الروسُ يفاوضون التُرك علينا، والفرسُ يفاوضونَ الأمركان، والأغرابُ من كل جنس ولون يقتللون على أرضنا، وجميعُ الخيوط في كفِّ إسرائيل ونحن فررنا إلى الخارج متطفلين على كلّ الموائد، كريمها ولئيمها، ومن ادَّعى تمثيلنا وسياسة أمورنا ينهق أو يعوي من البعيد خلف الحدود، فأيُّ صنف من البشرِ نَحن؟!
أعترفُ أنه لم يخطر ببالي شيء من ذلك منذ ثلاثين سنة أو يزيد يوم قلت:
 
كذاك الأرضُ إنْ نذلٌ تولَّى …. سياسَتَها تَكالَبَتِ الذئاب


فيضُ العليم …. سورة البقرة الآية: 284
 
للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
 
قولُه ـ تعالى شأْنُهُ: {للهِ مَا فِي السماواتِ وَمَا فِي الأرضِ} يُخْبِرُ ربُّنا ـ سبحانَهُ وتعالى، أَنَّ لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ والأَرْضِ وما فِيهِنَّ وما بَيْنَهُنَّ، مِنَ الأُمورِ الداخلةِ في حقيقتِهِما والخارِجَةِ عَنْهما كيفَ كانتْ أَي: كلُّها مُلكٌ لَهُ ـ سبحانَهُ وتعالى، ومُختصَّةٌ بِه، وَأَنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى ما فِيهِنَّ، لا تَخْفى عَليهِ الظَواهِرُ ولا السَّرائرُ والضَمائرُ، وإنْ دَقَّتْ وخَفِيَتْ، فَلَهُ أَنْ يُلْزِمَ مَنْ شاءَ مِنْ مَملوكاتِهِ بما شاءَ مِن تَكليفاتِهِ، وليس لأَحَدٍ أَنْ يَقولَ المالُ مالي أَتَصرَّفُ بِه كيفَ شئْتُ. وهذه الآيةُ تَعْلِيلٌ وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى مَضْمُونِ جُمْلَةِ قولِهِ: {وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} مِنَ الآيَةِ التي قبلَها، فإنَّ منْ خلَق شيئًا وأوجدَهُ مِنْ العَدَمِ وملكَهُ وهَيْمَنَ عليه لا بدَّ أنَّهُ عليمٌ بحركاتِهِ وسكَناتِهِ ودقائقِ أَمرِهِ. وَمَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ هُنَا: أَنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللهَ رَبُّ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ، وَخَالِقُ الْخَلْقِ، فَإِذَا كَانَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ للهِ، مَخْلُوقتانِ لَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ لِأَنَّهُ مُكَوِّنُ ضَمَائِرِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ، وَعُمُومُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِ مَخْلُوقَاتِهِ مِنْ تَمَامِ مَعْنَى الْخَالِقِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكَانَ الْعَبْدُ فِي حَالَةِ اخْتِفَاءِ حَالِهِ عَنْ عِلْمِ اللهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ خَالِقِهِ. وَمَالِكِيَّةُ اللهِ تَعَالَى أَتَمُّ أَنْوَاعِ الْمِلْكِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ للهِ تَعَالَى، فَهِيَ الصِّفَاتُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ إِلَى مَا اقْتَضَاهُ وُجوبُ الْوُجُودِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. فَقَوْلُهُ: للهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ”. وتَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ “للهِ” هُنَا عَلى الفاعِلِ للاعتِناءِ بِهِ.
قولُهُ: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهْ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} إِبْدَاءُ مَا فِي النَّفْسِ: إِظْهَارُهُ، وَهُوَ إِعْلَانُهُ بِالْقَوْلِ، فِيمَا سَبِيلُهُ الْقَوْلُ، وَبِالْعَمَلِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَإِخْفَاؤُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَعَطْفُ “أَوْ تُخْفُوهُ” لِلتَّرَقِّي فِي الْحِسَابِ عَلَيْهِ، فَقَدْ جَاءَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي عَطْفِ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ، وَفِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ. وَمَا فِي النَّفْيِ يَعُمُّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
وقد اخْتَلَفَ العلماءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ” عَلَى أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ: أَوَّلُها: ما قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالسيِّدةُ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمنين ـ رضي اللهُ عنها وعَنْهم أَجمعينِ، مِنْ أنَّ الآيَةَ مَنْسوخَةٌ وَأَنَّهُ بَقِيَ هَذَا التَّكْلِيفُ حَوْلًا حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ الْفَرَجَ بِقَوْلِهِ: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَمُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ـ رضي اللهُ عنهم، وَغَيْرِهِمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ” قال: دَخَلَ قلوبَهم مِنْها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قلوبَهم مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)). قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ {رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)). صَحيحُ مُسْلِمٍ بِرَقَم: (125). والتِّرْمِذِيُّ: (2992)، وغيرُهما. وأَخْرَجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في مُسْنَدِه: (2/412). مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، ونَصُّهُ: قال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} اشْتَدَّ ذَلكَ عَلى أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأَتَوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيِهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ جَثَوا عَلى الرُّكَبِ، وقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والجِهادُ والصَدَقَةُ، وقد أَنْزَلَ عَليْكَ هذِهِ الآيَةَ ولا نُطيقُها. فقالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُريدونَ أَنْ تَقولوا كَمَا قالَ أَهْلُ الكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِكم: {سَمِعْنَا وعَصَيْنَا؟} بَلْ قُولوا: سِمِعْنَا وأَطَعْنَا، غُفْرانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ المَصيرُ)). فلَمَّا أَقَرَّ بِها القومُ وذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهم، أَنْزَلَ اللهُ في أَثَرِها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ فَأَنْزَلَ: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى آخره.
ثانيها: نُسِبَ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ ـ رضي اللهُ عنهم: قالوا إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ الَّتِي نَهَى عَنْ كَتْمِهَا، ثُمَّ أَعْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْكَاتِمَ لَهَا الْمُخْفِي مَا فِي نَفْسِهِ مُحَاسَبٌ.
ثالِثُها: أَنَّ الْآيَةَ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ واليَقينِ، ونُسِبَ إلى مُجَاهِد أَيْضًا.
رابِعُها: رواه الطَبَرِيُّ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَاللهُ مُحَاسِبٌ خَلْقَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمَّا ثَبَتَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَضْمَرُوهُ وَنَوَوْهُ وَأَرَادُوهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَأْخُذُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فإِذَا جَمَعَ اللهُ الْخَلَائِقَ يَقُولُ: (إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفَوْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: “يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ” وَهُوَ قَوْلُهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، في الآية: 225، مِنْ هذه السورةِ: {وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، أَي مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُعْلِمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانَ يُسِرُّهُ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ. وَفِي الْخَبَرِ: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا يَوْمٌ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَتُخْرَجُ الضَّمَائِرُ وَأَنَّ كُتَّابِي لَمْ يَكْتُبُوا إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَأَنَا الْمُطَّلِعُ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْبَرُوهُ وَلَا كَتَبُوهُ فَأَنَا أُخْبِرُكُمْ بِذَلِكَ وَأُحَاسِبُكُمْ عَلَيْهِ فَأَغْفِرُ لِمَنْ أَشَاءُ وَأُعَذِّبُ مَنْ أَشَاءُ). فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)). أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ أَحْمَدُ: (2/393، رقم: 9097)، والبُخارِيُّ: (5/2020، رقم 4968)، ومُسْلِمٌ: (1/116، رقم: 127)، وأبَو داوودَ: (2/264، رقم: 2209)، والتِرْمِذِيُّ: (3/489، رقم: 1183)، وغيرُهم كثيرٌ. وذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعتاقِ وَالْبَيْعِ الَّتِي لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وَالَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ فِيمَا يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْعَذَابَ الَّذِي يَكُونُ جَزَاءً لِمَا خَطَرَ فِي النُّفُوسِ وَصَحِبَهُ الْفِكْرُ إِنَّمَا هُوَ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَآلَامِهَا وَسَائِرِ مَكَارِهِهَا. ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ سيدتِنَا عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها نَحْوُ هَذَا الْمَعْنَى، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وهُوَ الصَّوَابُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: “وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ” مَعْنَاهُ مِمَّا هُوَ فِي وُسْعِكُمْ وَتَحْتَ كَسْبِكُمْ، وَذَلِكَ اسْتِصْحَابُ الْمُعْتَقَدِ وَالْفِكْرِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ الْخَوَاطِرُ أَشْفَقَ الصَّحَابَةُ وَالنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ مَا أَرَادَ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى، وَخَصَّصَهَا وَنَصَّ عَلَى حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَالْخَوَاطِرُ لَيْسَتْ هِيَ وَلَا دَفْعُهَا فِي الْوُسْعِ، بَلْ هِيَ أَمْرٌ غَالِبٌ وَلَيْسَتْ مِمَّا يُكْتَسَبُ، فَكَانَ فِي هَذَا الْبَيَانِ فَرَجُهُمْ وَكَشْفُ كُرَبِهِمْ، وَبَاقِي الْآيَةِ مُحْكَمَةٌ لَا نَسْخَ فِيهَا: وَمِمَّا يَدْفَعُ أَمْرَ النَّسْخِ أَنَّ الْآيَةَ خَبَرٌ وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ لَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَحِقَ الصَّحَابَةَ حِينَ فَزِعُوا مِنَ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ـ ـصَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَهم: ((قولوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا)) يَجئُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِأَنْ يَثْبُتُوا عَلَى هَذَا وَيَلْتَزِمُوهُ، وَيَنْتَظِرُوا لُطْفَ اللهِ فِي الْغُفْرَانِ. فَإِذَا قُرِّرَ هَذَا الْحُكْمُ فَصَحِيحٌ وُقُوعُ النَّسْخِ فِيهِ، وَتُشْبِهُ الْآيَةُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعَالَى في سورةِ الأَنفال: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الآية: 65، فَهَذَا لَفْظُهُ الْخَبَرُ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ الْتَزِمُوا هَذَا وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ وَاصْبِرُوا بِحَسْبِهِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْجِهَادِ مَنْسُوخَةٌ بِصَبْرِ الْمِئَةِ لِلْمِئَتَيْنِ. وهذِهِ الآيَةُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهَا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ وَتَقْيِيدٌ، تَقْدِيرُهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ، وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخَ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَأَشْبَهُ بِالظَّاهِرِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا عَامَّةٌ، ثُمَّ أُدْخِلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ رَبِّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقْرِرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)). متَّفقٌ عليْهِ أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في: المَظالِمِ والغَصْبِ، باب قولُ الله تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، برقم: (1201). ومُسْلِمٌ في: التوبة، برقم: (52)
وَالْمُحَاسَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحُسْبَانِ وَهُوَ الْعَدُّ، فَمَعْنَى يُحَاسِبْكُمْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: يَعُدُّهُ عَلَيْكُمْ، إِلَّا أَنَّهُ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى لَازِمِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ وَالْمُجَازَاةُ كَمَا حَكَى الله تَعَالَى في الآية: 113، مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِقَوْلِهِ: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُون}. وَشَاعَ هَذَا فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، وَيُوَضِّحُهُ هُنَا قَوْلُهُ تعالى: “فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ”. وَقَدْ أَجْمَلَ اللهُ تَعَالَى هُنَا الْأَحْوَالَ الْمَغْفُورَةَ وَغَيْرَ الْمَغْفُورَةِ: لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَلَا يُقَصِّرُوا فِي اتّباع الْخيرَات النفيسة وَالْعَمَلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ أَثْبَتَ غُفْرَانًا وَتَعْذِيبًا بِوَجْهِ الْإِجْمَالِ عَلَى كُلٍّ مِمَّا نُبْدِيهِ وَمَا نُخْفِيهِ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رَبَّكم رَحيمٌ، مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ أَوْ مَحاها اللهُ، ولا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هالِكٌ)). أَخْرَجَهُ الأئمَّةُ أَحمدُ: (1/279، رقم: 2519)، والطَبَراني: (12/161، رقم: 12760)، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ: (1/300، رقم: 334). وغيرُهم عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، وَقَوْلِهِ: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْهَا بِهِ أَنْفُسُهَا)). وقد تقدَّم تخريجُهُ. وتقديمُ الإبْداءِ على الإخْفاءِ عَلى عَكْسِ ما في قولِهِ تَعالى في سورة آل عمران: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله} الآية: 29. فلمّا قِيلَ: إنَّ المُعَلَّقَ بما في أنفسِهم هنا المُحاسَبةُ والأصل فيها الأعمال الباديَةُ، وأمّا العِلمُ فتعلُّقُه بها كتعلُّقِه بالأعمال الخافيَة ولا يَختَلِفُ الحالُ عَلَيْهِ تَعَالى بَيْنَ الأَشْيَاءِ البَارِزَةِ والكامِنَةِ.
قولُهُ: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ} فإنَّ اللهَ تعالى حضرةُ الإطلاقِ يُوجِبُ ما شاءَ على منْ شاء، ولا يوجِبُ أحَدٌ عليه شيءٌ، إلَّا ما أوْجَبَهُ هوَ على ذاتِهِ المُقدَّسَةِ.
قولُهُ: {واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ} تَذْييلٌ مقرِّرٌ لمَضمون ما قبلَه فإنَّ كمالَ قدرتِه تعالى على جميعِ الأشياءِ مُوجِبٌ لقُدرتِه على ما ذُكِرَ مِن المُحاسَبَةِ وما فَرَّعَ عليه من المَغفِرةِ والتَّعذيب، وفي الآيةِ دليلٌ لأهلِ السُنَّةِ في نَفْيِ وُجوبِ التَّعذيبِ حيثُ عُلِّقَ بالمَشيئةِ واحتمالُ أنَّ تلك المَشيئةَ واجبةٌ كَمَنْ يَشاءُ صلاةَ الفرضِ فإنَّه لا يَقتضي عدمَ الوُجوبِ خلافَ الظاهر.
قوله تعالى: {للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} للهِ: اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، ولفظُ الجلالةِ اسمٌ مَجرورٌ بِهِ. و “مَا” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ مبتدأٍ مؤخَّرٍ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِلَةٍ لِـ “مَا” أَوْ صِفَةٍ لَها، و ” السَّمَاوَاتِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “وَمَا في الأرضِ” معطوفٌ على “ما في السمواتِ” وله مثلُ إعرابِهِ.
قولُهُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ. و “إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازَمٍ. و “تُبْدُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بـِ “إنْ” عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ شَرْطٍ لَهَا، وعلامةُ جزْمِهِ حذفُ النونِ من آخِرِهِ لأنَّه مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ الفارقةُ، و “مَا” اسمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ، أَوْ نَكِرةٌ مَوصوفةٌ، و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِلَةٍ لِـ “مَا” أَوْ صِفَةٍ لَهَا، و “أَنْفُسِكُمْ” مَجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، وكاف الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. و “أَوْ” حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْصيلٍ، و “تُخْفُوهُ” فِعْلٌ مضارعٌ مَجْزومٌ بِـ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ؛ عطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخرهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ. وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصْبِ مفعولٍ بِهِ. و “يُحَاسِبْكُمْ” فعلٌ مضارعٌ مَجْزومٌ بِـ “إِنْ” الشرطيَّةِ كَونَهُ جوابَ شَرْطٍ لها، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ، و “بِهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقد قُدِّمَ على الفاعلِ للاهتمامِ به. ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلٌ مرفوعٌ، وجُمْلَةُ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ مِنْ فِعْلِ شَرْطِها وجَوابِها مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} الفاءُ: بِمَعْنَى الواوِ الاسْتِئنافِيَّةِ، و “يَغْفِرُ” فعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُملَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: فهُوَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، والجُمْلَةُ الإسْمِيَّةُ هذهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. هَذَا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، وأَمَّا عَلَى قِراءَةِ الجَزْمِ فَمَعْطوفٌ عَلَى “يُحاسِبْكم”. و “لِمَنْ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِ “يَغْفِرُ” و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ باللامِ، و “يَشَاءُ” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى اللهِ تعالى، والجُمْلَةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصُولِ “مَنْ”، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: لِمَنْ يَشاءُ مَغْفِرَتَهُ. و “وَيُعَذِّبُ” حرفُ عَطْفٍ ومعطوفٌ عَلى “يَغْفِرُ” بالأَوْجِهِ الثلاثةِ السابِقَةِ، و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السُكونِ في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ به، و “يَشَاءُ” تَقَدَّمَ إعرابُهُ، والجملةُ صِلَةُ الاسْمِ المَوْصولِ، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: يَشاءُ تَعْذيبَهُ.
قولُهُ: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الواو استئنافيَّةٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” مرْفوعٌ بالابْتِداءِ، و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ “قَدِيرٌ”، و “كُلِّ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، و “قديرٌ” خبرُ المبتدأِ مرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الإسميَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قرأ الجُمهورُ: {فيَغفرْ لمنْ يشاءُ ويُعذِّبْ} بالجَزْمِ فيهما، وقرأَ ابْنُ عامرٍ وعاصمٌ “فيغفِرُ” و “يعَذِبُ” بالرَّفعِ. وقرأَ ابنُ عبَّاسُ والأعرجُ وأَبو حَيَوَةَ “فيغفِرَ” بالنَّصْبِ.
فأَمَّا أمَّا الجَزْمُ فلِلعَطْفِ على الجَزاءِ المَجزومِ، وأَمّا الرَّفعُ فيَجوزُ أَنْ يَكونَ رَفعُه على الاستئنافِ، وفيهِ احْتِمالانِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَكونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: فهوَ يَغْفِرُ. والثاني: أَنَّ هذِهِ جُمْلةٌ فِعليَّةٌ مِنْ فِعْلٍ وفاعِلٍ عُطِفَتْ على ما قبلَها. وأَمَّا النَّصْبُ فبِإضْمارِ “أَنْ” وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المَصدَرِ المُتوهَّمِ مِنَ الفِعلِ قبلَ ذلك تقديرُه: تكنْ محاسَبَةٌ فغُفرانٌ أَوْ عذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوْجُهِ الثلاثة وهو قولُهُ:
فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ……………. ربيعُ النّاسِ والبَلَدُ الحَرامُ
ونَأْخُذْ بَعدَهُ بذِنابِ عيشٍ ………………. أَجَبَّ الظَّهْرِ ليْسَ لَه سَنامُ
بِجَزْمِ “نأْخُذ” عَطْفًا على “يَهْلِك ربيع” ورَفعِهِ ونصبِهِ، على ما ذُكِرَ في “فَيَغفِرْ” وهذِهِ قاعدةٌ مُطَّرِدَةٌ: وهي أَنَّه إذا وَقَعَ بعدَ جَزاءِ الشرطِ فِعْلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإِنْ تَوَسَّطَ بَيْنً الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني. وقرأَ الجَعَفِيُّ وطَلحةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وخَلَّادٌ: “يَغْفِرْ” بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مُصحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ، وهي بَدَلٌ مِنَ الجَوَابِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سورةِ الفُرقانِ: {وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العذابُ} الآيَتانِ: 68 و 69، وهُوَ عَلى البَدَلِ مِنْ “يُحاسِبْكم” تَفْسيرًا للمُحاسَبَةِ. ومَعْنَى هذا البَدَلِ التَفْصِيلُ لِجُمْلَةِ الحِسابِ لأَنَّ التَّفْصيلَ أَوْضَحُ مِنَ المُفَصَّلِ، فهوَ جارٍ مُجْرَى بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أَوْ بَدَلِ الاشْتِمالِ، كقولِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ، وأَحْبَبْتُ زَيْدًا عَقْلَهُ، وهذا البَدَلُ واقِعٌ في الأَفْعالِ وُقوعَهُ في الأَسْماءِ لِحَاجَةِ القَبِيلَيْنِ إِلى البَيانِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 55
 
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} تقدَّمَ أَنَّ يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السلامُ، عَبَّرَ رُؤْيا المَلِكِ بَينَ يَدَيْهِ حِينَ أَجْلَسَهُ المَلِكُ على سَريرِهِ وطلبَ منْهُ ذَلِكَ، حِينَها قالَ لَهُ المَلِكُ: فما تَرَى أَيُّها الصِّدِّيقُ؟ فأَجابَهُ ـ يوسُفُ: أَرَى أَنْ تَزْرَعَ في هذِهِ السِّنينِ السَّبْعِ المخْصِبَاتِ زَرْعًا كَثيرًا وتحتفِظَ بما زادَ عَنْ أَقواتِ النَّاسِ ودوابِّهم في والخَزَائنِ؛ لِيَأْتيكَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ النَّواحِي، فيَمْتارُونَ مِنْكَ في السَّبْعِ المُجْدِباتِ، فتَحفَظُ بِذَلِكَ حَيَاتَكَ ورَعِيَّتَكَ ويَجْتَمِعُ لكَ مِنَ الكُنُوزِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لأَحَدٍ قَبْلَكَ، وقد تَقَدَّمَ أنَّ المَلِكَ سأَل يوسُفَ عَمَّنْ َيسْتَطيعُ أَنْ يَتَوَلَّى هذا الأَمْرَ ويَقومُ بِهذِهِ المُهِمَّةِ بِأَمانَةٍ وصِدْقٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُ يوسُفُ: “اِجْعَلْني عَلى خَزائنِ الأَرْضِ” يَعْنِي أَرْض مِصْرَ، أَيْ خزائنِ أَرْضِكَ التي تَحْتَ سُلْطانِكَ، فجُعِلَتْ “ال” التعريفِ بَدَلًا مِنَ الإضافَةِ وحُذفَ المُضافُ إِلَيْهِ، كَمَا في قولِ النَّابِغَةِ الذُبْيانيِّ:
لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِها اللهُ غيْرَهم ……. مِنَ النَّاسِ والأَحلامُ غيرُ عَوازِبِ
يُريدُ: وأَحْلامُهم. وكَمَا قالَ الشَّمَّاخُ:
فلمَّا شَراها فاضَتِ العيْنُ عَبْرةً …… وفي الصَّدْرِ حُزَّازٌ مِنَ اللَّومِ حامِزُ
أَرادَ: في صَدْرِهِ. ومصرُ أَيضًا هي خزانةُ الأَرْضِ في رأيِ الإمامِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مِصْرُ خِزَانَةُ الْأَرْضِ، أَمَا سَمِعْتَ إِلَى قَوْلِهِ تعالى: “قال اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ”. وطَلَبَ يوسُفُ ـ عليه السلامُ، الإمارَةَ لأَنَّ الأَنْبِياءَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إِنَّما بُعِثوا لإقامَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، وَوَضْعِ الأَشْياءِ مَواضِعَهَا، وقد عَلِمَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّهُ لا أَحَدَ يستطيعُ القيامَ بذلك غيرُهُ، فَسَأَلَ ذَلِكَ إِرادةً للصَّلاحِ، ولا يتعارضُ هذا مع ما أَخْرَجَهُ البُخاري في كتابِ الإيمانِ والنُّذورِ مِنْ صَحيحِه: (6622)، لاخْتِلافِ الحالِ، وهوَ قولُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فيما رواه مسلمٌ عنه: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). فإنَّ عبدَ الرَّحْمَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لَيْسَ نَبِيًّا مُكَلَّفًا بِمَا هوَ يُوسُفُ ـ عَلَيْه سَلامُ اللهِ، مُكَلَّفٌ بِهِ. وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَال، قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ، فَقَالَ: ((مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟)). قَالَ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما أَطْلَعاني على ما فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ وقد قَلُصَتْ، فقالَ: ((لَنْ (أو لا) نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ” وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَغَيْرُهُ، فَيُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا طَلَبَ الْوِلَايَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَتَوْصِيلِ الْفُقَرَاءِ إِلَى حُقُوقِهِمْ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ الْيَوْمَ، لَوْ عَلِمَ إِنْسَانٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقُومُ بِالْحَقِّ فِي الْقَضَاءِ أَوِ الْحِسْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ لَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَوَجَبَ أَنْ يَتَوَلَّاهَا وَيَسْأَلُ ذَلِكَ، وَيُخْبِرُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِفَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَيَصْلُحُ لَهَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَطْلُبَ، لقولِهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ، المتقدِّم لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ)) وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي سُؤَالِهَا وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا مَعَ العلمِ بِكَثْرَةِ آفاتِها وصُعوبَةِ التَخَلُّصِ مِنْها دَليلٌ عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَغْرَاضِهِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا يُوشِكُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَيَهْلِكُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((وُكِلَ إِلَيْهَا)). وَمَنْ أَبَاهَا لِعِلْمِهِ بِآفَاتِهَا، وَلِخَوْفِهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهَا فَرَّ مِنْهَا، ثُمَّ إِنِ ابْتُلِيَ بِهَا فَيُرْجَى لَهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ((أُعِينَ عَلَيْهَا)). ثُمَّ إنَّهُ ـ عليه السلامُ، لَمْ يَقُلْ: إِنِّي حَسِيبٌ كَرِيمٌ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ، يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ)) ـ عليهِمُ السلامُ، وَلَا قَالَ: إِنِّي جَمِيلٌ مَلِيحٌ، إِنَّمَا قَالَ: “إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” فَسَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ، لَا بِالنَّسَبِ وَالْجَمَالِ. وإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَأَرَادَ تَعْرِيفَ نَفْسِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في سورةِ النجم: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هو أعلمُ بِمَنِ اتَّقى} الآية: 32. فقد رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فقد دَلَّتِ الْآيَةُ إذًا عَلَى جَوَازِ أَنْ يَخْطُبَ الْإِنْسَانُ عَمَلًا يَكُونُ لَهُ أَهْلًا. وَقد شَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقَامِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي تَوَلِّيهِ الْخِلَافَةِ مَعَ نَهْيِهِ الْمُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى اثْنَيْنِ. وَهُوَ تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إِذْ كِلَاهُمَا صِدِّيقٌ. وكانَ المَلِكُ قدْ قالَ لَهُ قبْلَ ذلك: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} الآية: 54، السابقة، وَهَيَ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنَ الْخِصَالِ، لِأَنَّ الْمَكَانَةَ تَقْتَضِي الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ إِذْ بِالْعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَبِالْقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ مَا يَبْدُو لَهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْأَمَانَةُ تَسْتَدْعِي الْحِكْمَةَ وَالْعَدَالَةَ، إِذْ بالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الْأَفْعَالَ الصَّالِحَة وَيتْرك الشَّهَوَاتِ الْبَاطِلَةَ، وَبِالْعَدَالَةِ يُوصِلُ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا. وَهَذَا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعَانَةَ بِهِ فِي أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وَبِأَنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ مَا يَرْجُو مِنْ خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: “اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ”. و “عَلى” هُنَا لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ وَالتَّمَكُّنُ، أَيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا فِي خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَقد اقْتِرَاحُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ إِعْدَادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ عَلَى سُنَّةِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ مِنِ ارْتِياحِ نُفُوسِهم للْعِلْمِ فِي الْمَصَالِحِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ مَالًا لِنَفْسِهِ وَلَا عَرَضًا مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا، وَلكِنَّهُ سَأَلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَزَائِنَ الْمَمْلَكَةِ لِيَحْفَظَ الْأَمْوَالَ وَيَعْدِلَ فِي تَوْزِيعِهَا وَيَرْفُقَ بِالْأُمَّةِ فِي جَمْعِهَا وَإِبْلَاغِهَا لِمَحَالِّهَا. فقد أَخْرَجَ وَكِيعٌ فِي الْغُرَرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قيلَ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَجُوعُ وخَزائنُ الأَرْضِ بِيَدِك؟! قَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن أشْبع فأَنْسَى الجِيعان. وَأخرج ابْنُ جريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ: “اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْضِ” يَقُول: على جَمِيعِ الطَّعَامِ إِنِّي حَفيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَني عَلَيْهِمْ بِسِنين المَجاعةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “اجْعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ” قَالَ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ خَزَائِنُ كَثِيرَةٌ غَيْر الطَّعَامِ فَأَسْلَمَ سُلْطَانَهُ كُلَّهُ لَيُوسُفَ، وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ، أَمْرُهُ وقَضاؤُهُ نَافِذٌ.
وقوْلُهُ: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} تَعْليلٌ لِطَلَبِهِ، فَقدِ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ عَزَّ توفُّرُ إِحْدَاهُمَا فِي النَّاسِ بَلْهُ كِلْتَيْهِمَا، وَهُمَا: الْحِفْظُ لِمَا يَلِيهِ، وَالْعِلْمُ بِتَدْبِيرِ مَا يَتَوَلَّاهُ، لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ أَنَّ مَكَانَتَهُ لَدَيْهِ وَائْتِمَانَهُ إِيَّاهُ قَدْ صَادَفَا مَحَلَّهُمَا وَأَهْلَهُمَا، وَأَنَّهُ حَقِيقٌ بِهِمَا لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِمَا يَفِي بِوَاجِبِهِمَا، وَذَلِكَ صِفَةُ الْحِفْظِ الْمُحَقِّقِ لِلِائْتِمَانِ، وَصِفَةُ الْعِلْمِ الْمُحَقِّقِ لِلْمَكَانَةِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيفٌ بِفَضْلِهِ لِيَهْتَدِيَ النَّاسُ إِلَى اتِّبَاعِهِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْحِسْبَةِ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، في رِوايَةِ عَطَاءٍ: يُريدُ: لا يَضيعُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدي شَيْءٌ، عَليمٌ بِمَا أَفْعَلُ، ويُصْلِحُ مُلْكَكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي حفيظٌ” قَالَ: لِمَا وَلِيتُ، “عَليمٌ” بأَمْرِهِ. وَأَخرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي حفيظٌ عَليمٌ” قَالَ: حَفيظٌ لِلْحِسَابِ، عَليمٌ بِالأَلْسُنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْأَشْجَعِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ. قالَ ابْنُ إِسْحاقَ وأَبو إِسْحاقَ: وقالَ جَماعَةٌ: يُريدُ أَنِّي كاتِبٌ حاسِبٌ. فإنْ قيلَ: لِمَ تَرَكَ الاسْتِثْنَاءَ في هَذا بِأَنْ يُعلِّقَ الأَمْرَ عَلَى المَشِيئَةِ الإلهيَّةِ بقُولِهِ: (إِنْ شاءَ اللهُ)، والاسْتِثْناءُ في مِثْلَ هَذَا أَوْجَبُ في كَلامِ مِثْلِهِ؟. ولِمَ مَدَحَ نَفْسَهُ بالحِفْظِ والعِلْمِ؟ فالجَوابُ أَنْ يُقالَ: أَمَّا تَرْكُهُ الاسْتِثْناءَ فإنَّ ذَلِكَ كانَ مِنْهُ خَطيئَةً أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ العقوبةَ مِنَ اللهِ، بِأَنْ أَخَّرَ تَمْليكَهُ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، ذَكَر مُقاتِلُ ابْنُ سُلَيْمَانَ: أَنَّ النَبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ: ((إِنَّ يُوسُفَ قالَ: إِنّي حَفيظٌ عَليمٌ، لَوْ قالَ: إِنْ شاءَ اللهُ، لَمَلَكَ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ))، ويُمْكِنُ أَنْ يُقالَ: إِنَّهُ أَضْمَرَ نَفْسَهُ الاسْتِثْناءَ وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لكنَّ الحديثَ الشريفَ ينْفِي هَذَا. أَوْ يُقالُ: أَرادَ أَنَّ حِفْظي يَزيدُ عَلَى حِفْظِ غَيْري، وكذلِكَ عِلْمِي، وكان هذا مِمَّا لا يَدْخُلُ فِيهِ شَكٌّ حَتَّى يَحْتاجُ إِلى الاسْتِثْنَاءِ، وأَمَّا مَدْحُهُ نَفْسَهُ فإنَّ مِثْلَ هذا إِذا خَلا مِنَ البَغْيِ والاسْتِطالَةِ، وكانَ المُرادُ فيهِ الوُصولَ إِلى حَقٍّ يُقيمُهُ، وعَدْلٍ يُحْيِيهِ، وجَوْرٍ يُبْطِلُهُ، كانَ ذَلِكَ جائزًا جَميلًا. كَقولِ القائلِ: إِنِّي لَحافِظٌ كِتابَ اللهِ، عالِمٌ بِتَفْسيرِهِ، عارِفٌ بِشَرائعِ الإسْلامِ، يَقْصِدُ بِهذا القَوْلِ أَنْ يَتَعَلَمَ مِنْهُ إِنْسانٌ فَيُفيدَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، حَسُنَ ذَلِكَ مِنْهُ، ولم يَحْمِلْ ذَلِكَ عَلى تَزْكيَةِ النَّفْسِ إِذا عَرِي قولُهُ مِنَ الخُيَلاءِ والكِبْرِ. وقال الكَلْبِيُّ فيما رَواهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، في قولِهِ: إِنَّهُ حَفيظٌ أَيْ: لِتَقْديرِ الأَقْواتِ، عَليمٌ بِسِنِيِّ المَجاعَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ويُقالُ مَعْناهُ: عَلِيمٌ بِلُغاتِ النَّاسِ كُلِّهم، وذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كانوا يَفِدونَ عَلَى المَلِكِ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ ويَتَكَلَّمونَ بِلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: لَمَّا انْصَرَمَتِ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ سَأَلَ الْإِمَارَةَ دَعَاهُ الْمَلِكُ فَتَوَجَّهَ وَرَدَّاهُ بِسَيْفِهِ، وَوَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَكَانَ طُولَ السَّرِيرِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ فِرَاشًا وَسِتُّونَ مِرْفَقَةً، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ، فَخَرَجَ مُتَوَّجًا، لَوْنُهُ كَالثَّلْجِ، وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ، يَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ، مِنْ صَفَاءِ لَوْنِ وَجْهِهِ، فَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، وَدَخَلَ الْمَلِكُ بَيْتَهُ مَعَ نِسَائِهِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ مِصْرَ، وَعَزْلَ قِطْفِيرَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يُوسُفَ مَكَانَهُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ خَزَائِنُ كَثِيرَةٌ، غَيْرَ الطَّعَامِ، فَسَلَّمَ سُلْطَانَهُ كُلَّهُ إِلَيْهِ، وَهَلَكَ قِطْفِيرُ تِلْكَ اللَّيَالِي، فَزَوَّجَ الْمَلِكُ يُوسُفَ رَاعِيلَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ؟! فَقَالَتْ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لَا تَلُمْنِي، فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ نَاعِمَةً، كَمَا تَرَى، وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللهُ مِنَ الْحُسْنِ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي. فَوَجَدَهَا يُوسُفُ عَذْرَاءَ فَأَصَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلَيْنِ: إِفْرَاثِيمَ بْنَ يُوسُفَ، ومَنْشا بْنَ يُوسُفَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رضي اللهُ عنهُ: إِنَّمَا كَانَ تَزْوِيجُهُ زَلِيخَاءَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ بَيْنَ دَخْلَتَيِ الْإِخْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ زَلِيخَاءَ مَاتَ زَوْجُهَا وَيُوسُفُ فِي السِّجْنِ، وَذَهَبَ مَالُهَا، وَعَمِيَ بَصَرُهَا، بُكَاءً عَلَى يُوسُفَ، فَصَارَتْ تَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُها، ومنْهم مَنْ لا يَرْحَمُها. وَكَانَ يُوسُفُ يَرْكَبُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، فِي مَوْكِبٍ زُهَاءَ مِئَةِ أَلْفٍ مِنْ عُظَمَاءِ قَوْمِهِ، فَقِيلَ لَهَا: لَوْ تَعَرَّضْتِ لَهُ لَعَلَّهُ يُسْعِفُكِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: لَا تَفْعَلِي، فَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ مَا كَانَ مِنْكِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ وَالسِّجْنِ فَيُسِيءُ إِلَيْكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَعْلَمُ بِخُلُقِ حَبِيبِي مِنْكُمْ، ثُمَّ تَرَكْتَهُ حَتَّى إِذَا رَكِبَ فِي مَوْكِبِهِ، قَامَتْ فَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْمُلُوكَ عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِمْ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُلُوكًا بِطَاعَتِهِمْ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَا هَذِهِ؟ فَأَتَوْا بِهَا، فَقَالَتْ: أَنَا الَّتِي كُنْتُ أَخْدُمُكَ عَلَى صُدُورِ قَدَمِي، وَأُرَجِّلُ جُمَّتَكَ بِيَدِي، وَتَرَبَّيْتَ فِي بَيْتِي، وَأَكْرَمْتُ مَثْوَاكَ، لَكِنْ فَرَطَ مَا فَرَطَ مِنْ جَهْلِي وَعُتُوِّي فَذُقْتُ وَبَالَ أَمْرِي، فَذَهَبَ مَالِي، وَتَضَعْضَعَ رُكْنِي، وَطَالَ ذُلِّي، وَعَمِيَ بَصَري، وبعدَ ما كُنْتُ مَغْبُوطَةَ أَهْلِ مِصْرَ صِرْتُ مَرْحُومَتَهُمْ، أَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُنِي، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْحَمُنِي، وَهَذَا جَزَاءُ الْمُفْسِدِينَ، فَبَكَى يُوسُفُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيتِ تَجِدِينَ مِمَّا كَانَ فِي نَفْسِكِ مِنْ حُبِّكِ لِي شَيْئًا؟ فَقَالَتْ: وَاللهِ لَنَظْرَةٌ إِلَى وَجْهِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، لَكِنْ نَاوِلْنِي صَدْرَ سَوْطِكَ، فَنَاوَلَهَا فَوَضَعَتْهُ عَلَى صَدْرِهَا، فَوَجَدَ لِلسَّوْطِ فِي يَدِهِ اضْطِرَابًا وَارْتِعَاشًا مِنْ خَفَقَانِ قَلْبِهَا، فَبَكَى ثُمَّ مَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا: إِنْ كُنْتِ أَيِّمًا تَزَوَّجْنَاكِ، وَإِنْ كُنْتِ ذَاتَ بَعْلٍ أَغْنَيْنَاكِ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ يَسْتَهْزِئَ بِي الْمَلِكُ! لَمْ يُرِدْنِي أَيَّامَ شَبَابِي وَغِنَايَ وَمَالِي وَعِزِّي أَفَيُرِيدُنِي الْيَوْمَ وَأَنَا عَجُوزٌ عَمْيَاءُ فَقِيرَةٌ؟! فَأَعْلَمَهُ الرَّسُولُ بِمَقَالَتِهَا، فَلَمَّا رَكِبَ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي تَعَرَّضَتْ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَلَمْ يَبْلُغْكِ الرَّسُولُ؟ فَقَالَتْ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلَى وَجْهِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَأُصْلِحَ مِنْ شَأْنِهَا وَهُيِّئَتْ، ثُمَّ زُفَّتْ إِلَيْهِ، فَقَامَ يُوسُفُ يُصَلِّي وَيَدْعُو اللهَ، وَقَامَتْ وَرَاءَهُ، فَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهَا شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا وَبَصَرَهَا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهَا شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا وَبَصَرَهَا، حَتَّى عَادَتْ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ يَوْمَ رَاوَدَتْهُ، إِكْرَامًا لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَأَصَابَهَا فَإِذَا هِيَ عَذْرَاءُ، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ زَوْجِي كَانَ عِنِّينًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكُنْتَ أَنْتَ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ بِمَا لَا يُوصَفُ، قَالَ: فَعَاشَا فِي خَفْضِ عَيْشٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ يُجَدِّدُ اللهُ لَهُمَا خَيْرًا، وَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ، إِفْرَاثِيمَ ومَنْشا.
وفيما رُوِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قَلْبِ يُوسُفَ مِنْ مَحَبَّتِهَا أَضْعَافَ مَا كَانَ فِي قَلْبِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لَا تُحِبِّينَنِي كَمَا كُنْتِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ؟ فَقَالَتْ لَهُ: لَمَّا ذُقْتُ مَحَبَّةَ اللهِ تَعَالَى شَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ كُلِّ شَيءٍ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يُبِيحُ لِلرَّجُلِ الْفَاضِلِ أَنْ يَعْمَلَ لِلرَّجُلِ الْفَاجِرِ، وَالسُّلْطَانِ الْكَافِرِ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ فِي فِعْلٍ لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ، فَيُصْلِحُ مِنْهُ مَا شَاءَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَمَلُهُ بِحَسَبِ اخْتِيَارِ الْفَاجِرِ وَشَهَوَاتِهِ وَفُجُورِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ هَذَا كَانَ لِيُوسُفَ خَاصَّةً، وَهَذَا الْيَوْمُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِذَا كَانَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمُوَلِّي ظَالِمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْوِلَايَةِ مِنْ قِبَلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَوَّل: جَوَازُهَا إِذَا عَمِلَ بِالْحَقِّ فِيمَا تَقَلَّدَهُ، لِأَنَّ يُوسُفَ وُلِّيَ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي حَقِّهِ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَلِّي الظَّالِمِينَ بِالْمَعُونَةِ لَهُمْ، وَتَزْكِيَتِهِمْ بِتَقَلُّدِ أَعْمَالِهِمْ، فَأَجَابَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ وِلَايَةِ يُوسُفَ مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كَانَ صَالِحًا، وَإِنَّمَا الطَّاغِي فِرْعَوْنُ مُوسَى. الثَّانِي: أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَمْلَاكِهِ دُونَ أَعْمَالِهِ، فَزَالَتْ عَنْهُ التَّبِعَةُ فِيهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصَحُّ مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُفَصَّلَ مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَوَّلًا: مَا يَجُوزُ لِأَهْلِهِ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي تَنْفِيذِهِ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، فَيَجُوزُ تَوَلِّيهِ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ قَدْ أَغْنَى عَنِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَجَوَازُ تَفَرُّدِ أَرْبَابِهِ بِهِ قَدْ أَغْنَى عَنِ التَّقْلِيدِ.
ثَانِيًا: مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّدُوا بِهِ وَيَلْزَمُ الِاجْتِهَادُ فِي مَصْرِفِهِ كَأَمْوَالِ الْفَيْءِ، فَلَا يَجُوزُ تَوَلِّيهِ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَجْتَهِدُ فِيمَا لَا يَسْتَحِقُّ.
ثَالِثًا: مَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ لِأَهْلِهِ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ، فَعَقْدُ التَّقْلِيدِ مَحْلُولٌ، فَإِنْ كَانَ النَّظَرُ تَنْفِيذًا لِلْحُكْمِ بَيْنَ مُتَرَاضِيَيْنِ، وَتَوَسُّطًا بَيْنَ مَجْبُورَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ إِلْزَامُ إِجْبَارٍ لَمْ يَجُزْ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَفَضْلٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي عُمُومِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِيمَا اقْتَرَنَ بِوَصْلِهِ، أَوْ تَعَلَّقَ بِظَاهِرٍ مِنْ مَكْسَبٍ، وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ فِيمَا سِوَاهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةٍ وَمُرَاءَاةٍ، وَلَوْ مَيَّزَهُ الْفَاضِلُ عَنْهُ لَكَانَ أَلْيَقَ بِفَضْلِهِ، فَإِنَّ يُوسُفَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَالِهِ، وَلِمَا يَرْجُو مِنَ الظَفَرِ بِأَهْلِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلَايَةِ عَمَلٍ مِنْ أُمُورِ الْأُمَّةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وَخَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَى إِيثَار مَنْفَعَة نَفسه عَلَى مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ. وَقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ هُنَالِكَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُؤْمِنَ الْوَحِيدَ فِي ذَلِكَ الْقُطْرِ، فَهُوَ لِإِيمَانِهِ بِاللهِ يَبُثُّ أُصُولَ الْفَضَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا شَرِيعَةُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ جَوَازَ طَلَبِ الْقَضَاءِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَهْلٌ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَلَّ ضَاعَتِ الْحُقُوقُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ إِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتِ الْحُقُوقُ أَوْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إِلَّا بِطَلَبِ أَهْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ الْمَازِرِيِّ. وَقَالَ القاضي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الْإِمَارَةِ، مِنْ “شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ”، مَا ظَاهِرُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي “الْمُقَدِّمَاتِ” حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ لِلْغَزَّالِيِّ فِي “الْوَجِيز”.
قولُهُ تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يُوسُفَ ـ عليه السلامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها منَ الإعراب. و “اجْعَلْنِي” فعْلُ أمرٍ مجزومٌ بالطلبِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ على الْمَلِكِ، وياءُ المتكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ أَوَّل للجعلِ، والنونُ للوقايَةِ، والجُمْلةُ في مَحلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالمَفْعولِ الثاني المَحْذوفِ لـِ “جعل” والتقديرُ: اجْعَلْني والِيًا عَلَى خَزائنِ الأَرْضِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بـِ “اجْعَلْنِي” عَلَى تَضْمينِهِ مَعْنَى وَلِّني. و “خَزَائِنِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، و “الْأَرْضِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} إِنِّي” حرفٌ نَاصِبٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسمِهِ. و “حَفِيظٌ عَلِيمٌ” خَبَرانِ مرفوعانِ لَهُ. والجملةُ تعليليَّةٌ لا محلَّ لها منَ الإعرابِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 54

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)

قولُهُ ـ تباركت أسماؤهُ: {وَقَالَ المَلِكُ ائْتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي: فَلَمَّا تَحَقَّقَ المَلِكُ مِنْ بَرَاءَةِ يُوسُفَ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَحْضِرُوهُ إِليَّ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَجْعَلَهُ مِنْ خَاصَّتِي وحاشيتي المقرَّبينَ مني، وأَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي خالِصًا لِي لا يَشْرَكُني فيهِ أَحدٌ. والاسْتِخْلاصُ طَلَبُ خُلوصِ الشَّيْءِ مِنْ شائِبَةِ الإِشْراكِ. والسِّينُ وَالتَّاءُ فِي أَسْتَخْلِصْهُ لِلْمُبَالَغَةِ، مِثْلَهَا فِي اسْتَجَابَ وَاسْتَأْجَرَ.
قولُهُ: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} وفعلٌ محذوفٌ هنا والتقديرُ: فَأتَوْا بِهِ فكلَّمَهُ الملكُ، وقد حُذِفَ للإيذانِ بِسُرْعَةِ الإتْيَانِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَمْرِ بِإِحْضارِهِ والخِطابِ مَعَهُ زَمانٌ أَصْلًا، وذَلِكَ على طَريقَةِ البَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ. فقد رآهُ الملكُ و شاهَدَ مِنْهُ ما لم يعتدْ على رُؤْيَتِهِ وما لَمْ يَكُنْ يَتَوقَّعْ أنْ يراه مِنْ بَشَرٍ، فأُعْجِبَ به أَيَّما إعجابٍ. ورُوِيَ أَنَّ الرَّسولَ لمَّا جاءَهُ كان مَعَهُ سَبْعونَ حاجِبًا وسَبْعونَ مَرْكَبًا، وكانَ حاملًا إِلَيْهِ لِبَاسَ المُلوكِ، فقال: أَجِبِ المَلِكَ، فخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ودَعَا لأَهْلِهِ: اللَّهُمَّ عَطِّفْ عَلَيهم قُلوبَ الأَخْيارِ ولا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأَخْبارَ، فهم أَعْلَمُ النَّاسِ بالأَخْبارِ في الواقعاتِ. وكَتَبَ عَلَى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنَازِلُ البَلْواءِ وقُبُورُ الأَحْياءِ وشَماتَةُ الأَعْداءِ وتَجْرُبَةُ الأَصْدِقاءِ. ثمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِنْ دَرَنِ السِّجْنِ ولَبِسَ أفخرَ الثِيابِ، فلَمَّا دَخَلَ عَلَى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ بِخَيْرِكَ مِنْ خَيْرِهِ، وأَعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِنْ شَرِّهِ، ثمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ بالعربيَّةِ، فقالَ المَلِكُ ما هذا اللِّسانَ؟ قالَ هذا لِسانُ عَمِّي إِسماعيل، ودَعَا لَهُ بالعِبْرانِيَّةِ فقالَ: وما هذا اللِّسانُ قالَ: لِسانُ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكانَ المَلِكُ يِتَكَلَّمُ بِسَبْعينَ لِسَانًا إلَّا هذين اللسانين فَكَلَّمَهُ الملكُ بِجَميعِ الألسُنِ التي يعرفُ فَأَجابَهُ يوسُف بجميعها، فتَعَجَّبَ مِنْهُ. وذُكِرَ أَنَّهُ لمَّا صارَ إلى الملك وكان في ذلك الوقتِ ابْنَ ثلاثينَ سَنَةً، فلمَّا رآهُ المَلِكُ حَدَثًا شابًا قال للسَّاقي: أَهَذا يَعْلَمُ مِنْ تَأْويلِ رُؤياي مَا لَمْ يَعْلَمْهُ السَّحَرةُ والكَهَنةُ؟ قالَ: نعم. وعندها أَقبلَ المَلِكُ على يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، وأَجلسَه إلى جانبه على سريرهِ وقال: أَيُّها الصِدِّيقُ إِنّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ رُؤْيايَ مِنْكَ. قَالَ يُوسُفُ: نَعَمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! رَأَيْتَ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ شُهْبًا غُرًّا حِسَانًا، كَشَفَ لَكَ عَنْهُنَّ النِّيلُ فَطَلَعْنَ عَلَيْكَ مِنْ شَاطِئِهِ تَسِيلُ أَخْلَافُهَا لَبَنًا، فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ وَتَتَعَجَّبُ مِنْ حُسْنِهِنَّ إِذْ نَضَبَ النِّيلُ فَغَارَ مَاؤُهُ، وَبَدَا أُسُّهُ، فَخَرَجَ مِنْ حَمِئِهِ وَوَحْلِهِ سَبْعُ بَقَرَاتٍ عِجَافٌ شُعْثٌ غُبْرٌ مُقَلَّصَاتُ الْبُطُونِ، لَيْسَ لَهُنَّ ضُرُوعٌ وَلَا أَخْلَافٌ، لَهُنَّ أَنْيَابٌ وَأَضْرَاسٌ، وَأَكُفٌّ كَأَكُفِّ الْكِلَابِ وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ السِّبَاعِ، فَاخْتَلَطْنَ بِالسِّمَانِ فَافْتَرَسْنَهُنَّ افْتِرَاسَ السِّبَاعِ، فَأَكَلْنَ لُحُومَهُنَّ، وَمَزَّقْنَ جُلُودَهُنَّ، وَحَطَّمْنَ عِظَامَهُنَّ، وَمَشْمَشْنَ مُخَّهُنَّ، فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُرُ وَتَتَعَجَّبُ كَيْفَ غَلَبْنَهُنَّ وَهُنَّ مَهَازِيلُ! ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُنَّ سِمَنٌ وَلَا زِيَادَةٌ بَعْدَ أَكْلِهِنَّ! إِذَا بِسَبْعِ سَنَابِلَ خُضْرٍ طَرِيَّاتٍ نَاعِمَاتٍ مُمْتَلِئَاتٍ حَبًّا وَمَاءً، وَإِلَى جَانِبِهِنَّ سَبْعٌ يَابِسَاتٌ لَيْسَ فِيهِنَّ مَاءٌ وَلَا خُضْرَةٌ فِي مَنْبَتٍ وَاحِدٍ، عُرُوقُهُنَّ فِي الثَّرَى وَالْمَاءِ، فبينا أنت تقول في نفسك: أيُّ شيءٍ هَذَا؟! هَؤُلَاءِ خُضْرٌ مُثْمِرَاتٌ، وَهَؤُلَاءِ سُودٌ يَابِسَاتٌ، والمَنبتُ واحدٌ، وأُصولُهُنَّ فِي الْمَاءِ، إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ فَذَرَّتِ الْأَوْرَاقَ مِنَ الْيَابِسَاتِ السُّودِ عَلَى الْخُضْرِ الْمُثْمِرَاتِ، فَأَشْعَلَتْ فِيهِنَّ النَّارَ فَأَحْرَقَتْهُنَّ، فَصِرْنَ سُودًا مُغْبَرَّاتٍ، فَانْتَبَهْتَ مَذْعُورًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: وَاللهِ مَا شَأْنُ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَإِنْ كَانَ عَجَبًا بِأَعْجَبَ مِمَّا سَمِعْتُ مِنْكَ! فَمَا تَرَى فِي رُؤْيَايَ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؟ فَقَالَ يُوسُفُ: أَرَى أَنْ تَجْمَعَ الطَّعَامَ، وَتَزْرَعَ زَرْعًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُخْصِبَةِ، فَإِنَّكَ لَوْ زَرَعْتَ عَلَى حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ لَنَبَتَ، وَأَظْهَرَ اللهُ فِيهِ النَّمَاءَ وَالْبَرَكَةَ، ثُمَّ تَرْفَعُ الزَّرْعَ فِي قَصَبِهِ وَسُنْبُلِهِ تَبْنِي لَهُ الْمَخَازِنَ الْعِظَامَ، فَيَكُونُ الْقَصَبُ وَالسُّنْبُلُ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ، وَحَبَّهُ لِلنَّاسِ، وَتَأْمُرُ النَّاسَ فَيَرْفَعُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَى أَهْرَائِكَ الْخُمُسَ، فَيَكْفِيكَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جَمَعْتَهُ لِأَهْلِ مِصْرَ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَيَأْتِيكَ الْخَلْقُ مِنَ النَّوَاحِي يَمْتَارُونَ مِنْكَ، وَيَجْتَمِعُ عِنْدَكَ مِنَ الْكُنُوزِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، فَقَالَ الْمَلِكُ: وَمَنْ لِي بِتَدْبِيرِ هَذِهِ الْأُمُورِ؟ وَلَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ مِصْرَ جَمِيعًا مَا أَطَاقُوا، وَلَمْ يَكُونُوا فِيهِ أُمَنَاءَ، فَقَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ ذَلِكَ: {اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ}. فأَجْلَسَهُ عَلى السَّريرِ، وكساه الحرير، وألبسه طوقًا من ذهب، وأَعطاه دابَّةً مُسْرَجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ أَنَّ يُوسُفَ خليفةُ المَلِكِ. وفَوَّضَ إِلَيْهِ الملكُ أَمْرَهُ، وقالَ لهُ: “إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ” أَيْ: ذو مَكانَةٍ ومَنْزِلَةٍ عظيمةٍ، وأَنْتَ عِنْدَنَا آمِنٌ عَلى نَفْسِكَ منْ كلِّ كيدٍ وغدرٍ لا يَمَسُّكَ أَحَدٌ بِسُوءٍ، وأَنتَ مُؤتَمَنٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لديْنَا. فأَمَّا أَمَانَتَهُ فَلِظُهورِ بَراءَتِهِ، وأَمَّا مَكانَتَهُ، فَلِثُبوتِ عِفَّتِهِ ونَزَاهَتِهِ. وَقد وصَفَ نَفْسَهُ ـ عليه السلامُ، بالأَمانَةِ والكِفَايَةِ وهُما طِلْبَةُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ. وإنِّما قالَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى إِمْضاءِ أَحْكامِ اللهِ وإِقامَةِ الحَقِّ وبَسْطِ العَدْلِ والتَمَكُّنِ مِمَّا لأَجْلِهِ بُعِثَ الأَنْبِياءُ إِلى العبادِ، ولِعِلْمِهِ أَنَّ أَحَدًا غَيْرَهُ لا يَقومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فكانَ طَلَبُهُ هذا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ لا حُبًّا بالدُنْيا ورغبةً في المُلْكِ، وفي الحديثِ الشريفِ قالَ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((رَحَمَ اللهُ أَخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلْ اجْعَلْني عَلى خَزَائنِ الأَرْضِ لاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ ولَكِّنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً)) وَقِيلَ: إِنَّمَا تَأَخَّرَ تَمْلِيكَهُ إِلَى سَنَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ. وقيلَ: تُوُفِّيَ المَلكُ قِطْفيرُ أو الريَّنُ بْنُ الوليدُ في تِلْكَ الليالي فَنَصَّبَهُ مَنْصِبَهُ وزَوَّجَهُ زُليخا فوَجَدَها عَذْراءَ، وَوَلَدَتْ لَهُ إِفْرايِيمَ ومِيشا، ولَعَلَّ ذَلكَ إِنَّما كانَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِمَا عُيِّنَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الخَزَائنِ.
قولُهُ تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} الواوُ: استِئنافيَّةٌ، و “قالَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، و “الملكُ” فاعِلٌ مرفوعٌ، وهذه الجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “ائْتُونِي” فِعْلُ أمرٍّ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لآنَّه من الأفعال الخمسة، والواوُ: الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والنونُ للوِقايَةِ والياءُ ضميرُ المتكلِّمِ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ. و “بِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجملة في محل النَّصْبِ مَقولَ القولِ ل “قال”. و “أَسْتَخْلِصْهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ جوابَ الطَّلَبِ، والسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، مِثْلَهَا فِي اسْتَجَابَ وَاسْتَأْجَرَ. “ائتوني” والفاعلُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى “الْمَلِكُ” والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ به. و “لِنَفْسِي: اللامُ حرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “نَفْسِي” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ ل “قَالَ”.
قولُهُ: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} الفاءُ: عاطِفَةٌ عَلى مَحْذوفٍ تَقديرُهُ: فَأَتَوْهُ بِهِ فَلَمَّا كَلَّمَهُ. و “لَمَّا” حَرْفُ شَرْطٍ غيرُ جازِمٍ. و “كَلَّمَهُ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا يَعُودُ على يوسُفَ أو على “الْمَلِكُ”، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ به، والجُمَلةُ فِعْلُ شَرْطِ لِـ “لمّا”. و “قَالَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ عَلى “الْمَلِكُ”، والجُمْلَةُ الفِعْلية هذه جَوابُ “لمَّا” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجملةُ “لمَّا” معطوفةٌ على تلك الجملة المحذوفةِ. و “إِنَّ” حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، وكَافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ اسمها، و “الْيَوْمَ” مَنْصوبٌ عَلى الظَرْفِيِّةِ الزَمانِيَّةِ تَنَازَعَ فِيهِ كُلٌّ مِنْ “مَكِينٌ” و “أَمِينٌ”. و “لَدَيْنَا” في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَّةِ المَكَانِيَّةُ مُضافٌ إِلى الضَميرِ تَنَازَعَ فِيهِ أَيْضًا كُلٌّ مِنَ الاسْمَيْنِ، و “نا” ضميرُ المتكلمينَ في محلِّ النصبِ بالإضافةِ إليه. و “مَكِينٌ” خَبَرٌ أَوَّلُ لـ “إِنَّ” مرفوعٌ، و “أَمِينٌ” خَبَرُها الثاني، وجُمْلَةُ “إِنَّ” هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”.
وَ “الْمَكِينُ” صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ “مَكُنَ” بِضَمِّ الْكَافِ، إِذَا صَارَ ذَا مَكَانَةٍ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الْعَظِيمَةُ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمَكَانِ.
وَ “الْأَمِينُ” فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَأْمُونٍ عَلَى شَيْءٍ، أَيْ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي حِفْظِهِ.


الموسوعة القرآنية

 

 

 

 

 

فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ

 

تفسير ـ أسباب نزول ـ أحكام ـ إعراب ـ تحليل لغة ـ قراءات

 

 

 

اختيار وتأليف:

الشاعر عبد القادر الأسود

 

الجزءُ الثالث عَشَرَ ـ المُجَلَّدُ الخامس عَشَرَ

 

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ

(53)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، هَضْمًا لِنَفْسِهِ البَريئةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وتَواضُعًا منهُ للهِ تَعالى، وتَحاشِيًا عَنِ التَزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحَالِها: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي” أَيْ لا أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ. وَلا أُبْرِّئُها مِنَ التَّفْكِيرِ بِهِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضيلَةَ إِلَيْها بِمُقْتَضَى طَبْعِها مِنْ غَيْرِ تَوْفيقٍ مِنَ اللهِ ـ سُبْحانَهُ بَلْ إِنَّما ذَلِكَ بِتَوْفيقِهِ ـ جَلَّ شَأْنُهُ، ورَحْمَتِهِ. وقيلَ: إِنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلى أَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ للسوءِ لَمْ يَكُنْ سبَبَهُ عَدَمُ المَيْلِ الطَبيعِيِّ بَلْ خوفُ اللهِ تَعالى. أَوْ أَنَّ القائلَ هُوَ امْرَأَةُ العَزيزِ، بِحَسْبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَأْويلٍ. فإنَّ ظَاهِرَ تَرْتِيبِ النَّظْمِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، مَضَتْ فِي بَقِيَّةِ إِقْرَارِهَا فَقَالَتْ: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي. وَذَلِكَ كَالِاحْتِرَاسِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهَا في الآية: 52 السابقة: {ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}. مِنْ أَنَّ تَبْرِئَةَ نَفْسِهَا مِنْ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ ادِّعَاءٌ بِأَنَّ نَفْسَهَا بَرِيئَةٌ بَرَاءَةً عَامَّةً فَقَالَتْ: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، أَي مَا أُبَرِّئُ نَفْسِي مِنْ مُحَاوَلَةِ هَذَا الْإِثْمِ لِأَنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَقَدْ أَمَرَتْنِي بِالسُّوءِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ. فَالْوَاوُ الَّتِي فِي الْجُمْلَةِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَالْجُمْلَةُ ابْتِدَائِيَّةٌ.

قولُهُ: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} هذه الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: “وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي“، أَيْ لَا أَدَّعِي بَرَاءَةَ نَفْسِي مِنِ ارْتِكَابِ الذَّنْبِ، لِأَنَّ النُّفُوسَ كَثِيرَةُ الْأَمْرِ بِالسُّوءِ. ومِنْ جُمْلَتِها نَفْسي، وَكُلُّ نَفْسٍ تُفَكِّرُ بِالسُّوءِ، بلْ هي كَثيرَةُ الأَمْرِ بِهِ، والمُرادُ أَنَّها كَثيرَةُ المِيْلِ إِلَى الشَّهَواتِ، مُسْتَعْمِلَةً في تَحْصيلِهَا القُوَى والآلاتِ. وروى ابنُ الجوزيِّ في “زاد المسير” 4/ 241، والطبريُّ: (13/2)، والثعلبيُّ: (7/88 ب). والواحديُّ في البسيط، (12/151). عَنِ الحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنه، أَنَّهُ قال: خافَ عَلَى نَفْسِهِ التَزْكِيَّةَ، وتَزْكِيَةُ النَّفْسِ مِمَّا يُذَمُّ ويُنْهى عَنْهُ، قالَ اللهُ تَعالى في سورةِ النَّجْمِ: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} الآية: 32. فاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي“. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: يُريدُ: ومَا أُزَكِي نَفْسِي، “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ” قالَ: يُريدُ بالقبيحِ وما لا يُحِبُّ اللهُ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا تَشْتَهيهِ وتَنَازَعُ إِلَيْهِ. وذَكَرَ كَثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ أَنَّ يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، حينَ قالَ: {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ} الآية: 52، السابقة، قالَ لَهُ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ؟ فقالَ: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي … “. فقَدْ أَخْرَجَ الْفرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا جَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ قَالَ لَهُنَّ: انْتُنَّ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟ {قُلْنَ حاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقينَ} قَالَ يُوسُفُ: {ذَلِك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا؟ فَقَالَ “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ”. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ النيسابوريُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {ذَلِك ليعلم أَنِّي لمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قَالَ لَمَّا قَالَهَا يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا يُوسُفُ اذْكُرْ هَمَّكَ. قَالَ: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي“. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي الْهُذيْلِ قَالَ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَام، {ذَلِك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلَا يَوْمَ هَمَمْتَ بِمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ”. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قَالَ المَلِكُ ـ وَطَعَنَ فِي جَنْبِهِ ـ يَا يُوسُفُ وَلَا حِينَ هَمَمْتَ؟ قَالَ: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي“. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ: {ذَلِك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قَالَ: قَالَ لَهُ جِبْرِيل: وَلَا حِينَ حَلَلْتَ السَّرَاوِيلَ؟ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِك: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ“. والنَّفسُ الأَمَّارَةُ بالسُّوءِ هي التي إذا دَعَتْها شَهَواتُها مَالَتْ إليها، فإذا فعَلتها ثمَّ ندمتْ على ما ارتكبت وشرعت في لومِ صاحبها وتأنيبِه فهي اللوَّامةُ، فإذا أَوْصَلَها هذا الندمُ واللَّومُ إلى ترك المعاصي اطْمَأَنَّتْ إلى مَصِيرِها في الآخرَةِ وحُسْنِ مآبِها عِنْدَ لِقاءِ ربِّها أَصبحتِ المُطْمَئِنَّةَ، فإذا تَمَكَّنَتْ في هذِهِ الحَالِ واسْتَقَرَّتْ رَضِيَتْ بِأَحْكامِ رَبِّها وأفعالِهِ فصارتْ الراضيةَ، فإذا تحقَّقتْ بمقامِ الرِّضَى بِأَحْكامِ اللهِ مِنْ خيرِ القضاءِ والقدَرِ وشرِّهِ والعَطاءِ والمَنْعِ رَضِيَ عَنْها رَبُّها ومَولاها فأَصْبَحَتْ مَرْضِيَّةً، قالَ تَعالى في سُورَةِ الفَجْرِ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} الآيات: (27 ـ 30). فإنَّ الذي عَلَيْهِ أَكْثرُ المُحَقِّقينَ أَنَّ النَّفسَ الإنْسانِيَّةَ واحِدَةٌ ولَها تِلْكَ الصِفاتُ التي سَبَقَتِ الإشارةُ إِلَيْها. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ عَصَمَ رَبّي.

قولُهُ: {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} أَيْ: إِلَّا النَّفْسَ التِي عَصَمَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ. وَالِاسْتِثْنَاءُ هنا مِنْ عُمُومِ الْأَزْمَانِ، أَيْ أَزْمَانِ وُقُوعِ السُّوءِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّفْسِ بِهِ يَبْعَثُ عَلَى ارْتِكَابِهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، إِلَّا وَقْتَ رَحْمَةِ اللهِ عَبْدَهُ، أَيْ رَحْمَتُهُ بِأَنْ يُقَيِّضَ لَهُ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ، أَوْ يُقَيِّضُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِ السُّوءِ، كَمَا جَعَلَ إِبَايَةَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ إِجَابَتِهَا إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ حَائِلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّوَرُّطِ فِي هَذَا الْإِثْمِ، وَذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللهِ بِهِمَا. وَلِذَلِكَ ذَيَّلَتْهُ بِجُمْلَةِ “إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ“. وقالَ الفَرَّاءُ في “مَعاني القرآنِ” له (2/48): وهذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لأَنَّ المَرْحومَ بالعِصْمَةِ اسْتُثْنِيَ مِنَ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، وقال ابْنُ الأَنْبارِيِّ: والترجمة عن معناها: أَنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ إِلَّا أَنَّ رَحْمَةَ رَبِّي عَلَيْها المُعْتَمَدُ وإلَيْها المُنْتَهى. و “ما” هنا بِمَعْنَى “مَنْ” كما هي في قَوْلِهِ تعالى في الآيةِ الثالثةِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}، يَعْنِي مَنْ طابَ لكم مِنَ النِساءِ. كما قد تَأْتي “مَنْ” بمعنى “ما” كما هي في قولِهِ تعالى في سورةِ النُّورِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} الآية: 45، أَي: ومنهم ما يمشي على أرْبَعٍ.

قولُهُ: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ تعالى، بِأَنَّهُ شَدِيدُ الْمَغْفِرَةِ لِمَنْ أَذْنَبَ، وَشَدِيدُ الرَّحْمَةِ لِعَبْدِهِ إِذَا أَرَادَ صَرْفَهُ عَنِ الذَّنْبِ. فقِيلَ: هو من كَلَامُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كما تقدَّمَ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: {ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ} الْآيَة: 50، السابقةِ. وَإنَّ قَوْلَهُ في الآيةِ: 51: {قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ} الآية: 52، اعْتِرَاضٌ فِي خِلَالِ كَلَامِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَبِذَلِكَ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَّبَرِيُّ. قَالَ فِي (الْكَشَّافِ) له: وَكَفَى بِالْمَعْنَى دَلِيلًا قَائِدًا إِلَى أَنْ يُجْعَلَ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تعالى في سُورَةِ الْأَعْرَاف: {قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} ثُمَّ قَالَ: {فَماذا تَأْمُرُونَ} الآيتان: 109 و 110، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ فِرْعَوْنَ يُخَاطِبُهُمْ وَيَسْتَشِيرُهُمْ. يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَلْيَقُ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ قَلْبٍ مَلِيءٍ بِالْمَعْرِفَةِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: {لَمْ أَخُنْهُ} الآية: 52، عَائِدًا إِلَى مَعْلُومٍ مِنْ مَقَامِ الْقَضِيَّةِ وَهُوَ الْعَزِيزُ، أَيْ لَمْ أَخُنْ سَيِّدِي فِي حُرْمَتِهِ حَالَ مَغِيبِهِ. وَيَكُونُ مَعْنَى وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِلَخْ.. مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ قَصَدَ بِهِ التَّوَاضُعَ، أَيْ لَسْتُ أَقُولُ هَذَا ادِّعَاءً بِأَنَّ نَفْسِي بَرِيئَةٌ مِنِ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ إِلَّا مُدَّةَ رَحْمَةِ اللهِ النَّفْسَ بِتَوْفِيقِهَا لِأَكُفَّ عَنِ السُّوءِ، أَيْ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ مَا اتُّهِمْتُ بِهِ وَأَنَا لَسْتُ بِمَعْصُومْ. أمَّا على تأويلِ من قالَ بأَنَّ الضَّميرَ هُنا يَرْجِعُ إلى زُليخةَ فإنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْمَهَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَيُحَرِّمُونَ الْحَرَامَ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ أَيْضًا، قَالَ تَعَالَى في سُورَة العنكبوت: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} الآية: 61، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ الْبِرَّ وَالذَّنْبَ، وقد تقدَّمَ. وَيكونُ فِي اعْتِرَافِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ عِبْرَةٌ بِفَضِيلَةِ الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ، وَتَبْرِئَةُ الْبَرِيءِ مِمَّا أُلْصِقَ بِهِ، وَمِنْ خَشْيَةِ عِقَابِ اللهِ الْخَائِنِينَ.

قولُهُ تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} الوَاوُ: حالية. و “ما” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “أُبَرِّئُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، و “نَفْسِي” مَفْعُولٌ بهِ منصوبٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى مَا قَبْلِ الياءِ لاشتغالِ المَحَلِّ بالحَرَكَةِ المُنَاسِبَةِ للياءِ، وهو مُضافٌ، والياءُ: ضميرُ المتكلِّمِ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُه: “أنا” يَعودُ عَلَى زَلِيخَا كما هو الظاهرُ، أَوْ عَلَى يُوسُفَ ـ عليه السلامُ، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ القولِ المَحْذوفِ والتقديرُ: قلتُ ذَلِكَ الاعْتِرافَ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ حالَةَ كوني غيرَ مُبَرِّئَةٍ نَفْسي مِنَ السُّوءِ.

قولُهُ: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}  إِنَّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونَسخٍ مُشبَّهٌ بالفعلِ يُستعمَلُ للتأْكيدِ. و “النَّفْسَ” اسْمُ “إنَّ” منصوبٌ بها. و “لَأَمَّارَةٌ” اللامُ: المُزَحلَقَةُ للتوكيدِ، حَرْفُ ابْتِداءٍ. و “أَمَّارةٌ” خَبَرُ “إِنَّ” مرفوعٌ. و “بِالسُّوءِ” جارٌّ وجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُمْلَةُ “إِنَّ” هذه مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ النَّفْيِ المَذْكورِ قَبْلَها.

قولُهُ: {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}  إِلَّا: أَداةُ اسْتِثْناءٍ. و “مَا” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الاسْتِثْناءِ. وفي هذا الاستثناءِ أَوْجُهٌ، أَحَدُها: أَنَّهُ مُسْتَثْنَى مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في “أَمَّارَةٌ” كَأَنَّهُ قيلَ: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ إِلَّا نَفْسًا رَحِمَهَا رَبِّي، فيَكونُ أَرادَ بِالنَّفْسِ الجِنْسَ، فلِذَلِكَ سَاغَ الاسْتِثْناءُ مِنْها كما في قولِهِ تعالى: {إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ} الآيتان: (2 و 3) مِنْ سُورَةِ العَصْرْ، وإلى هذا نَحَا الزَمَخْشَرِيُّ فإنَّهُ قالَ: إِلَّا البَعْضَ الذي رَحِمَهُ رَبِّي بالعِصْمَةِ كالمَلائكةِ. وفي قولِهِ هذا نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إيقاعُ “ما” عَلى مَنْ يَعْقِلُ، والمَشْهورُ خِلافُهُ. والثاني: أَنَّ “ما” في مَعْنَى الزَّمانِ فَيَكونُ مُسْتَثْنًى مِنَ الزَّمَنِ العامِّ المُقَدَّرِ. والمعنى: إنَّ النفسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ في كُلِّ وَقْتٍ وأَوانٍ إلَّا وَقْتَ رَحْمَةِ رَبي إِياهَا بالعِصْمَةِ. ونَظيرُ ذلك قولُهُ تَعالى في سورةِ النساءِ: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} الآية: 92. وقد تقدَّمَ أَنَّ الجمهورَ لا يُجيزونَ أَنْ تَكونَ “ما” واقعةً موقعَ ظرفِ الزَمانِ. والثالث: أَنَّهُ مُسْتَثْنَى مِنْ مفعولِ “أمَّارة“، أيْ: لأمَّارةٌ صاحبَها بالسُّوءِ إِلَّا الذي رَحِمَهُ الله. وفي هذا الرأيِ إيقاعُ “ما” عَلَى العاقلِ. والرابعُ: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّة: (وهو قولُ الجمهورِ). وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: ويجوز أنْ يكونَ اسْتِثناءً مُنْقَطِعًا، أَيْ: ولكنْ رَحْمَةُ رَبِّي هي التي تَصْرِفُ الإِساءَةَ كما في قولِهِ تعالى في سورة يس: {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} الآية: 23. و “رَحِمَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “رَبِّي” فاعلٌ مَرْفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لانشغالِ المحلِّ بالحركةِ المُناسِبَةِ للياءِ، وهو مضافٌ، والياءُ: ضميرُ المتكلِّمِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، والعائدُ مَحْذوفُ والتقديرُ: إِلَّا نَفْسًا رَحِمَها رَبّي بالعَصْمَةِ كنفسِ يوسفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قولُهُ: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} إِنَّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونَسخٍ مُشبَّهٌ بالفعلِ يُستعمَلُ للتأْكيدِ. و “رَبِّي” اسمُها منْصوبٌ بها، وعلامةُ نَصْبِهِ الفتحةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لانشغالِ المحلِّ بالحركةِ المُناسِبَةِ للياءِ، وهو مضافٌ، والياءُ: ضميرُ المتكلِّمِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. و “غَفُورٌ” خبرُها الأوَّلُ و “رَحِيمٌ” خَبَرُها الثاني، وجُمْلَةُ “إِنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب.

 

 


الموسوعة القرآنية
 
 
 
 
 
فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ
 
تفسير ـ أسباب نزول ـ أحكام ـ إعراب ـ تحليل لغة ـ قراءات
 
 
 
اختيار وتأليف:
الشاعر عبد القادر الأسود
 
 
الجزءُ الثاني عَشَرَ ـ المُجَلَّدُ الرَّابِع عَشَرَ
 
 
 
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) من سورة يوسُف
 
 
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قيل: إنَّ ضميرَ الفاعِلِ في “أَخُنْهُ” يعودُ على زُليخا، وعليهِ فالْخِيَانَةُ هنا: هِيَ ما اتَّهَمَتْهُ بِه كَذِبًا مِنْ مُحَاوَلَةِ السُّوءِ مَعَهَا، لِأَنَّ الْكَذِبَ ضِدُّ أَمَانَةِ قَوْلِ الْحَقِّ، وَالتَّعْرِيفُ فِي “الْغَيْبِ” تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. فقد تَمَدَّحَتْ نفسَها بِعَدَمِ الْخِيَانَةِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ إِذْ نَفَتِ عنها الْخِيَانَةَ فِي الغِيبِ وَهُوَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِفَاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَحَالَةُ الْمَغِيبِ أَمْكَنُ لِمُريدِ الْخِيَانَةِ أَنْ يَخُونَ فِيهَا مِنْ حَالَةِ الْحَضْرَةِ، لِأَنَّ الْحَاضِرَ قَدْ يَتَفَطَّنُ لِقَصْدِ الْخَائِنِ فَيَدْفَعُ خِيَانَتَهُ بِالْحُجَّةِ. وقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: هَذَا مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَقُولُ: إِنِّي إنَّمَا رَدَدْتُ الرَّسُولَ إلَيْهِ فِي سُؤَالِ النِّسْوَةِ لِيَعْلَمَ الْعَزِيزُ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْحِكَايَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ رَدَّ الْكَلَامَ إلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِ يُوسُفَ ـ عليه السلامُ، لِظُهُورِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى، وذَلِكَ نَحْوُ قولِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ: {وكذلك يفعلون} وَقَبْلَهُ حِكَايَةٌ عَنْ الْمَرْأَةِ: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} الآية: 34. وكقولِهِ في سُورةِ الشُعَراءِ: {فمَاذا تَأْمُرونَ} وَقَبْلَهُ حِكَايَةُ قَوْلِ الْمَلَإِ: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكم بِسِحْرِهِ} الآية: 35. ذَلِكَ الرَدُّ الذي كانَ مِنْهُ وتَرَكَ الإجابَةَ لِرَسُولِ المَلِكِ؛ حَيْثُ قالَ: {ائْتُونِي بِهِ} لِيَعْلَمَ المَلِكُ أَنَّي لَمْ أَخُنْه بالغَيْبِ؛ في أَهْلِهِ إذا غابَ عَنِّي؛ رَدًّا لِقَوْلِها: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءً} وتَصْديقًا لقولِهِ؛ حيث قال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}. أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ” قَالَ: هُوَ قَولُ يُوسُفَ لِمَليكِهِ حِينَ أَرَاهُ اللهُ عُذْرَهُ. وَأَخرجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَرَادَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَام، الْعُذْرَ قبلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ فَقَالَ: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَليمٌ} الآيَة: 50، السابِقَةِ. و “ذَلِك ليعلم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ” قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَبَيْنَ هَذَا وَبَينَ ذَلِكَ مَا بَينَه، قَالَ: وَهَذَا مِنْ تَقْدِيمِ الْقُرْآنِ وتَأْخيرِهِ. وأَبْعَدَ مَنْ قالَ مِنْ أَهْلِ التَأْويلِ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ اللهُ أَنِّي لَمْ أَخُنْ الزَّوْجَ بالغَيْبِ، لأَنَّ يُوسُفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} وعَطْفٌ عَلَى لِيَعْلَمَ، ومَعْنَى لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ لَا يُنَفِّذُهُ وَلَا يُسَدِّدُهُ. أَيْ وَلِأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. وَهُوَ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِإِصْدَاعِهَا بِالْحَقِّ، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ هنا فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُتَكَلِّمِ عَالِمًا بِمَضْمُونِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ عِلَّةَ إِقْرَارِهَا هُوَ عِلْمُهَا بِأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. فَأُطْلِقَتِ الْهِدَايَةُ الَّتِي هِيَ الْإِرْشَادُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ عَلَى تَيْسِيرِ الْوُصُولِ، وَأُطْلِقَ نَفْيُهَا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ، أَيْ إِنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الْكَوْنِ جَرَتْ عَلَى أَنَّ فُنُونَ الْبَاطِلِ وَإِنْ رَاجَتْ أَوَائِلُهَا لَا تَلْبَثُ أَنْ تَنْقَشِعَ، قال تعالى في الآية: 18، مِنْ سُورَةِ الأَنْبِياءِ: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ}. والكيدُ: التدبيرُ في الخفاءِ بِقَصْدِ إِيقاعِ الأَذَى بالمَكيدِ لَهُ. واللهَ لَا يَهْدِي الْخَائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ.
قولُهُ تعالى: {ذَلِك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} ذَلِكَ: ذا: اسْمُ إِشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مَحْذوفٌ، أَيْ: ذَلِكَ الذي صَرَّحْتُ بِهِ عَنْ بَراءَتِهِ أَمْرٌ مِنَ اللهِ لا بُدَّ مِنْهُ، أَوْ هو خبرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: الأَمْرُ ذَلِكَ. واللامُ للبُعْدِ، والكافُ للخِطابِ. و “لِيَعْلَمَ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَعْليلٍ. مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أَيْ: أَظْهَرَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ، أَوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ “ذا” المحذوفِ كما تقدَّمَ، و “يَعْلَمَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنْصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ جَوَازًا بَعْدَ لامِ كَيْ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى يُوسُفَ، وذلك عَلَى قولِ مَنْ قالَ بِأَنَّهُ مِنْ كَلامِ زُليخا، وهوَ الظاهِرُ مِنَ السِّياقِ، أَوْ يَعُودُ عَلى العَزيزِ إذا قُلْنَا: إِنَّهُ مِنْ كَلامِ يُوسُفَ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مَعَ “أَنْ” المُضْمَرَةِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ باللامِ، تَقْديرُهُ: لِعِلْمِ يُوسُفَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، ذَلِكَ الاعْتِرافُ كائنٌ مِنِّي لِكَيْ يَعْلَمَ يُوسُفُ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ. و “أَنِّي” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشَبَّهٌ بالفِعلِ للتأكيدِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “لَمْ” حَرْفُ جَزْمٍ ونَسْخٍ وقلبٍ، و “أَخُنْهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بِ “لَمْ” والهاءُ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تَقديرُهُ “أَنَا” يَعُودُ عَلَى زُلَيْخا، أَوْ عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “أَنَّ” وجُمْلَةُ “أَنَّ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ “عَلِمَ” تَقْديرُهُ: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ عَدَمَ خِيانَتي إِيَّاهُ في الغَيْبِ. و “بِالْغَيْبِ” جارٌّ ومَجْرورٌ إِمَّا حَالٌ مِنْ فاعِلِ “أَخُنْهُ” تَقديرُهُ: حَالَةَ كَوْني غَائِبًا عَنْ عَيْنَيْهِ، أَوْ مِنَ المَفْعُولِ تَقديرُهُ: حَالَةَ كَوْنِهِ غَائِبًا عَنْ عَيْنِيَّ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الباءُ ظَرْفِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ “أَخُنْهُ”؛ أَيْ: لَمْ أَخُنْهُ في مَكانِ الغَيْبِ.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي} الواوُ حرفُ عطفٍ، و “أَنَّ” حَرْفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ للتَأْكيدِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ مَنْصوبٌ بِهِ. “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يَهْدِي” فعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ، لِثِقَلِ ظهورِها على الياءِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَترٌ فيهِ جَوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على اللهِ تعالى، و “كَيْدَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، وهوَ مُضافٌ، و “الْخَائِنِينَ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ وعلامَةُ جرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ جمعُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “أَنَّ”، وجُمْلَةُ “أَنَّ” مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “أَنَّ” المَذْكورَةِ قَبْلَها عَلَى كَوْنِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ “عَلِمَ” والتَقديرُ: ذَلِكَ الاعْتِرافُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ عَدَمَ خِيَانَتي إِيَّاهُ، في الغَيْبِ، وعَدَمَ هِدايَةِ اللهِ تَعَالى كَيْدَ الخَائنينَ؛ أَيْ: عَدَمَ إِتْمامِهِ لَهُم مُرادَهمْ مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ. إِلى قولِهِ: {وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} مقول مَحْكِيٌّ لِـ “قَالَ”.
 
تمَّ بفيضِ اللهِ وفضلِهِ الجزءُ الثاني عشرَ منْ هذه الموسوعةِ القرآنيَّةِ المُسمَّاتِ (فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيمِ، وذلك عصْرَ الرابعِ مِنْ شهرِ ذي القِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعِ مِئْةٍ وسَبْعٍ وثلاثينَ بعدَ الأَلْفِ لهجرةِ النبيِّ الكريم سيدنا وسنَدِنا محمَّدٍ ـ صَلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، الموافقُ للسابعِ مِنْ الشهر الثامن سَنَةَ ألفينِ وسِتَّ عَشْرَةَ لميلادِ سيدنا عيسى بنِ مريم ـ عليه السلامُ. ويليهِ ـ إنْ شاء اللهُ الجزءُ الثالث عشرَ بتوفيقه سبحانه ومَددِهِ


فض العليم …. سورة يوسه، الآية: 51
 
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
قولُهُ ـ جَلَّ جَلالُهُ: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللاتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَمَعَهُنَّ امْرَأَةُ العَزِيزِ التِي كَانَ يُوسُفُ فِي بَيْتِهَا، وَاتَّهَمَتْهُ بِمُرَاوَدَتِهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَهُنَّ المَلِكُ عَنْ حَالِهِنَّ مَعَ يُوسُفَ، وَمَا اتَّهَمْنَهُ بِهِ مِنْ مُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِسُؤَالِهِ امْرَأَةَ العَزِيزِ. وَالْخَطْبُ: هو الشَّأْنُ الْمُهِمُّ مِنْ حَالَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ، والخَطْبُ: الأَمْرُ والشَّأْنُ الذي فِيهِ خَطَرٌ. ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعر
الجاهليِّ امْرِئِ القَيْسِ:
وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نفسِه … بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطوبِ ولا آلِ
قِيلَ: سُمِّيَ خَطْبًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يُخَاطِبَ الْمَرْءُ صَاحِبَهُ بِالتَّسَاؤُلِ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُطْبَةِ، أَيْ يَخْطُبُ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، فَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ مَخْطُوبٌ فِيهِ. وهوَ في الأَصْلِ مَصْدَرُ خَطَبَ يَخْطُبُ، وإنَّما يُخْطَبُ في الأُمُورِ العِظامِ.
وَثَمَّةَ محذوفٌ اخْتِصَارًا بَيْنَ هذِهِ الجُمْلَةِ وجُمْلَةِ {ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ} من الآية: 50، التي قبْلَ هَذِهِ، جَرْيًا عَلَى عادَةِ القرآنِ الكريم في البلاغَةِ القرآنيَّةِ، والتَقْدِيرُ: فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ فَأَحْضَرَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ اللَّائِي كَانَتْ جَمَعَتْهُنَّ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ لَمَّا أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً فَقَالَ لَهُنَّ: “مَا خَطْبُكُنَّ” إِلَى آخِرِهِ.
قولُهُ: {قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} فَقُلْنَ: حَاشَ للهِ لَمْ نَعْرِفْ عَلَيْهِ سُوءً، وَمَا عَرَفْنَا مِنْهُ إِلَّا طُهْرًا وَعِفَّةً وَوَقَارًا. وَقد فُصِلَتْ جُمْلَةُ “قُلْنَ” لِكَوْنِهَا حِكَايَةَ جَوَابٍ عَنْ كَلَامِ الْمَلِكِ، أَيْ: قَالَتِ النِّسْوَةُ ـ عَدَا امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: “قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ”. و “حاشَ للهِ” مُبَالَغَةٌ فِي النَّفْيِ وَالتَّنْزِيهِ. وَالْمَقْصُودُ: التَّبَرُّؤُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا آنِفًا وَاخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِيهَا. وَجُمْلَةُ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ مُبَيِّنَةٌ لِإِجْمَالِ النَّفْيِ الَّذِي فِي حاشَ للهِ. وَهِيَ جَامِعَةٌ لِنَفْيِ مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّاهُ وَمُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ لِأَنَّ الْحَالَتَيْنِ مِنْ أَحْوَالِ السُّوءِ. وَنَفْيُ عِلْمِهِنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ دَعْوَتِهِنَّ إِيَّاهُ إِلَى السُّوءِ وَنَفْيِ دَعْوَتِهِ إِيَّاهُنَّ إِلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ لَمْ يَزِدْنَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِ الْمَلِكِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْنَ لِإِقْرَارِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي مَجْلِسِهِنَّ بِأَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، خَشْيَةً مِنْهَا، أَوْ مَوَدَّةً لَهَا، فَاقْتَصَرْنَ عَلَى جَوَابِ مَا سُئِلْنَ عَنْهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَحْضَرَهُنَّ الْمَلِكُ. وَلَمْ يَشْمَلْهَا قَوْلُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} الآية: 50، السابقة من هذه السورة. لِأَنَّهَا لَمْ تَقْطَعْ يَدَهَا مَعَهُنَّ، وَلَكِنْ شَمَلَهَا كَلَامُ الْمَلِكِ إِذْ قَالَ: “إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ” فَإِنَّ الْمُرَاوَدَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ دُونَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَعَدَّتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ. وَجُمْلَةُ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مَفْصُولَةٌ لِأَنَّهَا حِكَايَةُ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالِ الْمَلِكِ.
قولُهُ: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} وَهُنَا اعْتَرَفَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ بِفِعْلِهَا، فَقَالَتْ لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لإِظْهَارِ الحَقِّ، وَجَلاَءِ مَا خَفِيَ. وحَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْخَفَاءِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ حَصْحَصَ الْحَقُّ بَانَتْ حِصَّتُهُ مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ. وَقِيلَ: ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ، وَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِنْ حَصْحَصَ الْبَعِيرُ أَلْقَى ثَفِنَاتِهِ لِلْإِنَاخَةِ قَالَ: حَصْحَصَ فِي صُمِّ الصَّفَا ثَفِنَاتِهِ. وتقولُ العَرَبُ: حَصْحَصَ البَعيرُ بُرُوكَهُ، إذا تَمَكَّنَ فاسْتَقَرَّ في الأَرْضِ وفَرَّقَ الحَصَى. وقالَ حَميدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ بَعيرًا:
وحَصْحَصَ في صُمِّ الحَصَا ثَفِنَاتِهِ ……… ودَامَ القِيَامُ ساعةً ثم صَمَّمَا
فحَصْحَصَ: ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ. والْحَقُّ: هُوَ بَرَاءَةُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلَّ قِيلَ وَقَالَ وَشَكٍّ، فَزَالَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافِهَا بِمَا وَقَعَ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ إِقْرَارِهَا الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِأَنَّهُ قَرِيبُ الْوُقُوعِ فَهُوَ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الْحَالِ مِنَ الْمُضِيِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِقَوْلِ النِّسْوَةِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ فَيَكُونُ الْمَاضِي عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَتَقْدِيمُ اسْمِ الزَّمَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَيِ الْآنَ لَا قبله للدلالة عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ زَمَنٌ بَاطِلٌ وَهُوَ زَمَنُ تُهْمَةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالْمُرَاوَدَةِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ تَعْيِينٍ إِذْ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَدْرِي أَيُّ الْوَقْتَيْنِ وَقْتُ الصِّدْقِ أَهُوَ وَقْتُ اعْتِرَافِ النِّسْوَةِ بِنَزَاهَةِ يُوسُفَ، أَمْ هُوَ وَقْتُ رَمْيِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ إِيَّاهُ بِالْمُرَاوَدَةِ.
قولُهُ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} وَإِنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَمْسَكَ بِعِصْمَتِهِ، وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهَا نَحْوَ البَابِ. وَقد أُسْنِدَتِ الْمُرَاوَدَةُ إِلَى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِوُقُوعِهَا مِنْ بَعْضِهِنَّ غَيْرَ مُعَيِّنٍ، أَوْ لِأَنَّ الْقَالَةَ الَّتِي شَاعَتْ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ مَخْلُوطَةً ظَنًّا أَنَّ الْمُرَاوَدَةَ وَقَعَتْ فِي مَجْلِسِ الْمُتَّكَأِ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي جُمْلَةِ أَنَا راوَدْتُهُ لِلْقَصْرِ، لِإِبْطَالِ أَنْ يكون النسْوَة راوَدْنَهُ. فَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَشَهَادَةٌ لِغَيْرِهَا بِالْبَرَاءَةِ.
قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} زَادَتْ امرأَةُ العزيزِ تَأْكيدَها براءَةَ يُوسُفَ وصِدْقَهُ بِ “إِنَّ” وَاللَّامِ، وَقَدْ جيءَ فِي الْخَبَرِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَقِيلَ: “لَمِنَ الْصادِقينَ” وَلَمْ يُقَلْ: وَإِنَّهُ صادِقٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجُمْلَةِ الَّتِي خَبَرُهَا “مِنَ الْصادِقينَ”، فَإِنَّ التَّعْرِيفَ فِي “الْصادِقينَ” تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهذا الإِخْبَارُ يُفِيدُ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفِئَةِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِفِئَةِ الْصادِقينَ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ صادِقٌ إِفَادَةً بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ ضربٌ مِنْ الْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِإِثْبَاتِ مَلْزُومِهِ. وَهوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. وَهذه الصِيغَةُ “لَمِنَ الصَّادِقِينَ” كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهَا، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الآية: 56، مِنْ سُورَة الْأَنْعَامِ: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ
ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.
قولُهُ تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}، قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلَى المَلِكِ، والجُملَةُ الفعليَّةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و “ما” اسْمُ اسْتِفْهامٍ اسْتِخْبارِيٍّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفْعِ بالابْتِداءِ. و “خَطْبُكُنَّ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَرْفُوعٌ، وهُوَ مُضَافٌ، و “كُنَّ” ضَميرُ جَمَاعَةِ المُخاطَبَاتِ، متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “إِذْ” ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنَ الزِّمانِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَةِ، مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ “خَطْبُ” لأَنَّهُ في مَعْنَى الفِعْلِ، إذْ المَعْنَى مَا فَعَلْتُنَّ، ومَا أَرَدْتُنَّ بِ يوسُفَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. و “رَاوَدْتُنَّ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ تَاءُ الفَاعِلِ، وَهيَ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحلِّ رفعِ فاعِلِهِ والنُّونُ للتَأْنيثِ، و “يُوسُفَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وقَدْ مُنِعَ مِنَ التَنْوينِ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. و “عَنْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ: “رَاوَد”، و “نَفْسِهِ” مَجْرورٌ بِ “عَنْ”، وهو مُضَافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ لِ “إِذْ”.
قوْلُهُ: {قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} قُلْنَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو نونُ النِّسوةِ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وهذه الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “حَاشَ” فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنَى بَعُدَ، مَبْنِيٌّ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الأَلِفِ المَحْذوفَةِ، للتَّخْفيفِ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “يُوسُفَ” ـ عليهِ السَّلامُ. و “للهِ” جَارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولكنَّهُ على حذفِ مُضافٍ، والتقديرُ: حاشَ يُوسُفَ عَنِ المَعْصِيَةِ، لِطاعَتِهِ اللهَ تَعالى وخَوْفِهِ مِنْهُ، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “مَا” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “عَلِمْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِصالِهِ ب “نا” الدالَّةِ على جماعةِ المتكلِّمين، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، و “عَلَيْهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ زائدٍ. و “سُوءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرف الجَرِّ الزائدِ منصوبٌ محلًا على أنَّهُ مفعولٌ بِهِ؛ لأَنَّ “عَلِمَ” هُنَا بِمَعْنَى “عَرَفَ”، والجُمْلَةُ الفِعليَّةُ هذه في مَحلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} قَالَتِ: فعلٌ
ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ والتاءُ لِتَأْنيثِ الفاعِلِ، و “امْرَأَتُ” فاعلُهُ مرفوعٌ وهو مُضافٌ، و “الْعَزِيزِ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ بالكَسْرةِ، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “الْآنَ” ظَرْفٌ للزمانِ الحاضِرِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرفِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَصْحَصَ”. و “حَصْحَصَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الْحَقُّ” فاعلٌ مرفوعٌ، والجُملةُ في محَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَتِ”.
قولُهُ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} أَنَا: ضميرُ المتكلِّمِ المنفصلُ في محلِّ الرفع بالابْتِداءِ. و “رَاوَدْتُهُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ. “عَنْ نَفْسِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُملةُ الفعليَّةُ في محلِّ الرَّفعِ خبَرَ المُبْتَدَأِ، والجُملةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَتِ”.
قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} الواوُ: عاطفةٌ. و “إنَّهُ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِ نصبِ اسْمِهِ. و “لَمِنَ” اللامُ: المُزحلقةُ للتوكيدِ، (حرفُ ابتداءٍ). و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرِ “إنَّ” مُقدَّرٍ، و “الصَّادِقِينَ” مجرورٌ بحرف الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالِمُ، والنُّونُ عِوَضٌ عَنِ التَّنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجُملةُ الاسْميَّةُ في مَحلِّ النَّصبِ عطْفًا عَلى الجُملةِ الاسْمِيَّةِ
المَذْكورَةِ قَبْلَهَا.

فيض العليم …. سورة يوسف الآية: 51


قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ

(51)

قولُهُ ـ جَلَّ جَلالُهُ: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللاتِي قَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَمَعَهُنَّ امْرَأَةُ العَزِيزِ التِي كَانَ يُوسُفُ فِي بَيْتِهَا، وَاتَّهَمَتْهُ بِمُرَاوَدَتِهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَسَأَلَهُنَّ المَلِكُ عَنْ حَالِهِنَّ مَعَ يُوسُفَ، وَمَا اتَّهَمْنَهُ بِهِ مِنْ مُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِسُؤَالِهِ امْرَأَةَ العَزِيزِ. وَالْخَطْبُ: هو الشَّأْنُ الْمُهِمُّ مِنْ حَالَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ، والخَطْبُ: الأَمْرُ والشَّأْنُ الذي فِيهِ خَطَرٌ. ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعر

الجاهليِّ امْرِئِ القَيْسِ:

وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نفسِه … بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطوبِ ولا آلِ

قِيلَ: سُمِّيَ خَطْبًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يُخَاطِبَ الْمَرْءُ صَاحِبَهُ بِالتَّسَاؤُلِ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُطْبَةِ، أَيْ يَخْطُبُ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، فَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ مَخْطُوبٌ فِيهِ. وهوَ في الأَصْلِ مَصْدَرُ خَطَبَ يَخْطُبُ، وإنَّما يُخْطَبُ في الأُمُورِ العِظامِ.

وَثَمَّةَ محذوفٌ اخْتِصَارًا بَيْنَ هذِهِ الجُمْلَةِ وجُمْلَةِ {ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ} من الآية: 50، التي قبْلَ هَذِهِ، جَرْيًا عَلَى عادَةِ القرآنِ الكريم في البلاغَةِ القرآنيَّةِ، والتَقْدِيرُ: فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ فَأَحْضَرَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ اللَّائِي كَانَتْ جَمَعَتْهُنَّ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ لَمَّا أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً فَقَالَ لَهُنَّ: “مَا خَطْبُكُنَّ” إِلَى آخِرِهِ.

قولُهُ: {قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} فَقُلْنَ: حَاشَ للهِ لَمْ نَعْرِفْ عَلَيْهِ سُوءً، وَمَا عَرَفْنَا مِنْهُ إِلَّا طُهْرًا وَعِفَّةً وَوَقَارًا. وَقد فُصِلَتْ جُمْلَةُ “قُلْنَ” لِكَوْنِهَا حِكَايَةَ جَوَابٍ عَنْ كَلَامِ الْمَلِكِ، أَيْ: قَالَتِ النِّسْوَةُ ـ عَدَا امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: “قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ”. و “حاشَ للهِ” مُبَالَغَةٌ فِي النَّفْيِ وَالتَّنْزِيهِ. وَالْمَقْصُودُ: التَّبَرُّؤُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا آنِفًا وَاخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِيهَا. وَجُمْلَةُ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ مُبَيِّنَةٌ لِإِجْمَالِ النَّفْيِ الَّذِي فِي حاشَ للهِ. وَهِيَ جَامِعَةٌ لِنَفْيِ مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّاهُ وَمُرَاوَدَتِهِ إِيَّاهُنَّ لِأَنَّ الْحَالَتَيْنِ مِنْ أَحْوَالِ السُّوءِ. وَنَفْيُ عِلْمِهِنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ دَعْوَتِهِنَّ إِيَّاهُ إِلَى السُّوءِ وَنَفْيِ دَعْوَتِهِ إِيَّاهُنَّ إِلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ لَمْ يَزِدْنَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِ الْمَلِكِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْنَ لِإِقْرَارِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي مَجْلِسِهِنَّ بِأَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، خَشْيَةً مِنْهَا، أَوْ مَوَدَّةً لَهَا، فَاقْتَصَرْنَ عَلَى جَوَابِ مَا سُئِلْنَ عَنْهُ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَحْضَرَهُنَّ الْمَلِكُ. وَلَمْ يَشْمَلْهَا قَوْلُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} الآية: 50، السابقة من هذه السورة. لِأَنَّهَا لَمْ تَقْطَعْ يَدَهَا مَعَهُنَّ، وَلَكِنْ شَمَلَهَا كَلَامُ الْمَلِكِ إِذْ قَالَ: “إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ” فَإِنَّ الْمُرَاوَدَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ دُونَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَعَدَّتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ. وَجُمْلَةُ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مَفْصُولَةٌ لِأَنَّهَا حِكَايَةُ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالِ الْمَلِكِ.

قولُهُ: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} وَهُنَا اعْتَرَفَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ بِفِعْلِهَا، فَقَالَتْ لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لإِظْهَارِ الحَقِّ، وَجَلاَءِ مَا خَفِيَ. وحَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْخَفَاءِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ حَصْحَصَ الْحَقُّ بَانَتْ حِصَّتُهُ مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ. وَقِيلَ: ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ، وَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِنْ حَصْحَصَ الْبَعِيرُ أَلْقَى ثَفِنَاتِهِ لِلْإِنَاخَةِ قَالَ: حَصْحَصَ فِي صُمِّ الصَّفَا ثَفِنَاتِهِ. وتقولُ العَرَبُ: حَصْحَصَ البَعيرُ بُرُوكَهُ، إذا تَمَكَّنَ فاسْتَقَرَّ في الأَرْضِ وفَرَّقَ الحَصَى. وقالَ حَميدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ بَعيرًا:

وحَصْحَصَ في صُمِّ الحَصَا ثَفِنَاتِهِ ……… ودَامَ القِيَامُ ساعةً ثم صَمَّمَا

فحَصْحَصَ: ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ. والْحَقُّ: هُوَ بَرَاءَةُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلَّ قِيلَ وَقَالَ وَشَكٍّ، فَزَالَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافِهَا بِمَا وَقَعَ. وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ إِقْرَارِهَا الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِأَنَّهُ قَرِيبُ الْوُقُوعِ فَهُوَ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الْحَالِ مِنَ الْمُضِيِّ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِقَوْلِ النِّسْوَةِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ فَيَكُونُ الْمَاضِي عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَتَقْدِيمُ اسْمِ الزَّمَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَيِ الْآنَ لَا قبله للدلالة عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ زَمَنٌ بَاطِلٌ وَهُوَ زَمَنُ تُهْمَةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالْمُرَاوَدَةِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ تَعْيِينٍ إِذْ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَدْرِي أَيُّ الْوَقْتَيْنِ وَقْتُ الصِّدْقِ أَهُوَ وَقْتُ اعْتِرَافِ النِّسْوَةِ بِنَزَاهَةِ يُوسُفَ، أَمْ هُوَ وَقْتُ رَمْيِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ إِيَّاهُ بِالْمُرَاوَدَةِ.

قولُهُ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} وَإِنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا هِيَ التِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَمْسَكَ بِعِصْمَتِهِ، وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهَا نَحْوَ البَابِ. وَقد أُسْنِدَتِ الْمُرَاوَدَةُ إِلَى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِوُقُوعِهَا مِنْ بَعْضِهِنَّ غَيْرَ مُعَيِّنٍ، أَوْ لِأَنَّ الْقَالَةَ الَّتِي شَاعَتْ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ مَخْلُوطَةً ظَنًّا أَنَّ الْمُرَاوَدَةَ وَقَعَتْ فِي مَجْلِسِ الْمُتَّكَأِ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي جُمْلَةِ أَنَا راوَدْتُهُ لِلْقَصْرِ، لِإِبْطَالِ أَنْ يكون النسْوَة راوَدْنَهُ. فَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَشَهَادَةٌ لِغَيْرِهَا بِالْبَرَاءَةِ.

قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} زَادَتْ امرأَةُ العزيزِ تَأْكيدَها براءَةَ يُوسُفَ وصِدْقَهُ بِ “إِنَّ” وَاللَّامِ، وَقَدْ جيءَ فِي الْخَبَرِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَقِيلَ: “لَمِنَ الْصادِقينَ” وَلَمْ يُقَلْ: وَإِنَّهُ صادِقٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجُمْلَةِ الَّتِي خَبَرُهَا “مِنَ الْصادِقينَ”، فَإِنَّ التَّعْرِيفَ فِي “الْصادِقينَ” تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهذا الإِخْبَارُ يُفِيدُ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفِئَةِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِفِئَةِ الْصادِقينَ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ صادِقٌ إِفَادَةً بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ ضربٌ مِنْ الْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِإِثْبَاتِ مَلْزُومِهِ. وَهوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. وَهذه الصِيغَةُ “لَمِنَ الصَّادِقِينَ” كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهَا، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الآية: 56، مِنْ سُورَة الْأَنْعَامِ: {قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ

ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.

قولُهُ تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}، قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلَى المَلِكِ، والجُملَةُ الفعليَّةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و “ما” اسْمُ اسْتِفْهامٍ اسْتِخْبارِيٍّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرفْعِ بالابْتِداءِ. و “خَطْبُكُنَّ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَرْفُوعٌ، وهُوَ مُضَافٌ، و “كُنَّ” ضَميرُ جَمَاعَةِ المُخاطَبَاتِ، متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “إِذْ” ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنَ الزِّمانِ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَةِ، مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ “خَطْبُ” لأَنَّهُ في مَعْنَى الفِعْلِ، إذْ المَعْنَى مَا فَعَلْتُنَّ، ومَا أَرَدْتُنَّ بِ يوسُفَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. و “رَاوَدْتُنَّ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هوَ تَاءُ الفَاعِلِ، وَهيَ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحلِّ رفعِ فاعِلِهِ والنُّونُ للتَأْنيثِ، و “يُوسُفَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وقَدْ مُنِعَ مِنَ التَنْوينِ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. و “عَنْ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ: “رَاوَد”، و “نَفْسِهِ” مَجْرورٌ بِ “عَنْ”، وهو مُضَافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ لِ “إِذْ”.

قوْلُهُ: {قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} قُلْنَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو نونُ النِّسوةِ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وهذه الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “حَاشَ” فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنَى بَعُدَ، مَبْنِيٌّ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الأَلِفِ المَحْذوفَةِ، للتَّخْفيفِ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “يُوسُفَ” ـ عليهِ السَّلامُ. و “للهِ” جَارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، ولكنَّهُ على حذفِ مُضافٍ، والتقديرُ: حاشَ يُوسُفَ عَنِ المَعْصِيَةِ، لِطاعَتِهِ اللهَ تَعالى وخَوْفِهِ مِنْهُ، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “مَا” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “عَلِمْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِصالِهِ ب “نا” الدالَّةِ على جماعةِ المتكلِّمين، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، و “عَلَيْهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ زائدٍ. و “سُوءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرف الجَرِّ الزائدِ منصوبٌ محلًا على أنَّهُ مفعولٌ بِهِ؛ لأَنَّ “عَلِمَ” هُنَا بِمَعْنَى “عَرَفَ”، والجُمْلَةُ الفِعليَّةُ هذه في مَحلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.

قولُهُ: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} قَالَتِ: فعلٌ

ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ والتاءُ لِتَأْنيثِ الفاعِلِ، و “امْرَأَتُ” فاعلُهُ مرفوعٌ وهو مُضافٌ، و “الْعَزِيزِ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ بالكَسْرةِ، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “الْآنَ” ظَرْفٌ للزمانِ الحاضِرِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرفِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَصْحَصَ”. و “حَصْحَصَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الْحَقُّ” فاعلٌ مرفوعٌ، والجُملةُ في محَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَتِ”.

قولُهُ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} أَنَا: ضميرُ المتكلِّمِ المنفصلُ في محلِّ الرفع بالابْتِداءِ. و “رَاوَدْتُهُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ. “عَنْ نَفْسِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُملةُ الفعليَّةُ في محلِّ الرَّفعِ خبَرَ المُبْتَدَأِ، والجُملةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَتِ”.

قولُهُ: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} الواوُ: عاطفةٌ. و “إنَّهُ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِ نصبِ اسْمِهِ. و “لَمِنَ” اللامُ: المُزحلقةُ للتوكيدِ، (حرفُ ابتداءٍ). و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرِ “إنَّ” مُقدَّرٍ، و “الصَّادِقِينَ” مجرورٌ بحرف الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالِمُ، والنُّونُ عِوَضٌ عَنِ التَّنوينِ في الاسْمِ المُفردِ،  والجُملةُ الاسْميَّةُ في مَحلِّ النَّصبِ عطْفًا عَلى الجُملةِ الاسْمِيَّةِ

المَذْكورَةِ قَبْلَهَا.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com