فيض العليم …. سورةُ الرعد، الآيةُ: 14
 
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} أَيْ: أَنَّهُ هُوَ ـ سبحانَهُ، المُسْتَحِقُّ الوحيدُ للعِبَادَةِ، إِذِ ((الدُّعاءُ مُخُّ العِبَادَةِ)) كمَا جَاءِ في الحَديثِ الشَّريفِ الذي أخرجه الترمذيُّ في سُنَنِهِ: (3371) والطبرانيُّ في الأوسطِ مِنْ حَديثِ أَنَسِ بْنِ مالكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ذَلِكَ لأَنَّ في الدُّعاءِ إِقْرارُ العَبْدِ بِفاقَتِهِ وضَعْفِهُ وحاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ومَوْلاهُ، وَالدَّعْوَةُ: طَلَبُ الْإِقْبَالِ، وَكَثُرَ إِطْلَاقُهَا عَلَى طَلَبِ الْإِقْبَالِ لِلنَّجْدَةِ أَوْ لِلْبَذْلِ، فَالْمُرَادُ طَلَبُ الْإِغَاثَةِ أَوِ النِّعْمَةِ. وحِينَ يَدْعُو رَبَّهُ؛ فَإنَّ هَذا يَعْني أَنَّ الأَسْبَابَ قَدْ نَفِدَتْ وأُسْقِطَ في يَدَيْهِ، ولمْ يَبْقَ أَمامَهُ رُكْنٌ يَحْتَمِي بهِ أَو ملجأٌ يَأْوي إِليهِ؛ لِذلكَ فهو يَلْجَأُ إِلى مَنْ يهيمِنُ على الكونِ كُلِّهِ وبِيَدِهِ الأَسْبابُ كُلُّها، لأَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ، القادِرُ عَلى إِنْفاذِ مَطلوبِ العِبَادِ، ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ودَعْوَةُ الحَقِّ هو من بابِ إضافةِ الشيْءِ إلى صِفتِهِ، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَنْشَئِهِ، كَقَوْلِهِمْ: بُرُودُ الْيَمَنِ، أَيِ الدَّعْوَةُ الصَّادِرَةُ عَنْ حَقٍّ وَهُوَ ضِدُّ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ دُعَاءَ اللهِ يَصْدُرُ عَنِ اعْتِقَادِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ تَصْدُرُ عَنِ اعْتِقَادِ الشِّرْكِ وَهُوَ الْبَاطِلُ. أَيْ: إِنَّ الدَّعْوَةَ المُلابِسَةَ للحَقِّ والصِّدْقِ التي لا مَدْخِلَ فيها للباطِلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ـ سبحانَهُ وتعالى، مُقْتَصِرةٌ عَلَيْهِ وَحدَهُ. هَذَا مَا أَفادَهُ تَقْديمُ الخَبَرِ “له” عَلَى المُبْتَدَأِ “دعوةُ الحقِّ”، فإنَّ التقديرَ: دَعْوَةُ الحَقِّ كائنَةٌ لَهُ. والدُّعاءُ هو لَوْنٌ مِنْ أَلْوانِ الطَلَبِ، إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافَ الطالِبِ والمَطْلوبِ مِنْهُ؛ فإنْ كانَ مِنْ أَدْنَى إلى أَعْلى كَقَوْلِكَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ ارْزُقْنِي، رَبِّ اهدِني، ربِّ فرِّجْ عَنِّي .. إلخ، فهوَ دُعاءٌ، وإِنْ كانَ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَدْنَى: كَقَوْلِكَ: تَعَالَ، واذْهَبْ، وهاتِ، وخُذْ، وافْعَلْ، ولا تَفْعَلْ .. إِلَى آخِرِ ذلك، فهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ.
والْحَقُّ هُوَ اللهُ، وَكُلُّ دُعَاءٍ إِلَيْهِ فَهُوَ دَعْوَةُ الْحَقِّ. ويُقْسَمُ الحَقُّ إلى قِسْمَينِ: قِسْمٌ يَقْبَلُ الْعَدَمَ، وَهُوَ حَقٌّ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ بَاطِلًا. وَقِسْمٌ لَا يَقْبَلُهُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ بَاطِلًا البَتَّةَ، وَذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الْحَقِيقِيُّ، صاحِبُ الوُجُودِ الذي لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ، ولا يَعْتَريهِ عَدَمٌ ولا تَبْديلٌ أَوْ تَغْييرٌ ولا فَنَاءٌ، فلا آخِرَ لَهُ، وهوُ اللهُ ـ جَلَّ وعَلا.
قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (دَعْوَةُ الْحَقِّ: التَّوْحِيدُ). أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ والصفاتِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: (دَعْوَةُ الْحَقِّ: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ). فإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ دَعَا خَلْقَهُ إِلَى كَلِمَةِ الحَقِّ، وهِيَ (لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وهُوَ ـ سُبْحَانَهُ، قَدْ شَهِدَ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ شَهَادَةَ المُشاهِدِ، وشَهِدَ بِهَا أُولُو العِلْمِ شَهادَةَ الاسْتِدْلالِ؛ وتِلْكَ إذًا هيَ دَعْوَةُ الحَقِّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ” قَالَ: (لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، لَيْسَتْ تَنْبَغي لأَحَدٍ غَيْرِهِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ إِلَهُ بَنِي فُلَانٍ). وَعَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، فَدُعَاؤُهُ هُوَ الْحَقُّ). وكَأَنَّهُ يُومِئُ إِلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ إِلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ عِبَادَتَهُ هِيَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَذِكْرُهُ بِالثَّنَاءِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَالْكَمَالِ هُوَ الْحَقُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَلِهَذَا قَالَ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ.
قولُهُ: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} فالْكُفَّارُ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْآلِهَةَ مِنْ دُونِ اللهِ، لَا تَسْتَجِيبُ لَهُمْ هذه الآلهةُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَطْلُبُونَهُ لأَنَّ مَا يَدْعُونَهُ جَمَادٌ لَا يُحِسُّ بِدُعَائِهِمْ وَلَا يَسْتَطِيعُ إِجَابَتَهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِهِمْ، كما لا يَقدِرُ على ضَرَرِهم. كَمَا في قَوْلِ الفرزدق:
وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ….. مِنَ المالِ إِلَّا مُسْحَتٌ أَوْ مُجَلَّفُ
وَهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ “دعوة الحقّ”. وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ تُفْصَلَ وَلَا تُعْطَفَ، وَإِنَّمَا عُطِفَتْ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّفْصِيل وَالتَّمْثِيلِ، فَكَانَتْ زَائِدَةً عَلَى مِقْدَارِ الْبَيَانِ. وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأَصْنَامِ أَنْ يَدْعُوَهَا الدَّاعُونَ. وَأُجْرِيَ عَلَى الْأَصْنَامِ ضَمِيرُ الْعُقَلَاءِ فِي قَوْلِهِ: “لَا يَسْتَجِيبُونَ” مُجَاراةً لِلِاسْتِعْمَالِ الشَّائِعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَامِلُونَ الْأَصْنَامَ مُعَامَلَةَ العَاقِلِينَ. وَالِاسْتِجَابَةُ: إِجَابَةُ نِدَاءِ الْمُنَادِي، وَدَعْوَةِ الدَّاعِي، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِقُوَّةِ الْفِعْلِ. وَالْبَاءُ فِي قولِهِ: “بِشَيْءٍ” لِتَعْدِيَةِ “يَسْتَجِيبُونَ” لِأَنَّ فِعْلَ الْإِجَابَةِ يَتَعَدَّى إِلَى الشَّيْءِ الْمُجَابِ بِهِ بِالْبَاءِ، وَإِذَا أُرِيدَ مِنَ الِاسْتِجَابَةِ تَحْقِيقُ الْمَأْمُولِ، اقْتُصِرَ عَلَى الْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ تعالى في سورةِ يوسُف: {فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} الآية: 34. فَلَمَّا أُرِيدَ هُنَا نَفِيُ إِجْدَاءِ دُعَائِهِمُ الْأَصْنَامَ جُعِلَ نَفْيُ الْإِجَابَةِ مُتَعَدِّيًا بِالْبَاءِ إِلَى انْتِفَاءِ أَقَلِّ مَا يُجِيبُ بِهِ الْمَسْئُولُ وَهُوَ الْوَعْدُ بِالْعَطَاءِ، أَوِ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ، فَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْجَزُ عَمَّا فَوْقَهُ. وَتَنْكِيرُ “شَيْءٍ” لِلتَّحْقِيرِ، وَالْمُرَادُ أَقَلُّ مَا يُجَابُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ.
قولُهُ: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} أَيْ: إِلَّا اسْتِجَابَةً كَاسْتِجَابَةِ بَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ، وَالْمَاءُ جَمَادٌ لَا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ وَلَا بِعَطَشِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُجِيبَ دُعَاءَهُ، وَيَبْلُغَ فَاهُ. فقد شُبِّهُوا فِي قِلَّةِ فائدَةِ دُعَائِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، بِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَغْرِفَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ لِيَشْرَبَهُ فَيَبْسُطُهَا نَاشِرًا أَصَابِعَهُ وَلَمْ تَصِلْ كَفَّاهُ إِلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ مَطْلُوبَهُ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ في التمثيلِ للفاشلِ في بلوغِ مُرادِهِ: هُوَ كَالْقَابِضِ عَلَى الْمَاءِ، فِي تَمْثِيلِ إِضَاعَةِ الْمَطْلُوبِ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ الأَحْوَصِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصارِيِّ:
فَأَصْبَحْتُ فِيمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا …… مِنَ الْوُدِّ مِثْلَ الْقَابِضِ الْمَاءَ بِالْيَدِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طالبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ” قَالَ: كَالرَّجُلِ العَطْشَانِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ، لِيَرْتَفِعَ المَاءُ إِلَيْهِ، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ” قَالَ: يَدْعُو المَاءَ بِلِسَانِهِ، وَيُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ، فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا، كَذَلِكَ لَا يَسْتَجيبُ مَنْ هُوَ دُونَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وَلَيْسَ بِبَالِغِهِ حَتَّى يَتَمَزَّعَ عُنُقُهُ وَيهْلِكَ عَطَشًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: “وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال” فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، هَذَا الوَثَنُ، وَهَذَا الْحَجَرُ، لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَسُوقُ إِلَيْهِ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ سُوءًا حَتَّى يَأْتِيهِ الْمَوْتُ كَمِثْلِ هَذَا الَّذِي يَبْسُطُ ذِرَاعَيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ، وَلَا يَبْلُغُ فَاهُ وَلَا يَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَمُوتُ عَطَشًا. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَالَّذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ” الْآيَةَ قَالَ: الرَّجُلُ يَقْعُدُ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَيَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَى قَعْرِ الْبِئْرِ لِيَتَنَاوَلَ بِهِمَا، فَيَدُهُ لَا تَبْلُغُ المَاءَ، وَالْمَاءُ لَا يَنْزُو إِلَى يَدِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ مَا كَانُوا يَدعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ” قَالَ: هَذَا مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الرَّجُلِ العَطْشانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ فِي المَاءِ مِنْ بَعيدٍ، هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قولُهُ: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} أَيْ: إِلَّا فِي ضَيَاعٍ وشَتَاتٍ، فلَا مَنْفَعَةَ فِيهِا، فهُمْ إِنْ دَعَوُا اللهَ لَمْ يُجِبْهُمْ، لِأَنَّهم أَشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في العِبَادَةِ وفي الدُّعاءِ، وَإِنْ دَعَوُا ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً لهم مِنْ دُونِ اللهِ لَمْ تَسْتَطِعْ إِجَابَتَهُمْ إلى ما يَدْعُونَها إِلَيْهِ، لأَنها جماداتٌ ومخلوقاتٌ لا تَمْلُكُ لِنَفْسِها ضَرًّا ولا نَفعًا، فكيفَ تملُكُهُ لهم!.
قولُهُ تَعَالَى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} لَهُ: حرفُ جَرٍّ متَعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحرْفِ الجرِّ. و “دَعْوَةُ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ، و “الْحَقِّ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “الَّذِينَ” اسمٌ موصولٌ مبنيٌ في محلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، و “يَدْعُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والجملةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، والعائدُ مَحْذُوفٌ والتَقْديرُ: والأَصْنَامُ الذينَ يَدْعُونَهم. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَدْعُونَ” أَوْ بِحالٍ مِنَ الضَّميرِ المَحْذوفِ، و “دُونِهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يَسْتَجِيبُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ. و “لَهُمْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يسْتَجيبونَ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ به في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ. و “بِشَيْءٍ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِـ “يَسْتَجيبونَ”، و “شَيْءٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قوْلُهُ: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} إِلَّا: أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ مِنْ عامِّ المَصْدَرِ، أو أداةُ حَصْرٍ. و “كَبَاسِطِ” الكافُ حرفُ جَرٍّ للتَشْبيهِ، ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ اسْمًا بِمَعْنَى “مِثْل” فَهِيَ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعولٌ مُطْلَقٌ نائبٌ عَنِ المَصْدَرِ لأَنَّهُ صِفَتُهُ. و “باسِطِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهو مُضَافٌ، و “كَفَّيْهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ مُثنى، وهوَ مِنْ إِضافَةِ الوَصْفِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وهو مُضافٌ أَيضًا، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ. و “إِلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِاسمِ الفاعِلِ “باسطِ” و “الْمَاءِ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. والجارُّ والمَجْرورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ والتَقْديرُ: لا يَسْتَجيبونَ لَهُمْ اسْتِجَابَةً إِلَّا اسْتِجابَةً مِثْلَ اسْتِجابَةِ المَاءِ لِمَنْ بَسَطَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ. و “لِيَبْلُغَ” اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ للتَّعْليلِ. و “يَبْلُغَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَنْصوبٌ بِـ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ بَعْدَ اللامِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا، تقديرُهُ (هو) يعودُ إلى الماءِ، و “فاه” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وهو مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِاللامِ، والتقديرُ؛ لِبُلوغِ الماءِ فاهُ، وهذا الجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ “باسطِ”. و “وَمَا” الواوُ: حَالِيَّةٌ. و “ما” نافِيَةٌ، أَوْ حِجَازِيَّةٌ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصلٌ مَبْنِيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، إنْ أُعرِبتْ “ما” تَمِيمِيَّةً، أَوْ في محلِّ رفعِ اسْمِها إِنْ أُعرِبتْ حجازيَّةً. و “بِبَالِغِهِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ زائدةٌ، و “بالِغِهِ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ، مرفوعٌ مَحلًا خَبَرُ المُبْتَدَأِ إنْ أُعربتْ “ما” تميميَّةً، أَوْ في محلِّ نَصْبِ خَبَرِهَا إنْ كانتْ “ما” حِجازِيَّةً، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “يَبْلُغَ”. وفي الضَميرِ “هو” ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُها: أَنَّهُ ضَميرُ “الْمَاءِ”، والهاءُ فيِ “بِبَالِغِهِ” للفَمِ؛ أَيْ: ومَا الماءُ بِبَالِغِ فِيِهِ. وثانيها: أَنَّهُ ضَميرُ الفَمِ، والهاءُ في “بِبَالِغِهِ” لِـ “الْمَاءِ”؛ أَيْ: وَمَا الفَمُ بِبَالِغِ المَاءِ؛ إِذْ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما لا يَبْلُغُ الآخَرَ عَلَى هَذِهِ الحالِ، فَنِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى كُلِّ واحِدٍ وَعَدَمُها صَحيحانِ. والثالثُ: أَنْ يَكُونُ “هُوَ” ضَميرُ “الباسطِ”، والهاءُ في “بِبَالِغِهِ” لِـ “الْمَاءِ”؛ أَيْ: وَمَا بَاسِطُ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ يَبْلُغُ الماءَ.
قولُهُ: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} الواو: اسْتِئْنَافِيَّةٌ. و “ما” نافِيَةٌ لا عَمَلَ لَهَا. و “دُعَاءُ” مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ، وهوِ مُضافٌ، و “الْكَافِرِينَ” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالِمُ. و “إِلَّا” أَدَاةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ، أو أَداةُ حَصْرٍ. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، و “ضَلَالٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قَرَأَ العامَّةُ: {يَدْعُونَ} بالياءِ فالضميرُ للغائبِ، وَقَرَأَ اليَزيدِيُّ عَنْ أَبي عَمْروٍ بْنِ العلاء: “تَدْعُونَ” بالخِطابِ


فيض العليم … سورة الرعد الآية: 13
 
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)
 
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} النصُّ واضحٌ في أَنَّ الرَّعْد يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ تعالى بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ بالمُسْتَبْعَدِ، ولا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَهو جَائزٌ بِدَلِيلِ خَلْقِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وبدليل قَوْلِهِ: “وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ” فَلَوْ كَانَ الرَّعْدُ مَلَكًا لَدَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَمَنْ قَالَ بأَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ كالطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ: مَعْنَى “مِنْ خِيفَتِهِ” مِنْ خِيفَةِ اللهِ تَعَالى، فعَوْدُ الضَّميرِ على اللهِ وَلَيْسَ على الرَّعْدِ. ونَقَلَ الإمامُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، يَصْرِفُهُ إِلَى حَيْثُ يُؤْمَرُ، وَأَنَّ بُحُورَ الْمَاءِ فِي نَقْرَةِ إِبْهَامِهِ، وَأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا سَبَّحَ لَا يَبْقَى مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ، فَعِنْدَهَا يَنْزِلُ الْقَطْرُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَلَكٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَنْ يَمِينِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى يَمِينِهِ وَسَبَّحَ سَبَّحَ الْجَمِيعُ مِنْ خَوْفِ اللهِ، وَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى يَسَارِهِ وَسَبَّحَ سَبَّحَ الْجَمِيعُ مِنْ خَوْفِ اللهِ. وقيلَ المَعْنَى أَنَّ مَا في الرَّعْدِ مِنْ آياتٍ يَدْعُو إِلى تَسْبيحِ اللهِ تَعَالى وحَمْدِهِ. أَيْ أَنَّ سامِعِي صَوْتِ الرَّعْدِ مِنَ الخَلْقِ يَرْفَعُونَ أَصْواتَهم بالتَّسْبيحِ والحَمْدِ. وإنَّما أُسْنِدَ التَّسْبيحُ إِلى الرَّعْدِ لِأَنَّه يَحَمِلُهم عَلَى ذَلِكَ. وقدْ كانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ، يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ: ((سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ))، وإِذا اشْتَدَّ الرَّعْدُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنَا بِعَذابِكَ، وعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ)). أَخْرَجَهُ الإمامُ أَحمد في مُسْنَدِهِ: (2/100 ـ 5763). والبُخَارِي في (الأدب المفرد): (721). والتِّرْمِذِيُّ: (3450). والنَّسائيُّ في عمل اليوم والليلةِ: (928). مِنْ حديثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم. وعَنْ أَميرِ المؤمنينَ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كانَ إِذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قالَ: (سُبْحانَ مَنْ سَبَّحْتَ لَهُ). والأَوْلَى إِجْراءُ التَسْبِيحِ عَلَى ظاهِرِهِ، ولا حَاجَةَ لِمِثْلِ هَذَا التَأْويلِ، فالقُرْآنُ أَثْبَتَ التَّسْبيحَ للجَمَاداتِ جَمِيعًا، قالَ تَعَالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
قولُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} وتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ خِيفَةِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَشْيَتِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَعْوَانَ الرَّعْدِ، وقد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَعْوَانًا فَهُمْ خائفونَ خَاضِعُونَ مُتَذَلِّلونَ طَائِعُونَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، إنَّ المَلائكةَ خَائِفُونَ مِنَ اللهِ لَيْسَ كَخَوْفِ ابْنِ آدَمَ، لَا يَعْرِفُ وَاحِدُهُمْ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ، لَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَنْهُ أَيْضًا كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحْتُ لَهُ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قَالَ: سُبْحَانَهُ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا وَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ.
قولُهُ: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} الصَّواعِقُ: جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الْعَذَابُ الْمُهْلِكُ يَنْزِلُ مِنَ الْبَرْقِ فَيَحْرِقُ مَنْ يُصِيبُهُ، فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ، كَمَا أَصَابَ أَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ، وهيَ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ وَلَكنْ لا تُصِيبُ الذَّاكِرَ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الَبَصْريُّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: “وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ” الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ طَوَاغِيتِ الْعَرَبِ بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَفَرًا يَدْعُونَهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنْ رَبِّ مُحَمَّدٍ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِمَّ هُوَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ، فَاسْتَعْظَمَ الْقَوْمُ مَقَالَتَهُ فَانْصَرَفُوا إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَكْفَرَ قَلْبًا وَلَا أَعْتَى عَلَى اللهِ مِنْهُ، فَقَالَ: ((ارْجِعُوا إِلَيْهِ)) فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى مِثْلِ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، وَقَالَ: أُجِيبُ مُحَمَّدًا إِلَى رَبٍّ لَا أَرَاهُ وَلَا أَعْرِفُهُ فَانْصَرَفُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا زَادَنَا عَلَى مقالَتِهِ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى وَأَخْبَثَ فَقَالَ: ((ارْجِعُوا إليه)) فرَجَعوا إِلَيْهِ فَبَيْنَما هُمْ جُلُوسٌ عِنْدَهُ يُنَازِعُونَهُ وَيَدْعُونَهُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِذِ ارْتَفَعَتْ سَحَابَةٌ فكانتْ فوقَ رُؤوسِهم فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ وَرَمَتْ بِصَاعِقَةٍ فَاحْتَرَقَ الكافِرُ وَهمْ جُلُوسٌ عِنْدَهُ، فجَاؤوا يَسْعَوْنَ لِيُخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا لَهُمْ احْتَرَقَ صَاحِبُكُمْ، فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ فَقَالُوا أَوْحَى اللهُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ”. ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الْحَسَنِ، والْقُشَيْرِيِّ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَنَسٍ.
قولُهُ: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ} أَيْ أَنَّهم يُجادلونَ فِي تَوْحِيدِ اللهِ ـ سبحانَهُ وتعالى، أَوْ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الإحياءِ بعد الإماتَةِ، والْبَعْثِ والنُشورِ للحسابِ والعقابِ أَوْ الأَجرِ والثَوابِ. وَمِنْ جَدَلِهِمْ مَا حَكَاهُ تعالى عنهم في آخِرِ سورةِ (يس) بقولِهِ: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}. الآيَتَانِ: (77 و 78).
قولُهُ: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} قَالَ الإمامُ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وكرَّمَ وجهَهُ: شَدِيدُ الْأَخْذِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: شَدِيدُ الْحَوْلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ـ رضيَ اللهُ عنهُ: شَدِيدُ الْقُوَّةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ. وَقِيلَ: شَدِيدُ الْمَكْرِ. وقال أبو زيد: هو النِّقْمة. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ، هوَ الجِدال. وفيه على هذا مُقابلةٌ معنويَّةٌ كأَنَّهُ قِيلَ: وَهم يُجَادِلونَ في اللهِ وهوَ شَديدُ الجِدالِ. و “المِحالُ” بِكَسْرِ الْمِيمِ، والمُماحَلَةُ: المُماكَرَةُ والمُغَالِبَةُ والمُجادلةُ، وَفِعْلُهُ مَحَلَ، ولَهُ هُنَا مَعْنَيَيْنِ، فإِنْ كَانَتِ الْمِيمُ فِيهِ أَصْلِيَّةً فَهُوَ (فِعَالٌ)، بِمَعْنَى الْكَيْدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَمَحَّلَ، إِذَا تَحَيَّلَ. فقد جَعَلَ جِدَالَهُمْ فِي اللهِ جِدَالَ كَيْدٍ لِأَنَّهُمْ يُبْرِزُونَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي نَحْوِ قَوْلهم: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فَقُوبِلَ بِـ “شَدِيدُ الْمِحالِ” عَلَى طَرِيقَةِ الْمُشَاكَلَةِ، أَيْ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ لَا يَغْلِبُونَهُ، وَنَظِيرُهُ قولُهُ في الآيةِ: 54، مِنْ سورةِ آلِ عمران: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}. وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ: هُوَ مِنْ مَاحَلَ عَنْ أَمْرِهِ، أَيْ جَادَلَ. وَالْمَعْنَى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمُجَادَلَةِ، أَيْ قَوِيُّ الْحُجَّةِ. وَإِنْ كَانَتِ الْمِيمُ زَائِدَةً فَهُوَ مِفْعَلٌ مِنَ الْحَوْلِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَإِبْدَالُ الْوَاوِ أَلِفًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلْقَلْبِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ سَاكِنٌ سُكُونًا حَيًّا. فَلَعَلَّهُمْ قَلَبُوهَا أَلِفًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِحْوَلٍ بِمَعْنَى صَبِيٍّ ذِي حَوْلٍ، أَيْ سَنَةٍ.
وَقد ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَالطَّبَرِيُّ والبغويُّ في أَسْبَابِ نُزولِ هَذِهِ الآيَةِ أَخْبَارًا عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ حِينَ وَرَدَا الْمَدِينَة يَشْتَرِطانِ لِدُخُلولِهِما فِي الْإِسْلَامِ شُرُوطًا لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُمَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَهَمَّ أَرْبَدُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَرَفَهُ اللهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَاصِدَيْنِ قَوْمَهُمَا وَتَوَاعَدَا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنْ يَجْلِبَا عَلَيْهِ خَيْلَ بَنِي عَامِرٍ. ورُويَ أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ العامريَّ، وهوَ أَخُو الشَّاعِرِ المَعروفِ لَبيدِ بْنِ رَبيعةَ. قالَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِمَّ رَبُّكَ أَمِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ أَمْ مِنْ ذَهَبٍ؟. فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَامِرًا بِغُدَّةٍ نَبَتَتْ فِي جِسْمِهِ فَمَاتَ مِنْهَا وَهُوَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ فِي طَرِيقِهِ إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِ، فَنَزَلَتْ فِي أَرْبَدَ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وَفِي عَامِرٍ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ.
قولُهُ تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} الواو: حرفُ عَطْف، وَ “يُسَبِّحُ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، و “الرَّعْدُ” فاعِلٌ مرفوعٌ. و “بِحَمْدِهِ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُسَبِّحُ” أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنَ “الرَّعْدِ”. و “حمدِهِ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو مُضَافٌ، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والعائدُ هو الضَميرُ في “بِحَمْدِهِ”.
قولُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} الوَاوُ: للعطْفِ، و “الْمَلَائِكَةُ” مَعْطوفٌ عَلَى “الرَّعْدُ”. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ وهي سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقةٌ بِـ “يُسَبِّحُ” أَيْضًا، و “خِيفَتِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ.
قولُهُ: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ} الوَاوُ: للعطفِ، و “يُرْسِلُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلى الاسمِ المَوْصُولِ “الذي”، و “الصَّوَاعِقَ” مفعولُهُ منصوبٌ بِهِ، والجُمْلَةُ معطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ.
قولُهُ: {فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} الفاءُ: حرفُ عَطْفٍ. و “يُصِيبُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطوفٌ عَلَى “يُرْسِلُ”، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلى الاسمِ المَوْصُولِ “الذي”. و “بِهَا” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُصيبُ” والهاء: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَفْعولٌ بِهِ لـ “يُصِيبُ”. و “يَشَاءُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وَفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى الاسْمِ الموصولِ “الذي”، والجُمْلَةُ صِلَةُ “مَنْ” المَوْصُولَةِ لا مَحَلَّ لها، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: يَشَاءُهُ.
قولُهُ: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ} الوَاوُ: حاليَّةٌ، و “هُمْ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “يُجَادِلُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِه لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ ضميرُ الجماعةِ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، فاعلُهُ، والجملةُ الفعليَّةُ هذه في محلِّ الرَّفعِ خبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ “مَنْ” المَوْصُولَةِ، أَيْ: فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ في حالِ جِدالِهم، أوْ بحالٍ مِنْ مَفْعولِ “يَشَاءُ” وأَعادَ عَلَيْها الضَميرُ جَمْعًا باعتبار معناها. وَيَجُوزُ أَنْ تَكونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً أَخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، و “فِي” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُجَادِلُونَ”، ولَفْظُ الجلالةِ “اللهِ” اسْمٌ مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ.
قولُهُ: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} الوَاوُ: حاليَّةٌ، و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “شَدِيدُ” خبَرُهُ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ. و “الْمِحَالِ” مَجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ لَفْظِ الجَلالَةِ الكَريمَةِ، ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ مُسْتَأْنَفَةً.
وقرَأَ العامَّةُ: {المِحال} بِكَسْرِ المِيمِ، وهوَ القُوَّةُ والإِهلاكُ، قالَ عبدْ المُطَّلِبِ:
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيْبُهُمْ ………………………. ومِحالُهم عَدْواً مِحالَكْ
وقال الأعشى:
فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المَجْــ …….. ــدِ عَظِيمُ النَّدَى شَديدُ المِحالِ
وقرَأَ الأَعْرَجُ والضَّحَّاكُ بِفَتْحِها، والظاهِرُ أَنَّهُ لُغَةٌ في المَكْسورةِ، وهوَ مَذْهَبُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فإنَّهُ فَسَّرَهُ بالحَوْل وفَسَّرَهُ غيرُهُ بالحِيلَةِ. أَوْ أَنَّهُ على وزنِ “مَفْعَل” مِنْ حالَ يَحولُ مَحالًا، إذا احْتَالَ، ومِنْهُ: اَحْوَلُ مِنْ ذئب. أَيْ: أَشَدُّ حِيْلةً مِنْ ذِئْبٍ، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ المَعْنَى: شَديدُ الفَقَارِ، ويَكونُ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ، كَمَا جَاءَ في الحديثِ الشريف: (فَسَاعِدُ اللهِ أَشَدُّ، ومُوْساهُ أَحَدٌ) وهذا جزءٌ منْ حديثٍ طويلٍ أَخرجَهُ الإمامُ أحمدُ بْنُ حنبلٍ، والحميديُّ في مُسْنَدَيهِما مِنْ حديثِ عَمْرِو بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَمِّهِ أَبِى الأَحْوَصِ: عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ. لأَنَّ الحيوانَ إذا اشْتَدَّ مَحالُه كان منعوتًا بِشِدَّةِ القُوَّةِ والاضْطِلاعِ بِمَا يُعْجِزُ غَيْرَهُ، أَلَا تَرَى إلى قولِهم: (فلانٌ فَقَرَتْه الفاقِرَةُ) وذَلِكَ أَنَّ الفَقَارَ هو عَمُودُ الظَّهْرِ وقِوامُه.


فيض العليم … سورة الرعد، الآية: 12
 
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} لَمَّا أَنْذرَ اللهُ تعالى عِبَادَه فيما تَقَدَّم بِأَنَّه لَا مَرَدَّ لِمَا أَرادَ أنْ يُنْزِلَ بِهم مِنْ عَذَابِ، أَتْبَعَ ذلكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَاتِ لِأَنَّ فيها دَلَائِلُ عَلَى عظيمِ قُدْرَتِهِ وَبالغِ حِكْمَتِهِ، فحُدُوثَ الْبَرْقِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَذلك أَنَّ السَّحَابَ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ ـ في مُعظَمِهِ، مِنْ حُبَيْباتٍ مَائِيَّةٍ رَطْبَةٍ، ممزوجةٍ بأَجزاء هَوَائِيَّةٍ وأُخْرَى ناريَّةٍ، والماءُ جِسْمٌ رَطْبٌ بارِدٌ، والنَّارُ جِسْم حارٌّ يَابِسٌ، وَظُهُورُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ صَانِعٍ مُخْتَارٍ عظيمِ القُدْرَةِ لِيُظْهِرُ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ. والبَرْقُ: مَا يَرَاهُ الرائي مِنْ نُورٍ خاطفٍ لامِعٍ يَظْهَرُ مِنْ خِلالِ السَّحَابِ نَتيجَةَ احْتِكَاكِ سَحَابَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيِ الشُّحْنَةِ الكَهْرُبائيَّةِ، هذا ما فسَّر به عُلَمَاءُ الفيزياءِ هذه الظاهرةَ. وقدْ وَرَدَ في الأَثرِ أنَّ البَرْقَ لَمَعَانُ سَوْطٍ مِنْ نُورٍ يَزْجُرُ بِهِ المَلَكُ السَّحابَ، ولا تعارضَ. انْظُرْ سُنَنَ البَيْهَقِيِّ الكُبْرَى: بابَ ما جاءَ في الرَّعْدِ، (3/363 ـ رقم: 7267). وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي هُرَيْرَة ـ رَضِي الله عَنهُ ـ قَالَ: الْبَرْق اصطفاق البَرَدِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي (كِتَابُ العَظَمَةِ) عَن كَعْبٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الْبَرْق تَصْفِيقُ الْمَلَكِ الْبَرَدَ، وَلَو ظَهَرَ لأَهْلِ الأَرْضِ لَصُعِقُوا. وَأخرج عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ والخَرَائطِيُّ، فِي مَكَارِم الْأَخْلَاقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، قَالَ: الْبَرْقُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ بِأَيْدِي مَلَائِكَةِ السَّحَاب يَزْجُرُونَ بِهِ السَّحَابَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ.
وَأَخْرَجَ الإمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبي الدُّنْيَا فِي (كِتَابُ الْمَطَرِ)، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي (العَظَمَةِ)، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) عَنْ أَبي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُول: ((إِنَّ اللهَ يُنشِئُ السَّحَابَ، فَيَنْطِقُ أَحْسَنَ النُّطْقِ، ويَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ)). قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ: النُّطْقُ: الرَّعْدُ، والضَّحِكُ: الْبَرْقُ. وَأَخْرَجَ الْعَقِيلِيُّ، وَضَعَّفَهُ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُنْشِئُ اللهُ السَّحَابَ، ثُمَّ يُنْزِلُ فِيهِ المَاءَ، فَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ مَنْطِقِهِ، ومَنْطِقُهُ الرَّعْدُ، وضَحِكُهُ الْبَرْقُ)). وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بِجَادٍ الْأَشْعَرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الرَّعْدُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ وَالْبَرْقُ طَرَفُ مَلَكٍ ْيُقَالَ لَهُ رُوفِيلُ)). وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قال: ((إنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالسَّحَابِ يَلُمُّ الْقَاصِيَةَ، وَيَلْحُمُ الرَّابِيَةَ، فِي يَدِهِ مِخْرَاقٌ، فَإِذَا رَفَعَ بَرَقَتْ، وَإِذَا زَجَرَ رَعَدَتْ، وَإِذَا ضَرَبَ صَعَقَتْ)).
و “خوفًا” أَيْ: مِمَّا قَدْ يَنْشَأُ عَنِ البَرْقِ مِنَ الصَّواعِقِ وأُمُورٍ هائلَةِ الضَرَرِ. و “طَمَعًا” أي: في نُزولِ الغَيْثِ الذي غَالِبًا ما يتبعُ البَرْقَ. والمرادُ بالخوفِ وَالطَّمَعِ، أَنَّ وُقُوعَ الصَّوَاعِقِ يُخَوِّفُ عِنْدَ لَمْعِ الْبَرْقِ، وَيُطْمِعُ فِي الْغَيْثِ. وأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ قَتَادَة ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله تعالى: “هُوَ الَّذِي يُريكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا” قَالَ: “خَوْفًا” للْمُسَافِر، يَخَافُ أَذَاهُ ومَشَقَّتَهُ، و “طَمَعًا” للمُقيمِ يَطْمَعُ فِي رِزْقِ اللهِ، ويَرْجُو بَرَكَةَ الْمَطَرِ ومَنْفَعَتَهُ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يُريكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا” قَالَ” “خوفًا” لأَهْلِ الْبَحْرِ، وَ “طَمَعًا” لأَهْلِ الْبَرِّ. وقريبٌ منْهُ ما رُويَ عنِ بْنِ عبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما. وَقَرِيبٌ مِنْهُ أيضًا مَا ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ وَهُوَ: خَوْفًا لِلْبَلَدِ الَّذِي يَخَافُ ضَرَرَ الْمَطَرِ لَهُ، وَطَمَعًا لِمَنْ يَرْجُو الِانْتِفَاعَ بِهِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ، وَطَمَعًا فِي الثَّوَابِ. وَأَخرْجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا” قَالَ: الْخَوْفُ: مَا يُخَافُ مِنَ الصَّوَاعِقِ، والطَمَعُ: الْغَيْثُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ كَنَّى بِالْبَرْقِ عَنِ الْمَاءِ، لَمَّا كَانَ الْمَطَرُ يُقَارِبُهُ غَالِبًا وَذَلِكَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الشَّيْءِ مَجَازًا عَلَى مَا يُقَارِبُهُ غَالِبًا، كقَولِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت:
رجلٌ وثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ………….. والنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ
قولُهُ: {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} يُنْشِئُ السَّحابَ: يَخْلُقُهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقالَ” قَالَ: الَّذِي فِيهِ المَاءُ. والسَّحابُ: الغَيْمُ المُسْحَبُ، وهوَ اسْمُ جِنْسٍ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَيُفْرَدُ وَيُجْمَعُ، و “الثِّقالَ” الحاملُ للمَطَرِ المُثْقَلُ بِهِ.
 
قولُهُ تَعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} هُوَ: ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ، مُبْتَدَأٌ. و “الَّذِي” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “يُرِيكُمُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ عَنِ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخِرِهِ لثِقَلِ ظهرها على الياءِ. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلى الاسْمِ المَوْصُولِ، وكافُ الخِطابِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولُهُ الأَوَّلُ، لأَنَّ فِعْلَ الإرَاءةَ هنا بَصَرِيَّةٌ فيَتَعَدَّى بِالهَمْزَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، والمِيمُ عَلامَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ، و “البرقَ” مفعولُهُ الثاني منصوبٌ بهِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “خَوْفًا” وَ “طَمَعًا” حالانِ مِنَ الكافِ في “يُرِيكُمُ”؛ أَيْ: حَالَ كَوْنِكمْ خَائِفينَ وطامِعِينَ، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ نَاصِبُهُمَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: يَخَافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا. وَذَكَرَ العُكْبُرِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، ومَنَعَ الزَمَخْشَريُّ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ اتِّحادِ الفاعِلِ، يَعْنِي: أَنَّ فاعِلَ الإراءَةِ هوَ اللهُ تَعَالَى، وَفاعِلُ الخَوْفِ والطَّمَعِ، هوَ ضَميرُ المُخاطَبينَ، فاخْتَلَفَ فاعِلُ الفِعْلِ المُعَلّلِ وفاعِلُ العِلَّةِ، ويُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ اعْتراضُ الزمَخشَرِيِّ بِأَنَّ المَفْعُولَ فِي قُوَّةِ الفاعِلِ، فإنَّ مَعْنَى يُريكم: يَجْعَلُكُمْ رائينَ فَتَخافونَ وتَطْمَعُونَ، ومثلُهُ في المَعْنَى قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُبْيانيِّ:
وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعٍ مُمَنِّعٍ …………. تَخال به راعي الحَمولةِ طائرا
حِذاراً على أن لا تُنال مَقَادَتي ………… ولا نِسْوتي حتى يَمُتْنَ حَرائِرا
فـ “حِذارًا” مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وفاعِلُهُ هوَ المُتَكَلِّمُ، والفِعْلُ المُعَلِّلُ “حَلَّتْ” فاعِلُهُ “بيوتي”، فقدِ اخْتَلَفَ الفاعِلُ، لَكِنْ لَمَّا كانَ التَقْديرُ: وأَحْلَلْتُ بُيوتي حِذارًا، صَحَّ ذَلِكَ. وجَوَّزَ الزَمخشَرِيُّ: ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فَقالَ: إلاَّ عَلَى تَقْديرِ حَذْفِ المُضافِ، أَيْ: إِرادَةَ خَوْفٍ وطَمَعٍ. وجَوَّزَهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ المَصَادِرِ نابٌ عَنْ بَعْضٍ، يَعْنِي: أَنَّ الأَصْلَ: يُريكُمُ البَرْقَ إِخافَةً وإِطْماعًا؛ فإنَّ المُرْئِيَّ والمُخِيفَ والمُطْمِعَ هُوَ اللهُ تَعَالى، ونَابَ “خوفًا” عَنْ “إِخَافَةً”، و “طَمَعًا” عَنْ “إِطْماعًا” نَحْوَ: قولِهِ في سورةِ نوحٍ: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرْضِ نَبَاتًا} الآية: 17، وذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ اتِّحادَ الفاعِلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
قولُهُ: {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} الوَاوُ: للعطفِ، و “يُنْشِئُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ الناصِبِ والجازمِ، وعَلامَةُ رَفعِهِ الضمَّةُ الظاهرَةُ على آخِرِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ الاسْمِ الموصولِ، و “السَّحَابَ” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ. و “الثِّقَالَ” صِفَةٌ لِـ “السَّحَابَ” مَنْصُوبَةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “يُرِيكُمُ” عَلَى كَوْنِها صِلَةَ المَوْصُولِ.


فيضُ العليم … سورة الرعد، الآية: 11
 
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أَيْ: إِنَّ لِلْعَبْدِ مَلاَئِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ، والضَّمِيرَ فِي “لَهُ” عَائِدٌ إِلَى “مَنْ” مِنْ قَوْلِهِ في الآيَةِ التي قبْلَها: {سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}، وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى اسْمِ “اللهِ” تَعالى المُضْمَرِ فِي قوْلِهِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}، من الآيةِ: 9، السابِقَةِ. وَالْمَعْنَى: للهِ مُعَقِّبَاتٌ، وَأَمَّا الْمُعَقِّبَاتُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مُعْتَقِبَاتٍ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الْقَافِ كَقَوْلِهِ في الآيةِ: 90، مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ: {وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ}، وَالْمُرَادُ الْمُعْتَذِرُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَقَبَ فلانٌ فلانًا إِذَا جَاءَ عَلَى عَقِبِهِ، فَاسْمُ الْمُعَقِّبِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَا خَلَفَ مَا قبْلَهُ وعَقَبَهُ، والمَعْنَى في كِلا الوَجْهَيْنِ وَاحِدٌ. والْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بالمُعَقِّباتِ الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ، وَقد وَصَفَهُمْ بِالْمُعَقِّبَاتِ، لأَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ تَعْقُبُ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ وَبِالْعَكْسِ، أَوْ لأَنَّهُمْ يَتَعَقَّبُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ وَيَتْبَعُونَهَا بِالكِتابَةِ والْحِفْظِ، وَعلَيهِ فَالْمُعَقِّبَاتُ هُمْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ. رُوِيَ أَنْ عُثْمَانَ بْنَ عفَّانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَكٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِصَاحِبِ الْيَمِينِ أَكْتُبُ؟ فَيَقُولُ لَا، لَعَلَّهُ يَتُوبُ. فَإِذَا قَالَ ثَلَاثًا، قَالَ: نَعَمْ اكْتُبْ، أَرَاحَنَا اللهُ مِنْهُ، فَبِئْسَ الْقَرِينُ مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ للهِ تَعَالَى، وَاسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا، وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: “لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ” وَمَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِكَ، فَإِذَا تَوَاضَعْتَ لِرَبِّكَ رَفَعَكَ، وَإِنْ تَجَبَّرْتَ قَصَمَكَ. وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتِكَ يَحْفَظَانِ عَلَيْكَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، وَمَلَكٌ عَلَى فِيكَ لَا يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيكَ، وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْكَ، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ تُبَدَّلُ، مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ بِمَلَائِكَةِ النَّهَارِ فَهُمْ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ جَريرٍ عَنْ كِنَانَةَ العَدَوِيِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَ أخرجَ البُخارِيُّ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: ((يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ» . صحيحُ البُخاري: (555) كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صحيحِه: (632) كتاب المَسَاجِدِ، والإمامُ أَحمَدُ: (20/57 (10314) تحقيق أَحمد شاكِر، وصَحَّحَ إسناده. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 17 من سورةِ (ق): {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ} صَاحِبُ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَالَّذِي عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ. فإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحْصِي عَلَيْهِ أقوالَهُ وأَفعالَهُ كَانَ إِلَى الْحَذَرِ مِنَ الْمَعَاصِي أَقْرَبَ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ يَعْتَقِدُ جَلَالَةَ الْمَلَائِكَةِ وَعُلُوَّ مَرَاتِبِهِمْ فإذا حَاوَلَ الْإِقْدَامَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَهَا زَجَرَهُ الْحَيَاءُ مِنْهُمْ عَنِ ذلك الْإِقْدَامِ، كَمَا لو كانَ حَضِرًا مَنْ يخافُهُ ويُطِيعُه مِنَ الْبَشَرِ. وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ هؤلاءِ الْمَلَائِكَةَ يُحْصُونَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَعْمَالَ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا رَادِعًا لَهُ عَنْهَا. ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَخْفِيَ بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبَ بِالنَّهَارِ قَدْ أَحَاطَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُعَقِّبَاتُ فَيَعُدُّونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ وَأَقْوَالَهُ بِتَمَامِهَا. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَهَا عليهِ ويحفظونَها وأنَّهُ محاسَبٌ عَلَيْها يَوْمَ القيامَةِ كَانَ الرَّدْعُ أَقْوى وأَكْمَلَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ أَنَّهم يَحْفَظُونَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَهَالِكِ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، لِأَنَّ السَّارِبَ بِالنَّهَارِ إِذَا سَعَى فِي مُهِمَّاتِهِ فَإِنَّمَا يَحْذَرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.
قولُهُ: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضَارِّ فِي نَوْمِهِ، وَفِي يَقَظَتِهِ، بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلاَ يَصِلُ إِلَيْهِ إِلاَّ ما قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ عَلَيْهِ، وهوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالتَّقْدِيرُ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَهُ. وقيل: أَنَّ فِيهِ إِضْمَارًا أَيْ: ذَلِكَ الْحِفْظُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، أَيْ: مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَحُذِفَ الِاسْمُ وَأُبْقِيَ خَبَرُهُ. وَقالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إنَّ “مِنْ” هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءُ وَالتَّقْدِيرُ: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللهِ، واتَّفَقَ الْمُنَجِّمونَ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وفِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِكَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ، وَكَذَلك الْقَمَرِ، وَقالوا إِنَّ تِلْكَ الْكَوَاكِبَ لَهَا أَرْوَاحٌ، فَالتَّدْابِيرُ الْمُخْتَلِفَةُ إِنَّما هي فِي الْحَقِيقَةِ لِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ، وإِنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ رُوحًا فَلَكِيَّةً يَتَوَلَّى إِصْلَاحَ مُهِمَّاتِهِ وَدَفْعَ بَلِيَّاتِهِ وَآفَاتِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ ـ رضي اللهُ عَنْهُ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ. وَهذَا أَمرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَأَصْحَابِ الْأَحْكَامِ، وَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ فِي جَوَاهِرِهَا وَطَبَائِعِهَا فَبَعْضُهَا خِيِّرَةٌ، وَبَعْضُهَا شِرِّيرَةٌ، وَبَعْضُهَا قَوِيَّةُ السُّلْطَانِ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفَتُهُ. وَكذَلك الْأمرُ فِي الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْفَلَكِيَّةَ فِي كُلِّ بَابٍ وَكُلِّ صِفَةٍ أَقْوَى مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ تَكُونُ مُتَشَارِكَةً فِي طَبِيعَةٍ خَاصَّةٍ وَصْفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، لِمَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي تَرْبِيَةِ رُوحٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ مُشَاكِلَةً لَهَا فِي الطَّبِيعَةِ وَالْخَاصِّيَّةِ، وَكأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ أَوْلَادٌ لِتلك الأَرْواحِ الْفَلَكِيَّةِ، فهي تُعِينُها عَلَى مُهِمَّاتِهَا وَتُرْشِدُها إِلَى مَصَالِحِهَا وَتعْصِمُها عَنْ صُنُوفِ الْآفَاتِ، وهَذَا كَلَامٌ ذَكَرَهٌ مُحَقِّقُو الْفَلَاسِفَةِ، وجاءتْ بِهِ الشريعةُ الغرَّاءُ، ثُمَّ إِنَّ فِي اخْتِصَاصِ تِلْكَ الأَرْواحِ (الْمَلَائِكَةِ) وَتَسَلُّطِهِمْ عَلَى بَنِي آدَمَ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ سِوَى الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مِنْ قَبْلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ، فالشَّيَاطِينُ تَدْعُوا إِلَى الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي، وَالْمَلَائِكَةُ تَدْعُوا إِلَى الْخَيْرات وَطاعَةِ اللهِ رَبِّ الأرضِ والسَماواتْ ومَنْ فيهِنَّ.
ونحنُ نَرَى في الواقعِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ دَاعٍ قَوِيٌّ لأَمْرٍ مَّا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كَانَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ مَصَالِحِهِ وَخَيْرَاتِهِ، وَالعكسُ فقَدْ يَجِدُ في نَفْسِهِ داعٍ آخرَ يكونُ السَّبَبَ لِوُقُوعِهِ فِي مصيبةٍ أَوْ فِي مَعْصِيَةٍ. إِذًا فالدَّاعِي إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ كَانَ مُرِيدًا لِلْخَيْرِ وَالرَّاحَةِ، وَالداعي إِلَى الْأَمْرِ الثَّانِي كَانَ مُرِيدًا لِلْفَسَادِ وَالضَّرَرِ، فالْأَوَّلُ هُوَ الْمَلَكُ الهادي إلى الخيرِ، وَالثَّانِي هُوَ الشَّيْطَانُ الْمُغْوِي الموقعِ في الضُرِّ والشَرِّ.
وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، الْمُرَادُ: أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى السِّرُّ وَالْجَهْرُ، وَالْمُسْتَخْفِي بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالسَّارِبُ بِالنَّهَارِ، الْمُسْتَظْهِرُ بِالْمُعَاوِنِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهُمُ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ، فَمَنْ لَجَأَ إِلَى اللَّيْلِ فَلَنْ يَفُوتَ اللهَ أَمْرُهُ، وَمَنْ سَارَ نَهَارًا بِالْمُعَقِّبَاتِ، وَهُمُ الْأَحْرَاسُ وَالْأَعْوَانُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ لَمْ يُنَجِّهِ أَحْرَاسُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالْمُعَقِّبُ الْعَوْنُ، لِأَنَّهُ إِذَا أَبْصَرَ هَذَا ذَاكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْصِرَ ذَاكَ هَذَا، فَتَصِيرُ بَصِيرَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُعَاقِبَةً لِبَصِيرَةِ الْآخَرِ، فَهَذِهِ الْمُعَقِّبَاتُ لَا تُخَلِّصُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وَمِنْ قَدَرِهِ، وَهُمْ إِنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُخَلِّصُونَ مَخْدُومَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَمِنْ قَضَائِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ الْبَتَّةَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَعْثُ السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الْمَكَارِهِ عَنْ حِفْظِ اللهِ وَعِصْمَتِهِ، وَلَا يُعَوِّلُوا فِي دَفْعِهَا عَلَى الْأَعْوَانِ وَالْأَنْصَارِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهُ: وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْمَلَائِكَةِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا أَحَدًا مِنْ أَمْرِ اللهِ وَمِمَّا قَضَاهُ عَلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وَإِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ، مِنْ خَيْرٍ إِلَى سُوءٍ، إِلاَّ إِذَا غَيَّرُوا مَا هُمْ عَلَيهِ، وَلا يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ سُوءٍ إِلَى خَيْرٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بَأَنْفُسِهِمْ. رُوِيَ: أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قُلْ لِقَوْمِكَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ، وَلاَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكُونُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَيَتَحَوَّلُونَ مِنْهَا إِلى مَعْصِيَتِهِ، إِلاَّ حَوَّلَ اللهُ عَنْهُمْ مَا يُحِبُّونَ إِلَى مَا يَكْرَهُونَ. وقد أَجَمعَ الْمُفَسِّرونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يُغَيِّرُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ بِإِنْزَالِ الِانْتِقَامِ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ مِنْهُمُ الْمَعَاصِي وَالْفَسَادُ. وَالظَّاهِرُ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِمَّا يَفْعَلُهُ تَعَالَى ـ سِوَى الْعِقَابِ، إِلَّا وَقَدْ يَبْتَدِئُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ دُونِ تَغْيِيرٍ يَصْدُرُ مِنَ الْعَبْدِ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِالنِّعَمِ دِينًا وَدُنْيَا وَيُفَضِّلُ فِي ذَلِكَ مَنْ شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَالْمُرَادُ مِمَّا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى التَّغْيِيرُ بِالْهَلَاكِ وَالْعِقَابِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَبَعْضُهُمْ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ في الآيةِ: 6 السابقة: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُنْزِلُ بِهِمْ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ إِلَّا وَالْمَعْلُومُ مِنْهُمُ الْإِصْرَارُ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، حَتَّى قَالُوا: إِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ، أَوْ فِي عَقِبِهِ مَنْ يُؤْمِن،ُ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ الْكَلَامُ يَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ قَوْمٍ بَالَغُوا فِي الْفَسَادِ، وَغَيَّرُوا طَرِيقَتَهُمْ فِي إِظْهَارِ العُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللهَ يُزِيلُ عَنْهُمُ النِّعَمَ، وَيُنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعًا مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَكُونُ مُخْتَلِطًا بِأُولَئِكَ الْأَقْوَامِ فَرُبَّمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ. فقد رَوَى التِرْمِذِيُّ في صحيحِ سُنَنِهِ: (2168 ـ كتاب الفِتَنِ) عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعِقَابٍ)). وأَخْرَجَهُ الحميديُّ، وأَحمد، وعَبدُ بْنُ حُمَيدٍ، وأبو داود، وابْنُ مَاجَةَ، والنَّسائيُّ في سُنَنِهِ الكُبْرَى. وَظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ اللهِ فِي التَّغْيِيرِ مُؤَخَّرٌ عَنْ فِعْلِ الْعَبْدِ، إِلَّا أَنَّ قولَهُ تَعالى في الآيةِ: 30، مِنْ سورةِ الإنسان: {وَمَا تَشاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مُؤَخَّرٌ عَنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ التَّعَارُضُ، ظاهرًا، لكنَّ المرادَ في الأُولى حصولُ التغييرِ العمليِّ الظاهرِ للعيانِ، وأَمَّا الثانيةُ فالمُرادُ، حصولُ الإرادةِ وانعقادُ النيَّةِ واللهُ أَعلمُ.
قولُهُ: {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} أَيْ: إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُصِيبَ قَوْمًا بِشَرٍّ عِقَابًا لَهُمْ، فَلاَ رَادَّ لإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ يَنْصُرُهُمْ مِنْ دُوْنِ اللهِ، أَوْ يَرُدُّ قَضَاءَهُ عَنْهُمْ. قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهم: لَمْ تُغْنِ الْمُعَقِّبَاتُ شَيْئًا، وَقَالَ عَطَاءٌ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ: لَا رَادَّ لِعَذَابِي وَلَا نَاقِضَ لِحُكْمِي.
قولُهُ: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} مِنْ وَالٍ: مِنْ نَاصِرٍ أَوْ وَالٍ يَلِي أُمُورَهُمْ. وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ، وَيَمْنَعُ قَضَاءَ اللَّهِ عَنْهُمْ، وَالْمَعْنَى: مَا لَهُمْ والٍ يَلِي أَمْرَهُمْ، ويمنع العذاب عنهم.
وجاءَ في سَبَبِ نُزولِ هذه الآيةِ المُباركةِ ما أَخرجهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْن أبي حَاتِم، والْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وهذا نَصُّهُ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَأَبُو نُعيمٍ فِي دَلَائِلِ النبوَّةِ، مِنْ طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ جَزْء بْنِ جُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَعَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، قَدِمَا الْمَدِينَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يَا مُحَمَّدُ، مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أسلمتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ)). قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ إِنْ أَسْلَمْتُ مَنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَلَا لِقَوْمِكَ، وَلَكِنَّ لَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ)). قَالَ: أَنَا الْآنَ فِي أَعِنَّةِ خَيْلِ نَجِدٍ، اجْعَلْ لِيَ الوَبَرَ وَلَكَ المَدَرَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا)). فَلَمَّا قَفَلَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَامِرٌ: أَمَا وَاللهِ لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَمْنَعُكَ اللهُ)). فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ، قَالَ عَامِرٌ: يَا أَرْبَدُ، أَنَا أَشْغَلُ عَنْكَ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحَدِيثِ، فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا قَتَلْتَ مُحَمَّدًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ، وَيَكْرَهُوا الْحَرْبَ، فَنُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ. قَالَ أَرْبَدُ: أَفْعَلُ. فَأَقْبَلَا رَاجِعِينَ إِلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ: يَا مُحَمَّدُ، قُمْ مَعِي أُكَلِّمُكَ. فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَا إِلَى الْجِدَارِ، وَوَقَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُكَلِّمُهُ، وسَلَّ أَرْبَدُ السَّيْفَ، فَلَمَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى السَّيْفِ يَبِسَتْ يَدُهُ عَلَى قَائِمِ السَّيْفِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّ السَّيْفِ، فَأَبْطَأَ أَرْبَدُ عَلَى عَامِرٍ بِالضَّرْبِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَى أَرْبَدَ، وَمَا يَصْنَعُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا. فَلَمَّا خَرَجَ عَامِرٌ وَأَرْبَدُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كَانَا بالحَرَّةِ، حَرّةِ وَاقِمٍ، نَزَلَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَا: اشْخَصَا يَا عَدُوَّيِ اللهِ، لَعَنَكُمَا اللهُ. فَقَالَ عَامِرٌ: مَنْ هَذَا يَا سَعْدُ؟ قَالَ: هَذَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيرِ الْكَتَائِبِ، فَخَرَجَا حَتَّى إِذَا كَانَا بالرَّقْمِ، أَرْسَلَ اللهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، وَخَرَجَ عَامِرٌ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْخَرِيمِ، أَرْسَلَ اللهُ قُرْحَةً، فَأَخَذَتْهُ، فَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، فَجَعَلَ يَمَسُّ قُرْحَتَهُ فِي حَلْقِهِ وَيَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْجَمَلِ فِي بَيْتِ سَلُولية تَرْغَبُ أَنْ يَمُوتَ فِي بَيْتِهَا! ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ فَأُحْضِرَهُ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ رَاجِعًا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمَا: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} الآيات: 8 ـ 11 من سورةِ الرَّعْدِ، قَالَ: الْمُعَقِّبَاتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَّرَ أَرْبَدَ وَمَا قَتَلَهُ بِهِ، فَقَالَ: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} الآية: 7. المُعْجَمُ الكَبيرُ للطَبَرانيِّ: (10/379 ـ 381).
قولُهُ تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} لَهُ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ.
وهذا الضَميرُ إمَّا أَنْ يعودَ على “مَنْ” المُكَرَّرةِ، أَيْ: لِمَنْ أَسَرَّ القَوْلَ ولِمَنْ جَهَرَ بِهِ ولِمَنْ اسْتَخْفَى وسَرَبَ مُعَقِّباتٌ، أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ المَلائكةِ يَعْقُبُ بعضُهم بَعْضًا. وإمَّا أنْ يعودَ عَلى “مَنْ” الأَخِيرَةِ، وهوَ قوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما. وعليه فيكونُ المُعَقِّباتُ هم حَرَسُ الرَّجُلِ وجَلاوِزَتُهُ الذين يَحْفَظُونَهُ. وبناءً على ذَلِكَ فالآيةُ في الرؤساءِ الكُفَّارِ، واخْتَارَهُ الطَبَرِيُّ وآخَرون، إِلَّا أَنَّ المَاوَرْدِيَّ ذَكَرَ عَلَى التَأْويلِ أَنَّ الكلامَ نَفْيٌ، والتقديرُ: لا يَحْفَظونَهُ. وهَذا يَنْبَغي أَنْ لا يُسْمَعَ البَتَّةَ، كَيْفَ يَبْرُزُ كَلامٌ مُوجَبٌ ويُرادُ بِهِ نَفْيٌ؟ وحَذْفُ “لا” إِنَّما يَجُوزُ إِذا كانَ المَنْفِيُّ مُضَارعًا في جَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ قولِهِ في الآية: 85، مِنْ سورةِ يوسُف: {تَالله تَفْتَؤُاْ} وإِنَّما مَعْنَى الكلامِ يَحْفَظونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ في ظَنِّهِ وزَعْمِهِ. وقالُ الحَسَنُ: بأَنَّهُ يَعودُ عَلى اللهِ تَعَالى، والضميرُ في “يَحْفظونَهُ” يعودُ للعبدِ، أَيْ: للهِ مَلائكةٌ يَحْفظونَ العَبْدَ مِنَ الآفاتِ، ويَحْفظونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ. ويجوزُ عَوْدُ الضَّميريْنِ عَلَى النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَّلَّمَ، وإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قريبٌ، ولِتَقَدُّمِ ما يُشْعِرُ بِهِ في قولِهِ تعالى منْ سورة الأنعامِ: {لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ} [الآية: 8. و “مُعَقِّبَاتٌ” مَرفوعٌ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: والْمُعَقِّبَاتُ ذُكْرَانٌ جَمْعُ مَلَائِكَةٍ مُعَقِّبَةٍ، ثُمَّ جُمِعَتْ مُعَقِّبَةٌ بِمُعَقِّبَاتٍ، كَمَا قِيلَ: ابْنَاوَاتُ سَعْدٍ، وَرِجَالَاتُ بَكْرٍ، جَمْعُ رِجَالٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّذْكِيرِ قَوْلُهُ: يَحْفَظُونَهُ. وَقَال الْأَخْفَشِ: إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهَا، نَحْوَ: نَسَّابَةٌ، وَعَلَّامَةٌ، وَهُوَ ذَكَرٌ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ لابْتِداءِ الغايَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “مُعَقِّبَاتٌ” ويَجُوزُ أَنْ يعتلَّق بصفة محذوفةٍ لِـ “معقِّبات”، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ حَالًا مِنَ الضَّميرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا. ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ “يَحْفَظُونَهُ”، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ. و “بَيْنِ” مَجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُضَافٌ، وَ “يَدَيْهِ” مَجْرُورٌ بالإضافَةِ وَمُضافٌ أَيْضًا، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ، مُضَافٌ إِلَيْهِ ثانٍ. و “مِنْ” الواوُ: حرفُ جرٍّ، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ معطوفٍ على سابِقِهِ، و “خَلْفِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ. ويَجُوزُ أَنْ يِتَعَلَّقَ هذا الجارُّ بِمَحْذوفِ صِفَةٍ لِـ “مُعَقِّبَاتٌ”، ويَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ “يَحْفَظُونَهُ”؛ أَيْ: يَحْفَظونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ. فإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَتَعَلَّقُ حَرْفانِ مُتَّحِدانِ لَفْظًا ومَعْنًى بِعامِلٍ واحِدٍ، وهُمَا “مِنْ” الداخِلَةُ عَلى “بَيْنِ يَدَيْهِ” و “مِنْ” الدّاخِلَةُ عَلَى “أَمْرِ اللهِ”؟ فالجَوابُ أَنَّ “مِنْ” الثانِيَةَ مُغَايِرَةٌ للأُولى في المَعْنَى كَمَا مَرَّ، وسَيَأْتِي في مَبْحَثِ الصَّرْفِ.
قولُهُ: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} يَحْفَظُونَهُ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثَباتُ النونِ لأنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، فاعِلُهُ. والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “مِنْ” إِمَّا للسَّبَبِ، أَيْ: بِسَبَبِ أَمْرِ اللهِ، ويَدُلُّ لَهُ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ “بِأَمْرِ اللهِ”. وقِيلَ: المَعْنَى عَلَى هَذَا: يَحْفُظونَ عَمَلَهُ بإذْنِ اللهِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وإمَّا أَنْ تَكونَ عَلى بابِها. قالَ العُكبُريُّ أَبو البَقاءِ: مِنْ أَمْرِ اللهِ، أَيْ: مِنَ الجِنِّ والإِنْسِ، فَتَكونُ “مِنْ” عَلَى بابِها. يَعْنِي أَنْ يُرادَ بِ “أَمْرِ اللهِ” نَفْسُ مَا يُحْفَظُ مِنْهُ، كَمَرَدَةِ الإِنْسِ والجِنِّ، فَتَكُونُ “مِنْ” لابْتِداءِ الغايَةِ. وجُوِّزَ أَيْضًا أَنْ تَكونَ بِمَعْنَى “عَنْ”، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْنًى يَلِيقُ بِالآيَةِ الكَريمَةِ. ويَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمُعَقِّباتٍ أَيْضًا، فَيَجِيءُ الوَصْفُ بِثَلاثةِ أَشْيَاءَ في بَعْضِ الأَوْجُهِ المُتَقَدِّمَةِ: بِكَوْنِها مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ، وبِكَوْنِها تَحْفَظُهُ، وبِكَوْنِها مِنْ أَمْرِ اللهِ، ولكنْ يَتَقَدَّمُ الوَصْفُ بالجُمْلَةِ عَلَى الوَصْفِ بالجَارِّ، وهوَ جائزٌ فَصيحٌ. ولَيْسَ في الكلامِ تَقْديمٌ وتَأْخِيرٌ كَمَا زَعَمَ الفَرَّاءُ وغَيْرُهُ، وأَنَّ الأَصْلَ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ مَعَ الاسْتِغْناءِ عَنْهُ. و “أَمْرِ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وهذه الجُمْلَةُ الفعليَّةُ واقعةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِـ “مُعَقِّبَاتٌ”، أَوْ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ الواقعِ خَبَرًا ظَّرْفِيًّا.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} إِنَّ: حرفٌ ناصبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ مَنْصوبٌ بهِ. و “لَا” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “يُغَيِّرُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ عَلَى “اللهَ” تعالى، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الرَّفْعِ، خَبَرُ “إِنَّ”، وجُمَلَةُ “إِنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مَا” إمَّا مَوْصُولَةٌ، في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَفْعولٌ بِهِ، أَوْ نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ. و “بِقَوْمٍ” الباءُ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ إِمَّا بِصِلَةٍ لِـ “مَا”، أَوْ بصِفةٍ لَها، و “قوم” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “حَتَّى” حرفُ غايةٍ وجرٍّ بِمَعنى “إلى” مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُغَيِّرُ”. و “يُغَيِّرُوا” فِعْلٌ مضارعٌ مَنْصوبٌ بِـ “أنْ” مضمرةٍ بعدَ “حتى” وُجوبًا، وعَلامةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ، فاعِلُهُ والأَلِفُ فارقةٌ. و “مَا” اسمٌ موصولٌ بمعنى “الذي” مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، أو نَكِرةٌ موصوفةٌ. و “بِأَنْفُسِهِمْ” الباء: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِصلَةٍ لِـ “مَا”، أَوْ صِفَةْ لَهَا، و “أَنْفُسِهم” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضَافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّر. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ “أنْ” المُضْمَرَةِ، و “أنْ” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِـ “حَتَّى” والتقديرُ: إِلَى تَغْييرِهم مَا بِأَنْفُسِهم.
قولُهُ: {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} الواوُ: اسْتِئْنافيَّةٌ. و “إِذَا” ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ. و “أَرَادَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعلٌ مرفوعٌ، وهذه الجُمْلَةُ الفعليَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافَةِ “إِذَا” إِلَيْها عَلى كَوْنِها فِعْل شَرْطِها، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بالجَوابِ الآتي. و “بِقَوْمٍ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَرَادَ” و “قومٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “سُوءًا” مَفعولٌ بِهِ لِـ “أَرَادَ” منصوبٌ. و “فَلَا” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “إذا” وُجُوبًا، و “لا” نافيَةٌ تَعْمِلُ عَمَلَ “إِنَّ”. و “مَرَدَّ” اسْمُها مَنْصوبٌ بها. و “لَهُ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِ “لا” والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرْفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذه جَوابُ “إذا” لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُملةُ “إذا” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} الواوُ: للعَطْفِ، و “مَا” حِجازِيَّةٌ أَوْ تَميميَّةٌ. و “لَهُمْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبَرِ “مَا” الحجازيَّةِ المُقَدَّمِ عَلَى اسْمِها، أَوْ بخَبَرٍ مُقَدَّمٍ للمُبْتَدَأِ إنْ أُعربتْ ما تميميَّةً. والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ، و “دُونِهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٍ، و “وَالٍ” مجرورٌ لفْظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ منصوبٌ محلًا على أنَّهُ اسْمُ “مَا” المُؤَخَّرُ، إِنْ أُعْرِبَتْ حجازيةً، والتَقْديرُ: وَمَا وَالٍ كَائِنًا، أَوْ هوَ مرفوعٌ محلًا على أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ إنْ أعربتْ “ما” تميميَّةً، والتقديرُ: كائنٌ لَهُمْ حالَةَ كَوْنِهِ كائنًا مِنْ دُونِهِ تَعَالى، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ التي قَبْلَها عَلى كَوْنِها جَوابَ “إذا”.
قرَأَ الجمهورُ: {لهُ مُعقِّباتٌ} وَقَرَأَ أُبَيٌّ وإبْراهيمُ وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ ـ رضيَ اللهُ عنهم جميعًا: “لَهُ مَعَاقِيبُ” جَمْع مُعْقِبٍ أَوْ مُعْقِبَةٍ، والياءُ عِوَضٌ مِنْ حَذْفِ إِحْدَى القافيْنِ في جمعِ التَكْسيرِ. ويُوَضِّحُ هَذَا قولُ عُثمانَ ابْنِ جِنِّيٍّ: “مَعَاقيب” جمعُ تَكْسيرٍ، لِ “مُعْقِب” بِسُكونِ العَيْنِ، وكَسْرِ القافِ كَ “مُطْعِم” و “مَطاعِيْم”، و “مُقْدِم” و “مَقاديم”، فَكَأَنَّ مُعْقِبًا جُمِعَ عَلَى “مَعاقِبَة”، ثمَّ جُعِلَتِ الياءُ في “مَعاقيب” عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذوفةِ في “مَعَاقِبة”.


فيض العليم … سورة الرعد الآية: 10
سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} أَيْ: وَسَواءٌ عِنْدَهُ ـ سُبْحَانَهُ وتَعَالى، مَنْ أَسَرَّ قَوْلَهُ فَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، أَوْ َأَعْلَنَه وجَهَرَ بِهِ، فَإِنَّ اللهَ ـ سبحانهُ، يَسْمَعُهُ ويَعْلَمُهُ جَمِيعًا، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّه شَيءٌ. وأَخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: “سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ومن جهر به” كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُ السِّرُّ عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ وَالظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضَوْءٌ. ففي هَذِهِ الآيةِ الكَريمةِ تَنْبيهٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِعِبادَهِ حَتَّى يَكونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنَ المَعَاصِي؛ لأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْه رَقِيبًا حَفِيظًا يَكُونُ أَحْذَرَ وأَخْوَفَ مِمَّنْ لا يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ عليْهِ. وهوَ تَأَكيدٌ لِبَيَانِ كَوْنِهِ ـ تَعالى، عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ. و “سَوَاءٌ” أَيْ ذُو سَوَاءٍ، وهو مَصْدَرٌ يَطْلُبُ اثْنَيْنِ فأَكْثَرَ، فَتَقُولُ: سَوَاءٌ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، كَمَا تَقُولُ: عَدْلٌ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، أَيْ ذَوَا عَدْلٍ، وتقولُ أَيْضًا: سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرُ وخالدٌ وسَعْدٌ وبَكْرٌ. ويَكُونَ أَيضًا “سَوَاءٌ” بِمَعْنَى مُسْتَوٍ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِضْمَارِ. إِلَّا أَنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ أَنْ يُقالَ: مُسْتَوٍ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ نَكِرَةً لَا يُبْدَأُ بِهِ.
قولُهُ: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} وَسَواءٌ عِنْدَهُ مَنِ اسْتَخْفَى فِي بَيْتِهِ فِي ظَلاَمِ اللَّيْلِ، يُقَالُ أَخْفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إِخْفَاءً فَخَفِيَ أَيْ تَوَارَى وَاسْتَخْفَى اسْتَتَرَ. وَالْمُسْتَخْفِي: الظَّاهِرُ، مِنْ: خَفَاهُ يَخْفِيهِ: إِذَا أَظْهَرَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا ………….. خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلَّبِ
فهو وَمَنْ ظَهَرَ وَسَارَ فِي النَّهَارِ سواءٌ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى. و “سَارِبٌ” ذَاهِبٌ فِي سَرْبِهِ وَطَرِيقِهِ، ظَاهِرٌ للعِيانِ. فَسَرْبِهِ: طَرِيقُهُ. يُقَالُ: خَلَا لَهُ سَرْبُهُ، أَيْ طَرِيقُهُ. تَقُولُ الْعَرَبُ سَرَبَتِ الْإِبِلُ تَسْرُبُ سَرَبًا، أَيْ مَضَتْ فِي الْأَرْضِ ظَاهِرَةً حَيْثُ شَاءَتْ، وَقِيلَ: السَّارِبُ: الدَّاخِلُ فِي السِّرْبِ لِيَتَوَارَى فِيهِ، والسَّارِب: اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ، أَيْ: تَصَرَّف كيفَ شاءَ. ومنه قولُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ:
أَنِّي سَرَبْتُ وَكُنْتُ غَيْرَ سَرُوبِ ………….. وَتُقَرِّبُ الْأَحْلَامُ غَيْرَ قَرِيبِ
وقالَ الأَخْنَسُ بْنُ شِهابٍ التَّغْلِبِيُّ:
وكلُّ أُناسٍ قارَبوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ………… ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو سارِبُ
أَيْ: مُتَصَرِّفٌ كَيْفَ تَوَجَّهَ، لا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ عَنْ مَرْعَى، يَصِفُ قومَهُ بالمَنَعَةِ والقُوَّةِ. فَمَعْنَى الْآيَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِنْسَانُ مُسْتَخْفِيًا فِي الظُّلُمَاتِ أَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الطُّرُقَاتِ، فَعِلْمُ اللهِ تَعَالَى مُحِيطٌ بِهِ. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مَسْتُورِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، قال: “سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ” قَالَ: يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلانِيَةِ، وَيَعْلَمُ مِنَ الْعَلانِيَةِ مَا يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: سَوَاءٌ مَا أَضْمَرَتْهُ الْقُلُوبُ وَأَظْهَرَتْهُ الْأَلْسِنَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَوَاءٌ مَنْ يُقْدِمُ عَلَى الْقَبَائِحِ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيَالِي، وَمَنْ يَأْتِي بِهَا فِي النَّهَارِ الظَّاهِرِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَالِي. وأَخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مَسْتُورِ بْنِ عُبَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضي اللهُ عنه، فِي قَوْلِهِ: “وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ” قَالَ: يَعْلَمُ مِنَ اللَّيْلِ مَا يَعْلَمُ مِنَ النَّهَارِ، وَيَعْلَمُ مِنَ النَّهَارِ مَا يَعْلَمُ مِنَ اللَّيْلِ. ونقلَ البَغَوِيُّ عَنِ الْقُتَيْبِيِّ قولَهُ: “سَارِبٌ بِالنَّهَارِ” أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “سَوَاء مِنْكُم مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ” قَالَ: مَنْ أَسَرَّهُ وأَعْلَنَهُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، و “وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ” رَاكِبٌ رَأْسَهُ فِي الْمَعاصِي و “وسارب بِالنَّهَارِ” قَالَ: ظَاهر بِالنَّهَارِ بِالْمَعَاصِي. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ أَبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قالَ: “وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ” أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وأَخرجَ ابْنُ أَبِي حاتمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريَ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ” وَالسَّارِبُ النَّادِي بِالنَّهَارِ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنه، قَوْلُهُ: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: قَالَ إِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الإِثْمِ. وأَخرجَ ابْنُ أَبِي حاتمٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ قَالَ: ظَاهَرَ بِالنَّهَارِ بِالْمَعَاصِي. وَعَنِ الْأَخْفَشِ وَقُطْرُبٍ أَنَّ الْمُسْتَخْفِي الظَّاهِرُ وَالسَّارِبُ الْمُتَوَارِي وَمِنْهُ يُقَالُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ وَأَخْفَيْتُهُ أَيْ أَظْهَرْتُهُ. وَاخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجْتُهُ وَيُسَمَّى النَّبَّاشُ الْمُسْتَخْفِي وَالسَّارِبُ الْمُتَوَارِي، وَمِنْهُ يُقَالُ: لِلدَّاخِلِ سَرِبًا، وَالسَّرَبُ أَيضًا الْوَحْشُ إِذَا دَخَلَ فِي سِرْبِهِ أَيْ فِي كِنَاسِهِ. إِلَّا أَنَّ الوَجْهَ الْأَوَّلُ هو الِاخْتِيَارُ لِإِطْبَاقِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ وإنْ كان الثاني صحيحًا في اللُّغَةِ، وَأَيْضًا فَاللَّيْلُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِتَارِ، وَالنَّهَارُ على الظهورِ. والمُرادُ القولُ: بأَنَّهُ مَادامَ اللهُ عالِمَ الغَيْبِ والشهادةِ؛ فَلا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ سُبْحانَهُ أَيُّ أَمْرٍّ يُجْهَرُ بِهِ أَوْ يُسَرُّ، وهو كما قال في سورة طهَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بالقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} الآية: (5 ـ 7). وبِذَلِكَ يَكُونُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، قَدْ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ المُبَارَكَةِ كُلَّ أَنْواعِ العَمَلِ؛ القَوْلِيَّةَ مِنْهَا والفِعْلِيَّةَ.
وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكريمةِ أَخرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهم، قَالَ: أَنْزَلَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي عَامِرٍ وَأَرْبَدَ وَمَا كَانَا هَمَّا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ الْآيَةَ.
قولُهُ تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}  سَوَاءٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ولمْ يُثَنَّ الخَبَرُ لأَنَّهُ في الأَصْلِ مَصْدَرٌ، وهو هُنَا بِمَعْنَى مُسْتَوٍ. ويَجوزُ أَنْ يكونَ مُبْتَدَأً، وجازَ الابْتِداءُ بِهِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ “مِنْكم”، وأَعْرَبَ سِيبَوَيْهِ “سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ” كَذَلِكَ. و “مِنْكُمْ” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بحالٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في “سَوَاءٌ”؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَى مُسْتَوٍ، وضميرُ المخاطَبينَ “كم” في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنيٌّ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. و “أَسَرَّ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى “مَنْ”، و “الْقَوْلَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “وَمَنْ” الواو: عاطِفَةٌ، و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى “مَنْ” الأُولى. و “جَهَرَ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى الاسْمِ الموصولِ “مَنْ”. و “بِهِ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ الفعلِ “جَهَرَ”، والتَقْديرُ: مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ مُسْتَوِيانِ في عِلْمِهِ تَعَالى حالَةَ كَوْنِهِما كائنيْنَ مِنْكمْ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ.
قولُهُ: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} الواوُ: عاطِفَةٌ. و “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى “مَنْ” الأُولَى. و “هُوَ” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، و “مُسْتَخْفٍ” خَبَرٌ مَرْفوعٌ وعَلامَةُ رَفْعِهِ الضَمَّةُ المَحْذوفَةُ لأَنَّهُ اسْمٌ مَنْقوصٌ مُنَوَّنٌ. و “بِاللَّيْلِ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ “مُسْتَخْفٍ”، و “الليلِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “وَسَارِبٌ” الواو: حرفُ عَطْفٍ و “سارِبٌ” معطوفٌ على “مُسْتَخْفٍ” مرفوعٌ مثلُهُ، وحينئذٍ يُرادُ بِـ “مَنْ” اثْنَانِ، إِلَّا أَنَّ “مَنْ” فِيهِ مَعْنَى الاثْنَيْنِ، وحَمَلَ المُبْتَدَأَ الذي هوَ لَفْظَةُ “هوَ” عَلَى لَفْظِها فَأَفْرَدَهُ، وحَمَلَ الخَبَرَ عَلى مَعْنَاهَا فثَنَّاهُ. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ عَطْفًا عَلى “مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ” وليسَ عَلى “مُسْتَخْفٍ” وَحْدَهُ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ عَلى حَذْفِ “مَنْ” المَوْصولَةِ، أَيْ: ومَنْ هوُ سارِبٌ، وهذا إِنَّما يَتَمَشَّى عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، فإنَّهم يُجيزونَ حَذْفَ المَوْصُولِ. و “بِالنَّهَارِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ “مُسْتَخْفٍ”، و “النهارِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والتَّقْديرُ: وَمَنْ هوَ مُسْتَتِرٌ بِظَلامِ اللَّيْلِ، ومَنْ هوَ ظاهرٌ بِضَوْءِ النَّهارِ مُسْتَوِيانِ في عِلْمِهِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى.

فيض العليم … سورة الرعد الآية: 9


فيضُ العليم … سورة الرعد، الآية: 9

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب: ما غابَ عن الحسِّ، و “الشهادة” ما هو محسوسٌ مشهودٌ، فَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَائِب، والشَّهادَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَشْهُودِ، أَيِ الْأَشْيَاءُ الْمَشْهُودَةُ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ الْمَحْسُوسَةُ، الْمَرْئِيَّاتُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ تَعْمِيمُ الْمَوْجُودَاتِ كَقَوْلِهِ تعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ: {فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لَا تُبْصِرُونَ} الآيتان: (38 و 39). وأَخرج ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “عَالِمُ الْغَيْب وَالشَّهَادَة” قَالَ: السِّرُّ وَالْعَلَانِيَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يُريدُ عِلْمَ مَا غَابَ عَنْ جَميعِ خَلْقِهِ، ومَا شُهِدَ مِمَا عَلِمُوا. فَعَلى هَذا: الغَيْبُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ الغائبُ، ومِثْلُهُ الشَّهَادَةُ يُرادُ بِهِ الشّاهِدُ، ومَعْنَى قولِهِ: مَمّا عَلِمُوا: الكَثيرُ؛ لأَنَّ الكَثِيرَ مِنَ الشَّاهِدِ يَعْلَمُهُ الخَلْقُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الْكَامِلِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَمُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي، وقَدِ انْفَرَدَ تعالى بِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَالْإِحَاطَةِ بِالْبَاطِنِ الَّذِي يَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، فَأَمَّا أَهْلُ الطِّبِّ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَإِنْ قَطَعُوا بِذَلِكَ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهَا تَجْرِبَةٌ تُرِكُوا وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الْمَمْدُوحِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ يَجُوزُ انْكِسَارُهَا، وَالْعِلْمُ لَا يَجُوزُ تَبَدُّلُهُ. وَقَدْ قَسَّمَ الإِمَامُ الرَّازي ـ رَحِمَهُ اللهُ: الْمَعْلُومَاتُ قِسْمَيْنِ:
1 ـ الْمَعْدُومَاتُ، ومِنْهَا مَعْدُومَاتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا وَمِنْهَا مَعْدُومَاتٌ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا.
2 ـ وَالْمَوْجُودَاتُ وهي أَيْضًا قِسْمَانِ: مَوْجُودَاتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا، وَمَوْجُودَاتٌ لَا يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لَهُ أَحْكَامٌ وَخَوَاصُّ، وَالْكُلُّ مَعْلُومٌ للهِ تَعَالَى.
وقالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ ـ رَحِمَهُ اللهُ: للهِ تَعَالَى مَعْلُومَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ، مَعْلُومَاتٌ أُخْرَى لَا نِهَايَةَ لَهَا، لِأَنَّ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي أَحْيَازٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَمَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ الْأَحْوَالِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ دَاخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعَالَى: “عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ”.
قولُهُ: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الْكَبِيرُ: الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، الذي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ، وهوَ الجَليلُ، ومَعْناهُ يَعودُ إِلَى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، وهُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبيرٍ؛ لأَنَّ كلَّ كَبيرٍ يَصْغُرُ بالإضافة إِلَيْهِ، وهوَ مَجَازٌ فِي الْعَظَمَةِ، بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ وَالْمَقَادِيرِ الْإِلَهِيَّةِ لا بِحَسَبِ الْجُثَّةِ وَالْحَجْمِ وَالْمِقْدَارِ، وقَدْ شَاعَ اسْتِعْمَالُ أَسْمَاءِ الْكَثْرَةِ وَأَلْفَاظِ الْكِبَرِ فِي الْعَظَمَةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ كَالْحَقِيقَةِ، وَهُوَ ـ سبحانَهُ، الْمُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فهُوَ مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَعَلَى الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا وَعَلَى الْعَذَابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وَبِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ.
وَ “الْمُتَعَالِ” الْمُتَرَفِّعُ، الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، والمُسْتَعْلي عَنْ سِمَةِ الحَوادِثِ، أَيْ الَّذِي كَبُرَ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدِثِينَ وَتَعَالَى عَنْهَا. وَالْمُرَادُ بِالرِّفْعَةِ هَنَا الْمَجَازُ عَنِ الْعِزَّةِ التَّامَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَوْجُودٌ أَنْ يَغْلِبَهُ أَوْ يُكْرِهَهُ، أَوِ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ. كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية: 3، مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ. وقالَ الحَسَنُ: المُتَعَالي عَمَّا يَقُولُ المُشْرِكونَ. وَقد صِيغَتِ الصِّفَةُ بِصِيغَةِ التَّفَاعُلِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعُلُوَّ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ، أَيِ الرَّفِيعُ رِفْعَةً وَاجِبَةً لَهُ عَقْلًا.
قولُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} عَالِمُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: (هو) وهو مُضافٌ، و “الغَيْبِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. و “والشَّهَادَةِ” حرفُ عطفٍ ومعطوفٌ عَلَى “الْغَيْبِ” مجرورٌ مِثلُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “الْكَبِيرُ” صِفَةٌ لِـ “عَالِمُ الْغَيْبِ”، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محْذوفٍ. و “الْمُتَعَالِ” صِفَةٌ لِـ “الْكَبِيرُ” مرفوعٌ، وعلامَةُ رَفْعِهِ ضَمَّةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى الياءِ المَحْذوفَةِ للوَقْفِ؛ لأَنَّه رَأْسُ آيَةٍ، وقد حُذِفَتْ في الخَطِّ تَبَعًا للَّفْظِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “عالمُ” مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ “الكبيرُ المُتَعال”.
قرَأَ الجُمهورُ: {عَالِمُ الغَيْبِ} وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: “عَالِمَ” بِالنَّصْبِ على المَدْحِ.
قرأَ العامَّةُ: {المُتَعَال} بحذْفِ الياءِ وصْلًا ووقفًا، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ رُسِمَتْ فِي الْخَطِّ. وَاسْتَشْهَدَ سِيبَوَيْهِ بِحَذْفِهَا فِي الْفَوَاصِلِ وَمِنَ الْقَوَافِي، قالَ في (الكتاب: 2/288، بابُ مَا يُحْذَفُ مِنْ أَوَاخِرِ الأَسْماءِ في الوَقْفِ وَهِيَ اليَاءاتُ): (إِذا لم يَكُنْ في مَوْضِعِ تَنْوينٍ، فإنَّ البَيَانَ أَجْوَدَ في الوَقْفِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: هَذا القاضي؛ لأَنَّها ثابِتَةٌ في الوَصْلِ). يُريدُ أَنَّ اللامَ (لامَ الفِعْلِ وَهِيَ هُنَا الياءُ) مَعَ الأَلِفِ واللامِ تَثْبُتُ ولا تُحْذَفُ، كَمَا تُحْذَفُ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الأَلِفُ واللامُ، نَحْوَ: هَذا قَاضٍ، والياءُ مَعَ غَيْرِ الأَلِفِ واللامِ تُحْذَفُ في الوَصْلِ، فإذا حُذِفَتْ في الوَصْلِ كانَ القِياسُ أَنْ تُحْذَفَ في الوَقْفِ، وهيَ اللُّغَةُ التي هِيَ أَشْيَعُ وأَفْشَى، وأَمَّا إِذا دَخَلَتِ الأَلِفُ واللامُ، فلا تُحْذَفُ اللامُ في اللُّغَةِ التي هِيَ أَكْثَرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. فأَمَّا مَنْ حَذَفَ فِي الوَصْلِ والوَقْفِ، فقد زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ مِنَ العَرَبِ مَنْ يَحْذِفُ هذا في الوَقْفِ، يُشَبِّهُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ أَلِفٌ ولامٌ، إِذْ كانَتْ تَذْهَبُ الياءُ في الوَصْلِ في التَنْوينِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَلِفُ ولامٌ، وهَذا في الوَقْفِ، وأَمَّا فِي الوَصْلِ فَكانَ القِياسُ أَنْ لا تُحْذَفَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ  حَذْفَ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّ الفَوَاصِلَ تُشْبِهُ القَوافي. وَأَجَازَ غَيْرُ سيبويْهِ حَذْفَهَا مُطْلَقًا. وَوَجْهُ حَذْفِهَا مَعَ أَنَّهَا تُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ، وَإِنْ تَعَاقَبَ التَّنْوِينُ، فَحُذِفَتْ مَعَ الْمُعَاقَبِ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْمُعَاقَبِ. وَأَثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ: وَقْفًا وَوَصْلًا، وَهُوَ الْكَثِيرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.


فيضُ العليم … سورة الرعد، الآية: 9

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب: ما غابَ عن الحسِّ، و “الشهادة” ما هو محسوسٌ مشهودٌ، فَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَائِب، والشَّهادَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَشْهُودِ، أَيِ الْأَشْيَاءُ الْمَشْهُودَةُ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ الْمَحْسُوسَةُ، الْمَرْئِيَّاتُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ تَعْمِيمُ الْمَوْجُودَاتِ كَقَوْلِهِ تعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ: {فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لَا تُبْصِرُونَ} الآيتان: (38 و 39). وأَخرج ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “عَالِمُ الْغَيْب وَالشَّهَادَة” قَالَ: السِّرُّ وَالْعَلَانِيَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يُريدُ عِلْمَ مَا غَابَ عَنْ جَميعِ خَلْقِهِ، ومَا شُهِدَ مِمَا عَلِمُوا. فَعَلى هَذا: الغَيْبُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ الغائبُ، ومِثْلُهُ الشَّهَادَةُ يُرادُ بِهِ الشّاهِدُ، ومَعْنَى قولِهِ: مَمّا عَلِمُوا: الكَثيرُ؛ لأَنَّ الكَثِيرَ مِنَ الشَّاهِدِ يَعْلَمُهُ الخَلْقُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الْكَامِلِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَمُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي، وقَدِ انْفَرَدَ تعالى بِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَالْإِحَاطَةِ بِالْبَاطِنِ الَّذِي يَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، فَأَمَّا أَهْلُ الطِّبِّ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَإِنْ قَطَعُوا بِذَلِكَ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهَا تَجْرِبَةٌ تُرِكُوا وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الْمَمْدُوحِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ يَجُوزُ انْكِسَارُهَا، وَالْعِلْمُ لَا يَجُوزُ تَبَدُّلُهُ. وَقَدْ قَسَّمَ الإِمَامُ الرَّازي ـ رَحِمَهُ اللهُ: الْمَعْلُومَاتُ قِسْمَيْنِ:
1 ـ الْمَعْدُومَاتُ، ومِنْهَا مَعْدُومَاتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا وَمِنْهَا مَعْدُومَاتٌ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا.
2 ـ وَالْمَوْجُودَاتُ وهي أَيْضًا قِسْمَانِ: مَوْجُودَاتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا، وَمَوْجُودَاتٌ لَا يَمْتَنِعُ عَدَمُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لَهُ أَحْكَامٌ وَخَوَاصُّ، وَالْكُلُّ مَعْلُومٌ للهِ تَعَالَى.
وقالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ ـ رَحِمَهُ اللهُ: للهِ تَعَالَى مَعْلُومَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ، مَعْلُومَاتٌ أُخْرَى لَا نِهَايَةَ لَهَا، لِأَنَّ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي أَحْيَازٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَمَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ الْأَحْوَالِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ دَاخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعَالَى: “عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ”.
قولُهُ: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الْكَبِيرُ: الْعَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، الذي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَ عَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ، وهوَ الجَليلُ، ومَعْناهُ يَعودُ إِلَى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، وهُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبيرٍ؛ لأَنَّ كلَّ كَبيرٍ يَصْغُرُ بالإضافة إِلَيْهِ، وهوَ مَجَازٌ فِي الْعَظَمَةِ، بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ وَالْمَقَادِيرِ الْإِلَهِيَّةِ لا بِحَسَبِ الْجُثَّةِ وَالْحَجْمِ وَالْمِقْدَارِ، وقَدْ شَاعَ اسْتِعْمَالُ أَسْمَاءِ الْكَثْرَةِ وَأَلْفَاظِ الْكِبَرِ فِي الْعَظَمَةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ كَالْحَقِيقَةِ، وَهُوَ ـ سبحانَهُ، الْمُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فهُوَ مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَعَلَى الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا وَعَلَى الْعَذَابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وَبِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ.
وَ “الْمُتَعَالِ” الْمُتَرَفِّعُ، الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، والمُسْتَعْلي عَنْ سِمَةِ الحَوادِثِ، أَيْ الَّذِي كَبُرَ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدِثِينَ وَتَعَالَى عَنْهَا. وَالْمُرَادُ بِالرِّفْعَةِ هَنَا الْمَجَازُ عَنِ الْعِزَّةِ التَّامَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَوْجُودٌ أَنْ يَغْلِبَهُ أَوْ يُكْرِهَهُ، أَوِ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ. كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية: 3، مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ. وقالَ الحَسَنُ: المُتَعَالي عَمَّا يَقُولُ المُشْرِكونَ. وَقد صِيغَتِ الصِّفَةُ بِصِيغَةِ التَّفَاعُلِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعُلُوَّ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ، أَيِ الرَّفِيعُ رِفْعَةً وَاجِبَةً لَهُ عَقْلًا.
قولُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} عَالِمُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ: (هو) وهو مُضافٌ، و “الغَيْبِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. و “والشَّهَادَةِ” حرفُ عطفٍ ومعطوفٌ عَلَى “الْغَيْبِ” مجرورٌ مِثلُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “الْكَبِيرُ” صِفَةٌ لِـ “عَالِمُ الْغَيْبِ”، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ محْذوفٍ. و “الْمُتَعَالِ” صِفَةٌ لِـ “الْكَبِيرُ” مرفوعٌ، وعلامَةُ رَفْعِهِ ضَمَّةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى الياءِ المَحْذوفَةِ للوَقْفِ؛ لأَنَّه رَأْسُ آيَةٍ، وقد حُذِفَتْ في الخَطِّ تَبَعًا للَّفْظِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “عالمُ” مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ “الكبيرُ المُتَعال”.
قرَأَ الجُمهورُ: {عَالِمُ الغَيْبِ} وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: “عَالِمَ” بِالنَّصْبِ على المَدْحِ.
قرأَ العامَّةُ: {المُتَعَال} بحذْفِ الياءِ وصْلًا ووقفًا، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ رُسِمَتْ فِي الْخَطِّ. وَاسْتَشْهَدَ سِيبَوَيْهِ بِحَذْفِهَا فِي الْفَوَاصِلِ وَمِنَ الْقَوَافِي، قالَ في (الكتاب: 2/288، بابُ مَا يُحْذَفُ مِنْ أَوَاخِرِ الأَسْماءِ في الوَقْفِ وَهِيَ اليَاءاتُ): (إِذا لم يَكُنْ في مَوْضِعِ تَنْوينٍ، فإنَّ البَيَانَ أَجْوَدَ في الوَقْفِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: هَذا القاضي؛ لأَنَّها ثابِتَةٌ في الوَصْلِ). يُريدُ أَنَّ اللامَ (لامَ الفِعْلِ وَهِيَ هُنَا الياءُ) مَعَ الأَلِفِ واللامِ تَثْبُتُ ولا تُحْذَفُ، كَمَا تُحْذَفُ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الأَلِفُ واللامُ، نَحْوَ: هَذا قَاضٍ، والياءُ مَعَ غَيْرِ الأَلِفِ واللامِ تُحْذَفُ في الوَصْلِ، فإذا حُذِفَتْ في الوَصْلِ كانَ القِياسُ أَنْ تُحْذَفَ في الوَقْفِ، وهيَ اللُّغَةُ التي هِيَ أَشْيَعُ وأَفْشَى، وأَمَّا إِذا دَخَلَتِ الأَلِفُ واللامُ، فلا تُحْذَفُ اللامُ في اللُّغَةِ التي هِيَ أَكْثَرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. فأَمَّا مَنْ حَذَفَ فِي الوَصْلِ والوَقْفِ، فقد زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ مِنَ العَرَبِ مَنْ يَحْذِفُ هذا في الوَقْفِ، يُشَبِّهُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ أَلِفٌ ولامٌ، إِذْ كانَتْ تَذْهَبُ الياءُ في الوَصْلِ في التَنْوينِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَلِفُ ولامٌ، وهَذا في الوَقْفِ، وأَمَّا فِي الوَصْلِ فَكانَ القِياسُ أَنْ لا تُحْذَفَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ  حَذْفَ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّ الفَوَاصِلَ تُشْبِهُ القَوافي. وَأَجَازَ غَيْرُ سيبويْهِ حَذْفَهَا مُطْلَقًا. وَوَجْهُ حَذْفِهَا مَعَ أَنَّهَا تُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ، وَإِنْ تَعَاقَبَ التَّنْوِينُ، فَحُذِفَتْ مَعَ الْمُعَاقَبِ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْمُعَاقَبِ. وَأَثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ: وَقْفًا وَوَصْلًا، وَهُوَ الْكَثِيرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.


فيضُ العليم … سورةُ الرعد، الآية: 8
 
اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى} تَقَدَّمَ أَنَّ المُشركينَ طَلَبُوا آيَاتٍ أُخْرَى غَيْرَ التي جاءَ بِها رسولُ اللهِ محمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبَيَّنَ لهمُ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ المُبَارَكَةِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، فَبَيَّنَ لهم أَنَّهُ يَعْلَمُ “مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى … “. وهو انْتِقَالٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَفَرُّدِهِ ـ سبحانَهُ، بِالْإِلَهِيَّةِ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقولِهِ في الآيةِ الثانية مِنْ هذِهِ السُّورَةِ المباركة: {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ …} فَهَذِهِ الآيةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ. بعدَ أنْ قَامَتِ الْبَرَاهِينُ الْعَدِيدَةُ بِالْآيَاتِ السَّابِقَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أَوْدَعَ بِهَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ دَقَائِقَ الْخِلْقَةِ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى إِثْبَاتِ الْعِلْمِ لَهُ ـ سبحانهُ وتَعَالَى، بِدَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَعَظَائِمِهَا عِلْمًا عَامًّا تامًّا، وَلِذَلِكَ جَاءَ افْتِتَاحُ هذه الآيةِ عَلَى الْأُسْلُوبِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الْغَرَضَ السَّابِقَ فابْتُدِئَ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ كَمَا ابْتُدِئَ بِهِ هُنَاكَ. وَجِيءَ هنا بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ وَالتَّكْرِيرِ لِإِفَادَةِ أَنَّ عِلْمَهُ هذا مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدُ التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالْمُتَكَاثِرَةِ عَلَى نَحْوِ مَا قُرِّرَ هناك فِي قَوْلِهِ: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ}. فَذُكِرَ مِنْ مَعْلُومَاتِ اللهِ مَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ يَوْمَئِذٍ وَلَا تُسْتَشَارُ فِيهِ آلِهَتُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمِثَالِ بِإِثْبَاتِ الْجُزْئِيِّ لِإِثْبَاتِ الْكُلِّيِّ، فَمَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أَجِنَّةُ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ. وَلِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلِ الْحَمْلِ دُونَ الْحَبَلِ لِاخْتِصَاصِ الْحَبَلِ بِحَمْلِ الْمَرْأَةِ. و “مَا” هنا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُهُ مِنَ الْوَلَدِ أَهُوَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، وَهل هو تَامُّ الخلقةِ أَوْ نَاقِصٌ، وَهلْ هو جميلُ المَنْظَرِ أَوْ قَبِيحٌ، طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ، إلى آخِرِهِ مِنَ الصفاتِ والأَحْوَالِ الْحَاضِرَةِ فيهِ وَالْمُتَرَقَّبَةِ. أَمَّا إِذَا كانتْ مَصْدَرِيَّةٌ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثَى وَأَحْوَالَهُ وأَوْقَاتَهُ ولَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
قولُهُ: {وما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ} الْمُرَادُ وَمَا تَغِيضُهُ الْأَرْحَامُ إِلَّا أَنَّ الضَّمِيرَ حُذِفَ، والْغَيْضُ هُوَ النُّقْصَانُ، ويُقَالُ: غَاضَ المَاءُ، أَيْ نَقُصَ مِنْ نَفسِهِ، وغُضْتُ الماءَ أَيْ: أَنْقَصْتُهُ، فيأتي لازمًا ومتعدِّيًا. والزْيادةُ هُنَا الأْخُذُ، كما قَال تَعَالَى في سُورَةِ الكَهْفِ: {ولَبِثُوا في كَهْفِهم ثلاثَ مِئَةٍ سِنينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} الآيةَ: 25، وهو كقولِكَ: أَخَذْتُ حَقِّي مِنْ فلانٍ وَازْدَدْتُ مِنْهُ كَذَا. ولِغَيْضِ الرَّحِمِ وَازْدِيادِهِ وُجُوهٍ: فَإِنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ أَوَ أَكْثَرَ، والْوَلَدُ قَدْ يَكُونُ تَامًّا أَو خديجًا. ومُدَّةُ وِلَادَتِهِ قَدْ تَكُونُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوَ أَزْيَدَ وقد تكونُ أقلَّ، ومَا يَنْقُصُ بِالسَّقْطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتِمَّ وَمَا يَزْدَادُ بِالتَّمَامِ. ومَا يَنْقُصُ بِظُهُورِ دَمِ الْحَيْضِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا سَالَ الدَّمُ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ ضَعُفَ الْوَلَدُ وَنَقَصَ. وَبِمِقْدَارِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ يَزْدَادُ أَيَّامَ الْحَمْلِ لِتَصِيرَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ جَابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: كُلَّمَا سَالَ الْحَيْضُ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ يَوْمًا زَادَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ يَوْمًا لِيَحْصُلَ بِهِ الْجَبْرُ وَيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ. وروى ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: “يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةٍ وَمَا نَقَصَ عَنِ التِّسْعَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَضَعَتْنِي أُمِّي وَقَدْ حَمَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا سَنَتَيْنِ وَوَلَدَتْنِي وَقَدْ خَرَجَتْ ثَنِيَّتَيْ. وأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرَ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ” قَالَ: غَيْضُوضَتُهَا السِّقْطُ. وأَخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضي اللهُ عنهُ، قال: “وَمَا تَزْدَادُ” ارْتِفَاعُ الْحَيْضِ فَلا تَرَاهُ حَتَّى تَلِدَ. وأَخرَجَ ابْنُ أَبي شيبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذرِ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ ـ رضي اللهُ عنهما: “يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ” قَالَ: حَمْلُهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ “وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ” قَالَ: إِذَا رَأَتِ الدَّمَ حَشَّ الْوَلَدُ، وَإِذَا لَمْ تَرَ الدَّمَ عَظُمَ الوَلَدُ. وأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخ. وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتَادَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: “ما تَغيضُ الأَرْحَامُ” الغَيْضُ نَقْصٌ في الوَلَدِ، و “ما تَزْدادُ” في مُقَابَلَةِ أَيَّامِ الحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الحَمْلِ، لأَنَّها كُلَّما حاضَتْ عَلَى حَمْلِها يَومًا ازْدادَتْ في طُهْرِهَا يَوْمًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ حَمْلُها تَسْعَةَ أَشْهُرٍ طُهْرًا. وهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحامِلَ قد تَحيضُ، وهوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِي ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وهوَ قولُ السيدةِ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها وأرضاها، فإنَّها كانَتْ تُفْتِي النِّساءَ الحَوامِلَ بتركِ الصلاةِ إذا حِضْنَ. فإنَّ دَمَ الْحَيْضِ فَضْلَةٌ تَجْتَمِعُ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ فَإِذَا امْتَلَأَتْ عُرُوقُهَا مِنْ تِلْكَ الْفَضَلَاتِ فَاضَتْ وَخَرَجَتْ، وَسَالَتْ مِنْ دَوَاخِلِ تِلْكَ الْعُرُوقِ، ثُمَّ إِذَا سَالَتْ تِلْكَ الْمَوَادُّ امْتَلَأَتْ تِلْكَ الْعُرُوقُ مَرَّةً أُخْرَى. وقالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما: “ومَا تَغيضُ الأَرْحامُ” مَنْ وَلَدَتْهُ قَبْلُ “وَمَا تَزْدادُ” مَنْ تَلِدُهُ مِنْ بَعْدُ.
قولُهُ: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ} عِنْدَهُ: الْعِنْدِيَّةِ إِمَّا هِيَ الْعِلْمُ لقولِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، قَوْلُهُ: “وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ” يَعْنِي ذَلِكَ يَعْلَمُهُ. وَالمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وَكَيْفِيَّتَهُ عَلَى الوَجْهِ الْمُفَصَّلِ الْمُبَيَّنِ، ووُقُوعُ التَّغْيِيرِ مُمْتَنِعٌ فِي تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِنْدِيَّةِ أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّصَ كُلَّ حَادِثٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَحَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَشِيئَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ وَإِرَادَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وأَنَّهُ تَعَالَى وَضَعَ أَشْيَاءَ كُلِّيَّةً وَأَوْدَعَ فِيهَا قُوًى وَخَوَاصَّ، وَحَرَّكَهَا بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ حَرَكَاتِهَا الْمُقَدَّرَةِ بِالْمَقَادِيرِ الْمَخْصُوصَةِ أَحْوَالٌ جُزْئِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ وَمُنَاسَبَاتٌ مَخْصُوصَةٌ مُقَدَّرَةٌ، كما هو الحالُ اليومَ، في الأَجهزةِ الإلكترونيَّةِ التي تُبَرْمَجُ فتَعْمَلُ وِفْقَ البرنامجِ الموضوعِ لها وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَحْوَالُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمْ، لكنَّ الأَصحَّ عِنْدَنا أَنَّهُ ـ سُبْحَانَهُ، هوَ الفاعلُ وَحْدَهُ في كلِّ الوجودِ وكلِّ موجودٍ، وهو المحرِّكُ لكلِّ دقيقةٍ وجَلِيلَةِ في كُلِّ لَحْظَةٍ وكلِّ وَقْتٍ، وأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّما يَجْري بِقدْرٍ وقَدَرٍ لَا يُجَاوِزُهُ أَبدًا وَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ، كَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ في سابقِ علمِهِ ـ سبحانَهُ وتعالى، وهو كما قَالَ في سُورَةِ القَمَرِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ * وما أمْرُنَا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبَصَرِ} الآيتانِ: 49 و 50، وَكمَا قَالَ فِي الآية الثانيةِ مِنْ سُورةِ الْفُرْقَانِ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}. وأَخرجَ ابْنُ جريرٍ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قَوْلُهُ تعالى: “وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ” أَيْ بِأَجَلٍ، حَفِظَ أَرْزَاقَ خَلْقِهِ وَآجَالَهِمْ وَجَعَلَ لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَطْلُبُ وَلا يَحْزَنُ وَلا يَغْتَمُّ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ دَمِ حَيْضَتِهَا، فَمِنْ ثَمَّ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَقَعْ إِلَى الأَرْضِ اسْتَهَلَّ، وَاسْتِهْلالُهُ اسْتِنْكَارًا لِمَكَانِهِ، فَإِذَا قُطِعَتْ سُرَّتُهُ، حَوَّلَ اللهُ رِزْقَهُ إِلَى ثَدْي أُمِّهِ، فَيَأْكُلُهُ، فَإِذَا هُوَ بَلَغَ، قَالَ هُوَ الْمَوْتُ، أَوِ الْقَتْلُ، قَالَ: أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ؟ فَيَقُولُ مَكْحُولٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا وَيْحَكَ، غَذَّاكَ وَأَنْتَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَأَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَدْتَ، وَعَقَلْتَ، قُلْتَ: هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ، أَيْنَ لِي بِالرِّزْقِ. ثُمَّ قَرَأَ مَكْحُولٌ هذه الآيةَ: “يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ”. والْمِقْدَارُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِقَرِينَةِ الْبَاءِ، أَيْ بِتَقْدِيرٍ، وَمَعْنَاهُ: التَّحْدِيدُ وَالضَّبْطُ.
قولُهُ تَعَالى: {اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى} اللهُ: لفظُ الجلالةِ مرفوعٌ بالابْتِداءِ، و “يعلمُ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ على “الله” تعالى، وجُمْلَةُ “يَعْلَمُ” في محلِّ الرفعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويَجوزُ أنْ يُعْرَبَ لفظُ الجَلالَةِ خَبَرًا لمُبْتَدَأٍ مَحذوفٍ تقديرُهُ (هو)، وهذا إنَّما يصحُّ عَلَى قوْلِ مَنْ فَسَّر {هادٍ} منَ الجملةِ التي قبلَها بِأَنَّهُ هوَ اللهُ تَعَالى، فَكَأَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جاءتْ تَفْسِيرًا لَهُ. و “مَا” إِمَّا مَوْصُولَةٌ اسميةً، والعائدُ مَحْذوفٌ، أَيْ: ما تَحْمِلُهُ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ مَصْدَرِيَّةً فلا عَائِدَ. ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ اسْتِفْهامِيَّةً، وفي مَحَلِّها حينئذٍ وجهانِ، الأوَّلُ: أَنَّها في مَحَلِّ رَفْعٍ بالابْتِداءِ، وخبرُها “تحملُ” والجُمْلَةُ مُعَلِّقةٌ للعِلْمِ. والثاني: أَنَّها نَكِرةٌ موصوفةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ لِـ “يَعْلَمُ”؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَى عَرَفَ، وهوَ أَوْلى، لأَنَّهُ غيرُ مُحْوِجٍ إِلى حَذْفِ عائِدٍ، ولا سِيَّمَا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فإنَّهم لا يُجيزونَ قولَكَ: (زَيْدُ ضَرَبْتَ). و “تَحْمِلُ” فعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، و ” كُلُّ” فاعِلُهُ مرفوعٌ وهو مُضافٌ، و “أُنْثَى” مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الكَسْرَةُ المُقَدَّرةُ عَلى الأَلِفِ للتعذُّرِ، والجُمْلَةُ الفِعلِيَّةُ هَذِهِ صِلَةٌ لِـ “مَا”، أَوْ صِفَةٌ لَها، والعائدُ هنا أوِ الرّابِطُ محذوفٌ والتَقْديرُ: ما تَحمِلهُ كلُّ أُنْثى.
قوْلُهُ: {وما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “مَا” مثلُ “مَا” الأُولى مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها. و “تَغِيضُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، و “الْأَرْحَامُ” فاعلُهُ مرفوعٌ بِهِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما” المَوْصولِ، والعائدُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: وما تَغِيضُهُ الأَرْحامِ. و “ومَا” كسابقتِها معطوفةٌ عَلَيها. و “تَزْدَادُ” مثلُ “تغيض” معطوفٌ عليهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ تقديرُه (هي) يَعُودُ عَلى “الْأَرْحَامُ”، والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما” المَوْصولةِ، والعائدُ مَحذوفٌ والتَقديرُ: وما تَزْدادُهُ الأَرْحامُ.
قولُهُ: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ} الوَاوُ: للاسْتِئنافِ، و “كُلُّ” مرفوعٌ بالابتِداءِ مُضافٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “عِنْدَهُ” منصوبٌ على الظَّرْفِيَّةِ مُتَعلِّقةٌ بِصِفَةٍ لِـ “شَيْءٍ”، وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. وقالَ أَبو البَقاءِ العُكْبُريُّ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِـ “كُلُّ”. و “بِمِقْدَارٍ” الباءُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقدَّرٍ لِلمُبتَدَأِ: “كلُّ”، و “مِقْدارٍ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com