فيض العليم … سورة يونس، الآية: 71


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71)

قولُهُ ـ جَلَّ شَأْنُهُ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} انتقالٌ مِنْ مَوْضوعٍ إلى آخرَ دَفْعاً لملَلِ القارِئِ أَوِ السامِعِ لأنَّ من طبيعةِ النُفوسِ أَنَّها تملَّ الشيءَ إذا دامَ أَوْ طالَ مكوثُهُ أو تردُّدُهُ، فقد انْتَقَلَ مِنْ مُقارَعَةِ المُشْرِكينَ بالحُجَجِ الساطِعَةِ على بُطْلانِ دِينِهم، وبالدَلائلِ الواضِحَةِ على تَفْنيدِ أَكاذيبِهم وتَكْذيبِهم، وما تخلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الموْعِظَةِ والوَعيدِ بالعَذابِ العاجِلِ والآجِلِ والتخويفِ والإرْهابِ، إلى التَعْريضِ لهم بِذِكْرِ ما حَلَّ بالأُمَمِ المماثِلَةِ أَحوالُها لأَحْوالهم. فإنَّ نوحاً ـ عَليْهِ السَّلامُ، مَعَ قومِهِ مَثَلٌ لحالِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ المُشْرِكينَ مِنْ قومِهِ في ابْتِداءِ الأَمْرِ وتَطَوُّرِهِ، ففي ذِكْرِ عاقبَةِ قومِ نُوحٍ ـ عَليه السَّلامُ، تعريضٌ للمُشْرِكينَ بِأَنَّ عاقِبَتَهم كَعاقِبَةِ أُولئكَ، أَوْ أَنَّهم إنَّما يُمَتَّعون قليلاً ثمَّ يُؤْخَذونَ أَخْذَةً رابِيَةً، كَما مُتِّعَ قومُ نوحٍ زَمَناً طَويلاً ثمَّ لم يُفْلِتوا مِنَ العذابِ في الدُنيا، فَذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قومِهِ عِظَةٌ للمُشْرِكين، وتأنيسٌ وتسَلِيةٌ منَ اللهُ تَعَالَى لِقَلْبِ رَسولِه الكريم، ـ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسَليم، عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ إِيذَاءِ قَوْمِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ، بِمَا يَقُصُّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ المرْسلين السَّابِقِينَ. ناهيك عمّا في هذا القَصِّ من سِيَرِ هؤلاء العظماءِ من عبرةٍ. فيَبْدَأُ اللهُ تَعَالَى بِقِصَّةِ نبيِّه ورسولِهِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حينَ دَعا قومَهُ إلى اللهِ تعالى مُدَّةً طَويلَةً، فَمَكَثَ فيهم أَلْفاً إلاَّ خمسينَ عامًا، يدعوهم فيها إلى اللهِ مولاه، فَلَمْ يستجب لدعوته إلاَّ قِلَّةٌ منهم، ولم يَزِدْهم طولُ دُعائهِ إيَّاهمْ إلاَّ فرارً من الحقِّ ومفارقةً للصوابِ، ثمَّ إنَّهم ضاقوا به وتَمَلْمَلوا مِنْ طولِ ما دَعاهم وسَئِموا منه. لذلك يقولُ تَعَالَى لنبيِّهِ محمَّداً ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَخْبِرْ يَا مُحَمَّدُ كُفَّارَ مَكَّةَ الذِينَ يُكَذِبُونَكَ، خَبَرَ نُوْحٍ مَعَ قَوْمِهِ الذِينَ كَذَّبُوهُ، ماذا حلَّ بهم وكَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بذنوبهم وتكذيبِ رسولِهِ إليهم، فعاقبهُمْ أَجْمَعِينَ بِالغَرَقِ، فلْيَحَذَرْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ البَلاَءِ وَالهَلاَكِ وَالدَّمَارِ مَا أَصَابَ أُوْلَئِكَ.
قولُهُ: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ} قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ تقرُّباً منهم وتحبُّباً إليهم، لعلَّهم يصغون إلى صوتِ العقلِ والمَنْطِقِ فيعلمون أنّ الرجلُ لا يغشُّ قومهُ بل ينصحُ لهم حرصاً على مصلحتهم، وبما أنهم قومه فهم أدرى الناس به وبسيرته في الصدق والاستقامة، فقال لهم محذِّراً: إِنْ كَانَ ثَقُلَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَكُمْ وكَبُرَ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرِي إِيَّاكًُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، ف “كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي” شَقَّ عَلَيْكم وأَحْرَجَكم. والكِبَرُ: وَفْرَةٌ حَجْمِ الجِسْم بالنِسْبَةِ لأَمْثالِهِ مِنْ أَجْسامِ نَوْعِهِ، وهو مستَعارٌ هنا لكونِ وَصْفٍ مِنْ أَوْصافِ الذَواتِ أَوِ المَعاني أَقْوَى فيهِ مِنْهُ في أَمْثالِهِ مِنْ نَوْعِهِ، فقدْ يَكونُ مَدْحاً كَقَوْلِهِ تَعالى في سورة البقرة: {واسْتَعْينوا بالصَّبْرِ والصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، الآية: 45. وقد يكونُ ذَمّاً كما في قولِهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} سورةُ الكهف، الآية: 5، وقد يُسْتَعارُ للمَشَقَّةِ والحرجِ، كقَوْلِهِ تَعالى في سورة الشورى: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} الآية: 13. وكقولِهِ في سورة الأنعام: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} [الآية: 35. وكذلك هُنا. فَإِنِّ نبيَّ اللهِ نوحاً ـ عليه السلامُ، قال لهم قَدْ وَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ الذِي أَرْسَلَنِي، وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فهو يحميني ويعصمني منكم وسينصُرني عليكم، فاحذروا عاقبة تكذيبِ رسولِهِ ومحاربةِ دينه. و “المَقامُ” بفتحِ الميمِ وُقوفُ الرَّجُلِ لِكَلامٍ أَوْ لخُطْبَةٍ أَوْ نحوِهِ، وهو مصدرٌ ميميٌّ مُرادِفٌ للقيامِ. وقد اسْتُعْمِلَ هُنا في معنى شَأْنِ المرءِ وحالِهِ كما هو قولُه تعالى في سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} الآية: 46, وكما هو في قولِهِ: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً} سورة مريم، الآية: 73. أيْ خيرٌ حالةً وشأناً. وهذا الاسْتعمالُ مِنْ قَبيلِ الكِنايَةِ، لأنَّ مَكانَ المَرْءِ ومَقامهُ مِنْ لَوازِمِ ذاتِه، وفيهِما مَظاهرُ أَحْوالِه. و “المُقامُ” بِضَمِّ الميمِ إِقامَتُهُ ساكِناً في مَوْضِعٍ أَوْ بَلَدٍ، والتذكيرُ: الوعْظُ والزجرُ عن اقترافِ المعاصي والتحذيرُ منْ ارتكاب المخالفات.
قولُهُ: {فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} التَوَكُّلُ: تَعْويلُ المَرْءِ عَلى مَنْ يُدَبِّرُ لَهُ أَمْرَهُ ويَتَعَهَّدُهُ. والمعنى: يا قومُ إنْ كُنْتُمْ تَسْتَضْعِفونَ حالي لقلَّةِ أتباعي وأنصاري، فإنِّي حينَ أَدْعوكم إلى الله إنَّما أنا متوكِّلٌ عليهِ فهو متكفِّلٌ بحمايتي ونُصرتي، ولذلك فإني لا أُبالي بعدائكم لي وحربكم، ولستُ أخاف كثرتكم، ولا أنا مهتمٌّ بعداوتكم لِتَوَكُّلي عَلى اللهِ تَعالى فافْعَلوا كُلَّ ما تَسْتَطيعون وما تَقْدِرون عليه، فإنَّ شيئاً لَنْ يَثْنِيَني عَنِ القيامِ بما كلَّفَني بِه ربي ومولايَ، وما أَمَرني بِتَبليغِهِ لكم، فافعلوا ما بَدا لكم.
قولُهُ: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} تَفْريعٌ على جملة: “عَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ”، فَاجْتَمِعُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ، مِنَ الأَصْنَامِ التي تَعْبُدونَ وتَدْعُونَهُا لكم آلهةً، وتدبَّروا أمركم، وما بوسعكم فعلُه في حربكم لله ورسولِه، ودينِهِ القويم الذي ارْتَضاهُ لكمْ. و “أجمعوا” مِنْ أَجمع الرَجُل عَلى الشَيْءِ إذا أحكمه وعَزَمَ على فعلِهِ، فهو كما قالَ نبيُّ اللهِ هُودٌ ـ عليه السلامُ، لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} سورة هود، الآيتان: 55 و 56. ومِنْه الحديثُ الشريفُ: ((مَنْ لم يُجْمِعْ على الصومِ مِنَ اللَّيلِ فلا صَوْم لَهُ)). أخرجَهُ أَبو داوودَ، والتِرْمِذِيُّ، والنَسائيُّ، وابْنُ ماجَةَ، مِنْ حَديثِ السيِّدَةِ حَفْصَة أُمِّ المؤمنين ـ رضيَ اللهُ عنها. ومِنْهُ قوْلُ الراجز أَبي النَّجمِ العَجيلي:
يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ ………. هَلْ أَغْدُوَنْ يوماً وأَمْري مُجْمَعُ
وتَحْتَ رَحْلِي زَفَيَانٌ مَيْلَعٌ ……………………. كأَنَّها نائِحَةٌ تَفَجَّعُ
تَبْكِي لمَيْتٍ وسِوَاهَا الموجَعُ
قال الرجز: زَفَيان، أي خفيفةٌ. وميلع: من تمْلَعُ الناقةُ في سيرِها مَلْعاً، أَيْ تُسْرِعُ. ومِنْه قولُ الحارثُ بن حلِّزة ، مِنَ الخفيفِ:
أجْمَعُوا أمْرَهُمْ بِليْلٍ فلمَّا …………. أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
ومنه قولُ أَبي ذُؤيْبٍ الهُذَليِّ، مِنَ الكامل:
ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ ………………. شوقاً وأقبلَ حينَه يَتَتَبَّعُ
قولُهُ: {ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} لاَ تَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ مُلْتَبَساً عَلَيْكُمْ غَمَّةً، بَلْ كُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ، لِكَيْلا تَتَحَوَّلُوا عَنْهُ، والغُمَّةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ للغَمِّ. وهوَ السَتْرُ. والمُرادُ بها هنا السَتْرُ المجازيُّ، وهو انْبِهامُ الحالِ، وعدمُ تَبَيُّنِ السَدادِ فيهِ، ومنه قولُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
لَعَمْرُكَ ما أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ………….. نهاري، ولا ليلي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
ويُقالُ: غَمٌّ وغُمَّةٌ نحوَ كَرْبٌ وكُرْبَةٌ. وهو مِنْ قولهم: غَمَّ عَلَيْنا الهلالُ فهو مَغْموم إذا التُمِسَ فلمْ يُرَ. ويُقالُ: هوَ في غُمَّة مِنْ أَمْرِهِ إذا لمْ يَتَبيَّنْ لَهُ.
قولُهُ: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} اقْضُوا: أَمْرٌ مِنَ القضاءِ، بمعنى الإتمامِ والفَصْلِ، أَيْ: أَنْفِذوا ما تَرَوْنَهُ مِنَ الإضْرارِ بي. ويجوزُ أَنْ يَكونَ مِنَ القَضاءِ بمعنى الحُكمِ، وهوَ قريبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، أَيْ: أَنفذوا حُكمَكم، وَافْصِلُوا أَمْرَكُمْ مَعِيَ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فَاقْضُوا إِلَيَّ، وَافْعَلُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ، وَلاَ تُؤَخِرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً وَلاَ تُنْظِرُونَ. و “ثمَّ” للتَراخي الرُتَبي في عطفِ الجُمَلِ على الجُمَلِ، فإنَّ رُتْبَةَ إِنْفاذِ الرَأْيِ بما يُزْمِعون عَلَيْهِ مِنْ أَذًى لَهُ ـ عليه السلامُ، أَقْوَى مِنْ تَدبيرِ ذَلك، ومِنْ رُتْبَةِ إِجماعِ الرأيِ عَلَيهِ فهوَ ارْتِقاءٌ مِنَ الشيءِ إلى أَعْلى مِنْهُ.
قوله تعالى: {واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} الواو: اسْتِئْنافِيَّةٌ، و “اتْلُ” فعلُ أَمْرٍ، وفاعلُهُ ضَميرٌ يَعودُ على النبيِّ محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، و “عَلَيْهِمْ”، جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “اتلُ”، و “نَبَأَ”، مَفْعولٌ بِهِ مضافٌ، و “نُوحٍ” مُضافٌ إِلَيْهِ، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قولُهُ: {إِذْ قَالَ لقومِهِ} اسْمٌ ظَرْفيٌّ لما مَضَى مِنَ الزَمان، مُتَعَلِّقٌ ب “نَبأ”، ويجوز أنْ يكونَ بَدلاً مِنْه بَدَلَ اشْتِمالِ. وجَوَّزَ أَبُو البَقاءِ أَنْ تَكونَ حالاً مِنْ “نَبَأ” وليس بظاهرٍ، ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ مَنْصوباً بِ “اتلُ” لِفَسادِهِ، إذْ “اتلُ” مُسْتَقْبَلٌ، و “إذ” ماضٍ، و “قالَ” فعلٌ ماضٍ وفاعِلُه ضميرٌ مستترٌ فيه يعودُ عل “نوح”. و “لِقَوْمِهِ” اللام: حرفُ جرٍّ إمَّا للتبليغِ وهُوَ الظاهرُ، وإمَّا للعِلَّةِ وليسَ بِظَاهرٍ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ ب “قالَ” و “قومِ” مضافٌ والهاءُ في محلِّ جرٍّ بالإضافة. وجملةُ “قال” في محلِّ جرِّ مضافٍ إلى “إِذْ”.
وقوله: {يا قومِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ} يا: حرفُ نِداءٍ، و “قوم” مُنادى مُضاف، وجملةُ النِداءِ هذِهِ في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ. و “إِنْ” حرفُ شَرْطٍ. و “كَانَ” فعلٌ ماضٍ ناسِخٌ واسمُ “كان” ضَميرُ الشأنِ المُسْتَتِر فيها، تقديرُهُ: هوَ، يَعودُ إلى الشَأْنِ، و جملة “كبُرَ” من الفعل اللازمِ وفاعلِهِ خبرُ “كانَ”، وجملةُ “كان: في محلِّ الجَزْمِ بِ “إنْ” على كونها شَأْنِيَّةً، أَوْ هي زَائدةٌ لِزيادتها بَينَ أَداةِ الشَرْطِ وفِعْلِهِ. {كَبُرَ}: فعلٌ ماضٍ في محَلِّ الجزَمْ بـِ “إنْ” على كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لها. و “عَلَيْكُمْ” جارٌ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “مَقَامِي” فاعلُ “كَبُرَ”. و “تَذْكِيرِي” معطوفٌ عليهِ، و “بِآيَاتِ” جارٌّ ومجرورٌ، و ” اللهِ” مُضافٌ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ ب “تَذْكِيرِي”. وهو من باب الإِسناد المجازي كقولهم: “ثَقُل عليَّ ظلُّه”.
قولُهُ: {فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ} الفاءُ: رابطةٌ لجوابِ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ، و “عَلَى اللهِ” مُتَعَلِّقٌ ب “تَوَكَّلْتُ”، و “تَوَكَّلْتُ” فِعْلٌ وفاعلٌ في محلِّ الجَزمِ ب “إنْ” كونَهُ جوابَ الشَرْطِ، ويجوزُ أيضاً أَنْ تَكونَ جملةُ: “تَوَكَّلْتُ” مُعْتَرِضَةً، فيَكون الجوابُ جملةَ: “أجمعوا” وهذا أَوْلى؛ لأنَّهُ لا يَصِحُّ أَنْ يِكونَ “تَوَكَّلْتُ” جَوابًا؛ لأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَرَتُّبُهُ على الشَرْطِ، إذْ هوَ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللهِ دائمًا، وجملةُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، على كونها جَوابَ النِّداءِ. وقد تقدَّمَ على فعلِ الجوابِ شِبْهُ جملةٍ مما أَوْجَبَ الفاءَ. وقيل: الجوابُ محذوفٌ، أيْ: فافْعَلوا ما شِئْتُمْ. ومِنَ الشواهدِ على كونِ قولِه: “فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ” جملةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَينَ الشَرْطِ وجوابِهِ، قَوْلُ عنترةَ بْنِ شدّادٍ العَبْسيِّ:
إمَّا تَرَيْني قد نَحَلْتُ ومَنْ يَكنْ ……….. غَرَضاً لأَطرافِ الأَسِنَّة يَنْحَلِ
فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ بَعْلِكِ بادِنٍ ………… ضَخْمٍ على ظَهْرِ الجَوادِ مُهَبَّلِ
غادَرْتهُ مُتَعفِّرًا أَوْصالُهُ ……………….. والقومُ بين مُجرَّحٍ ومُجَدَّلِ
وهو من قصيدةٍ له مطلعها:
عَجِبَتْ عُبَيْلَة ُ مِنْ فَتى ً مُتَبَذِّلِ ……. عاري الأشاجِعِ شاحِبٍ كالمُنْصُلِ
وقوله: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} الفاءُ: رابِطَةٌ لجوابِ الشرطِ أَوْ عاطِفَةٌ، “أجمِعوا” فعلٌ وفاعلُهُ الواو الدالَّةُ على الجماعةِ، و “أمركم” مفعولُهُ والكافُ مضافٌ إليه والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ في محلِّ جزْمٍ عطفاً على جوابِ الشرطِ، أَوْ هيَ الجوابُ، و “شُرَكَاءَكُمْ” مَنْصوبٌ على أنَّهُ مَفْعولاً مَعَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ عطفُهُ على: “أَمْرَكُمْ” لأنَّ الشُرَكاءَ ذواتٌ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ: “أجمعوا” إلاَّ بِقِلَّةٍ ويَصِحُّ نَصْبُهُ بإضْمارِ فعلٍ لائقٍ، نحوَ: واسْتَعينوا شُرَكاءَكُمْ، أوْ “فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ” واجْمَعوا شُرَكاءَكُم، بهمزَةِ الوَصْلِ عَلى حَدِّ قولِهم: (عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا) أو يُقَدَّرُ مُضافٌ في المَعْطوفِ، والتَقْديرُ: فَأَجمِعوا أَمْرَكم وأَمْرَ شُرَكائكم.
وقيلَ “أَجْمَعَ” مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وقيل: بحرْفِ جَرٍّ ثمَّ حُذِفَ اتِّساعاً؟ فقالَ أَبو البَقاءِ: هو “مِنْ قولك” أجمعتُ على الأمرِ: إذا عَزَمْتَ عَلَيْه، إلاَّ أَنَّهُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَوَصَلَ الفِعْلُ إِلَيْهِ. وقيلَ: هوَ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ في الأَصْلِ، فَ “أَجْمَعْتُ الأَمْرَ” أَفْصَحُ مِنْ “أَجْمَعْتُ عَليه” وأَجمعَ أَمرَهُ جَعَلَهُ مجموعاً بعدما كانَ مُتَفَرِّقاً، وَتفْرِقَتُه أَنْ يَقولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفعلُ كَذا، وإذا عَزَمَ عَلى أَمرٍ واحِدٍ فقدْ جَمَعَهُ أَيْ: جَعَلَهُ جميعاً، فهذا هوَ الأَصْلُ في الإِجماعِ، ثمَّ صارَ بمعنى العَزْمِ حتى وُصِلَ بِ “على” فقيلَ: أَجْمَعْتُ على الأمر، أيْ: عَزَمْتُ عليه، والأصل: أَجمعتُ الأَمْرَ.
قوله: {ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} ثُمَّ” حرْفُ عَطْفٍ. و “لا” الناهيَةُ، و “يَكُنْ” فعلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ مَعْطوفٌ عَلى: “أجمعوا” على أنَّهُ جوابُ الشَرْطِ، و “أَمْرُكُمْ” اسْمُ “يَكُنْ”. و “عَلَيْكُمْ” مُتَعَلِّقٌ ب “غُمَّةً”، و “غُمَّةً” خبرُ “يكن” مَنْصوبٌ.
قولُهُ: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} ثُمَّ: حرفُ عطفٍ، و “اقْضُوا” فعلٌ وفاعلُهُ واوُ الجماعةِ في محلِّ جَزْمٍ بِ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ مَعْطوفاً على قولِهِ: “لا يَكُنْ”، لأنَّ العَطْفَ كان هنا بحرفٍ مُرَتِّبٍ، ومفعولُ “اقضوا” محذوفٌ، أيْ: اقْضُوا إِليَّ ذَلِكَ الأمْرَ الذي تُريدونَ إِيقاعَهُ بي، كَقَوْلِهِ تعالى في سورة الحجر: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر} الآية: 66. فعدَّاه لمفعولٍ صريح. و “إِلَيَّ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “اقْضُوا”، و “ولا تُنْظِرون” “الواوُ: حرفُ عطفٍ، و “لا” الناهيةُ، و “تُنْظِرُونِ” فعلٌ وفاعلٌ مجزومٌ ب: “لا” الناهيةِ، وعلامةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُونِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والنون: نُونُ الوِقايَةِ؛ لأنَّها تَقي الكَسْرَةَ عَنِ الفِعلِ، وهو في الأساس “تنظرونني” وياءُ المُتَكَلِّمِ المحذوفَةِ اجتزاءً عَنْها بِكَسْرَةِ نُونِ الوِقايَةِ، في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ، وجملة “وَلا تُنْظِرُونِ” في محلِّ الجزْمِ عطفاً على الجملَةِ من قولِهِ: “ثُمَّ اقْضُوا” على كونها جوابَ الشَرْطِ.
قرأ العامَّةُ: {مَقامي} بفتحِ الميم، وقرأَ أَبو رَجاءٍ، وأَبو مِجْلَزٍ، وأَبو الجَوْزاءِ “مُقامي” بِضَمِّ الميمِ، و “المَقامُ” بالفَتْحِ مَكانُ القِيامِ، وبالضَمِّ مَكانُ الإِقامَةِ، أَوِ الإِقامةُ نَفْسُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولم يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ الميمِ كأَنَّهُ لم يَطَّلع على قراءَةِ هؤلاءِ الآباءِ.
وقرأ العامة: {فأَجمِعوا} وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش “فاجمَعوا” بفتحِ الميم مِنْ جمعَ إذا ضَمَّ شَيْئاً إلى شيءٍ.
وقرأ العامَّةُ: {وشركاءَكم} نَصباً وفيه أوجه، أحدها: أَنَّه معطوفٌ على “أَمْرَكم” بتقدير حذف مضاف، أي: وأمر شركاءكم كقوله: {وَسْئَلِ القرية} سورة يوسف الآية: 82، ودلَّ على ذلك ما قدَّمْتُه من أن “أَجْمع” للمعاني. والثاني: أنه عطف عليه من غير تقدير حذف مضاف، قيل: لأنه يقال أيضاً: أجمعت شركائي. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعلٍ لائق، أي: وأجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة. وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أُبَيّ “وادعوا” فأضمرَ فعلاً لائقاً كقوله تعالى: {والذين تَبَوَّؤوا الدار والإيمان} سورة الحشر الآية: 9، أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومثلُه قولُ الآخر:
فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً …………………. حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها
نسب البيتُ بعضُهم لذي الرُّمَّةِ وهو غير موجودٍ في ديوانه. وكقولِ عبدِ اللهِ ابْنِ الزَّبْعَرَى:
ورأيتِ زوجَك في الوغى …………………… مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا
وقيل البيتُ للحارث المخزومي. وكقول الراعي النُميري:
وهِزَّةِ نشْوَةٍ مِنْ حيّ صِدْقٍ …………… يُزَجِّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيُونا
يُريدُ: ومُعْتَقِلاً رُمْحاً، وكَحَّلْنَ العُيونا. وقدْ تَقَدَّمَ أَنَّ في هذِهِ الأَماكِنِ غيرَ هذا التَخْريجِ. الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي: مع “شركائكم” قال الفارسي: وقد يُنْصب الشركاء بواو مع، كما قالوا: جاء البُرْدُ والطَّيالسةَ، ولم يذكر الزمخشري غيرَ قولِ أبي علي. قال الشيخ أبو حيان الأندلسي: وينبغي أَنْ يكونَ هذا التخريجُ على أنه مفعول معه من الفاعل، وهو الضمير في “فَأَجْمعوا” لا من المفعول الذي هو أَمْرَكُمْ وذلك على أشهرِ الاستعمالين، لأنه يقال: أجمع الشركاءُ أمرَهم، ولا يقال: “جَمَع الشركاء أمرهم” إلا قليلاً، قلت: يعني أنه إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل كان جائزاً بلا خلافٍ، لأنَّ مِن النحويين مَنْ اشترط في صحةِ نصبِ المفعول معه أن يصلح عَطْفُه على ما قبله، فإن لم يَصْلُحْ عطفُه لم يَصِحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يَجُزْ على المشهور، إذ لا يَصْلُح عَطْفُه على ما قبله، إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جَمَعْت.
قرأَ العامةُ: {وشُرَكاءَكُمْ} بالنصبِ، وقرأَ الحَسَنُ، والسُلَمِيُّ، وعيسى بْنُ عُمَرَ، وابنُ أَبي إسحاق، وسَلامُ، ويعقوب: “وشركاؤكم” رفعاً. وفيه تخريجان، أَحَدُهما: أَنَّهُ نَسَقٌ على الضميرِ المَرْفوعِ بِ “أَجْمِعُوا” قبلَه، وجاز ذلك إذ الفصلُ بالمفعولِ سَوَّغ العطف، والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديرُه: وشركاؤكم فَلْيُجْمِعوا أمرهم.
وشَذَّتْ فرقةٌ فقرأت: “وشركائكم” بالخَفْضِ ووُجِّهَتْ على حذف المضافِ وإبقاءِ المضافِ إليه مجروراً على حالِهِ كَقَوْلِ أبي دُؤاد الأيادي من المُتقارب:
أكلَّ امرِئٍ تحسبين أمرَأً …………………… ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
أي: وكل نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم، فحذف الأمر وأبقى ما بعدَه على حاله، ومَنْ رأى برأي الكوفيين جوَّز عطفه على الضمير في “أمركم” من غيرِ تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب أعني العطفَ على الضميرِ المجرور مِنْ غير إعادة الجارِّ في سورة البقرة.
وقرأ السَّرِيُّ “ثم أفْضُوا” بقطع الهمزة والفاء، مِنْ أفضى يُفْضي إذا انتهى، يقال: أَفْضَيْتُ إليك، قال تعالى: {وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} سورة النساء: 21. فالمعنى: ثم افضُوا إلى سِرِّكم، أي: انتهوا به إليَّ. وقيل: معناه: أَسْرِعوا به إليَّ . وقيل : هو مِنْ أفضى، أي: خَرَج إلى الفضاء، أي: فأصحِروا به إليَّ، وأَبْرِزوه لي كقول زُهيرِ بْنِ أَبي سُلْمى المُزني:
أبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَه …….. عليه فأفضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ
ولامُ الفضاءِ واوٌ؛ لأنه مِنْ فَضَا يَفْضُو، أي: اتَّسَع. وقوله: لا تُنْظِرون، أي: لا تُؤَخِّرون من النَّظِرة وهي التأخير.


موضوع مهم جدا احبابي في الله !!!!!!!
(منقول)
فوائد شحوم المواشي الغنم والأبل والبقر المُغيّبه عنا قصداً ” حسبنا الله ونعم الوكيل . انها والله مفاجأه من العيار الثقيل وغير متوقعه
لجميع الناااااس ، تأملوا معي هذه الآيه قول الله تعالى :

{{ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ………………. الئ قوله تعالئٍ
ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ
وَإِنَّا لَصَادِقُون }}

لقد حرم الله عز وجل شحوم المواشي على اليهود عقوبة” لهم !!!
والسؤال المهم ؟؟؟؟ ما أهمية هذه الشحوم للإنسان ؟؟ وما هو الخير العظيم الموجود فيها حتى يصبح تحريمها على اليهود عقوبة” ربانيه على كفرهم ؟؟؟ وهل صحيح ماهو مشاع منذ سنين طويله الئ أن اصبح أمر متعارف عليه بين الناس وهو أن الشحوم مسؤوله تماما” عن زيادة الكولسترول في جسم الأنسان بل وأنها السبب الرئيسي فيه ؟؟؟؟؟ . الإجابه المهمه تجدها هنا في مؤتمر عالمي للقلب بمحافظة الأحساء بالمملكه العربيه السعوديه نظمه مركز الأمير سلطان ، ففجّر البروفيسور الأمريكي ( بول روش ) رئيس المعهد الأمريكي لأبحاث التوتر العصبي بواشنطن مفاجأه من العيار الثقيل جدا” حين أعلن :
أن الكولسترول : هو أكبر خدعه قام بها اليهود في السنين في الماضيه …
ولكن الحقيقه هي :
أن الطعام الدسم بشحوم الأغنام والأبل وتناول دهون الأبقار ( سمن البقر )
هو من يقوم بإخراج جميع السموم من جسم الأنسان بأذن الله وإعطاء الليونه والمرونه للشرايين والجلد وتغذية الكبد والأمعاء وكافة الأجهزه بالجسم والدفع بالطاقه لأعلى مستوياتها والشحم برئ من كلسترول الدم أو الإصابه بالنوبات القلبيه والمتهم الحقيقي في ذلك هي :
الزيوت المهدرجه بجميع انواعها مثل : ( دوار الشمس والذره والسمن الصناعي من المارجرين وأنواع الزبده وغيرها من كافة الأنواع )
وقال : انها الدعايات المظلله والخطط القذره الممنهجه واللا أخلاقيه للشركات الغربيه واليهوديه بدءا”ً من شركات صناعة الزيوت المهدرجه التي تباع على الأرفف لتتعطل أجسام البشريه وتصاب الوظائف الحيويه من قلب ودم وأورده وشرايين لتفتك بالكبار والأطفال المساكين ،، ،
ثم تتدخل شركات الأجهزه الطبيه لتسويق أجهزة فحص الدم
ثم شركات العقاقير بما يسمى الأدويه الخافظه
ثم شركات الأغذيه الخاصه بصناعة الاطعمه قليلة الدسم
ثم شركات الأجهزه الرياضيه
وانتهاءاً بشركات الدايت نوتريشن (مراكز التخسيس إجمالا” )
والدافع المشترك والهدف الحقير لكل هذه الشركات هو : الربح المادي والأضرار بالمسلمين والدول المستهدفه ٥٦ دوله اسلاميه بشكل اكثر تركيزاً من باقي الدول !!! وأضاف بأن العلماء القادرين على رفع أصواتهم لكشف هذا الخداع سيكونون عُرضه لخسارة الدعم لأبحاثهم …
يا مسلمين كم من الكنوز القرآنيه غائبه عنا ..!!!

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 70


مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
(70)
قولُهُ ـ جلَّ ثناؤه: {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} أَيْ: إِنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ فِي الدُّنْيا الفَانِيَةِ، مُدَّةَ حَيَاتِهِم القَصِيرَةِ فِيها، وَمَتَاعُهُمْ فِيهَا قَلِيلٌ حَقِيرٌ. وهوَ اسْتِئْنافٌ بَيَانيٌّ، لأنَّ القَضَاءَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الفَلاحِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ سائلٌ: كيفَ نَراهُمْ في عِزَّةٍ وقُدْرَةٍ عَلى أَذَى المُسلمينَ، وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، فيُجابُ السائلُ بِأَنَّ ذلكَ تمتيعٌ في الدُنْيا لا يُعْبَأُ بِهِ، وإنَّما عَدَمُ الفَلاحِ مَظْهَرُهُ الآخِرَةُ، والمَتاعُ: المَنْفَعَةُ القَليلَةُ في الدُنْيا إذْ يُقيمونَ بِكَذِبهم سيادتَهم وعِزَّتَهم بَينَ قومِهم ثمَّ يَزولُ ذَلِكَ. وتَنْكيرُهُ مُؤْذِنٌ بِتَقْليلِهِ، وتَقْييدِهِ بِأَنَّهُ في الدُنيا مُؤَكِّدٌ للتَقْليلِ والزَوالِ.
قولُهُ: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} مَضْمُونُهُ هوَ حَقيقةُ أَنَّهم لا يُفْلِحونَ فهوَ أَهَمُّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَضْمونِ لا يُفْلِحون. وَمرْجِعُ: بمَعنى الرُجوعِ. ومعناهُ أنَّ الرُجوعَ إلى اللهِ وَقْتَ نَفاذِ حُكْمِهِ المُباشِرِ فِيهم.
قولُه: {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} ثُمَّ يُرْجَعُونَ إِلَى اللهِ فَيُذِيقَهُمْ فِي الآخِرَةِ العَذَابَ الشَّدِيدَ المُؤْلِمْ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللهِ الكَذِبَ فِيمَا ادَّعُوا مِنَ الإِفْكِ وَالبُهْتَانِ. وإذاقةُ العذابِ إيْصالُهُ إلى الإحْساسِ، وأَطْلَقَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ لِتَشْبيهِهِ بحساسةِ الذَوْقِ في التَمَكُّنِ مِنْ أَقوى أَعْضَاءِ الجِسْم حِسّاً وهوَ اللسانُ.
قولُهُ تعالى: {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} مَتَاعٌ: خبرٌ لِمُبْتَدأٍ محذوفٍ، تَقديرُهُ: حياتهم مَتَاعٌ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، فهي جملةٌ اسْتِئْنافِيّةٌ كأَنَّ قائلاً قالَ: كَيْفَ لا يَعْلَمونَ، وهمْ في الدُنيا مُفْلحونَ بِأَنْواعٍ ممَّا يَتَلَذَّذونَ بِهِ؟. فقِيلَ: ذَلِكَ مَتَاعٌ. ويجوزُ: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ محذوفٌ تقديرُهُ، لهم مَتَاعٌ، و “فِي الدُّنْيَا” يجوزُ في هذا الجارِّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ “متاع”، أَيْ: تَمَتُّعٌ في الدُنْيا، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّهُ نَعْتٌ لِ “مَتَاع” فهوَ في محلِّ رَفْعٍ. ولم يُقْرَأْ بِنَصْبِهِ هُنا، بخِلافِ قولِهِ: {متاعَ الحياة} في أَوَّلِ السُورَةِ.
قولُهُ: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} ثمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ للتَراخي الرُتَبي، و “إِلَيْنَا” الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وقدْ تَقَدَّمَ على مُتَعَلَّقِهِ وهو “مَرْجِعُهم” لاستحضاره والاهْتِمامِ بالتَذْكيرِ بِهِ، و “مَرْجِعُهُمْ” مَصْدَرٌ ميميٌّ بمَعْنى “الرُجوع” وهوَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفةٌ على الجملَةِ مِنْ قولِهِ: “مَتَاع”.
قولُه: {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} ثُمَّ: حرفُ عَطْفٍ كُرِّرَ تأكيداً لِنَظيرِهِ في الجُمْلةِ المُبَيِّنَةِ على أَنَّ المُرادَ بالمَرْجِعِ الحصولُ في نَفاذِ حُكْمِ اللهِ. و “نُذِيقُهُمُ” فعْلٌ مضارعٌ و “نحنُ” فاعلُهُ المقدَّرُ ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى، والهاءُ: مفعولُهُ الأوَّلُ، والميم للجمع المذكَّرِ، و “الْعَذَابَ” مفعولُهُ الثاني و “الشَّدِيدَ” صِفَةُ العذاب، ، والجملة معطوفةٌ على الجملة التي قبلها، و “بِمَا” الباءُ: حرْفُ جَرٍّ للسَبَبيَّةِ، و “ما” مَصْدَرِيَّةٌ. و “كَانُوا” كانَ: فعلٌ ناقصٌ، وواوُ الجماعة: اسمُه، وجملةُ، “يَكْفُرُونَ” خبرُهُ، وجملةُ “كَانَ” صِلَةُ “مَا” المصْدَرِيَّةِ. و “مَا” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مجرورٍ بالباءِ، تقديرُهُ: بِسَبَبِ كونِهم كافرين، والجارَّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ ب “نذيق” واللهُ أعلم.
والجُمَلُ الأربعُ هيَ منَ المَقولِ المأمورِ بِهِ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تبليغاً عنِ اللهِ تعالى.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 69


قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
(69)
قولُهُ تعالى جَدُّهُ: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} تلوين خطابٍ وأَمرٌ من الله تعالى لنبيِّه ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، بتبليغِ أولئك المشركين رِسالةً مِنْهُ سبحانَهُ يَتَوَعَّدُهُم فيها المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ، مِمَّنْ زَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ شُرَكَاءَ، بِأَنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُونَ فِي الدُّيْنا، وأَنهم لا يَظْفُرونَ بِبُغْيَةٍ ولا يَبْقونَ في نَعْمَةٍ أَصْلاً، وأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا مَتَّعَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلاً فِإِنَّهُ يَسْتَدْرِجُهُمْ بِذلِكَ، ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ، كَمَا أَنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُونَ فِي الآخِرَةِ لأَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ وَقُودَ جَهَنَّمَ، وتخْصيصُ عَدَمِ النَجاةِ والفَوْزِ بما يَنْدَرِجُ في ذلكَ مِنْ عَدَمِ النَجاةِ مِنَ النارِ وعَدَمِ الفَوْزِ بالجَنَّةِ، والاقْتِصارُ عَلَيْهِ في مَقامِ المُبالَغَةِ في الزَجْرِ عَنِ الافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، دونَ التعْميمِ في المُنَاسَبَةِ. والفلاحُ: حُصولُ ما قَصَدَهُ العامِلُ مِنْ عَمَلِهِ دونَ انْتِقاضٍ ولا انتقاصٍ ولا سوءِ عاقبة. فنَفْيُ الفَلاحِ عنهم هنا نَفْيٌ لحُصولِ مَقْصودِهمْ مِنَ الكَذِبِ وتَكْذيبِ النبيِّ محمَّدٍ ـ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم.
وقال ابنُ جريرٍ أبو جعفر الطَبَرِيُّ: يقولُ ـ تَعالى ذِكْرُهُ، لِنَبِيِّهِ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم: قل: يا محمَّدُ، لهم “إن الذين يفترون على الله الكذب”، فيَقُولونَ عَلَيْهِ الباطِلَ، ويَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا “لا يفلحون”، يَقولُ: لا يَبْقَوْنُ في الدُنيا.
والذي نراهُ أنَّ النصَّ عامٌّ، يشملُ كلَّ افتراءٍ على اللهِ، كما أنَّ عدمَ الفلاحِ شأنٌّ عامٌّ لهم في الدنيا والآخرة، واللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ تعالى: قُلْ: فعلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضمير “أنتَ” يَعودُ على النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. و “إِنَّ” حرفٌ ناسخٌ ناصِبٌ، و “الَّذِينَ” هوَ اسمٌ موصولٌ في محلِّ نصبِ اسمِها. و “يَفْتَرُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ من الأفعال الخمسةِ ولذلك فإنَّ ثبوتَ النونِ في آخِرِهِ علامةُ رفعه، وفاعلُه واوُ الجماعةِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصولِ “الذين”، و “عَلَى اللهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “يفترون”، و “الْكَذِبَ” مفعولٌ به مَنْصوبٌ على المفعولِيَّة المُطْلَقَةِ، مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ. و “لا” نافيةٌ، و “يُفْلِحُونَ” مثل “يفترون” وهذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ خبراً ل “إِنَّ”، وجملةُ “إِنَّ” مع اسمها وخبرها في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ ل “قل”.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 68


قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ
(68)
قولُهُ ـ تباركَ وتعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا} شُروعٌ في ذِكْرِ ضَرْبٍ آخَرَ مِنْ أَباطيلِهم، وبَيانُ بُطْلانِهِ، وخصَّهُ بعضُهم بأهلِ مكَّةَ، فقد قالَ ابْنُ عاشور في تَفسيرِهِ المُسَمَّى: التحرير والتَنْويرِ ما نَصُّهُ: (وليسَ المُرادُ مِنَ الضَميرِ غَيرَهم مِنَ النَصارَى لأنَّ السُورَةَ مَكِيَّةً والقُرآنُ المَكِيُّ لم يَتَصَدَّ لإبْطالِ زَيْغِ عَقائدِ أَهْلِ الكِتابِ). وفيه نظرٌ فإنَّ القرآنَ الكريمَ نزلَ لمعالجة العقائدِ الفاسدةِ في كلِّ عصرٍ ومصرٍ إلى أنَ يَرِثَ اللهُ الأرضَ وما عليها، وإنَّ معانيه وبراهينَه عامَّةٌ شاملةٌ. فقد قالَ المُشْرِكون العَرَبُ: الملائكةُ بَنَاتُ اللهِ، وقال اليَهُودُ قبلَهم: عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ، وقالَتِ النَّصارَى: المَسيحُ ابْنُ اللهِ، وما أظُنَّ العَرَبَ قد قالوا ما قالوه أساساً إلاَّ محاكاةً لليهودِ والنصارى وتقليداً لهم، وما ذاكَ إلاَّ لِعَدَمِ فَهْمِهمْ جميعاً مَعْنى الأُلُوهَةِ، ومغزى التوحيدِ، لِعَدَمِ قُدْرَةِ عُقولهم على تَصَوُّرِ مَوْجودٍ بِلا وَلَدٍ لأَنَّ الوَلَدَ عِنْدَهم مَصْدرُ سُرورٍ لأَبِيهِ، ورَمْزُ قُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، فمَنْ لا وَلَدَ لَهُ ضَعيفٌ عِنْدَهم، لِذلِكَ وَجَدْنا عبدَ المطلِبِ، جَدَّ الرَسولِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَنْذُرُ للهِ إنْ رَزَقُهُ عَشَرَةً مِنَ الصِبْيَةِ لَيَذْبَحَنَّ أَحَدَهم شُكْراً للهِ وقُرْبَةً إِلَيْهِ، فكانَ العاشرَ عبدُ اللهِ والِدَ النَبيِّ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ، وصَعُبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بالنَّذْرِ فاقْتُرِحِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَدِيَهُ فافْتَداهُ كما هي القِصَّةِ المشهورَةُ في ذلك.
فإنَّ مسألةَ القوَّةِ والقُدْرَةِ والعِزَّةِ مَعَ التَوحِيدِ مَسْأَلةٌ كانَتْ صَعْبَةَ الفَهْمِ والاسْتِيعابِ على عقولِ الكثيرِينَ مِنَ الناسِ، ذلك أنَّ الوَحدانيَّةَ كانت تعني لهم الضَعفَ، فمن لا وَلَدَ لهُ ولا رجالَ حولَه ولا وَزَر لهُ كان مستحقاً للإشفاقِ في نَظَرِهم، فكيفَ يَكونُ إلهاً قوياً قادراً على كلِّ شَيْءٍ ولا يتخذُ لِنَفْسِه زوجةً ولا ولَداً وهما مَصْدرُ العِزَّةِ عِنْدَهم والمُتْعَةِ، بَلْ هما الحياةُ كُلّ الحياةِ، ومبعثُ السُرورِ والسَعادَةِ.
والاتِّخاذُ: جَعْلُ شَيْءٍ لِفائدَةِ الجاعِلِ، وهوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الأَخْذِ لأنَّ المُتَّخِذَ يَأْخُذُ الشَيْءَ الذي يَصْطَفيهِ مِنْ جملةِ أشياءَ مثيلةٍ له وشبيهة، لغايةٍ في نفسِهِ ولمنفعةٍ له يتوخاها منه.
قولُهُ: {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} لذلك فقد رَدَّ اللهُ عليهم بأنَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ وَتَنَزَّهَ غَنِيٌّ عن ذلك كلِّه وأنَّ قوَّتَه بذاته وليست بغيرِهِ وأنَّ استمرارَ حياته من نفسِهِ وليس بولدٍ يخلُفهُ ويرثُه ويحملُ ذكرَهُ واسمَه من بعدِهِ، فهو تباركَ وتعالى غنيٌّ عَمَنْ سِوَاهُ، وليس بحاجةٍ إلى شيءٍ مما يتصورونُ مستغنٍ عن كلِّ ما يتوهَّمون، لا يشبهُ شيئاً ولا يشبهُه شيءٌ وَكُلُّ شَيءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، وهو غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، تعالى سبحانَه عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كبيراً.
قولُهُ: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ويتابعُ الحقُّ تباركت أسماؤهُ في تعزيزِ مفهومِ الألوهةِ، وكَيْفَ أنَّه مستغنٍ عن الولَدِ فيبيِّنُ أنَّ كلَّ ما في السَماواتِ والأَرْضِ هو مُلكٌ له سبحانَهُ، فهو من أوجدَه من العدمِ وهو مالكُ أمرِهِ والمهيمنُ عليه والمتحكمُ فيه فكيفَ يَكُونُ بحاجةٍ لشيءٍ ممن هو خَلَقَهُ وهو في دائرة سيطرتِه ومنْ بعض مُلْكِهِ، وكيفَ يكون لَهُ وَلَدٌ مِمَّا خَلَقَ، وَكُلُّ شَيءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ وَعَبْدٌ، والولَدُ إنما هو بضُعةُ أَبيهِ يشبههُ في صفاتِهِ، ويحملُ ميزاته؟!
قولُهُ: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} ثُمَّ كيفَ علمتمْ بهذا ومَنْ أعلمَكم به، ومن الذي يعلمُ عن اللهِ أمراً لم يعلِمْ به أحَداً من خلقِه لأنَّهُ مستحيلٌ لا وجودَ لَهُ لأنَّ هذا الأمرَ وإنْ تخيَّلته بعضُ العقولِ فإنَّه لا برهانَ لها عليه ولا دليل، وإذا ما عَرَضَتْه العُقولُ السَليمَةُ للمُناقَشَةِ والمحاكَمَةِ وَجَدَتْهُ مُسْتَحيلاً، فكيف يخلُقُ الخالقُ بعضاً مِنْهُ لأنَّ الولَدَ بعضُ أَبِيهِ ونِدَّهُ ومثيلَهُ ووريثُهَ بَعْدَ مَوْتِهِ واللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، حيٌّ بِذاتهِ أَزليُّ الوُجُودِ فلا بِدايَةَ لِوُجودِهِ، ولَيْسَ لَهُ نهايةٌ لأَنَّه لو كانَ ثمَّةَ بِدايَةٌ لَهُ لَكانَ لَهُ مُبدئٌ ومُوجِدٌ، ولَوْ كانَ لَهُ مُوجِدٌ لَكانَ أَقوى مِنْهُ وأَقْدرَ وأقدمَ، وإذاً فالأَقْوى والأقدرُ والأقدَمُ هوَ الإلَهُ الخالقُ المبدئُ. والوَلَدُ يَقْتَضِي المجانَسَةَ والمُشابهةَ، واللهُ تَعالى لا يجانِسُ شيئاً ولا يُشابِهُ شَيئاً. لِذلكَ يَقُولُ تَعَالَى لهؤلاءِ المُشْرِكين مَعَ اللهِ غيرَهُ: لَيْسَ لَدَيْكُمْ أَيُّها المُتَخَرِّصُونَ المخَمِّنونَ المُتَوَهِّمون المُفْتَرُونَ، ليسَ لَكمْ مِنْ دَلِيلٍ ولا مِنْ سُلْطَانِ عِلْمٍ، ولا حُجَّةٍ، ولا بُرْهَانٍ، ولا دَلِيلٍ، عَلَى مَا تَقُولُونَ مِنْ كَذِبٍ وافتراءٍ وَبُهْتَانٍ.
قولُهُ: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} يَسْتَنْكِرُ اللهُ تَعَالَى على هؤلاءِ المُشْرِكين مَا يتوهَّمونَ ويخمِّنونَ ويَقُولُونَ بِلاَ عِلْمٍ، ولا دليلٍ، ولا بُرهانٍ، وَلاَ بِيِّنَةٍ يُؤَيِّدُونَ بِهَا صِحَّةَ قَوْلِهِمْ، وَكَيْفَ يَقُولُونَ عَلَى اللهِ قَوْلاً لاَ يَعْلَمُونَ حِقِيقَتَهُ وَيَنْسِبُونَهُ إِلَيْهِ سبحانَه؟. فاتِّخاذُ الوَلَدِ إنَّما يَكونُ للحاجَةِ إلَيْهِ، واللهُ تَعالى غَيرُ محْتاجٍ إلى شيءٍ أبداً. وفي هذا تَوْبيخٌ لهم وتَقريعٌ على جَهْلِهم واخْتِلاقِهم، وفيهِ أيضاً تَنْبيهٌ على أَنَّ كُلَّ مَقالَةٍ لا دَليلَ عَلَيْها فهِيَ جَهَالةٌ، وأَنَّ العَقائدَ لا بُدَّ لها مِنْ بُرهانٍ قَطْعِيٍّ وأَنَّ التَقْليدَ بمَعْزِلٍ مِنَ الاعْتِدادِ بِهِ.
قولُهُ تَعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} قَالُوا: فِعْلٌ وفاعِلُه واوُ الجماعةِ والألفُ فارقة، والجملةُ مُسْتَأْنَفَة، و “اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا” فِعْلٌ وفاعِلٌ ومَفْعولٌ بِهِ؛ لأنَّ “اتَّخَذَ” هُنا بمَعْنى تَبَنَّى، والجُملَةُ في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالُوا”، و “سُبْحَانَهُ” مَنْصُوبٌ عَلى المَفْعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، بِفِعْلٍ محذوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنْ كلامِهِ تَعالى.
قولُهُ: {هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض} هُوَ الْغَنِيُّ: مُبْتَدَأٌ وخَبرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ جملةِ التَنْزيهِ: “سبحانَه”، و “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ رفعِ خَبرٍ مُقَدَّمٌ، و “مَا” اسْمٌ مَوْصولٌ في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، و “فِي السَّمَاوَاتِ” صِلَةُ “ما” المَوْصولةِ، و “وَمَا فِي الأَرْضِ” الواو: للعَطْفِ، و “في الأرضِ” جارٌ ومجرورٌ معطوفٌ على “ما في السموات”، والجُمْلَةُ الاسمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ جملَةِ: “هُوَ الْغَنِيُّ”.
قولُه: {إنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} إنْ: نافيَةٌ، و “عِنْدَكُمْ” ظرفٌ مكانٍ خبرٌ مقدَّمٌ مضافٌ والكافُ مَضافٌ إليهِ والميمُ للجمعِ المُذَكَّر، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٍ و “سُلْطَانٍ” مجرورٌ لفظاً بحرف الجرِّ الزائدِ، مَرْفوعٌ محلاً على أنَّه مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ “مِنْ سلطان” مَرْفوعاً بالفاعِلِيَّةِ بالظَرْفِ قَبْلَهُ لاعْتِمادِهِ عَلى النَفْيِ، و “مِنْ” مَزيدةٌ عَلى كِلا التَقْديرَيْنِ. و “بِهَذَا” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “سُلْطَانٍ”. لأنَّهُ بمَعنى الحُجَّةِ والبُرهانِ، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بمَحْذوفَ صِفَةً لَهُ، فيُحْكَمَ على مَوْضِعِهِ بالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبالرَّفْعِ على المحلِّ؛ لأَنَّ مَوصوفَهُ مجْرورٌ بحَرْفِ جَرٍّ زائدٍ، وأَنْ يَتَعَلَّقَ بالاسْتِقرارِ.
قال الزَمَخْشرِيُّ: الباءُ حقُّها أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: “إنْ عندكم” على أَنْ يُجْعَلَ القَوْلُ مَكاناً للسُلْطانِ كَقَوْلِكَ: ما عِنْدَكُمْ بِأَرْضِكم مَوْزٌ. كأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ عِنْدَكم بما تَقولونَ سُلْطان. وقالَ الحُوفيُّ: و “بهذا” مُتَعَلِّقٌ بمعنى الاسْتِقْرارِ. يَعْني بِهِ الذي تَعَلَّقَ بِهِ الظَرْفُ.
قولُهُ: {أَتَقُولُونَ على اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ} الهمزةُ: للاسْتِفْهامِ الإنْكاريِّ، و “تقولون” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخره لأنَّه من الأفعال الخمسةِ، وفاعِلُهُ واوُ الجماعة. و “عَلَى اللهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “تقولون”، و “مَا” مَوْصولَةٌ أَوْ نكرةٌ مَوصْوفَةٌ في محَلِّ نَصْبِ مَفْعولِ “تقولون”، و “لا” النافية، و “تَعْلَمُونَ” مثلُ: “تقولون” والجملةُ صِلَةُ “مَا” إنْ أَعْرَبْناها اسماً موصولاً، أَوْ صِفَةٌ لها، إنْ أعربناها نكرةً موصوفةً، والعائدُ أَوْ الرابِطُ محذوفٌ، تقديرُهُ: ما لا تَعْلَمونَهُ، وتكونُ جملةُ “تقولونَ” مُسْتَأْنَفَةً.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 67


هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
(67)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} وَاللهُ هُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَسْكُنَ فِيهِ النَّاسُ، وَيَسْتَرِيحُوا فِيهِ مِنْ نَصَبِهِمْ وَتَعَبِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ النَّهَارَ مُضِيئاً مُبْصِراً يَسْتَطِيعُونَ الإِبْصَارَ فِيهِ لِيَسْعَوا فِي تَأْمِينِ رِزْقِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، وَقَضَاءِ مَصَالِحِهِمْ، فهو تقريرٌ لما سَلَفَ مِنْ كونِ جميعِ الموْجوداتِ المُمْكِنَةِ تحتَ قُدْرَتِهِ، وتَنْبيهٌ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والنِعْمَةِ الشامِلَةِ لِيَدُلَّهم على تَوَحُّدِهِ سبحانَه وتفرُّدِهِ باسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، المُفْصِحِ عَنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ ـ سبحانَهُ وتعالى.
وقد جاء قولُهُ تعالى: “جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا” في قمَّةِ الفَصاحةِ، حيثُ حَذَفَ مِنْ كُلِّ جمْلةٍ ما ثَبَتَ في الأُخْرَى، وذَلكَ أَنَّهُ ذَكَرَ عِلَّةَ جَعْلِ اللَّيْلِ لَنَا، وهيَ قولُهُ “لِتَسْكُنوا” وحَذَفَها مِنْ جَعْلِ النَهارِ، وذَكَر صِفَةَ النَهارِ وهيَ قولُهُ “مُبْصِراً” وحَذَفَها مِنَ اللَّيْلِ لِدَلالَةِ المُقابِلِ عَلَيْهِ، والتَقديرُ: هوَ الذي جَعَل لَكُمُ اللّيْلَ مُظْلِماً لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِراً لِتَسْعَوْا فِيهِ لمَِعاشِكُمْ، فحَذَفَ “مُظْلِماً” لِدَلالَةِ “مًبْصِراً” عَلَيْهِ، وحذَفَ “لِتَتحرَّكوا” لدَلالَةِ “لِتَسْكُنُوا”. وَوَصْفُ النَهارِ بِأَنَّهُ مُبْصِرٌ مجازٌ عَقْلِيٌّ للمُبالَغَةِ في حُصولِ الإِبْصارِ فيهِ حَتى جَعَلَ النَهارَ هُوَ المُبْصِرَ. والمُرادُ: مُبْصِراً فيهِ الناسُ.
قولُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} وَفِي ذَلِكَ الاخْتِلاَفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبَيْنَ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِمَا، لآيَاتٌ وَبَرَاهِينُ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَظَمَّتِهِ، لِقَومٍ يَسْمَعُونَ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنَ التَّذْكِيرِ بِحِكْمَتِهِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَيَسْتَدِّلُونَ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ.
والآياتُ: الدَلائلُ على وحدانِيَّةِ اللهَ تَعالى، فإنَّ النِظامَ الذي نَشَأَ عنهُ الليلُ والنَهارُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَقائقَ كَثيرَةٍ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ والقُدْرَةِ وإتْقانِ الصُنْعِ. فمِنْ تَلكَ الآياتِ: خَلْقُ الشَمْسِ، وخَلْقُ الأَرْضِ، وخَلْقُ النُورِ في الشَمْسِ وخَلْقُ الظُلْمَةِ في الأَرْضِ، ووُصُولُ شُعاعِ الشَمْسِ إلى الأَرْضِ، ودَوَرانُ الأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ بحَيْثُ يَكونُ نِصْفُ كُرَتِها مُواجِهاً للشُعاعِ ونِصْفُها الآخَرُ محْجوباً عَنِ الشُعاعِ، وخَلَقَ الإنسانَ، وجَعَلَ نِظامَ مِزاجِهِ العَصَبيِّ مُتَأَثِّراً بِالْشُعاعِ نَشاطاً، وبِالْظُلْمَةِ فُتُوراً، وخَلَقَ حاسَّةَ البَصَرِ، وجَعَلَها مُقْتَرِنَةً بِتَأَثُّرِ الضَوْءِ؛ وجَعَلَ نِظامَ العَمَلِ مُرْتَبِطاً بحاسَّةِ البَصَرِ؛ وخَلَقَ نِظامَ المِزاجِ الإنْسانيِّ مُشْتَمِلاً على قُوًى قابِلَةٍ للقُوَّةِ والضَعْفِ، ثمَّ مَدْفوعاً إلى اسْتِعْمالِ قُواهُ بِقَصْدٍ وبِغَيرِ قَصْدٍ بِسَبَبِ نَشاطِهِ العَصَبيِّ، ثمَّ فاقِداً بالعَمَلِ نَصيباً مِنْ قُواهُ محْتاجاً إلى الاعْتِياضِ بِقُوى تَخَلُّفِها بالسُكونِ والفُتُورِ الذي يُلْجِئُهُ إلى طَلَبِ الراحَةِ. وأيَّةُ آياتٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذْهِ، وأَيَّةُ مِنَّةٍ عَلى الإنْسانِ أَعْظَمُ مِنْ إِيداعِ اللهِ فِيهِ دَواعِيَ تَسُوقُهُ إلى صَلاحِهِ وصَلاحِ نَوْعِهِ بِداعٍ مِنْ نَفْسِهِ.
قولُهُ تَعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لِتَسْكُنُوا فيهِ والنَهارَ مُبْصِراً} هُوَ الَّذِي: مُبْتَدَأٌ وخَبرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، و “جَعَلَ” فِعْلٌ ماضٍ وفاعلُهُ ضَميرٌ يَعودُ عَلى المَوْصُولِ، و “لَكُمُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “اللَّيْلَ”: مَفْعولٌ أَوَّلُ، ومفعوُلُهُ الثاني محذوفٌ، تَقديرُهُ: مُظْلِمًا، والجملَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. و “لِتَسْكُنُوا” اللامُ لامُ “كي” حرفُ جرٍّ، و “تسكنوا” فِعْلٌ وفاعِلُه واوُ الجماعة، مَنْصوبٌ بِ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ بعدَ لامِ كَيْ، و “فِيهِ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ، مجرورٍ باللامِ: والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ ب “جَعَلَ”، و “وَالنَّهَارَ” مَعْطوفٌ عَلى “اللَّيْلَ” “مُبْصِرًا” مَفْعولٌ ثانٍ. وقد أَسْنَدَ الإِبْصارَ إلى الظَرْفِ مجازاً كَقَولِهم: نهارُهُ صائمٌ ولَيْلُهُ قائمٌ ونائم. ومنه قولُ جَريرٌ:
لَقدْ لُمْتِنَا يا أَمَّ غِيلانَ في السُّرَى ………. ونِمْتِ، ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنائمِ
أيْ: يُبْصِرونَ فيه مَطالِبَ مَعايِشِهم. وقالَ قُطْرُب: يُقال: أَظْلَمَ الليلُ: صارَ ذا ظُلْمَةٍ، وأَضاءَ النَهارُ: صارَ ذا ضِياءٍ، فيَكونُ هَذا مِنْ بابِ النَسَبِ كَقَوْلهم: لابِنٌ وتامِرٌ، وكقولِه تَعالى في سورة الحاقَّة: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} الآية: 20، إلاَّ أَنَّ ذَلِكَ إنَّما جاءَ في الثُلاثيِّ، وفي فَعَّلَ بالتَضْعِيفِ عِنْدَ بَعْضِهم في قولِهِ تَعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} سورة فُصِّلَتْ، الآية: 46، في أَحَدِ الأَوْجُهِ.
قولُهُ: {إنّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} إنّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونسخ، و “فِي ذَلِكَ” الجارُّ والمجرورُ خبرٌ مُقدَّمٌ لِ “إنّ”، و “لآيَاتٍ” اسمُها مُؤَخَّرٌ، و “لِقَوْمٍ” جارٌّ ومجرورٌ صِفَةً ل “آيَاتٍ” وجملةُ “يَسْمَعُونَ” صِفَةٌ لِ “قَوْمٍ”، وجملةُ “إن” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها.

فيض العليم …. سورة يونس، الآية: 66


أَلا إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
(66)

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {أَلا إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّ مَنْ فِيهِمَا عَبِيدٌ لَهُ، وَهُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ مَالِكَ لِشَيءٍ سِوَاهُ، وقد قال تعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أَلا إِنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وهذا يَدُلُّ عَلى أَنَّ كُلَّ ما لا يَعْقِلُ فهوَ مُلْكٌ للهِ تَعالى، وأَمَّا هُنا فَجيء بكلمَةِ “مِنْ” وهي مختَصَّةٌ بمَنْ يَعْقِلُ فدَلتْ عَلى أَنَّ كُلَّ العُقَلاءِ داخلونَ تحتَ مُلْكِ اللهِ تعالى، فَيَكونُ مجموعُ الآيَتَيْنِ دالاً عَلى أَنَّ الكُلَّ مُلْكُهُ، وقد يكون المُرادُ بِ “مَنْ” تخصيصُ العقلاءِ بالذِكْرِ لِيَدُلَّ عَلى أَنَّه إذا كان هؤلاءِ لُهُ وفي مُلْكِهِ فالجَماداتُ أَوْلى بهذِهِ العُبودِيَّةِ، فيَكونُ ذَلِكَ قَدْحاً في جَعْلِ الأَصْنامِ شَرَكاءَ للهِ تَعالى، فإنَّ استخدامَ “مَنْ” شائعٌ في العُقلاءِ، والتَغْليبُ غيرُ مُناسِبٍ هُنا، وتخصيصُهم بالذِكْرِ للإيذان بعدَمِ الحاجَةِ إلى التَصْريحِ بِغَيْرِهم فإنهم مَعَ شَرَفِهم وعُلُوِّ طَبَقَتِهم إذا كانوا عَبيداً لَهُ سُبْحانَهُ واقعينَ تحتَ سطوةِ قَهْرِهِ ومُلْكِهِ فما عَداهم مِنَ المَوْجوداتِ أَوْلى بِذلكَ فمن كانَ ملك البلدِ رهنَ إشارتِهِ كانَتِ البَلَدُ كُلَّها خاضِعَةٌ لَهُ، وهوَ مَعَ ما فيهِ مِنَ التَأْكيدِ لما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ باللهِ تَعالى الموجِبِ لِسَلْوتِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بالمُشْرِكين وبمقالاتهم تمهيدٌ لما يأْتي.
قولُهُ: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ} أَيْ: أَيُّ شيءٍ يَتَّبِعونَ، تحقيراً لهم، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلهاً مَعْبُوداً مَا يَعْبُدُهُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأَوْثَانِ وَالأَصْنَامِ؟ وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، وَيَدْعُونَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِمْ بِالقَرَابِينِ، لاَ يَتَّبِعُونَ شُرَكَاءَ للهِ، لأَنَّهُ تَعَالَى لاَ شَرِيكَ لَهُ، أيْ ما يَتَّبِعُ الذين يَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ شُرَكاءَ في الحقيقةِ وإنْ سمَّوْها شُركاءَ، وفيه بُرْهانٌ على بُطْلانِ ظُنونِهم وأَعْمالِهم المَبْنِيَّةِ عَلَيْها.
قولُهُ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} وَهُمْ لاَ يَتَّبِعُونَ فِي الحَقِيقَةِ فِيمَا يَقُولُونَهُ إَِلاَّ الظَّنَّ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ هَؤُلاَءِ أَوْلِيَاءُ اللهِ، وَشُفَعَاءُ عِنْدَهُ، وَوُسَطَاءُ لَدَيْهِ، أَيْ ما يَتَّبعونَ يَقيناً وإنَّما يَتَّبِعونَ ظَنَّهم الباطلَ.
قولُهُ: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} وَهُمْ فِي اتِّبَاعِ الظَّنِّ لَيْسُوا إِلاَّ مُتَخَرِّصِينَ يَقُولُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. والتَّخَرُّصُ: التَّقْدِيرُ لِلشَّيءِ الذِي لاَ يَجْرِي عَلَى قِيَاسٍ، كَتَقْدِيرِ مَا عَلَى الشَّجَرَةِ مِنْ ثِمَارٍ. أَيْ يحزِرونَ ويقدِّرونَ أَنهم شُركاءَ تَقْديراً باطلاً أوْ يكذِبون فيما يَنْسِبُونَهُ إِلَيْهِ سَبْحانَهُ وتَعالى فالخَرْصُ هنا إمَّا بمعنى الحَزْرِ والتَخْمينِ كَما هُوَ الأَصْلِ الشائعُ فيهِ، وإمَّا بمعنى الكَذِبِ فإنَّهُ جاءَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ لِغَلَبَتِهِ في مثله.
قوله تعالى : {ألا إنَّ لله مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض} أَلا: حرفُ تَنْبيهٍ، و “إنَّ” حرْفُ نَصْبٍ ونسخٍ، و “للهِ” خبرها مُقَدَّمٌ، و “مَن” اسْمٌ مَوْصولٌ اسمُها مُؤخَّرٌ، وجملةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ، و “فِي السَّمَاوَاتِ” جارٌّ ومجرورٌ صِلَةُ المَوْصولِ، و “مَن” معطوفٌ عَلى “مَن” الأُولى. “فِي الأَرْضِ” صِلَتُها. ويجوزُ أَنْ يُرادَ ب “مَنْ” العقلاءُ خاصَّةً، ويكونُ مِنْ بابِ التَنْبيهِ بالأَعْلى عَلى الأَدْنى، وذَلِكَ أَنَّهُ تَعالى إذا كانَ يَمْلِكُ أَشْرَفَ المَخلوقاتِ وهما الثَّقَلانِ العُقلاءُ مِنَ الملائكة والإِنسِ والجِنِّ فَلأَنْ يَمْلِكَ ما سِواهمْ بِطَريقِ الأَوْلى والأَْحْرى. ويجوزُ أَنْ يُرادَ العمومُ، ولكنْ غَلَّبَ العاقلَ عَلى غَيرِهِ.
قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ الذين يدعونَ من دونِ اللهِ شركاءَ} الواو: استئنافيَّةٌ، و “ما” الظاهرُ أَنَّها نافية، و “يَتَّبِعُ” فعلٌ مضارعٌ، و ” الَّذِينَ ” فاعلُهُ اسمٌ موصولٌ، والجملة مُسْتَأْنَفَةٌ، و “يَدْعُونَ”؛ فِعْلٌ وفاعلُهُ ومفعولُهُ محذوفٌ تقديرُهُ: آلهةً، والجملةُ صِلَةُ المَوْصول، والتقدير: وما يَتَّبِعُ الذين يَدْعُون مِنْ دُونِ اللهِ آلهةً شُرَكاءَ، و “شُرَكَاءَ” مَفعولُ: “يَتَّبِعُ” أَيْ: وما يَتَّبِعونَ شُرَكاءَ حَقيقَةً، وإنْ كانوا يُسَمُّونها شُرَكاءَ؛ لأَنَّ شِرْكَةَ اللهِ في الرُبوبِيَّةِ محالَةٌ. و “مِنْ دُونِ” جارٌ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ و “اللهِ” مُضافٌ إليه. ويجوزُ أَنْ تَكونَ “ما” اسْتِفْهاماً، يَعني: وأَيَّ شيءٍ يَتَّبعون، و “شركاء” على هذا نُصِبَ بِ “يَدَّعون”، وعلى الأول بِ “يَتَّبع” وكانَ حقُّه: وما يَتَّبِعُ الذين يَدْعُون مِنْ دونِ اللهِ شُركاءَ شُركاءَ. فاقْتُصِرَ عَلى أَحَدِهما للدَلالَةِ. ويجوزُ أنَ تكونَ “ما” مَوْصُولَةً بمعنى “الذي” نَسَقاً على “مَنْ” في قولِهِ: “ألا إِنَّ للهِ مَن فِي السماوات”، كأنَّهُ قيلَ: وللهِ ما يتَّبِعُهُ الذين يَدْعونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُركاءَ، أَيْ: وَلَهُ شُركاؤكم. ويجوزُ أَنْ تَكونَ “ما” المَوصولَةَ هذه في محلِّ رَفْعٍ بالابْتِداءِ، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: والذي يَتَّبِعُهُ المشركونَ باطلٌ. فهذه أَرْبعةُ أَوْجُهٍ في “ما”.
قولُهُ: {إِن يَتَّبِعُونَ} إِنْ: نافيةٌ، و “يَتَّبِعُونَ” فعلٌ مضارعٌ من الأفعالِ الخمسةِ وفاعلُه، و “إلاَّ” أَداةُ اسْتِثْناءٍ فهوَ اسْتِثْناءٌ مَفَرَّغٌ، ومفعولُ الظَنِّ محذوفٌ تقديرُهُ: إنْ يَتَّبِعونَ إلاَّ الظَنَّ أَنَّهم شُرَكاءُ، وعِنْدَ الكُوفِيّين تَكونُ “أَل” عِوَضاً مِنَ الضَميرِ تَقْديرُهُ: إِنْ يَتَّبِعونَ إلاَّ ظَنَّهم أَنهم شُرَكاءُ. والأَحْسَنُ أَنْ لا يُقَدَّر للظَنِّ مَعْمولٌ؛ إذِ المَعنى: إنْ يَتَّبِعونَ إلاَّ الظَنَّ لا اليَقينَ. و “وَإِنْ هُمْ” الواو: عاطفةٌ، و “إن” نافيةٌ، و “هُمْ” مُبْتَدَأٌ. “إلا” أَداةُ استِثْناءٍ مفرَّغٍ. وجملةُ “يَخْرُصُونَ” خبرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ على جملَةِ النَفْيِ قَبْلَها.
قَرَأَ العامَّةُ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ} ومَنْ قرأ “يَدْعُون” بِياءِ الغَيْبَةِ فقد جاءَ بِ “يَتَّبِعونَ” مُطابِقاً لَهُ، ومَنْ قَرَأَ “تدعون” بالخطابِ كالسُلَميِّ، وروي ذلك عنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ، فَيَكونُ “يَتَّبعونَ” الْتِفاتاً، إذْ هوَ خُروجٌ مِنْ خِطابٍ إلى غَيْبةٍ.


فيض العليم … سورة يونس الآية: 65

وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(65).

قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بأَلاَّ يحزَنَ لما يَسْمَعُهُ مِنْ أَذى أُولئكَ الكَفَرَةِ والمُشْرِكين الذينَ يحارِبونَ اللهَ ورَسُولَهُ، ويُقاوِمونَ دينَ الحقِّ لأنَّه يحُدُّ مِنْ جَشَعِهم وعُنْجُهِيَّتِهم، وفيهِ سَلْبٌ لِبَعْضِ امْتِيازاتهم، فَهُمْ طوراً يُكَذِّبونَ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآخَرَ يَتَّهِمونَهُ بالجُنونِ، أَوْ يَكيلونَ لَهُ السِبابَ والشَتائمَ، فالحُزْنُ المَنْهِيُّ عَنْ تَطَرُّقِهِ هوَ الحُزْنُ الناشئُ عَنْ أَذى المُشْرِكينَ بِأَقْوالهم البَذيئَةِ وتهديداتهم. ووَجْهُ الاقْتِصارِ على دَحْضِ هذِهِ الأَقْوالِ أَنَّ النَبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لم يَكُنْ يَلْقى مِنَ المُشركينَ مُحْزِناً إلاَّ أَذَى القَوْلِ.
قولُهُ: {إنَّ العِزَّةَ للهِ جميعاً} تَعْليلٌ لِدَفْعِ الحُزْنِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بعدَ أنْ بَيَّنَ في الآيةِ التي قبلَها أَنَّ لَهُ ولأتْباعِهِ أَمْناً مِنْ كُلِّ محذورٍ وفَوْزاً بِكُلِّ مَطْلوبٍ، ولِذلكَ فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ جملَةِ النَهْيِ ولم تُعطفْ عليها، لِبَيانِ أنََّ ما يتمتَّعُ بهِ المُشركونَ مِنْ عِزَّةٍ هوَ كالعَدَمِ لمحدوديَّتِهِ وآنيَّتِهِ، فإنَّ العِزَّةَ الحقَّ هي للهِ تعالى، في مُلْكَتِهِ وسُلْطانِهِ لا يملُكُ أَحَدٌ منها شيئاً أَصْلاً، لا هُمْ ولا غَيرُهم فهوَ يَقْهَرُهم ويَعْصِمُكَ مِنْهم ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِم، فهو يُعِزُّ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ويُذِلُّ مَنْ يَشاءُ. وفيه بشارةٌ للنبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلم، وللمؤمنين معه أَنَّ اللهَ تعالى معزُّهم وناصرُهم. فهي مِنْ جملَةِ المُبَشِّراتِ العاجِلَةِ، وقد كان كذلك.
والتَّعريفُ في “العِزَّةَ” تعريفُ الجِنْسِ المُفيدُ للاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. واللامُ في قولِهِ: “لله” للمُلْكِ. وقد أَفادَ جَعْلُ جِنْسِ العِزَّةِ مُلْكاً للهِ تعالى أَنَّ جميعَ أَنْواعِها ثابتٌ للهِ، فيُفيدُ أَنَّ لَهُ أَقْوَى أَنْواعِها وأَقْصاها. وبِذَلِكَ يُفيدُ أَنَّ غيرَ اللهِ لا يَمْلُكُ مِنْها إلاَّ أَنْواعاً قَليلَةً، فما مِنْ نوعٍ مِنْ أَنْواعِ العِزَّةِ يُوجَدُ في مِلْكِ غَيرِهِ سبحانَهُ، فإنَّ أَعْظَمَ مِنْهُ مِنْ نَوْعِهِ مِلْكٌ للهِ تَعالى. فلِذلِكَ لا يَكونُ لما يَمْلُكُهُ غَيرُ اللهِ مِنَ العِزَّةِ تَأْثيرٌ إذا صادَمَ عِزَّةَ اللهِ تَعالى، وأَنَّهُ لا يَكونُ لَهُ تَأْثيرٌ إلاَّ إذا أَمْهَلَهُ اللهُ، فكُلُّ عِزَّةٍ يَسْتَخْدِمُها صاحِبُها في مُناوَأةِ مَنْ أَرادَ اللهُ نَصْرَهُ فهِيَ مَدْحوضَةٌ مَغْلوبَةٌ، كما قالَ تَعالى في سورة المجادلة: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلي إنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزيزٌ} الآية: 21. وإذْ قدْ كانَ النَبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ وأَمَرَهُ بِزَجْرِ المُشْرِكينَ عَمَّا هُمْ فيهِ كَانَ بحيثُ يُؤمِنُ بالنَّصْرِ إذا أَعْلَمَهُ اللهُ بِأَنَّهُ مُرادُهُ، ويَعْلَمُ أَنَّ ما للمُشْرِكينَ مِنْ عِزَّةٍ هوَ في جانِبِ عِزَّةِ اللهِ تَعالى كالْعَدَمِ.
قولُهُ: {وهو السميعُ العليم} يَسْمَعُ ما يَقولونَ في حَقِّكَ ويَعْلَمُ ما يُبيِّتونَهُ ويَعْزِمونَ عَليْهِ، وهو محاسبُهم على ذلك ومجازيهم به ومعذِبُهم عليه. فإنَّ المخاطَبَ إذا تَذَكَّرَ أَنَّ صاحِبَ العِزَّةِ التي هم فيها يَسمعُ أَقْوالَهم ويَعْلَمُ أَحوالَهم زادَه ذَلِكَ قوَّةً في دَفْعِ الحُزْنِ عَنْ نَفْسِهِ من أقوالهم التي تُحزنُه، لأنّ الذي نهاه عَنِ الحُزْنِ من أقوالهم وتطاولهم أَشَدُّ منهم قُوَّةً ومحيطٌ عِلْمُهُ بما يَقولونَهُ وبِجميعِ أَحْوالهم. فهو إذا نهاك عن الحُزنِ ما نهاك إلاَّ وقدْ ضَمِنَ لَكَ السَّلامَةَ مِنْهم مَعَ ضَعِفِكَ وقوَّتِهم لأنَّهُ سبحانَه يمدُّك بِقُوَّتِهِ وهوَ أَعْلمُ بِتَكْوينِ أَسبابِ نَصْرِكَ عَليهِم.
والمرادُ ب “السميعِ” العالمُ بِأَقْوالهم التي مِنْ شَأْنها أَنْ تُسْمَعَ، وب “العليم” ما هوَ أَعَمُّ مِنْ أَحْوالهم التي لَيْسَتْ بمسموعاتٍ فلا يُطْلَقُ على العِلْمِ بها اسْمُ “السَّميع”.
قوله تعالى: {ولا يحْزُنْكَ قولهم} الواو: عاطفة أَوْ اسْتِئنافيَّةٌ، و “لا” نهيةٌ جازمةٌ، و “يحزنْكَ” فعلٌ مجزومٌ بـ “لا” الناهية، والكافُ مفعولُهُ، و “قولهم” فاعلُهُ، وهو مضافٌ، والهاءُ مُضافٌ إِلَيْهِ، والميمُ علامة جمعِ المُذَكَّرِ. قيلَ: وحُذِفَتْ صفةُ “قَوْلُهُمْ” لِفَهْم المعنى، إذِ التَقْديرُ: ولا يَحْزُنْكَ قولُهُمُ الدالُّ على تَكْذيبِكَ، وحَذْفُ الصِفَةِ وإبْقاءُ المَوْصُوفِ قليلٌ بخِلافِ عَكْسِهِ. وقيلَ: بَلْ هوَ عامٌّ أُريدَ بِهِ الخاصُّ. وجملةُ “وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ” مَعْطوفَةٌ على جملةِ {أَلاَ إِنَّ أَوْلياءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيْهم ولا هُمْ يحزَنونَ} الآية: 62 السابقة، عَطْفَ الجُزْئيِّ على الكُلِّيِّ لأنَّ الحُزْنَ المَذْكورَ هُنا نوعٌ مِنْ أَنْواعِ الحُزْنِ المَنْفِيِّ في قولِهِ: {ولا هُم يحزنون}، ولأنَّ الرَسُولَ ـ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْ أَوْلياءِ اللهِ الذين لا خَوْفَ عَلَيْهم ولا هم يحزنونَ. فكانَ مُقْتَضى الظاهِرِ أَنْ يُعْطَفَ بِفاءِ التَفْريعِ لأنَّ دَفْعَ هذا الحُزْنِ يَتَفَرَّعُ عَلى ذلكَ النَفْيِ ولكنْ عُدِلَ إلى العَطْفِ بالواوِ لِيُعْطِيَ مَضْمونَ الجُمْلَةِ المعطوفةِ اسْتِقْلالاً بالقَصْدِ إِلَيْهِ فيَكونُ ابْتِداءَ كلامٍ مَعَ عَدَمِ فَواتِ مَعنى التَفْريعِ لِظُهورِهِ مِنَ السِيَاقِ. فقيلَ أيضاً هِيَ جملةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ.
قولُهُ: {إِنَّ العزة} إِنَّ: حرفٌ ناسخٌ ناصبٌ، و “الْعِزَّةَ” اسمُهُ منصوبٌ به، و “للهِ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ رفعِ خبرِهِ، و “جَمِيعًا” حالٌ مِنَ “الْعِزَّةَ” أَوْ تَوكيدٌ لها، ولم يُؤنَّثْ بالتاءِ، لأنَّ ما كان وزنُهُ “فَعيلاً” يَسْتَوي فيهِ المُذَكَّرُ والمؤنَّثُ لِشِبَهِهِ بالمَصادِرِ، وقد تَقَدَّمَ تحريرُهُ في قولِهِ تعالى في سورة الأعراف: {إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ} الآية: 56. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعليلِ ما قَبْلَها. وكلُّ جملةٍ كانَ مَضْمونها عِلَّةٌ للتي قَبْلَها تَكونُ كَذلِكَ، فالاسْتِئْنافُ البَيانيُّ أَعَمُّ مِنَ التَعْليلِ، وقد افْتُتِحَتْ بحَرْفِ التَأْكيدِ للاهتمامِ بها، ولأنَّه يُفيدُ مَفادَ لامِ التَعْليلِ وفاءِ التَفْريعِ في مِثْلِ هذا المَقامِ الذي لا يُقْصَدُ فيهِ دَفْعَ إِنْكارٍ مِنَ المُخاطَبِ.
قولُه: {هُوَ السَّمِيعُ العليمُ}: هو: مُبْتَدَأٌ؟ و “السَّميعُ” خبرُهُ، و “الْعَلِيمُ” خبرٌ ثانٍ؛ أَوْ صِفَةٌ ل “السَّمِيعُ” والجملَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قرَأَ العامَّةُ: {إنَّ العِزَّةَ} بكَسْرِ الهمزةِ استئنافاً وهوَ مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيلَ: هو جوابُ سؤالٍ مُقَدَّرٍ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأُجيبَ بِقولِهِ: “إِنَّ العزة للهِ جَمِيعاً”، لَيْسَ لهم مِنْها شَيْءٌ فَكَيْفَ تُبالي بهم وبِقولهم؟. وقرَأَ أَبو حَيَوَةَ: {أَنَّ العِزَّةَ} بِفَتْحِ همزة “أنَّ”. على حَذْفِ لامِ العِلَّةِ، أي: لا يَحْزُنْكَ قولهم لأجلِ أَنَّ العِزَّةَ للهِ جميعاً. أو على أنَّ “أنَّ” وما في حيِّزِها بَدَلٌ مِنْ “قولهم” كأنَّهُ قيلَ: ولا يَحْزُنْكَ أَنَّ العِزَّةَ لله، وهو بعيدٌ، فكَيفَ يَظْهَرُ هذا التَوْجِيهُ أَوْ يجوزُ القولُ بِهِ، وكيفَ يُنْهى رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ، عَنْ ذلكَ في المعنى، وهو َلم يَتَعاطَ شيئاً مِنْ تِلْكَ الأَسْبابِ، وأَيْضاً فمِنْ أَيِّ قَبِيلٍ هذا الإِبْدالُ؟ قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: ومَنْ جَعَلَهُ بَدَلاً مِنْ “قولُهم” ثمَّ أَنْكَرَهُ فالمُنْكَرُ هوَ تخريجُهُ لا ما أَنْكَرَهُ مِنَ القِراءَةِ بِهِ. يَعني أَنَّ إنكارَهُ للقراءةِ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ مَعْناها صَحيحٌ على ما ذَكَرْنا مِنَ التَعْليلِ، وإنما المُنْكَرُ هَذا التَخْريجُ. وقدْ أَنْكَرَ جماعةٌ هذِهِ القِراءَةَ ونَسَبُوها للغَلَطِ ولأكْثَرِ منْهُ. فقال بعضٌ منهم: فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكُفْرَ، وإذا كُسِرتْ كانَ اسْتِئْنافاً، وهذا يَدُلُّ على فضيلةِ عِلْمِ الإِعراب. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يجوزُ فَتْحُ “إنَّ” في هذا المَوْضِعِ وهوَ كُفْرٌ وغُلُوٌّ. وقالَ الشيخُ أبو حيَّانٍ: وإنَّما قالا ذلك بِناءً مِنْهُما عَلى أَنَّ “أنَّ” معمولةٌ ل “قولُهم”. قال السمينُ: كَيْفَ تَكونُ مَعْمُولَةً ل “قولُهم” وهيَ واجِبَةُ الكَسْرِ بَعْدَ القولِ إذا حُكِيَتْ بِهِ، كَيْفَ يُتَوَهَّم ذَلِكَ؟ وكَما لا يُتَوَهَّمُ هَذا المَعْنى مَعَ كَسْرِها لا يُتَوَهَّمُ أَيْضاً مَعَ فَتْحِها ما دامَ لَهُ وَجْهٌ صَحيحٌ.
والوقفُ على: “قَوْلُهُمْ” يَنْبَغي أَنْ يُعْتَمَدَ ويُقْصَدَ ثمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: “إن العزَّة” وإنْ كانَ مِنَ المُسْتَحيلِ أَنْ يَتَوَهَّم أَحَدٌ أَنَّ هذا مِنْ مَقولهم، إلاَّ مَنْ لا يُعْتَبَرُ بِفَهْمِهِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com