فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 109


أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(109)
قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} في هذه الآيةِ الكريمةِ بَيانٌ بأَنَّ تَفْضيلَ ذَلِكَ المَسْجِدِ في أَنَّهُ حقيقٌ بالصلاةِ فيهِ تَفْضيلٌ مَسْلوبُ المُشارَكَةِ، لأنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَيْسَ حَقيقاً بالصَلاةِ فيِهِ بَعْدَ النَهْيِ، لأنَّ صَلاةَ النَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَوْ وَقَعَتْ لأَكْسَبَتْ مَقْصِدَ واضِعيهِ رَواجاً بَينَ الأُمَّةِ وهُوَ غَرَضُهم التَفريقَ بينَ جماعاتِ المُسلمينَ كَما تَقَدَّمَ.
وهذا تَفْريعٌ على قولِهِ سبحانه في الآية التي قبلَها: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} لِزِيادَةِ بَيانِ أَحَقِيَّةِ المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ على التَقْوى بالصَّلاةِ فِيهِ، فلاَ يَسْتَوِي فِي عَقِيدَتِهِ، وَلاَ فِي عَمَلِهِ، مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، مع سواه ممن أسِّسَ على غير ذلك.
وأُسُّ الشيْءِ، وأَساسُهُ: القاعِدَةُ التي بُنيَ عَليْها، ويُقالُ: كان ذلك على أُسِّ الدَهْرِ، كقولهم: على وَجْهِ الدَهْرِ، ويُقالُ: أَسَّ “مُضعَّفاً” أي: جَعَلَ لَهُ أَساساً، وآسَسَ بِزِنَةِ “فاعَل”. وقيل هو جمعُ أُسٍّ؛ والكَثيرُ مِنْهُ “آسَاسٌ”. قالَ شِبْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَوْلى بَني هاشِمٍ:
أَصْبَحَ المُلْكُ ثابتَ الآساسِ ……………. في البهاليل مِنْ بَني العَبَّاسِ
والبيتُ مِنْ قَصيدَةٍ لَهُ تَسَبَّبَتْ في مصرع ثملنين رجلاً من بني أميَّة، أَنْشَدَها السفَّاحَ يَسْتَعْديهِ عَليهم، وقد وفدوا عليه يَقْدُمُهُمُ الغَمْرُ ابْنُ يَزيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فأمر أَبو العبَّاسِ السَّفَّاحُ فضربت رقابُهم جميعاُ، ومُدَّ سماطُ الطعامِ فوق جُثَثِهم وجلس وأتباعه يتناولون الطعامَ وما زالَ لبعضهم أنينٌ، على ما رويَ، وتمامُها:
أصبح الملكُ ثابتَ الأساس ……………… بالبهاليل من بَني العبًاس
طَلبوا وِتْر هاشمٍ فَلَقُوها ………………. بعد مَيْل من الزَمان وباس
لا تُقِيلن عبدَ شمس عِثاراً ……………….. اقطعُوا كل نخلة وغِراس
ولقد غاظَني وغاظَ سَوائِي …………….. قُرْبُهم من مَنابر وكَراسي
واذكُروا مَصْرع الحُسين وزيداً ……………. وقَتيلاً بجانب المهرَاس
وقتيلاً بجَوْف حَرَّان أضحَى ………… تَحْجُل الطيرُ حوله في الكِناس
نِعم شبْلُ الهِراشِ مَوْلاك شِبْل …………… لو نجا مِنْ حَبائلِ الإفلاس
ونُسِبَتْ لِسُدَيفَ بْنِ مَيْمونَ مَوْلى السَّفَّاحِ، وقيلَ هو مولىً لآلِ أبي لهبٍ، ونَسَبَها الزبيديُّ في تاج العروس إلى الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العسقلانيِّ ـ رحمه اللهُ، فأَبْعدَ، وذلك لِبُعْدِ ابْنِ حَجَرٍ وهو العالمُ العامِلُ الحافظُ لحديث رسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمُ، والخادمُ لهُ من هذه المعاني وتَرَفُّعِهِ عَنْ أَنْ يَكيدَ لِمُسْلِمٍ أوْ يُحَرِّضَ على قَتْلِهِ.
قولُهُ: {أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} فإنَّ مَنْ بنىُ مَسْجِدَ قُباء الذي أُسَّسَ على التَقْوَى وجمعِ كلمة المسلمينَ لا يَسْتَوي مَعْ مَنْ بَنَى مَسْجِداً الضِّرَارِ وَالكُفْر وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وأَخْرَجَ أبو الشيخِ عن الحسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: لمّا أَسَّسَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، المَسْجِدَ الذي أَسَّسَهُ عَلى التَقْوى، كانَ كُلَّما رَفَعَ لَبِنَةً قالَ ((اللَّهُمَّ إنَّ الخيرَ خَيرَ الآخِرِةِ)) ثمَّ يُناوِلَُها أَخاهُ فيَقولُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، حَتى تَنْتَهي اللَّبِنَةُ مُنْتَهاها، ثمَّ يَرْفَعُ الأُخْرى فيَقولُ: ((اللّهُمَّ اغْفرْ للأَنْصارِ والمُهاجِرَةِ، ثمَّ يُناوِلُها أَخاهُ فيَقولُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حتى تَنْتَهي اللَّبِنَةُ مُنْتَهاها.
فَإنَّ مسجدَ الضِرارِ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَبْنِي بُنْيَانَهُ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ فِي أَرْضٍ رِخْوَةٍ فِي جَانِبِ جَهَنَّمَ. و “شَفَا جُرُفٍ” عَلَى حَرْفِ بِئْرٍ لَمْ تُبْنَ بِالحِجَارَةِ. و “بُنْيان” مصدَرُ بَنى كالغُفْرانِ والشُكْرانِ، وأُطْلِقَ على المَفعولِ كالخَلْق بمعنى المخلوقِ. وقيل بأنَّه جمعٌ وواحدُهُ بُنْيانَةٌ، كما قالَ كَعْبُ ابْنُ زَهَير:
كبُنْيانةِ القاريِّ مَوْضِعُ رَحْلِها ………… وآثارُ نَسْعَيْها مِنَ الدَّقِّ أَبْلَقُ
يَعْنُونَ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ كَقَمْحٍ وقَمْحَةٍ. والجُرُفُ: البِئْر التي لم تُطْوَ. وقيل: هو الهُوَّةُ وما يَجْرُفُه السًّيْلُ مِنَ الأَوْدِيَةِ. وقيل: هُوَ المَكانُ الذي يَأْكُلُهُ الماءُ فيَجْرُفُهُ، أَيْ يَذْهَبُ بِهِ. ورَجُلٌ جِرَافٌ، أَيْ: كثيرُ النِكاحِ كأَنَّهُ يَجْرُفُ في ذَلِكَ العَمَلِ. و “هَارٍ” هَائِرٍ مُتَصَدِّعٍ أَوْ مُتَهَدِّمٍ.
قولُهُ: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فَانْهَارَ بِهِ فَسَقَطَ البُنْيَانُ بِالبَانِي. انْهَارَتْ بِهِ، وَبِبُنْيَانِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ. أَخْرَجَ مُسَدِّدٌ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عنْ جابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنه، قال: لَقَدْ رَأَيْتُ الدُخانَ يَخْرُجً مِنْ مَسْجِدِ الضِرارِ حيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قولُه: {وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وَاللهُ لاَ يَهْدِي إَلَى الحَقِّ وَالعَدْلِ، القَوْمَ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ طَاعَةَ اللهِ. فَالإِيمَانُ ثَابِتٌ رَاسِخٌ قَوِيٌّ، وَأَهْلُهُ سُعَدَاء بِرِضْوَانِ رَبِّهِمْ، وَالبَاطِلُ مُضْمَحِلٌّ وَاهٍ سَرِيعُ الانْهِيَارِ، وَأَهْلُهُ أَشْقِيَاءُ مُتَرَدَّدُونَ حَائِرُونَ.
قولُهُ تَعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوىً من اللهِ خيرٌ} الفاءُ مُؤخَّرَةٌ عَنْ همزَةِ الاسْتِفْهامِ لأَحَقِيَّةِ حَرْفِ الاسْتِفْهامِ بالتَصْديرِ. والاسْتِفْهامُ هنا تَقْريريٌّ. و “مَنْ” موصولٌ بمعنى الذي، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بالابِتِداءِ. و “على تَقوى” الجارُّ مُتُعَلِّقٌ بِ “أَسَّسَ” فهو مَفْعولُهُ في المعنى. وإمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذوفٍ على أَنَّهُ حالٌ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في “أَسَّسَ” أَيْ: قاصداً بُبُنْيانِه التَقوى. والجارُّ “من اللهِ” في محلِّ جرٍّ إمّا صِفَةً للتَقوى، وإمَّا بإضافتها إليه، أوْ “مِنْ” زائدةٌ ولَفْظُ الجَلالَةِ مُضافٌ إليه. و “خَيْرٌ” خبرُ المبتدأ. والتَفْضيلُ هُنا باعْتِبارِ مُعْتَقَدِهِم.
قولُهُ: {أَمْ من أسس بنيانَه على شفا جُرُفٍ هارٍ} أم: مُتَّصِلَةٌ، عاطِفَةٌ، و “مَنْ” الثانية عَطْفٌ عَلى “مَنْ” الأُولى، و “أَسَّس بُنْيانه” إعْرابُها كَسابِقَتِها. و “على شَفَا جُرُفٍ” كقولِهِ: “على تَقوى” في وجهيه. و “شَّفا” تَقَدَّمَ معناه في سورةِ آلِ عُمران. و “هَارٍ” نَعْتٌ لجُرُفٍ. والمشهورُ أَنَّهُ مَقْلوبٌ بِتَقْديمِ لامِهِ على عَيْنِهِ، وذلك أَنَّ أَصْلَهُ: هاوِرٌ، “بالواوِ” أو هايِرٌ “بالياءِ” لأنَّه سُمِعَ فيهِ الحَرْفان. قالوا: هارَ يَهُورُ فانْهارَ، وهارَ يَهير. وتَهَوَّرَ البِناءُ وتَهَيَّر، فقُدِّمَتْ اللامُ (وهيَ الراء) على العين (وهي الواوُ أَوِ الياء) فصارَ ك (غازٍ) و (رامٍ)، فأُعِلَّ بالنَّقْصِ كإعْلالِهِما، فَوَزْنُهُ بَعْدَ القَلْبِ (فالِع)، ثمَّ تَزِِنُه بَعْدَ الحذفِ بِ (فالٍ). هذا قولٌ، وفيه قولٌ ثانٍ: أَنَّهُ حُذِفَتْ بالواوِ عَيْنُهُ اعْتِباطاً أَيْ لِغَيْرِ مُوجَبٍ، وعَلى هذا فيَجْري بِوُجوهِ الإِعرابِ عَلى لامِهِ، فيُقالُ: هَذا هارٌ، ورَأَيْتُ هاراً، ومَرَرْتُ بهارٍ، وَوَزْنُهُ أَيْضاً (فال). وفيه قولٌ ثالثٌ: بأنَّه لا قَلْبَ فيهْ ولا حَذْفَ، وأَنَّ أَصْلَهُ هَوِرَ، أَوْ هَيِرَ بِزِنَةِ (كَتِف)، فَتَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْله فقُلِبَ أَلِفاً فصارَ مِثْلَ قولهم: كَبْشٌ صافٌ، أَيْ: صَوِفٌ، أَوْ يومٌ راحٌ، أيْ: رَوِح. وعلى هذا فتحرَّك بِوُجوهِ الإِعْرابِ أَيْضاً كالذي قبلَهُ كَما تَقولُ: هذا بابٌ، ورأيتُ باباً، ومَرَرْتُ ببابٍ. وهذا أَعْدَلُ الوُجوهِ لاسْتِراحَتِهِ مِنِ ادِّعاءِ القَلْبِ والحَذْفِ اللَّذَيْنِ هما عَلى خِلافِ الأَصْلِ، لولا أَنَّهُ غيرُ مَشْهورٍ عِنْدَ أَهْلِ التَصْريفِ. ومَعنى “هار”، أيْ: ساقِطٌ مُتَداعٍ مُنْهارٌ.
قولُهُ: “فانهار” فعلٌ ماضٍ وفاعلُهُ: إمَّا ضميرُ البُنْيانِ، وعليه فالهاءُ في “بِهِ” ضَميرُ المُؤسِّسَ الباني، أَيْ: فَسَقَطَ بُنيانُ الباني على شَفا جُرُفٍ هارٍ. وإمَّا ضَميرُ الجُرُفِ، أَيْ فَسَقَطَ الشَّفا، أَوْ سَقَطَ الجُرُفُ. والهاءُ في “به” للبُنْيانِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ للباني المُؤسِّسِ. والأَوْلى أَنْ يَكونَ الفاعِلُ ضَميرَ الجُرُفِ، لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ انْهيارِهِ انهيارُ الشَّفَا والبُنْيانِ جميعاً، ولا يَلْزَمُ مِنِ انْهيارِهما، أَوْ انهيارِ أَحَدِهما انْهيارُهُ. والباءُ في “به” يجوزُ أَنْ تَكونَ المُعَدِّيةَ، وأَنْ تَكونَ التي للمُصاحَبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ خِلافٌ أَوَّلَ هذا الموضوعِ: أَنَّ المُعَدِّيَةَ عِنْدَ بَعْضِهم تَسْتَلْزِمُ المُصاحَبَةَ. وإذا قِيلَ إنها للمُصاحَبَةِ هُنا فَتَتَعَلَّقُ بمَحْذوفٍ لأنها حالٌ، أَيْ: فانهارَ مُصاحِباً لَهُ.
وقولُهُ: {واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين} جملةٌ مستأنَفة.
قرأ العامَّةُ: {أَسَّسَ بنيانَه} أَسَّسَ: بالبِناءِ للفاعلِ، و “بنيانَه” بالنَصْبِ على المفعوليَّةِ، والفاعلُ ضميرُ “مَنْ”. وقرَأَ نافع، وابْنُ عامِرٍ: “أُسِّسَ بنيانُه” أُسِّسَ: مَبْنِيّاً للمَفْعولِ، و “بنيانُه” بالرَّفْعِ لِقيامِهِ مُقامَ الفاعل.
وقرأَ عِمارةُ ابْنُ عائذٍ الأَوَّل “أسِّس” مَبْنِياً للمَفعولِ، و الثاني “أُسٍّسَ” مَبْنِيّاً للفاعل، و “بنيانُه” مَرْفوعٌ على الأوَّلى ومَنْصوبٌ على الثانية لِما تَقَدَّمَ.
وقَرَأَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ونَصْرُ بْنُ عاصِم، “أُسُسُ بُنْيانِه”، وقَرَآ أيضاً هما وأَبو حَيَوَةَ “أَساسُ بُنْيانِهِ” جمَعَ أُسّ، ورُوِيَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِم أَيْضاً “أَسُّ” بهمزةٍ مَفْتوحَةٍ وسِينٍ مُشَدَّدَةٍ مَضْمومَةٍ.
وقرَئَ “إساسُ” بالكَسْرِ، وهيَ جموعٌ أُضِيفَتْ إلى البُنْيانِ. وقرئَ “أَساس” بفتحِ الهَمْزَةِ، و “أُسّ” بِضِمِّها وتشديدِ السِينِ، وهما مُفْرَدان أُضيفا إلى البُنيان. ونَقَلَ فيهِ أيضاً “أَسَسُ” بالتَخْفيفِ ورَفْعِ السينِ، و “بُنيانِه” بالجرِّ، فَ “أَسَسٌ” مَصْدَرُ أَسَّ يَؤُسُّ أَسَسَاً وأَسّاً، فهذِهِ عَشْرُ قِراءاتٍ.
وقرأ العامّةُ: {على تقوى من الله} وقرأَ عِيسى بْنُ عُمَرَ “تقوىً” مُنَوَّنَةً. وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ، ولم يَرْتَضِها الناسُ لأَنَّ أَلِفَها للتَأْنيثِ فلا وَجْهَ لِتَنْوينِها، وقد خرَّجها الناسُ على أَنْ تَكونَ أَلِفُها للإِلحاق، فقالَ ابْنُ جِني: قياسُها أَنْ تَكونَ أَلِفُها للإلحاقِ ك (أَرْطى و أفعى وأنثى).
وقرأ العامّةُ: {جُرُفٍ} بِرِفْعِ الراءِ، وقرأ أَبو بكرِ، وحمزَةُ عن عاصم “جُرْفٍ” بإسْكانها؛ مِثْلَ الشُغُلِ والشُغْلِ، والرُسُلِ والرُسْلِ، وعُنُق وعُنْق وطُنُب وطُنْب.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 108


لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
(108)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أَمْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لرَسُولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بِأَنْ لاَ يَقُومَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ أبداً، لأن البانين له قد كانوا خادَعوهُ فقالوا: بَنَيْنا مَسْجِداً للضَروراتِ والسَّيْلِ الحائلِ بَيْنَنا وبينَ قَومِنا، فَنُريدُ أَنْ تُصَلِّي فَيهِ وتَدْعُو لنا بالبَرَكَةِ، فهَمَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بالمَشْيِ مَعْهُم إلى ذَلِكَ، فنَزَلَ عليه قولُهُ تعالى: “لا تَقُمْ فيهِ أَبَداً” فامتنعَ وأمرَ بهدمه وحرقِه كما تقدَّمَ في تفسير الآية السابقة. وقد رُوِيَ أَنَّهُ كانَ بعد ذلك لا يَمُرُّ بالطَريقِ التي كان المسجدُ فيها.
قولُهُ: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} قد تَضَافَرَتِ الرواياتُ عَنِ ابْنِ عَباسٍ وفِرْقَةٍ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعينَ رضيَ اللهُ عنهم أجمعين، على أَنَّهُ مسجدُ قُباء، وهو أليقُ بالمناسبةِ، لأنَّ السياقَ هو الحديث عنه. لكنَّه لا نَظَرَ مع الحديث فقد أَسْنَدَ الطَبريُّ عَنٍ أَبي سَعيدٍ الخدريِّ أَنَّه قالَ: اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِنْ بَني خِدْرَةَ ورَجُلٌ مِنْ بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فقالَ الخِدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ الرَسُولِ، وقالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُباءَ، فأَتَيا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، فَسأَلاهُ، فقالَ: ((هُوَ مَسْجِدِي هَذا)) وروى مسلمٌ مثلَ ذلك، وفي هذا أَيْضاً أَخبارٌ عَنْ عُمَرَ ابْنِ الخطّابِ، وأَبي سَعيدٍ الخِدْرِيِّ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأُبيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَهْل بْنِ سَعْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، أَنَّهُ المَسْجِدُ النبويُّ بالمَدينةِ المنوَّرةِ، وقيل: إنَّ الحديثَ كان في خُصوصِ مَسْجِدِ النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجاءَ رَدّاً على اخْتِلافِ الرجُلينِ في المَسْجِدِ المَعْنيِّ بها، فأَرادَ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَنْ يُبَيِّنَ لَهم أَنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ خاصَّةً بِمَسْجِدِ قُباء وإنَّما هِيَ عامَّةٌ في كُلِّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ على التَقْوَى، وأَنَّ العِبْرَةَ بِعُمومِ اللَّفْظِ لا بِخُصوصِ السَبَبِ، كَما هُوَ مَعْلومٌ في الأُصولِ. وعَلَيْهِ، فالآيَةُ إذاً قد اشْتَمَلَتْ وتَشْتَمِلُ على كُلِّ مَسْجِدٍ أَيْنَما كانَ إذا كانَ أَساسُهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ بِنائِهِ على التَقْوَى، ويَشْهَدُ لِذلِكَ سِياقُ الآيَةِ بِالنِسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وما بَعْدَها. وبهذا يكون السَبَبُ في نُزولِ الآيَةِ هُوَ المُقارَنَةُ بَين مَبْدَأَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وأَنَّ الأَوَّلِيَّةَ في الآيَةِ أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، أَيْ بالنِسْبَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ في أَوَّلِ يومِ بِنائهِ، وإنْ كانَ الظاهرُ فيها أَوَّلِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ خاصَّةً وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ وَصَلَ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، المدينةَ نَزَلَ بِقُباء. وتَظَلُّ هَذِهِ المقارنَةُ في الآيَةِ مَوْجودَةٌ إلى ما شاءَ اللهُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، كَما قدَّمْنا. واللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} حَثٌّ من الله تعالى لنبيِّهِ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم، عَلَى الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ الذِي أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى التَّقْوَى وَهِيَ طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، وَجَمْعُ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: ((صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ كَعُمْرَةٍ)). السنن الكبرى للبيهقي: (5/248) عَنْ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، والمستدركُ للحاكِمِ وصحَّحهُ، وابْنُ ماجةَ وغيرُهم، ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ فِي مَتْنِهِ: ((مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ كَانَتْ كَعُمْرَةٍ)).
قولُهُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} إِنَّ مَسْجِدَ قبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَذِكْرِ اللهِ، وَتَسْبِيحِهِ؟، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. وَيُثْنِي اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ فِي تَطَهُّرِهِمْ، وَفِي عِنَايَتِهِمْ بِنَظَافَةِ أَبْدَانِهِمْ، فقد أَخْرَجَ أَبو دَاوودَ، والتِرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَةَ وأَبو الشَيْخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبي هُريرَةَ ـ رضي اللهُ عنه، عَنِ النبيِّ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قال: ((نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أَهْلِ قُباء كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ، فنَزَلَتْ فيهم هذِهِ الآيةُ)). وأَخْرَجَ الطَبرانيُّ، وأبو الشَيخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قالَ: لما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: “فيهِ رجالٌ يحبّونّ أّنْ يَتَطَهّروا” بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إلى عُوَيمِ بْنِ ساعِدَةَ، قال: ((ما هذا الطُهُورُ الذي أَثْنى اللهُ عَلَيْكُم؟ فقالوا: يا رَسُولَ اللهَِ ما خَرَجَ مِنَّا رَجُلٌ ولا امْرَأَةٌ مِنَ الغائطِ إلاَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، أَوْ قالَ: مِقْعَدَتَهُ. فقالَ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: هُوَ هَذا)). وأَخْرَجَ أَحمدُ، وابْنُ خُزَيمَةَ، والطَبرانيُّ، والحاكمُ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ عُوَيمَ بْنِ ساعدةٍ الأَنْصارِيِّ، أَنَّ النَبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَتاهُمْ في مَسْجِدِ قُباء فقالَ: إنَّ اللهُ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَناءَ في الطُهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكم، فما هذا الطُهُورُ الذي تَطَهَّرونَ بِهِ؟ قالوا: واللهِ يا رَسُولَ اللهِ ما نَعْلَمُ شَيْئاً إلاَّ أَنَّهُ كانَ لَنا جِيران مِنَ اليَهودِ، فكانوا يَغْسِلونَ أَدْبارَهم مِنَ الغائطِ فَغَسَلْنا كَما غَسَلوا.
فقد كانَ الناسُ في الغالِبِ يومئذٍ يَتَجَمَّرونَ بالحجارةِ، وكان الأَنْصارُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، يَتَطَّهَّرونَ بالماءِ أحياناً، ويجمَعونَ بينَ الماءِ والحَجَرِ. ويَتَطَهَّرونَ مِنَ الجَنابَةِ، فَلا يَنامُونَ عَلَيْها، كما يتطهَّرون مِنَ المعاصي والخِصالِ المَذْمُومَةِ، طَلَباً لِمَرْضَاتِ اللهِ تَعالى. لما أَخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ وابْنُ الجارودِ في المُنْتَقى، والدارَ قُطْني، والحاكمُ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِر، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافعٍ قال: حدَّثنا أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ هَذِهِ الآيةَ لمَّا نَزَلَتْ: “فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أَنْ يَتَطَهَّروا واللهُ يُحَبُّ المَطَّهِّرين” قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا، فَمَا طُهُورُكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟ قَالُوا: لا غَيْرَ أَنَّ أَحَدُنَا إِذَا خَرَجَ إِلَى الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ)).
قولُهُ تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} لَمَسْجِدٌ: اللامُ هي لامُ الابْتِداءِ، كما هِيَ في قَولِكَ: لَمُحَمَّدٌ أَحْسَنُ الناسِ خُلُقاً، فهي للتأْكيدِ. أَوْ هي جَوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، و “مَسْجِدٌ” على التقديرين مبتدأ، و “أحقُّ” خبرُهُ، ولَيْسَتْ “أَحَقُّ” التَفْضيلِ بَلْ هي بمَعْنى حَقيقٌ، إذْ لا مُفاضَلَةَ بينَ المَسْجِدَيْن، وجملةُ “أُسِّس” في محل رفعٍ نعتاً لَهُ، والقائمُ مِقامَ الفاعلِ هو ضميرُ المَسْجِدِ على حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: أُسِّسَ بُنْيانُهُ من أوَّلِ يومٍ على التقوى. و “مِنْ أَوَّلِ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الكُوفِيُّونَ على أَنَ “مِنْ” تَكون لابْتِداءِ الغايَةِ في الزَمانِ، واسْتَدَلُّوا أَيْضاً بِقَوِلِ النابغةُ الذُّبياني يمدحُ الملك الغسّانيَّ عَمْراً بْنَ الحارثِ الأَعْرَجِ:
تُخُيِّرْن مِنْ أزمانِ يومِ حَليمةٍ …….. إلى اليومِ قد جُرِّبْنَ كُلَّ التَجاربِ
وقولِ الحُصَينِ بْنِ الحمام:
مِنَ الصُّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ لا تَرَى … مِنَ القَوْمِ إلاَّ خارجيًّا مُسَوَّما
وتَأَوَّلَهُ البَصْرِيّونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أَيْ: مِنْ تَأْسيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ، ومِنْ طُلوعِ الصُبْحِ، ومِنْ مَجيءِ أَزْمانِ يَوْمٍ. وقالَ أَبو البَقاءِ: وهذا ضعيفٌ، لأنَّ التَأْسِيسَ المُقَدَّرَ لَيْسَ بِمَكانٍ حَتّى تَكونَ “مِنْ” لابْتِداءِ غايَتِهِ. ويَدُلُّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى في سورة الروم: {للهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} الآية: 4. وهُوَ كَثيرٌ في القُرآنِ وغيرِهِ، وإنَّما فَرَّ البَصْرِيّونَ مِنْ كونِها لابْتِداءِ الغايَةِ في الزَمانِ، ولَيْسَ في هذِهِ العِبارَةِ ما يَقْتَضي أَنَّها لا تَكونُ إلاَّ لابْتِداءِ الغايَةِ في المَكانِ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِم بما ذُكِر، والخلافُ في هذِهِ المسألةِ قَوِيٌّ، ولأبي عَليٍّ فيها كلامٌ طَويلٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ عِنْدي أَنْ يُسْتَغْنى عَنْ تَقديرٍ، وأَنْ تَكونَ “مِنْ” تَجُرُّ لَفْظَةَ “أوّل” لأنّها بمعنى البَداءَةِ، كأَنَّهُ قالَ: مِنْ مُبْتَدَأِ الأَيَّامِ، وقَدْ حُكِيَ لي هَذا الذي اخْتَرْتُهُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ النَحْوِ. و “أَنْ تَقومَ” أي: بِأَنْ تَقومَ، والتاءُ لخطابِ الرَسولِ ـ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ، والجارُّ والمجْرورُ “فيهِ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
قولُهُ: {فِِيهِ رِجَالٌ} يَجوزُ أَنْ يَكونَ “فِيهِ” صِفَةً ل “مَسْجِدٌ”، و “رجالٌ” فاعلٌ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنَ الهاءِ في “فيه”، و “رجالٌ” فاعلٌ بِهِ أِيْضاً، وهذانِ أَوْلى مِنْ حَيْثُ إنَّ الوَصْفَ بالمُفْرَدِ أَصْلٌ، والجارُّ قَريبٌ مِنَ المُفْرَدِ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ “فيه” خَبراً مُقَدَّماً، و “رجال” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. وفي هذِه الجُمْلَةِ أَيْضاً ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُها: الوَصْفُ، وثانيها: الحالُ على ما تَقَدَّمَ، وثالِثُها: الاسْتِئْنافُ.
وقولُهُ: {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّروا} يُحِبُّونَ: هذِهِ الجُمْلَةُ في محَلِّ رَفْعٍ صِفَةً لِ “رِجالٌ”، و “أَنْ يَتَطَهَّروا” في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ لِ “يحبّون”.
قرأ الجمهورُ: {فيه} الأولى والثانيةَ بكسرِ الهاءِ, وقَرَأَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ زَيْدٍ “فيهِ” الأولى بِكَسْرِ الهاءِ، والثانيةَ بِضَمِّها وهُوَ الأَصْلُ، فجَمَعَ بِذَلك بَين اللُّغَتَينِ، وفيهِ أَيضاً رَفْعُ تَوَهُّمِ التَوْكِيدِ، ورَفْعُ تَوَهُّمِِ أَنَّ “رجالٌ” مَرْفوعٌ بِ “تَقومَ”.
وقرأَ جمهورُ القُرَّاءِ: {فيه رجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّروا} بَإظهارِ حَرْفِ التاءِ، وقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأَعْمَشُ: “يَطَّهَّرُوا” فأدْغَموا التاءَ بالطّاءِ.
وقرأَ الجمهورُ: {المُطَّهِّرين} فأَدْغَموا التاءَ بالطاءِ، وقرأَ عَليُّ بْنُ أَبي طالِبٍ ـ رضي اللهُ عنه: “المُتَطَهِّرينَ” بالإِظْهارِ، عَكْسَ قِراءاتِ الجُمهورِ في اللفْظَتَين.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 107


وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
(107)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وكُفْراً وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين} ضِراراً: الضِرارُ محاولةُ الضَرِّ، أيْ: لأَجْلِ المُضارَّةِ بالآخَرين. كما أَنَّ الشِقاقَ محاولةُ ما يَشُقُّ عليهم، و “كُفراً” الكُفْرُ الذي أَسَرّوهُ، هُوَ تَعْظيمُ أَبي عامرٍ، الكافِرِ، “كُفْراً” بالنَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليْه وسَلَّمَ، وبما جاءَهُ مِنْ رَبِّهِ. وطعناً عَلَيْهِ وعلى الإسْلامِ. و “وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين” ذلكَ لأَنَّ المُنافقين قالوا نَبْني مَسْجِداً فَنُصَلِّي فيه، ولا نُصَلِّي خَلْفَ مُحَمَّدٍ، فإنْ أَتانا صَلَّيْنا معه فيهِ. وفَرَّقْنا بَيْنَهُ وبَينَ الذينَ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ، فيُؤدِّي ذلِكَ إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، وبُطْلانِ الأُلْفَةِ وتشتيت القُوى وبعثرةِ الصُفوفِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَنُوا مَسْجِداً، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرِ الرَّاهِبُ، ابْنُوا مَسْجِداً يَكُونُ مَرْصَداً لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَعِدُوا، وَأَنْ يَجْمَعُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاَحٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى قَيْصَرِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنُودٍ مِنَ الرُّومِ لإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذُوا فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ قُرْبَ مَسْجِدِ قَباءٍ، وَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا إِلى الرَّسُولِ ـ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَصَلِّيَ فِيهِ، وَتَدْعُو لَنَا بِالبَرَكَةِ. وَكَانَ الرَّسُولُ خَارِجاً إِلى غَزْوَةِ تَبُوك، فَأَرْجََأَ ذَلِكَ إِلى حينِ عَوْدَتِهِ. وَحِينَ عَادَ نَزَل عَلَيهِ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، يُخْبِرُهُ بِغَايَةِ بُنَاةِ المَسْجِدِ وَقَصَدِهِمْ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهِ أَبَداً.
قولُهُ: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} الإرْصادُ هُوَ التَرَقُّبُ والانْتِظارُ مَعَ العَدَاوَةِ، فالذين أَقاموا هذا المَسْجِدَ أَرْصَدوهُ مُتَرَقِّبينَ ومُنْتَظِرينَ إنْساناً لَهُ سابقةٌ في عِداءِ رَسُولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو أبو عامرٍ الراهبُ الذي طَلَبَ مِنهم إقامَةَ هَذا المَسْجِدِ، وقَدْ سمَّاهُ الرسول ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ، بالفاسِقِ.
وَأبو عامرٍ هُوَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَبَي الإِسْلاَمَ، وَأَخَذَ يَكِيدُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَتَآمَرُ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرَيشٍ، وَمَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَلَّبَ المُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَحَاوَلَ اسْتِمَالَةَ الأَنْصَارِ فِي المَعْرَكَةِ فَسَبُّوهُ.
قولُهُ: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إِنَّ الذِينَ بَنُوا هَذا المَسْجِدِ سَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ الخَيْرَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَفِيمَا قَصَدُوهُ، وَفِيمَا نَوَوْهُ؛ فَهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ ضِرَاراً لِمَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَكُفْراً بِاللهِ، وَتَفْرِيقاً لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعاً فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ هُوَ مَسْجِدُ قِبَاءٍ، وَفِي ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ، وَتُجْمَعُ الكَلِمَةُ.
قال الإِمامُ ابْنُ كَثيرٍ: سَبَبُ نُزولِ هَذِهِ الآياتِ الكَريماتِ: أَنَّهُ كانَ بالمَدينةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إلَيْها رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ يُقالُ لُهُ: “أبو عامر الراهبُ”، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلِيَّةِ، وقَرَأَ عِلْمَ أَهْلِ الكِتابِ، وكانَ فيهِ عِبادَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، ولَهُ شَرَفٌ في الخَزْرَجِ كبيرٌ. فلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مُهاجِرًا إلى المَدينةِ، واجْتَمَعَ المُسْلِمونَ عَلَيْهِ، وصارَتْ للإسلامِ كَلِمَةٌ عالِيَةٌ، وأَظْهَرَهُمُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، شَرِقَ اللَّعينُ أَبو عامِرٍ بِريقِهِ، وبارَزَ بالعَداوَةِ، وظاهَرَ بِها، وخَرَجَ فارًّا إلى كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيشٍ فأَلَّبَهم على حَرْبِ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فاجْتَمَعوا بِمَنْ وافَقَهُمْ مِنْ أَحْياءِ العَرَبِ، وقَدِموا عامَ أُحُدٍ، فكانَ مِنْ أَمْرِ المُسْلِمين ما كانَ، وامْتَحَنَهُمُ اللهُ، وكانَتِ العاقِبَةُ للمُتَّقينَ.
وكان هذا الفاسِقُ قدْ حَفَرَ حفائرَ فيما بَينَ الصَّفَّيْنِ، فَوَقَعَ في إحْداهُنَّ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُصِيبَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فجُرِحَ في وَجْهِهِ وكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ اليُمْنى السُفْلى، وشُجَّ رَأْسُهُ، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عُلَيْهِ.
وتقدَّمَ أَبو عامرٍ في أَوَّلِ المُبارَزَةِ إلى قومِهِ مِنَ الأَنْصارِ، فخاطَبَهم واسْتَمالهم إلى نَصْرِهِ ومُوافَقَتِهِ، فلَمّا عَرَفوا كلامَهُ قالوا: لا أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْناً يا فاسِقُ يا عَدُوَّ اللهِ، ونالوا مِنْهُ وسَبُّوهُ. فرَجَعَ وهُوَ يَقولُ: واللهِ لقدْ أَصابَ قومي بَعْدِيَ شَرٌّ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قدْ دَعاهُ إلى اللهِ قَبْلَ فِرارِهِ، وقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ القُرآنِ، فأَبى أَنْ يُسْلِمَ وتمرَّدَ، فدَعا عَلَيْهِ أَنْ يموتَ بَعيدًا طَريدًا، فَنَالَتْهُ هذِهِ الدَعْوَةُ.
وذلك أَنَّهُ لمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ أُحُدٍ، ورَأَى أَمْرَ الرَسولِ، صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، في ارْتِفاعٍ وظُهورٍ، ذَهَبَ إلى هِرَقْل، مَلِكِ الرُومِ، يَسْتَنْصِرُهُ على النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فوَعَدَهُ ومَنَّاهُ، وأَقامَ عِنْدَهُ، وكَتَبَ إلى جماعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الأَنْصارِ مِنْ أَهْلِ النِفاقِ والرَّيْبِ يَعِدُهم ويُمَنَّيهم أَنَّهُ سَيَقْدِمُ بِجَيْشٍ يُقاتِلُ بِهِ رَسولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَغْلِبُهُ ويَرُدُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، وأَمَرَهُم أَنْ يَتَّخِذوا لَهُ مَعْقِلاً يَقْدُمُ عَلَيْهم فِيهِ مَنْ يَقْدُمُ مِنْ عِنْدَهُ لأَداءِ كُتُبِهِ ويَكونَ مَرْصَدًا لَهْ إذا قَدِمَ عَلَيْهم بَعْدَ ذَلِكَ، فَشَرَعوا في بِناءِ مَسْجِدٍ مُجاوِرٍ لَمَسْجِدِ قُباءَ، فَبَنَوْهُ وأَحْكَمُوهُ، وفَرَغُوا مِنْهُ قَبْلَ خُروجِ النَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلى تَبوك، وجاؤوا فَسَأَلوا رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، أَنْ يَأْتي إليهِم فَيُصَلِّي في مَسْجِدِهم، لِيَحْتَجّوا بِصَلاتِهِ ـ عَليْه الصلاةُ والسلامُ، فيهِ عَلى تَقْريرِهِ وإثْباتِهِ، وذَكَروا أَنَّهم إنَّما بَنَوْهُ للضُعَفاءِ مِنْهم وأَهْلِ العِلَّةِ في اللَّيْلَةِ الشاتِيَةِ، فعَصَمَهُ اللهُ مِنَ الصَلاةِ فيهِ فَقَال: ((إنَّا عَلى سَفَرٍ، ولكنْ إذا رَجَعْنا إنْ شاءَ اللهُ)). فلَمَّا قَفَلَ، عَلَيْهِ الصلاةُ والسّلامُ، راجِعًا إلى المدينةِ مِنْ تَبوك، ولم يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلاَّ يَومٌ أَوْ بَعضُ يَومٍ، نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بخَبَرِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، وما اعْتَمَدَهُ بانُوهُ مِنَ الكُفْرِ والتَفْريقِ بينَ جماعَةِ المؤمنينَ في مَسْجِدِهم، مَسْجِدِ قُباء، الذي أُسِّسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ على التَقْوَى. فبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إلى ذَلِكَ المَسْجِدِ مَنْ هَدَمَهُ قَبْلَ مَقْدِمِهِ المَدينَةَ. وكذا رُوِيَ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومجاهِدٍ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُبَيرِ، وقَتَادَةَ وغَيرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ.
وكانَ الذينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، هُمْ: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، مِنْ بَني عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، أَحَدِ بَني عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ، ومِنْ دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، ثم ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ مِنْ بَني عُبَيْدٍ وهُوَ إلى بَني أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، مِنْ بَني ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وأَبو حَبيبَةَ بْنُ الأَذْعَرِ، مِنْ بَني ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، أَخو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، مِنْ بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ: مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ، وزَيْدُ بْنُ جاريَةَ ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وهُمْ مِنْ بَني ضُبَيْعَةَ، وبحزجُ وهُوَ مِنْ بَني ضُبَيْعَةَ، وبجادُ بْنُ عُثْمانَ وهو مِنْ بَني ضُبَيْعَةَ أيضاً، ووَديعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وهُوَ إلى بَني أُمَيَّةَ رَهْطِ أَبي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ.
قرأَ العامَّةُ: {والذينَ اتخذوا} بواوِ العطفِ، وقَرَأَ نَافِعُ، وابْنُ عامِرٍ: “الذين اتخذوا” بِغَيْرِ واوٍ، فأَمَّا قراءةُ نافعٍ وابْنِ عامِرٍ فلِمُوافَقَةِ مَصاحِفِهم، فإنَّ مَصاحِفَ المَدينَةِ والشامِ حُذِفَتْ مِنْها الواوُ، وهيَ ثابتةٌ في مَصاحِفِ غَيرِهم. و “الذين” على قِراءَةِ مَنْ أَسْقَطَ الواوَ قَبْلَها فِيها أَوْجُهٌ، أَحَدُها: أَنَّها بَدَلٌ مِنْ “آخرونَ” مِنَ الآيةِ التي قَبْلَها. وفيِهِ نَظَرٌ لأنَّ هَؤلاءِ الذينَ اتَّخَذوا مَسْجِداً ضِراراً، لا يُقالُ في حَقِّهم إنَّهم مُرْجَوْن لأَمْرِ اللهِ، لأنَّهم مِنْ كبار المنافِقينَ كَأَبي عامِرٍ الراهِبِ.
الثاني: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وفي خَبَرِهِ حِينَئذٍ أَقْوالٌ أَحَدُها: أَنَّهُ “أفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ” والعائدُ محْذوفٌ تَقْديرُهُ: بُنْيانَهُ مِنْهُم. والثاني: أَنَّهُ “لا يَزالُ بُنْيانُهم” قالَهُ النَحّاسُ والحُوفِيُّ، وفيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ. الثالثُ: أَنَّ خبرَه “لا تَقُمْ فِيهِ”، قالَهُ الكِسائيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ بإضْمارٍ: إمَّا في أَوَّلِ الآيَةِ، وإمَّا في آخِرِها بِتَقْديرِ: لا تَقُمْ في مَسْجِدِهم. الرابِعُ: أَنَّ الخَبَرَ محْذوفٌ تَقْديرُهُ: مُعَذَّبونَ، ونَحْوهُ، قالَهُ المَهْدَوِيُّ.
الثالث: أَنَّهُ مَنْصوبٌ عَلى الاخْتِصاصِ. وسَيَأْتي هَذا الوَجْهُ أَيْضاً في قِراءَةِ الواوِ.
وأمَّا قِراءَةُ الواوِ فَفيها ما تَقَدَّمَ، إلاَّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وَجْهُ البَدَلِ مِنْ “آخرون” لأَجْلِ العاطِفِ. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْتَ: “والذين اتخذوا” ما مَحَلُّهُ مِنَ الإِعْرابِ؟ قُلْتُ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ على الاخْتِصاصِ، كقولِهِ تَعالى: {والمقيمين الصلاة} سورة النِساء، الآية: 162. وقِيلَ: هوَ مُبْتَدَأٌ وخَبرُه محذوفٌ، مَعناهُ: فيمَنْ وَصَفْنا الذين اتَّخَذوا، كَقَوْلِهِ: {والسارق والسارقة} سورة المائدة، الآية: 38، يُريدُ على مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فإنّ تَقديرَهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السارِقُ، فحَذَفَ الخبرَ وأَبْقى المُبْتَدَأَ كَهَذِهِ الآيَةِ.
قولُهُ: {ضِرَاراً} هو مَفعولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أيْ: مُضَارَّةً لإِخْوانِهم. أو هوَ مَفْعولٌ ثانٍ ل “اتَّخذ”. قالَهُ أَبُو البَقاءِ. الثالِثُ: أَنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنْ فاعِلِ “اتخذوا” أَيْ: اتَّخَذوهُ مُضارِّينَ لإِخْوانِهم، ويَجوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أَيْ: يَضُرُّون بِذَلِكَ غَيرَهم ضِراراً، ومُتَعَلَّقاتُ هَذِهِ المَصادِرِ مَحْذوفَةٌ، أَيْ: ضِراراً لإِخْوانِهم وَكُفْراً باللهِ.
قولُهُ: {مِن قَبْلُ} مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ “اتخذوا” أيْ: اتَّخَذوا مَسْجِداً مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنافِقَ هَؤلاءِ. أو هو مُتَعَلِّقٌ بِ “حارَبَ” أيْ: حارَبَ مِنْ قَبْلِ اتِّخاذِ هَذا المَسْجِدِ.
قولُهُ: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا} لَيَحْلِفُنَّ: جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: واللهِ لَيَحْلِفُنَّ. و “إنْ أَرَدْنا” جَوابٌ لِقَوْلِهِ: “ليحلِفُنَّ”، فَوَقَعَ جَواب القَسَمِ المُقَدَّرِ فِعْل قَسَمٍ مُجابٍ بِقولِهِ: “إنْ أَرَدْنا”. و “إنْ” نافيةٌ ولِذلكَ وَقَعَ بَعْدَها “إلا”. و “الحُسْنى” صِفَة لموصوفٍ محذوفٍ أي: إلاَّ الخَصْلةَ الحُسْنى أَوْ إلاَّ الإِرادةَ الحُسْنى. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: ما أَرَدْنا بِبناءِ هَذا المَسْجِدِ إلاَّ الخَصْلةَ الحُسْنى، أَوْ إلاَّ لإِرادةَ الحُسْنى وهيَ الصَلاةُ. قالَ الشيخُ أبو حيّانَ الأندلسيُّ: كأَنَّهُ في قولِهِ: (إلاَّ الخَصْلَةَ الحُسْنى) جَعَلَهُ مَفْعولاً، وفي قولِهِ: (أَوِ لإِرادَةَ الحُسْنى) جَعَلَهُ عِلَّةً فكأنَّه ضَمَّن “أراد” مَعْنى قَصَدَ، أَيْ: ما قَصَدوا بِبِنائِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْياءِ إلاَّ لإِرادَةِ الحُسْنى. قال: وهذا وَجْهٌ مُتَكَلَّفٌ.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 106


وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(106)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ} وآخرون: أَيْ: ومِنَ المُتَخَلِّفين مِنْ أَهْلِ المدينةِ ومَنْ حولَها مِنَ الأَعْرابِ قومٌ آخَرونَ غَيرُ المُعْتَرِفين المَذْكورينَ مِنَ المُتَخَلِّفينَ، تَخَلَّفُوا مِنْ غيرِ عُذْرٍ، ولمْ يَقدِّموا عُذْراً يُعتدُّ بِه، وهؤلاءِ مُؤَخَّرونَ لأَمْرِ اللهِ في شَأْنِهم؛ وهُمْ: مَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، قالَهُ مجاهدٌ فيما أَخْرَجه عنه ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ. وعليهِ أكثرُ المفسِّرين، وقدْ تَقدَّمَ ذكرُهم.
فقد قَعَدُ هؤلاءِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَعَدَ كَسَلاً، وَمَيْلاً إِلَى الرَّاحَةِ، لاَ شَكّاً وَلاَ نِفَاقاً ولا كَراهِيَةً للجِهادِ، ولكنَّهم شُغِلُوا عِنْدَ خُروجِ الجَيْشِ وهُمْ يَحْسَبونَ أَنَّهم يَلْحَقونَهُ، وانْقَضَتِ الأَيَّامُ وأَيِسُوا مِنَ اللَّحاقِ. وسَأَلَ عَنْهُمُ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُو في تَبُوك، فلَمَّا رَجَعَ أَتَوْهُ وصَدَّقوهُ، فلم يُكَلَّمْهُم، ونَهى المُسْلِمينَ عَنْ كَلامِهم ومُخالَطَتِهم، وأَمَرَهم باعْتِزالِ نِسائهم، فامْتَثَلوا، وبَقُوا كَذلِكَ خمسينَ لَيْلَةً، فَهُمْ في تِلكَ المُدَّةِ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ. وفيهم أُنْزِلَ قولُهُ: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} إلى قوله: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} الآية: 117 ـ 119. مِنْ هَذِهِ السورة المباركة، وفيهم أَيْضاً نَزَلَ قولُهُ تعالى في سورة المائدة: {ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ} الآية: 71. وقد أَوْرَدْنا هناك قصَّة كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مُفَصَّلةً كما رَواها البخاريُّ. وكان قالَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَا أَفْرَهُ أَهْلِ المَدينَةِ جَمَلاً، فمَتى شِئْتُ لَحِقْتُ الرّسُولَ، فَتَأَخَّرَ أَيَّاماً وأَيَسَ بَعدَها مِنَ اللَّحوقِ بِهِ، فَنَدِمَ على صَنِيعِهِ، وكَذلِكَ صاحباهُ.
والجهادُ في غَزوةِ تبوكٍ كان جهادَ طَلَبٍ لا جهادَ دَفْعٍ، أي لم تكن أرض المسلمين وديارُهم مهاجمة من قبل الأعداء، فهو فرضُ كفايةٍ لا فرضُ عَينٍ، وإنَّما كان واجباً على الأَنصارِ وحدَهم ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، لأنهم بايعوا رسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، على ذَلِكْ، ولذلك قالَ راجزهم في غزوةِ الخندق فيما رواه الشيخان عن أنس وغيره:
نحن الذين بايعوا محمدا …………………. على الجهادِ ما بَقينا أبدا
وفي رواية: (على الإسلام)، وكانوا جميعاً يرددونَ ذلك خلفه. وهؤلاءِ الثلاثةُ المذكورون آنفاً هم مِنْ أَجِلَّةِ الأنصار ـ رضي اللهُ عنهم، فكانَ تَخَلُّفُهم كَبيرةً.
قولُهُ: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} إمَّا أَنْ يُعذِّبَهم، إنْ بَقوُا على ما هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وقيلَ: إنْ أَصَروا على النِفاقِ، وليسَ بِذاكَ، فإنَّ المَذْكورينَ لَيْسُوا مِنَ المُنافقين. وعذابُهم أَنْ يُميتَهم على حالِهم، أَوْ أنْ يَأْمُرَ بِعذابهم إذا لم يَعْلَمْ صِحَّةَ تَوبَتِهم. “وإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهم” إنْ خَلصتْ نِيَّتُهم، وصَحَّتْ تَوبَتُهم، بِأَنْ يَعْلَمَ صِدْقَ تَوْبَتِهم فيُطَهِّرَ ما فيهم، أَوْ يَعْفو عَنْهم ويَصْفَحُ عَنْ ذُنوبهم. والمقَصودُ تَفْويضُ ذَلِكَ إلى إرادة الله ومَشيئَتِهِ، فإنَّهُ سبحانَه، لا يَجِبُ عَلَيْهِ تعذيبُ العاصي، كما لا تَجِبُ عليْهِ المَغْفِرَةُ للتائبِ.
قولُهُ: {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، وَيُرَبِّيهِمْ وَيُزَكِّيهِمْ، عليم بما يَؤولُ إلَيْهِ حالُهم، وَهُوَ حَكيمٌ فيما فَعَلَهُ مِنْ إرْجائهم، حَكِيمٌ فِيما شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ أَحْكامٍ.
قولُهُ تَعالى: {وآخرون مُرْجَوْن لأمرِ اللهِ} آخرون: رَفْعٌ على الابْتِداءِ، و “مُرْجَوْنَ” خَبرُهُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ على قولِهِ قَبْلَ ذلِكَ: {وآخرون} الآية: 84. و “لأَمْرِ” هذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ “مُرْجَوْنَ”.
قوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} إمَّا: للتَنْويعِ والتَفْصيلِ عَلى مَعْنى أَنَّ أَمْرَهم دائرٌ بَينَ هَذَيْنِ الأَمْرينِ، وقيلَ هِيَ هُنا للشَكِّ بالنِسْبَةِ إلى المخاطَبِ، أو للإِبهام بالنسبة إلى أَنَّه أُبْهِمَ على المخاطَبين. و “يُعَذِّبُهُمْ” يجوزُ أَنْ تَكونَ هذِهِ الجُمْلَةُ في محَلِّ رَفْعٍ خَبَراً، وعلى هذا يَكونُ “مُرْجَوْن” نَعْتاً للمُبْتَدأِ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ خَبَراً بَعْدَ خَبَرٍ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ، أَيْ: هُمْ مُؤَخَّرون: فإمَّا مُعذَّبين وإمَّا مَتُوباً عليهم.
قولُه: {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} هَذِهِ الجُملةُ في محلِّ نَصْبِ على الحالِ كسابقتها، أَيْ: وآخرونَ ومِنْهم هؤلاءِ إمَّا مُعَذَّبين وإمَّا مَتوباً عليهم.
قرأ أَهْلُ المَدينَةِ، وأَهْلُ الكَوفَةِ، غيرَ أَبي بَكْرٍ: نَافعٌ، والأَعرَجُ وشَيْبَةُ ابْنُ نِصاحٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ ـ رَضيَ اللهُ عنْهُما، وأَبو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ، والحَسَنُ: {مُرْجَوْنَ} مِنَ أَرْجى يرجي، دونَ هَمْزٍ، وقرأَ ابْنُ كَثيرٍ وأَبو عَمْرو، وابنُ عامرٍ، وأَهْلُ البَصْرَةِ، وأَبو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: “مُرْجَؤُون” بهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ، مِنْ أَرْجَأَ يُرجِئُ، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ، وهذا كَقراءتِهم في الأَحْزابِ: {تُرْجِئ} بالهمزة. وهما لُغَتانِ، يُقالُ: أَرْجَأْتُه وأَرْجَيْتُه كأَعْطيتُه. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونا أَصْلَيْنِ بِنَفْسَيْهِما، وأَنْ تَكونَ الياءُ بَدَلاً مِنَ الهَمْزَةِ، ولأنَّ تحقيقَها قَدْ عُهِد كَثيراً، ك “قَرَأْت” وقَرَيْتُ، و “توضَّأْت” و “توضَّيْت”. وأَنْكَرَ المُبرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخيرِ، وليسَ الأمرُ كما قالَ. وقد سُمِّيَتِ المُرْجِئَةُ بهذا الاسْمِ لأنَّهم لا يَجْزِمونَ القولَ بمغفرةِ التائِبِ ولكنْ يُؤخِّرونَها إلى مَشيئَةِ اللهِ تَعالى. وقالَ الأُوزاعيُّ: سُمّوا بذلك لأنَّهم يُؤَخِّرونَ العَمَلَ عَنِ الإيمانِ.
وقرَأَ العامَّةُ: {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وقرِئَ واللهُ غَفُورٌ رَحيم، قالَهُ أبو السعود العمادي في تفسيره.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 105


وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(105)
قولُه ـ تعالى جَدُّهُ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} ما شئتم مِنْ خَيرٍ أَوْ شَرٍّ، ” فإنَّ اللهَ تعالى لا يخفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ عملِكم؛ خيراً كان أَوْ شَرًّاً وفي هَذَا وَعدٌ من اللهِ تعالى لمن أطاعه، ووعِيدٌ لِمَنْ خَالَف أَوَامِرَهُ، وَتَحْذِيرٌ لَهُمْ بِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ سَتُعْرَضُ عَلَيهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، والظاهرُ أَنَّ المُرادَ بها الذين اعْتَذَروا ولم يتوبوا مِنَ المُتَخَلِّفين، فهُمُ الذينَ في ضَمير {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهُمُ المُتَوَعَّدون.
وهذا كلامٌ جامع للتَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ المعبودَ إذا كان لا يعلمُ أَفْعالَ العِبادِ لمْ يَنْتَفِعِ العبدُ بِفْعْلِهِ أَبَداً، ولهذا قال إبْراهيمُ ـ عليه السلامُ، لأَبيهِ: { يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} سورة مَريم، الآية: 42.
وقد جاءَ في السُنَّةِ المطهَّرةِ قولُهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ، بادِرُوا بالأَعْمالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، الكَيِّسُ مَنْ دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لما بَعْدَ المَوْتِ، يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ اعْمَلْ لا أُغْني عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يا فاطِمَةُ بِنْتَ محمَّدٍ اعْمَلي لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً)) إلى غير ذلك. وإذا نَظَرَ العَبْدُ إلى هذِه النُصوصِ لا يَسَعُهُ إلاَّ أَنْ يَرُدَّ أَعمالَ العِبادِ الاخْتِيارِيَّةِ إليْهِم مُعْتَقِداً أَنَّهم يَسْتَحِقّونَ ثَوابها إنْ أَحْسَنُوا، وعِقابها إنْ أَساؤوا، ويُظاهِرُ هذِه الأَدِلَّةَ النَقْلِيَّةَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ شاهِدةٌ بِعدالَةِ اللهِ وحِكْمَتِهِ، لأنَّ العبدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِداً لما اخْتَارَ مِنْ أَعْمالِهِ لَما كانَ ثَمَّةَ وَجْهٌ لاسْتِحْقاقِهِ المَثُوبَةَ، أَوِ العُقوبَةَ، وكَيْفَ يُثابُ أَوْ يُعاقَبُ عَلى ما لَيْسَ لَهُ ولمْ يَصْدُرْ مِنْهُ. قالَ محمَّدُ بْنُ أَشْرَفِ القَيروانيُّ:
غيري جَنى وأَنَا المُعاقَبُ فِيكُمُ ……………….. فكأنَّني سَبّابَةُ المُتَنَدِّمِ
والرُؤيَةُ المُسْنَدَةُ إلى الله تَعالى رُؤيَةٌ مجازِيَّةٌ. وهيَ تَعَلُّقُ العِلْمِ بالواقِعاتِ سواءً كانَتْ ذَواتَ مُبْصَراتٍ أَمْ كانَتْ أَحْداثاً مَسْموعاتٍ ومعانيَ مُدْرَكاتٍ، تَدُلُّ على كَوْنِهِ تَعالى رائياً للمَرْئِيَّاتِ، لأنَّ الرُؤْيَةَ التي تتعدَّى إلى مَفْعولٍ واحدٍ، هِي الإبْصارُ، والتي تتعدَّى إلى مَفْعولَينِ هِيَ العِلْم، كما تَقولُ رَأَيْتُ زَيْداً فَقِيهاً، وهَهُنا الرُؤْيَةُ مُعَدَّاةٌ إلى مَفْعولٍ واحِدٍ فَتَكونُ بمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ على كَونِهِ مُبْصِراً للأَشْياءِ. وممَّا يُقَوّي أَنَّ الرُؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حمْلُها هَهُنا على العِلْمِ، أَنَّهُ تَعالى وَصَفَ نفسَهُ بالعِلْمِ بَعْدَ ذلك في هذِهِ الآيةِ فقالَ: “وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة” ولو كانَتْ هذِهِ الرُؤيَةُ هِيَ العِلْمُ للَزِمَ حُصُولُ التَكْريرِ الخالي عَنِ الفائدَةِ، وهو باطِلٌ. ثمَّ إنَّه تَعالى عَدَّى هَذِهِ الرُؤيَةَ إلى عَمَلِهم، والعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلى أَعْمالِ القُلوبِ، كالإراداتِ، والكَراهاتِ، والأَفْكارِ. وإلى أَعْمالِ الجَوارِحِ، كالحركاتِ، والسَكَنَاتِ. فوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى رائياً للكُلِّ وذلكَ يَدُلُّ على أَنَّ هَذْهِ الأَشْياءَ، كلَّها مَرْئِيَّةٌ للهِ تَعالى. ورُؤيَةُ اللهِ تَعالى حاصِلَةٌ في الحالِ والاستقبالِ. والمعْنى الذي يَدُلُّ عَلَيْهِ “فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ” أَمْرٌ غَيرُ حاصِلٍ في الحالِ، لأنَّ السِينَ تَخْتَصُّ بالاسْتِقْبالِ وحسبُ. وهذا مَنَ المستحيلِ لأنَّ علمَ اللهِ غيرُ مقيَّدٍ بزمنٍ، فَثَبَتَ أَنَّ المُرادَ مِنْهُ الجَزاءُ عَلى الأَعْمالِ، وهذا إنَّما يكونُ في المستقبل.
وإذا حمَلْنا قولَهُ تَعالى: “فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ” على الرُؤْيَةِ، فحينئذٍ يَظْهَرُ أَنَّ مَعناهُ مُغايِرٌ لمَعنى قولِهِ: “وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة” وإذا حمَلْنا تِلْك الرُؤْيَةِ على العِلْمِ، أَوْ على إيصالِ الثَوابِ جَعَلْنا قولَهُ: “وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة” جارياً مُجْرى التَفْسيرِ لِقَوْلِهِ: “فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ” أيْ: بإظْهارِ المَدْحِ والثَنَاءِ والإعزازِ في الدنيا، أَوْ بإظْهارِ أَضْدادِها. وقولُهُ: “وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة” معناهُ: ما يَنْظُرُهُ في القِيامَةِ مِنْ حالِ الثَوابِ والعِقابِ.
قولُه: {وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} كذلِكَ فإنَّ الرُؤْيَةَ المُسْنَدَةَ إلى الرَّسولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمؤمِنينَ هي المَعْنى المَجْزِيَّ لِقَوْلِهِ تعالى: “عَمَلَكُمْ”. فالمعنى وُصولُ خَبرِ ذلكَ العَمَلِ إلى الكُلِّ. قالَ ـ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: ((لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِلَ عَمَلاً في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لا بابَ لها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائناً ما كانَ)) أَخْرَجَهُ: أحمدُ، وأَبو يَعْلى، وابْنُ حِبَّان، والحاكمُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمان، وابْنُ أَبي الدُنيا في الإِخْلاصِ، والضِياءُ المَقْدِسِيُّ في المُخْتارَةِ، عَنْ أَبي سَعيدٍ الخدريِّ ـ رضي اللهُ عنه، ورُؤيةُ الرَسُولُ والمؤمنين لأَعْمالِ هَؤلاءِ لِوجهين: الأوَّلُ: أَنَّ أَجْدَرَ ما يَدْعو المرْءَ إلى العَمَلِ الصالحِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ المَدْحِ والتَعْظيمِ والعِزِّ الذي يَلْحَقُهُ عِنَدَ ذَلِكَ، فإذا عَلِمَ أَنَّهُ إذا فَعَلَ كَذا وكذا عَظَّمَهُ الرَّسولُ والمؤمنون، عَظُمَ فرَحُهُ بِذلِكَ، وقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فيهِ، وممّا يُنَبِّهُ عَلى هَذِهِ الدَقيقَةِ أَنَّهُ ذِكْرُ رُؤْيَةِ اللهِ تَعالى أَوَّلاً، ثمَّ ذَكَرَ بعَدَها رُؤْيَةَ الرَّسُولِ ـ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمؤمِنينَ، فَكَأَنَّهُ قيلَ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُحِقِّينَ المُحَقَّقينَ في عُبُودِيَّةِ الحَقِّ سبحانَه، فاعْمَلِ الأَعْمالَ الصالحةَ للهِ تَعالى، وإنْ كُنْتَ مِنَ الضُعَفاءِ المَشْغولينَ بِثَناءِ الخَلْقِ فاعْمَلِ الأَعْمالَ الصالحةَ لِتَفوزَ بِثَناءِ الرَسولِ والمُؤمِنين. والثاني: أَنَّ المُؤمنين هُمْ شُهَداءُ اللهِ تعالى يَوْمَ القيامَةِ، قال في سورةِ البَقَرَةِ أَيْضاً: {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لتكونوا شهداءَ على الناسِ ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً} الآية: 143، والرَسُول شَهيدٌ على الأُمَّةِ، كما قالَ في سورةِ النساءِ أيضاً: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً} الآية: 41. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنَيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَجَبَتْ))، ثُمَّ مُرَّ بِجِنَازَةِ أُخْرَى، فَأَثْنى عَلَيْهَا بَعْضُ النَّاسِ الثَّنَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَجَبَتْ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرَّ بِجِنَازَةِ الأُولَى، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرَّ بِالآخِرَةِ فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الْمَلائِكَةَ شُهَدَاءٌ فِي السَّمَاءِ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، فَمَا شَهَدْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ وَجَبَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”.
فَثَبَتَ أَنَّ الرَسُولَ والمؤمِنين شُهَداءُ اللهِ على الناسِ يومَ القِيامَةِ، ولا تَصحُّ الشهادةُ إلاَّ بَعْدَ الرُؤْيَةِ، فلذك ذَكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ أَنَّ الرَسُولَ والمؤمنين يَرَوْنَ أَعْمالهم، والإشارة إلى أَنَّهم يَشْهَدونَ يَومَ القِيامَةِ عِنْدَ حُضُورِ الأَوَّلينَ والآخِرينَ، ذلك لأَنَّهم أَهْلُ الصِدْقِ والسَدادِ والعَفافِ والرَشادِ.
وثمَّ فائدةٌ أُخْرى من رؤيَةِ الرسولِ والمؤمنينَ لأعمالِ هؤلاءِ، وهو ما يترتَّبُ على هذه الرؤيةِ من أحكامٍ شرعيَّةٍ في الدنيا، فإذا كانتْ أَعْمالُهُم أعمالَ المؤمنينَ، عوملوا كمؤمنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإنْ كانت غيرَ ذلكَ، عوملوا في الدنيا معاملة غير المؤمنين. خاصةً ما يتعلَّق بأحكامِ النكاحِ الإرْثِ والغنيمةِ والفيءِ والدفْنِ في مَقابِرِ المُسْلِمين، وغير ذلك من أحكامٍ مبيَّنَةٍ في مكانها.
قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} وعدٌ ووَعيد بأَنَّهُمْ سَيُرَدُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى اللهِ، الذِي يَعْلَمُ الغَيْبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الشَاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ جَمِيعاً، فَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ. ويجازي كلاً بما قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: (“الغَيْبُ” ما يُسِرّونَهُ، و “الشهادةُ” ما يُظْهِرونَهُ). ولا يَبْعُدُ أَنْ يَكونَ “الغَيْبُ” ما حَصَلَ في قُلوبهم مِنَ الدواعِي والصَوارِفِ، و “الشهادة” الأَعمالُ التي تَظْهَرُ على جَوارِحِهم. ومَذْهَبُ حُكْماءِ الإسْلامِ أَنَّ المَوْجوداتِ الغائبةِ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ أَوْ كالعِلَلِ للمَوْجوداتِ المحسوساتِ، والعِلْمُ بالعِلَّةِ عِلَّةٌ للعِلْمِ بالمَعْلولِ. فوَجَبَ كَوْنُ العِلْمِ بالغَيْبِ سابِقاً على العِلْمِ بالشَهَادَةِ، فلِهذا السَبَبِ أَيْنَما جاءِ هَذا الكلامُ في القُرآنِ الكريمِ رأيتَ الغَيْبُ مُقَدَّماً عَلى الشَهَادَةِ.
قولُه: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} المعنى يُعَرِّفُكم أَحْوالَ أَعْمالِكم ثمّ يُجازيكم عَلَيْها، لأَنَّ المُجازاةِ مِنَ اللهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في الآخِرَةِ إلاَّ بعدَ التَعريف. لِيَعْرِفَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ الذي وَصَلَ إِلَيْهِ عَدْلٌ لا ظُلْمٌ، فإنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الثَوابِ كانَ فَرَحُهُ وسَعادَتُهُ أَتَمَََّ، وإنْ كانَ مِنْ أَهْلِ العِقابِ كانَ غَمُّهُ وخُسْرانُهُ أَعَمَّ.
وقالوا: المرادُ مِنْ قولِهِ تَعالى: “فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ” الإشارةُ إلى الثوابِ الرُوحانيِّ، وذَلِكَ لأنَّ العَبْدَ إذا تَحَمَّلَ أَنْواعاً مِنَ المَشاقِّ في الأُمورِ التي أَمَرَهُ بها مَوْلاهُ، وعَلِمَ أَنَ مَولاهُ يَرى تحَمُّلَهُ لِتَلْكَ المَشاقِّ، عَظُمَ فَرَحُهُ وتَمَّ سرورُهُ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَلَذَّ مِنَ الخُلَعِ النَفِيسَةِ والأَمْوالِ الكثيرة. والمُرادُ من قولِه: “وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة” تعريفُ عِقابِ الخِزْيِ والفَضيحَةِ. ومِثالُهُ أَنَّ العبدَ الذي خَصَّهُ السُلْطانُ بوجوهٍ كثيرةٍ مِنَ الإحسانِ وأَتى بأَنْواع كَثيرةٍ مِنَ المعاصي، فإنَّه إذا حَضَرَ عندَ السُلْطانِ وعدَّدَ عَلَيْهِ أَنْواعَ قبائِحِهِ وفضائحِهِ، اشتدَّ حُزْنُهُ، وعَظُمَ غَمَّهُ وتمَّتْ فَضيحَتُه، وهذا نَوعٌ مِنَ العذابِ الرُوحانيِّ، ورُبّما وَجَدَ العاقِلُ أَشَدِّ أَنْواعِ العَذابِ الجِسْمانيِّ أسهلَ مِنْهُ. والمقَصودُ مِنْ هَذِهِ الآيةِ تَعريفُ هذا النَوْع من العقابِ.
قولُهُ تَعالى: {فَسَيرى اللهُ} جملةٌ مَعْطوفَةٌ على جملَةِ “اعملوا” في محَلِّ نَصْبٍ، وجملَةُ “ستردُّون” مَعْطُوفَةٌ على جملةِ “فسيرى الله”.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 104


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
(104)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى التَّصَدُّقِ، وَعَلَى التَّوْبَةِ، وَهُمَا الوَسِيلَتَانِ الَّلتَانِ يَحُطُّ بِهِمَا الذُّنُوبَ عَنْ عِبَادِهِ،
قولُهُ: {وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} معناهُ يَأْمُرُ بها ويَشْرَعُها، كَما يُقالُ: أَخَذَ السُلْطانُ مِنَ النَّاسِ العهدَ لابْنِهِ مِنْ بَعْدِهِ مَثَلاً، فإنَّ المعنى: أنَّه حمَلَهم عَلى مبايعَتِهِ. أَوْ أنَّ المعنى: يَقْبَلُ الصدَقاتِ من عباده، فقد ورَدَتْ أَحاديثُ كثيرة في أَخْذِ اللهِ صَدَقَةَ عَبيدِهِ، مِنْها قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، الذي رَواهُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبي قَتادَةَ المُحارِبيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رضي اللهُ عنه: قَالَ: مَا مِن رَجُل يَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ إِلاَّ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ, وَقَرَأَ: “أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ”. إتحافُ الخِيرَةِ المَهَرَة: (3/34) ورَواهُ مُسَدَّد مَوقوفًا. وأَخْرَجهُ عبدُ الرَزَّاقِ، والحَكيمُ التِرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصولِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، والطَبرانيُّ.
وأخرج عبدُ الرزّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ مِنْ الطَّيِّبِ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ، وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَعُودَ فِي يَدِهِ مِثْلَ الْجَبَلِ)). ومُسْنَدِ أَحمد: (22/100).
وأخرجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضي اللهُ عنه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ طَيِّبَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلاَّ طَيِّباً، ولا يَصْعَدُ إلى السَماءِ إلاَّ طَيِّبٌ، فيَضَعُها في حَقِّ، إلاَّ كانَتْ كأَنَّما يَضَعُها في يَدِ الرَحمنِ، فيُرْبِيها لَهُ، كَما يُرْبي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حتَّى أَنَّ اللُّقْمَةَ، أَوِ التَمْرَةَ لَتَأْتي يَوْمَ القيامَةِ مِثْلَ الجَبَلِ العَظيمِ، وتَصْديقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ العَظِيم: “أَلم يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَدَقاتِ”)). ونحوُ هذا مِنَ الأَحاديثِ الّتي تُعَبِّرُ عَنْ قَبولِ صَدَقَةِ العَبْدِ والتَحَفِّي بها.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} يُخْبِرُ اللهُ أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الذِي يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ إَلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وهو تَأْكيدٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وزيادةُ تَقْريرٍ لِما يُقَرِّرُهُ، مَعَ زيادَةِ مَعنى لَيسَ في الأوّلِ، أيْ: أَلمْ يَعْلَموا أَنَّهُ المُخْتَصُّ المُسْتَأْثرُ بِبُلوغِ الغايَةِ القُصْوى مِنْ قَبولِ التَوْبَةِ والرَحمةِ، وأَنَّ ذلكَ مِنْهُ سُبْحانَهُ، سُنةٌ ماضيةٌ، وشَأْنٌ لَهُ دائمٌ.
أخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ في سَبَبِ نُزولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رضي اللهُ عنهُ قالَ: قالَ الآخَرونَ: هؤلاءِ كانوا مَعَنا بالأَمْسِ، لا يُكَلَّمونَ ولا يُجالَسُونَ، فما لَهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: “ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده … ” الآيةَ.
قولُهُ تَعالى: {ألم يعلموا} المرادُ بالضَميرُ في “يَعْلَموا” هُمُ الذين لم يَتُوبوا مِنَ المُتَخَلِّفين، وذَلِكَ أَنَّهم لمّا تِيبَ على بَعْضِهم قالَ الآخرونَ: ما هَذِهِ الخاصَّةُ التي خُصَّ بها هَؤلاءِ؟ فنَزَلَتْ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ الضَميرُ في “يعلموا” يُرادُ بِهِ الذينَ تابُوا وَرَبَطُوا أَنْفُسَهم.
قولُه: {هُوَ يَقْبَلُ} هو: مُبْتَدأٌ، و “يَقْبَلُ” خَبَرُهُ، والجُمْلةُ خَبَرُ “أَنَّ”، و “أنَّ” وما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعولَينِ، أَوْ مَسَدَّ الأَوَّلِ. ولا يَجوزُ أَنْ يَكونَ “هو” فَصْلاً لأَنَّ ما بَعْدَهُ لا يُوهِمُ الوَصْفِيَّةَ، وقد تحرَّرَ مِنْ ذَلِكَ فيما تَقَدَّمَ.
و “هُوُ” ضميرُ فصلٍ لتَأْكيدِ انْفِرادِ اللهِ ـ سَبْحانَهَ وتَعالى، بهذِهِ الأُمورِ، وتحقيقٌ لَهُ.
قولُهُ: {عَنْ عِبَادِهِ} مُتَعَلِّقٌ بِ “يَقْبَل”، وقيل إنَّما تَعَدَّى بِ “عن” لأنَّ مَعْنى “مِنْ” ومعنى “عَنْ” مُتَقارِبانِ. فكثيراً ما يتعدّى في مَوْضِعٍ واحدٍ بهما معاً في نحوِ قولِكَ: لا صَدَقةَ إلاَّ عَنْ غَنيٍّ، ولا صدقة إلاَّ مِنْ غَنيٍّ. وتقول: فعلَ ذلكَ فُلانٌ مِنْ أَشَرِهِ وبَطَرِهِ، وعَنْ أَشَرِهِ وبَطَرِهِ. وقِيلَ: لَفْظَةُ “عن” تُشْعِرُ ببُعْدٍ مّا، فقولُك: جَلَسَ عَنْ يميني، أَيْ مَعَ بعضٍ مِنَ البُعْدِ قليلاً كان أَوْ كَثيراً لكن من المؤكَّدِ أنَّ ثمّةَ مسافة بينكما لكنها ليست بالبعيدةِ. والظاهِرُ أَنَّ “عَنْ” هُنا للمُجاوَزَةِ، أي: هي على بابِها. والمعنى: يَتَجاوَزُ عَنْ عبادِهِ بِقَبُولِ تَوبَتِهم، فإذا قُلْتَ: أَخَذْتُ العِلْمَ عَنْ فلانٍ، فمَعْناهُ المجاوَزَةُ، وإذا قلتَ: مِنْ فلانٍ، فمَعْناهُ ابْتِداءُ الغايَةِ.
قَرَأَ الجُمهورُ: {أَلم يَعْلَموا} بِضَميرِ الغائبِ، وقَرَأَ الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَنِ بخِلافٍ عَنْهُ: “ألم تَعْلَمُوا” على مَعنى قُلْ لهم يا محمَّدُ “ألم تعلموا”، وكذلَكَ هِي في مُصْحَفِ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ، بالتاءِ مِنْ فَوْقِ.
وهنا لا بدَّ من أنْ نُكرِّرَ المُلاحَظةَ بِأَنّهُ مِنَ المقْطوعِ بِهِ أَنَّهُ لم يَكُنْ في حِينِه تَشْكيلٌ للمُصْحَفِ ولا ضَبْطٌ، ولذلِكَ فَقولُهُم: (في مُصْحَفِ أُبيٍّ، أو غيرِهِ) عَنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بالنَقْطِ أوِ الشَكْلِ إنّما هو محْمولٌ عَلى أَنّها قِراءَةٌ مَأْخوذَةٌ عَنْهُ مُشافَهَةً.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 103


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(103)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ الذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ البُخْلِ، وَالطَّمَعِ، وَالقَسْوَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَتُزَكِّي بِهَا أَنْفُسَهُمْ، وَتَرْفَعُهُمْ إِلَى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ حَتَّى يَكُونُوا أَهْلاً لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. و “تُزَكِّيهِمْ بِهَا” تُنَمِّي بِهَا حَسَنَاتِهِمْ وَأَمَوالَهُمْ. ولم يُقَيِّدهُ بِشَرْطٍ في المَأْخوذِ والمأْخوذِ مِنْهَ، ولا بَيَّنَ مِقْدارَهُ، فهُوَ أَمرٌ مُطْلَقٌ، وإنَّما جاءَ بيانُ ذَلِكَ في السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ وإجماعِ الأُمَّةِ.
وهذا الخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ، فَلا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ سِوَاهُ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا سُقُوطُهَا تَكْلِيفِهَا وَزَوَالُه بِمَوْتِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ مَانِعُو الزَّكَاةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وقَالُوا: إنَّما كَانَ النبيُّ يُعْطِينَا التَّطْهِيرَ وَالتَّزْكِيَةَ والصلاةَ علينا عِوَضًا عَنْهَا، وَقَدْ عَدِمْنَاهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقال َ الحطيئةُ في ذلك:
أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا ………. فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ
أَيورِثُها بَكراً إذا ماتَ بعدَهُ …………. فتِلكَ لعمْرُ اللهِ قاصمةُ الظّهرِ
وَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمْ فَمَنَعْتُمْ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنْ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ ……..كِرَامٌ عَلَى الضَّرَّاءِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
فانْتَخَتِ بعضُ قبائلِ العَرَبِ لِقولِهِ وأَنِفَتْ مِنْ طاعَةِ أَبي بَكْرٍ، وَلهَذَا وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ لِعُمَرَ بْنِ الخطّاب ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ أَشَارَ عَلَى أَبي بَكْرٍ بِقَبُولِ الصَّلاةِ مِنْهُمْ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ، حَتَّى تَسْكُنَ سَوْرَةُ الْخِلافِ؛ فَشَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْحَقِّ، وَقَالَ: وَاَللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ فِي الْمَالِ، وَاَللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ عُمَرُ: فَوَ اَللهِ مَا هُوَ إلاَّ أَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحقُّ. وَإنّما عَمِلَ الصِّدِّيقُ، بقُولِهِ تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}؛ فَشَرَطَ إقامَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ، لِتَحقُّقِ الْعِصْمَةَ. وَقد كانتْ حجَّةَ الفاروقِ قولُ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ)). وهو ثابِتٌ في الصَحيحين وغيرِهما. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ حِينَ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إلاَّ بِحَقِّهَا)). فَشَرَحَ اللهُ صَدْرَ الفاروقِ إلى الحقِّ فأَذْعَنَ له. وَيؤيِّدُ ما ذَهَبِ إليْهِ الصِدِّيقُ قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، في حَدِيثٍ صَحِيحٍ آخَر: ((أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فإذا فَعَلُوا ذلِكَ عَصَمُوا مِني دِماءَهم وأَمْوالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا, وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ)). رواهُ البيهقيُّ في السُنَنِ الكُبْرى: (8/307) عن أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنه، ورواه أبو يعلى في مُسْنَدِهَ: (1/69)، و الدار قُطني في سننه: (2/ 89)، ورواه غيرُهم وقال ابنُ العربي في أحكام القرآن: (4/ 409) (وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ): فذكر الحديث.
ولم يُرِدِ الْخِطَابُ الْقُرْآنِيُّ بَابًا وَاحِدًا، وَإِنَّما اخْتَلَفَتْ مَوَارِدُهُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا فِي غَرَضِنَا هَذِهِ ثَلاثَةٌ:
الأَوَّلُ: خِطَابٌ تَوَجَّهَ إلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ، كَقَوْلِه تعالى في سورةِ المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ} الآية: 6. وَكَقَوْلِهِ في سورةِ البَقَرَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} الآيَة: 183. وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: خِطَابٌ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَما في قَوْلِهِ تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} سورة الإسراء الآية: 79. وَكَقَوْلِهِ تعالى فِي سورةِ الأَحْزَابِ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين} الآية: 50؛ فَهَذَانِ مِمَّا أُفْرِدَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا، وَلا يُشْرِكُهُ فِيهِمَا أَحَدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، لِمَا وَقَعَ الْقَوْلُ بِهِ كَذَلِكَ.
الثَّالِثُ: خِطَابٌ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَوْلاً وَيُشْرِكُهُ فِيهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ مَعْنَى وَفَعَلاً، كَقَوْلِهِ تعالى في سورة الإسراء: {أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل} الآية: 78. وَكَقَوْلِهِ تعالى في سورة النحل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} الآية: 98. وَكَقَوْلِهِ في سورة النساء: {وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُم .. } الآية: 102. فَكُلُّ مَنْ دَلَكَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلاةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مُخَاطَبٌ بِالاسْتِعَاذَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ خَافَ يُقِيمُ الصَّلاةَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. وَقَوْلُهُ: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” هو مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآمِرُ بِهَا، وَالدَّاعِي إلَيْهَا، وَهُمْ الْمُعْطُونَ لَهَا، وعلى فقرائهم إنفاقها، فإنها ليست للرسولِ خاصَّةً، وإنّما يَعُمُّ الجميعَ نَفْعُها. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ افتتاحُهُ تَعالى لسورِةِ الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِين}. وَعليه افتتاحُ سورة الطلاق: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ {وَأَحْصُوا الْعِدَّة}. وَقالَ تعالى مخاطباً نبيَّه: {فَإِنْ كُنْت فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين} سورة يونس، الآية: 94. وَمَا كَانَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، لِيَشُكَّ فيما ينزلُ عليه من ربِّه لحظةً واحدةً، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُوَ مَنْ شَكَّ مِنْ قريشٍ في القرآنِ الكريم زَمَنَ نزولِهِ.
قولُه: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} ثُمَّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ “وَصَلِّ عَلَيْهِمْ”، لأنًّ صَلاَةَ الرَّسُولِ رَحْمَةٌ بِهِمْ، وَرَاحَةٌ لأَنْفُسِهِمْ، و “سَكَنٌُ لَهُمْ” طُمَأْنِينَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ لَهُمْ.
ومِنْ مَجيءِ الصَلاةِ بمعنى الدُعاءِ قولُ الأَعْشى:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ يَمَّمْت مُرْتَحِلاً .. يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي .. نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجِعَا
قولُهُ: {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَاللهُ سَمِيعٌ: لاعْتِرَافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَسَمِيعٌ لِدُعَاءِ الرَّسُولِ لَهُمْ، “عَلِيمٌ” بِإِخْلاَصِهِمْ فِي تَوْبَتِهِمْ، وَنَدَمِهِمْ مِن هَذِهِ الذُّنُوبِ.
قولُهُ تَعالى: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} مِنْ: للتَبْعيضِ، وهذا الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ “خُذْ”. أوْ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفِ حالٍ مِنْ “صَدَقَة” إذْ هو في الأَصْلِ صِفَةٌ لها فلمَّا قُدِّمَ نُصِبَ حالاً.
قولُهُ: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} تُطَهِّرهم: يَجوزُ أَنْ تَكونَ التاءُ خِطاباً للنَبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعليه فالجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعلِ “خُذْ”، أَوْ صِفَةً لِ “صدقةً”، ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ حَذْفِ عائدٍ تَقديرُهُ تُطَهِّرُهم بها. وحُذِفَ “بها” لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْه.
ويجوزُ أَنْ تَكونَ للغَيْبَةِ، والفاعِلُ ضَميرُ الصَدَقَةِ. وعليه فالجُمْلَةُ صِفَةٌ لِ “صَدَقَة” لَيْسَ إلاَّ. وأَمَّا التاءُ في “وتُزَكّيهم” فهي للخِطابِ لا غيرَ لِقولِهِ “بها” فإنَّ الضَميرَ يَعودُ على الصَدَقَةِ، ولذلك فقد اسْتَحالَ أَنْ يَعودَ الضَميرُ مِنْ “تُزَكِّيهم” إلى الصَدَقَةِ، وعَلى هذا فَتَكون الجُمْلَةُ حالاً مِنْ فاعلِ “خُذْ” على قولِنا إنَّ “تُطَهِّرهم” حالٌ مِنْها، وإنَّ التاءَ فيهِ للخِطابِ. ويجوزُ أَيْضاً أَنْ تَكونَ صِفَةً إنْ قُلْنا إنَّ “تطهِّرهم” صفةٌ، والعائدُ مِنْها محْذوفٌ.
وجَوَّزَ مَكِّيٌّ أَنْ يَكونَ “تُطَهِّرهم” صِفَةً لِ “صَدَقَة” على أَنَّ التاءَ للغَيْبَةِ، و “تُزَكِّيهم” حالاً مِنْ فاعِلِ “خُذْ” على أَنَّ التاءَ للخِطابِ. وقَدْ رَدُّوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الواوَ عاطفةٌ، أيْ: صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكَّيَاً بها، ولَوْ كانَ بِغيرِ واوٍ جازَ. ووَجْهُ الفَسادِ ظَاهرٌ فإنَّ الواوَ مُشَرِّكَةٌ لَفْظاً ومَعْنىً، فلو كانَتْ “وتزكيهم” عَطْفاً على “تُطَهِّرهم” لَلَزِمَ أَنْ تَكونَ صِفَةً كالمعْطوفِ عَلَيْهِ، إذْ لا يجوزُ اخْتِلافُهُما، ولكنْ يَجُوزُ ذَلك عَلى أَنَّ “تزكِّيهم” خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، وتكونُ الواوُ للحالِ تَقديرُهُ: وأَنْتَ تُزَكِّيهم. وفيهِ ضَعْفٌ لِقِلَّةِ نَظيرِهِ في كَلامِهم.
فتَلَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الجُمْلَتَينِ يَجوزُ أَنْ تَكونا حالَيْنِ مِنْ فاعِلِ “خُذْ” على أَنْ تَكونَ التاءُ للخِطابِ، وأَنْ تَكونا صِفَتَينِ لِ “صدقةً”، على أَنَّ التاءَ للغَيْبَةِ، والعائدَ محذوفٌ مِنَ الأُولى، وأَنْ تَكونَ “تطهِّرهم” حالاً أَوْ صِفَةً، و “تزكِّيهم” حالاً على ما جَوَّزَهُ مَكِّيٌّ، وأَنْ تَكونَ “تزكِّيهم” خَبَرَ مُبْتَدَأٍ محْذوفٍ، والواوُ للحالِ.
قولُه: {سَكَنٌ لَهُم} السَّكَنُ: الطُمَأْنِينَةُ، قال مالكُ بْنُ أَسماءَ بْنِ
خارِجَةَ بْنِ حُصْنٍ في امْرَأَتِهِ حَبيبَةَ بِنْتِ أَبي جُنْدُبٍ الأَنْصارِيِّ:
يا جارةَ الحيِّ كُنْتِ لي سَكَناً ……….. إذ ليس بعضُ الجيرانِ بالسكَنِ
وبعده:
أَذْكُرُ مِنْ جارَتي وَمَجلِسِها …………….. طَرَائِفاً مِنْ حَديثِها الحَسَنِ
فَ “فَعَلَ” بمَعنى “مَفْعول”، كَ “قَبْضَ بمعنى “مَقْبوضٍ” والمعنى: يَسْكنون إليها. قالَ أَبو البَقاءِ: ولِذلكَ لم يُؤنِّثْهُ. لكنَّ الظاهَرَ أَنَّهُ هُنا بمَعْنى “فاعِل” لِقَوْلِه: “لهم”، ولو كانَ كما قالَ لَكانَ التَرْكِيبُ “سَكَنٌ إليها” أَيْ: مَسْكونٌ إليْها، فقدَ ظَهَرَ أَنَّ المعنى: مُسَكِّنَةً لهم.
قرأ الجمهورُ: {تُطهِّرُهم} مثقَّلاً. وقرأَ الحَسَنُ بْنُ أبي الحسَنِ: “تُطْهِرُهم” بسُكونِ الطاءِ، مُخَفَّفاً مِنْ “أَطْهَرَ” فعَدَّاهُ بالهَمْزَةِ.
وقَرَأَ الجمهورُ: ابْنُ كَثيرٍ، وأَبو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، في رِوايَةِ أَبي بَكْرٍ، وأبو جعفر، ويَعقوبُ: “إنّ صَلَواتِكَ” بالجمْعِ، وكذلِكَ في هُودٍ وفي المؤمنين.
وقرَأَ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحمزةٌ والكِسائِيُّ، وخَلَف: “إنَّ صَلاتك” بالإفْرادِ، وكذلك قرأَ حمزةٌ والكِسائيُّ في (هُودٍ) وفي (المؤمنون)، وقرأَ عاصِمٌ في (المؤمنون) وحدَها جمْعاً، ولم يختلفوا في سورتي: (الأنعام) و (سَأَلَ سائلٌ)، وهما قراءتان واضِحَتانِ، إلاَّ أَنَّ الصَلاةَ هُنا: الدُعاءُ، وفي تِيْكَ: العِبادَةُ. فَمَنْ قرأَ بالجَمْعِ أَفادَ جميعَ أَفرادِ الجِنْسِ بالمُطابَقَةِ لأنَّ الجَمْعَ المَعَرَّفَ بالإضافةِ يَعُمُّ، ومَنْ قَرَأَ بالإفْرادِ فُهِمت أفراد الجنس بالالتزام.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 102


وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(102)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ
تَعَالَى حَالَ المُتَخَلِفِينَ عَنِ الجِهَادِ تَكْذِيباً وَشكّاً، شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ كَسَلاً، مَعَ إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، فَقَالَ: وَهُنَاكَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقرُّوا بِهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ،
قولُهُ: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ خَلَطُوا بِهَا أَعْمَالاً سَيِّئَةً، هِيَ تَقَاعُسُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ ـ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ تبوك، وَقُعُودُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ،
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ أَبي الدُنْيا في التوبة، وابْنُ جَريرٍ في التفسير، وابْنُ المُنْذِرِ، وأَبو الشَيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ، عَنْ أَبي عُثْمان النَهْدِيِّ، قال: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدي لهذِهِ الأُمَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: “وآخَرونَ اعْتَرَفوا بِذُنوبِهم خَلَطوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سَيِّئاً”.
وأَخْرَجَ أَبو الشَيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: إني لأسْتَلْقي مِنَ الليلِ على فِراشِي، وأَتَدَبَّرُ القُرآنَ، فأَعْرِضُ أَعْمالي عَلى أَعْمالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فإذا أَعْمالُهم شَديدَةٌ {كانوا قليلاً مِنَ اللَّيلِ ما يَهْجَعون} سورة الذاريات الآية: 17. و {يَبيتونَ لِربهم سُجَّداً وقِياماً} سورة الفُرْقانَ، الآية: 64. و{أَمَّنْ هُو قانِتٌ آناءَ الليلِ ساجداً وقائماً} سورة الزمر، الآية: 9. فلا أَراني مِنْهم! فأَعْرِضُ نَفْسِي عَلى هَذِهِ الآيةِ: {ما سَلَكَكُمْ في سَقَر} و {قالوا لم نَكُ مِنَ المُصَلِّين} إلى قوله: {نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} سورة المدثر، الآيات: 42 ـ 46. فأَرَى القَوْمَ مُكَذِّبين فَلا أَراني مِنْهُم، فأَمُرُّ بهذِهِ الآيَةِ: “وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً” فأَرْجو أَنْ أَكونَ أَنا وأَنْتم يا إخوَتاهُ مِنْهم.
قولُهُ: {عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَهَؤُلاَءِ تَحْتَ عَفْوِ اللهِ وَغُفْرَانِهِ، وَقَدْ يُوَفِّقُهُمْ إلى التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ، فَيَقبلُ تَوبتَهم المَفهومةَ مِنِ اعْتِرافِهم بِذُنوبهم ويَغْفِرُ لَهُمْ لأنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، فيَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِ التائبِ، ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهُوَ تَعليلٌ لما تُفيدُهُ كَلِمَةُ “عسى” مِنْ وُجوبِ القَبولِ، فإنَّها للإطْماعِ الذي هُوَ مِنْ أَكْرَمِ الأَكْرَمين إيجابٌ وأَيُّ إيجابٍ.
وَرُوِيَ في أَسبابِ نزولِ هذه الآيةِ أَنَّ هَذِه ِالآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ غَزْوَتِهِ، رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ، وَحَلَفُوا لاَ يَحُلُّهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ، وَعَفَا عَنْهُمْ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، في الدَلائلِ، عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ: “وآخَرونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهم خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً” قال: “كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في غَزْوَةِ تَبوكٍ، فلَمَّا حَضَرَ رُجُوعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهم أَنْفُسَهُم بِسَواري المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرَّ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهم ، فلما رَآهُم قالَ: مَنْ هَؤلاءِ المُوثِقُونَ أَنْفُسَهم؟ قالوا: هذا أَبو لُبابَةَ وأَصحابٌ لَهُ تَخَلَّفوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللهِ، أَوْثَقوا أَنْفُسَهم وحَلَفوا أَنَّهم لا يُطْلِقُهم أَحَدٌ حَتى يُطْلِقَهُمُ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَعْذُرَهم. قالَ: وأَنَا أُقْسِمُ باللهِ لا أُطْلِقُهم ولا أَعْذُرُهُم حتّى يَكونَ اللهُ تَعالى هُوَ الذي يُطْلِقُهم. رَغِبوا عَنّي وتَخَلَّفوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمين، فلَما بَلَغَهم ذَلِكَ قالوا: ونَحنُ لا نُطْلَقُ أَنْفُسَنا حتَى يَكونَ اللهُ هُوَ الذي يُطْلِقُنا. فأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: “وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنه هو التوّاب الرحيم”، فلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَبِيُّ ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأَطْلَقَهم وعَذَرَهُم، فجاؤوا بِأَموالِهمْ فَقالوا: يا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أَمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بها عَنَّا واسْتَغْفِرْ لَنا. قال: ما أُمِرْتُ أَنْ آَخُذَ أَمْوالَكم. فأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتَزَكِّيهمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ} يَقولُ: اسْتَغْفِرْ لَهُم {إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لهم} يَقولُ: رَحمةُ لهم، فأَخَذَ مِنْهُمُ الصَدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لهمْ، وكانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنْهم لم يُوثِقوا أَنْفُسَهم بالسَّواري فأُرْجِئوا سَنَةً لا يَدْرونَ أَيُعَذَّبونَ أَوْ يُتابَ عَلَيْهم؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ {لَقْد تابَ اللهُ على النَبيِّ والمُهاجرين والأَنْصارِ الذَينَ اتَّبَعوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ} الآية: 117. إلى آخَرِ الآيةِ {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} الآية: 118. إلى {ثمَّ تابَ عَلَيْهم لِيَتُوبوا إنَّ اللهَ هُوَ التَوَّابُ الرَحيمُ} الآية: 118. يَعْني إنِ اسْتَقامُوا. وأَخْرَجَ أَبو الشَيْخَ مثلَ ذلك عَنِ الضَحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَلائلِ عَنْ مجاهِدِ في قولِهِ: “فاعْتَرَفوا بِذُنُوبهم” قال: هُوَ أَبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأَشارَ إلى حَلْقِهِ بِأَنَّ مُحَمَّداً يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُم على حُكْمِهِ. وأَخرجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَعيدِ بْنِ المُسَيّبِ. أَنَّ بَني قُرَيْظَةَ كانوا حُلَفاءَ لأَبي لُبابَةَ فَأَطْلَعوا إلَيْهِ وهُوَ يَدْعُوهم إلى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقالوا: يا أَبَا لُبابَةَ أَتَأْمُرُنا أَنْ نَنْزِلَ؟ فأَشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَبْحُ، فأُخْبِرَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بِذَلِكَ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((أَحَسِبْتَ أَنَّ اللهَ غَفَلَ عَنْ يَدِكَ حَينَ تُشيرُ إِلَيْهِمْ بها إلى حَلْقِكَ؟ فَلَبِثَ حِيناً حَتى غَزا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَبوكَ، وهيَ غَزْوَةُ العُسْرَةِ، فتَخَلَّفَ عَنْهُ أَبو لُبابةَ فِيمَنْ تَخَلَّفَ، فلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْها جاءَهُ أَبو لُبابَةَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ففزِعَ أَبو لُبابَةَ، فارْتَبَطَ بِسارِيَةِ التَوْبَةِ التي عِنْدَ بابِ أُمِّ سَلَمَةَ سَبْعاً مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ في حَرٍّ شَديدٍ لا يَأْكُلُ فِيهِنَّ ولا يَشْرَبُ قَطْرَةً، قال: لا يَزالُ هَذا مَكاني حَتَّى أُفارِقَ الدُنْيا أَوْ يَتُوبَ اللهُ عَليَّ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلْكَ حَتّى ما يَسْمَعُ الصَوْتَ مِنَ الجُهْدِ ورَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، يَنْظُرُ إليْهِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ثمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَنُودِيَ أَنَّ اللهَ قَدْ تابَ عَلَيْكَ، فأَرْسَلَ إليْهِ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِيُطْلِقَ عَنْهُ رِباطَهُ، فأَبى أَنْ يُطْلِقَهُ أَحَدٌ إلاَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فجاءَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأَطْلَقَهُ عَنْهُ بِيَدِهِ، فقالَ أَبو لُبابَةَ حِينَ أَفاقَ: يا رَسُولَ اللهِ إني أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي التي أَصَبْتُ فيها الذَنْبَ وانْتَقِلُ إلَيْكَ فأُساكِنُكَ، وإني أَخْتَلِعُ مِنْ مالي صَدَقَةً إلى اللهِ ورَسولِهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فقال: ((يَجْزي عَنْكَ الثُلُثُ)). فهَجَرَ أَبو لُبابةَ دارَ قَوْمِهِ وساكَنَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَصَدَّقَ بِثُلِثِ مالِهِ ثمَّ تابَ، فَلَمْ يُرَ مِنْهُ في الإِسْلامِ بَعدَ ذَلِكَ إلاَّ خَيراً حتى فارَقَ الدُنيا.
وأَخْرَجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مَنْدَهْ، وأَبو نُعَيم في المَعْرِفةِ، وابْنُ عَساكِرَ، بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ جابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: كانَ ممَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ تَبوكٍ سِتَّةٌ: أَبو لُبابَةَ، وأَوْسُ بْنُ خذام، وثَعْلَبَةُ بْنُ وَديعَةَ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبيع، وهلالُ بْنُ أُمَيَّة. فجاءَ أَبو لُبابةَ، وأَوسُ بْنُ خُذام، وثَعلبةُ بنُ وَديعَةَ، فرَبَطوا أَنْفُسَهم بالسَواري، وجاؤوا بأَموالهم فقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، خُذْ هَذا الذي حَبَسَنا عَنْكَ. فقالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((لا أَحُلُّهم حتى يَكونَ قِتالٌ)). فنَزلَ القُرآنُ: “خَلَطوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سَيَِّئاً” الآية. وكان ممّنْ أُرْجئَ عَنِ التَوْبَةِ، وخُلِّفَ: كَعْبُ بْنُ مَالِك، ومُرارَةُ بْنُ الرّبيع، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ. فأُرْجِئوا أَرْبَعين يَوْماً، فخَرَجوا وضَرَبوا فَساطِيطَهم، واعْتَزَلهم نِساؤهم، ولمْ يَتَوَلَّهُمُ المُسْلِمونَ، ولم يَقْرُبوا مِنْهم، فَنَزَلَ فيهم {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} التَوبَة، الآية: 118. إلى قولِهِ {التوّاب الرَّحيم}. فبَعَثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنها إلى كَعْبٍ فَبَشَّرَتْهُ.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ عِنِ اْبنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، غَزا غَزْوَةَ تَبُوكٍ، فَتَخَلَّفَ أَبْو لُبابَةَ ورَجُلانِ مَعَهُ عَنِ النَبيِّ ـ صلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّمَ، ثمَّ إِنَّ أَبا لُبابَةَ ورَجُلَينِ مَعَهُ تَفَكَّروا فنَدِموا وأَيْقَنوا بالهَلَكَةِ، وقالوا: نحنُ في الظِلِّ والطُمَأنينَةِ مَعَ النِساءِ، ورَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمؤمِنونَ مَعَهُ في الجِهادِ، واللهِ لَنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنا بالسَواري فَلا نُطْلِقُها حَتى يَكونَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، هُو الذي يُطْلِقُنا ويَعْذُرُنا، فانْطَلَقَ أَبو لُبابَةَ فأَوْثَقَ نَفْسَهُ ورَجُلان مَعَهُ بِسَواري المَسْجِدِ وبَقيَ ثَلاثةٌ لم يُوثِقوا أَنْفُسَهم، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، مِنْ غَزْوَتِهِ وكانَ طَريقَهُ في المَسْجِدِ، فَمَرَّ عَلَيْهم فقالَ: مَنْ هؤلاءِ المُوثِقونَ أَنْفُسَهُم بالسَواري؟ فقالَ رَجُلٌ: هذا أَبو لُبابَةَ وصاحِبانِ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ، فعاهَدوا اللهَ لا يُطْلِقونَ أَنفُسَهم حَتى تَكونَ أَنْت الذي تُطْلِقُهُم وتَرْضَى عَنْهم، وقَدِ اعْتَرَفوا بِذُنوبِهم. فقالَ: واللهِ لا أُطْلِقُهم حَتى أُؤْمَرَ بإطْلاقِهِم، ولا أَعْذُرُهم حَتى يَكونَ اللهُ يَعْذُرُهم، وقَدْ تَخَلَّفوا، ورَغِبوا عَنِ المُسْلِمينَ بِأَنْفُسِهم وجِهادِهم، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى “وآخَرونَ اعْتَرَفوا بِذُنوبِهم”.
وعَسى مِنَ اللهِ واجِبٌ، فلَمَّا نَزَلَتِ الآيةُ أَطْلَقَهم رسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعَذَرَهم، فانْطَلَقَ أَبو لُبابَةَ وصاحِباهُ بِأَمْوالِهم، فأَتَوْا بها رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقالوا: خُذْ مِنْ أَمْوالِنا فَتَصَدَّقْ بها عَنَّا وَصَلِّ عَلَيْنا. يَقولونَ: اسْتَغْفِرْ لَنا وَطَهِّرْنا. فقال: لا آخُذُ مِنْها شَيْئاً حَتّى أُومَرَ بِهِ. فأَنْزَلَ اللهُ {خذ من أموالهم صدقة …} الآية. قال: وبَقِيَ الثلاثةُ الذين خالَفوا أَبَا لُبابَةَ ولم يَتُوبوا ولم يُذْكُروا بِشَيْءٍ ولم يَنْزِلُ عُذْرَهُم، وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بما رَحُبَتْ، وهُمُ الذين قالَ اللهُ فيهم: {وآخَرونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ} الآية: 106. فجَعَلَ النّاسُ يَقولون: هَلَكوا إذا لم يَنْزِلْ لهم عُذْرٌ، وجَعَلَ آخَرونَ يَقولون: عَسى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلََيْهِمْ. فصاروا مُرْجَئين لأَمْرِ اللهِ حتَّى نَزَلَتْ {لقد تابَ اللهُ على النَبِيِّ} الآية : 117. إلى قولِهِ: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا} الآية : 118. يَعْني المُرْجَئين لأمْرِ اللهِ، نَزَلَتْ عَلَيْهمُ التَوْبَةُ فَعَمِلوا بها.
قولُهُ تُعالى: {وَآخَرُونَ} عطفَ نَسَقٍ على {منافقون} أَيْ: وممّنْ حَوْلَكم آخَرونَ، أَو وَمِنْ أَهلِ المدينةِ آخَرون. ويجوزُ أَنْ يَكونَ مُبْتَدَأً، و “اعترفوا” صِفَتَه، والخبرَ قولُهُ: “خلطوا”. وكلُّ واحِدٍ مخلوطٌ ومخلوطٌ بِهِ، لأنَّ المعنى: خَلَطَ كُلَّ واحدٍ مِنْهُما بالآخَرِ كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللبَنَ. تريدُ: خَلَطْتُ كلَّ واحِدٍ مِنْهُما بِالآخر، وفيه ما ليس في قولِكَ: خَلَطْتُ الماءَ باللبنِ. لأنَّكَ جَعَلْتُ الماءَ مخلوطاً واللبنَ مخْلوطاً بِهِ. وإذا قلتَهُ بالواوِ “خلطتُ الماءَ واللبَنَ” جَعَلْتَ الماءَ واللبنَ مخلوطَينِ ومخلوطاً بهِما، كأنَّكَ قلتَ: خَلَطْتُ الماءَ باللَّبنِ واللبنَ بالماءِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ قولهم: “بِعْتُ الشاءَ: شاةً ودرهماً” بمعنى: شاةً بِدِرْهَمٍ. وليستِ الواوُ بمعنى الباءِ، وإنَّما هو تَفسيرُ معنى. وجازَ أَنْ تَقولَ: خَلَطْتُ الحِنْطة والشعيرَ، وخَلَطْتُ الحِنْطَةَ بالشَعير.
قولُهُ: {خَلَطوا عَمَلاً صالحاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} آخَرَ: عطفَ نَسَقٍ على “عملاً”. و “عَسَى اللهُ” يَجوزُ أَنْ تَكونَ الجملةُ مُسْتَأْنَفةً، ويجوزُ أَنْ تَكونَ في محلِّ رَفْعٍ خَبَراً لِ “آخَرونَ”، ويَكونُ قولُهُ: “خلطوا” في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ، و “قد” مَعَهُ مُقدَّرةٌ، أيْ: قد خلطوا. فَتَلخَّصَ في “آخرون” أنَّهُ معطوفٌ عَلى “منافقون”، أَوْ مُبْتَدأٌ مخبَّرٌ عَنْهُ بِ “خلطوا” أوْ بالجُمَلَةِ الرَجائِيَّةِ “عسى الله”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com