فيض العليم …. سورة يونس الآية: 29


َكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
(29)
قولُهُ ـ تعالى ذِكرُهُ: {فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أَيْ: إنَّ أولئكَ الشُرَكاءَ التي كانوا يَعبدونَهم مِنْ دونِ اللهِ يَقُولُون لمنْ أَشْرَكَ بهم اللهَ تعالى فعبدَوها: حَسْبُنا اللهُ شاهدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم، أَيُّها المُشْرِكون، فإنَّه قدْ عُلِمَ أَنّا ما عَلِمْنا ما تَقولونَ، فهم يُصِرُّونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَلاَ يَعْلَمُونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنَا وَنَحْنُ لاَ نَدْرِي بِكُمْ، وَاللهُ شَهِيدٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وهذا تَأْكِيدٌ للتَبَرِّي والإِنْكارِ، ورُجوعٌ إلى الشَهَادَةِ الحَقِّ في ذَلِكَ.
قولُهُ: {إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} فإِنَّنا مَا دَعَوْنَاكُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا، وَلاَ أَمَرْنَاكُمْ بِهَا، وَلاَ رَضِينَا مِنْكُمْ بِذَلِكَ. وَفِي هَذا تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللهِ غَيْرَهُ. ومِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ غَفْلَتها تلك كونُها جماداتٍ لا حِسَّ لها ولا شُعور. وقيل: لما في ذلك الموقفِ مِنَ الدَهْشَةِ والحِيرَةِ فَذلِكَ الكَذِبُ يَجْري مجرى كَذِبِ الصِبْيانِ والمجانين والمدهوشين. وقيل: إنهم ما أَقاموا لأعمال الكُفارِ وَزْناً فجَعَلوها كالعَدَمِ. وقيل: المرادُ أَنهم عَبَدوا الشياطينَ حيثُ أَمَروهم باتِّخاذِ الأَنْدادِ.
قولُهُ تعالى: {فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أَيْ: اكْتَفوا باللهِ و “اللهُ” في مَوْضِعِ رَفْعٍ على الفاعليَّةِ ب “كَفَى” بِتَقديرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائدةُ زيادتِهِ تَبْيينُ مَعْنى الأَمْرِ في لَفْظِ الخَبَرِ، فالباء تَدُلُّ على المُرادِ مِنْ ذَلِكَ، وهذه الجملةُ مُؤَكَّدَةٌ بالقَسَمِ لِيُثْبِتُوا بَراءَتَهم ممَّا أُلْصِقَ بهم. وقد عُطِفَتْ حملةُ القَسَمِ هذه بالفاءِ للدَلالَةِ عَلى أَنَّ القَسَمَ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكلامِ المُتَقَدِّمِ لأنَّ إخبارَهم بِنَفْيِ أَنْ يَكونوا يَعْبُدونهم خَبَرٌ غَريبٌ مُخالِفٌ لما هُوَ مُشاهَدٌ فناسَبَ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ ما يُحَقِّقُهُ ويُبَيِّنُهُ مَعَ تَأْكيدِ ذلك بالقَسَمِ. والإتيانُ بِفاءِ التَفْريعِ عِنْدَ تَعْقيبِ الكلامِ بِجُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ مِنْ فَصيحِ الاسْتِعْمالِ، ومِنْ خَصائِصِهِ أَنَّه إذا عُطِفَ بِفاءِ التَفْريعِ كانَ مُؤَكِّداً لما قَبْلَهُ بِطَريقِ تَفْريعِ القَسَمِ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّداً لما بَعْدَهُ بِطَريقِ جَوابِ القَسَمِ بِهِ. وزيادةُ الباءِ للتَأْكيدِ. و “شهيداً” نَصْبٌ عَلى التَمْييزِ، وقيلَ عَلى الحال. والظرفُ “بيننا” مُتَعَلِّقٌ ب “شهيدًا”.
قولُهُ: {إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابٌ للقَسَمِ. و “إنْ” مُخَفَّفَةٌ مِنْ “إنّ”. واسْمُها ضَميرُ شَأْنٍ مُلْتَزَمُ الحَذْفِ. وجملةُ: “كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ” مُفَسِّرَةٌ لِضَميرِ الشَأْنِ. واللامُ فارِقَةٌ بَينَ “إنْ” المؤكِّدَةِ المُخَفَّفَةِ، و “إنِ” النافيَةِ التي لا تلحقُها اللام. وتقديمُ قولِهِ: “عَنْ عِبَادَتِكُمْ” على عامِلِهِ “غافلين” للاهْتِمامِ وللرِعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. و “غافلين” خبرُ “كان”. و “إنْ” هذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هيَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقيلَةِ مُوجِبَةٌ، حَرْف ابتداءٍ ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقاً بَيْنَها وبَينَ “إنْ” النافية، وقالَ الفَرَّاءُ: “إنْ” بمعنى “ما” واللامُ بمعنى إلاَّ.

فيض العليم …. سورة يونس، الآية: 28


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
(28)
قولُهُ ـ تعالى وعزَّ: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} الحَشْرُ: الجَمْعُ مِنْ أَمْكِنَةٍ كثيرةٍ مُتَفَرِّقَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ، وهو بَيانٌ آخرُ لبَعْضٍ آخَرَ مِنْ أَحْوالهِمُ الفَظِيعةِ، وسيرتهمُ الشَنيعَةِ. وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ أَحْسَنُوا فِي الدُّنْيا، وَلِمَنْ أَسَاؤُوا فِيهَا، أَهْوَالَ يَوْمِ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ أَهْلَ الأَرْضِ جَمِيعاً، مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، وَمِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، لِيُحاسَبَ كلٌّ على ما فعلَ ويجازى كلٌّ بما قدَّمَ. وقد ذَكَرَ “نحشُرُهم جميعاً” هُنا للتَنْبيهِ عَلى أَنَّ افتضاحَ حالِ المشركين إنّما يَكونُ بمَرْأَى من المؤمنين ومَسْمَعٍ، لتَكونَ السلامةُ مِنْ ذلكَ زيادةً في النِعْمَةِ على المؤمنين ولتكونَ النِكايَةُ للمُشرِكين أشدَّ.
قولُهُ: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: الزَمُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ مَكَاناً مُعَيَّناً لاَ تَبْرَحُونَهُ حَتَّى تَنْظُرُوا مَا يُفْعَلُ بِكُمْ، وَيُفْصَلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شُرَكَائِكُمْ فِيمَا كَانَ سَبَبَ عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَالحُجَّة التِي يُدْلِي بِهَا كُلُّ فَرِيقٍ. وثمَّ تفيدُ الترتيبَ وهذا يعني أنَّ قبلَ قولِهِ هذا قولٌ آخرُ موجَّهٌ للذين آمنوا في مقابلِ قولِه: “للذين أشركوا” طالما أَنَّ الجميعَ محشورٌ ذلك اليومِ، لكنه سبحانَه يعجِّلُ حسابَ المؤمنين ومثوبتهم نظراً لصعوبةِ الموقفِ، ويؤخرُ حسابَ الذين أشركوا ليزدادوا خوفاً وعذاباً حتى أنهم يَتَمَنَّونَ الذهابَ إلى الجحيم لِيَتَخَلَّصوا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ اليوْمِ وعَذابِهِ، كَما قِيلَ. وكفى به أنَّ العظيمَ سبحانهُ وتعالى وصَفَهُ بالعظيم في أوَّل سورة الحجِّ فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}. واللهُ أَعْلمُ.
قولُهُ: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ} ثُمَّ يُفَرِّقُ اللهُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، وَبَيْنَ مَنْ أَشْرَكُوهُمْ مَعَ اللهِ، وَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، لِتَقْطِيعِ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا مِنْ صِلاَتٍ وَرَوَابِطَ، ف “زيّلْنا” أَيْ: فَرَّقْنا وميَّزْنا كَما قَالَ تَعالى في سُورَةِ الفَتْحِ: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا} الآية: 25.
قولُه: {مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} أيْ: قَالَ الشُّرَكَاءُ لِمَنْ أَشْرَكُوا: مَا كُنْتُمْ تَخُصُّونَنَا بِالعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَهْوَاءَكُمْ وَشَيَاطِينَكُمْ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَرَى فِيهَا أَهْلُ الشِّرْكِ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُغْفَرُ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدَهَا سَاعَةٌ فِيهَا شِدَّةٌ تُنْصَبُ لَهُمُ الآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنَّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ لَهُمُ الآلِهَةُ: وَاللهِ مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلا نُبْصِرُ وَلا نَعْقِلُ، ولا نعلم إِنَّكُمْ تَعْبُدُونَنَا، فَيَقُولُونَ: بَلَى وَاللهِ إِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُمُ اللهُ تعالى: “فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنَّ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ”.
قولُهُ تَعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جميعاً} الواوُ: مستأنَفةٌ، و “يوم” مَنْصوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أي: خَوِّفْهم، أو ذكِّرْهم “يومَ”. والضميرُ عائد على الفريقين، أي: الذين أحسنوا والذين كسبوا. ويجوزُ أن يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْه قولُهُ: “ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ” والتقديرُ: ونَقولُ للذين أَشْرَكوا مَكانَكم يَوْمَ نَحْشُرُ النَّاسَ جميعاً. و “جميعاً” حال. ويجوزُ أَنْ تَكونَ تَأْكيداً عِندَ مَنْ عَدَّها مِنْ أَلْفاظِ التَأْكيدِ.
قوله: {مَكَانَكُمْ أنتم وشُرَكاؤكم} مكانَكم: اسْمُ فعلٍ، ففَسَّرَهُ النَّحْوِيّونَ ب “اثْبُتوا” فيَحْمِلُ ضَميراً، ولذلك أُكِّدَ بِقَوْلِهِ: “أنتم” وعُطِفَ عَلَيْهِ “شركاؤكم”، ومثلُهُ قوْلُ عَمْرو بْنِ الإطْنابَةَ الأَنْصارِيِّ:
وقَوْلِي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ ………. مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتريحي
أيْ: اثْبِتي، ويَدُلُّ عَلى ذلك جَزْمُ جوابِه وهُو “تُحْمَدي”. وفَسَّرَهُ الزمخشريُّ بِ “الْزَموا” فقال: “مكانكم” أي: الزَموا مَكانَكم، ولا تَبْرحوا حتى تَنْظُروا ما يُفْعلُ بِكم. قالَ أبو حيَّان: وتقديره له ب “الزموا” ليس بجيِّدٍ، إذْ لو كان كَذلِكَ لَتَعَدَّى كَما يَتَعَدَّى ما نابَ هذا عنْهُ، فإنَّ اسمَ الفعلِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ مُسَمَّاهُ، ولِذلكَ لمَّا قدَّروا “عليك” بمعنى “الْزَمْ” عَدَّوْهُ تعديَتَهُ نحو: عَلَيْكَ زَيْداً. وعنْدَ الحُوفيِّ “مكانَكم” نُصِبَ بإضمارِ فِعْلٍ، أي: الْزَموا مَكانَكم، أَوِ اثْبُتُوا. قال السمينُ: فالزَمَخْشَرِيُّ قد سُبِقَ بهذا التَفْسيرِ. والعذرُ لمَنْ فَسَّرَهُ بِذلِكَ أَنَّه قَصَدَ تَفْسيرَ المعنى، وكذلِكَ فَسَّرَهُ أَبو البَقاءِ فقالَ: “مكانكم” ظَرْفٌ مَبْنيٌّ لِوقُوعِهِ مَوْقِعَ الأَمْرِ، أيْ: الزَموا. وكونُهُ مَبْنِيّاً فيهِ خِلافٌ للنحويين: فمِنْهم مَنْ ذَهَبَ إلى ما ذَكَر، ومِنْهم مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّها حَرَكَةُ إِعْرابٍ، وهذانِ الوجهانِ مَبْنيَّانِ على خلافٍ في أَسماءِ الأَفعالِ: هَلْ لها محلٌّ مِنَ الإِعْرابِ أَوْ لا؟، فإنْ قُلْنا لها محلٌّ كانَتْ حَرَكاتُ الظَرْفِ حَرَكاتِ إعْرابٍ، وإنْ قُلْنا: لا مَحَلَّ لها كانَتْ حَرَكاتِ بِناءٍ.
و “أَنتُمْ” تَأْكِيدٌ للضَميرِ المُسْتَتِرِ في الظَرْفِ لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ كما تَقَدَّمَ. وأَجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ يَكونَ مُبْتَدَأً محذوفَ الخبرِ، و “شركاؤكم” مَعْطوفٌ عليْهِ، وقدَّرَهُ: أَنْتُم وشُركاؤكم مُهانونَ أَوْ مُعَذَّبون، وعليه فإنَّه يُوقَفُ على قولِهِ: “مكانكم” ثمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: “أنتم”، وفي هذا تَفكيكٌ لأَفْصَحِ كلامٍ وبتْرٌ لِنَظْمِهِ مِنْ غَيرِ داعٍ إلى ذَلِكَ، يدلُّ على ضَعْفِ هذا القولِ قِراءَةُ مَنْ قَرَأَ “وشركاءَكم” نَصْباً، فلا يَنْبَغي أَنْ يُقالَ، إذْ لا تَكونُ إلاَّ مِنَ الوَجْهِ الأَوَّلِ، ولقولِه: “فزيَّلْنا بينهم”، فهذا يَدُلُّ على أَنَّهم أُمِروا بالثَبَاتِ في مَكانٍ واحدٍ هُمْ وشُركاؤهم حتى يَحْصلَ التَّزْيِِيْلُ بَيْنَهم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضاً: ويجوزُ أَنْ يَكونَ “أنتم” تَأْكيداً للضَميرِ الذي في الفعلِ المُقَدَّرِ الذي هو “قِفُوا” ونحوِه. وقالَ الشيخُ أبو حيَّان: وهذا لَيْس بجيِّدٍ، إذْ لو كانَ تَأْكيداً لِذلِكَ الضَميرِ المُتَّصِلِ بالفِعْلِ لجَازَ تَقْديمُهُ عَلى الظَرْفِ، إذِ الظَرْفُ لم يَتَحَمَّلْ ضَميراً عَلى هَذا القَوْلِ فَيَلْزَمُ تَأْخيرُهُ عَنْهُ وهوَ غيرُ جائزٍ، لا تَقول: أَنْتَ مَكانَكَ. ولا يُحْفَظُ مِنْ كلامِهم. والأَصَحُّ أَنَّهُ لا يَجوزُ حَذْفُ المُؤكَّدِ في التَأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، فكَذلِكَ هَذا لأنَّ التَأْكِيدَ يُنافي الحَذْفَ، وليسَ مِنْ كَلامِهم: أَنْتَ زَيداً. لمَنْ رَأَيْتَهُ قد شَهَرَ سَيْفاً، وأَنْتَ تُريدُ: اضْرِبْ أَنْتَ زَيْداً. إنَّما كَلامُ العَرَبِ: زَيْداً، تُريدُ: اضْرِبْ زَيْداً. وقالَ السمينُ: لم يَعْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ “أنت” تَأْكيدٌ لِذلِكَ الضَميرِ في “قِفوا” منْ حيثُ إنَّ الفِعْلَ مُرادٌ غَيرُ مَنُوبٍ عَنْهُ، بَلْ لأنَّهُ نابَ عَنْهُ هذا الظَرْفُ، فهوَ تأكيدٌ لَهُ في الأَصْلِ قَبْلَ النِيابَةِ عَنْهُ بالظَرْفِ، وإنَّما قالَ: الذي هو “قفوا” تَفْسيراً للمَعْنى المُقَدَّرِ. وقرَأَ فرقةُ: “وشُرَكاءَكم” نَصْباً عَلى المَعِيَّةِ. والناصِبُ لَهُ اسْمُ الفِعْلِ.
قولُهُ: {فَزَيَّلْنَا}، وَزْنُهُ “فَعَّلَ” وقيل: “فَيْعَلَ” والأَوَّلُ أظْهَرُ، والتَضْعيفُ فِيهِ للتَكْثيرِ لا للتَعْدِيَةِ لأَنَّ ثُلاثِيَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ. فقد حَكى الفَرَّاءُ: (زِلْتُ الضَّأْنَ مِنَ المَعِزِ فلَمْ تَزِلْ)، ويقالُ: زِلْتُ الشَيْءَ مِنْ مَكَانِهِ أَزيلُهُ، وعلى هذا فهو مِنْ ذَواتِ الياء. والثاني: أَنَّهُ “فَيْعَل” كَ “بَيْطَر” و “بَيْقَر” وهو مِنْ زالَ يَزُولُ، والأصلُ: زَيْوَلْنا، فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهما بالسُكونِ فأُعِلَّتِ الإِعلالَ المشْهورَ وَهُوَ قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياءِ فيها، ك “مَيِّتٍ” في: “مَيْوَِت”، و “سَيّدٍ”، في “سَيْودِ”، وعلى هذا فهوَ مِنْ مادَّةِ الواوِ. وإلى هذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وتَبِعَهُ فيه أَبو البَقاءِ. وقالَ مَكِيٌّ: ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ “فَعَّلْنا” مِنْ “زَالَ يَزولَ” لأنَّهُ يَلزَمُ فيهِ الواوُ فَيَكونُ “زَوَّلْنا”. ورَدَّ أبو حيَّان الأندلُسيُّ كَوْنَهُ “فيْعَل” بِأَنَّ “فَعَّل” أَكْثَرُ مِنْ “فَيْعَل”، ولأَنَّ مَصْدَرَهُ “تَزْييل”، ولَوْ كانَ “فَيْعَل” لَكَانَ مَصْدَرُهُ “فَيْعَلة” ك “بَيْطَرة”؛ لأنَّ “فَيْعَل” مُلْحَقٌ ب “فَعْلَل”، ولِقَوْلِهم في مَعْناهُ “زايَل”، ولم يَقولوا “زاوَل” بمَعنى “فارَقَ”، إنَّما قالوهُ بمَعنى “حاوَلَ” و “خالَطَ”. وحكى الفَرَّاءُ “فَزايَلْنا” وبها قَرَأَتْ فِرْقَةٌ. قالَ الزَمخشريُّ: مثل “صاعَرَ” خَدَّهُ و “صَعَّرَهُ”، و “كالمتُه” و “كلَّمْته”، يَعني أَنَّ “فاعَل” بمعنى “فَعَّل”. و “زايَلَ” بمعنى فارَقَ. قال زهير ابْنُ أبي سُلمى:
وقال العذارى إنَّما أنت عَمُّنا ………. وكان الشبابُ كالخليطِ نُزايِلُهْ
وقال طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
لعَمْري لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده ….. لِذي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوىً لا يُزايلُهْ
وقوله: “فَزَيَّلْنَا” و “قال” هذانِ الفِعْلانِ ماضِيانِ لَفْظاً مُسْتَقْبَلانِ مَعْنىً لِعَطْفِهِما على مُسْتَقْبَلٍ وهُوَ “ويومَ نحشرهم” وهما نَظيرُ قولِهِ تَعالى في سورة هود: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ} الآية: 98. و “إيَّانا” مَفْعولٌ مُقَدَّمٌ قُدِّمَ للاهْتِمامِ بِهِ والاخْتِصاصِ، وهو واجبُ التَقْديمِ عَلى ناصِبِهِ لأنَّهُ ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَزِمَ اتِّصالُهُ.
قرأ العامَّةُ، نافع، وابْنُ كَثيرٍ، وأَبو عَمْرٍو، وعاصِم، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وشَيْبَةُ وغيرُهم: {نحشرهم} بِنُونِ العَظَمَةِ، وقرَأَتْ فِرْقةٌ: “يحشرهم” بالياء.

فيض العليم … سورة يونس، الآية: 27


وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(27)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ قَبْلَها جَزاءَ المُؤمِنينَ الذين أَحْسَنُوا بِأَنَّ لهم الحُسْنى وزِيادَةٌ، وأنَّ أجورهم مضاعفةٌ وأَنّهُ لا يُصيبُهم ما يُصيبُ غيرَهم مِنْ رَهَقٍ وقَتَرٍ وذِلَّةٍ، ثمّا عاد هُنا في هذه الآيةِ لِيُبَيِّنَ ما للمُجْرِمُينَ الذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وإذا كان كرمُهُ ـ جَلَّ جلالُهُ قد قضى بمضاعفة أجورِ المحسنين ومَنَّ عليهم بالزيادة فضلاً وتكرُّماً، فإنَّ عدلَهُ ـ جلَّ ثناؤه، قضى بأنَّ عقوبة الكَفرةِ والمجرمين الذين أساؤوا في الحياةِ الدنيا، بالعقوبة على السيِّئَةَ بمثلها دون زيادةٍ، وهذا بعد أنْ أَمْهَلَهم ليتوبوا في حياتِهِمُ الدُنيا إلى أَنِ انقضتْ آجالُهم، لكنَّهم أَصَرّوا على كُفْرِهم ومَعاصيهم، فَإِنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِيهِمْ فِي الآخِرَةِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا مِنْ عِقَابٍ، دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ مُضَاعَفَةٍ. وقد جاء السَبْكُ في هذه الآيةِ مغايراً لسبك الآيةِ التي قبلَها فلم يَقُلْ: وللذين كَسَبُوا السَّيِّئاتِ السَّوْأى، لمُراعاةِ ما بَينَ الفَريقَينِ مِنْ التَبايُنِ، وإيرادُ الكَسْبِ مُؤذِنٌ بأنَّ ذَلِكَ العقابُ إِنَّما هُوَ لِسوءِ صَنيعِهم، وبِسَبَبِ جِنايَتِهم عَلى أَنْفُسِهم.
قولُه: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ} فحَرِيٌّ بمَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وعَصاهُ بَدَلَ أنْ يَشْكُرَهُ على سابِغِ نِعَمِهِ، ولم يَتَّعِظ ْبوعْظِ النَبيينَ والهداةُ المُصْلِحين، وقدْ وَقَفَ بَينَ يَدَيْ ربِّه ومولاهُ يَنْتَظِرُ حَسابَهُ، ويَتَوَقَّعُ سوءَ مصيرِهِ وعِقابَه، أَنْ تَعْتَرِيهِ الذِلَّةُ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَيَعْلُو وجهَهُ الخَوْفُ مِنْ سوءِ مصيرِهِ، فلَنْ يَجِدَ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، مَنْ يَعْصِمُهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، ولا مَنْ يشفعُ له عندَهُ ولن يجِدَ ما يفتدي به نفسَه. وقد جاءتِ الذلَّةُ نَكِرَةً منوَّنَةً تفخيماً لها وتعظيماً وتشنيعاً لحالِ أصحابها. وأُسْنِدَ الرَهَقُ إلى أَنْفُسِهم دُونَ وُجوهِهم إيذاناً بأَنَّه محيطٌ بهم غاشٍ لهم يَعُمُّهم جميعاً، وقد نَفَى العاصِمَ مُبالَغَةً في نَفْيِ العِصْمَةِ.
قولُهُ: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} فَقَدْ أَثْبَتَ سُبْحانَهُ لهؤلاءِ الأَشْقياءِ كُلَّ ما كانَ نَفَاهُ مِنْ قَبْلُ عَنِ المؤمنين السُعَداءِ مِنْ عبادِهِ. وَمنْ كانَ هذا مصيرَهُ، والعياذُ باللهِ تعالى مِنْ غَضَبِهِ، يُصْبِحُ وَجْهَهُ مُسُوَدّاً مِنَ الهمِّ والغَمِّ وَالكَآبَةِ والذُلِّ، ومِنْ ظُلُماتِ الجَهْلِ كَأَنَّمَا عَلَتْهُ قِطَعٌ مِنْ ظَلاَمِ الَّلْيِل الحَالِكِ. لأنَّ العِلْمَ نُورٌ، وسُلْطانُ العُلومِ والمعارِفِ ورأسُها كُلِّها مَعْرِفَةُ اللهِ تعالى، وهَؤُلاءِ قد حُرِمُوا هَذِهِ المَعْرِفَةَ فَأَظلمتْ قلوبهم فانْعَكسَ ذلك على وُجوهِهم، وكُلُّ قَلْبٍ فيهِ مَعرفَةُ اللهِ تعالى مُنَوَّرٌ بنورِ بمعرفَتِهِ سبحانَه، وهذا النورُ مُنْعَكِسٌ على وجْهِهِ أيضاً، وهذا أَمْرٌ مشاهدٌ مَلْموسٌ في الدنيا، فإنَّك تَرَى وَجْهَ المُؤمِنِ الطائعِ مُشْرِقاً حتى ولو كانَ أَسْوَدَ البَشَرةِ، كما تَرَى المُشْرِكَ والعاصِي مُظْلِمَ الوَجْهِ ولو كانَ أَبْيَضَ البَشَرَةِ، وقد كانَ الشِبْلِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، يَتَمَثَّلُ بهاذين البيتين:
كل بيتٍ أَنْتَ ساكِنُهُ …………………….. غيرُ محتاجٍ إلى السُرُجِ
وجْهُكَ المأْمولُ حُجَّتُنا ………………….. يَوْمَ يَأْتي النّاسُ بالحُجَجِ
وهما لِلشاعرِ العبّاسيِّ عَبْدِ الصَمَدِ بْنِ المُعَذَّلِ، مِنَ المديدِ وتمامُها:
يا بَديعَ الدَّلِّ وَالغُنُجِ! …………………… لَكَ سُلطانٌ عَلى المُهَجِ
إنَّ بَيْتاً أنْتَ سَاكِنُهُ ……………………… غَيرُ مُحتَاجِ إلى السُّرُجِ
وَجهُكَ المَعشوقُ حُجّتُنا …………………. يَوْمَ يأتي النّاسُ بالحُجَجِ
لا أَتاحَ اللهُ لي فَرَجاً …………………….. يَوْمَ أَدْعُو مِنْكَ بالفَرَجِ
والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول بدلاً من المعشوق، فقد نَقلوهُ إلى ما لهم في ذَلِكَ مِنَ سامي المعاني.
قولُه: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وَهَؤُلاَءِ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يَدْخُلُونَهَا ولا يخرجون، وَهم فيها أَبَداً مخَلَّدُونَ.
قولُهُ تَعالى: {والذين كَسَبُواْ} نَسَقٌ على قولِه: {للذين أَحْسَنُوا} من الآيةِ التي قبلَها، أَيْ: للذين أَحْسَنُوا الحُسْنى، وللذين كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلِها، فيَتَعادَلُ التَقْسيمُ، ويُسَمّي النَحْوِيّونَ ذَلِكَ عَطْفاً على مَعْموليْ عامِلَينِ. وفيهِ ثلاثةُ مَذاهِبَ، أَوَّلُها: الجَوازُ مُطْلَقاً، وهو قولُ الفَرَّاءِ. وثانيها: المَنْعُ مُطْلَقاً وهوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وثالِثُها: التَفْصيلُ بَينَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الجارُّ نحو: في الدارِ زَيْدٌ والحِجْرَةِ عَمْرٌو، فيَجوزُ، أَوْ لا، فيَمْتَنِعُ نحوَ: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعَمْراً القَصْرِ، أَيْ: وإنَّ عَمْراً في القَصْرِ. وسِيبَوَيْهِ وأَتْباعُهُ يُخَرِّجونَ ما وَرَدَ مِنْهُ على إِضْمارِ الجارِّ كَقَولِهِ تَعالى في سُورَةِ الجاثية: {واختلافِ الليلِ والنَّهارِ … لآيَاتٍ} الآية: 5. بِنَصْبِ “آياتٍ” في قراءَةِ الأَخَوَيْنِ: حمزة والكسائيِّ، ومِنْهُ قولُ أَبي دُؤادٍ الإيادِيِّ:
أَكُلَّ امْرِئٍ تحسَبينَ امْرأً …………………… ونارٍ تُوقَّدُ بالليْلِ نارا
وعليه قولُ الحُطَيْئَةِ يُوصِي ابْنَتَهُ بَرَّةَ:
وصَّيْتُ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حُرّاً ……………… بالكَلْبِ خَيْراً والحَمَاةِ شَرَّا
وقد ذَهَبَ إلى أَنَّ هَذا الموصولَ مجرورٌ عَطْفاً على المَوصولِ قَبْلَهُ جماعةٌ منهمُ ابْنُ عطيَّةَ والزمخشريُّ.
وقيلَ: “الذين” مُبْتَدَأٌ، و “جَزاء سيئة” مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخبرُهُ قولُهُ: “بمثلها”، والباءُ فيهِ زائدَةٌ، أيْ: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كما قالَ تعالى في سورةِ الشورى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} الآيةُ: 40، كما زِيْدَتْ في الخبرِ في قولِ عُبَيْدَةَ بْنِ رَبيعةَ بْنِ قَحفانَ التَميميِّ، وقدْ سَألَهُ بَعْضُ المُلوكِ فَرَساً لَهُ يُقالُ لها (سَكابِ)، فمَنَعَهُ إيّاها وقالَ لَهُ مُسْتَعْطِفاً لِيَرْجِعَ عَنْ طَلَبِهِ:
فلا تَطْمَعْ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، فيها ……………. ومَنْعُكها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ
أي: شيءٌ يستطاعُ. وكما زيدت في قولِ امرِئِ القيس:
فإن تَنْأَ عنها حقبةً لا تلاقِها …………….. فإنَّك ممَّا أَحْدَثْتَ بالمجرِّبِ
أي: المجرِّبُ. وهذا قولُ ابْنُ كَيسانِ في الآية. وقيلَ إنَّ الباءَ لَيْسَتْ بِزائدَةٍ، والتَقديرُ: مُقَدَّرٌ بمِثْلِها أَوْ مُسْتَقِرٌّ بمِثْلِها، والجملة الإسميَّةُ من المُبْتَدَأِ الثاني وخَبَرِهُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وقيل: إنَّ خَبَرَ “جزاءُ سَيِّئَةٍ” محذوفٌ، فقَدَّرَهُ الحُوفيُّ بِقَوْلِهِ: لهم جزاءُ سَيِّئَةٍ. قال: ودَلَّ عَلى تَقديرِ “لهم” قولُهُ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى} من الآيةِ التي قبلَها، حتى تَتَشاكَلَ هَذِهِ بهَذِهِ. وقدَّرَهُ أَبو البَقاءِ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلِها وَاقِعٌ، وهوَ وخبَرُهُ أَيْضاً خَبَرٌ عَنِ الأَوَّلِ. وعلى هذيْنِ التَقْديرَيْنِ فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ “جَزاءُ”، لأنَّ هذِهِ المادَّةَ تَتَعَدَّى بالباءِ، كما في قولِهِ تعالى: {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} سورةُ سَبَأ، الآية: 17. وكما في قولِهِ: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} سورة الإنْسان، الآية: 12. إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والرّابِطُ بينَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والمَوْصُولِ الذي هُوَ المُبْتَدَأُ، على تَقديرِ الحُوفيِّ هُوَ الضَميرُ المَجْرورُ باللامِ المُقَدَّرُ خَبَراً، وعلى تَقديرِ أَبي البَقاءِ هُوَ محْذوفٌ تَقديرُهُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلِها مِنْهم واقِعٌ، نحو: السَّمْنُ مَنَوان بِدِرْهَمٍ. وهوَ حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. ويجوزُ أَنْ يكونَ خَبَرُ “الذين” الجملةَ المَنْفِيَّةَ مِنْ قولِهِ: “مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ”، ويَكونُ “مِنْ عاصم” إمَّا فاعِلاً بالجارِّ قَبْلَهُ لاعْتِمادِهِ على النَفْيِ، وإمَّا مُبْتَدأً وخبرُهُ الجارُّ مُقَدَّماً عَلَيْهِ، و “مِنْ” مَزيدَةٌ فيهِ على كِلا القَوْلَيْنِ، و “من اللهِ” مُتَعَلِّقٌ بِ “عاصمٍ”. وعلى كَوْنِ هذِهِ الجُمْلَةِ خبرَ المَوْصولِ يَكونُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ بجُمْلَتي اعْتِراضٍ. وقيلَ بأَنَّ الخَبَرَ هُوَ الجُمْلَةُ التَشْبيهِيَّةُ مِنْ قولِهِ: “كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ”، و “كأنَّ” حَرْفٌ مَكْفُوفٌ، و “ما” زائدُةٌ وتُسَمَّى كافَّةً ومُهَيِّئَةً. وعلى هذا الوَجْهِ فَيَكونُ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ المُبْتَدأِ وخَبَرِهِ بِثَلاثِ جُمَلِ اعْتِراضٍ. أَخيراً قيلَ بأَنَّ الخَبَرَ هُوَ الجُمْلَةُ مِنْ قولِهِ: “أولئك أَصْحَابُ النار”، وعليه فيكونُ قَدْ فُصِلَ بِأَرْبَعِ جُمَلٍ مُعْتَرِضَةِ وهي: “جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا”، و “وتَرْهَقُهم ذلة”، و “مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ”، و “كأنما أُغْشيت”. ولا يَجوزُ الفَصْلُ بِثَلاثِ جُمَلٍ فَضْلاً عَنْ أَرْبَعٍ.
وقولُهُ: {وَتَرْهَقُهُمْ} قال أبو البقاءِ هي في محَلِّ نَصْبٍ على الحالِ. ولم يُبَيِّنْ صاحِبَها، وصاحِبُها هوَ المَوْصولُ أَوْ ضَميرُهُ. وفيهِ ضَعْفٌ لمُباشَرَتِهِ الواوَ، إلاَّ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ. وقيل: إنَّها مَعْطوفَةٌ على “كَسَبُوا”. وقد ضَعَّفَهُ أبو البقاءِ لأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يُعْطَفُ على الماضي. فإنْ قيلَ: هوَ بمَعنى الماضي فَضَعيفٌ جداً.
قولُهُ: {مُظْلِماً}، يجوزُ أَنْ يَكونَ نَعْتَاً ل “قِطْعاً”، بحسْبِ قراءةِ من قرأَ بذلك، وقد وُصِفَ بذلكَ مُبالَغَةً في وَصْف وُجُوهِهم بالسَوادِ، ويجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً، وفيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ، أوَّلُها: أَنَّهُ حالٌ مِنْ “قِطْعاً”، وجازَ ذَلْكَ لِتَخَصُّصِهِ بالوصف بالجارِّ بعدَهُ وهوَ “من الليل”، وثانيها: أَنَّهُ حالٌ مِنَ “الليل”، وثالِثُها: أَنَّهُ حالٌ مِنَ الضَميرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ لِوُقوعِهِ صِفَةً. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْتَ: إذا جَعَلْتَ “مُظْلِماً” حالاً مِنَ “الليل” فما العاملُ فيه؟ قال السمينُ: لا يخلو: إمَّا أَنْ يَكونَ “أُغْشِيَتْ” مِنْ قِبَلِ أَنَّ “من الليل” صِفَةٌ لِقولِهِ: “قِطْعاً”، وكانَ إِفْضاؤهُ إلى المَوْصوفِ كإفْضائِهِ إلى الصِفَةِ، وإمِّا أَنْ يَكونَ مَعنى الفِعْلِ في “مِنَ اللّيْلِ”. وقالَ أَبو حَيّان الأندلُسيُّ: أَمَّا الوَجْهُ الأَوَّلُ فهوَ بَعيدٌ لأنَّ الأَصْلَ أَنْ يَكونَ العاملُ في الحالِ هُوَ العاملَ في ذي الحالِ، والعاملُ في “مِنَ اللّيْلِ” هُوَ الاسْتِقْرارُ، و “أُغْشِيَتْ” عاملٌ في قولِهِ: “قطعاً” الموْصوفِ بِقَوْلِهِ: “مِنَ اللّيْلِ” فاخْتَلَفا، فلِذلِكَ كانَ الوَجْهُ الأَخيرُ أَوْلى، أيْ: قِطَعاً مُسْتَقِرَّةً مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ كائنَةً مِنَ اللَّيْلِ في حالِ إِظْلامِهِ. قال السمينُ: ولا يَعْني الزَمَخْشَرِيُّ بِقولِهِ: (إنَّ العاملَ أُغْشِيَتْ) إلاَّ أَنَّ المَوْصوفَ وَهُوَ “قِطْعاً” مَعْمُولٌ لأُِغْشِيَتْ والعامِلُ في المَوْصوفِ هُوَ عامِلٌ في الصِفَةِ، والصِفَةُ هِيَ “مِنَ الليل” فهي مَعْمُولَةٌ لِ “أُغْشِيَتْ”، وهِيَ صاحِبَةُ الحالِ، والعاملُ في الحالِ هُوَ العامِلُ في ذِي الحالِ، فجاءَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ العامِلَ في الحالِ هُوَ العامِلُ في صاحِبِها بهذِهِ الطَريقَةِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “قِطْعاً” جمعَ قِطْعَةٍ، أَيْ: اسْمَ جِنْسٍ، فيَجوزُ حِينَئذٍ وَصْفُهُ بالتَذْكيرِ نحْوَ قولِهِ تعالى في سُورةِ القَمَر: {كأنَّهم أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} الآية: 20. والتأنيثِ نحوَ قولِهِ في سُورَةِ الحاقَّة: {كأنَّهم أَعْجازُ نخلٍ خاوَيَةٍ} الآية: 7.
وأَمَّا على قراءَةِ العامَّةِ فقالَ مَكّيُّ وغَيرُهُ: إنَّ “مظلماً” حالٌ مِنَ “اللَّيْلِ” فَقَط. ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ صِفَةً لِ “قِطَعاً”، ولا حالاً مِنْهُ، ولا مِنَ الضَميرِ في “مِنَ اللَّيْلِ”، لأنَّهُ كانَ يَجِبُ أَنْ يُقالَ فيهِ: مُظْلِمَةً. قال السمينُ: يَعْنُونَ أَنَّ المَوْصوفَ حِينَئذٍ جمعٌ، وكذا صاحِبُ الحالِ فتَجِبُ المُطابِقَةُ. وأَجازَ بَعْضُهُمْ ما مَنَعَهُ هؤلاءِ وقالوا: جازَ ذَلِكَ لأَنَّهُ في مَعْنى الكَثيرِ، وهذا فيهِ تَعَسُّفٌ. وإذا جَعَلْتَ “مُظْلِماً” نَعْتاً لِ “قِطَعاً”، فَتَكونُ قدْ قَدَّمْتَ النَّعْتَ غيرَ الصَريحِ عَلى الصَريحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فإذا كانَ “مُظلماً” نَعْتاً لِ “قطعاً” فَكانَ حَقُّهُ أَنْ يَكونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولكنْ قَدْ يَجيءُ بَعْدَ هَذا، وتقديرُ الجُملةِ: (قطعاً استقرَّ مِنَ الليلِ مُظْلماً). على نحو قولِهِ في سورةِ الأنعامِ: {وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} الآية: 155. قالَ أبو حيّان: ولا يَتَعيَّنُ تقديرُ العامِلِ في المجرورِ بالفِعْلِ فَيَكونُ جملةً، بَلِ الظاهِرُ تَقْديرُهُ باسْمِ الفاعِلِ، فَيَكونُ مِنْ قَبيلَ الوَصْفِ بالمُفْرَدِ، والتَقديرُ: قطعاً كائناً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً. قال السمينُ: المحذورُ تَقديمُ غيرِ الصَريحِ على الصَريحِ ولَوْ كانَ مُقَدَّراً بمُفْرَدٍ. وقيل: “قطعاً” مَنْصوبٌ بِ “أُغْشِيَتْ” مَفْعولاً ثانياً.
قرأ العامَّةُ: {وتُرْهقهم ذلَّةٌ} بالتاءِ مِنْ فوقِ، وقرئ: “ويَرْهقهم” بالياءِ مِنْ تحتِ، لأَنَّ تَأْنيثَها مَجَازِيٌّ.
وقرأَ العامَّةُ: {قِطَعاً منَ الليلِ مظلماً} بتحريكِ “قِطَعاً” جمعَ “قطعةٍ”، نحو: دِمْنةٍ وَدِمَنٍ، وكِسْرَةٍ وكِسَرٍ. وقَرَأَ ابْنُ كَثيرٍ والكِسائيُّ “قِطْعاً” بِسُكُون الطاءِ. فأما القراءَةُ الثانيةُ فاخْتُلِفَ فيها، فقالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: “القِطْعُ” ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. وقالَ الأَخْفَشُ في قولِهِ: “بقِطْع من الليْلِ” بِسَوادٍ مِنَ الليلِ. وقالَ غيرُه: طائفٍ مِنَ الليلِ، وأَنْشَدَ الأَخْفَشُ لِعَبْدِ الرَحمنِ بْنِ الحَكَمِ بْنِ العاصِ:
افْتَحِي البابَ فانْظُري في النُّجومِ ……… كَمْ عَلَيْنا مِنْ قِطْعِ لَيْلٍ بَهيمِ
وقيلَ البَيْتُ لِزِيادٍ الأعْجَمِ من قصيدةٍ له يمْدَحُ فيها أميرَ المؤمنينَ مُعاوِيَةَ بْنِ أبي سفيانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.
وقرأ أُبَيُّ بْنُ كعبٍ ـ رضي اللهُ عنه: “تَغْشى وُجوهَهُمْ قِطْعٌ” بالرَّفْعِ، و “مظلمٌ”. وقرَأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ كذلِكَ، إلاَّ أَنَّهُ فَتَحَ الطاءَ.

فيض العليم …. سورة يونس، الآية: 26


لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(26)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} للذينَ أحسنوا: وَهُمْ خَوَاصُّ الخَوَاصِّ من عبادِ اللهِ تعالى، “الحسنى” أَيْ: الجنَّةُ وما فيها من نعيمٍ مقيمٍ، و “زِيادةٌ” أيْ: فَوْقَ أُجورِهم، كعادةِ الكُرَماءِ، أَنْ يعطوا أجيرهم فوق ما هو مُتَوافقٌ عَلَيْهِ، وهذِهِ الزِيادةُ التي هيَ النَظَرُ إلى وَجْهِهِ الكريمِ، هي بالكَرَمِ الإلهيِّ، فإنَّ مِنْ شَأْنِ الكَريمِ أَنْ يُقْبِلَ على ضِيفانِهِ ويَلْقاهُمْ بِوَجْهٍ بَشوشٌٍ، وهوَ تمامُ كَرَمِ الضِيافَةِ وكَمالُهُ.
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عبادَهُ أَنَّ الذِينَ يَسْتَجِيبُونَ منهم لِدَعْوَتهِ، وَيُحْسِنُونَ العَمَلَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا على الوَجْهِ اللائقِ، أيْ: حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذاتيِّ، وقدْ فَسَّرَهُ قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: (( .. أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ فإنْ لم تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يَراكَ)). وقد تقدَّمَ الحديث عن عمرَ ابنِ الخطاب ـ رضي اللهُ عنه، غير مرَّةٍ. ورَوَى أَنَسٌ عَنْ رَسوُلِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أَحْسَنُوا العَمَلَ في الدُنْيا)). ورويَ عَنْ نبيِّ اللهِ عِيسى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: (ليسَ الإحْسانُ أَنْ تُحْسِنَ إلى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ ذَلكَ مُكافَأَةٌ، ولكنَّ الإحْسانَ أَنْ تُحْسِنَ إلى مَنْ أَساءَ إِلَيْكَ). وقالَ حاتمٌ الأَصَمُّ ـ رضي الله عنه: أَحْسَنُوا في كُلِّ ما تُعِبِّدوا بِهِ، أيْ: أَتَوْا بالمَأْمورِ بِهِ كَما يَنْبَغي، واجتنبوا المَنْهِيِّ عنه. وقيل: أَحْسَنوا مُعامَلَةَ النَّاسِ. وقال ابْنُ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنه: ذَكَروا كَلِمَةَ لا إِلَهَ إلاَّ الله. وسَيَكُونُ جَزَاؤُهُمُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ المثوبةَ الحُسْنَى مِنَ اللهِ تعالى، كما قالَ في سُورَةِ الرَّحمنِ: {وَهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} الآية: 60، وَسَيُضَاعِفُ اللهُ لَهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَسَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وَسَيُعْطِيهِمْ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فإنَّه تَعالى لما دَعا عِبادَهُ إلى دارِ السَّلامِ، ذَكَرَ لهم السَّعاداتِ التي أعَدَّها لهم فيها. و “زِيَادَةٌ” أَيْ: ما يَزيدُ على تِلْكَ المَثُوبَةِ تَفَضُّلاً لِقولِهِ عَزَّ اسمُهُ في غير مكانٍ من كتابه العزيز: {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ}، وقيل: الحُسْنى مِثْلُ حَسَنَاتِهم والزيادةُ عشْرُ أَمْثالهِا إلى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، وقيل: الزِيادةُ مغفرةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ، وقيلَ: الحُسنى الجَنَّةُ والزِيادَةُ اللِّقاءُ، وقيل غيرُ ذلك. فقد أخرجَ مُسْلِمٌ، وأَحمدُ، والتِرْمِذِيُّ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ ماجَةَ، وابْنُ خُزيمَةَ، والدار قُطنيُّ في الرُؤْيَةِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسماءِ والصِفاتِ، وأَبو الشَيْخِ، والطَيالِسِيُّ، وهَنَّادٌ، عَنْ صُهَيْبٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم تَلا هَذِهِ الآيةَ “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” قالَ: ((إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأَهْلُ النَّارِ النارَ نادى مُنادٍ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لكم عِنْدَ اللهِ مَوْعِداً يُريدُ أَنْ يُنْجِزَكُموهُ)). فيَقولونَ: وما هو؟، أَلم تُثَقِّلْ مَوازينَنا، وتُبَيِّضْ وُجُوهَنا، وتُدْخِلْنا الجَنَّةَ، وتُزَحْزِحَنا عَنِ النَّارِ؟ وقال: ((فَيَكْشِفُ لهُمُ الحِجَابَ فيَنْظرونَ إِلَيْهِ، فو الله ما أَعْطاهمُ اللهُ شيئاً أَحَبَّ إلَيْهمْ مِنَ النَظَرِ إِلَيْهِ ولا أَقَرَّ لأَعْيُنِهم)).
وقد تَوَارَدَتْ في ذَلِكَ أَحاديثُ كَثيرةٌ بِرِواياتِ مُتَعَدِّدةٍ عَن عَددٍ مِنْ أَصْحابِ النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مضمونُ جميعِها أنَّ الزيادةَ هي الرؤيةُ، وأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” قال: يَنْظُرونَ إلى رَبِّهم بِلا كَيْفِيَّةٍ ولا حُدودٍ ولا صِفَةٍ مَعْلومَةٍ)). فحدَّدَ هذه الرؤيةَ وبينها. وكذلك أَخْرجَ أَبو الشَيْخِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ كَبَّرَ عَلى سَيْفِ البَحْرِ تَكْبيرَةً رافِعاً بها صَوْتَهُ لا يَلْتَمِسُ بها رِياءً ولا سُمْعَةً كَتَبَ اللهُ لَهُ رِضْوانَهُ الأَكْبَرَ، ومَنْ كَتَبَ لَهُ رِضْوانَهُ الأَكْبَرَ جمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ محمَّدٍ وإبْراهيمَ عَلَيْهِما الصلاةُ والسَّلامُ، في دَارِهِ، يَنْظُرونَ إلى رَبِّهم في جَنَّةِ عَدْنٍ كَما يَنْظُرُ أَهْلُ الدُنيا إلى الشَمْسِ والقَمَرِ في يَوْمٍ لا غَيْمَ فِيهِ ولا سَحابَةَ، وذَلِكَ قولُهُ: “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” فالحُسْنى لا إلَهَ إلاَّ اللهُ، والزِيادَةُ الجَنَّةُ والنَظَرُ إلى الرَبِّ)). وأخرجهُ أبو بكرٍ أحمدُ ابْنُ عمرٍو بْنِ أبي عاصِمٍ الضحَّاكُ في كتابِ الجِهَّادِ: (2/702). وأَخْرَجَ البيهقيُّ في الرُؤْيَةِ، وابْنُ جريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وسَعيدُ بْنُ مَنْصورٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في الآيَةِ قال: الزِيادَةُ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لها أَرْبَعَةُ أَبْوابٍ غُرَفُها وأَبْوابُها مِنْ لُؤْلُؤَةٍ واحدَةٍ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المنذرِ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنْ مجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “للذين أحسنوا الحسنى” قال: مِثْلُها. قالَ: و “زيادةٌ” قالَ: مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ ـ رَضيَ اللهُ عنه، في الآيةِ قال: الزِيادَةُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ. وأَخْرَجَ ابْن ُجَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في الآيةِ قال: الزِيادَةُ العَشْرُ: {مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالها} سورة الأَنْعامِ، الآية: 160. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وأَبو الشَيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في الآيَةِ قال: الزِيادَةُ ما أَعْطاهم في الدُنيا لا يُحاسِبُهم بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
لكنَّ الأحاديثَ التي نصّتْ على أنَّ الزيادةَ هي النظرُ إلى وجههِ تعالى في الجنَّةِ أَقْوَى. ومِنْ ثمَّ فإنَّ الحُسْنى لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَعْريفِ، فانْصَرَفَ إلى المَعْهودِ السابِقِ، وهوَ دارُ السَّلامِ. وهيَ الجَنَّةُ، وما فيها مِنَ المَنافِعِ والنعيمِ، كما سَبَقَ تقريرُه في الآيةِ السابقة. ولذلك فقد وَجَبَ أَنْ يَكونَ المُرادُ مِنَ الزِيادَةِ أَمْراً آخرَ مُغايِراً لِكُلِّ ما في الجَنَّةِ مِنَ المَنافِعِ والملاذِّ والتَعْظيم، يؤَيِّدُهُ قولُهُ تَعالى في سورةِ القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ} الآيتان: 22 و 23. فأَثبَتَ لأهْلِ الجَنَّةِ أَمْريْنِ: أَحَدَهما: نَضْرَةَ الوُجوهِ، والثاني: النَظَرُ إلى اللهِ تَعالى، وآياتُ القُرآنِ يُفَسِّرُ بَعْضُها بعضاً، فوَجَبَ حمْلُ الحُسنى ههُنا على نَضْرَةِ الوُجوه لِكَثْرَةِ مَا تَلْقَى مِنْ نَعيمِ رَبِّها ورِضْوانِهِ، وحمْلُ الزِيادَةِ على رُؤيَةِ اللهِ تَعالى. وكذلك قولُهُ تَعالى في سُورَةِ الإنسانِ لِرَسُولِهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} الآية: 20. فأثْبَتَ لَهُ النَعيمَ، ورؤيةَ المُلْكِ الكَبيرِ، فوَجَبَ ههُنا حملُ الحُسْنى والزِيادةِ على هذينِ الأَمْرينِ. واللهُ أعلم.
قولُهُ: {وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} إيضاحٌ لما صانهمُ اللهُ تعالى مِنْه مِنْ آفاتٍ بعدَ ما يحْصَلُ لهم في الجَنََّةِ مِنَ السَعاداتِ، والمعنى: لا يَغْشاها “قَتَرٌ”، وهيَ غَبْرَةٌ فيها سَوَادٌ، وَلاَ “ذِلَّةٌ” ولا أَثَرُ هَوانٍ. فقد أَخْرجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ تعالى: “ولا يَرْهَقُ وُجوهَهم” قال: لا يَغْشاهُمْ “قتر” قالَ: سَوادُ الوُجُوهِ. وأخرجَ أَبو الشَيْخِ عَنْ عَطاءٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، مثلَهُ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “ولا يرهق وجوههم قتر” قال: خِزْيٌ. وأخْرَجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ صُهَيْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: “ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة” قال: بَعْدَ نَظَرِهم إلى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ. وأَخرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشيخِ، والدار قُطْنيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَحمنِ ابْنِ أَبي لَيلى ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثلَهُ.
والرَّهَق: الغِشْيان. يقال: رَهِقَه يَرْهَقُه رَهَقا، أي: غَشِيَهُ بسرعة، ومن ذلك قولُهُ تعالى في سورة الكهف: {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} الآية: 37. وقولُهُ في سورة الجِنِّ: {فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} الآية: 13. يُقالُ: رَهِقْتُه وأَرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأَرْدَفْتُه، فَفَعَل وأَفْعل بمعنىً، وتقولُ: أَرْهَقْتُ الصلاةَ، إذا أَخَّرْتَها حتى غَشِيَ وَقْتُ الأُخْرى، ورَجُلٌ مُرْهَقٌ، أيْ: يَغْشاهُ الأَضْيافُ. والرَّهَقُ: اسْمٌ مِنَ الإِرْهاقِ، وهوَ أَنْ يَحْمِلَ الإِنسانُ على نفسِهِ ما لا يُطيقُ، ويقال: أَرْهَقْتُهُ عَنِ الصَلاةِ، أي: أَعْجَلْتُهُ عنها. وقال بعضُهم. أَصْلُ الرَّهَقِ: المُقارَبَةُ، ومِنْهُ غُلامٌ مُراهِقٌ، أي: قارَبَ الحُلُمَ، وفي الحديث الشريفِ: ((أَرْهِقُوا القِبْلَةَ))، أيْ: اقرُبُوا مِنْها، ومِنْهُ: رَهِقَتِ الكلابُ الصَيْدَ، أَيْ: لَحِقَتْهُ.
والقَتَرُ والقَتَرَةُ: لونٌ يَغْشى جِلْدَةَ الوَجْهِ مِنْ شِدَّةِ البُؤْسِ والشَقاءِ والخَوْفِ، وَهُوَ مِنْ آثارِ تهيُّجِ الكَبِدِ وارْتجافِ الفُؤادِ خوْفاً وتوقُّعَ السيِّءِ. والقَتَرُ والقَتَرَةُ أَيْضاً الغُبَارُ مَعَهُ سَوادٌ ومن ذلك قولُ الفَرَزْدَقِ:
مُتَوَّجٌ برِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ………….. مَوْجٌ تَرَى فوقَهُ الراياتِ والقَتَرا
أيْ: غُبارُ العَسْكَرِ. وقِيلَ: القَتَرُ: دُخانُ النارِ، ومِنْهُ (قُتارُ القِدْرِ). وقيل: القَتْرُ: التَقْليلُ، ومِنْهُ قولُهُ تعالى في سورة الفُرقان: {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وكان بين ذلك قَواماً} الآية: 67، ويُقالُ: قَتَرْتُ الشَيْءَ وأَقْتَرْتُهُ وقَتَّرْتُهُ، أَيْ: قَلَّلْتُهُ، ومِنْهُ قولُهُ تعالى في سورة البقرة: {على الموسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ} الآية: 236. والقَتْرُ: بِسُكونِ التاءِ الشأْنُ والأَمْرُ، ويجمعُ على شُؤون. والقُتْرَةُ: ناموسُ الصائدِ. وقيل: الحُفْرَةُ، ومْن ذلك قولُ امْرِئِ القَيْسِ:
رُبَّ رامٍ مِنْ بَني ثُعَلٍ ……………………….. مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ
أي: في حُفرتِهِ التي يَحْفرها.
والذِلَّةُ: الهَوانُ. والمُرادُ أَثَرُ الذِلَّةِ الذي يَبْدو على وَجْهِ الذَليلِ. والكلامُ مُسْتَعْمَلٌ في صَريحِهِ وكِنايَتِهِ، أَيْ لا تَتَشَوَّهُ وُجوهُهُم بالقَتَرِ وأَثَرِ الذِلَّةِ.
قولُهُ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قالَ عُلَماءُ الأُصولِ: الثَوابُ مَنْفَعَةٌ خالِصَةٌ دائمَةٌ مَقْرونَةٌ بالتَعْظيمِ، فقولُهُ في الآية التي قبلَها: {والله يَدْعُواْ إِلَى دَارُ السَّلامِ} دَلَّ على غايَةِ التَعْظيمِ. وقولُهُ هنا: “لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ” يَدُلُّ على حُصولِ المَنْفَعَةِ، وقولُهُ: “وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ” يَدُلُّ على كونِها خالِصَةً، وقولُهُ: “أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون” إشارةٌ إلى كونِها دائمةً آمِنَةً مِنَ الانْقِطاعِ واللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ تَعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} بَدَلُ مُفَصَّلٍ مِنْ مُجْمَلٍ، أَوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنْ قولِهِ في الآيةِ التي قبلَها: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} لأنَّ هِدايةَ {مَنْ يَشاءُ} تُفيدُ وجودَ مَهْدِيٍّ وغيرِ مَهْدِيٍّ. فقد ذَكَرَ في هذه الجُمْلَةِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِلا الفَريقين، فريقٌ لهم أَحْسَنُوا العُمُلَ فَلَهُمُ الحُسْنى وزِيادَةُ، وفريقٌ أساؤوا العملَ فيرَهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ وذِلَّةٌ. و “زيادة” اسْمٌ مَعْطوفٌ على “الحسنى”، و “الحُسْنى” في الأَصْلِ صِفَةُ أُنْثى الأحْسَن، ثمّ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الجِنْسِ فأُدْخِلَتْ عَلَيْها لامُ تَعريفِ الجِنْسِ فبَعُدَتْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ ولم تَتْبَعْ مَوْصُوفَها. وتَعريفُها يُفيدُ الاسْتِغْراقَ، مِثْل البُشْرى، ومثل الصالحة التي جمعُها الصالحات.
قولُه: {وَلاَ يَرْهَقُ} جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. ويجوزُ: أنَّهُ في محلِّ رَفْعٍ نَسَقاً على “الحُسْنى”، مِنْ بابِ عَطْفِ الجُمْلَةِ على المُفْرَدِ، ولا بُدَّ حينئذٍ مِن ْإضمارِ حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ يَصِحُّ جَعْلُه مَعَهُ مُخْبَراً عَنْهُ بالجارِّ، والتَقْديرُ: للذين أَحْسَنُوا الحُسْنى، وأَنْ لا يَرْهَقَ، أي: وَعَدَمُ رَهَقِهم، فلمَّا حُذِفت “أن” رُفِعَ الفِعْلُ المُضارِعُ لأنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَواضِعِ إضْمارِ “أنْ” ناصِبَةً كما في قولِهِ تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} الآية: 24، أَيْ: أَنْ يُرِيَكم، وكقولِهِم: تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَراهُ، ومنه قولُ طَرَفةَ:
ألا أيُّهذا الزاجري أَحْضُرُ الوَغَى . وأنْ أشهَدَ اللّذاتِ هَلْ أَنْتَ مُخَلِّدي
أي: أَنْ أَحْضُرَ. وقد رُوِيَ البيتُ بِرَفْعِ “أحضر” ونصبِهِ. ومَنَعَ أَبو البَقاءِ هَذا الوَجْهَ، فقال: ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ مَعْطوفاً على “الحسنى” لأنَّ الفِعْلَ إذا عُطِفَ على المَصْدَرِ احْتاجَ إلى “أَنْ” ذِكْراً أوْ تَقديراً، و “أنْ” غيرُ مُقدَّرَةٍ لأنَّ الفعلَ مَرْفوعٌ. فقولُهُ: (وأَنْ غيرُ مقدرةٍ، لأنَّ الفِعلَ مَرْفوعٌ)، ليسَ بجيِّدٍ لأنَّ قولَهُ تَعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} الآية: 24. مَعَهُ “أنْ” مقدَّرَةً مَعَ أَنَّهُ مَرْفوعٌ، ولا يَلْزمُ مِنْ إضمارِ “أنْ” نَصْبُ المُضارِعِ، بل المشهورُ أَنَّهُ إذا أُضْمِرَتْ في غيرِ المواضِعِ التي نصَّ النَّحْوِيّونَ على إضمارِها ناصِبَةً ارْتَفعَ الفعلُ، والنَصْبُ قليلٌ جدّاً. وقد جَوَّزَ أَبو البَقاءِ أَنْ تَكونَ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، ويكونُ العاملُ في هذِهِ الحالِ الاسْتقِرارُ الذي تَضَمَّنَهُ الجارُّ في “للذين” لوقوعِهِ خَبَراً عَنِ “الحسنى”، وقدَّرَهُ بِقَوْلِهِ: اسْتَقَرَّ لهم الحُسْنى مَضْموماً لهم السَّلامَةُ، ولا يجوزُ هذا لأنَّ المُضارعَ متى وَقَعَ حالاً مَنْفِيّاً بِ “لا” امْتَنَعَ دُخولُ واوِ الحالِ عَلَيْهِ كالمُثْبَتِ، وإنْ وَرَدَ ما يُوهِمُ ذَلِكَ أُوِّلَ بإضْمارَ مُبْتَدَأٍ، وقد تَقَدَّمَ تحقيقُهُ غيرَ مَرَّةٍ.
قولُهُ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} نتيجة للمقدمة، فبينها وبين التي قبلها كمال الاتصال ولذلك فصلت عنها ولم تعطف. واسْمُ الإشارة “أُولَئِكَ” مبتدأٌ ويرجع إلى “للَّذِينَ أَحْسَنُوا”. وفيه تَنْبيهٌ على أَنَّهم اسْتَحَقّوا الخلودَ لأَجْلِ إحْسانِهم. و “أَصْحابُ” خبرُ المبتدأِ، وجملةُ “هم فيها خالدون” خبرٌ ثانٍ للمُبْتَدأِ “أولئك”.

فيض العليم … سورة يونس، الآية: 25


وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
(25)

قولُهُ ـ جلَّ وعَلا: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} بعدَ أَنْ رَغَّبِ سبحانَهُ، عَنِ الحياةِ الدُنْيَوية الفانِيَةِ في الآيَةِ السابقةِ مُنَبِّهاً على سُرْعَةِ زَوالها وعدمِ استقرارِ أصحابها، ها هو تعالى يُرَّغِبُ في هذه الآيةِ بالحياةِ الآخِرَةِ الباقِيَةِ، وَيدْعوا إِلَيْهَا، وَقد سَمَّاهَا دَارَ السَّلاَمِ، لِسَلاَمَتِهَا مِنَ الآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ وَالنَّكَبَاتِ، وَلِشُعُورِ مَنْ يَدْخُلُونَهَا بِالاطْمِئْنَانِ وَالسَّلاَمَةِ، وأَمْنِ الفَنَاءِ والآفاتِ، وقيل سمِّيت بذلك لأنَّ اللهََ تعالى أَوْ الملائكةَ يُسَلِّمونَ فيها عَلى مَنْ يَدْخُلُها، أَوْ يُسَلِّمُ فيها بعضُهم على بعضٍ، وقيلَ: أَرادَ: واللهُ يَدْعو إلى دارِ التَحِيَّةِ؛ لأنَّ أَهْلَها يَنَالونَ مِنَ اللهِ ومن الملائكةِ التَحِيَّةَ والسَّلامَ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّلامَ لا يَنْقَطِعُ، عَنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهُوَ تَحِيَّتُهم؛ و “السلامُ” والسَّلامةُ بمعنى: كالرَّضَاعِ، والرَضاعَةِ، ومنهُ قولُ الشاعرِ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ اللَّيثيِّ المُكَنّى أَبا بَكْرٍ يَرثي قتلى بدر من المشركين:
تُحَيِّي بالسَّلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ……………. وَهَل لَّكَ بعدَ قومِكَ مِنْ سَلامِ
وقيلَ سمِّيتْ بذلك من بابِ إضافةِ المُلكِ إلى المالكِ فإنَّ من أسمائه سبحانه “السلامُ” وهي دارُه، فأضيفتْ إليهِ، وتخصيصُ الإضافةِ التَشْريفيَّةِ بهذا الاسْمِ الكريمِ للتَنْبيهِ على ذلك. فقد وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، والحاكمُ وصَحَّحَهُ، والحافظُ ابْنُ مِرْدُوَيْه، ِوالبَيْهَقِيُّ في الدَلائلِ، وابْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ أَبي هِلالٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، سمِعتُ أبَا جعفرٍ محمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَن أهلِ بيتِ نبيِّنا الكريمِ وأصحابه جميعاً، وتلا: “والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم” فقال: حدَّثني جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمًا فَقَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اضْرِبْ لَهُ مَثَلاً فَقَالَ اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ: إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا، ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ. فَاللهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الإِسْلامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الإِسْلامَ، وَمَنْ دَخَلَ الإِسْلامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مَا فِيهَا)). وأَخرجَهُ البُخاريُّ مُعَلَّقاً: (6/115)، والتِرْمِذِيُّ مُرْسلاً.
وأخرج ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ سَيِّداً بَنى داراً واتَّخَذَ مَأْدُبَةً وبَعَثَ داعياً، فمَنْ أَجابَ الداعيَ دَخَلَ الدّارَ، وأَكَلَ مِنَ المَأْدُبَةِ، ورَضِيَ عَنْهُ السَيِّدُ، أَلاَ وإنَّ السَيِّدَ اللهُ، والدارُ الإِسْلامُ، والمأْدُبَةُ الجَنَّةُ، والداعي محمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)). وأَخرجَ أيضاً قريباً منْ هذا عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رضي اللهُ عنه.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ الحَسَنِ البَصريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلاَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا صَاحِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَ يَا صَاحِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: أَتَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ: نعم، “وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ”. وأَخْرَجَ أبو الشيخِ عَنْهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أَنَّهُ كان إذا قرأَ “واللهُ يدعوا إلى دار السلامِ” قال: لَبَّيْكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ. وقالَ يحيى بْنُ مُعاذٍ: يا ابْنَ آدَمَ، دَعاكَ اللهُ إلى دارِ السَّلامِ فانْظُرْ مِنْ أَيْنَ تُجيبُهُ، فإنْ أَجَبْتَهُ مِنْ دُنياكَ دَخَلْتَها، وإنْ أَجَبْتَهُ مِنْ قَبْرِكَ مُنِعْتَها. وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: الجِنانُ سَبْعٌ: دارُ الجَلالِ، ودارُ السَّلامِ، وجَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ المأْوى، وجَنَّةُ الخُلْدِ، وجَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ النَعيمِ.
قولُهُ: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إِلَيْهَا مِنْ أَقْصَرِ الطُّرُقِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، أيْ: الإسلامُ والتَزَوُّدُ بالتَقوى. وفي تعميم الدَعْوَةِ وتخصيصِ الهَدايةِ بالمَشيئَةِ دليلٌ على أَنَّ الأمْرَ غيرُ الإرادَةِ وإنَّ مَنْ أَصَرَّ على الضَلالَةِ لمْ يُرِدْ اللهُ رُشْدَهُ. وفي هذِهِ الآيةُ الكريمةُ رَدٌّ مُفحِمٌ للمُعْتَزِلَةِ فقد نَصَّتْ على أَنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كلِّ بَشَرٍ، والهِدايةُ التي هِيَ الإرْشادُ مختَصَّةٌ بمَنْ قَدَّرَ اللهُ إيمانَهُ.
وأخرج أحمدُ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأبو الشيخ، والحاكمُ وصحّحه، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَليه ِوسَلَّمَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ, إِلاَّ وَكَانَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ نِدَاءً يَسْمَعُهُ مَا خَلَقَ اللهُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى, خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلا غَرَبَتِ الشَّمْسُ إِلاَّ وَكَانَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ نِدَاءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُّهُمْ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قُرْآنًا فِي قَوْلِ الْمَلَكَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فِي سُورَةِ يُونُسَ: “وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” وَأَنْزَلَ فِي قَوْلِهِمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا, وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى, وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى, وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى, إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى, وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى, وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى, فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}.
قولُهُ تعالى: {يَدْعُو} حُذِفَ مَفْعولُهُ لِقَصْدِ التَعْمِيمِ، أَيْ يَدْعو كُلَّ أَحَدٍ. والدعوةُ هي: الطَلَبُ والتَحْريضُ. وهيَ هُنا أَوامِرُ التَكْليفِ ونَواهيهِ.

فيض العليم …. سورة يونس، الآية: 24


إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون
(24)
قولُهُ ـ تعالى جَدُّه: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ} هو بيان لجملة {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الذي ذَكَرَهُ تعالى في الآية التي قبلها، وأَنَّ تمتُّعَهم بالدنيا ما هوَ إلاَّ مُدَّةً قصيرةً، فجاءت هذه الآية لتبيِّنَ أَنَّ التَمَتُّعَ صائرٌ إلى زَوالٍ، وقد شَبَّهَتْ التمتع بالدنيا بالزَرْعِ حالَ نَضَارَتِهِ ثم بمصيرِهِ حال حَصادِهِ. فقد ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي جَمَالِهَا وَبَهْجَتِهَا، ثُمَّ فِي سُرْعَةِ فَنَائِهَا، بِالنَّبَاتِ الذِي أَخْرَجَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهَا مِنَ المَطَرِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا وَأَصْنَافِهَا، وَمِمَّا تَأْكُلُ الحَيَوَانَاتُ.
قولُهُ: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زِينَتَهَا الفَانِيَةَ, وَازَّيَّنَتْ بِمَا خَرَجَ فِي رُبَاهَا مِنْ زُهُورٍ نَضِرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الأَشْكَالِ وَالأَلْوَانِ، كَمَا تَتَزَيَّنُ العَرُوسُ لَيْلَةَ زَفَافِهَا، وَظَنَّ أَهْلُهَا، الذِينَ زَرَعُوهَا وَغَرَسُوهَا، أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى جَزَازِهَا وَحَصَادِهَا، وَجَنْيِ ثِمَارِهَا، وَالتَّمَتُّعِ بِهَا، وهو غايةٌ شُبِّهَ بها بُلوغُ الانْتِفاعِ بخيراتِ الدُنيا إلى أَقْصاهُ، ونُضوجُهُ وتمامُهُ وتَكاثُرُ أَصْنافِهِ، وانْهِماكُ الناسِ في تَنَاوُلها ونِسْيانِهِمُ المَصيرَ إلى الفَناءِ. وفي معنى الغايةِ المُستفادِ مِنْ “حتى” ما يُؤْذِنُ بِأَنَّ بَينَ مَبْدَأِ ظُهورِ لَذَّاتِ الحياةِ وبَينَ مُنتهاها مَراتِبَ جمَّةً وأَطواراً كَثيرةً. والزُخْرُفُ: اسْمُ الذَهَبِ. وأُطْلِقَ على ما يُتَزَيَّنُ بِهِ ممَّا فيهِ ذَهَبٌ وتَلوينٌ مِنَ الثيابِ والحُلِيِّ.
قولُهُ: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أُمْرُ اللهِ: تَقْديرُهُ وتَكْوينُهُ. وإتْيانُ أمرِ الله: إصابَةُ تلكَ الأرْضِ بالجوائحِ المُعَجِّلَةِ لها باليَبَسِ والفَناءِ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَأْمُلُونَ ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهَا صَاعِقَةٌ، أَوْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَارِدَةٌ فَأَيْبَسَتْ أَوْرَاقَها، وَأَتْلَفَتْ ثِمَارَها، فَأَصْبَحَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِيناً قَبْلَ ذَلِكَ، و “لَيْلاً أَوْ نَهَاراً” تَرديدٌ في الوقْتِ لإثارَةِ التَوَقُّعِ مِنْ إمكانِ زَوالِ نَضارَةِ الحياةِ في جميعِ الأَزْمِنَةِ لأَنَّ الشيْءَ المُؤقَّتَ بتوقيتِ مُعَيَّنٍ يَكونُ الناسُ في أَمْنٍ مِنْ حُلولِهِ في غيرِ ذلك الوقت. وفيه تهديدٌ للكافرين مما يجعَلُ التَمْثيلَ أَعْلَقَ بحياتهم. لا سِيَّما وقد ضُرِبَ هذا المثلُ لِتَمَتُّعِ الكافرين بِبَغْيِهم وإمْهالهم عَلَيْهِ. ويزيد تلك الإشارة وضوحا قوله: “وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا” المُؤْذِنُ بأنَّ أَهْلَها مَقْصودونَ بِتِلْكَ الإصابةِ.
أَخرَج ابْنُ جَريرٍ عَنْ أَبيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومَروانَ بْنِ الحَكمِ ـ رضي اللهُ عنهم، أَنَّهم كانوا يَقْرؤونَ {وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهم قادرونَ عَلَيْها} وما كانَ اللهُ لِيُهْلِكَهم إلاَّ بِذنوبِ أَهْلِها. وأخرجَ هو وابنُ المنذِرِ عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عبدِ الرحمنِ قال: في قراءَةِ أَبيٍّ “كأَنْ لم تَغْنَ بالأَمْسِ وما أَهْلَكناها إلاَّ بِذنوبِ أَهْلِها كذلكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرونَ”. وأَخْرَجَ ابْنُ المُنذرِ وأَبو الشَيْخِ عَنْ أَبي مِجْلَزٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: مَكْتوبٌ في سورةِ يونُسَ ـ عليه السَّلامُ، إلى جَنْبِ هَذِهِ الآيَةِ “حتى إذا أخذت الأرضُ زخرفها” إلى “يتفكرون” ولَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِنْ مالٍ لَتَمَنّى وادياً ثالثاً، ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلاَّ التُرابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَنْ تابَ” فَمُحِيَتْ.
قولُهُ: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} تَذْييلٌ جامِعٌ، أَيْ: مثلُ هذا التَفْصيلِ نُفَصِّلُ، أَيْ: نُبَيِّنُ الدَلالاتِ كُلَّها الدَّالَّةِ على عُمومِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وإتْقانِ الصُنْعِ. فهَذِهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ وهي واحدةٌ مِنْ عُمومِ الآياتِ. وَهَكَذا يُبَيَّنُ اللهُ الحُجَجَ وَالآيَاتِ، لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ، فَيَعْتَبِرُونَ بِهَذَا المَثَلِ، فِي زَوَالِ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا سَرِيعاً، مَعَ اغْتِرَارِهِمْ بِهَا. والتَفَكُّرُ: التَأَمُّلُ والنَظَرُ، وهُوَ تَفَعُّلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الفِكْرِ، وفيهِ تَعْريضٌ بِأَنَّ الذينَ لمْ يَنْتَفِعوا بالآياتِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ التَفَكُّرِ، ولا كانَ تَفْصيلُ الآياتِ لأَجْلِهم. وتَتَّجِهُ بَعْضُ النَظَراتِ العِلْمِيَّةِ في هذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ إلى تَفْسيرِها تفسيراً عَصْرِيّاً في ضَوْءِ ما جَدَّ في العالَمِ، ويَقولُ هذا التَفْسيرُ أَنَّ الكُفَّارَ والأشْرارَ ممَّنْ سَكَنوا الأرضَ وظَنّوا أَنَّهم بمخترعاتهم قادرونَ عَلى إصلاحِ شأنها وعِمارَتِها، كما أَنَّهم قادرونَ على هدْمها وتخريبها بما اخترعوا من أسلحة الدمار الشاملِ، سَوْفَ يُسَلَّطُ بَعْضُهم على بعضٍ فيتحاربونَ ويكونُ ذلكِ سبباً في خرابِ الأرضِ وجعلِها حَصيداً. وتحمِلُ هذه الآية في طياتها رأياً آخر عِلْمِيّاً وهوَ أَنَّ الدمارَ عِنْدَما يُصيبُ الأرضَ يَوْمَ القيامَةِ يجئ لَيْلاً أَوْ نهاراً، والحقيقةُ أَنَّ الوَقْتَ واحِدٌ فهو نهارٌ في نِصْفِ الكُرَةِ الأرضيَّةِ وليلٌ في نِصْفِها الآخَرِ.
قولُهُ تعالى: {إِنَّمَا مثلُ} إِنَّمَا: صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَأْكِيدِ المقصودِ مِنَ التَشْبيهِ وهُوُ سُرْعَةُ الانْقِضاءِ. ولأنَّ التشبيه هنا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة. فقد عبر عن ذلك بلفظ ال “مثل” المستعمل في التشبيه المركب. ومن بديعِ هذا التشبيه تَضَمُّنُه تشبيهاتٍ متفرِّقةً مِنْ أَطْوارِ الحالينِ المُتَشابهين بحيث يَصلُحُ كلُّ جُزْءٍ مِنْ هذا التَشْبيهِ المُرَكَّبِ لِتَشْبيهِ جُزْءٍ مِنَ الحالينِ المُتَشابهيْنِ، ولِذلكَ أَطْنَبَ وَصْفَ الحالينِ مِنِ ابْتِدائهِ. فقولُهُ: “كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ” شُبِّهَ بِهِ ابتداءُ أَطوارِ الحياةِ وقتَ الصِبا إذْ ليسَ ثمَّةَ سِوى الأَمَلِ في نَعيمِ العَيْشِ ونَضارَتِهِ، فلِذلكَ الأَمَلُ يُشْبِهُ حالَ نًزولِ المَطَرِ مِنَ السَماءِ في كَوْنِهِ ما يُؤمَّلُ مِنْهُ مِنْ زُخْرُفِ الأَرْضِ ونَضَارَتِها. وقولُهُ: “فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ” شُبِّهَ بِهِ طَوْرُ ابتداءِ نَضارَةِ العَيْشِ وإقبالُ زَهْرَةِ الحياةِ، فذَلِكَ يُشْبِهُ خُروجَ الزُرعِ بُعَيْدَ المَطَرِ فيما يُشاهَدُ مِنْ بَوارِقِ المَأمولِ، ولِذلكَ عَطَفَ بِفاءِ التَعْقيبِ للإيذانِ بِسُرْعَةِ ظُهورِ النَباتِ عَقِبَ المَطَرِ فَيُؤْذِنُ بِسُرْعَةِ نماءِ الحياةِ في أَوَّلِ أَطْوارِها. وعَبَّرَ عَنْهُ بالاخْتِلاطِ بالماءِ بحيْثُ ظَهَرَ قبلَ جَفافِ الماءِ، أَيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بالماءِ أَيْ جاوَرَهُ وقارَنَهُ. وإِطْلاقُ أَخْذِ الأَرْضِ زُخْرُفَها على حصولِ الزِينَةِ فيها اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَتِ الأَرْضَ بالمَرْأَةِ حينَ تُريدُ التَزَيُّنَ فتُحْضِرُ فاخِرَ ثيابها وحُليِّها. وذِكْرُ: “ازَّيَّنَتْ” عَقِبَ “زُخْرُفَهَا” تَرْشيح للاسْتِعارَةِ، لأنَّ المرأةَ تَأْخُذُ زُخْرُفَها للتَزَيُّنِ به. والعَرَبُ تسمّي ذَلِكَ التَنَاوُلَ أَخْذاً، قالَ تعالى في سورة الأَعْرافِ: {يا بني آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية: 31، ومن ذلك قولُ بَشّارِ ابْنِ بُرْدٍ:
وخذي ملابس زينة ……………………… ومصبغات وهي أفخر
والتشبيهُ المركب في اصطلاح البيانيين: إمَّا أن يكون طرفاه مركبين، أي: تشبيه مركب بمركب كقول بشار بن برد:
كان مُثَارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسنا …………. وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُهْ
وذلك أَنَّه يُشَبِّه الهيئةَ الحاصلةَ من هُوِيِّ أجرامٍ مَشْرِقَةٍ مُسْتَطِيلةٍ مُتَناسِبَةِ المِقدارِ مُتَفَرِّقَةٍ في جوانِبِ شيءٍ مُظلمٍ بليلٍ سَقَطَتْ كواكبُه، وإمَّا أَنْ يَكونَ طرفاه مختلفَيْن بالإِفرادِ والتَرْكيبِ.
وقوله: {كَمَاءٍ} هو خبرُ المبتدأ، و “أنزلناه” صفةٌ ل “ماء”، و “من السماء” متعلقٌ ب “أَنْزلناه” ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من الضمير المنصوب.
وقوله: “فاختلطَ به” في هذه الباءِ وجهان، أحدهما: أنها سببيَّةٌ. قال الزمخشري: فاشتبك بسببه حتى خالط بعضُه بعضاً، وقال ابن عطية: وَصَلَتْ فِرْقَةٌ “النباتَ” بقوله: “فاختلط”، أي: اختلط النباتُ بعضُه ببعض بسبب الماء. والثاني: أنها للمصاحبة بمعنى أنَّ الماءَ يجري مجرى الغذاء له فهو مصاحبه. وزعم بعضُهم أن الوقفَ على قولِه: “فاختلط” على أنَّ الفعلَ ضميرٌ عائد على الماء، وتَبْتَدئ “بِهِ نَبَاتُ الأرض” على الابتداء والخبر. والضمير في “به” على هذا يجوز عَوْدُه على الماء، وأن يعود على الاختلاط الذي تضمنَّه الفعل، قاله ابن عطية. وقال الشيخ أبو حيَّان: الوقف على قوله: “فاختلط” لا يجوزُ، وخاصةً في القرآن لأنه تفكيكٌ للكلام المتصلِ الصحيح والمعنى الفصيحِ، وذهابٌ إلى اللُّغْز والتعقيد.
قولُه: {مِمَّا يَأْكُلُ} فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ ب “اختلط”. والثاني: أَنَّهُ حالٌ مِنَ “النباتِ”، وهو الظاهرُ، والعاملُ فيه محذوفٌ، أَيْ: كائناً أوْ مُسْتَقِرّاً ممَّا يَأْكُلُ. ولو قِيلَ “مِنْ” لِبَيانِ الجِنْسِ لجازَ.
وقولُهُ: {حتى} ابتدائيَّةٌ، والجملة بعدَها مُسْتَأْنَفَةٌ، ومَفْعولا “جعل”: الهاءُ وحَصيدًا، “حتى” غايةٌ فلا بُدَّ لها مِنْ شيءٍ مُغَيَّا، والفعلُ الذي قبلها وهو “اختلط” لا يَصْلُحُ أَنْ يَكون مُغَيَّا لِقَصْرِ زَمَنِهِ.
فقيل: ثَمَّ فعلٌ محذوفٌ، أي: لم يزلِ النباتُ يَنْمو حتّى كانَ كيت وكيت. وقيل: يُتَجَوَّزُ في “فاختلط” بمعنى: فدامَ اختلاطُه حتى كان كيت وكيت. و “إذا” بعد “حتى” هذه تقدَّم التنبيهُ عليها.
قولُه: {كأَنْ لم تَغْنَ} “كأَنْ” حَرْفٌ ناسِخٌ مخفَّفٌ واسمُهُ ضمير الشأن. وجملةُ “كأن لم تغن” حالٌ مِنْ مفعولِ “جعلناها”، وجملةُ “نُفصِّل” مستأنفة.
قولُهُ: {بِالأَمْسِ} للظَرْفِيَّةِ. واللامُ فيه مزيدةٌ لِتَمْلِيَةِ اللَّفظِ مثل التي في كلمة “الآن”.
والأمْسُ: اليومُ الذي قبلَ يومِكَ. والمرادُ به هنا مُطْلَقُ الزَمَنِ الذي مَضى لأنَّ أَمْسِ يُسْتَعْمَلُ بمعنى ما مَضَى مِنَ الزَمانِ، كَما يُسْتَعْمَلُ الغَدُ في ما يأتي مِنَ المُسْتَقْبلِ، واليومُ للحالِ. وقد جمعَها زُهَيْرُ بْنُ أبي سلمى في قولِهِ:
وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ……… ولكنني عن عِلْمِ ما في غدٍ عَمِ
لم يَقْصد بها حقائقَها، والفرقُ بين الأَمْسَيْن أنَّ الذي يُرادُ بِهِ قَبْلَ يومِكَ مَبْنيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعنى الأَلِفِ واللامِ، وهذا مُعْرَبٌ تَدْخُلُ عليْهِ أَل التعريف، ويَضافُ.
وقولُه: {كذلك نُفَصِّلُ} الكاف في “كذلك” نائبُ مفعولٍ مُطْلَقٍ، نعتُ مصدرٍ محذوف، أيْ: مثل هذا التفصيل الذي فَصَّلْناه في الماضي نُفَصِّل في المستقبل. وجملةُ “يتفكرون” نعت لـ “قوم”.
وقوله: {أَهْلُهَا}، أي: أهل نباتها. و “أتاها” هو جوابُ “إذا” فهو العاملُ فيها. وقيل: الضميرُ عائد على الزينة. وقيل: على الغَلَّة، أي: القُوت فلا حَذْفَ حينئذ.
قولُه: {ليلاً ونهاراً} ظرفان للإِتيان أو للأمر. والجَعْل هنا تصيير. وحصيد: فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك لم يؤنَّثْ بالتاء وإن كان عبارة عن مؤنث كقولهم: امرأة جريح.
قوله: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً مِنْ مفعول “جَعَلْناها” الأول، وأن تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدر.
قرأ الجمهورُ: {وازَّيَّنت} بوصل الهمزة وتشديد الزاي والياء، والأصلُ “وتَزَيَّنت” فلمَّا أريد إدغامُ التاء في الزاي بعدها قُلبت زاياً وسَكَنَتْ فاجتلبت همزة الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن فصار “ازَّيَّنت” كما ترى، وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قولِه تعالى: {فادارأتم فِيهَا} البقرة: 72. وقرأ أُبَيّ بن كعب وعبد الله وزيدٌ بن علي والأعمش “وتَزَيَّنَتْ” على تَفَعَّلَتْ، وهو الأصلُ المشار إليه. وقرأ سعد ابن أبي وقاص والسلمي وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: وأَزْيَنَتْ على وزن أَفْعلَتْ وأفْعَل هنا بمعنى صار ذا كذا ك “أَحُصَدَ الزرعُ” و “أَغَدَّ البعيرُ”، والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حَضَرت زينتها وحانَتْ وكان مِنْ حَقِّ الياءِ على هذه القراءة أن تُقْلَبَ ألفاً فيقال: أَزَانَتْ، ك “أَنَابت” فَتُعَلُّ بنقلِ حركتِها إلى الساكن قبلها فتتحرك حينئذ، وينفتح ما قبلَها فتقلب ألفاً كما تقدَّم ذلك في نحو: أقام وأناب، إلا أنها صَحَّتْ شذوذاً كقولِه: أَغْيَمت السماء، وأَغْيَلَت المرأة، وقد وَرَدَ ذلك في القرآن نحو: {استحوذ} المجادلة: 19. وقياسُه استحاذَ كاستقام.
وقرأ أبو عثمان النهدي وعزاه ابن عطية لفرقةٍ غيرِ معينة “وازْيَأَنَّتْ” بهمزة وصل بعدها زايٌ ساكنة، بعدها ياءٌ مفتوحة خفيفة، بعدها همزةٌ مفتوحة، بعدها نون مشددة. قالوا: وأصلها: وازيانَّتْ بوزن احَمَارَّت بألف صريحة، ولكنهم كَرِهُوا الجمعَ بين الساكنين فقلبت الألفُ همزةً كقراءة “الضألّين” و “جَأَنْ”. وعليه قولهم: “احمأرَّت” بالهمز وأنشد:
……………………………….. إذا ما الهَواديْ بالعَبيطِ احمأرَّتِ
وقد تقدم لك هذا مشبعاً في أواخر الفاتحة. وقرأ أشياخ عوف ابن أبي جميلة: “وازْيأنَّتْ” بالأصل المشار إليه، وعزاها ابن عطية لأبي عثمان النهدي. وقرئ “وازَّايَنَتْ” والأصلُ: تزاينت فأدغم.
قرأ الجمهورُ: {كأن لم تَغْنَ بالأمسِ} وقرأ الحسن وقتادة “كأن لم يَغْنَ” بياء الغيبة، وفي هذا الضميرِ عندها ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أنْ يعودَ على الحصيد لأنه أقرب مذكور. وقيلَ: يعودُ على الزخرف، أي: كأن لم يَقُم الزخرف. وقيلَ: يَعود على النبات أو الزرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونباتها.
وقرأَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: “تتغَنَّ” بتاءَين بِزِنَةِ تَتفَعَّل، ومِثْلُه قولُ الأَعْشى:
……………………………………. طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ

فات الأوان يا أردوغان


فاتَ الأوان يا أردوغان

للأسف أُكَرِّرها والأسى يعتصر قلبي: لقد فات الأوانُ يا أردوغانَ. لقد ذهبت آمالك بعيداً وتبدَّدت أحلامُك بإعادة مجد أجدادك العظماء، وخابت أمالُ أمَّتك الإسلامية بأنْ تَكونَ لها على يدك دولتُها، وأَنْ تَعود لها عزَّتها.
إذا كان مثلي وأنا من العامَّةِ قد استشعرَ الخطرَ وحثَّكَ على اتخاذ زِمامِ المبادرةِ سريعاً قبل أن يستشري الداءُ ويستعدَّ الأعداء ويصل إلى مرحلة لا يفيد معها علاجَ، فمن المؤكَّد أن مثلك أدرى بذلك، لكنك لم تملك شجاعة المبادرة في الوقت المناسب، فكنت كالأرنب الذي نام عنِ السلحفات حتى أدركت الهدف ولم يعد بإمكانه تدارك أمره.
لقد ذكرتك منذ أمدٍ بعيد بسياسةِ قدوتنا العظمى ـ صلى اللهُ عليه وسلم، وسيرته الشريفةِ، وكيف كان يباغت عدوَّه قبل أن يُكمِلَ استعدادَه للمهاجمةِ الدعوة الإسلامية للقضاء على الدين الحنيف، كما ذكرتك بما حلَّ بالمرحوم صدام حسين عندما لم يصغ إلى نصيحة رئيس الأركان المصري الأسبق، بمهاجمة نقاط تجمع الحلفاء قبل أن يكتمل تجمعهم وينتظم أمرهم، وكان عليك أن تصغي إليَّ بالرَغْمِ مِنَ الفوارِقِ بَيْنَنا فقد أصغى مَنْ هُوَ أَعْظَمُ منك، وهو الفاروقُ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، لامرأةٍ.
وإنْ كنت لا تقرأ فهذه مصيبةٌ أيْضاً لأنَّ مَن كان في مركزك يجب أن يكون له الكثيرُ مِن المساعدين والمستشارين يتابعون ويلخصون له، فقد كان حافظ الأسد لا ينام حتى يطلع على ملخصات لكل ما يكتب في الصحف المحلية والعربية والعالمية. فإنَّ رجلَ الدولة يجب أن يكون يقظاً متحسِّباً مطلعاً على كلِّ ما يجري حولَه، حتى يتَّخِذَ القَرارَ المُناسِبَ في الوقتِ المُناسِبِ.
ماذا تنتظرُ وأنت تعلم أنَّ الأيدي الصهيوأمريكية تعمل لتفتيت المنطقة بما فيها دولتك؟ إنّك لَنْ تُضيعَ أحلامك وآمال أمَّتك فيك بإعادة مجدها ولن تضيع سوريا التي علق شعبها عليك الآمال العريضة وحسب، بل لن تستطيع أن تحافظ على كيانك ودولتك. اللهم هيأ لهذه الأمة من يقودها إلى ما فيه عِزَّةُ دِينِها وصلاحُ أَمرِها إنك على كل شيء قدير، فلا حولَ لنا ولا قوَّة إلاَّ بك يا علِيُّ يا عظيم. وصلِّ على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 23


فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا
بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(23)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فَلَمَّا أَنْجَاهُمُ اللهُ تَعَالَى مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ، مِنَ الشِّدَّةِ وَالكُرْبَةِ، نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَمُبَادَرَةِ النَّاسِ بِالظُّلْمِ وَالبَغْيِ وَالاعْتِدَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. ف “يبغون” أَيْ: يُفْسِدونَ ويَكْفُرونَ، والبغيُ: التَعَدِّي والأَعْمالِ الفاسِدَةِ. و “بِغَيْرِ الحَقِّ” تَأْكيدٌ لِما يُفيدُهُ البَغْيُ أَوْ مَعْناهُ أَنَّهُ “بِغيرِ الحقِّ” عندَهم أَيْضاً بِأَنْ يَكونَ ذَلِكَ ظُلْماً ظاهِراً لا يَخْفى قُبْحُهُ على أَحَدٍ كَما في قولِهِ تَعالى في سورة البقرة: {وَيَقْتُلُونَ النَبيّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ} الآية: 61.
قولُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يَا أَيُّهَا الناسُ: توجيهٌ للخِطابِ إلى أُولئكَ الباغينَ للتَشْديدِ في التَهْديدِ والمُبالَغَةِ في الوَعيدِ، فاللهُ تَعَالَى يخاطبُ هَؤُلاَءِ المُفْسِدِينَ الطُّغَاةَ وَيَقُولُ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الغَافِلُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ أَمَا كَفَاكُمْ بَغْياً عَلَى المُسْتَضْعَفِينَ مِنْكُمْ اغْتِرَاراً بِقُوَّتِكُمْ؟ إِنَّكُمْ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا تَبْغُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، لأنَّ عَاقِبَةَ بَغْيِكُمْ وَوَبَالَهُ إِنَّمَا يَعُودَانِ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَتَمَتَّعُونَ بِبَغِيِكُمْ مُدَّةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا الزَائِلَةِ، وَهِيَ تَنْقَضِي سَرِيعاً، أَخْرَجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وأَبو نُعَيمٌ، والخَطيبُ في تاريخِهِ، والدَيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((ثلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ على أَهْلِها، المَكْرُ، والنُكْثُ، والبَغْيُ، ثمَّ تَلا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: “يا أَيُّها النَّاسَ إنَّما بَغْيُكم عَلى أَنْفُسِكم” الآية. و {ولا يَحيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ} سورة فاطر، الآية: 43. و {ومَنْ نَكَثَ فإنَّما يَنْكُثُ على نَفْسِهِ} سورة الفتح، الآية: 10. وأَخرَجَهُ الحافظُ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ نُفَيْلٍ الكِنانيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أيضاً. وأَخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ عَنْ أَبي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((لا تَبْغِ ولا تَكُنْ باغياً ، فإنَّ اللهَ يَقول: “إنما بغيكم على أنفسكم”. وأخرجه ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ الزُهْرِيِّ. وأَخرَجَ أيضاً عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ ـ رضي اللهُ عنه: قالَ: قال رسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((لا يُؤَخِّرُ اللهُ عُقوبَةَ البَغْيِ فإنَّ اللهَ قالَ “إنما بغيكم على أنفسكم”. وأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أَبي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: ((ما مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ مِنْ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصاحِبِهِ العُقوبَةَ مِنَ البَغْيِ وقَطيعَةِ الرَحِمِ)). وأَخْرَجَ أَبو داوودَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمان عَنْ عِياضِ بْنِ جابرٍ. أَنَّ اللهَ أَوْحى إِليَّ أَنْ تَواضَعوا حَتى لا يَبْغي أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ. وأخرج البيْهَقِيُّ في الشُعَبِ أيضاً مِنْ طَريقِ بِلالِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَبيِّ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قال: ((لا يَبْغي عَلى النَّاسِ إلاَّ وَلَدُ بَغِيٍّ أَو فِيهِ عِرْقٌ مِنْهُ)). وأَخرجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((لَوْ بَغى جَبَلٌ على جَبَلِ لَدُكَّ الباغي مِنْهُما)). وأَخرَجَ مثلَهُ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ حديثِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وأَخْرَجَ أَبو نُعيمٍ في الحلْيَةِ عَنْ أَبي جَعْفَرَ محمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: (ما مِنْ عِبادَةٍ أَفْضَل مِنْ أَنْ يُسْأَلَ، وما يَدْفَعُ القَضاءَ إلاَّ الدُعاءُ، وإنَّ أَسْرَعَ الخيرِ ثَواباً البِرُّ، وأسرعُ الشَرِّ عُقوبَةً البَغْيُ، وكَفى بالمرْءِ عَيْباً أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ ما يَعْمَى عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وأَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بما لا يَسْتَطيعُ التَحَوُّلَ عَنهُ، وأَنْ يُؤْذيَ جَليسَهُ بما لا يَعْنيهِ). و “مَّتَاعَ الحياة الدنيا” بيانٌ لِكَوْنِ ما فيهِ مِنَ المَنْفَعَةِ العاجِلَةِ شيئاً غيرَ مُعْتَدٍّ بِهِ سَريعَ الزَوال دائمَ الوَبالِ.
قولُهُ: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَالعِقَابُ عَلَى هَذا البَغْيِ بَاقٍ ثُمَّ تَصِيرُونَ إِلَى اللهِ فَيُخْبِرُكُمْ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا أَوْفَى الجَزَاءِ. فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمِدِ اللهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ.
قولُهُ تَعالى: { فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ} لمَّا: ظرفٌ بمعنى حِينَ؛ و “إِذَا هم يبغون” إذا: الفُجائيَّةُ، وجوابُ “لمَّا”. و “بغير الحق” حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسينَ بغيرِ الحَقِّ.
قولُهُ: {مَّتَاعَ الحياةِ} نَصْبٌ على الظَرْفِ الزماني نحو: مَقْدَمُ الحاجِّ، أي: زَمَن متاع الحياة. أو هُوَ نَصبٌ على المصدرِ الواقعِ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: مُتَمَتِّعين. والعاملُ في هذا الظَرْفِ وهذِهِ الحالِ الاسْتِقْرارُ الذي في الخبرِ، وهوَ “عليكم”. ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر لأنَّه يَلزمُ منْه الفَصلُ بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر، وقد تقدَّم أنَّه لا يُخْبَرُ عنِ الموصولِ إلاَّ بعد تمامِ صِلَتِهِ. والثالث: نصبُه على المصدرِ المؤكِّد بفعلٍ مقدر، أي: يتمتعون متاع الحياة. ويجوزُ أنْ يكونَ منصوباً على المفعولِ بِهِ بفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عليه المصدرُ، أي: يَبْغونَ مَتَاعَ الحياة. ولا جائزٌ أَنْ يَنْتَصِبَ بالمصْدَرِ لِما تَقَدَّمَ. كما يجوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ على المفعولِ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ: لأجْلِ مَتاعٍ، والعامل فيه: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرُ في “عليكم”، وإمَّا فعلٌ مقدر. ويجوز أنْ يكونَ الناصبُ لهُ حالَ جعلَهُ ظَرْفاً أوْ حالاً أوْ مَفعولاً مِنْ أَجْلِهِ نَفسَ البغي لا على جَعْل “على أنفسكم” خبراً بَلْ على جَعْلِهِ مُتَعَلِّقاً بِنَفْسِ البَغْيِ، والخبرُ محذوفٌ لِطولِ الكلامِ، والتقدير: إنما بَغْيُكم على أنفسكم متاعَ الحياة مذمومٌ أو مكروهٌ أو منهيٌّ عنه. ويجوز أَنْ يَكونَ “عليكم” خبراً، و “متاع” خبراً ثانياً، ويجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاع. ومعنى “على أنفسكم”، أي: على بعضِكم وجنسِكم كقولِهِ تعالى في سورة النساء: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } الآية: 29. وكقولِه في سورة الحجرات: {وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ} الآية: 11، أَوْ يَكونُ المعنى: إنَّ وبالَ البَغْيِ راجعٌ عليكم لا يَتَعَدَّاكم كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} الآية: 7. وكقولِهِ في سورة فُصِّلت: {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} الآية: 46.
قرأ الجمهورُ: {متاعُ} بالرفع. وفيه أوْجُهٌ، أظْهَرُها: أَنَّهُ خَبرُ “بَغْيكم” و “على أنفسِكم” مُتَعَلِّقٌ بالبَغْيِ. وقرأَ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وهارون عَنْ ابْنِ كَثيرٍ وابْنِ أَبي إسْحاق: “مَتاعَ” بالنَّصْبِ، وقدْ تَقَدَّمَ ما فيها مِنْ وُجوهٍ. وقرَأَ ابْنُ أَبي إِسْحاقَ “مَتاعاً الحياة” بِنَصْبِ “متاعاً” و “الحياةَ”. فَ “متاعاً” على ما تقدَّم. وأما “الحياة” فيجوزُ أَنْ تَكونَ مفعولاً بها، والناصب لها المصدر، ولا يجوز والحالةُ هذِهِ أَنْ يَكونَ “متاعاً” مصدراً مُؤَكِّداً لأنَّ المؤكِّدَ لا يَعمَلُ. ويجوزُ أَنْ تَنْتَصِبَ “الحياة” على البَدَلِ مِنْ “متاعاً” لأنها مُشْتَمِلةٌ عَليه. وقُرئَ أيضاً “متاعِ الحياة” بجرِّ “متاع”، وخُرِّجت على النَّعْتِ لأَنْفُسِكم، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضافٍ حينئذٍ تقديرُه: على أَنْفُسكم ذواتِ مَتاعِ الحياةِ، كذا خرَّجه بعضُهم. ويجوزُ أنْ يَكونَ ممَّا حُذِفَ مِنْهُ حرفُ الجَرِّ وبَقيَ عَمَلُهُ، أَيْ: إنما بَغْيُكم على أَنْفُسِكم لأَجِلِ مَتاع، ويدلُّ على ذلك قراءةُ النَصْبِ في وَجْهِ مَنْ يجعله مَفْعولاً مِنْ أَجلِه، وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ وإبْقاءُ عَمَلِهِ قليلٌ، وهذِه القِراءةُ لا تَتَباعَدُ عَنْهُ.
وقال أبو البقاء: ويجوزُ أن يكونَ المصدرُ بمعنى اسمِ الفاعلِ، أَيْ: مُتَمَتِّعاتٍ، يَعني أَنَّهُ يَجْعلُ المَصْدَرَ نَعْتاً لِ “أَنْفُسِكم” مِنْ غيرِ حَذْفِ مُضافٍ بَلْ على المُبالَغَةِ أَوْ عَلى جَعْلِ المَصْدَرِ بمعنى اسْمِ الفاعِلِ. ثمَّ قالَ: ويَضْعُفُ أن يكونَ بدلاً إذْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً. قالَ السمين الحلبي: وإذا جُعِل بَدَلاً على ضَعْفِهِ فمِنْ أَيِّ قبيلِ البَدَلِ يُجْعَل؟ والظاهرُ أَنَّهُ مِنْ بدلِ الاشْتِمالِ، ولا بُدَّ مِنْ ضميرٍ محذوفٍ حينئذٍ، أَيْ: متاعَ الحياةِ الدُنيا لها.
قرأ العامَّةُ: {فننبِّئكم} بِضَميرِ العَظَمَةِ، وقرِئ “فيُنَبِّئَكُم” بياءِ الغَيْبة، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com