ {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفيرًا} أَيْ عَدَدًا، وَذَلِكَ فِي زمَانِ دَاوُدَ ـ عليهِ السَّلامُ، “فَإِذا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ” آخِرُ العُقُوبَتَيْنِ “لِيَسُوؤوا وُجُوهَكُم” قَالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ “وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ” قَالَ: كَمَا دَخَلَ عَدُوُّهمْ قَبْلَ ذَلِكَ، “وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” قَالَ: يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِم فِي “الْآخِرَةِ” بُخْتنَصَّرَ البابِلِيَّ الْمَجُوسِيَّ، أَبْغَضَ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ، فَسَبَى وَقَتَلَ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمُقَدَّسِ وَسَامَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: كَانَتِ الْآخِرَةُ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى بِكَثِيرٍ، فَإِنَّ الأُولَى كَانَتْ هَزيمَةً فَقَطْ، وَالْآخِرَةَ كَانَتْ تَدْمِيرًا، وَحَرَقَ بُخْتنَصَّرَ التَّوْرَاةَ حَتَّى لَمْ يَتْرُكْ فِيهَا حَرْفًا وَاحِدًا، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمُقَدَّسِ.قولُهُ تَعَالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} إِنْ: حَرْفُ شَرْطٍ جَازِمٌ. و “أَحْسَنْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ لتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محَلِّ رفعِ فاعِلِهِ. فِي مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إِنْ” الشرْطيَّةِ عَلَى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “أَحْسَنْتُمْ” إعرابُها مِثْلُ إعرابِ “أَحْسَنْتُمْ” الأُولَى، وهُوَ فِي مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إِنْ” عَلَى كَوْنِهِ جَوَابًا لَهَا. و “لِأَنْفُسِكُمْ” اللامُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَحْسَنْتُمْ”، و “أَنْفُسِكُمْ” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُضَافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ للجمع المُذَكَّرِ، وجُملةُ “إِنْ” الشَرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. قولُهُ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} الواوُ: حَرْفُ عَطْفٍ، وَ “إِنْ أَسَأْتُمْ” مِثْلُ “إِنْ أَحْسَنْتُمْ”. و “فَلَها” الفاءُ: رَابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ وُجُوبًا، و “لَهَا” اللامُ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، والتَقْديرُ: فَلَهَا الإِساءَةُ لا لِغَيْرِهَا، والتَعْبِيرُ باللامِ لِمُشَاكَلَةِ مَا قَبْلهَا، وإِلَّا فَحَقُّ المَقامِ أَنْ يَكونَ الجَرُّ بِـ “عَلَى”، و “ها” ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فَي مَحَلِّ الجَزْمِ على كونِها جوابَ الشَّرْطِ، وُجُمْلَةُ “إِنْ” الشَرْطِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُملَةِ “إِنْ” الشَرْطِيَّةِ قَبْلَهَا على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.قولُهُ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} الفاء: هِيَ الفَصِيحَةُ؛ أَفْصَحَتْ عَنْ جَوَابِ شَرْطٍ تَقديرُهُ: إِذَا عَرَفْتُمْ كَوْنَ إِسَاءَتِكُمْ عَلَيْكُمْ، وأَرَدْتُمْ بَيَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ العُقوبَةِ، فَأَقُولُ: إِذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرةِ … . و “إذا” ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ خافِضٌ لِشَرطِهِ متعلِّقٌ بجوابِهِ. و “جاءَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ. و “وَعْدُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ. و “الْآخِرَةِ” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الخَفْضِ بِـ “إذا” عَلَى كَوْنِها فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا، وَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذوفٌ، والتقديرُ: بَعَثْنَاهُمْ عَلَيْكُمْ، وَجُمْلَةُ “إذا” فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولٌ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ. قولُهُ: {لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ} اللامُ: لامُ “كي” للجرِّ والتَعْليلِ، و “يَسُوؤُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ منصوبٌ بـ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ جَوَازًا بَعْدَ لامِ “كَيْ”، وعلامةُ نَصْبِهِ حذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٍّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ للتفريقِ. و “وُجُوهَكُمْ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وهو مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذهِ مَعَ “أَنْ” المُضْمَرَةِ فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بالَّلامِ، والتَقْديرُ، بَعَثْنَاهُمْ عَلَيْكُمْ لإِسَاءَتِهِمْ وُجُوهَكُمْ، والجَارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ بِالجَوَابِ المَحْذوفِ.قولُهُ: {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} الوَاوُ: حرفُ عَطْفٍ، و “لِيَدْخُلُوا” اللامُ: لامُ “كي” للجرِّ والتَعْليلِ، أَوْ لامَ أَمرٍ كما في قراءةِ أبيِّ بْنِ كعبٍ رضيَ اللهُ عنهُ، أَوْ لامَ قَسَمٍ كَما في قراءةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، و “يَدْخُلُوا” فِعْلٌ مُضَارعٌ مَنْصوبٌ بِـ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ جَوَازًا بَعْدَ لامِ “كَيْ”، وعَلامةُ نَصْبِهِ حذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٍّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ للتفريقِ. و “الْمَسْجِدَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، والجملةُ معطوفةٌ عَلى جملةِ “لِيَسُوؤُوا” في محلِّ الجَرِّ. قولُهُ: {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الكافُ: حَرْفُ جَرٍّ وَتَشْبيهٍ، و “ما” مَصْدَرِيَّةٌ. وَ “دَخَلُوهُ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، و “أَوَّلَ” مَنْصُوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزمانِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “دَخَلُوا”، وهوَ مُضافٌ. و “مَرَّةٍ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. وَالجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ “ما” المَصْدَرِيَّةِ، و “ما” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِـ “الكافِ” والجَارُّ وَالمَجْرُورُ صَفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، والتَقْديرُ: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ دُخُولًا مِثْلَ دُخُولِهِمْ، إِيَّاهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ. ومَنْ جَعَلَ لامَ “لِيَدْخُلُوا” هَذِهِ لامَ أَمْرٍ كَ “أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ” ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أَوْ لامَ قَسَمٍ كَ “عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، كما سيأتي في القِرَاءَاتِ، فَالَّلامُ في “لِيَدْخُلوا” تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الأَمْرَ والتَعْليلَ، وَ “كَمَا دَخَلُوهُ” نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ، كَمَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ، أَيْ: دُخُولًا كَمَا دَخَلُوهُ. قولُهُ: {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} الوَاوُ: للعطفِ، و “لِيُتَبِّرُوا” مثْلُ “لِيَسُوؤُوا”. و “ما” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُّكونِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ، أَيْ: لِيُهْلِكُوا الذي عَلَوْهُ، أَو لِيَهْدِمُوهُ ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:وما النَّاسُ إِلَّا عامِلانِ فَعَامِلٌ …………….. يُتَبِّرُ مَا يَبْني وآخَرُ رَافِعُويَجُوزُ فِيها أَنْ تَكونَ مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً، أَيْ: مُدَّةَ اسْتِعْلائِهِمْ، وَهَذَا مُحْوِجٌ إِلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكونَ القَصْدُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الفِعْلِ نَحْوَ: هُوَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ. وَ “عَلَوْا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ للتفريق. والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما” إِنْ أُعْرِبَتْ مَوْصُولَةً، والعائدُ مَحْذُوفٌ والتقديرُ، مَا عَلَوْهُ، وإِنْ أُعربتْ “ما” مَصْدَرِيَّةً فهي مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجرُورٍ بِإِضافَةِ الظَرْفِ المُقَدَّرِ إِلَيْهِ، أَيْ: وَلِيُتَبِّرُوا مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ. وَ “تَتْبِيرًا” مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةَ المُطْلَقَةِ.قَرَأَ العامةُ، نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ، وَأَبُو جَعْفَر، وَيَعْقُوب: {لِيَسُوؤُوا} بِضَمِيرِ الْجَمْعِ مِثْلَ أَخَوَاتِهِ الْأَفْعَالِ الْأَرْبَعَةِ، وقيلَ يعودُ عَلَى النَفِيرِ؛ لأَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَهُوَ مُوافِقٌ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: “وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ”. وَفِي عَوْدِ الضَّميرِ عَلَى النَّفِيرِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ النَّفِيرَ المَذْكُورَ مِنَ المُخَاطَبِينَ، فَكَيْفَ يُوصَفُ ذَلِكَ النَّفِيرُ بِأَنَّهُ يَسُوْءُ وُجُوهَهُمْ؟. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُريدَ هَذَا القَائِلُ أَنَّهُ عائدٌ عَلَى لَفْظِهِ دُونَ مَعْنَاهُ، مِنْ بابِ: (عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ). وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَخَلَفٍ “لِيَسُوءَ” بالياءِ المفتوحةِ وهمزةٍ مفتوحةٍ آخرَ الفعل. بِالْإِفْرَادِ وَالضَّمِيرُ للهِ تَعَالَى، والفاعِلُ: إِمَّا اللهُ تَعَالَى، وَإِمَّا الوَعْدُ، وَإِمَّا البَعْثُ، وَإِمَّا النَّفِيرُ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ لِنَسُوءَ بِنُونِ الْعَظَمَةِ. أَيْ: لِنَسُوءَ نَحْنُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ “بَعَثْنا عِبَادًا لَنَا”، وَ “رَدَدْنا”، وَ “أَمْدَدْنَا”، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: “عُدْنَا” وَ “جَعَلْنا”. وَتَوْجِيهُ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ أَنَّ الْهَمْزَةَ الْمَفْتُوحَةَ بَعْدَ الْوَاوِ قَدْ تُرْسَمُ بِصُورَةِ أَلْفٍ، فَالرَّسْمُ يَسْمَحُ بِقِرَاءَةِ وَاوِ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ أَلِفَ الْفَرْقِ وَبِقِرَاءَتَيِ الْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ عَلَامَةُ الْهَمْزَةِ. وقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كعبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: “لِنَسُوْءَنْ” بلامِ الأَمْرِ وَنُونِ التَوْكِيدِ الخَفِيفَةِ وَنُونِ العَظَمَةِ، وَهَذَا جَوابٌ لـ “إذا”، وَلَكِنْ عَلَى حَذْفِ الفاءِ، أَيْ “فَلِنَسُوْءَنْ”، ودَخَلَتْ لامُ الأَمْرِ عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ العَنْكَبوت: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} الآية: 12. وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: “لَيَسُوْءَنَّ”، و “وَلَنَسوْءَنَّ” بالياءِ أَوِ النُّونِ التي للعَظَمَةِ، وَنُونِ التَوْكِيدِ الشَديدَةِ، واللامِ التي للقَسَمِ. وفي مُصْحَفِ اُبَيٍّ “لِيَسُوْءُ” بِضَمِّ الهَمْزَةِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، وَهَذِهِ القِراءَةُ تُشْبِهُ أَنْ تَكونَ عَلى لُغَةِ مَنْ يَجْتَزِئُ عَنِ الواوِ بالضَمَّةِ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:فلوْ أَنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلي ………………… وكانَ مَعَ الأَطِبَّاءِ الشُفَاةُإِذَنْ مَا أَذْهَبُوا أَلَمًا بِقَلْبِي ………………. وَإِنْ قِيلَ الشُّفَاةُ هُمُ الأُسَاةُفاجْتَزَأَ بالضَمَّةِ فِي “كانُ” عَنِ الوَاوِ، ثُمَّ حَذَفَ الواوَ للوَقْفِ. والشُّفاةُ: جَمْعُ شَافٍ. وتُرْوَى “السُّقاةُ” جَمع سَاقٍ، وَهُوَ الذي يَسْقِي الدَواءَ للمَريضِ. والشاهِدُ هو فِي البَيْتِ الأَوَّلِ “كانُ” بِضَمِّ النُّونِ، فإنَّ هَذِهِ الضَمَّةَ، بَدَلُ وَاوِ الجَمَاعَةِ المَحْذُوفَةِ، وَالأَصْلُ “كانُوا حَوْلِي”. والأُساةُ: جَمْعُ آسٍ، وَهُوَ الطَبيبُ المُعَالِجُ. وقُرِئَ “لِيُسِيءَ” بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ السِّينِ وَياءٍ بَعدَهَا، أَيْ: لِيُقَبِّحَ اللهُ وُجُوهَكُمْ، أَوْ لِيُقَبِّحَ الوَعْدُ، أَوْ البَعْثُ. وَفِي مُصْحَفِ أَنَسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، “وَجْهَكُمْ” بالإِفرادِ كَقَوْلِ الشاعرِ:كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا …………….. فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُأَيْ: بُطُونِكِمْ. البيتُ مِنْ شواهِدِ سيبويهِ التي لم يعرَفْ قائلُها، وقالَ سِيبَويْهِ في مِثْلِهِ: إِنَّهُ وإِنْ وُحِّدَ لَفْظُ “السَّمْعِ” إِلَّا أَنْ ذِكْرَ مَا قَبْلِهِ وَمَا بَعدَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ الجَمْعِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسْراء، الآية: 6


ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)


قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ثُمَّ: للعطفِ والتَّرَاخِيَ الرُّتْبِيَّ وَالتَّرَاخِيَ الزَّمَنِيَّ مَعًا. وَرَدَّ: أَرْجَعَ. وَ “الْكَرَّةُ” الرَّجْعَةُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ. و “عَلَيْهِمْ” ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هُوَ حَالٌ مِنَ الْكَرَّةَ، لِأَنَّ رُجُوعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أُورْشَلِيمَ كَانَ بِتَغَلُّبِ مَلِكِ فَارِسَ عَلَى مَلِكِ بَابِلَ. وَجِيءَ بِفِعْلٍ مَاضٍ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ فِي جَوَابِ (إِذَا) فهُوَ مَاضٍ لَفْظًا مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، لِأَنَّ (إِذَا) ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ. وَصِيغَةُ الْمَاضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ. والْمَعْنَى: نَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا فَيَجُوسُونَ، وَنَرُدُّ لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، وَنُمْدِدُكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَنَجْعَلُكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. فَهُوَ مِنْ تَمَامِ جَوَابِ (إِذَا) مِنْ قَوْلِهِ في الآيةَ: 5، السابقةِ: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما} مِنْ سُورةِ الْإِسْرَاءِ. وَمِنْ بَقِيَّةِ الْمَقْضِيِّ فِي الْكِتَابِ. وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ قَضَوْا نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي أَسْرِ الْبَابِلِيِّينَ وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ وَنَدِمُوا عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ سَلَّطَ اللهُ مُلُوكَ فَارِسَ عَلَى مُلُوكِ بَابِلَ الْأَشُورِيِّينَ فَإِنَّ الْمَلِكَ (كُورَشَ) مَلِكَ فَارِسَ حَارَبَ الْبَابِلِيِّينَ وَهَزَمَهُمْ فَضَعُفَ سُلْطَانُهُمْ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِمْ (دَارِيُوسُ) مَلِكُ فَارِسَ وَفَتَحَ بَابِلَ سَنَةَ 538 قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَأَذِنَ لِلْيَهُودِ فِي سَنَةِ 530 قَبْلَ الْمَسِيحِ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أُورْشَلِيمَ وَيُجَدِّدُوا دَوْلَتَهُمْ. وَذَلِكَ نَصْرٌ انْتَصَرُوهُ عَلَى الْبَابِلِيِّينَ إِذْ كَانُوا أَعْوَانًا لِلْفُرْسِ عَلَيْهِمْ.وَالْوَعْدُ بِهَذَا النَّصْرِ وَرَدَ أَيْضًا فِي كتاب أشعياء فِي الْإِصْحَاحَاتِ: الْعَاشِرِ، وَالْحَادِي عَشَرَ، وَالثَّانِي عَشَرَ، وَغَيْرِهَا، وَفِي كِتَابِ أَرْمِيَا فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ.وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أنَّهُ قالَ: نُصِرَ عَلَيهم بَنُو إِسْرائيلَ. تَفسيرُ الطَبَري: (15/30 ـ 31). وهذا جُزْءٌ مِنْ أَثَرٍ طويلٍ أَوْرَدَهُ السُّيوطِيُّ في الدُرِّ المَنْثُورِ: (4/299) وزَادَ نِسْبَتَهُ إِلى ابْنِ أَبي شَيْبَةَ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أَبي حاتِمٍ. وأَخرجَ أيْضًا في رِوايَةِ عَطِيَّةَ العَوْفيِّ عنْ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أنَّهُ قالَ: وَقَتَلَ داودُ جالوتَ، وعادَ مُلْكُهم كَما كانَ. تَفْسيرُ الطَبَرِيِّ: (15/30 ـ 31).قولُهُ: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْضِيِّ الْمَوْعُودِ بِهِ في الآيةِ: 4، السابقةِ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}. وجَاءَ فِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ كِتَابِ أَرْمِيَا: هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لِكُلِّ السَّبْيِ الَّذِي سَبَيْتُهُ مِنْ أُورْشَلِيمَ إِلَى بَابِلَ: ابْنُوا بُيُوتًا وَاسْكُنُوا، وَاغْرِسُوا جَنَّاتٍ، وَكُلُوا ثَمَرَهَا، خُذُوا نِسَاءً وَلِدُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَاكْثُرُوا هُنَاكَ وَلَا تَقِلُّوا.قولُهُ: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} أَيْ: جَعَلْناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا مِنْ أَعْدَائِكُمُ الَّذِينَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، وذَلِكَ بأنْ أَفْنَى مُعْظَمَ الْبَابِلِيِّينَ فِي حُرُوبِهم مَعَ الْفُرْسِ حَتَّى أَصبَحُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بِلَادِ الْأَسْرِ عِنْدَ الْبَابِلِيِّينَ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهم. وَقيلَ: صيغةُ التَّفْضِيلُ (أَكْثَرَ) تَفْضِيلٌ لِواقِعِهِم الجديدِ وحالِهمْ حينها عَلَى حالِهِمْ مِنْ قَبْلُ، أَيْ: جَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُمْ قَبْلَ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَقَامِ الِامْتِنَانِ. وَالنَّفِيرُ. اسْمُ جَمْعٍ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تَنْفِرُ مَعَ المَلِكِ مِنْ حاشِيَتِهِ وَقَوْمِهِ.قولُهُ تَعَالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ وَتَراخٍ. و “رَدَدْنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضمير رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المُعظِّمِ نفسَهَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى. وَ “نَا” التَعْظِيمِ هذه ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ. و “لَكُمُ” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “رَدَدْنا”، وكافُ الخطابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “الْكَرَّةَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ. وَ “عَلَيْهِمْ” على: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “رَدَدْنا” أَوْ بِالمفعولِ بِه “الْكَرَّةَ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرٍّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. والجملةُ معطوفةٌ على جملةِ “بَعَثْنَا” عَلَى كونِها جَوَابَ “إِذا” لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.قولُهُ: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “أَمْدَدْنا” مِثْلُ “رَدَدْنا” معطوف عليْهِ. وكافُ الخطابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “بِأَمْوالٍ” الباءُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “رَدَدْنا”، و “أَمْوالٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “بَنِينَ” مَعْطُوفٌ عَلَى أَمْوالٍ مجرورٌ مثلُهُ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الياءُ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السَّالِمِ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ. قولُهُ: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} الوَاوُ: حرفُ عَطْفٍ، و “جَعَلْناكُمْ” مثلُ “أَمْدَدْناكم”. و “أَكْثَرَ” مَفْعولٌ بهِ ثانٍ. و “نَفِيرًا” منصوبٌ على التَمْييزِ، والجُملةُ الفِعْلِيِّةُ هذهِ مَعْطوفَةٌ عَلى “أَمْدَدْناكُمْ” فلا محلَّ لها منَ الإعرابِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 5


فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)


قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} الْوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: مَوْعُودُ أُولَى الْمَرَّتَيْنِ، أَيِ: الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِحُصُولِ الْمَرَّةِ الْأُولَى مِنَ الْإِفْسَادِ وَالْعُلُوِّ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعَالَى منْ سُورَةِ الْكَهْفِ: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وكانَ وَعْدُ ربِّ حقًا} الآيَةَ: 98. وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى في نهايةِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ: “وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا” أَيْ مَعْمُولًا وَمُنَفَّذًا. وَإِضَافَةُ “وَعْدًا” إِلَى “أُولاهُما” إضافةٌ بَيَانِيَّةٌ، أَيِ الْمَوْعُودُ الَّذِي هُوَ أُولَى الْمَرَّتَيْنِ مِنَ الْإِفْسَادِ وَالْعُلُوِّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِي الله عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “فَإِذا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُما” قَالَ: إِذا جَاءَ وَعْدُ أُولى تِيْنِكَ الْمَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إِلَى بَني إِسْرَائِيلَ: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مرَّتَيْنِ}. قولُهُ: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} وَالْبَعْثُ مُسْتَعْمَلٌ هنا فِي حُصُولِ السَّيْرِ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ، حَتَّى كَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لأَعْدائهم بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تعالى مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ} الآية: 167، وَهُوَ بَعْثُ تَكْوِينٍ وَتَسْخِيرٍ مِنْهُ ـ سبحانَهُ، لَا بَعْثٌ بِوَحْيٍ وَأَمْرٍ. وَقَدْ عُدِّيَ “بَعَثْنا” بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ “على” لأَنَّهُ فيهِ مَعْنَى التَّسْلِيطِ، فهو كَقَوْلِهِ تعالى مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ} الآيةَ: 167. وَالْعِبَادُ: هُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَهُمْ هنا عِبَادُ مَخْلُوقِيَّةٍ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ: عِبَادُ اللهِ. وَيُقَالُ أَيضًا “عَبِيدٌ”، بِدُونِ إِضَافَةٍ، نَحْوُ قولِهِ مِنَ سُورَةِ فُصِّلَتْ {وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} الآية: 46، فَإِذَا قُصِدَ الْمَمْلُوكُونَ بِالرِّقِّ قِيلَ: عَبِيدٌ، لَا غَيْرُ. وَالْمَقْصُودُ بِعِبَادِ اللهِ هُنَا الْأَشُورِيُّونَ أَهْلُ بَابِلَ وَهُمْ جُنُودُ بُخْتُنَصَّرَ. وقالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ “عِبَادًا لَنَا” الآية. قال: جُنْدٌ جاءَهُمْ مِنْ فارِسٍ، يَتَحَسَّسُونَ أَخْبَارَهُمْ وَيَسْمَعُونَ حَديثَهُمِ، وكانَ معهُمْ (بُخْتَنَصَّرُ) فوَعَى حَديثَهم مِنْ بَيْنِ أَصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلى فَارِسَ وَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ بينهمْ هَذِهِ المَرَّةَ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فِي رِوايَةِ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عنْهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. والبَأْسُ: الشَّوْكَةُ وَالشِّدَّةُ فِي الْحَرْب. وَوَصَفَهُ بالشَديدِ لِقُوَّتِهِ فِي نَوْعِهِ كَمَا فِي آيَةِ سُورَة سُلَيْمَان، أَو “النَّمْل”: {قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} الآيَةَ: 33. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: البَأْسُ: القتالُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى في الآية: 177، منْ سُورَةِ البَقَرَة: {وَحِينَ الْبَأْسِ} أيْ: الحَرْب. أَخْرَجَهُ “الطَبَرِيُّ”: (15/27)، بِلَفْظِهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ، وعن مُجاهِدٍ وَقَتَادَةَ والضَحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، وَأَوْرَدَهُ السُيُوطِيُّ في “الدُرِّ المَنْثُورِ”: (1/315). وَنَسَبَهُ أَيْضًا إِلى وَكِيعٍ وابْنِ أَبي شَيْبَةَ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أَبي حاتِمٍ، وأَبي الشَّيْخِ، والحاكِمِ، وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ. وَمَعْنَى “بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ” أَرْسَلْنَا عَلَيْكُمْ، وخَلَّيْنَا بَيْنَهُمْ وبَيْنَكُم، وَخَذَلْناكُمْ.قولُهُ: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ “بَعَثْنا” فَهُوَ مِنَ الْمُقْضَى فِي الْكتاب. وَالْجَوْسُ: التَّخَلُّلُ فِي الْبِلَادِ وَطَرْقُهَا ذِهَابًا وَإِيَابًا لِتَتَبُّعِ مَا فِيهَا. وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا تَتَبُّعُ الْمُقَاتَلَةِ فَهُوَ جَوْسُ مَضَرَّةٍ وَإِسَاءَةٍ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ. والجَوْسُ أَيْضًا: طَلَبُ الشَّيْءِ باسْتِقْصَاءٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “فَجَاسُوا” قَالَ فَمَشَوْا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَنْ فِيها. وَقالَ الفَرَّاءُ: يَقُولُ: قَتَلُوكُم بَيْنَ بُيُوتِكُمْ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ المَعْنَى: عَاثُوا وأَفْسَدُوا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَطَافُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ، والجَوْسُ يَحْتَمِلُ كلَّ هَذِهِ المَعَاني، وكلٌّ مِنْها مُحْتَمَلٌ حُصُولُهُ فيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ جَاسُوا بالقَتْلِ والعَبَثِ وَطَلَبِ مَنْ يَقْتُلُونَهُ، يَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُ حَسَّان بْنِ ثابتٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ:ومِنَّا الذي لاقَى بِسَيْفِ محمدٍ ……. فَجَاس به الأعداءَ عَرْضَ العَسَاكرأَيْ: تَخَلَّلَهُمْ قَتْلًا بِسَيْفِهِ. والجَوْسُ، والجُوْسُ بِفَتْحِ الجيمِ وَضَمِّها مَصْدَرُ جَاسَ يَجُوسُ، أي: فَتَّشَ ونقَّبَ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْحَوْسُ وَالْجَوْسُ وَالْعَوْسُ والهوس: الطوفُ باللَّيلِ. وَقِيلَ: الطَّوْفُ بِاللَّيْلِ هُوَ الْجَوَسَانُ مُحَرَّكًا. وقالَ قُطْرُبٌ: جاسُوا: نزلوا. وأَنْشَدَ عليْهِ:فَجُسْنا ديارَهُمُ عَنْوَةً ……………………… وأُبْنا بساداتِهم مُوْثَقِيْناوقِيلَ: جاسُوا بِمَعْنَى دَاسُوا. وَ “خِلَالَ” الشَّيْءِ وَسَطُهُ الَّذِي يُتَخَلَّلُ مِنْهُ، وهو عَلَى وَزْنِ الْجُمُوعِ، وَلَا مُفْرَدَ لَهُ. وَمنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآية: 48، مِنْ سُورةِ الرُّومِ: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}. وَ “الدِّيارِ” هِيَ دِيَارُ بَلَدِ أُورْشَلِيمَ، فَقَدْ دَخَلَهَا جَيْشُ (بُخْتُنَصَّرَ) وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَسَبَى النِّسَاءَ، وَهَدَّمَ الدِّيَارَ، وَأَحْرَقَ الْمَدِينَةَ وَهَيْكَلَ سُلَيْمَانَ بِالنَّارِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي “الدِّيارِ” للْعَهْدِ، أَيْ: دِيَارِكُمْ، وَذَلِكَ أَصْلُ جَعْلِ (اَلْـ) التَعْريفِ عِوَضًا مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَيَشْمَلُ لَفْظُ “الدِّيَارِ” هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ لِأَنَّهُ بَيْتُ عِبَادَتِهِمْ، بِدليلِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ التي بَعْدَها: {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. وَقدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسيرِ الآيَةِ التي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّهُ أَسَرَ كُلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبِذَلِكَ خَلَتْ بِلَادُ يَهُود مِنْهُمْ. قولُهُ: {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} مفعولًا” أَيْ حَاصِلًا لا مَحَالَةَ بِحَيْثُ لا صَارِفَ عَنْهُ وَلَا مُبَدِّلَ.قولُهُ تَعَالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} الفاءُ: هيَ الفَصيحةُ؛ أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تقديرُهُ: إِذا عَرَفْتُمْ أَنَّكمْ تُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وأَرَدْتُمْ بَيَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كِلْتَا المَرَّتَيْنِ مِنَ العُقُوبَةِ، فَأَقُولُ لَكُمْ: إِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما .. . و “إذا” ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ خافضٌ لشَرْطِهِ متعلِّقٌ بجوابِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ. وَ “جاءَ” فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ. وَ “وَعْدُ” فاعِلُهُ مَرْفُوعٌ ، مُضافٌ. وَ “أُولاهُما” مَجْرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ كَسْرَةٌ مُقدَّرةٌ عَلَى آخِرِهِ للتعَذُّرِ، وهوَ مُضافٌ، و “هما” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ فِي مَحَل الخَفْضِ بِـ “إذا” عَلَى كَوْنِها فِعْلَ شَرْطٍ لَها. قولُهُ: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} بَعَثْنا: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المُعظِّمِ نفسَهُ ـ سُبحانَهُ، و “نا” التعظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالفاعِليَّةِ. و “عَلَيْكُمْ” على: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “بَعَثْنَا”، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “عِبادًا” مَفْعوُلٌ بِهِ منصوبٌ. و “لَنا” اللامُ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِصِفَةْ لـ “عِبادًا”، و “نا” التعظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “أُولِي” صفة ثانية لِـ “عِبادًا” في محلِّ النَّصِبِ، وعلامَةُ نَصْبِهِ الياءُ لأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السَّالِمِ. وَ “بَأْسٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “شَدِيدٍ” صِفَةُ “بَأْسٍ” مجرورةٌ مثلُهُ. والجُمْلَةُ جَوَابُ “إِذا” لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وجُمْلَةُ “إذا” مَقُولٌ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ في محلِّ النَّصِبِ، وجُمْلَةُ “إذا” المُقَدَّرَةِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. قولُهُ: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} فَجاسُوا: الفاءُ: حرفٌ للعطْفِ والتعقيبِ، وَ “جاسُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ على السُكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والألِفُ: للتفريقِ. والجملةُ الفعليَّةُ هذِهِ مَعْطوفَةٌ عَلى جُملةِ “بَعَثْنا” على كونِها جَوَابَ “إِذا” فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “خِلالَ” منصوبٌ على الظرفيَّةِ المكانيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “جَاسُوا”، وهو مُضافٌ. و “الدِّيارِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. قولُهُ: {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} الوَاوُ: للاسْتئنافِ، و “كانَ” فِعلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبنيٌّ على الفتْحِ. واسْمُها ضَميرٌ مُسْتترٌ فيها جوزًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى البَعْثِ. و “وَعْدًا” خَبَرُها منصوبٌ بها. و “مَفْعُولًا” صِفَةُ الوعدِ منصوبةٌ مثلهُ، والجملةُ مُستأنفةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ.قرأَ العامَّةُ: {عِبادًا لنا} بِزِنَةِ فِعَالٍ، وقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلَيٍّ والحَسَنُ “عبيدًا لنا” على وزنِ “فَعِيْل”. قرَأَ العامَّةُ: {جاسوا} بالجيمِ، وَقَرَأَ ابنُ عبَّاسٍ وطَلْحَةُ وأَبُو السَّمَّالِ “حَاسُوا” بالحَاءِ المُهْمَلَةِ، وقُرِئَ أَيضًا “فَجُوِّسُوا” بالجِيمِ، بِزِنَةِ نُكِّسُوا.قرأَ الجمهورُ: {خِلالَ} وهي مُحْتَمِلَةٌ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهما: أَنَّهُ جمعُ خَلَلٍ، كَجِبالٍ في جَبَلٍ، وجِمالٍ في جَمَلٍ. والثاني: أَنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ بِمَعنَى وَسْط، ويَدُلُّ لَهُ قِراءةُ الحَسَنِ: “خَلَلَ الدِّيارِ”.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 4


وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)


قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} قَضَيْنا: حَكَمْنَا، أَوْ قدَّرْنا، فالْقَضَاءُ هنا بِمَعْنَى الْحُكْمِ، أَيْ: التَّقْدِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغيرُهُ مِنَ المُفَسِّرينَ: أَعْلَمْنَاهُم، وأَخْبَرْنَاهُمْ. أَخْرَجَهُ الطَبَرِيُّ: (15/21)، والنَّحَّاسُ فِي مَعَانِي القُرْآنِ: (4/122)، والسَمَرْقَنْدِيُّ في تفسيرِهِ: (2/260)، والثَعْلَبِيُّ في تفسيرِهِ: (7/104أ)، والطوسيُّ: (6/448)، والسُيُوطيُّ في الدُرِّ المَنْثُورِ: (4/295 ـ 296)، وزادَ نِسْبَتَه إِلَى ابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أبي حاتِمٍ، وكلُّ هؤلاءِ أخرجوهُ بنصِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وأَخرجَهُ بنحوِهِ عَنِ ابنِ عباسٍ: هُودُ الهوارِيُّ في تفسيرِهِ: (2/408)، والماورْدِيُّ: (3/228)، والبَغَوِيُّ: (5/67)، وابن عَطِيَّةَ: (9/15)، وابْنُ الجَوْزِيِّ: (5/7)، والفَخْرُ الرَّازِيُّ: (20/155)، والخَازِنُ: (3/152)، وأَبو حَيَّانٍ في البحْر: (6/8). وقال أَبو إِسْحَاقٍ الزَجَّاجُ: مَعْنَاهُ: أَعْلَمْنَاهم في الكِتَابِ، وأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ. ومِثْلُ ذَلِكَ قولُهُ مِنْ سورةِ الحجر: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ} الآية: 66، معناهُ: أَعْلَمْنَاهُ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ. مَعَاني القُرْآنِ وإِعْرابُه: (3/227)، ومعنى القضاءِ فِي اللُّغَةِ: قَطْعُ الأَشْياءِ عَنْ إِحْكامٍ، ومِنْهُ قَوْلُهُ تعالى مِنْ سورةِ فُصِّلتْ: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} الآية: 12، وكذلكَ قولُ الشّاعِرِ المُخَضْرَمِ أبي ذُؤَيب الهذلي:وعليهما مَسْرودَتان قضاهما ……………. داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابغِ تُبَّعوقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أَعْلَمْنَاهُمْ؛ لأَنَّهُ لَمَّا خَبَّرَهُمْ أَنَّهُم سَيُفْسِدونَ فِي الأَرْضِ، حَتَّمَ بِوُقوعِ الخَبَرِ. تَأْويلُ مُشْكِلِ القَرْآنِ: (ص: 441)، وَ “إِلَى” في هَذِهِ الآيَةِ هيَ مِنْ صِلَةِ الإِيحاءِ؛ لأَنَّ مَعْنَى: “قَضَيْنَا” أَوْحَيْنَا، فالمَعْنَى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ، كَذَا قالَ أَبُو إِسْحَاقٍ الزَجَّاجُ في معاني القرآنِ وَإِعْرابِهِ: (3/227). وإلَّا فإنَّ الفعلَ “قَضَى” يتعدَّى بنفسِهِ، قالَ تعالى مِنْ سورةِ الأحزاب: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا} الآية: 37، وقالَ مِنْ سورةِ القَصَص: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} الآية: 29، وإِنَّمَا تَعَدَّى هُنَا بـ “إلى” لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى: “أَنْفَذْنَا” و “أَوْحَيْنا”، أَيْ: أَنْفَذْنا إِلَيْهِمْ بالقَضَاءِ المَحْتُومِ. وَمُتَعَلَّقُ القَضَاءِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: “لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ” والتَقْديرُ: وَقَضَيْنَا إِلى بَني إِسْرائيلَ فِي الكِتَابِ بِإِفْسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ. وَ “فِي الْكِتَابِ” أَيْ: أَنَّ هذا الْقَضَاءَ قَدْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، والمُرادُ بِهِ كتابُهُمُ “التَوْرَاةُ” فَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ آنِفًا. وَهَذا عَطْفٌ عَلَى قولِهِ في الآيةِ: 2، السَّابِقَةِ: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ}، أَيْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ هُدًى، وَبَيَّنَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ مَا يَحِلُّ بِهِمْ جَرَّاءَ مُخَالَفَتِهم هَدْيِ التَّوْرَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرادُ بـ “الْكِتَابِ” بَعْضَ كُتُبِهِمُ الدِّينِيَّةِ. فَالتَعْرِيفُ للْجِنْسِ، وَلَيْسَ للْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، إِذْ لَيْسَ هُوَ الْكِتَابُ الْمَذْكُورُ آنِفًا فِي قَوْلِهِ منَ الآيةِ: 2، السابقةِ: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} لِأَنَّهُ لَمَّا أَظْهَرَ اسْمَ الْكِتَابِ أَشْعَرَ بِأَنَّهُ كِتَابٌ آخَرُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَهُوَ الْأَسْفَارُ الْمُسَمَّاةُ بِكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ: أَشْعِيَاءَ، وَأَرْمِيَاءَ، وَحِزْقِيَالَ، وَدَانْيَالَ، وَهِيَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ. وذُكِرَ وَالْإِفْسَادُ مَرَّتَيْنِ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا وَكِتَابِ أَرْمِيَا. والْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ، يُرَادُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ الْكِتَابَ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ. وَضَمَائِرُ الْخِطَابِ فِي الآيَةِ تمنَعُ كُونَ الْمُرَادِ بِـ “الْكِتَابِ” اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ أَوْ عِلْمُ اللهِ. قولُهُ: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} بَيَانٌ لِقولِهِ قَبْلُ: “وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ”، و “لَتُفْسِدُنَّ” أَصْلُهُ لَتُفْسِدُونَنَّ. وَ “لَتُفْسِدُنَّ” قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُريدُ المَعَاصِي وَخِلافَ أَحْكامِ التَوْرَاةِ. تَنْويرُ المِقْبَاس: (ص: 296)، وَبِنَحْوِهِ في تَفْسير البَغَوِيِّ: (5/79)، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ. و “فِي الْأَرْضِ” قَالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَرْضَ مِصْرَ. وفي قولِهِ “مرَّتينِ” إِشارَةٌ إِلَى حَوَادِثَ عَظِيمَةٍ وقعتْ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَيْنَ الْبَابِلِيِّينَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومَانِ، فَعَبَّرَ عَنِهُما بِمَرَّتَيْنِ وكُلُّ مَرَّةٍ مِنْهُمَا تَحْتَوِي عَلَى عِدَّةِ مَلَاحِمَ عظيمةٍ. فَفي سَنَةَ: (606)، قَبْلَ مِيلادِ السَيِّدِ الْمَسِيحِ، عيسى ابْنِ مَرْيَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَزَا (بُخْتُنَصَّرُ) مَلِكُ بَابِلَ وَآشُورَ بِلَادَ أُورْشَلِيمَ، وأَسَرَ مِنَ الْيَهُودِ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَيُسَمَّى الْأَسْرَ الْأَوَّلَ. ثُمَّ غَزَاهُمْ غَزْوًا أَعْظَمَ مِنَ الْأَوَّلِ سَنَةَ (598) قَبْلَ الْميلادِ، سُمِّيَ الْأَسْرَ الثَّانِيَ، فَأَسَرَ مَلِكَ يَهُوذَا، وَجَمْعًا غَفِيرًا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَأَخَذَ الذَّهَبَ الَّذِي فِي هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَوانِي النَّفِيسَةِ. ثمَّ غَزاهم بعدَ عَشْرِ سِنينَ غزوًا مُبِيرًا سُمِّيَ الْأَسْرَ الثَّالِثَ فسَبَى كُلَّ شَعْبِ يَهُوذَا، وَأَحْرَقَ هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ، وَبَقِيَتْ أُورْشَلِيمُ خَرَابًا يَبَابًا. ثُمَّ أَعَادُوا تَعْمِيرَهَا كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 6، الآتِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورةِ المُباركةِ: {ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عليهِمْ}. وَأَمَّا الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ غَزَوَاتُ الرُّومَانِيِّينَ لَهُمْ وَسَنُفَصِّلُ بَيَانَهَا أَيْضًا عِنْدَ تَفْسيرِ الآيَةِ السَّادِسَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وقد كانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا مِنْهُ تَعَالَى للانْتِقامِ مِنْهم بِسَبَبِ فَسَادِهِمْ، وَإِسْنَادُ الْإِفْسَادِ إِلَى ضَمِيرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ إِفْسَادٌ مِنْ عامَّتِهِمْ، بِحَيْثُ تُعَدُّ الْأُمَّةُ كُلُّهَا مُفْسِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ الأمَّةُ لَا تَخْلُو مِنْ بَعْضِ الصَالِحِينَ. وأَخْرَجَ عبد الرَّزاقِ الصنعانيُّ: (2/373) عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، والطَبَرِيُّ: (15/28)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما، وعنْ قتادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ الإفسادَ الأوَّلَ كان في أَرْضِ مِصْرَ فأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهمْ جالوتَ، ثمَّ عاد مُلْكُهم كما كانَ. ووردَ في (معاني القرآن وإعرابه) للنَحَّاسِ: (4/123)، بِنَحْوِهِ عَنْ قَتَادَةَ، وفي تفسير الثَّعْلَبِيِّ: (7/104أ)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضيَ اللهُ عَنْهُما، بِنَحْوِهِ أيضًا، ووَرَدَ بِنَحْوِهِ عَنْهُما ـ رَضيَ اللهُ عَنْهُما، في تفسيرِ الطوسِيِّ: (6/448)، وأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ في الدُرِّ المَنْثورِ: (4/299)، وعَزَاهُ إِلى ابْنِ أَبي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوفيِّ، وَأَوْرَدَهً وَزادَ نِسْبَتَهُ إِلى ابْنِ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْردَهُ أيضًا في: (5/244)، وزَاد نِسْبَتَهُ إِلى ابْنِ أَبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ. واللهُ أَعْلَمُ. قولُهُ: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} أَصْلُ “لَتَعْلُنَّ” لَتَعْلُوُونَنَّ. وهو مَجَازٌ فِي الطُّغْيَانِ وَالْعِصْيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالى مِنْ سورةِ النَّمْلِ: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} الآية: ،31 وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ القَصَصِ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} الْآية: 4، وَكقَوْلِهِ مِنْ سورةِ الدُخان: {إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} الآيةَ: 31، تَشْبِيهًا لِلتَّكَبُّرِ وَالطُّغْيَانِ بِالْعُلُوِّ عَلَى الشَّيْءِ لِامْتِلَاكِهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. وَهَذَا إِعْلَامٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالى لَمْ يَدَّخِرْ أُولَئِكَ القَوْمَ نُصْحًا وإِرْشَادًا.قولُهُ تَعَالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} الواوُ: للاستئْنافِ، وَ “قَضَيْنا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتَّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ “نَا” المُعَظِّمِ نَفْسَهَ، سُبْحانَهُ وَ “نَا” التَعْظيمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِلى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قَضَيْنا”، و “قضى” يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، أَوْ بِـ “عَلَى”، وَإِنَّمَا عَدَّاهُ هُنَا بِـ “إِلى” لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى “أَوْحَيْنَا”، و “بَنِي” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ مِنَ الأَسْماءِ الخمسةِ، وهو مُضافٌ. و “إِسْرائِيلَ” مَجْرُورٌ، بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكسْرةِ لأَنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرفِ بالعلميَّةِ والعُجْمَةِ. وَ “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَيْضًا، و “الْكِتابِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. قولُهُ: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، و “تُفْسِدُنَّ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجَازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِ إلَّا أنَّها حُذِفَتْ لِتَوالي الأَمْثَالِ، والواوُ المُحْذُوفَةُ أَيضًا لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، وجملةُ “لَتُفْسِدُنَّ” جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتقديرُ: وَاللهِ لَتُفْسِدُنَّ، وَهَذَا القَسَمُ مُؤَكِّدٌ لِمُتَعَلَّقِ القَضَاءِ. وَيَجوزُ أَنْ تَكونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: “وقَضَيْنا” لأَنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى القَسَمِ، وَمِنْهً قَوْلُهُم: (قَضَاءُ اللهِ لأَفْعَلَنَّ) فيُجْرُونَ القَضَاءَ والنَّذْرَ مُجْرَى القَسَمِ فَيُتَلَقَّيانِ بِمَا يُتَلَقَّى بِهِ القَسَمُ. وعلى كلِّ فإنَّ الجملةَ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “تُفْسِدُنَّ”، و “الْأَرْضِ” مَجْرُورٌ بحرفِ الجرِّ، وَمَفْعُولُ الإِفْسادِ مَحْذُوفٌ، والتقديرُ: لَتُفْسِدُنَّ الأَدْيَانَ فِي الأَرْضِ. و “مَرَّتَيْنِ” مَنْصُوبٌ عَلَى المَصْدَرِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، لأَنَّهُ بِمَعْنَى: لَتُفْسِدُنَّ إِفْسادَتَيْنِ. قولُهُ: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الواوُ: عاطفةٌ وَ “لَتَعْلُنَّ” مثلُ “لتفسدُنَّ” معطوفٌ عليهِ ولهُ مثلُ إعرابِهِ. و “عُلُوًّا” مَنْصُوبٌ عَلَى المَصْدَرِيَّةِ. و “كَبِيرًا” صِفَةٌ لَهُ منصوبةٌ مِثْلهُ. قرأَ العامَّةُ: {الكتابِ} بالتَوْحِيدِ مُرادًا بـ “الكتابِ” الجنسُ. وقرأَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأَبُو العَالِيَةِ “في الكُتُبُ” فجَاؤوا بهِ نَصًّا في الجَمْعِ. قَرَأَ العامَّةُ: {لتُفسِدُنَّ} بِضَمِّ التّاءِ وَكَسْرِ السِّينِ، مُضَارعَ “أَفْسَدَ”، ومَفْعُولُهُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: لَتُفْسِدُنَّ الأَدْيانَ. ويَجُوزُ أْنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ، أَيْ: لَتُوقِعُنَّ الفَسَادَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا، “لَتُفْسَدُنَّ” بِالبِنَاءِ للمَفْعُولِ، أَيْ: لَيُفْسِدَنَّكمْ غيْرُكم، وهو إِمَّا مِنَ الإِضلالِ، أَوْ مِنَ الغَلَبَةِ. وَقَرَأَ عِيسى بْنُ عُمَرَ “لَتَفْسُدُنَّ” بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِّينِ، أَيْ: فَسَدْتُم بِأَنْفُسِكُمْ.قَرأَ العامَّةُ: {عُلُوًّا} بِضَمِّ العَيْنِ، مَصْدَرَ “عَلَا يَعْلُو”. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ “عِلِيًّا” بِكَسْرِهِمَا وبالياءُ، والأَصْلُ الواوُ، وَإِنِّما اعْتَلَّ عَلَى اللُّغَةِ القَلِيلَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ “فُعُولًا” المَصْدَرَ الأَكْثَرُ فِيهِ التَصْحِيحُ، نَحْوَ: عَتَا عُتُوًّا، والإِعْلالُ قَلِيلٌ نَحْوَ قولِهِ تعالى مِنْ سُورةِ مَرْيَمَ: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} الآيةَ: 69، عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بيانُهُ في مَكانِهِ ـ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالى، وإنْ كانَ جَمْعًا فالكَثيرُ الإِعْلالُ. نَحْوَ: “جِثِيًّا” وشَذَّ: “بَهْوٌ” و “بُهُوُّ”، و “نَجْوٌ” و “نَجَوٌّ”، وَقَاسَهُ الفَرَّاءُ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 3


ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)


قولُهُ ـ تَعَالى جَدَّهُ: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} مَا زَالَ الحَديثُ عَنْ بني إسرائيلَ قومِ سيِّدِنَا مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَي: أَنْتُمْ مِنْ ذريَّةِ قومٍ مُؤمنينَ، وَكَانَ الذينَ حُمِلُوا في السَّفينَةِ مَعَ نُوحٍ ـ عليْهِ السَّلامُ، هُمُ المُؤْمنونَ الذينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَكونُوا مُشْركينَ، كَمَا قالَ تَعَالَى مِنْ سورةِ هود: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَق عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} الآية: 40. والمَعْنَى أَنَّ أَصْلَكُمْ قَدِ اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ المُشْرِكِينَ لِيَكونَ الإيمانُ هوَ الباقي، وَقَدْ كَرَّمَ اللهُ مَنْ تَبِعَ نُوحًا، والذينَ آمَنُوا بِهِ بِتَكْريمِ نُوحٍ ـ عليْهِ السَّلامُ، وذَكَرَ فَضْلَهُ فَقَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّنا نَجَّيْنَا الذينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنَ الطُوفانِ والغَرَقِ، وَحافَظْنا عَلى حَياتِهم وبقائهم، وَأَنْتُمْ ذُرِّيَّتَهم، فَلا بُدَّ أَنْ تَذْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ العظيمةَ عَلَيْكُمْ للهِ تَعَالى، فإنَّ بْقاءَكمُ إلى الآنَ هو مِنْ بَقاءِ آبائكم. فَكَأَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ، يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ نَجَّى آباءَهم مَعَ نُوحٍ، فَلْيَسْتَمِعُوا إِلى مِنْهَجِ اللهِ الذي جَرَّبَهُ آباؤهم، وَوَجدوا أَنَّ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ تَكونُ لَهُ النَجاةُ والفلاحُ، ويكونُ آمنًا مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالى. قالَ قَتَادَةُ: النَّاسُ كُلُّهُمْ ذُرِّيَّةُ مَنْ أَنْجَى اللهُ في تِلْكَ السَفِينَةِ. وقَالَ مُجَاهِدٌ فيما رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عنْهُ. وَالْمُرَادُ بِالذُّرِّيَّةِ كُلُّ مَنِ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، وَهُمْ جَمِيعُ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْمَعْنَى يَا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ لَا تُشْرِكُوا. وَذَكَرَ نُوحًا لِيُذَكِّرهُمْ نِعْمَةَ إِنْجَاءِ آبائهم مِنَ الْغَرَقِ. وَقدْ كانُوا هم في صُلْبِ مَنَ نَجَا. قولُهُ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} أَيْ: أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الشُّكْرِ، فذَكَرَ لَهُ مَوْلاهُ ـ سُبْحانَهُ، وَصْفَيْنِ كَريمَيْنِ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ كانَ متَّصِفًا بالعبوديةِ لمولاهُ متحقِّقٌ بهذا الوَصْفِ الرفيعِ يُحِسُّ بِنِعْمَةِ العُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ ذَا جَبَروتٍ، بَلْ كانَ خاضِعًا للهِ ـ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى، والخُضُوعُ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ العِزَّةُ التي لَا ذُلَّ فِيها ولا اسْتِكْبَارَ. والثاني: أَنَّهُ شَكُورٌ، أَيْ كَثيرَ الشُّكْرِ للهِ تَعَالى عَلَى نَعْمائِهِ في سَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ. رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَكَلَ قَالَ: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي وَلَوْ شَاءَ أَجَاعَنِي)، وَإِذَا شَرِبَ قَالَ: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْقَانِي وَلَوْ شاءَ أَظْمَأَني، وإِذا اكْتَسَى قالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي وَلَوْ شَاءَ أَعْرَانِي، وَإِذَا احْتَذَى قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَذَانِي وَلَوْ شَاءَ أَحْفَانِي)). وَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْرَجَ عَنِّي أَذَاهُ فِي عَافِيَةٍ وَلَوْ شَاءَ حَبَسَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْإِفْطَارَ عَرَضَ طَعَامَهُ عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ مُحْتَاجًا آثَرَهُ بِهِ. وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفيْنِ الشَريفَيْنِ لِنُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَعْليلٌ لِشَرَفِ اتِّباعِهِ وبَيَانٌ بِأَنَّ مَنْ حَمَلَهُمْ نوحٌ مَعَهُ في السفينَةِ كانوا جَديرينَ بالتَكْريمِ، كما أنَّ فيهِ دَعْوَةٌ لأَنْ يَجْعَلوهُ أُسْوةً، فقدْ جَعَلَهُ آباؤهمْ الذين حَمَلَهُمْ مَعَهُ أُسْوَةً لَهُمْ، فلْيَتَّخِذوهُ هُمْ أَيْضًا أُسْوَةً.وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَكِيلًا، لِأَنَّ أَجْدَادَهُمْ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ عَلَيْهِمْ، لِنَجَاتِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ. وقد َكَانَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا، وَالَّذِينَ حُمِلُوا مَعَهُ كَانُوا شَاكِرِينَ مِثْلَهُ، أَيْ: فَاقْتَدُوا بِهِمْ وَلَا تَكْفُرُوا نِعَمَ اللهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ تَمَامِ الْجُمْلَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ فَتَكُونُ مِمَّا خَاطَبَ اللهُ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُذَيِّلَةٌ لِجُمْلَةِ وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَيَكُونُ خِطَابًا لِأَهْلِ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ مَلاءَمَةِ قَوْلِهِ: “إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا” لِمَا قَبْلَهُ؟. قُلْنَا: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا وَلَا تُشْرِكُوا بِي، لِأَنَّ نُوحًا ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَبْدُ شَكُورًا حينَ يكونُ مُوَحِّدًا لَا يَرَى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إِلَّا مِنْ فَضْلِ اللهِ ـ تعالى، وَأَنْتُمْ ذُرِّيَّةُ قَوْمِهِ فَاقْتَدُوا بِنبيِّ اللهِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا أَنَّ آباءَكُمُ اقْتَدُوا بِهِ، واللهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ اللهَ تعالى نَجَّى نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْهَلَاكِ بِسَبَبِ شُكْرِهِ وَشُكْرِهِمْ، وذلك للتَحْرِيضِ عَلَى التأَسِّي بِأُولَئِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ إِنْ أَشْرَكُوا لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابٌ وَاسْتِئْصَالٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ [هود: 48. وَفِيهِ أَنَّ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ كَانُوا شِقَّيْنِ شِقٌّ بَارٌّ مُطِيعٌ، وَهُمُ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، وَشِقٌّ مُتَكَبِّرٌ كَافِرٌ وَهُوَ وَلَدُهُ الَّذِي غَرِقَ، فَكَانَ نُوحٌ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَبًا لفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْفَرِيقِ الْبَارِّ، فَإِنِ اقْتَدَوْا بِهِ نَجَوْا وَإِنْ حَادُوا فَقَدْ نَزَعُوا إِلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَيُوشِكُ أَنْ يَهْلَكُوا. وَهَذَا التَّمَاثُلُ هُوَ نُكْتَةُ اخْتِيَارِ ذِكْرِ نُوحٍ مِنْ بَيْنِ أَجْدَادِهِمُ الْآخَرِينَ مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لِفَوَاتِ هَذَا الْمَعْنَى فِي أُولَئِكَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ اسْتِئْصَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ إِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَعُلُوِّهِمْ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّ ذَلِكَ جَزَاءُ إِهْمَالِهِمْ وَعْدَ اللهِ نُوحًا ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَمَا نَجَّاهُ. وَالِاقْتِدَاءُ بِصَالِحِ الْآبَاءِ مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ النُّفُوسُ، وَهو مَحَلُّ تَنَافُسٍ عِنْدَ الْأُمَمِ بِحَيْثُ يُعَدُّ خِلَافُ ذَلِكَ كَمُثِيرٍ لِلشَّكِّ فِي صِحَّةِ الِانْتِسَابِ. وَكَانَ نُوحٌ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَثَلًا فِي كَمَالِ النَّفْسِ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ وَتَنْبَعِثُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ. قَالَ النَّابِغَةُ:فَأَلْفَيْتَ الْأَمَانَةَ لَمْ تَخُنْهَا ………………… كَذَلِكَ كَانَ نُوحٌ لَا يَخُونُقولُهُ تَعَالَى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} ذُرِّيَّةَ: مُنَادَى مُضافٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّداءِ؛ أَيْ: يَا ذُرِّيَةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوْحٍ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مَقُولٌ لِذَلِكَ القَوْلِ المَحْذُوفِ. ويجوزُ أنْ يكونَ منصوبًا على البدلِ مِنْ قولِهِ مِنَ الآيةِ التي قبْلَها {وكيلًا}. أو أَنَّها مَنْصوبَةٌ عَلى المَفْعُولِ الأَوَّلِ لـ “تتخذوا”، والمفعولُ الثاني هوَ “وكيلًا” فَقُدِّمَ عليْهِ، ويَكُونُ “وَكيلًا” ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ بِهِ جَمْعٌ، أَيْ: لا تَتَّخِذوا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا وُكَلاءَ، كَقَولِهِ مِنْ سُورةِ آلِ عُمران: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} الآيةَ: 80. وَ “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنَى “الذي” مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافَةِ إليْهِ. أَوْ نَكِرةٌ مَوْصوفةٌ. وَ “حَمَلْنا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتَّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ “نَا” المُعَظِّمِ نَفْسَهَ، سُبْحانَهُ وَ “نَا” التَعْظيمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصُولِ “مَنْ”، وَالعائدُ مَحْذوفٌ، والتَقْديرُ: مَنْ حَمَلْنَاهُمْ. أَوْ صفةٌ لـ “مَنْ” في محلِّ الجرِّ إِنْ أُعْرِبَتْ “مَنْ” نَكِرةً مَوْصوفةً. وَ “مَعَ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الاعْتِبَارِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنَ الضَميرِ المَحْذوفِ، أَوْ بِـ “حَمَلْنا” أَوْ بِجَوابِ النِّداءِ المَحْذوفِ، والتَقديرُ: يَا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ، كُونُوا كَمَا كانَ نُوحٌ فِي العُبوديَّةِ للهِ تَعَالى، والانْقِيادِ لأَحكامِهِ، وَفِي كَثْرَةِ الشُكْرِ للهِ تعالى وذلك بِفِعْل الطاعاتِ، وَهُوَ مُضافٌ. وَ “نُوحٍ” اسْمٌ مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. قولُهُ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} إِنَّهُ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، والهاء،: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُ “إنَّ”. و “كانَ” فِعْلٌ مَاضٍ نَاقِصٌ مبنيٌّ على الفتحِ، واسْمُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “نُوحٍ” ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. و “عَبْدًا” خَبَرُ “كانَ” منصوبٌ بها. و “شَكُورًا” صِفَتُهُ منصوبةٌ مثله، وَجُمْلَةُ “كانَ” فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ الجُمْلَةِ المَحْذوفَةِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. قرأَ العامَّةُ: {ذُرِّيَّةَ} بالنَّصبِ، وَقَرَأَتْ فِرْقةٌ “ذُرِّيَّةُ” بالرَّفْعِ، وَفِيها وجْهَانِ، أَوَّلُهُما: ذَكَرَهُ أَبُو البقاءِ العُكْبَريُّ بِأَنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ والتقديرُ: هُوَ ذُرِّيَّةُ، وَلَيْسَ بواضحٍ. والثاني: أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ واوِ “تتَّخِذوا” قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي القِراءَةِ بالتَّاءِ، لأَنَّكَ لا تُبْدِلُ مِنْ ضَميرٍ مُخَاطَبٍ، فلَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُكَ زَيْدًا، عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ لَمْ يَجُزْ ذلكَ. وَرَدَّ الشَّيْخُ أَبو حَيَّانٍ هَذا الإِطْلاقَ وَقَالَ: يَنْبَغِي التَفْصيلُ، وَهوَ إِنْ كانَ بَدَلَ بَعْضٍ أَوْ اشْتِمَالٍ جَازَ، وَإِنْ كانَ بَدَلَ كلٍّ مِنْ كُلٍّ، وَأَفادَ الإِحاطةَ نحو: (جِئْتُمْ كَبيرُكم وَصَغِيرُكمْ) جَوَّزَهُ الأَخْفَشُ والكُوفِيُّونَ. قال: وَهُوَ الصَحِيحُ. قالَ السمينُ الحلَبيُّ: وَتَمْثيلُ ابْنِ عَطِيَّةَ بِقَوْلِه: (ضَرَبْتُكَ زَيْدًا) قَدْ يَدْفَعُ عَنْهُ هَذَا الرَدَّ. وقالَ مَكِيٌّ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ في الكلامِ عَلَى قِراءةِ مَنْ قَرَأَ بالياءِ عَلَى البَدَلِ مِنَ المُضْمَرِ فِي “يَتَّخِذوا” وَلَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فِي قِراءَةِ التاءِ؛ لأَنَّ المُخَاطَبَ لَا يُبْدَلُ مِنْهُ الغائبُ، وَيَجُوزُ الخَفْضُ عَلَى البَدَلِ مِنْ بَني إِسْرائيلَ. فرَدَّ الحَلبيُّ: أَمَّا الرَّفْعُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ لمْ يَطَّلِعْ عليْهِ، وأَمَّا الجَرُّ فَلَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: لأَنَّ المُخاطَبَ لا يُبْدَلُ مِنْهُ الغائبُ، ما وَرَدَ عَلَى ابْنِ عَطِيَّةَ، بَلْ أَوْلَى لأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِثالًا يُبَيِّنُ مُرادَهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 2


وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)


قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْتي قَبْلَها عَظيمَ شَأْنِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ـ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، ثمَّ أَتْبَعَهُ هُنَا بِبَيانِ عَظيمِ شَأْنِ نَبِيِّهِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ، بِما آتاهُ مِنْ كِتَابٍ عَظِيمٍ، أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. قولُهُ: {وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ} بَيانٌ بِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الكتابَ (التوراة) هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. ووَصَفَ الْقُرْآنَ الكريمَ أيضًا بأنَّهُ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} الآية: 2، مِنْ سورةِ الْبَقَرَة، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ هُدًى مُبَالَغَةٌ لِأَنَّ الْهُدَى بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْهُدَى. وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ، وابنُ أبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: جَعَلَهُ اللهُ هُدًى لَهُمْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لَهُم. تَفسيرُ الطَبَرَيِّ: (15/18). وَقَالَ أَبُو إِسْحاقٍ الزَّجَّاجُ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى: أَيْ دَلْلناهُمْ بِهِ عَلَى الهُدَى. مَعاني القُرآنِ وإِعْرَابُهُ: (3/226). وَقَد تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ الكريمِ. إذْ قَالَ في سُورةِ الأَنْعامِ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الْآيَةَ: 54، وَقَالَ مِنْ سُورَةِ الأَعرافِ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الْآيَةَ: 145، وَقالِ مِنْ سُورةِ القَصَصِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} الْآيَةَ: 43، وَقَالَ مِنْ سورةِ السَجْدَة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ * وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} الآيتان: (23 و 24) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.قولُهُ: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} وَالْوَكِيلُ: على وزنِ “فَعِيل”، مِنَ التَّوَكُّلِ، مُتَوَكَّلًا عَلَيْهِ، ربًّا تَكِلُونَ إِلَيْهِ أُمُورَكُمْ. وتُفَوِّضُونَها إِلَيْهِ، فَيَصِلُكُمُ النَّفْعُ مِنْهُ، وَيَكُفُّ الضُّرَّ عَنْكُمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَلَّا تتخذوا حَفِيظًا لَكُمْ سِوَايَ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ وَكِيلٌ لِكِفَايَتِهِ وَقِيَامِهِ بِشُئُونِ عِبَادِهِ، لَا عَلَى مَعْنَى ارْتِفَاعِ مَنْزِلَةِ الْمُوَكِّلِ وَانْحِطَاطِ أَمْرِ الْوَكِيلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَكِيلًا، أَيْ شَرِيكًا. ذَكَرَهُ القُرطُبيُّ. وَقالَ الْفَرَّاءُ: كَافِيًا وكَفِيلًا بِأُمُورِهِمْ. وقَالَ الْكَلْبِيُّ: رَبًّا يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ. وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَمَرْجِعُ كُلِّهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ: مَنْ يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ. وتُفَوَّضُ إِلَيْه الْأُمُورُ، لِيَأْتِيَ بِالْخَيْرِ، وَيَدْفَعَ الشَّرَّ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ ـ جَلَّ في عُلاهُ. وَلِهَذَا حَذَّرَ تَعَالى مِنَ اتِّخَاذِ وَكِيلٍ دُونَهُ. لِأَنَّهُ لَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ، وَلَا كَافِيَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ ـ جَلَّ جلَالُهُ العظيمُ. عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا، وإليْهْ أَنَبْنا وإليْهْ المَصيرُ، فَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقد تكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كتابِهِ الكريمْ. كَقَوْلِهِ تَعَالى في الآيَةِ: 173، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} الآية: 173، وكقولِهِ في الآية: 129، مِنْ سُورةِ التَوبَةِ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العظيم}، وَقَوْلِهِ من سورةِ يونُس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} الْآيَةَ: 71، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ هُودُ: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بناصِيتِها} الآية: 56، ثمَّ قَالَ في الآيةِ: 123، مِنْها: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}، وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ إبراهيم: {قالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} الآيتانِ: (11 و 12)، وَقَوْلِهِ منْ سورةِ الفُرقانِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} الْآيَةَ: 58، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ الأحزابِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا} الآية: 3، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الطلاقِ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الآية: 3، وَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ المُلْك: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} الآية: 29، وكقولِهِ مِنْ سورةِ المُزَّمِلِ: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ} الآية: 9، وَالْآيَاتُ في هذَا المعنَى كَثِيرَةٌ جَدًّا.وهذهِ الآيةُ الكريمةُ انْتِقَالٌ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ، وهُوَ ذِكْرُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. فَإِنَّ أَطْوَارَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وما مرَّ بِهِ مِنْ أحداثٍ، تُمَثِّلُ مَا تَطَوَّرَ بِهِ حَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَطْوَارِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ، وَالنُّهُوضِ وَالرُّكُودِ، لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ بحالِ مَنْ سَبَقَهُم فَيَقْتَدُوا أَوْ يَحْذَرُوا. وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ قبلَ ذَلِكَ فِي الآيةِ الأُولى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا} فَإِنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ الَّتِي أُوتِيها النَبِيُّ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيَةَ الْقُرْآنِ، فَكَأَنَّما قيلَ: وَآتَيْنَاهُ الْقُرْآنَ، وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، (أَيِ التَّوْرَاةَ)، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تعالى بَعْدَ ذَلِكَ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الْآية: 9، مِنْ هذهِ السُّورَةِ المُباركَةِ، أَيْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ مِنْ طَرِيقَةِ التَّوْرَاةِ، وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا هُدًى، عَلَى مَا فِي الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلًا لِيَرَى مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى الْمُنَاسَبَةِ لِحَالَةِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، فقد أُوتِيَ النُّبوءَةَ لَيْلًا، وَهُوَ سَارٍ بِأَهْلِهِ مِنْ أَرْضِ مَدْيَنَ، إِذْ آنَسَ نَارًا مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ، وَلِحَالِهِ أَيْضًا حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ بِآيَاتِ الْكِتَابِ الكريمِ.قولُهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ} الواوُ: حرفُ عَطْفٍ، أَوْ استِئْنافٍ، و “آتَيْنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو “نا” المُعَظِّمِ نَفسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، و “نا” التعظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، و “موسى” مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ لأَنَّ “آتَى” هُنَا بِمَعْنَى أَعْطَى، وهو منصوبٌ بالمفعوليَّةِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ المُقدَّرةُ على آخِرهِ لتعذُّرِ ظهورها على الأَلِفِ. و “الكِتابَ” مفعولُهُ الثاني، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، ويجوزُ أنْ تكونَ هذِهِ الجملةٌ مَعْطَوفَةً عَلَى الجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ تَنْزيهِ الرَّبِّ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلا يَلْزَمُ في عَطْفِ الجُمَلِ مُشاركةٌ فِي خَبَرٍ وَلا غَيْرِهِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: إِنَّها مَعْطُوفةٌ عَلَى جملةِ {أَسْرَى} مِنَ الآيةِ قبلَها . وقَدِ اسْتَبْعَدَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانٍ الأَنْدَلُسِيُّ ذَلكَ، ووَجْهُ الاسْتِبْعادِ: أَنَّ المَعْطُوفَ عَلَى الصِّلَةِ صِلَةٌ، فيُؤَدِّي التَقْديرُ إِلَى ضَرورَةِ التَرْكِيبِ: سُبْحانَ الذي أَسْرَى … وآتَيْنَا، وهوَ في قُوَّةِ: الذي آتَيْنَا مُوْسَى، فَيَعُودُ الضَمِيرُ عَلَى المَوْصُولِ ضَمِيرَ تَكَلُّمٍ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ لِذَلِكَ. أَوْ أَنَّها مَعْطوفةٌ عَلَى مَا فِي قولِهِ {أَسْرَى} مِنْ تَقْديرِ الخَبَرِ، كَأَنَّهُ قالَ: أَسْرَيْنا بِعَبْدِنَا، وَأَرَيْناهُ آيَاتِنا وَآتَيْنَا موسى الكتابَ، وَهَذَا قَريبٌ مِنْ تَفْسيرِ المَعْنَى لا الإِعْرابِ. قولُهُ: {وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرائِيلَ} الواوُ: للعطْفِ، و “جَعَلْناهُ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هُوَ “نَا” المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، وَ “نا” التَعْظيمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فَاعِلُهُ، و الهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ. وَالظاهرُ أَنَّ هَذَا الضميرَ يَعُودَ لـ “الكِتَابَ”، ويَجُوزُ أَنْ يَعودَ لِـ “مُوسَى” عَلَيْهِ السَّلامُ. وَ “هُدًى” مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لـ “جَعَلْنَا”، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “آتَيْنَا”. وَ “لِبَنِي” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “هُدًى” وهوَ بِمَعْنَى “هادٍ”. كَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ يونُسَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {يَهْدِي لِلْحَقِّ} الآيةَ: 35، ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بالجَعْلِ، أَيْ: جَعَلْناهُ لأَجْلِهِمْ، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمحْذوفٍ نَعْتًا لـ “هُدًى”. وَ “بَنِي” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ منَ الأسْماءِ الخَمْسَةِ، وهوَ مُضافٌ. وَ “إِسْرائِيلَ مَجْرورٌ بالإِضافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جَرِّهِ الفتحةُ نيابةً عَنِ الكَسْرَةِ لأنَّهٌ ممنوعٌ منَ الصرْفِ بالعَلَميَّةِ والعُجْمَةِ. قولُهُ: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} أَلَّا: “أَنْ” يَجُوزُ أَنْ تَكونَ ناصِبَةً عَلَى حَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ، أَيْ: لِئَلَّا تَتَّخِذُوا. وَقِيلَ: “لا” مَزيدةٌ، والتقديرُ: كَرَاهَةَ أَنْ تَتَّخِذُوا، ويجوزُ أَنْ تَكونَ المُفَسِّرَةَ وَ “لا” نَاهِيَةٌ جازمةٌ، فالفِعْلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الأَوَّلِ مَجْزومٌ عَلَى الثاني، ويجوزُ أَنْ تَكُونَ مَزيدَةً عِنْدَ بَعْضِهم. وَ “تَتَّخِذُوا” فِعْلٌ مُضارِعٌ مجزومٌ بِـ “لا” الناهِيَةِ، وعلامةُ جزْمِهِ حذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ فَارِقَةٌ. وَ “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ زائدَةٌ. و “دُونِي” بِمَعْنَى غَيْري، مَجْرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ منصوبٌ محلًّا على أنَّهُ مفعولٌ بِهِ أوَّلُ لِـ “تَتَّخِذُوا”. و “وَكِيلًا” مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ لـ “تَتَّخِذُوا”. وهذهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في محلِّ النَّصْبِ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذوفٍ، والتقديرُ: وَقُلْنَا لَهُمْ: لا تَتَّخِذوا … إِلَخ، وجُمْلَةُ القَوْلِ المَحْذوفِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “جَعَلْنا”.قَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ: {أَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ الْتِفاتًا، وَعَلَى هَذَا فَـ “أَنْ” هِيَ الْمُفَسِّرَةُ. فَجَعَلَ التَّوْرَاةَ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مُفَسِّرٌ بِنَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ وَكَيْلٍ مِنْ دُونِ اللهِ، لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ كُلَّهُ فِي عِبَادَتِهِ هُوَ ثَمَرَةُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ـ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَـ “لَا” مِنْ قَوْلِهِ: “أَلَّا تَتَّخِذُوا” نَاهِيَةٌ جازمةٌ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بنُ العلاءِ، وهو مِنَ القرَّاءِ السَّبْعَةِ “أَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا” بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ. وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ “أَنَّ” وَصِلَتِهَا مَجْرُورٌ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ الْمَحْذُوفِ. أَيْ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَجْلِ أَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا. لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَكِيلِ الَّذِي تُسْنَدُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، وَتُفَوَّضُ مِنْ دُونِ اللهِ، لَيْسَ مِنَ الْهُدَى. فَمَرْجِعُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّوَكُّلَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا عَلَى غَيْرِهِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 1


بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

(1)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} الِافْتِتَاحُ بِهذهِ الكَلِمَةِ مُؤْذِنٌ بِخَبَرٍ عَظيمٍ عَجِيبٍ، يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، وَرَفِيعِ مَنْزِلَةِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُ، سَيُلْقَى هذا الخَبَرُ عَلى مَسامِعِ السَّامِعُينَ. فَإِنَّ جُمْلَةَ التَّسْبِيحِ فِي كَلَامٍ لَا يَكونُ فِيهِ مَا يُوهِمُ تَشْبِيهًا، أَوْ تَنْقِيصًا لَا يَلِيقَانِ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى وعَظَمَتِه، كَقَوْلِهِ ـ جَلَّ وعَلَا، مِنْ سُورَةِ الصافَّاتِ: {سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} الآيةَ: 180، يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي أَكْثَر مِنَ التَّنْزِيه، وَذَلِكَ هُوَ التَّعْجِيبُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُتَحَدَّثِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالى في الآيةَ: 16، مِنْ سُورَةِ النُورِ: {قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ}، وَمنهُ أَيْضًا قَوْلِ أَعْشَى بَنِي تَميمٍ:

قَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ……………… سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ

وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جَانِبِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّسْبِيحُ صَادِرًا مِنْهُ كَانَ الْمَعْنَى تَعْجِيبَ السَّامِعينَ، لِأَنَّ التَّعَجُّبَ مُسْتَحِيلَةٌ حَقِيقَتُهُ عَلَى اللهِ لَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فِي مَحَامِلِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ إِلَى التَّمْثِيلِ، مِثْلُ مَجِيءِ الرَّجَاءِ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى نَحْوُ قولِهِ مِنْ سورةِ البقرةِ: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الْآية: 189، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ تَعَجُّبُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى التَّعْجِيبِ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِكَ: أَتَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ فُلَانٍ كَيْتَ وَكَيْتَ. وَوَجْهُ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى. وَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تعالى مُزِيلًا لِلشَّكِّ فِي هذِهِ القُدْرَةِ. نافيًا الْإِشْرَاكَ بِهِ، كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْطِقَ الْمُتَأَمِّلُ بِتَسْبِيحِهِ ـ جلَّ وعَلَا، أَيْ تَنْزِيهِهِ عَنِ الضَعفِ والْعَجْزِ والحاجَةِ إلى غَيْرِهِ. وَأَصْلُ صِيَغِ التَّسْبِيحِ هُوَ كَلِمَةُ “سُبْحَانَ اللهِ” الَّتِي نُحِتْ مِنْهَا (السَّبْحَلَةُ). وَوَقَعَ التَّصَرُّفُ فِي صِيَغِهَا بِالْإِضْمَارِ نَحْوُ: “سُبْحَانَكَ” وَ “سُبْحَانَهُ”، وَبِالْمَوْصُولِ نَحْوُ قولِهِ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ: “سبحانَ الذي أَسُرَى بَعَبْدِهِ“، وقولِهِ تَعَالى مِنْ سُورةِ يَس: {سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها ممَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} الآية: 36.

ومَعَ أَنَّ الإِسْراءَ لا يَكونُ إِلَّا لَيْلًا فَقَدْ قَالَ “لَيْلًا” بِالتَنْكيَرِ، لِتَقليلَ مُدَّةِ الإِسْرَاءِ، وأَنَّهُ ـ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أُسْرِي بِهِ فِي بَعْضِ الليلِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بلادِ الشَّامِ، وهي عَلى مَسِيَرَةِ أَرْبَعينَ لَيَلَةً؛ وَذلك لأَنَّ التنكيرَ دَلَّ عَلَى البَعْضِيَّةِ، وَيَشْهد لِذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِي ـ رَضيَ اللهُ عَنْهُما: “سُبْحانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى”، أَيْ: مِنْ بِعَضِهِ، كَقَولِهِ تَعَالى في الآيةِ: 79 مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُباركةِ: “وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نافلةً لَكَ“.

ويقالُ “سَرَى” وَ “أَسْرى، بمعنى كَ “سَقَى” وَ أَسْقَى”، والهمزَةُ هُنا لَيْسَتِ للتَعْدِيَةِ، وإِنَّما المُعَدَّي هو الباءُ في “بِعَبْدِهِ“، فَهي لا تَقْتضي مُصَاحَبَةَ الفاعِلِ للمَفْعولِ، خلافًا لِلْمُبَرِّدِ وَالسُهَيْلِيِّ، فإِنَّ لَهُمَا نُكْتَةٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّعْدِيَةِ بِالْهَمْزَةِ وَالتَّعْدِيَةِ بِالْبَاءِ، بِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَبْلَغُ لِأَنَّهَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْفَاعِلِ الْمَفْعُولَ فِي الْفِعْلِ، فَأَصْلُ (ذَهَبَ بِهِ) أَنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى في الآية: 29، مِنْ سُورةِ الْقَصَص: {وَسارَ بِأَهْلِهِ}. وَقَالَتِ الْعَرَبُ أَشْبَعَ بِهُمْ شَتْمًا، وَرَاحُوا بِالْإِبِلِ. وَفِي هَذَا لَطِيفَةٌ تُنَاسِبُ الْمَقَامَ هُنَا، إِذْ قَالَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ دُونَ سَرَى بِعَبْدِهِ، وَهِيَ الإشارةُ إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ مَعَ رَسُولِهِ فِي إِسْرَائِهِ بِعِنَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الطُّور: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} الآية: 48، وَقَالَ في الآية: 40، منْ سورةِ التَوْبَةِ: {إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا}. فَالْمَعْنَى: الَّذِي جَعَلَ عَبْدَهُ مُسْرَيًا، أَيْ سَارِيًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ مِنْ سورةِ هُودٍ: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} الآية: 81. وزَعَمَ ابْنُ عطيَّةَ أَنَّ مَفْعولَ “أَسْرى” مَحذوفٌ، وأَنَّ التَعْدِيَةَ هُنَا بالهمزَةَ فقالَ: ويَظْهر أنَّ “أَسْرى” مُعَدَّاةٌ بالهمزةِ إلى مفعولٍ محذوف، أيْ: أَسْرَى الملائكةُ بِعَبْدِهِ، لأَنَّهُ يُقْلِقُ أَنْ يُسْنَدَ “أَسرى” وهوَ بِمَعْنَى “سَرَى” إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ إِذْ هُوَ فِعْلٌ يَقْتَضي النَّقْلَةَ، كَ “مَشَى” و “جَرَى” و “أَحْضَرَ” و “انْتَقَلَ”، فلا يَحْسُنُ إِسْنَادُ شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلى اللهِ تَعَالى مَعَ وُجُودِ مَنْدوحةٍ عَنْهُ، فإِذا وَقَعَ فِي الشَّريعَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَأَوَّلْناهُ، نَحْوَ قولِهِ في الحديث القدسيِّ المعروفِ: (أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) وغيْرِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّما بَنَاهُ اعْتِقادًا عَلَى أَنَّ التَعْدِيَةَ بالباءِ تَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الفاعِلِ للمُفْعُولِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قولُ الجمهورِ في هَذَا بأَنَّ الباءُ في “بِعَبْدِهِ“، لا تَقْتضي مُصَاحَبَةَ الفاعِلِ للمَفْعولِ. ثمَّ جَوَزَّ أَنْ يَكونَ “أَسْرى” بمعنى “سَرَى” على حَذْفِ مضافٍ كقولِهِ تعالى مِنْ سورةِ البقرة: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} الآيةَ: 17، يَعْني فيكون التقدير: الذي أَسْرَى مَلائكتُهُ بعبدِه، والحاملُ لَه عَلى ذَلِكَ ما تقدَّم مِنِ اعْتِقادِ المُصاحَبَةَ.

وَلمَّا كانَ السُّرَى خَاصًّا بِسَيْرِ اللَّيْلِ، كَانَ قَوْلُهُ: “لَيْلًا” إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ إِسْرَاءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَ مَبْدَأِ السَّيْرِ وَنِهَايَتِهِ فِي بَعْضِ لَيْلَةٍ، وَلِيَتَوَسَّلَ بِذِكْرِ اللَّيْلِ إِلَى تَنْكِيرِهِ الْمُفِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. فَتَنْكِيرُ لَيْلًا لِلتَّعْظِيمِ، بِقَرِينَةِ الِاعْتِنَاءِ بِذِكْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ فِعْلِ أَسْرى، وَبِقَرِينَةِ عَدَمِ تَعْرِيفِهِ، أَيْ هُوَ لَيْلٌ عَظِيمٌ بِاعْتِبَارِ جَعْلِهِ زَمَنًا لِذَلِكَ السُّرَى الْعَظِيمِ، فَقَامَ التَّنْكِيرُ مَقَامَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ. أَلَا تَرَى كَيْفَ احْتِيجَ إِلَى الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْظِيمِ بِصِيغَةٍ خَاصَّةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ ليلةِ القَدْرِ: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} الآيتان: (1 و 2)، إِذْ وَقَعَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ غَيْرَ مُنَكَّرَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين} الآيات: (4 و5 و6) مِنْ سورةِ المُطَفَّفينَ، فَذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِأَنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهُم يُنْكِرُونَهُ وَلَا يَعْبَؤُونَ بِمَا أُعِدَّ لَهُم فِيهِ مِنَ الْأَهْوَال.

وَقالَ: “عَبْدِهِ” فأضافَ سيِّدَنا مُحَمَّدًا ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ، كَمَا هُوَ المُصْطَلَحُ الْقُرْآنِيُّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ لَفْظُ الْعَبْدِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ الرَّاجِعِ إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا مُرَادًا بِهِ النَّبِي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تشريفًا لهُ ـ صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، في أرفعِ مقامٍ مِنْ مقاماتِ القُرْبِ، للمُلاطَفَةِ والمُؤَانَسَةِ، وَلِأَنَّ خَبَرَ الْإِسْرَاءِ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَدْ شَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَاعَ إِنْكَارُهُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَصَارَ الْمُرَادُ بِعَبْدِهِ مَعْلُومًا. فَالْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، لَا إِضَافَةُ تَعْرِيفٍ، لِأَنَّ وَصْفَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ مُتَحَقِّقٌ لِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَا تُفِيدُ إِضَافَتُهُ تَعْرِيفًا.

وزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ بِرُوحِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دُونَ جَسَدِهِ، زَاعِمًا أَنَّهُ فِي الْمَنَامِ لَا الْيَقَظَةِ، لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْإِسْرَاءَ بِالْجَسَدِ، وَالْمِعْرَاجَ بِالرُّوحِ دُونَ الْجَسَدِ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقَظَةً لَا مَنَامًا، لِأَنَّهُ قَالَ بِعَبْدِهِ وَالْعَبْدُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ “سُبْحَانَ” وَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ شَأْنٍ حَتَّى يُتَعَجَّبَ مِنْهُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآية: 17، مِنْ سورة النجم: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} لِأَنَّ الْبَصَرَ مِنْ آلَاتِ الذَّاتِ لَا الرُّوحِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: “لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا“.

وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ـ جَلَّ وَعَلَا، في الآية: 60، مِنْ هذهِ السورة المباركةِ: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}، فَإِنَّهَا رُؤْيَا عَيْنٍ يَقَظَةٍ، لَا رُؤْيَا مَنَامٍ، كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.

وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ لَمَا كَانَتْ فِتْنَةً، وَلَا سَبَبًا لِتَكْذِيبِ قُرَيْشٍ، لَأَنَّ رُؤْيَا الْمَنَامِ لَيْسَتْ مَحَلَّ إِنْكَارٍ، لِأَنَّ الْمَنَامَ قَدْ يُرَى فِيهِ مَا لَا يَصِحُّ. فَالَّذِي جَعَلَهُ اللهُ فِتْنَةً هُوَ مَا رَآهُ بِعَيْنِهِ مِنَ الْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ.

فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى رُؤْيَةَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ لَا مَحَالَةَ، فَصَارَ فِتْنَةً لَهُمْ. وَكَوْنُ الشَّجَرَةِ الْمُعَلْوَنَةِ الَّتِي هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِتْنَةً لَهُمْ: “أَنَّ اللهَ لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ مِنْ سُورةِ الصافَّاتِ: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} الآية: 64، قَالُوا ظَهَرَ كَذِبُهُ، لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يَنْبُتُ بِالْأَرْضِ الْيَابِسَةِ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ فِي أَصْلِ النَّارِ!.

وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَوْنِهَا رُؤْيَا عَيْنٍ يَقَظَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: “لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا“، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورةِ النَّجْمِ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} الآيتان: (17 و 18). وَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا لَا تُطْلَقُ بِهَذَا اللَّفْظِ لُغَةً إِلَّا عَلَى رُؤْيَا الْمَنَامِ مَرْدُودٌ. بَلِ التَّحْقِيقُ: أَنَّ لَفْظَ الرُّؤْيَا يُطْلَقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ يَقَظَةً أَيْضًا. وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي النُميري، وَهُوَ عَرَبِيٌّ قُحٌّ:

فَكَبَّرَ لِلرُّؤْيَا وَهَشَّ فُؤَادُهُ …………….. وَبَشَّرَ نَفْسًا كَانَ قَبْلُ يَلُومُهَا

فَإِنَّهُ يَعْنِي رُؤْيَةَ صَائِدٍ بِعَيْنِهِ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ المتنبِّي:

مَضَى اللَّيلُ والفَضْلُ الَّذِي لَكَ لاَ يَمْضِي

وَرُؤْيَاكَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الْغَمْضِ

قالَ ابنُ مَنْظورٍ صاحبُ لسانِ العرب: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} الآية: 60، رُؤْيَا مَنَامٍ، وَأَنَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ} الْآيَةَ: 27، مِنْ سورة: الفتح، وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ. وَرُكُوبُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الْبُرَاقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ بِجِسْمِهِ، لِأَنَّ الرُّوحَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الرُّكُوبُ عَلَى الدَّوَابِّ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ: أَنَّهُ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أُسَرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَأَنَّهُ عُرِجَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى حَتَّى جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ”. وَقَدْ دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كِلَيْهِمَا بِجِسْمِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَعَلَى ذَلِكَ مِنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُلْحِدِينَ. وَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مالكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ الْإِسْرَاءَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ مَنَامًا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا مِمَّا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ رَأَى الْإِسْرَاءَ الْمَذْكُورَ نَوْمًا، ثُمَّ جَاءَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ فَأُسَرِيَ بِهِ يَقَظَةً تَصْدِيقًا لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةِ. كَمَا رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَجَاءَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ عَامَ سَبْعٍ يَقَظَةً لَا مَنَامًا، تَصْدِيقًا لِتِلْكَ الرُّؤْيَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الفَتْحِ: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ} الْآيَةَ: 27، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ للسيِّدةِ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عنها: (فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ سَاءَ حِفْظُهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَزَادَ فِيهَا وَنَقَصَ، وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ. وَرَوَاهَا عَنْ أَنَسٍ غَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ عَلَى الصَّوَابِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَنَامَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَرِيكٌ الْمَذْكُورُ. وَانْظُرْ رِوَايَاتِهِمْ بِأَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَقَدْ جَمَعَ طُرُقَ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ جَمْعًا حَسَنًا بِإِتْقَانٍ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: (وَالْحَقُّ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أُسَرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَاكِبًا الْبُرَاقَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ رَبَطَ الدَّابَّةَ عِنْدَ الْبَابِ وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يَرْقَى فِيهَا، فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِحَسْبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى الْكَلِيمِ فِي السَّادِسَةِ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَيْهِمَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ أَيْ: أَقْلَامِ الْقَدَرِ، بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَرَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ فَرَاشٍ مَنْ ذَهَبٍ وَأَلْوَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَرَأَى هُنَاكَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمِئَةِ جَنَاحٍ، وَرَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَانِيَ الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهِ. لِأَنَّهُ الْكَعْبَةُ السَّمَاوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. وَفَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ هُنَالِكَ الصَّلَوَاتِ خَمْسِينَ، ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْسٍ، رَحْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا بِعِبَادِهِ. وَفِي هَذَا اعْتِنَاءٌ بِشَرَفِ الصَّلَاةِ وَعَظَمَتِهَا. ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ. فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الصُّبْحُ مِنْ يَوْمَئِذٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ دُخُولِهِ إِلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ جِبْرِيلَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يُخْبِرُهُ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ. لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًا إِلَى الْجَنَابِ الْعُلْوِيِّ لِيَفْرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ مَا يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى.

ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ اجْتَمَعَ بِهِ هُوَ وَإِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ أَظْهَرَ شَرَفَهُ وَفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَكِبَ الْبُرَاقَ وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ بِغَلَسٍ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى بِلَفْظِهِ مِنْ تَفْسِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ثَبَتَ الْإِسْرَاءُ فِي جَمِيعِ مُصَنَّفَاتِ الْحَدِيثِ، وَرُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُتَوَاتِرٌ بِهَذَا الْوَجْهِ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ مِمَّنْ رَوَاهُ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا، ثُمَّ شَرَعَ يَذْكَرُ بَعْضَ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَبَسْطُ قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، تَرَكْنَاهُ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَتَوَاتُرِهِ فِي الْأَحَادِيثِ.

وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَائِدَتَيْنِ، قَالَ فِي أُولَاهُمَا: “فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ. وَرَوَى الْحَافِظَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: “بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى قَيْصَرَ. . . “. فَذَكَرَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وَقُدُومَهُ إِلَيْهِ، وَفِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِرَقْلَ، ثُمَّ اسْتَدْعَى مَنْ بِالشَّامِ مِنَ التُّجَّارِ فَجِيءَ بِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَجْتَهِدُ أَنَّ يُحَقِّرَ أَمْرَهُ وَيُصَغِّرَ عِنْدَهُ، قَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ: “وَاللهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ قَوْلًا أُسْقِطُهُ بِهِ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَكْذِبَ عِنْدَهُ كِذْبَةً يَأْخُذُهَا عَلَيَّ وَلَا يُصَدِّقُنِي فِي شَيْءٍ. قَالَ: حَتَّى ذَكَرْتُ قَوْلَهُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَلَا أُخْبِرُكَ خَبَرًا تَعْرِفُ بِهِ أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ إِنَّهُ يَزْعُمُ لَنَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَرْضِنَا أَرْضِ الْحَرَمِ فِي لَيْلَةٍ، فَجَاءَ مَسْجِدَكُمْ هَذَا مَسْجِدَ إِيلِيَاءَ، وَرَجَعَ إِلَيْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ الصَّبَاحِ. قَالَ: وَبِطْرِيقُ إِيلِيَاءَ عِنْدَ رَأْسِ قَيْصَرَ، فَقَالَ بِطْرِيقُ إِيلِيَاءَ: قَدْ عَلِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ. وَقَالَ: وَمَا عِلْمُكَ بِهَذَا؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ لَا أَنَامُ لَيْلَةً حَتَّى أُغْلِقَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَغْلَقْتُ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا غَيْرَ بَابٍ وَاحِدٍ غَلَبَنِي، فَاسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِعُمَّالِي وَمَنْ يَحْضُرُنِي كُلُّهُمْ فَغَلَبَنَا، فَلَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُحَرِّكَهُ كَأَنَّمَا نُزَاوِلُ بِهِ جَبَلًا، فَدَعَوْتُ إِلَيْهِ النَّجَاجِرَةَ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الْبَابَ سَقَطَ عَلَيْهِ النِّجَافُ وَالْبُنْيَانُ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَرِّكَهُ، حَتَّى نُصْبِحَ فَنَنْظُرَ مِنْ أَيْنَ أَتَى. قَالَ: فَرَجَعْتُ وَتَرَكْتُ الْبَابَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ غَدَوْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا الْمَجَرُّ الَّذِي فِي زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ مَثْقُوبٌ. وَإِذَا فِيهِ أَثَرُ مَرْبِطِ الدَّابَّةِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: مَا حُبِسَ هَذَا الْبَابُ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ وَقَدْ صَلَّى اللَّيْلَةَ فِي مَسْجِدِنَا اهـ.

ثُمَّ قَالَ فِي الْأُخْرَى: “فَائِدَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ (التَّنْوِيرِ فِي مَوْلِدِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ) وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَجَادَ وَأَفَادَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، وَأَبِي حَبَّةَ، وَأَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيَّيْنِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَبُرَيْدَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَأَبِي الْحَمْرَاءِ، وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وَأُمِّ هَانِئٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. مِنْهُمْ مَنْ سَاقَهُ بِطُولِهِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَسَانِيدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ”. فَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ الزَّنَادِقَةُ وَالْمُلْحِدُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ اهـ. مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ. وأَخْرَجَ البُخَارِيُّ، وَمُسْلم، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وغيرُهم، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، يَقُولُ: “لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ ـ يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لاَ يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟، قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا، قَالَ جِبْرِيلُ: قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلاَمِ اللهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلاَ بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ العِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلاَةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ إِلَى الجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقَالَ الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُوسَى، قَدْ وَاللهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللهِ قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ”.

قولُهُ: {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ الْكَعْبَةُ وَالْفِنَاءُ الْمُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ الْمُتَّخَذُ لِلْعِبَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَعْبَةِ مِنْ طَوَافٍ بهَا واعتكاف عِنْدهَا وَصَلَاةٍ.

وَأَصْلُ الْمَسْجِدِ: أَنَّهُ اسْمُ مَكَانِ السُّجُودِ. وَأَصْلُ الْحَرَامِ: الْأَمْرُ الْمَمْنُوعُ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَرْمِ ـ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ الْمَنْعُ، وَهُوَ يُرَادِفُ الْحَرَمَ. فَوَصْفُ الشَّيْءِ بِالْحَرَامِ يَكُونُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ اسْتِعْمَالُهُ اسْتِعْمَالًا يُنَاسِبُهُ، نَحْوُ قولِهِ تَعَالى مِنْ سُورةِ الْمَائِدَة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} الآية: 3، أَيْ أَكْلُ الْمِيتَةِ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

يَا شَاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ ………… حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ

أَيْ مَمْنُوعٌ قُرْبَانُهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِيهِ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ بَيْنَهُمْ. وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمَمْنُوعِ مِنْ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ عَمَلٌ مَا. وَيُبَيَّنُ بِذِكْرِ الْمُتَعَلَّقِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَقَدْ لَا يُذْكَرُ مُتَعَلَّقُهُ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعُرْفُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مِنْ سورةِ البَقَرة: {الشَّهْرُ الْحَرامُ} الْآية: 194، أَيِ الْحَرَامُ فِيهِ الْقِتَالُ فِي عُرْفِهِمْ. وَقَدْ يُحْذَفُ الْمُتَعَلَّقُ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ، فَهُوَ مِنَ الْحَذْفِ لِلتَّعْمِيمِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْعُمُومِ الْعُرْفِيِّ، فَفِي نَحْوِ قولِهِ من سورة الْمَائِدَة: {الْبَيْتَ الْحَرامَ} الآية: 2، يُرَادُ الْمَمْنُوعُ مِنْ عُدْوَانِ الْمُعْتَدِينَ، وَغَزْوِ الْمُلُوكِ وَالْفَاتِحِينَ، وَعَمَلِ الظُّلْمِ وَالسُّوءِ فِيهِ. وَ “الْحَرَامُ” بوزنِ “فَعَال” بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ حَصَانٌ، أَيْ مَمْنُوعَةٌ بِعَفَافِهَا عَنِ النَّاسِ. فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلسُّجُودِ، أَيْ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْكَعْبَةُ وَالْفِنَاءُ الْمَجْعُولُ حَرَمًا لَهَا. وَهُوَ يَخْتَلِفُ سَعَةً وَضِيقًا بِاخْتِلَافِ الْعُصُورِ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ لِلطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ. وَقَدْ بَنَى قُرَيْشٌ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ بُيُوتَهُمْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَجَعَلَ قُصَيٌّ بِقُرْبِهِ دَارَ النَّدْوَةِ لِقُرَيْشٍ وَكَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَانْحَصَرَ لَمَّا أَحَاطَتْ بِهِ بُيُوتُ عَشَائِرِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ كُلُّ عَشِيرَةٍ تَتَّخِذُ بُيُوتَهَا مُتَجَاوِرَةً. وَمَجْمُوعُ الْبُيُوتِ يُسَمَّى شِعْبًا ـ بِكَسْرِ الشِّينِ. وَكَانَتْ كُلَّ عَشِيرَةٍ تَسْلُكُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مَنْفَذِ دُورِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جِدَارٌ يُحْفَظُ بِهِ. وَكَانَتِ الْمَسَالِكُ الَّتِي بَيْنَ دُورِ الْعَشَائِرِ تُسَمَّى أَبْوَابًا لِأَنَّهَا يُسْلَكُ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، مِثْلُ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَبَابِ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَابِ بَنِي مَخْزُومٍ وَهُوَ بَابُ الصَّفَا، وَبَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَبَابُ بَنَيِ تَيْمٍ. وَرُبَّمَا عُرِفَ بَعْضُ الْأَبْوَابِ بِجِهَةٍ تَقْرُبُ مِنْهُ مِثْلُ بَابِ الصَّفَا وَيُسَمَّى بَابَ بَنِي مَخْزُومٍ. وَبَابَ الْحَزْوَرَةِ سُمِّيَ بِمَكَانٍ كَانَتْ بِهِ سُوقٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ تُسَمَّى الْحَزْوَرَةُ. وَلَا أَدْرِي هَلْ كَانَتْ أَبْوَابًا تُغْلَقُ أَمْ كَانَتْ مَنَافِذَ فِي الْفَضَاءِ فَإِنَّ الْبَابَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ حَاجِزَيْنِ.

وَأَوَّلُ مَنْ جَعَلَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جِدَارًا يُحْفَظُ بِهِ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ.  وَلُقِّبَ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، جَعَلَهُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ كَمَا حَكَى اللهُ تعالى عَنْهُ: {رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ} الآية: 37 من سورة إِبْرَاهِيم. وَلَمَّا انْقَرَضَتِ الْحَنِيفِيَّةُ وَتَرَكَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الصَّلَاةِ تَنَاسَوْا وَصْفَهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَصَارُوا يَقُولُونَ: الْبَيْتَ الْحَرَامَ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ فِي الْإِسْلَامِ. فَغَلَبَ عَلَيْهِ هَذَا التَّعْرِيفُ التَّوْصِيفِيُّ فَصَارَ لَهُ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ. وَلَا أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهَذَا الِاسْمِ، وَلَا عَلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي عَصْرِ تَحْرِيمِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآية: 144، منْ سورةِ الْبَقَرَةِ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}. وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 2، منْ سورةِ الْمَائِدَة: {أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}. وَعَلَمِيَّتُهُ بِمَجْمُوعِ الْوَصْفِ وَالْمَوْصُوفِ وَكِلَاهُمَا مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ. فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِثْلُ النَّجْمِ وَالْجُزْءُ الثَّانِي مثل الصَّعق، فَحَصَلَ التَّعْرِيفُ بِمَجْمُوعِهِمَا، وَلَمْ يَعُدَّ النُّحَاةُ هَذَا النَّوْعَ فِي أَقْسَامِ الْعَلَمِ بِالْغَلَبَةِ. وَلَعَلَّهُمُ اعْتَبَرُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ. وَلَا بُدَّ مِنْ عَدِّهِ لِأَنَّ عَلَمِيَّتَهُ صَارَتْ بِالْأَمْرَيْنِ.

وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الْكَائِنِ بِإِيلِيَاءَ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ سُلَيْمَانُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْأَقْصَى، أَيِ الْأَبْعَدُ. وَالْمُرَادُ بُعْدُهُ عَنْ مَكَّةَ، بِقَرِينَةِ جَعْلِهِ نِهَايَةَ الْإِسْرَاءِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ اقْتَضَاهُ هُنَا زِيَادَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى مُعْجِزَةِ هَذَا الْإِسْرَاءِ وَكَوْنُهُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ لِكَوْنِهِ قَطَعَ مَسَافَةً طَوِيلَةً فِي بَعْضِ لَيْلَةٍ. وَبِهَذَا الْوَصْفِ الْوَارِدِ لَهُ فِي الْقُرْآنِ صَارَ مَجْمُوعُ الْوَصْفِ وَالْمَوْصُوفِ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ. وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا الْعَلَمَ لَهُ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ يَصِفُونَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فَهِمُوا الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ مَسْجِدُ إِيلِيَاءَ. وَلَمْ يَكُنْ مَسْجِدٌ لِدِينٍ إِلَهِيٍّ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ.  وَفِي هَذَا الْوَصْفِ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ وَضْعِهَا مُعْجِزَةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ مَسْجِدٌ عَظِيمٌ هُوَ مَسْجِدُ طِيبَةَ الَّذِي هُوَ قَصِيٌّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَيَكُونُ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَقْصَى مِنْهُ حِينَئِذٍ.

فَتَكُونُ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَى جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالَّتِي بَينهَا قَول النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدُ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدُ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي)). وَفَائِدَةُ ذِكْرِ مَبْدَأِ الْإِسْرَاءِ وَنِهَايَتِهِ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّنْصِيصُ عَلَى قِطَعِ الْمَسَافَةِ الْعَظِيمَةِ فِي جُزْءِ لَيْلَةٍ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الظَّرْفِ وَهُوَ لَيْلًا وَمِنَ الْمَجْرُورَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قَدْ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ أَسْرى، فَهُوَ تَعَلُّقٌ يَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْجِزَاتِ. وَثَانِيهِمَا: الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ هَذَا الْإِسْرَاءَ رَمْزًا إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ جَمَعَ مَا جَاءَتْ بِهِ شَرَائِعُ التَّوْحِيدِ وَالْحَنِيفِيَّةِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الصَّادِرُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي كَانَ مَقَرُّهَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ إِلَى خَاتِمَتِهَا الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ مَكَّةَ أَيْضًا فَقَدْ صَدَرَتِ الْحَنِيفِيَّةُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَفَرَّعَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا عَادَ الْإِسْرَاءُ إِلَى مَكَّةَ لِأَنَّ كُلَّ سُرًى يَعْقُبُهُ تَأْوِيبٌ. وَبِذَلِكَ حَصَلَ رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ.

وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى هُوَ ثَانِي مَسْجِدٍ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا وَرَدَ ذَلِك عَن النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلٌ؟ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً. فَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى مِنْ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ حُدِّدَ بِمُدَّةٍ هِيَ مِنْ مُدَّةِ حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ قُرِنَ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَهَذَا مِمَّا أَهْمَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ ذِكْرَهُ. وَهُوَ مِمَّا خصَّ اللهُ نَبِيَّهُ بِمَعْرِفَتِهِ. وَالتَّوْرَاةُ تَشْهَدُ لَهُ، فَقَدْ جَاءَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا دَخَلَ أَرْضَ كَنْعَانَ (وَهِيَ بِلَادُ فِلَسْطِينَ) نَصَبَ خَيْمَتِهِ فِي الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلَ (بَيْتُ إِيلَ مَدِينَةٌ عَلَى بُعْدِ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا مِنْ أُورْشَلِيمَ إِلَى الشَّمَالِ وَهُوَ بَلَدٌ كَانَ اسْمُهُ عِنْدَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ (لَوْزًا) فَسَمَّاهُ يَعْقُوبُ: بَيْتُ إِيلَ، كَمَا فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ) وَغَرْبِيَّ بِلَادِ عَايِ (مَدِينَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تُعْرَفُ الْآنَ الطَّيِّبَةُ) وَبَنَى هُنَالِكَ مَذْبَحَا لِلرَّبِّ. وَهُمْ يُطْلِقُونَ الْمَذْبَحَ عَلَى الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ الْقَرَابِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ. قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:

دُمْيَةٌ عِنْدَ رَاهِبٍ قِسِّيسٍ ……………… صَوَّرُوهَا فِي مَذْبَحِ الْمِحْرَابِ

أَيْ مَكَانِ الْمَذْبَحِ مِنَ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمِحْرَابَ هُوَ مَحل التَّعَبُّد،

قَالَ تَعَالَى مِنْ سُورةِ آلِ عُمرَان: {وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ} الآية: 39. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَسْجِدَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَوَخَّى دَاوُدُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِ الْخَيْمَةَ وَأَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ مِحْرَابَهُ أَوْ أوحى الله إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْصَى ابْنَهُ سُلَيْمَانَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، أَيِ الْهَيْكَلَ. وَقَدْ ذَكَرَ مُؤَرِّخُو العِبْرانِيَّةِ وَمِنْهُم (يُوسيفوس) أَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي سَكَنَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ اسْمُهُ (نَابُو) وَأَنه هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي ابْتَنَى عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ الْهَيْكَلَ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بِهِ الصَّخْرَةُ.

وَقِصَّةُ بِنَاءِ سُلَيْمَانَ إِيَّاهُ مُفَصَّلَةٌ فِي سِفْرِ الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ مِنْ أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ. وَقَدِ انْتَابَهُ التَّخْرِيبُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: الأُولَى: حِينَ خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرَ مَلِكُ بَابِلَ سَنَةَ: (578). قَبْلَ الْمَسِيحِ ثُمَّ جَدَّدَهُ الْيَهُودُ تَحْتَ حُكْمِ الْفُرْسِ. والثَّانِيَةُ: خَرَّبَهُ الرُّومَانُ فِي مُدَّةِ طِيطُوسَ بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ، وَأُعِيدَ بِنَاؤُهُ، فَأَكْمَلَ تَخْرِيبَهُ أَدْرِيَانُوسُ سَنَةَ: (135) لِلْمَسِيحِ وَعَفَّى آثَارَهُ فَلَمْ تَبْقَ مِنْهُ إِلَّا أَطْلَالٌ. ولَمَّا تَنَصَّرَتِ الْمَلِكَةُ هيلانة أم الإنْبَراطور قُسْطَنْطِينَ مَلِكِ الرُّومِ (بِيزَنْطَةَ) وَصَارَتْ مُتَصَلِّبَةً فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَأُشْرِبَ قَلْبُهَا بُغْضَ الْيَهُودِ بِمَا تَعْتَقِدُهُ مِنْ قَتْلِهِمُ الْمَسِيحَ كَانَ مِمَّا اعْتَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ زَارَتْ أُورْشَلِيمَ أَنْ أَمَرَتْ بِتَعْفِيَةِ أَطْلَالِ هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ وَأَنْ يُنْقَلَ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَسَاطِينِ وَنَحْوِهَا فَتُبْنَى بِهَا كَنِيسَةٌ عَلَى قَبْرِ الْمَسِيحِ الْمَزْعُومِ عِنْدَهُمْ فِي مَوْضِعٍ تَوَسَّمُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ مَوْضِعَ الْقَبْرِ (وَالْمُؤَرِّخُونَ مِنَ النَّصَارَى يَشُكُّونَ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْمَكَانِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُدْعَى أَنَّ الْمَسِيحَ دُفِنَ فِيهِ) وَأَنْ تُسَمِّيَهَا كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَتْ بِأَنْ يُجْعَلَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَرْمَى أَزْبَالِ الْبَلَدِ وَقِمَامَاتِهِ فَصَارَ مَوْضِعُ الصَّخْرَةِ مَزْبَلَةً تَرَاكَمَتْ عَلَيْهَا الْأَزْبَالُ فَغَطَّتْهَا وَانْحَدَرَتْ عَلَى دَرَجِهَا. وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَقِيَّةَ أَرْضِ الشَّامِ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِيَشْهَدَ فَتْحَ مَدِينَة إيلياء وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ قَبْلِ (أُورْشَلِيمَ) وَصَارَتْ تُسَمَّى إِيلِيَاءَ ـ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ اسْمُهَا الْمَعْرُوفُ عِنْد الْعَرَب عِنْد مَا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ فِلَسْطِينَ.

وإيلياء اسْمُ أَحَدِ أَنْبِياءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ قَبْلَ الْمَسِيحِ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

وَبَيْتَانِ بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلَاتُهُ …………….. وَبَيْتٌ بِأَعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ

وَانْعَقَدَ الصُّلْحُ بَيْنَ عُمَرَ وَأَهْلِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ نَصَارَى. قَالَ عُمَرُ لِبِطْرِيقٍ لَهُمُ اسْمُهُ (صَفْرُونِيُوسَ) (دُلَّنِي على مَسْجِدِ دَاوُود)، فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانِ الْبَابِ وَقَدِ انْحَدَرَ الزِّبْلُ عَلَى دَرَجِ الْبَابِ فَتَجَشَّمَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ وَنَظَرَ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَسْجِد دَاوُد الَّذِي أَخْبَرَنَا رَسُول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَيْهِ). ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ يَكْنُسُونَ الزِّبْلَ عَنِ الصَّخْرَةِ حَتَّى ظَهَرَتْ كُلُّهَا، وَمَضَى عُمَرُ إِلَى جِهَةِ مِحْرابِ دَاوُد فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْ بَلَدِ الْقُدْسِ إِلَى فِلَسْطِينَ. وَلَمْ يَبْنِ هُنَالِكَ مَسْجِدًا إِلَى أَنْ كَانَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمَرَ بِابْتِدَاءِ بِنَاءِ الْقُبَّةِ عَلَى الصَّخْرَةِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَوَكَّلَ عَلَى بِنَائِهَا رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ الْكَنَدِيَّ أَحَدَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، فَابْتَدَأَ ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. كَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسَاجِدِ. وَلِهَذَا فَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ اعْتُبِرَ فِيهَا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ، حُكْمَ الْمَسْجِدِيَّةِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ. فَالتَّسْمِيَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَهِيَ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ مَسْجِدًا بِأَكْمَلِ حَقِيقَةِ الْمَسَاجِدِ. وَاسْتَقْبَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا الْمُقَارِنِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إِلَى مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. ثُمَّ نُسِخَ اسْتِقْبَالُهُ وَصَارَتِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْقِبْلَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ.

قولُهُ: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} جِيءَ فِي الصِّفَةِ بِالْمَوْصُولِيَّةِ لِقَصْدِ تَشْهِيرِ الْمَوْصُوفِ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ حَتَّى كَأَنَّ الْمَوْصُوفَ مُشْتَهَرٌ بِالصِّلَةِ عِنْدَ السَّامِعِينَ. وَالْمَقْصُودُ إِفَادَةُ أَنَّهُ مُبَارَكٌ حَوْلَهُ. وَصِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَكْثِيرِ الْفِعْلِ، مِثْلُ عَافَاكَ اللهُ. وَالْبَرَكَةُ: نَمَاءُ الْخَيْرِ وَالْفَضْلُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِوَفْرَةِ الثَّوَابِ لِلْمُصَلِّينَ فِيهِ وبإجابة دُعَاءِ الدَّاعِينَ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْبَرَكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ} فِي آلِ عِمْرَانَ: 96. وَقَدْ وُصِفَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِمِثْلِ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سورةِ آلِ عُمْرَان: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ} الآيةَ: 96.

وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَصْفِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِذِكْرِ هَذَا التَّبْرِيكِ أَنَّ شُهْرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالْبَرَكَةِ وَبِكَوْنِهِ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى فَقَدْ تَنَاسَى النَّاسُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَالْعَرَبُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ وَالنَّصَارَى عَفَّوْا أَثَرَهُ مِنْ كَرَاهِيَتِهِمْ لِلْيَهُودِ، وَالْيَهُودُ قَدِ ابْتَعَدُوا عَنْهُ وَأَيِسُوا مِنْ عَوْدِهِ إِلَيْهِمْ، فَاحْتِيجَ إِلَى الْإِعْلَامِ بِبَرَكَتِهِ. وَ “حَوْلَ” يَدُلُّ عَلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَانِ اسْمِ مَا أُضِيفَ “حَوْلَ” إِلَيْهِ. وَكَوْنُ الْبَرَكَةِ حَوْلَهُ كِنَايَةٌ عَنْ حُصُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّهَا إِذَا حَصَلَتْ حَوْلَهُ فَقَدْ تَجَاوَزَتْ مَا فِيهِ فَفِيهِ لَطِيفَةُ التَّلَازُمِ، وَلَطِيفَةُ فَحَوَى الْخِطَابِ، وَلَطِيفَةُ الْمُبَالَغَةِ بِالتَّكْثِيرِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:

إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ……. فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ

وَلِكَلِمَةِ حَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حُسْنِ الْمُوَقِّعِ مَا لَيْسَ لِكَلِمَةِ (فِي) فِي بَيْتِ زِيَادٍ، ذَلِكَ أَنَّ ظَرْفِيَّةَ (فِي) أَعَمُّ. فَقَوْلُهُ: (فِي قُبَّةٍ) كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهَا فِي سَاكِنِ الْقُبَّةِ لَكِنْ لَا تُفِيدُ انْتِشَارَهَا وَتَجَاوُزَهَا مِنْهُ إِلَى مَا حَوْلَهُ.

وَأَسْبَابُ بَرَكَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَثِيرَةٌ كَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ كَلِمَةُ حَوْلَهُ. مِنْهَا أَنَّ وَاضِعَهُ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِنْهَا مَا لَحِقَهُ مِنَ الْبَرَكَةُ بِمَنْ صَلَّى بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاء من دَاوُود وَسُلَيْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ بِحُلُولِ الرَّسُولِ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِعْلَانِهِ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ فِيهِ وَفِيمَا حَوْلَهُ، وَمِنْهَا بَرَكَةُ مَنْ دُفِنَ حَوْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَن قَبْرِي دَاوُود وَسُلَيْمَانَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَأَعْظَمُ تِلْكَ الْبَرَكَاتِ حُلُول النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِ ذَلِكَ الْحُلُولُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ، وَصَلَاتُهُ فِيهِ بِالْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ.

 قولُهُ: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} تَعْلِيلُ الْإِسْرَاءِ بِإِرَادَةِ إِرَاءَةِ الْآيَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، تَعْلِيلٌ بِبَعْضِ الْحِكَمِ الَّتِي لِأَجْلِهَا مَنَحَ اللهُ نَبِيَّهُ مِنْحَةَ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّ لِلْإِسْرَاءِ حِكَمًا جَمَّةً تَتَّضِحُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي “الصَّحِيحِ” وقدْ تَقدَّمَ. وَأَهَمُّهَا وَأَجْمَعُهَا إِرَاءَتُهُ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَدَلَائِلِ قُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، أَيْ لِنُرِيَهُ مِنَ الْآيَاتِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا سَأَلُوهُ عَنْ وَصْفِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَلَامُ التَّعْلِيلِ لَا تُفِيدُ حَصْرَ الْغَرَضِ مِنْ مُتَعَلَّقِهَا فِي مَدْخُولِهَا. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى إِرَاءَةِ الْآيَاتِ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ أَعْلَقُ بِتَكْرِيمِ الْمُسْرَى بِهِ. وَالْعِنَايَةِ بِشَأْنِهِ، لِأَنَّ إِرَاءَةَ الْآيَاتِ تَزِيدُ يَقِينَ الرَّائِي بِوُجُودِهَا الْحَاصِلِ مِنْ قَبْلِ الرُّؤْيَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} الْأَنْعَام: 75. فَإِنَّ فِطْرَةَ اللهِ جَعَلَتْ إِدْرَاكَ الْمَحْسُوسَاتِ أَثْبَتَ مِنْ إِدْرَاكِ الْمَدْلُولَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى مِنْ سورةِ الْبَقَرَة: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} الآية: 260، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ اللهُ بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيل أَو لَمْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ، لِأَنَّ اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ مُتَّسِعُ الْمَدَى لَا حَدَّ لَهُ فَقَدْ أَنْطَقَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حِكْمَةِ نُبُوءَةٍ، وَقَدْ بَادرَ اللهُ ـ تَعَالَى، سيِّدَنَا مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِإِرَاءَةِ الْآيَاتِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ إِيَّاهَا، وذلك تَوْفِيرًا فِي الْفَضْلِ ورفعًا في مقامِهِ ـ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قَالَ الشاعرُ عَلِيُّ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَأَجَادَ:

وَلَكِنْ لِلْعِيَانِ لَطِيفُ مَعْنَى ………………… لَهُ سَأَلَ الْمُعَايَنَةَ الْكَلِيمُ

وَتَقْوِيَةُ يَقِينِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْحِكَمِ الْإِلَهِيَّةِ لِأَنَّهُمْ بِمِقْدَارِ قُوَّةِ الْيَقِينِ يَزِيدُونَ ارْتِقَاءً عَلَى دَرَجَةِ مُسْتَوَى الْبَشَرِ وَالْتِحَاقًا بِعُلُومِ عَالَمِ الْحَقَائِقِ وَمُسَاوَاةً فِي هَذَا الْمِضْمَارِ لِمَرَاتِبِ الْمَلَائِكَةِ.

وَفِي تَغْيِيرِ الْأُسْلُوبِ مِنَ الْغَيْبَةِ الَّتِي فِي اسْمِ الْمَوْصُولِ وَضَمِيرَيْهِ إِلَى التَّكَلُّمِ فِي قَوْلِهِ: “بارَكْنا” و “لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا” سُلُوكٌ لِطَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ الْمُتَّبَعَةِ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ. وَقد امْتَازَ الِالْتِفَاتُ هُنَا بلطائفَ منها:

ـ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُحْضِرَتِ الذَّاتُ الْعَلِيَّةُ بِجُمْلَةِ التَّسْبِيحِ وَجُمْلَةِ الْمَوْصُولِيَّةِ صَارَ مَقَامُ الْغَيْبَةِ مَقَامَ مُشَاهَدَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُغَيِّرَ الْإِضْمَارَ إِلَى ضَمَائِرِ الْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَقَامُ التَّكَلُّمِ.

ـ ومنها: الْإِيمَاءُ إِلَى أَن النبيِّ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عِنْدَ حُلُولِهِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قَدِ انْتَقَلَ مِنْ مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى مَقَامِ مَصِيرِهِ فِي عَالَمِ الْمُشَاهَدَةِ.

ـ وَمِنْهَا: التَّوْطِئَةُ وَالتَّمْهِيدُ إِلَى مَحْمَلٍ مَعَادِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَيَتَبَادَرُ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إِلَى غَيْرِ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ ضمير لِنُرِيَهُ لِأَنَّ الشَّأْنَ تَنَاسُقُ الضَّمَائِرِ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الِالْتِفَاتِ بِالْقُرْبِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْسَنِ.

قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ عَائِدَانِ إِلَى النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَاسْتَقْرَبَهُ الطَّيْبِيُّ، وَلَكِنَّ جَمْهَرَةَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَلَعَلَّ احْتِمَالَهُ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَقْصُودٌ. وَقَدْ تَجِيءُ الْآيَاتُ مُحْتَمِلَةً عِدَّةَ مَعَانٍ. وَاحْتِمَالُهَا مَقْصُودٌ تَكْثِيرًا لِمَعَانِي الْقُرْآنِ، لِيَأْخُذَ كُلٌّ مِنْهُ عَلَى مِقْدَارِ فَهْمِهِ. وأَيًّا ما كَانَ فَمَوْقِعُ “إِنَّ” التَّوْكِيدُ وَالتَّعْلِيلُ كَمَا يُؤْذِنُ بِهِ فَصْلُ الْجُمْلَةِ عَمَّا قَبْلَهَا. وَهِيَ إِمَّا تَعْلِيلٌ لإسْنادِ فِعْلِ “لِنُرِيَهُ” إِلَى فَاعِلِهِ وَإِمَّا تَعْلِيلٌ لِتَعْلِيقِهِ بِمَفْعُولِهِ، فَيُفِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْإِرَاءَةَ مِنْ بَابِ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ إِعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لمن يَنْبَغِي، فَهُوَ مِنْ إِيتَاءِ الْحِكْمَةِ مَنْ هُوَ أَهْلُهَا.

وَالتَّعْلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ إِلَى النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْقَعُ، إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَى تَعْلِيلِ إِسْنَادِ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ. وَإِنَّمَا الْمُحْتَاجُ لِلتَّعْلِيلِ هُوَ إِعْطَاءُ تِلْكَ الْإِرَاءَةِ الْعَجِيبَةِ لِمَنْ شَكَّ الْمُشْرِكُونَ فِي حُصُولِهَا لَهُ وَمَنْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُهَا مِثْلُهُ.

عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صِيغَةِ قَصْرٍ بِتَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ بِاللَّامِ وَبِضَمِيرِ الْفَصْل قصرا مؤكدا، وَهُوَ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ قَصْرًا إِضَافِيًّا لِلْقَلْبِ، أَيْ هُوَ الْمُدْرِكُ لِمَا سَمِعَهُ وَأَبْصَرَهُ لَا الْكَاذِبُ وَلَا الْمُتَوَهِّمُ كَمَا زَعَمَ الْمُشْرِكُونَ. وَهَذَا الْقَصْرُ يُؤَيِّدُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلرَّدِّ. وَلَا يُنَازِعُ الْمُشْرِكُونَ فِي أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ وَبَصِيرٌ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ الْمُسْمِعُ وَالْمُبْصِرُ لِرَسُولِهِ الَّذِي كَذَّبْتُمُوهُ، فَيُؤَوَّلُ إِلَى تَنْزِيهِ الرَّسُولِ عَنِ الْكَذِبِ وَالتَّوَهُّمِ.

ثُمَّ إِنَّ الصِّفَتَيْنِ عَلَى تَقْدِير كَونهمَا للنبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُمَا عَلَى أَصْلِ اشْتِقَاقِهِمَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي قُوَّةِ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَبُولِهِمَا لِتَلَقِّي تِلْكَ الْمُشَاهَدَاتِ الْمُدْهِشَةِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سورةِ النَّجْم: {مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى} الآية: 17، وَقَوْلُهُ: {أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرَى} الآية: 12 منها. وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْمُنَاسِبُ أَنْ تُؤَوَّلَا بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ الْمُبْصِرِ، أَيِ الْقَادِرِ عَلَى إِسْمَاعِ عَبْدِهِ وَإِبْصَارِهِ، كَمَا فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ……………… يُؤَرِّقُنِي وأصْحَابِي هُجُوعُ

قولُهُ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} سُبْحانَ: مَنْصوبٌ عَلى المَفْعوليَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا، والتَقديرُ: أُسَبِّحُ اللهَ سُبْحانًا، وهو مضافٌ، والجُمْلَةُ المَحذوفةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ. و “الَّذِي” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “أَسْرَى” فِعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ المُقدَّرِ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى الاسْمِ المَوْصولِ. و “بِعَبْدِهِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “أَسْرَى” و “عَبْدِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “لَيْلًا” مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزمانيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَسْرى” أَيْضًا.

قولُهُ: {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} مِنَ: حَرْفُ جَرٍّ لابتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَسْرى” أَيْضًا. و “المَسْجِدِ” مجرورٌ بحرْفِ الجرِّ. و “الْحَرامِ” صِفِةُ “الْمَسْجِدِ” مجرورةٌ مِثْلهُ. و “إِلَى” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَسْرى” أَيْضًا. و “الْمَسْجِدِ” مجرورٌ بحرْفِ الجرِّ. و “الْأَقْصَى” صِفَةٌ أُولَى لهُ مَجرورةٌ وعلامةُ جرِّها الكسْرَةُ المُقدَّرَةُ عَلى آخِرِهِ، منعَ من ظهورِها التَعَذُّرُ. وهذه الجُملةُ الفِعْلِيَّةُ أَيْضًا صِلَةُ الاسْمِ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} الَّذِي: اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الجرِّ صفةٌ ثانيةٌ لِـ “الْمَسْجِدِ“. و “بارَكْنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” المُعظِّمِ نفسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، و “نا” التعظيمِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ. و “حَوْلَهُ” الأَظْهَرُ فيهِ أَنَّهُ مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفيَّةِ المكانيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “بارَكْنا“، وَهُوَ مُضافٌ، وَقالَ أَبو البَقاءِ العُكْبَريُّ: إنَّهُ مَفعولٌ بِهِ، أَيْ: طَيَّبْنا ونَمَّيْنا. يَعْنِي ضَمَّنَهُ مَعْنَى مَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، قالَ السَّمِينُ الحَلَبِيُّ في الدُرِّ المَصون: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لا يَتَصَرَّف. والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليْهِ.

قولُهُ: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَعْليلٍ، و “نُرِيَهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَنْصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ جَوازًا بَعْدَ لامِ كَيْ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُه (نحنُ) للتعظيمِ يَعودُ عَلى اللهِ تَعَالى، والرُؤيةُ هُنَا بَصَرِيَّةٌ. وقِيلَ: هي قَلْبِيَّةٌ، وَإِلَيْهِ نَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ، فإِنَّهُ قالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريدَ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا لِلْنَّاسِ آيَةً، أَيْ: يَكونُ النَبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيَةً فِي أَنْ يَصْنَعَ اللهُ بِبَشَرٍ هَذَا الصُّنْعَ، فَتَكونُ الرُؤْيَةُ قَلْبِيَّةً عَلَى هَذَا. و “مِنْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “نُري“، وَ “آياتِنا” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ، وهو مُضافٌ، وَ “نا” التَعظيم، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ، مَبنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذِهِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ باللامِ والتَقديرُ: لإِراءَتِنا إِيَّاهُ مِنْ آياتِنا، وهذا الجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ “أَسْرى“.

قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} إِنَّهُ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُ “إِنَّ”. و “هُوَ” ضَميرُ فَصْلٍ. و “السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” خَبَرانِ لـ “إِنَّ” مَرْفوعانِ، ويجوزُ أَنْ نُعرِبَ: “هو” مُبْتَدأ. وَ “السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” خَبَرانِ للمُبْتَدَأِ، والجملةُ خبرُ “إِنَّ” في محلِّ الرفعِ، وجُمْلَةُ {إنَّ} مُسْتَأْنَفةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قرآَ العامَّةُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ ليلًا} وقَرَأَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليمان ـ رَضِي اللهُ عنْهُ: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسرى بِعَبْدِهِ من اللَّيْل من الْمَسْجِد الحرام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى”. أخرَجَهُ ابْن جرير.

قرأ العامَّة: {لِنُرِيَهُ} بنونِ العظمة جَرْيًا عَلَى “بارَكْنا“. وفيهما التفاتان: مِنَ الغَيْبة في قولِهِ: “الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ” إِلَى التَكَلُّمِ في “بارَكْنا” و “لِنُرِيَه“، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى الغَيْبَةِ في قولِهِ: “إِنَّهُ هوَ” إِنْ أَعَدْنا الضميرَ عَلى اللهِ تَعَالى، وهوَ الصحيحُ، فَفِي الكلامِ إذًا التفاتانِ. وقَرَأَ الحَسَنُ “لِيُرِيَهُ” بالياءِ مِنْ تَحْتُ، أَيْ: الله تَعالى، وعَلى هَذِهِ القِراءةِ يَكونُ في هَذِهِ الآيَةِ أَرْبَعَةُ التِفاتاتٍ: وَذَلكَ أَنَّهُ الْتَفَتَ أَوَّلًا مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: “الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ” إِلى التَكَلُّمِ في قولِهِ “بارَكْنا“، ثُمَّ الْتَفَتَ ثانيًا مِنَ التَكَلُّمِ في “بارَكْنا” إِلَى الغَيْبَةِ في “لِيُرِيَهُ” عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ بالياءِ مِنْ هَذِهِ الغَيْبَةِ إِلى التَكَلُّمِ في “آياتِنا“، ثُمَّ الْتَفَتَ رابعًا مِنْ هَذَا التَكَلُّمِ إِلى الغَيْبَةِ في قولِهِ “إِنَّهُ هوَ” عَلى الصَّحيحِ في الضَميرِ أَنَّهُ للهِ تعالى، وأَمَّا عَلَى قَوْلٍ نَقَلَهُ أَبو البقاءِ أَنَّ الضَميرَ في “إِنَّهُ هوَ” للنَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَجيءُ ذَلِكَ، ويَكون في قراءة العامَّةِ الْتَفاتٌ واحِدٌ، وَفي قراءةِ الحَسَنِ ثلاثةٌ. وَهَذا مَوْضِعٌ غَريبٌ، وأَكْثَرُ ما وَرَدَ الالْتِفاتُ فِيهِ ثلاثُ مَرَّاتٍ عَلَى مَا قالَ الزَمَخْشَريُّ في قولِ امْرِئِ القَيسِ:

تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بَالأَثْمُدِ …………………….. وَنَامَ الخَلِيليُّ وَلَمْ تَرْقُدِ

وَبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ …………………….. كَلَيْلَةٍ دِي العَائِرِ الأَرْمَدِ

وَذَلِكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءنِي …………………….. وَخُبِّرْتُهُ عَن أَبِي الأَسْوَدِ

ولو ادَّعى مُدَّعٍ أَنَّ فِيها خَمْسَةَ الْتِفاتاتٍ لاحْتَاجَ فِي دَفْعِهِ إِلى دَلِيلٍ وَاضِحٍ، والخامِسُ: الالْتِفاتُ مِنْ “إنَّه هو” إِلَى التَكَلَّمِ في قولِهِ {وَآتَيْنَا مُوسَى} الآيةَ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com