فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 43
 
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
 
قولُهُ ـ تعالي شأْنُه: {وَقَالَ الْمَلِكُ} أَيْ: مَلِكُ مِصْرَ. فالتَّعْرِيفُ فِي الْمَلِكُ هنا لِلْعَهْدِ، وقد تقدَّمَ أنَّه كان يسمى ريَّانَ بْنَ الوليدِ. وَأَطْلَقَ عليهِ القرآنُ لقبَ المَلِكِ دون ال “فِرْعَوْن” لِأَنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ سلالةِ الْفَرَاعِنَةِ الْقِبْطِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنَ البدوِ الرُّعاةِ (الْهِكْسُوسُ)، وَهُمُ الْعَمَالِقَةُ الْكَنْعَانِيِّونَ، الذين يسمِّيهِمْ المؤرِّخُون الْإِغْرِيقُ بِالمُلُوكِ الرُّعَاةِ. وَقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ قريبًا من أربعةِ قرون ما بينْ عَامِيْ: /1900/ و /1525/ قَبْلَ مِيلَادِ السيِّدِ الْمَسِيحِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وبقي لِفَراعِنَةِ القِبْطِ حُكْمُ مِصْرَ الْعُلْيَا فِي مَدِينَةِ (طِيبَةَ) وَكَانَ حكمُ الفرعونِ فِي تِلْكَ الفترةِ ضَعِيفًا، لِأَنَّ السِّيَادَةَ كَانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلَى ـ حَسْبَمَا تقدَّمَ. وَفِي التَّوْرَاةِ لُقِّبَ مَلِكُ مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السّلام، ب “فِرْعَوْنَ” وَمَا هُوَ بِ “فِرْعَوْنَ”، فقد كانتْ أُمَّتَهُ تَتَكلَّمُ كَنْعَانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الْآرَامِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، ومَا كَانَتْ تَتَكَلَّمُ الْقِبْطِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ أَزْمَانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعَاةِ، وتَلقيبهُ بِالْمَلِكِ دُونَ فِرْعَوْن هُوَ مِنْ دَقَائِقِ الإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ في الْقُرْآنِ الكريم.
قولُهُ: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} لَمَّا حانَ وقتُ الفَرَجِ رَأَى الْمَلِكُ رُؤْيَاهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى يُوسُفَ ـ عليهِما السلامُ، وَبَشَّرَهُ بِالْفَرَجِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ مُخْرِجُكَ مِنْ سِجْنِكَ، وَمُمَكِّنٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، يَذِلُّ لَكَ مُلُوكَهَا، وَيُطِيعُكَ جَبَابِرَتُهَا، وَمُعْطِيكَ الْكَلِمَةَ الْعُلْيَا عَلَى إِخْوَتِكَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ رُؤْيَا رَآهَا الْمَلِكُ، وَهِيَ كَيْتُ وَكَيْتُ، وَتَأْوِيلُهَا كَذَا وَكَذَا، فَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ أَكْثَرَ مِمَّا رَأَى الْمَلِكُ الرُّؤْيَا حَتَّى خَرَجَ، فَجَعَلَ اللهُ الرُّؤْيَا أَوَّلًا لِيُوسُفَ بَلَاءً وَشِدَّةً، وَجَعَلَهَا آخِرًا بُشْرَى وَرَحْمَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الْأَكْبَرَ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ رَأَى فِي نَوْمِهِ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ نَهْرٍ يَابِسٍ سَبْعُ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، فِي أَثَرِهِنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ مَهَازِيلُ، وَقَدْ أَقْبَلَتِ الْعِجَافُ عَلَى السِّمَانِ فَأَخَذْنَ بِآذَانِهِنَّ فَأَكَلْنَهُنَّ، إِلَّا الْقَرْنَيْنِ. رَأَى المَلِكُ رُؤْيَاهُ هَذِهِ فهَالَتْهُ، وَعَرَفَ أَنَّهَا وَاقعَةٌ وَلَمْ يَدْرِ تَأْويلَها فَقَصَّها عَلَى مَنْ حولَهُ مِنْ ذوي العِلْمِ والفَهْم، مِنْ كَهَنَتِهِ ومُسْتَشاريهِ ووُزرائهِ ومُعاونِيهِ وجهابذةِ مملكتِهِ. وقال: “إِنّي أَرَى” أَيْ: رَأَيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحَالِ الماضِيَةِ، أَيْ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ رُؤْيَا جَلِيَّةً مَاثِلَةً أَمَامِي كَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ، ولم يَذْكُرْ أَنَّهُ رَأَى في مَنَامِهِ ولا في غَيْرِهِ، لِتَعارُفِ العَرَبِ بَيْنَها في كلامِها إِذا قالَ القائلُ مِنْهم: (أَرَى أَنِّي أَفْعَلُ كَذا وكَذَا)، أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ ذَلِكَ في مَنَامِهِ، وإِنْ لمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ. وأَخْرَجَ الخَبَرَ ـ جَلَّ ثَنَاؤهُ على ما قَدْ جَرَى بِهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ.
وَ “سِمانٍ” جَمْعُ سَمِينَةٍ وَسَمِينٍ، جمْعَ تَكْسيرٍ، مِثْلَ: كِرَامٍ، جَمْعُ كَريمَةٍ وكَريمٍ، وحِسَانٍ: جَمْعُ حَسَنٍ وحَسَنَةٍ، وَهُوَ وَصْفٌ لِ “بَقَراتٍ”، “يَأْكُلُهُنَّ” أيْ: أَكَلِهُنَّ، وعَدَلَ إلى المُضارِعِ لاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجيبًا، و “عِجَافٌ” جَمْعُ عَجْفَاءَ. وَكانَ الْقِيَاسُ فِي جَمْعِ عَجْفَاءَ عُجْفٌ، لَكِنَّهُ صِيغَ هُنَا بِوَزْنِ فِعَالٍ لِأَجْلِ الْمُزَاوَجَةِ ولِمُقَارِنِهِ “سِمانٍ” وموازَاتِها. ومِنْهُ قَولُ الشَّاعِرِ تميمِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ مُقْبِلٍ مِنْ بَني عَجلان:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبَوِيَةٍ ……………… يَخْلِطُ بالجِدِّ مِنْهُ البِرَّ واللِّينَا
فإنَّما قالَ أَبْوِيَةٍ لِمَكَانِ أَخْبِيَةٍ فَجَمَعَ “باب” على: أَبْوِيَةٍ، إذْ كَانِ مُتْبَعًا ل “أَخبية”، حَتَّى يُشاكِلَهُ، ولو أَفْرَدَهُ لمْ يَجُزْ، فَالْقِيَاسُ أَبْوَابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَخْبِيَةٍ. وزَعمَ ابْنُ الأَعْرابِيِّ واللَّحْيانِيُّ أَنَّ أَبْوِيَةً جَمْعُ بَابٍ مِنْ غَيرِ أَنْ يكونَ إِتْبَاعًا، وهذا نادِرٌ لأَنَّ بَابًا “فَعَلٌ” وفَعَلٌ لا يُكَسَّرُ على أَفْعِلَةٍ. وَالْعَجْفَاءُ: ذَاتُ الْعَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْهُزَالُ الشَّدِيدُ، وإنَّما لم يَقُلْ سَبْعُ عَجِافٍ بالإضافَةِ لأَنَّ التَمييزَ مَوضُوعٌ لِبَيانِ الجِنْسِ والصِّفَةُ لَيْسَتْ بِصالِحَةٍ لِذَلِكَ فلَا يُقالُ ثَلاثَةُ ضِخَامٍ وأَرْبَعَةُ غِلاظٍ، وأَمَّا قولُكَ ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وسِتَّةُ رُكْبَانٍ فَلِجَرَيَانِ الفَارِسِ والرَّاكِبِ مَجْرى الأَسْماءِ.
قولُهُ: {وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وَرَأَى “سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ” قَدْ أَقْبَلَ قدِ انْعَقَدَ حَبُّها، و “أُخَرَ يابساتٍ” أيْ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أَدْرَكَتْ والْتَوَتْ عَلىَ الخُضْرِ حَتَّى غَلَبَتْها ـ عَلى ما رُوِيَ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِهِ للاكْتِفاءِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ حالِ البَقَراتِ. و “سُنْبُلَاتٍ” جَمْعُ سُنْبُلَةٍ، كَ “قُنْفُدَةٍ” مَا يُخْرِجُهُ الزَّرْعُ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَبُّ، وَالْيَابِسُ مِنَ السُّنْبُلِ مَا آنَ حَصَادُهُ. وَقدِ اسْتَغْنَى عَنْ إِعَادَةِ “سَبْعِ” هُنَا بِدَلَالَةِ مُقَابِلِهِ فِي “بَقَرَاتِ” عَلَيْهِ.
قولُهُ: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} خطابٌ للأشرافِ مِنْ قومِهِ والوُزَراءِ مِنْ حاشِيَتِهِ، وللعُلَماءِ والحُكَمَاءِ، والكَهَنَةِ: أنْ أَفْتُونِي فِي رؤيايَ هذِهِ، أَيْ عَبِّروها، وبَيِّنُوا حُكْمَها وما تَؤُولُ إِلَيْهِ مِنْ عاقِبَةٍ وعَبِّروها لي، وقد سمَّى التَّعْبيرَ إِفْتاءً، تشريفًا لهم، وتَفخيمًا لرؤياهُ وتعظيمًا لأَمْرها.
قولُهُ: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} عَبَرَ الرُؤيا مِنَ العُبُورِ، أَيْ: المُجاوَزَةِ، يُقالُ عبَرَ النَّهْرَ إذا قطعَهُ وجاوَزَهُ، وحقيقةُ العَبْرِ، أَوِ التَّعبيرِ: الانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخيالِيَّةِ المُشاهَدَةِ في المَنَامِ إلى أَمثِلتِها مِنَ الواقعِ، وعَبَرَ الرُؤْيا عِبارةً أَثْبَتُ مِنْ عَبَّرَها تَعْبيرًا، ونحوَهُ أَوَّلَها، أَيْ: ذَكَرَ مَآلَها والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي “كنتم” والمُسْتَقبلِ “تعبرون” للدِّلالَةِ عَلى الاسْتِمرارِ، كَمَا أُشيرَ إِلَيْهِ، واللامُ للبَيان، أَوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ المُؤَخَّرِ لِرِعايَةِ الفواصِلِ أَوْ لِتَضْمينِ “تعبُرون” مَعْنَى فعْلٍ مُتَعَدٍّ باللامِ كأَنَّهُ قِيلَ إِنْ كُنْتُم تَنْتَدِبون لِعِبارَتِها. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “للرُؤْيا” خَبَرُ “كان” كَمَا يُقالُ فُلانٌ لِهَذا الأَمْرِ، إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ، و “تعبرون” خبرٌ آخَر.
قولُهُ تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} الواوُ: للاستئناف، “قَالَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الْمَلِكُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِنِّي” حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ يفيدُ الوكيدَ، وياءُ المتكلِّم ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصبِ اسْمِهِ. و “أَرَى” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخرِهِ لتَعذُّرِ ظهورِها على الألفِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى المَلِكِ. والجملةُ الفعليَّةُ هذه في محلِّ الرفعِ خبرُ “إنّ”، و “سَبْعَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ مُضافٌ، و “بَقَرَاتٍ” مُضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ، وحُذِفَتِ الْهَاءُ مِنْ “سَبْعَ” فَرْقًا بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، و “سِمَانٍ” صفةٌ لـِ “بَقَرَاتٍ” ويَجوزُ في غيرِ القُرآنِ سِمَانًا، وَمِثْلُهُ. “سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا” سورة نوح، الآية: 15. والمصدرُ: السِّمَنُ، مِنْ سَمِنَ يَسْمَنُ فهوَ سَمينٌ فقد جاء المَصْدَرُ واسْمُ الفاعِلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ قِياسُهُما “سَمَنَ” بِفَتْحِ المِيمِ، فهُوَ سَمِنٌ بِكَسْرِها، نَحْوَ فَرِح فَرَحًا فهُوَ فَرِحٌ. فإذا أَوْقَعْتَها صفةً ل “بقرات” فقَدْ قَصَدْتَ إلى أَنْ تُمَيِّزَ السَّبْعَ بِنَوْعٍ مِنَ البَقَرَاتِ وهوَ السِّمَانُ مِنْهُنَّ لا بِجِنْسِهِنَّ، ولَوْ وَصَفْتَ بِهَا السَّبْعَ لَقَصَدْتِ إلى تَمْييزِ السَّبْعِ بِجِنْسِ البَقَرَاتِ لا بِنَوْعٍ مِنْها، ثُمَّ رَجَعْتَ فَوَصَفْتَ المميَّزَ بالجِنْسِ بالسِّمَنِ. ولا يجوزُ أنْ تقولَ: “سَبْعَ عِجَافٍ” على الإِضافَةِ. لأنَّ التَمْييزَ موضوعٌ لِبيانِ الجِنْسِ، و “عِجافٌ” وصفٌ لا يقعُ البيانُ بِهِ وحدَهُ. وجَمَعَ عَجْفاء على عِجاف. والقياس: عُجُفٌ نحوَ: حمراءَ وحُمُرٌ، حَمْلاً له على “سِمان” لأنَّهُ نَقيضُهُ، ومِنْ دَأْبهم حَمْلُ النَّظيرِ عَلى النَّظير والنَّقيضِ على النَّقيضِ.
قولُهُ: {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} فَعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِب والجازمِ، و “هنَّ” ضمير الغائباتِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، و “سبعٌ” فاعلُهُ. و “عِجَافٌ” صفةٌ لِـ “سَبْعٌ” وجُمْلَةُ “يَأْكُلُهُنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ ثانٍ لـِ “أَرَى” وجملةٌ “أَرَى” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إن”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ” معطوفٌ عَلَى “سَبْعَ بَقَرَاتٍ” فلها الإعرابُ ذاتُهُ. و “خُضْرٍ” صِفَةٌ لِـ سُنْبُلَاتٍ”. و “أُخَرَ” مَعْطوفٌ عَلَى “سَبْعَ” عطفَ نَسَقٍ لا عَلى “سُنْبُلَاتٍ” ويَكونُ، قَدْ حُذِفَ اسْمُ العَدَدِ مِنْ قولِهِ: “وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} والتقديرُ: وسَبْعًا أُخَرَ، وإِنَّما حذفَ لأَنَّ التَقسيمَ في البَقَرَات يَقْتَضي التَقْسيمَ في ال “سنبلات”. و “يَابِسَاتٍ” صِفَةٌ لِـ “أُخر”. فالكلامُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْصِبابِهِ إِلى هذا العَدَدِ في البَقَرَاتِ السِمانِ والعِجافِ والسنبلاتِ الخُضْر، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَعْنَى الأُخَرَ السَبْعِ، ويكون قوله “وأُخَرَ يابسات” بِمَعْنَى وسَبْعًا أُخَرَ. وإنَّما لم يَجُزْ عَطْفُ “أُخر” على التمييز وهو “سنبلات” فيكون “أُخَر” مجرورًا لا مَنْصوبًا؛ لأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ العَطْفُ عَلَيْهِ يكونُ مِنْ جملة مُمَيَّزِ “سبعَ” ومِنْ جهةِ كونه “أُخَرَ” يَكُونُ مُبايِنًا ل “سَبْعٍ” فَتَدَافَعا، ولو كان تركيبُ الآية الكريمة: (سبع سنبلاتٍ خضرٍ ويابسات) لَصَحَّ العَطْفُ، ويَكونُ مِنْ تَوْزِيعِ السُنْبُلاتِ إِلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أَعْنِي الاخْضِرارَ واليُبْسَ.
قولُهُ: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} يا” أداةُ نِداءٍ. و “أيُّ” مُنَادَى نَكِرَةٌ مَقْصُودَةٌ، مبنيٌّ على الضمّ في مجلِّ النَّصبِ على النداء. و الهاءُ للتنبيهِ زائد. و “الْمَلَأُ” بدلٌ مِنْ “أيُّ” أو عطف ُبيانٍ لها، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”. و “أَفْتُونِي” فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذف النونِ من آخرِهِ لأنَّ مضارعَهُ مِنَ الأفعال الخمسِةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والنونُ للوقايةِ والياءُ ضميرُ المتكلِّمِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصب مفعولِهِ. و “فِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “رُؤْيَايَ” مجرورٌ بحرف الجرِّ وعلامةُ جَرِّهِ كسرةٌ مقدَّرةٌ على آخرِهِ منع من ظهورها تعذُّرُ ظهورِها على الألفِ، وهو مضافٌ إليه على تقدير حذفِ مُضَافٍ والتقديرُ: أفتوني في تفسيرِ رؤياي، وهو مضافٌ والياءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ ب “قَالَ” عَلَى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ.
قولُهُ: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازمٌ. و “كُنْتُمْ” فعلٌ ماضٌ ناقِصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ في محل الجَزْمِ بِـ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ عَلَى أنَّهُ فعلُ شَرْطٍ لها، والتاءُ ضميرُ رفعٍ متحرِّكٌ متَّصِلٌ به في محلِّ رفعِ اسْمها، والميمُ علامَةُ المُذكَّرِ . و “لِلرُّؤْيَا” اللامُ: فيها أربعةُ وجوهٍ، أوَّلُها: أنَّها مَزيدةٌ فلا تَعَلٌّق لها بِشَيْءٍ، وقد زِيْدَتْ تقْوِيَةً للعامِلِ لِتَقَدُّمِ المَعْمولِ عليه، كما تُزادُ فيه إذا كان العامِلُ فَرْعًا كما في قولِهِ تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} سورة هود، الآية: 107، ولا تُزادُ فِيما عَدَا ذَيْنَكَ إِلَّا ضَرورَةً كقولِ عَبْدِ الشَّارِق بن عَبْدِ العُزَّى الجُهَني:
فَلَمَّا أَنْ تواقَفْنا قليلًا ……………………. أَنَخْنا للكلاكلِ فارْتَمَيْنا
يريد: أنخنا الكلاكل، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول إلا في ضرورة، وبعضُهم يقول: الأكثر ألاَّ تُزادَ، ويتُحَرَّزُ مِنْ قوله تعالى في سورةِ النملِ: {رَدِفَ لَكُم} الآية: 72، فإنَّ الأصلَ: رَدِفَكم فزيدت فيه اللام، ولا تَقَدُّم ولا فرعية، ومَنْ أَطْلَقَ ذلكَ جَعَل الآيَةَ مِنْ بابِ التَّضْمينِ. الثاني: أنْ يُضَمَّن “تَعْبُرون” معنى ما يَتَعَدَّى باللامِ، والتقديرُ: إنْ كنتم تَنْتَدِبون لِعِبَارَةِ الرُّؤْيا. الثالث: أن يكونَ “للرُّؤْيا” هو خبرُ “كنتم” كما تقول: كان فلان لهذا الأَمرِ، إذا كان مُستقلًّا به متمكِّنًا منه، وعلى هذا فيكون في “تعبرُون” وجهان: أحدهما: أنَّه خبرٌ ثانٍ لِ “كنتم” وثانيهما: أَنَّهُ حالٌ مِن الضَميرِ المُرْتَفِعِ بالجارِّ لِوُقوعِهِ خَبَرًا. الرابع: أنْ تتعلَّقَ اللامُ بمحذوفٍ على أنها للبيانِ كقولِهِ تَعَالى في الآية: 20، من هذه السورةِ: {وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين} والتقديرُ: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديرُه: أعني للرؤيا، وعلى هذا فيكون مفعول “تعبُرون” محذوفاً تقديرُه: تعْبُرونها، و “الرؤيا” مجرورٌ بها لفظًا وعلامةُ الجرِّ كسرةٌ مقدَّرةٌ على آخرِهِ لتعَذُّرِ ظهورها على الأَلِفِ، وهو منصوبٌ محلًا مفعولٌ به مقدَّمٌ لِـ “تَعْبُرُونَ”. و “تَعْبُرُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعلُهُ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصًبِ خَبَرُ “كان” وجوابُ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ مَحذوفٌ مَعْلومٌ مِمَّا قَبْلَهُ والتَقديرُ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْبُرونَ الرُؤْيَا، فَأَفْتُوني في رُؤيايَ، وجُمْلَةُ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولَ القولِ لِ “قال”.
وقرأ أبو جعفر: “الرُّيَّا” بالإِدغام، وذلك أنه قَلَبَ الهمزةَ واوًا لسكونِها بعد ضمةٍ فاجتمعت ياءٌ وواو، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ الياءُ في الياء. وهذه القراءةُ عندهم ضعيفةٌ؛ لأنَّ البدلَ غيرُ لازمٍ فكأنه لم تُوْجَدْ واو نظراً إلى الهمزة.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 42
 
وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا} أيْ: وقال يوسُفُ ـ عليهِ السَّلامُ، للذي عَلِمَ أَنَّه ناجٍ مِنْهُما وهو السَّاقي، فالظَّنُّ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الْقَرِيبِ مِنَ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ فِي صِحَّةِ تَعْبِيرِهِ الرُّؤْيَا. ولذلك أُوثِرَتْ صيغةُ الماضي عَلى صِيغَةِ المضارعِ وأُكِّدتْ ب “أَنَّ” مَبَالَغةٌ في الدلالة على تَحَقُّقِ النَّجاةِ، حَسْبَمَا يُفيدُهُ قولُهُ تعالى في الآيةِ التي قبلها: {قُضِىَ الأمرُ الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} وهو السِّرُّ في إِيثارَ مَا عليهِ النَّظمُ الكريمُ عَلَى أَنْ يُقالَ: للذي ظَنَّهُ ناجِيًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَقَالَ للَّذي ظن أَنه نَاجٍ” قَالَ إِنَّمَا عبارَة الرُّؤْيَا بِالظَّنِّ فَيُحِقُّ اللهُ مَا يَشَاءُ وَيبْطِلُ مَا يَشَاءُ.
واخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالظَّنِّ، أَهُوَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوِ النَّاجِي. فَعَلَى الْأَوَّلِ كَانَ الْمَعْنَى وَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ظَنَّ يوسُفُ كَوْنَهُ نَاجِيًا، وَعَلَيهِ فإنَّ هَذَا الظَّنَّ محمولٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، هَذَا إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ بِنَاءً عَلَى الْوَحْيِ. وَوُرُودُ لَفْظِ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. من ذلك قَولُهُ تعالى في سورة الْبَقَرَةِ: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ}، الآية: 46، وَقَولُه في الآية: 20، من سورة الْحَاقَّةِ: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ}. أوْ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الظَّنُّ عَلَى حَقِيقَةِ الظَّنِّ، وَذَلك إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لَا بِنَاءً عَلَى الْوَحْيِ، بَلْ عَلَى الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَهِيَ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ وَالْحُسْبَانَ. أمَّا إذا كانَ الْقَائلَ هو الناجي: فيكونُ هَذَا الظَّنُّ صِفَةَ النَّاجِي، لأَنَّ الرَّجُلَيْنِ السَّائِلَيْنِ مَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ بِنُبُوَّةِ يُوسُفَ وَرِسَالَتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا كَانَا حَسَنَيِ الِاعْتِقَادِ فِيهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ لَا يُفِيدُ فِي حَقِّهِمَا إِلَّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ.
قولُهُ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} أَيْ: قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي حَكَمَ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَبْسِ وَيَرْجِعُ إِلَى خِدْمَةِ الْمَلِكِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أَيْ عِنْدِ الْمَلِكِ. وَالْمَعْنَى: اذْكُرْني عِنْدَهُ وقلْ لَهُ: إنَّ في السِّجْنِ غُلامًا مَحْبوسًا ظُلْمًا، فهُوَ مَظْلُومٌ مِنْ جِهَةِ إِخْوَتِهِ لَمَّا أَخْرَجُوهُ وَبَاعُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ مَظْلُومٌ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا حُبِسَ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الذِّكْرِ. وَأَرَادَ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ قَضِيَّتِهِ وَمَظْلَمَتِهِ. أَيِ اذْكُرْنِي لِرَبِّكَ، أَيْ سَيِّدِكَ. وَأَرَادَ بِرَبِّهِ مَلِكَ مِصْرَ. أَخرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: “وَقَالَ للَّذي ظن أَنه نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْد رَبك” قَالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأَرْضِ. وَأخرجَ ابْنُ جَريرٍ عَن قَتَادَةَ ـ رَضِي الله عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “اذْكُرْنِي عِنْد رَبك” يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا انْتَهى بِهِ إِلَى بَابِ السِّجْنِ قَالَ لَهُ: أَوْصِنِي بِحاجَتِكِ. قَالَ: حَاجَتي أَنْ تَذْكُرْني عِنْدَ رَبِّكَ يَنْوِي الرَّبَّ الَّذِي مَلَكَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وأَخرَجَ عبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعانيُّ، وَابْنُ جَريرٍ الطبَريُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْلَا أَنَّهُ ـ يَعْنِي يُوسُف، قَالَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ. وَأخرجَ ابْنْ أَبي الدُّنْيَا فِي كتابِ الْعُقُوبَاتِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَو لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا: مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الْفَرَجَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى. وَأَخرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللهُ يُوسُفَ لَو لَمْ يَقُلْ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ، قَالَ: لَوْلَا أَنَّ يُوسُفَ اسْتَشْفَعَ عَلى رَبِّهِ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ وَلَكِنْ إِنَّمَا عُوقِبَ باسْتِشْفاعِهِ عَلَى رَبِّهِ. وَأَخْرَجَ الإمامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: رَحِمَ اللهُ يُوسُفَ، لَوْلَا كَلمَتُهُ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طولَ مَا لَبِثَ، قَوْلُهُ: “اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك” ثمَّ بَكَى الْحَسَنُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالَ: نَحْنُ إِذا نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ فَزِعْنَا إِلَى النَّاسِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وَعبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِد الزّهْدِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَوْحَى اللهُ إِلَى يُوسُف: مَنِ اسْتَنْقَذَكِ مِنَ الْقَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أَنْ يَقْتُلُوك؟ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبُّ. قَالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الْجُبِّ إِذْ أَلْقَوْكَ فِيهِ؟ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبُّ. قَالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنِ الْمَرْأَة إِذْ هَمَمْتَ بِهَا؟ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبُّ. قَالَ: فَمَا لَكَ نَسيتَني وَذكرتَ آدَمِيًّا؟ قَالَ: جَزَعًا وَكَلِمَةً تَكَلَّمَ بِهَا لِساني. قَالَ: فَوَعِزَّتِي لأُخَلِّدَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وَأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الْحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لمَّا قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، للسَّاقي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قِيلَ لَهُ يَا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِنْ دُوني وَكيلًا؟ لأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ. فَبَكى يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ تَشَاغَلَ قَلْبِي مِنْ كَثْرَةِ الْبَلْوى فَقُلْتُ كَلِمَةً.
وَأَخرْجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَقَالَ للَّذي ظن أَنه نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْد رَبك” قَالَ يُوسُفُ للَّذي نَجَا مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْنِ: اذْكُرْنِي للْمَلِكِ. فَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى رَأَى الْمَلِكُ الرُّؤْيَا، وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفُ أَنْساهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبَّهِ وَأَمَرَهُ بِذكْرِ الْمَلِكِ، وابْتِغاءِ الْفَرَجِ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ عُقُوبَةً لِقَوْلِهِ: “اذْكُرْنِي عِنْد رَبك”.
قولُهُ: {فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} الْأَوَّلُ: أَنَّ النِسيانَ رَاجِعٌ إِلَى يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَى يُوسُفَ أَنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ، فيَسْتَغيثَ بِهِ، وأَوْقَعَ في قَلْبِهِ الاسْتِغاثَةَ بالمَلِكِ، وَعَلَيهِ فإِنَّ تَمَسُّكَهُ بِغَيْرِ اللهِ كَانَ مُسْتَدْرَكًا عَلَيْهِ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَصْلَحَتَهُ كَانَتْ فِي أَنْ لَا يَرْجِعَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنْ لَا يَعْرِضَ حَاجَتَهُ عَلَى أَحَدٍ سِوَى الله، وَأَنْ يَقْتَدِيَ بِجَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ حِينَ وُضِعَ فِي الْمَنْجَنِيقِ لِيُرْمَى إِلَى النَّارِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ: هَلْ لك مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، فَلَمَّا رَجَعَ يُوسُفُ إِلَى الْمَخْلُوقِ لَا جَرَمَ وَصَفَ الله ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَاهُ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ، وَذَلِكَ التَّوْحِيدَ، وَدَعَاهُ إِلَى عَرْضِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، ثُمَّ لَمَّا وَصَفَهُ بِذَلِكَ ذَكَرَ أَنَّهُ بَقِيَ لِذَلِكَ السَّبَبِ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الِانْقِطَاعِ إِلَى رَبِّهِ إِلَى هَذَا الْمَخْلُوقِ عُوقِبَ بِأَنْ لَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ رُجُوعَ يُوسُفَ إِلَى الْمَخْلُوقِ صَارَ سَبَبًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَارَ سَبَبًا لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْسَاهُ ذِكْرَ رَبِّهِ، الثَّانِي: أَنَّهُ صَارَ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْمِحْنَةِ عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. أَوْ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كان قد قَالَ فِي إِبْطَالِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ: {أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} الآية: 39، السابقة، ثمَّ إِنَّهُ أَثْبَتَ ههنا رَبًّا غَيْرَهُ حَيْثُ قَالَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، وَمَعَاذَ الله أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا بِمَعْنَى كَوْنِهِ إِلَهًا، بَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَمَا يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ، وَرَبُّ الثَّوْبِ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الرَّبِّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يُنَاقِضُ نَفْيَ الْأَرْبَابِ. وثمَّةَ وَجْهٌ ثَالِثٌ: وهو أَنَّهُ قَالَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ مَا كان لَنَا أَنْ نُشْرِكَ باللهِ مِنْ شَيْءٍ، وَذَلِكَ نَفْيٌ لِلشِّرْكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَفْوِيضُ الْأُمُورِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَهَهُنَا الرُّجُوعُ إِلَى غَيْرِ الله تَعَالَى كَالْمُنَاقِضِ لِذَلِكَ التَّوْحِيدِ. ثمَّ إنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالنَّاسِ فِي دَفْعِ الظُّلْمِ جَائِزَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، إِلَّا أَنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لِعَامَّةِ الْخَلْقِ إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى بِالصِّدِّيقِينَ أَنْ يَقْطَعُوا نَظَرَهُمْ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَنْ لَا يَشْتَغِلُوا إِلَّا بِمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ. وهَبْ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِغَيْرِ الله وَطَلَبَ مِنْ ذَلِكَ السَّاقِي أَنْ يَشْرَحَ حَالَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَلِكِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَلِّيَ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ ذِكْرِ الله مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إِنْ شَاءَ الله أَوْ قَدَّرَ الله فَلَمَّا أَخْلَاهُ عَنْ هَذَا الذِّكْرِ وَقَعَ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ. ويمكنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ قَوْلَهُ: “فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ” رَاجِعٌ إِلَى النَّاجِي منهما، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشيطانَ أَنْسى ذَلِكَ الْفَتَى أَنْ يَذْكُرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ، قَالَ: ((رَحِمَ الله يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ)). وقد تقدَّمَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبي الْمَليحِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ دُعَاءُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي السِّجْنِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ خَلْقُ وَجْهي عنْدَكَ فَإِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِوَجْهِ يَعْقُوبَ أَنْ تَجْعَلَ لَي فَرَجًا ومَخْرَجًا ويُسْرًا وتَرْزُقَني مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ مُؤَذِّنِ الطَّائِفِ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: يَا يُوسُفُ اشْتَدَّ عَلَيْكَ الْحَبْسُ قَالَ نَعْمْ. قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِنْ كُلِّ مَا أَهَمَّني وكَرَبَني مِن أَمْرِ دُنْيايَ وَأَمْرِ آخِرَتي فَرَجًا ومَخْرجًا وارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ واغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَثَبَّتْ رَجائي واقْطَعْهُ مِنْ سِواكَ حَتَّى لَا أَرْجُو أَحَدًا غَيْرَكَ. ويُمْكِنُ للشَّيْطَانِ إِلْقَاءُ الْوَسْوَسَةِ، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ الْعِلْمِ عَنِ الْقَلْبِ، وَالشَّيْطَانُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَكَانَ قَدْ أَزَالَ مَعْرِفَةَ اللهِ تَعَالَى عَنْ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ. مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ. وَاشْتِغَالُ الْإِنْسَانِ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ.
قولُهُ: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} لَبِثَ: أي: مَكَثَ، أو بَقِيَ يوسُفُ ـ عليه السلامُ، في السِّجْنِ. والبِضْعُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْعَدَدِ، مِنْ قولِكَ: بَضَعْتُ بِمَعْنَى قَطَعْتُ. وَلَا يُذْكَرُ الْبِضْعُ إِلَّا مَعَ عَشَرَةٍ أَوْ عِشْرِينَ إِلَى التِّسْعِينَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ. وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((كَمِ الْبِضْعُ)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((مَا دُونَ الْعَشَرَةِ)). وَأَخرجَ ابْنُ جريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: الْبِضْعُ دُونَ الْعَشْرَةِ. وأَكْثَرُ المُفسِّرينَ عَلى أَنَّ المُرادَ ههنا بِبِضْعِ سِنِينَ، سَبْعُ سِنِينَ. قَالُوا: إِنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِي السِّجْنِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: لَمَّا تَضَرَّعَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ قَدِ اقْتَرَبَ وَقْتُ خُرُوجِهِ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ لَبِثَ فِي السِّجْنِ بَعْدَهُ سَبْعَ سِنِينَ. وَأَخرجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كلمةً وَاحِدَةً حُبِسَ بِهَا سَبْعَ سِنِينَ. قَالَ أَبُو بكرٍ: وَحُبِسَ قَبْلَ ذَلِك خَمْسَ سِنِينَ وَأَخرجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ طَاووسَ وَالضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ” قَالَا: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأخرج عبدُ الرَّزَّاقِ وَأَحمَدُ فِي الزّهْد وَابْنُ جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصَابَ أَيُّوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْبلَاءُ سَبْعَ سِنِينَ وَتُرِكَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ وعَذَّبَ (بُخْتُ نَصَّرَ) خونَ فِي السِّبَاعِ سَبْعَ سِنِينَ. وَأَخرجَ ابْنُ أبي حَاتِم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: “فَلبث فِي السجْن بضع سِنِينَ” اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة. وَأخرج عبدُ الرَّزَّاق، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ” قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ. وَأَخرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ. وَأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مثلَه.
قولُهُ تعالى: {وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا} الواوُ: عاطفَة. و “قال” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوازًا تَقْديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السلامُ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} الآية: 37 السابقة. و “لِلَّذِي” اللامُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قَالَ”، و “الذي” اسْمٌ مَوْصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “ظَنَّ” فِعْلٌ ماضٍ ناقصٌ من النواسخ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعله ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى الاسمِ المَوصولِ، ويجوز أن يعود على يُوسُفَ ـ عليْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصولِ لا محلَّ لها من الإعرابِ. و “أَنَّهُ” حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعل والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ اسمها، و “نَاجٍ” خَبَرُها مرفوعٌ بها وعلامَةُ رَفعهِ ضَمَّةٌ مقدَّرةٌ عَلى الياءِ المَحْذوفَةِ للتَنوين، لأنَّهُ اسْمٌ مَنْقوصٌ. و “مِنْهُمَا” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَتِرِ في “نَاجٍ” والتقديرُ: حَالَ كونِ الناجي من جُمْلَةِ الاثنين، ويَجوزُ أَنْ يَتعلَّقَ بصِفَةٍ لِ “ناجٍ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ بحرف الجرِّ وهوَ مُضافٌ والميمُ علامةُ المُذكَّرِ، وألفُ التثنيةِ ضميرٌ مٌتَّصلٌ بِهِ في مَحلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، وجُمْلَةُ “أَنَّ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعولَيْ “ظَنَّ” والتقديرُ: وقال للذي ظَنَّ نَجاتَهُ حَالَةَ كونِهِ مِنْهُما.
قولُهُ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} اذْكُرْنِي: فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ، والنونُ للوقايةِ، وياءُ المتكلِّمِ، ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “أنت” يعودُ على “الناجي”. و “عِنْدَ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَّرْفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “اذكرني”، وهو مضافٌ، و “رَبِّكَ” مضافٌ إليهِ مجرورٌ وهو مضافٌ، وكافُ الخِطابِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. والجُملةُ الفِعْلِيِّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقول “قَالَ”.
قولُهُ: {فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} الفاء: عاطِفَةٌ. و “أَنْساهُ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى لفَتْحِ المُقَدِّرِ عَلى آخِرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الأَلِفِ، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ به عائدٌ على الساقي مِنهما، وقيلَ على يوسُفَ، وهو ضعيف، وهو في محلِّ نصبِ مَفعولِهِ الأوَّل، و “الشيطانُ” مَرْفوعٌ على الفاعليَّةِ. و “ذِكْرَ” مَفْعولٌ به منصوبٌ ثانٍ، وهو مضافٌ و “رَبِّه” مضافٌ إليه مجرورٌ وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصِلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “قَالَ”
قولُهُ: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} الفاءُ: عاطفَةٌ. و “لَبِثَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليه السلامُ. و “فِي السِّجْنِ” جارٌّ متعلق بِـ “لَبِثَ” ومجرورٌ به، والجملةُ معطوفة على جُمْلَةِ “أنساه”. و “بِضْعَ” مَنصْوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَمانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بـِ “لَبِثَ” و هو مُضَافٌ، و “سِنِينَ” مَضافٌ إلَيْهِ مجرورٌ وعَلامَةُ جَرِّهِ الياءً لأنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 41
 
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)
 
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} لَمَّا فَرَغَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنْ بَيَانِ الحَقِّ لَهُمَا في مَسْأَلَةِ التَوْحيدِ، وعِبَادَةِ اللهِ تَعَالى وَحْدَهُ، شَرَعَ في تَعْبيرِ رُؤْياهُما فقَالَ للشَّابَّيْنِ: إِنَّ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ الذِي رَأَى نَفْسَهُ فِي المَنَامِ يَعْصِرُ خَمْرًا، سَيَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ، وَسَيَسْقِي سَيِّدَهُ المَلِكَ “رَبَّهُ” الخَمْرَ. ويَعْنِي بِرَبِّهِ: مَالِكُ رَقَبَتِهِ وَهُوَ الْمَلِكُ، لَا رُبُوبِيَّةَ الْعُبُودِيَّةِ، فَمَلِكُ مِصْرَ فِي عَهْدِ يُوسُفَ لَمْ يَدَعِ الرُّبُوبِيَّةَ وَالْأُلُوهِيَّةَ كَفِرْعَوْنَ مُوسَى وَغَيْرِهِ، بَلْ كَانَ مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ الرُّعَاةِ الَّذِينَ مَلَكُوا الْبِلَادَ عِدَّةَ قُرُونٍ. وقد رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَا أَحْسَنَ مَا رَأَيْتَ، أَمَّا حُسْنُ الْعِنَبَةِ فَهُوَ حُسْنُ حَالِكَ، وَأَمَّا الْأَغْصَانُ الثَّلَاثَةُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يُوَجِّهُ إِلَيْكَ الْمَلِكُ عِنْدَ انْقِضَائِهِنَّ، فَيَرُدُّكَ إِلَى عَمَلِكَ فَتَصِيرُ كَمَا كُنْتَ بَلْ أَحْسَنَ. وقد عَبَّرَ رؤياهُ هذِهِ عَلى العَوْدِ إِلى ما كانَ يَعْمَلُ مِنْ قَبْلُ؛ لمَّا رَأَى أَنَّهُ كانَ عَمِلَ عَلى ما كانَ يَعْمَلُ مِنْ قَبْلُ.
أخرجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: أَتَاهُ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنِّي غَرَسْتُ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ، فَنَبَتَتْ، فَخرجَ فِيهِ عَنَاقيدُ، فعَصَرْتُهُنَّ ثمَّ سَقَيْتُهُنَّ الْمَلِكَ فَقَالَ: تَمْكُثُ فِي السِجْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقيهِ خَمْرًا.
قولُهُ: {وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} وَإِنَّ الآخَرَ ـ وَهُوَ الذِي رَأَى أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا تَأْتِي الطَّيْرُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ ـ فَإِنَّهُ سَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ لَحْمِ رَأْسِهِ، ولم يُعَيِّنْهُ فيذكُرْهُ باسْمِهِ اعتمادًا على دلالَةِ الحالِ، ورِعايةً لِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، أَوْ كراهَةَ التَّصريحِ لهُ بِأَنَّهُ سَيُصْلَبُ. ورُوِيَ أَنَّهُ قالَ لَهُ لَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ: بِئْسَمَا رَأَيْتَ، السِّلَالُ الثَّلَاثُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، يُوَجِّهُ إِلَيْكَ الْمَلِكُ عِنْدَ انْقِضَائِهِنَّ فَيَصْلُبُكَ وَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ. وقد عَبَّرَ رُؤيا الخَبّازِ على هذا النَّحْوِ؛ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ حَمَلَ الخُبْزَ على رَأْسِهِ، والخُبْزُ إذا خَبَزَهُ الخَبَّازُ لا يَحْمِلُهُ عَلى رَأْسِهِ في العادةِ؛ فَرَأَى أَنَّ أَمْرَهُ قدِ انْتَهى؛ إذْ عَمِلَ عَلى خِلافِ ما كان يَعْمَلُ مِنْ قَبْلُ؛ “فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ”، فعَبَّرَ أَنَّهُ يُصْلَبُ وتَأْكُلُ مِنْ رَأْسِهِ الطيرُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ حَمَلَ الخُبْزَ عَلى رَأْسِهِ؛ وقد كانَ يَخْبِزُ مِنْ قَبْلُ للعِبَادِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّه يَخْبِزُ لِغَيْرِهِم عَبَّرَ أَنَّهُ يَهْلِكُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.
قولُهُ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ سَيَقَعُ بِتَمَامِهِ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ مَقْضِيٌّ مِنَ اللهِ. ورُوِي فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُمَا قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا فَقَالَ: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ.
وَالِاسْتِفْتَاءُ فِي اللُّغَةِ السُّؤَالُ عَنِ الْمُشْكَلِ الْمَجْهُولِ، وَالْفَتْوَى جَوَابُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ نَبَأً أَمْ حُكْمًا، وَقَدْ غَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى عُمُومِهِ قولُهُ بعد ذلك: {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} الآية: 43، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفُتُوَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْقُوَّةِ وَالْمَضَاءِ وَالثِّقَةِ. وإِنَّ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، زَائِدَةٌ عَلَى مَا عَبَّرَ بِهِ رُؤْيَاهُمَا، دَاخِلَةٌ فِي قِسْمِ الْمُكَاشَفَةِ، وَقد نَبَّأَ الْغَيْبَ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ آيَةً لَهُ لِيَثِقُوا بِقَوْلِهِ، وَهُمْ أُلُو عِلْمٍ وَفَنٍّ وَسِحْرٍ، وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ عَلِمَ بِوَحْيِ رَبِّهِ أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ حَكَمَ فِي أَمْرِهِمَا بِمَا قَالَهُ، لَا مِنْ بَابِ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ مَا رَأَيَا مِنَ النَّوْعِ الصَّادِقِ مِنْهَا لَا مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لِأَجْلِهِ قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا، فَقِيلَ إِنَّهُمَا وَضَعَا هَذَا الْكَلَامَ لِيَخْتَبِرَا عِلْمَهُ بِالتَّعْبِيرِ مَعَ أَنَّهُمَا مَا رَأَيَا شَيْئًا، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا لَمَّا كَرِهَا ذَلِكَ الْجَوَابَ قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى الْوَحْيِ مِنْ قِبَلِ الله تَعَالَى أَمْ بِنَاءً عَلَى عِلْمِ التَّعْبِيرِ؟ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَقَلَ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى في الآيةِ التي تَليها: {وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا} الآية: 42، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ مَبْنِيًّا عَلَى الْوَحْيِ لَكَانَ الْحَاصِلُ مِنْهُ الْقَطْعَ وَالْيَقِينَ لَا الظَّنَّ وَالتَّخْمِينَ، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ.
ولَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا لَمَّا سَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنَامِ صَدَقَا فِيهِ أَوْ كَذَبَا، فَإِنَّ الله تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ عَاقِبَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ بِذَلِكَ الْغَيْبِ عِنْدَ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَقَعَ فِي الظَّنِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ بَنَى ذَلِكَ الْجَوَابَ عَلَى عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وَقَوْلُهُ: “قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ” مَا عَنَى بِهِ أَنَّ الذي ذَكَرَهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ بَلْ عَنَى بِهِ أَنَّهُ حَكَمَهُ فِي تَعْبِيرِ مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ ذَلِكَ الذي ذَكَرَهُ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ في تَفْسيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قال: ثُمَّ قَالَ لِ “مِجْلِثَ” أَمَّا أَنْتَ فَتُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ، وَقَالَ لِ “نَبْوَ” أَمَّا أَنْتَ فَتُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ، يَرْضَى عَنْكَ صَاحِبُكَ، “قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ”.
وأَخرج أَيضًا عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا فَيُعَادُ عَلَى مَكَانِهِ وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ. فَفَزِعَا، وَقَالا مِمَّا عَبَّرَ؟ وَاللهِ مَا رَأَيْنَا شَيْئًا. قَالَ يُوسُفُ: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
وأخرج أيضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَصَّا عَلَى يُوسُفَ، فَأَخْبَرَهُمَا قَالا: إِنَّا لَمْ نَرَ شَيْئًا، قَالَ: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ يَقُولُ: وَقَعَتِ الْعِبَارَةُ.
وَأخرج ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: مَا رأى صاحِبَا سِجْنِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَام، شَيْئًا، إِنَّمَا تحاكَمَا إِلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ فَلَمَّا أَوَّلَ رُؤْياهُمَا قَالَا: إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ وَلَمْ نَرَ شَيْئًا فَقَالَ: “قُضِيَ الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان” يَقُول: وَقعَتِ الْعِبَارَة فَصَارَ الْأَمرُ عَلَى مَا عَبَّرَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَخرج أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبي مِجْلزٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ أَحَدُ اللَّذيْنِ قَصَّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيَا كَاذِبًا.
وَأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَن مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ “قُضِيَ الْأَمرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ” قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِمَا: مَا رَأَيْنَا رُؤْيا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ. قَالَ: قد وَقعَتِ الرُّؤْيَا على مَا أُوِّلَتْ.
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، للخَبَّازِ: إِنَّكَ تُصْلَبُ فتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ. وَقَالَ للساقي: أَمَّا أَنْتَ فَتُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ، فَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا قَالَا حِينَ عَبَّرَ: لَمْ نَرَ شَيْئًا، قَالَ: “قُضِيَ الْأَمرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ”.
قولُهُ تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} يا: أَداةُ نِداءٍ للمُتَوَسِّطِ بُعدُهُ، و “صاحبَيْ” مُنَادى مُضافٌ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصْبِ الياءُ لأنَّهُ مثنَّى، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَقولُ “قَالَ”، وهو مِنْ إِضافَةِ الوَصْفِ إِلَى الظَّرْفِ؛ أَيْ: يا صاحِبَيْنِ لِي في السِّجْنِ، أَوْ مِنْ بابِ الإضافَةِ إِلى الشَّبيهِ بالمَفعولِ، والمَعْنَى: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ. و “أَمَّا” حَرْفُ شَرْطٍ وتَفْصيلٍ. و “أَحَدُكُمَا” مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ مضافٌ، والكافُ للخطابِ والميمُ للمذكَّر، وأَلِفُ التثنيةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرِّ مضافٍ إِلَيْهِ. و “فَيَسْقِي” الفاءُ: رابطةٌ لِجَوابِ “أَمَّا” واقعةٌ فٌي غَيْرِ مَوْضِعِها، و “يسقي” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ للثقلِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعود على “أَحَدُكما”. و “رَبَّهُ” مفعولٌ بهِ أوَّلُ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في مَحَلِّ حرِّ مُضافٍ إليه، و “خَمْرًا” مفعولُهُ الثاني، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ جَوابُ “أَمَّا” لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “أَمَّا” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولَ قولٍ ل “قَالَ” على كونِها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا.
قولُهُ: {وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} الواوُ: حرفُ عطفٍ. و “أما” حَرْفُ شَرْطٍ وتفصيلٍ. و “الْآخَرُ” مُبْتَدَأٌ مرفوع. و “فَيُصْلَبُ” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “أَمَّا”. و “يُصْلَبُ” فعلٌ مُضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مستترٌ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلى “الآخَرُ” والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا للمُبتدأِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ جَوابُ “أما”، وجُمْلَةُ “أمَّا” مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “أمَّا” الأُولى. و “فَتَأْكُلُ” الفاءُ: عاطِفَةٌ. و “تأكلُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازِمِ، و “الطيرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ للتبعيضِ متعلِّقٌ بِهِ، و “رَأْسِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجملة الفعليَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ “يُصْلَبُ”.
قولُهُ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} قُضِيَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمجهولِ مبنيٌّ على الفتحِ، و “الْأَمْرُ” نائبٌ عن فاعِلِه مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولَ القولِ ل “قَالَ”. و “الَّذِي” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الرفعِ صِفَةً لِـ “الأمرُ”. و “فِيهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ. و “تَسْتَفْتِيَانِ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعال الخمسةِ، وألِفُ الإثنين ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصولِ، والعائدُ ضِميرُ “فيه”.
قرأ العامَّةُ: {فَيَسْقِي} بفتحِ الياءِ، مِنْ سَقَاهُ يَسْقيهِ. وقَرَأَ عِكْرِمَةُ في روايةٍ عنه: “فَيُسْقي” بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِنْ “أَسْقَى” وهُمَا لُغَتَانِ، يُقالُ: سَقَاهُ وأَسْقاهُ، وهما قِراءتان في السبعة: {نَسْقيكم} و {نُسْقيكم} مما في بطونه}. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عِكْرِمَةَ والجَحْدَرِيِّ أَنَّهُما قَرَآ “فَيُسقَى ربُّه” مبنيًّا للمَجهولِ ورَفْعْ “ربُّه”. وسقاهُ وأسقاهُ بمعنى، يقالُ: سقاهُ اللهُ الغَيْثَ وأَسْقَاهَ، كما جاءَ في لِسَانِ العَرَبِ لابْنِ مَنْظورِ. ويُقالُ: سَقَيْتُهُ لِشَفَتِهِ وأَسْقَيْتُهُ لِدَابَّتِهِ وأَرْضِهِ. كما جاءَ عَنْ سِيبَوَيْهِ: سَقَاهُ وأَسْقاهُ: جَعَلَ لَهُ مَاءً أَوْ سِقْيًا (بِكَسْرِ السِّينِ). فسَقَاهُ ك كَسَاهُ، وأَسْقَى ك أَلْبَسَ. فالفعلُ مُتَعَدٍّ لاثْنَيْنِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 40
 
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} نَفَى وُجودَ ما يُسَمُّونَهُ آلِهَةً، فهي في حقيقةِ أَمْرِها لَا وُجودَ لَها وُجودًا حَقيقِيًّا، فضْلًا عَنْ أَنْ تَكونَ آلِهَة مَعبودَةً وذَلِكَ حَقٌّ؛ لأَنَّ قُدَماءَ المَصْرِيِّينَ كانوا يَفْرِضونَ آلِهَةً للزُّروعِ، وأُخرى تتوالَدُ وتَتَقاتلُ، وكلُّها لَا وجودَ لَها في الحَقيقةِ والواقعِ، سوى في مخيِّلاتِهمْ وأوهامهم، فَهي مُجرَّدُ أَسماءٍ سَمُّوها وعَبَدُوها. وَمَعْنَى قَصْرِهَا ب “إِلَّا” عَلَى أَنَّهَا أَسْمَاءٌ قَصْرًا إِضَافِيًّا، أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لَا مُسَمَّيَاتٍ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا أَسْمَاؤُهَا فقط. وَكَانَتْ دِيَانَةُ الْقِبْطِ فِي سَائِرِ الْعُصُورِ الَّتِي حَفِظَهَا التَّارِيخُ وَشَهِدَتْ بِهَا الْآثَارُ دِيَانَةَ شِرْكٍ، أَيْ ديانةَ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، إلى أنْ جاءَ موسى ـ عَلَيهِ السَّلامُ، مُخَلِّصًا لبَنِي إِسْرائيلَ الذين كانوا نَزَلوا بِمِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، جاءَ مُخَلِّصًا لهم مِنْ جَبَروتِ الأَقْبَاطِ وشِرْكِهم وتسلُّطِهِمْ عَلَيْهمْ، وما آمَنَ مَعَهُ إلَّا قليلٌ، ثمَّ جاءَ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاعْتَنَقَ الأَقْباطُ النَّصْرانِيَّةَ. وَبِالرَّغْمِ عَلَى مَا يُحَاوِلُهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ الْمِصْرِيِّينَ وَالْإِفْرِنْجِ مِنْ إِثْبَاتِ اعْتِرَافِ الْقِبْطِ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ وَتَأْوِيلِهِمْ لَهُمْ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ بِأَنَّهَا رُمُوزٌ لِلْعَنَاصِرِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنَّ يُثْبِتُوا إِلَّا أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ هُوَ مُعْطِي التَّصَرُّفَ لِلْآلِهَةِ الْأُخْرَى. وَذَلِكَ هُوَ شَأْنُ سَائِرِ أَدْيَانِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ الشِّرْكَ يَنْشَأُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْخَيَالِ فَيُصْبِحُ تَعَدُّدَ آلِهَةٍ. وَالْأُمَمُ الْجَاهِلَةُ تَتَخَيَّلُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ مِنْ تَخَيُّلَاتِ نِظَامِ مُلُوكِهَا وَسَلَاطِينِهَا وَهُوَ النِّظَامُ الْإِقْطَاعِيُّ الْقَدِيمُ. وتَتَابَعْتْ أَجْيالُهم عَلى عبادةٍ لَيْسَتْ إلَّا أَسْماءً سَمَّاها آباؤهم، وتَبِعوا آباءهم في ذَلِكَ تَبَعِيَّةَ الوَهْمِ للوَهْم، وما كان لها وُجُودٌ البتَّة.
وإِنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُسَمَّيَاتِ تَرْبِيَةً لِمَا يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنْ إِسْقاطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ، وإيذانًا بِأَنَّ تَسْمِيَتَهم في البُطْلانِ، حَيْثُ كانَتْ بِلا مُسَمًّى، كعِبادَتِهم حَيْثُ كانتْ بِلَا مَعْبودٍ فقال لهم، مَا تَعْبُدُونَ غيرَ الإلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، إِلَّا أَسْمَاءً وَضَعْتُمُوهَا لِمُسَمَّيَاتٍ نَحَلْتُمُوهَا صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَعْمَالَ الرَّبِّ الْوَاحِدِ، فَاتَّخَذْتُمُوهَا أَرْبَابًا وَمَا هِيَ بِأَرْبَابٍ تَخْلُقُ، وَلَا تَرْزُقُ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُدَبِّرُ وَلَا تَشْفَعُ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُسَمَّيَاتٍ لَهَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِ الرَّبِّ الْإِلَهِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعِبَادَةِ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ خَيْرٌ. لقد بَنَى الْقِبْطُ تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ عَلَى تَعَدُّدِ الْقُوَى وَالْعَنَاصِرِ وَبَعْضِ الْكَوَاكِبِ ذَاتِ الْقُوَى. وَمِثْلُهُمُ فِي ذَلِكَ الْإِغْرِيقُ، فَقد كانوا أَحْسَنَ حَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ أَلَّهُوا الْحِجَارَةَ. وَقُصَارَى مَا قَسَّمُوهُ فِي عِبَادَتِهَا أَنْ جَعَلُوا بَعْضَهَا آلِهَةً لِبَعْضِ الْقَبَائِلِ كَمَا قَالَ ضِرارُ بْنُ الخَطَّابِ الفِهْرِيُّ:
وَفَرَّتْ ثَقِيفٌ إِلَى لَاتِهَا ………………… بِمُنْقَلَبِ الخائبِ الخاسِرِ
كما كانوا أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الصَّابِئَةِ الكَلْدانِيِّينَ والآشوريِّينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْآلِهَةَ رُمُوزًا لِلنُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ. وَكَانَتْ آلِهَةُ الْقِبْطِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ رَبًّا أَكْبَرَهَا عِنْدَهُمْ آمَونْ رَعْ. وَمِنْ أَعْظَمِ آلِهَتِهِمْ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ وَهِيَ: أُوزُورِيسُ، وَإِزيسُ، وَهُورُوسُ. فَلِلَّهِ بَلَاغَةُ الْقُرْآنِ إِذْ عَبَّرَ عَنْ تَعَدُّدِهَا بِالتَّفَرُّقِ فَقَالَ الآيةِ: 39، السابقةِ: {أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خيرٌ}. وَبَعْدَ أَنْ أَثَارَ لَهُمَا الشَّكَّ فِي صِحَّةِ إِلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمُ الْمُتَعَدِّدِةِ، انْتَقَلَ إِلَى إِبْطَالِ وُجُودِ تِلْكَ الْآلِهَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: “مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ”، يَعْنِي أَنَّ تِلْكَ الْآلِهَةَ لَا تَحَقُّقَ لِحَقَائِقِهَا فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ بَلْ هِيَ تَوَهُّمَاتٌ تَخَيَّلُوهَا.
قولُهُ: {مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أَيْ ما أنزلَ اللهُ بها منْ حُجَّةٍ تُسَوِّغُ عِبَادَتَها، وإنَّ الحُكْمَ والسُلْطانَ، والقُدْرَةَ القاهِرَةَ لَيْسَتْ إِلَّا للهِ وحدَهُ، خالِقِ كُلِّ شَيْءٍ. فمَا أَنْزَلَ اللهُ بِتَسْمِيَتِهَا أَرْبَابًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أَيُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ، فَيُقَالُ إِنَّكُمْ تَتَّبِعُونَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ، تَعَبُّدًا لَهُ وَحْدَهُ وَطَاعَةً لِرُسُلِهِ، فَيَكُونُ اتِّبَاعُهَا أَوْ تَعْظِيمُهَا غَيْرَ مُنَافٍ لِتَوْحِيدِهِ، كَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ الطَّوَافِ بِالْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّهُ حَجَرٌ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الشريف، فَإنَّ تَسْمِيَتَهم لتلكَ الأربابِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنَ النَّقْلِ السَّمَاوِيِّ فَتَكُونَ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَقْلِ فَتَكُونَ مِنْ نَتَائِجِ الْبُرْهَانِ.
قولُهُ: {إِنِ الْحُكْمُ إلَّا للهِ} إِبْطَالٌ لِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَزْعُومَةِ لِآلِهَتِهِمْ بِأَنَّهَا لَا حُكْمَ لَهَا فِيمَا زَعَمُوا أَنَّهُ مِنْ حُكْمِهَا وَتَصَرُّفِهَا. أَيْ مَا الْحُكْمُ الْحَقُّ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى تِلْكَ التَسْمِيَةِ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ يُوحِيهِ لِرُسُلِهِ الذين اصْطَفَاهُم مِنْ عبادِه، فلَا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِهَوَاهُ ورَأْيِهِ، وَلَا بِاسْتِدْلَالِهِ وعَقْلِهِ، وَلَا بِاجْتِهَادِهِ وَاسْتِحْسَانِهِ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ أَسَاسُ دِينِ اللهِ ـ تبارك وتَعَالَى، عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ أَنْبيائهِ ورُسُلِهِ، لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَلا الْأَمْكِنَةِ، فهُوَ ـ سُبْحانَهُ، الجَديرُ بالسُّلْطانِ وَحْدَهَ.
قولُه: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} انْتِقَالٌ مِنْ أَدِلَّةِ إِثْبَاتِ انْفِرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ إِلَى التَّعْلِيمِ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، لِأَنَّ ذَلِك نتيجة إِثْبَات الْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ، فَهِيَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ مِنْ حَيْثُ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْحُكْمِ. وقد أَمَرَ اللهُ أَلَّا تعبدوا إلَّا إيّاه، فَادْعُوه وَحْدَهُ وَاعْبُدُوه وحْدَهُ، وَلَهُ وَحْدَهُ فَارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ فَتَوَجَّهُوا، وإيّاهُ فاقصدوا، حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الرُّوحَانِيِّينَ، وَلَا مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ الْحَاكِمِينَ، وَلَا كَاهِنًا مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا، وَلَا نَجْعًا وَلَا شَجَرًا، وَلَا نَهْرًا مُقَدَّسًا كَ “نهر ِالْكِنْغِ” أو “الغانج” عندَ الهنودِ، وَالنِّيلِ عندَ قدماءِ المِصْريِّين، وَلَا حَيَوَانًا كَالْعِجْلِ عندَ اليهود والبقرِ عند البوذيين، فَالْمُؤْمِنُ الْمُوَحِّدُ للهِ لَا يَذِلُّ نَفْسَهُ بِالتَّعَبُّدِ لِغَيْرِ اللهِ ـ سبحانه وتعالى، فلا يرفعُ لها دُعَاءً وَلَا يَتَقَدَّمُ منها برجاءٍ، لِإِيمَانِهِ بِأَنَّ الله هُوَ الرَّبُّ الْمُدَبِّرُ الْمُسَخِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا عَدَاهُ خَاضِعٌ لِإِرَادَتِهِ وَسُنَنِهِ، فِي أَسْبَابِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ غَيْرَ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْقُوَى الَّتِي هِيَ قِوَامُ جِنْسِهِ وَمَادَّةُ حَيَاةِ شَخْصِهِ فإنَّه ـ سبحانَهُ، قد {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} الآية: 50، مِنْ سُورَةِ طَهَ. فَإِلَيْهِ وَحْدَهُ الْمَلْجَأُ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْحِسَابِ.
وَأخرج ابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أبي الْعَالِيَةَ الرِّياحيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه” قَالَ: أَسَّسَ الدِّينَ عَلَى الْإِخْلَاصِ للهِ وَحدَهُ لَا شَريكَ لَهُ.
قولُهُ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} هُوَ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ تعالى قبل ذلك في الآية: 38: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إِلَى قولِهِ: {لَا يَشْكُرُونَ}. أيْ: هذا التَّوحيدُ للهِ تعالى الذي تقدَّمَ بيانُهُ وتفصيلُهُ، هو الدِّينُ القَيِّمُ والسِّراطُ المُستقيمُ الثابتُ، الذي تَعَاضَدَتْ عَلَيْهِ البراهينُ العَقْليَّةُ والنَقْلِيَّةُ، الدينُ الذي لا يَتَنَافَى مَعَ العقلِ القويمِ والإدراكِ السَّليمِ، فهو الْحَقُّ والمُبينُ، والسِّراطُ البيِّنُ الواضِحُ الْمُسْتَقِيمُ، الَّذِي لَا اختلافَ ولا عِوَجَ فِيهِ، مِنْ جَهَالَاتِ الْوَثَنِيِّينَ، وتُرَّهاتِ المُلحِدين، وهذا هوَ الدِّينُ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ رُسُلُ اللهِ أَقْوَامَهُمْ أجَمِعين، وَمِنْهُمْ آبَائِي: إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ـ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، إلى يومِ الدينِ. وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن جريج رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله “ذَلِك الدّين الْقيم” قَالَ: الْعدْل.
قولُهُ: {وَلَكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمونَ} خُلَاصَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، أَيْ ذَلِكَ الدِّينُ لَا غَيْرُهُ مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَغَيْرُكُمْ، وذَلِكَ هو حَقَّ الْعِلْمِ، لِاتِّبَاعِهِمْ أَهْوَاءَ آبَائِهِمُ فلَيْسَ لَهُم بالحقائقِ عِلْمٌ، بَلْ تُسَيْطِرُ عَلَيْهم الأَوْهامُ الباطلةُ، التي تَخْدَعُ العُقولَ فلا تَعْلَمُ شيئًا. وقد كانَ المِصْرِيُّونَ القدماءُ خاضِعينَ للأوهامِ، ولا تَزالُ بَقِيَّةٌ مِنهم كذلك، وهُمُ الذينَ لَمْ يَدْخُلوا في دِينِ التَّوْحيدِ دِينِ اللهِ القَويمِ.
قولُهُ تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً} ما: نافيَةٌ لا عَمَلَ لها. و “تَعْبُدُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِه منَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخَمْسَةِ، الواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ عل السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “دُونِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه. والمستثنى منه محذوف تقديره: ما تعبدون من دونه شيئًا. و “إلَّا” أَداةُ اسْتِثْنَاءٍ، وحَصْرٍ، و “أَسْمَاءً” منصوبٌ على الاستثناءٍ، أو على المفعوليَّةِ. فإمَّا أنْ يُرادَ بها المُسَمَّياتُ أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضافٍ، أَي: ذَواتٌ لِمُسَمَّيَاتْ.
قولُهُ: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} سَمَّيْتموها: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ في محلِّ رفعِ الفاعل، والميمُ للمذكَّرِ، والواوُ زائدةٌ لإشباعِ مدِّ الضمَّةِ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ النصبِ مفعولٌ بهِ، وجملة “سمَّيتموها” في محلِّ نصبٍ صفةٌ ل “أسماءً”، وهي مُتَعَدِّيَةٌ لاثْنَيْنِ حُذِفَ ثانِيهُما، والتقديرُ: سَمَّيْتموها آلهةً. و “أَنْتُمْ” تَأْكيدٌ لِتاءِ المُخاطَبين، ليُعْطَفَ عليه ما بعده. {وَآبَاؤُكُمْ} معطوفٌ عَلَى تاءِ الفاعِلِ.
قولُهُ: {مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ما: نافية. و “أَنْزَلَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعلٌ به مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالَ” أو صفةً ل “أسماء”. و “بِهَا” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَنْزَلَ”. وثمَّةَ مضافٌ محذوفٌ هنا، والتقديرُ: ما أنزلَ بِعبادَتِها سُلْطانًا. و “مِنْ” زائدةٌ حرفُ جرٍّ و “سُلْطَانٍ” مجرورٌ لفظًا بخرفِ الجرِّ الزائدِ، ونصوبٌ محلًّا مَفْعولٌ به.
قولُهُ: {إِنِ الْحُكْمُ إلَّا للهِ} إنْ: نافيَةٌ لا عَمَلَ لَها. ولا يَجُوزُ إِتباعُها لِضَمَّةِ الحاءِ، كَقولِهِ: {قالتُ اخْرُجْ} ونحوِهِ، لأنَّ الألف واللامَ كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّة فهي فاصِلَةٌ بَيْنَهما. و “الْحُكْمُ” مرفوعٌ بالابتداء. و “إلَّا” أَداةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفَرَّغٍ، أو أداةُ حصرٍ. و “للهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ في محلِّ رفع خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ ب “قال”.
قولُه: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أمَرَ: فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى اللهِ تعالى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى كَوْنِها مَقولَ “قال”، وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ تَكونَ حالًا في محلِّ النَّصبِ، و “قد” مَعَهُ مُرادَةٌ عِنْدَ بَعْضِهم. وهو ضعيفٌ لِضَعْفِ العاملِ فيهِ، والعامِلُ هو ما تضَمَّنَهُ الجارُّ في قولِهِ: “إِلَّا للهِ” مِنَ الاسْتِقْرارِ. و “أَلَّا” هي “أنْ” حَرْفُ نَصْبٍ مَصْدَرِيٌّ. و “لا” النافيَةُ. و “تَعْبُدُوا” فعلٌ مُضارعٌ منصوبٌ بها، وعلامةُ نَصْبِهِ حذفُ النونِ من آخرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفعال الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِه. “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ أو حصرٍ. و “إِيَّاهُ” ضَميرُ نَصْبٍ مُنْفَصِلٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، و وجملة “أَلَّا تَعْبُدُوا” في تأويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِحَرْفِ جَرٍ مَحذوفٍ، والتَقديرُ: أَمَرَ بِعَدَمِ عِبَادَتِكم إلَّا إِيَّاهُ.
قولُهُ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ذا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، وال حذف لامُ للبُعدِ، والكافُ للخطاب. و “الدِّينُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ. و “الْقَيِّمُ” صِفَةٌ لِـ “الدِّينُ” مرفوعةٌ مثلَه، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولًا ل “قال”.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الواوُ للعطفِ، و “لكنَّ” حَرْفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ للاسْتِدْراكِ. و “أكثرَ” اسْمُ مَنْصوبٌ بها وهو مضافٌ، و “الناسِ” مُضافٌ إِلَيْهِ مَجْرورٌ، و “لا” نافيةُ لا عمَلَ لها، و “يعلمون” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرهِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ. وجملة “لَا يَعْلَمُونَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “لكن”، وجملةُ “لكن” في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا على الجُمْلَةِ التي قَبْلَها.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 39
 
يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39)
 
قوله ـ تَبَارَكَ وتَعالى: {يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ} أيْ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، فَالْإِضَافَةُ هُنَا عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ والنهار، أو كما قيلَ لِسُكَّانِ الْجَنَّةِ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}، وَلِسُكَّانِ النَّارِ: {أَصْحَابُ النَّارِ}. فقد وجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى الْفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّدَاءِ الْمُسْتَرْعِي سَمْعَهُمَا إِلَى مَا يَقُولُهُ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَناداهما بوَصْفِ الصُّحْبَةِ فِي السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِمَا لِمَا حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُمَا وَهِيَ صِلَةُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الضَّرَّاءِ الْإِلْفَ فِي الْوَحْشَةِ، فَإِنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الْأَحْوَالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقَامَ صِلَةِ الْقَرَابَةِ أَوْ تَفُوقُهَا، أَو لِجَهْلِ اسْمَيْهِمَا عِنْدَهُ إِذْ كَانَا قَدْ دَخَلَا السِّجْنَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ تَطُولَ الْمُعَاشَرَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ.
قولُه: {أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ لِإِبْطَالِ دِينِهِمَا، رَتَّبَ لَهُمَا الاسْتِدْلالَ عَلَيْهِ بِأُسْلوبِ الخِطَابِ القَرِيبِ مِنْ أَفْهَامِ الْعَامَّةِ، حيثُ فَرَضَ لَهُما إِلَهًا وَاحِدًا مُسْتَفْرِدًا بِالْإِلَهِيَّةِ، في مُقابِلِ آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ يَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي أُمورَ مُعَيَّنَةٍ مِمَّا هُوَ تَحْتَ سُلْطَانِهِ لَا يَعُدُّوهَا إِلَى مَا هُوَ مِنْ نِطَاقِ سُلْطَانِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ. لِيَصِلَ إِلَى إِقْنَاعِهِمَا بِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْإِلَهِيَّةِ أَعْظَمُ وَأَغْنَى، وذَلِكَ لِيَرْجِعَا عَنِ اعْتِقَادِهِما الفَاسِدِ، عَقيدَةِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ. ونظيرُ هذِهِ الآيةِ قولُهُ تعالى في سُورَةِ النَّمْلِ: {آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية: 59. أَيْ: أَعِبَادَةُ أَرْبابٍ شَتَّى مُتَفَرِّقينَ، هَذَا مِنْ ذَهَبٍ، وَهَذَا مِنْ فِضَّةٍ، وَهَذَا مِنْ حَدِيدٍ. وَهَذَا أَعْلَى، وَهَذَا أَوْسَطُ، وَهَذَا أَدْنَى، وهذا أَكْبَرُ وهذا أَصْغَرُ. مُتَبَايِنونَ، “خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ” أَمْ عِبَادَةُ المَعْبودِ الواحِدِ الذي لا ثانِيَ لَهُ في قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ. “الْقَهَّارُ” الْغَالِبُ فلَا غالبَ لَهُ، الذي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وذَلَّلَهُ وسَخَّرَهُ، فأَطاعَهُ وذلَّ لإرادَتِهِ طَوْعًا وكَرْهًا، ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَ الْأَصْنَامِ بأَنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ “خَيْرٌ” هُنَا مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْخَيْرِ عِنْدَ الْعَقْلِ، أَيِ الرُّجْحَانِ وَالْقَبُولِ. وَالْمَعْنَى: اعْتِقَادُ وُجُودِ أَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ أَرْجَحُ أَمِ اعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وذلك حَتَّى يَنْجَلِيَ لَهُمَا فَسَادُ اعْتِقَادِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، ليَتَبَيَّنَ لَهُمَا أَنَّ حال أَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ لَا يَخْلُو مِنْ فَسَادٍ وَخَلَلِ فِي تَصَرُّفاتهم، كَمَا يشعرُ بِهِ وَصْفُهم بالتَّفَرُّقِ.
وأَخْرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: لَمَّا عَرَفَ نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ أَحَدَهُمَا مَقْتُولٌ دَعاهُما إِلَى حَظِّهِما مِنْ رَبِّهِما وَإِلَى نَصِيبِهِمَا مِنْ آخِرَتِهِمَا.
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُمَا وَلِأَهْلِ السِّجْنِ، وَكَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ ذَلِكَ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ، وَقِيلَ: أَشَارَ بِالتَّفَرُّقِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْإِلَهُ لَتَفَرَّقُوا فِي الْإِرَادَةِ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا إِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تَكُنْ آلِهَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: {يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ} يا: أَداةُ نِداءٍ للمُتَوَسِّطِ بُعدُهُ، و “صاحبَيْ” مُنَادى مُضافٌ منصوبٌ، وعَلامةُ نَصْبِ الياءُ لأنَّهُ مثنَّى، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ، مَقولُ “قَالَ”، وهو مِنْ إِضافَةِ الوَصْفِ إِلَى الظَّرْفِ؛ أَيْ: يا صاحِبَيْنِ لِي في السِّجْنِ، أَوْ مِنْ بابِ الإضافَةِ إِلى الشَّبيهِ بالمَفعولِ، والمَعْنَى: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ.
قولُه: {أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ} و “أَأَرْبَابٌ” الهَمْزَةُ للاسْتِفْهامِ التَقْريريِّ. و “أرباب” مَرفوعٌ بالابْتِداءِ. و “مُتَفَرِّقُونَ” صِفَةٌ لَهُ مرفوعةٌ مثله، وعلامةُ الرفعِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عَنِ التَنْوينِ في الاسمِ المُفرَدِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ” عَلَى كَوْنِهَا جوابَ النِّداءِ. و “خَيْرٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ.
قوله:{أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} و “أَمِ” عاطفَةٌ مُتَّصِلَةٌ مُعَادِلةٌ لِهَمْزَةِ الاسْتِفْهامِ. و “اللهُ” معطوفٌ عَلَى المبتَدَأِ “أربابٌ” مرفوعٌ مثلَهُ. و “الْوَاحِدُ” صِفَةٌ أُولى للفظِ الجَلالَةِ مرفوعةٌ مِثْلَهُ. و “الْقَهَّارُ: صِفَتُهُ الثانية.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 38
 
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ (38)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ذَكَرَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، آبَاءَهُ تَعْلِيمًا بِفَضْلِهِمْ، وَإِظْهَارًا لِسَابِقِيَّةِ الصَّلَاحِ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِنْ آبَائِهِ، وَقَدْ عَقَلَهُ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ ثُمَّ تَأَيَّدَ بِمَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ الْعِظَامِيُّ وَالشَّرَفُ الْعِصَامِيُّ. ولَعَلَّ مُرَادَهُ من اتِّباعِهِ مِلَّةَ آبائهِ، أنَّهُ إنَّما اتَّبعهم بالتَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ. ولَعَلَّهُ كَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ أَبيهِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فإنَّهُ لَمَّا ادَّعَى يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، النُّبُوَّةَ وَتَحَدَّى بِالْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ، قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَجَدَّ أَبِيهِ كَانُوا ـ عليهِ السلامُ، أَنْبِيَاءَ اللهِ وَرُسُلَهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى ادَّعَى حِرْفَةَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنْهُ. وَأَرَادَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ آبَائِهِ اتِّبَاعَهَا فِي أُصُولِهَا قَبْلَ أَن يعْطَى النُبُوَّةَ إِذَا كَانَ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى آبَائِهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَالِاقْتِصَادِ أَوْ أَنَّ نُبُوءَتَهُ كَانَتْ بِوَحْيٍ مِثْلَ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى آبَائِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 13، مِنْ سُورَةِ الشُّورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} إِلَى قَوْلِهِ: {أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وَذِكْرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْحَقِّ يَزِيدُ دَلِيلَ الْحَقِّ تَمَكُّنًا، وَذِكْرُ ضِدِّهِمْ فِي الْبَاطِلِ لِقَصْدِ عَدَمِ الْحُجَّةِ بِهِمْ بِمُجَرَّدِهِمْ. كَمَا فِي قَوْلِهِ الْآتِي: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ} الآية: 40، مِنْ هَذِهِ السُورَةِ المُبَارَكَةِ. وَأَيْضًا فَكَمَا أَنَّ دَرَجَةَ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ وَلَدُهُمْ عَظَّمُوهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فكانَ انْقيادُهم لَهُ أَتَمَّ، وَتَأَثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلَامِهِ أَكْمَلَ. أخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تَفْسيرِهِ: (7/2145)، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّه سَمِعَ أَبَا الأَحْوَصِ، يَقُولُ: فَاخَرَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ الْفَزَارِيُّ رَجُلًا فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الأَشْيَاخِ الْكِرَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ).
قولُهُ: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ} هذِهِ الجُمْلَةُ فِي قُوَّةِ الْبَيَانِ لِمَا اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ “وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي” مِنْ كَوْنِ التَّوْحِيدِ سَجِيَّةً لهم فعُرِفَ بهِ أَسْلافُهُ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَقد عَرَّفَهُمْ بِهَا هُنَا لِنَفْسِهِ. وَلَا يَخْفَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْجُحُودِ مِنْ مُبَالَغَةِ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ} الآية: 79، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ المائدَةِ: {قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} الآية: 116. و “مِنْ” في قولِهِ: “مِنْ شَيْءٍ” مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وَقد أُدْخِلَتْ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالنَّفْيِ. وقَالَ “مِنْ شَيْءٍ” لأَنَّ أَصْنَافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ النَّارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ وَالطَّبِيعَةَ، ومنهم مَنْ يُشْرِكَ مَعَ اللهِ غيرَهُ في العبادةِ.
قولُهُ: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} ذلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِشْرَاكِ، وَحُصُولَ الْإِيمَانِ مِنَ اللهِ تعالى. وقد أُتيَ بهذه الجملةِ زِيَادَةً فِي الِاسْتِئْنَافِ وَالْبَيَانِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِ دِينِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُ فَضْلٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَفِي حَقِّ النَّاسِ، فَقَوْلُهُ: “وَعَلَى النَّاسِ” أَيِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالْجُمْلَةِ.
وأخرج ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تفسيره: (7/2145) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قَوْلُ يُوسُفُ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا” يَقُولُ: أَنْ بَعَثَنَا أَنْبِيَاءَ. وقَوْلُهُ: “وَعَلَى النَّاسِ” أَنْ بَعَثَنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أبي حاتمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ. عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، قَوْلَهُ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ” قالَ: وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى خَلْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ، أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي، وَ يَا رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} بَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ. وأتى بالاستدراك هنا لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ حَالَ الْمُخَاطَبِينَ فِي إِشْرَاكِهِمْ حَالُ مَنْ يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللهِ، لِأَنَّ إِرْسَالَ الْهُدَاةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ النَّاسُ فِيهَا فَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ خَيْرٌ وَإِنْقَاذٌ لَهُمْ مِنَ الِانْحِطَاطِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ الْعقلِ وَالنَّظَرِ. ولَوْ فَطِنَ النّاسُ لَشَكَرُوا الأَنْبِياءَ والرُّسُلَ عَلَى المِنْهَجِ الذي بَلَّغُوهُ عَنِ اللهِ؛ لأَنَّهُ يَهْديهمْ إلى حُسْنِ إِدارَةِ الدُّنْيا، وفوقَ ذَلِكَ يَهْديهم إلى الجَنَّةِ.
قولُهُ تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} الواوُ للعطف، و “اتَّبَعْتُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ. و “مِلَّةَ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ مضافٌ، و “آبَائِي” مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرورٌ، ومُضَافٌ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجملة الفعليَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عطفًا عَلى جُمْلَةِ {تركتُ} مِنَ الآيةِ التي قبلها عَلى كونِها خَبَرًا لِـ “إنَّ”. و “إِبْرَاهِيمَ” بَدَلٌ مِنْ “آبَائِي” بَدَلَ تَفْصيلٍ مِنْ مُجْمَلٍ، وعلامَةُ جَرِّهِ الفَتْحَةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ لأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ويَجُوزُ أَنْ يُعرَبَ عَطْفَ بَيَانٍ لِ “آبائي”، أَوْ مَنْصوبًا عَلَى المَدْحِ، أي: أَمْدَحُ “إِبراهيمَ” أَوْ أخُصُّ بالذِكْرِ “إبراهيم”. و “إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ” مَعْطُوفانِ عَلى “إِبْرَاهِيمَ” ـ عليهِمُ السلامُ.
قولُهُ: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ} مَا: نافيَةٌ. و “كَانَ” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ. و “لَنَا” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ “كانِ” المحذوفِ المُقَدَمِ عَلى اسْمِها و “نا” ضميرُ المُتَكَلِّمينَ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بهِ. و “أَنْ” حرفُ نَصْبٍ مصدريٌّ، و “نُشْرِكَ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ به، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُه “نحنُ” يَعُودُ عَلَى يُوسُفَ وآبائهِ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. و “بِاللهِ” حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِـ “نُشْرِكَ” ولفظُ الجلالةِ اسمٌ مجرورٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، منصوبٌ محلًا على أَنَّهُ مَفْعولٌ بهِ ل “نُشْرِكَ”، وجُمْلَةُ “نُشْرِكَ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلَى كونِهِ اسْمَ “كَانَ” والتقديرُ: ما كان إِشْراكُنَا باللهِ شَيْئًا كائنًا لَنَا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى كَوْنِها مَقولًا لِـ “قَالَ”.
قولُهُ: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} ذا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ، واللامُ للبُعدِ والكافُ للخطابِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرِ المُبْتَدَأِ، و “فَضْلِ” مجرورٌ به ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى كَوْنِها مقولًا لـِ “قَالَ” أيضًا. و “عَلَيْنَا} جارٌ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ “مِنْ فَضْلِ اللهِ” على أنَّهُ خبرُ المُبْتَدَأِ. و “عَلَى النَّاسِ” جارٌ ومجرورٌ معطوفٌ عَلَى “عَلَيْنَا”.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} وَلَكِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشبَّهٌ بالفِعلِ للاسْتِدْراكِ، و “أكثرَ” اسْمُهُ منصوبٌ بهِ. و “لا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يَشْكُرونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “يَشْكُرُونَ” في محلِّ رفعِ خَبَرِ “لكنَّ” وجملةُ “لكنَّ” من اسمِها وخَبَرِها، معطوفةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ” عَلَى كَوْنِها مَقُولًا لـِ “قَالَ”.
قرَأَ الجمهورُ: {آبائيَ} بفتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الكُوفِيُّونَ، ورُوِيَ تَسكينُها عَنْ أَبَي عَمْرٍو بْنِ العلاءِ أَيْضًا.


 
 
فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 37
 
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} مَحْمُولٌ عَلَى الْيَقَظَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمَا أَيُّ طَعَامٍ هُوَ، وَأَيُّ لَوْنٍ هُوَ، وَكَمْ هُوَ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَاقِبَتُهُ؟ أَيْ إِذَا أَكَلَهُ الْإِنْسَانُ فَهُوَ يُفِيدُ الصِّحَّةَ أَوِ السَّقَمَ، كقول نبيِّ اللهِ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ، وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} سورةُ آلِ عُمْرانَ: 49. وإنَّمَا قَدَّمَ هَذَا لَيَعْلَمَا ما خَصَّهُ الله تعالى مِنْ النُّبُوَّةِ وَلِيُقْبِلَا إلَى طَاعَةِ اللهِ. وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا بَيْنَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ زَمَانًا فَلَمْ يَحْكِ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ الدُّعَاءِ إلَى اللهِ وَكَانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ مِنْهُمْ فِي الِاسْتِمَاعِ وَالْقَبُولِ فَلَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ عَارِفِينَ بِإِحْسَانِهِ أَمَلَ مِنْهُمْ الْقَبُولَ وَالِاسْتِمَاعَ فَقَالَ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خيرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارِ} الْآيَةَ: 39، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى في الآية: 125، من سورةِ النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والموعظة الحسنة}. وَتَرَقَّبْ وَقْتَ الِاسْتِمَاعِ وَالْقَبُولِ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى سَبِيلِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَإِنَّمَا حَكَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا لِنَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ.
قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، المُرادُ: لا يَأْتيكُما طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في اليَقَظَةِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبَلَ أَنْ يَصِلَكُما، لأنه كان يخبر بما غاب مثل عيسى ـ عليهِ السَّلامُ. وقالَ السُّدِّيُّ ـ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ، المَعْنَى: لا يَأْتِيكُمُا طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في النَّومِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما في اليَقَظَةِ. وقال ابْنُ جُرَيْجٍ فيما أخرج أَبُو عبيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَنه: كانَ مِنْ عادةِ المَلِكِ إذا أَرادَ قَتْلَ إِنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْروفًا وأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَكَرِهَ يُوسُفُ تَعْبيرَ رُؤْيا السُّوْءِ قَبْلَ الإياسِ مِنْ صاحِبِها لِئَلَّا يُخَوَّفَهُ بِهَا فَوَعَدَهُ بِتَأْويلِها عِنْدَ وُصُولِ الطَّعامِ إِلَيْهِ، فلمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ عَبَّرَها. ولذلك رَوَى ابْنُ سِيرينَ عَنْ أَبي هُريرَةَ ـ رضي اللهُ عنهما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ رَأَى رُؤْيا فَلا يَقُصَّها إِلَّا عَلَى حَبيبٍ أَوْ لَبيبٍ)) أخرجه الإمامُ الطحاوي في (مُشْكِلِ الآثارِ): (2/181، بترقيم الشاملة آليا) عن أَبي رزين العَقيلي ـ رَضيَ اللهُ عنه. فلَعَلَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا فِيهِ وَقَبِلَا قَوْلَهُ: فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِمُهِمَّاتِ الدُّنْيَا، أَوْ لَعَلَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ فِي أَنْ يُدْخِلَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا يَسْتَوْجِبَ العقابَ الشَّديدَ. وقد أَرَادَ بِهَذَا الْجَواب مُلَازِمَةَ الْحَدِيثِ مَعَهُ، ليَدْعوَهمَا إِلَى الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، مَعَ الْوَعْدِ بِأَنَّهُ يَعْبُرُ لَهُمَا رُؤْيَاهُمَا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَجَعَلَ لِذَلِكَ وَقْتًا مَعْلُومًا لَهُمْ، وَهُوَ وَقْتُ إِحْضَارِ الطَعَامِ للْمَسَاجِينِ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ فِي السِّجْنِ ما يُوَقِّتُونَ بِهِ، بِسَبَبِ انْطِبَاقِ الْأَبْوَابِ وَإِحَاطَةِ الْجُدْرَانِ وحيلولَةِ ذلك بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ. وَيَظْهِرُ أَنَّ مَوْعِدَ الإِتْيَانِ بالطَّعَامِ كان قريبًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما مِنْ تَعْجِيلِهِ لَهُمَا تَأْوِيلَ رُؤْيَاهُمَا وَأَنَّهُ لَا يَتَرَيَّثُ فِي ذَلِكَ.
قولُهُ: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ، لِأَنَّ وَعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السَّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وَعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا هَذَا الْعِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ تَخَلُّصًا إِلَى دَعْوَتِهِمَا لِلْإِيمَانِ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ الْقِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ.
وَقَوْلُهُ: “مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي” إِيذَانٌ بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ عُلُومًا أُخْرَى، وَهِيَ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالْأَمَانَةِ كَمَا قَالَ بعدَ ذلك في الآية: 55، من هذه السورة المباركة: {اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.
قولُهُ: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} زيادَةٌ فِي الِاسْتِئنَافِ الْبَيَانِيِّ أو تعليلٌ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللهَ عَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ وَعُلُومًا أُخْرَى مِمَّا يُثِيرُ السُّؤَالَ عَنْ سبَبِ وهبِهِ هذا العلمَ ووَسِيلَةِ ذلكَ، فَأَخْبَرَ بِأَنَّ سَبَبَ عِنَايَةِ اللهِ بِهِ أَنَّهُ انْفَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تعالى وَتَرَكِ مِلَّةَ أَهْلِ مِصْرَ، فَاخْتارَهُ اللهُ. وَالْمِلَّةُ: الدِّينُ، وَأَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ مَا يَشْمَلُ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ وَالْقِبْطَ الَّذِينَ شَبَّ بَيْنَهُمْ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بعد ذلك في الآية: 39، من هذه السُورَةِ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها}، أَوْ أَرَادَ الْكَنْعَانِيِّينَ خَاصَّةً، وَهُمُ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ تَعْرِيضًا بِالْقِبْطِ الَّذِينَ مَاثَلُوهُمْ فِي الْإِشْرَاكِ. وَأَرَادَ بِهَذَا أَنْ لَا يُوَاجِهَهُمْ بِالتَّشْنِيعِ اسْتِنْزَالًا لِطَائِرِ نُفُورِهِمْ مِنْ مَوْعِظَتِهِ. وَالتَّرْكُ: عَدَمُ الْأَخْذِ لِلشَّيْءِ مَعَ إِمْكَانِهِ. وَذَكَرَ آبَاءَهُ تَنويهًا بِفَضْلِهِمْ، وَإِظْهَارًا لِسَابِقِيَّةِ الصَّلَاحِ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِنْ آبَائِهِ، وَقَدْ عَقَلَهُ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ ثُمَّ تَأَيَّدَ بِمَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ الْعِظَامِيُّ وَالشَّرَفُ الْعِصَامِيُّ. وَلذَلِك قَالَ ـ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَّلامُ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْرَمِ النَّاسِ: قال: ((يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيم نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ)). إرشاد الساري لِشَرْحِ صَحيحِ البُخاري للقَسْطَلانيِّ: (5/372). عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِثْلَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ فِي النُّبُوَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ غَيْرَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنُّبُوَّةِ أَكْمَلَهَا وَهُوَ الرِّسَالَةُ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهر، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجملة مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّلها مِنَ الإعراب. و “لا” نافيَةٌ ل عملَ لها. و “يَأْتِيكُمَا” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ وعلامةُ رفعِهِ الضمَةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ للثقلِ، ووالكافُ للخطاب، والميمُ للمذكَّرِ وألفُ التثنيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ به، و “طَعَامٌ” فاعلُهُ مرفوعٌ به، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قَالَ”. و “تُرْزَقَانِهِ” فِعْلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ، وألِفُ الإثنينِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ نائبُ فاعلٍ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ بهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةٌ لـِ “طَعَامٌ”.
قولُهُ: {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} إلَّا: أداة استثناء مفرغٍ، مِنْ أَعَمِّ الأَحْوالِ، أَوْ أَداةُ حَصْرٍ. و “نَبَّأْتُكُمَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والكافُ للخطابِ والميمُ للمذكَّرِ وأَلِفُ التثنيةِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ بهِ. و “بِتَأْوِيلِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ “نبّأَ”، و “تأويلِ” مجرورٌ بهِ مضافٌ، والهاءُ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافَةِ المُسْتَثْنَى المحذوفِ، والتَّقديرُ: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في حالٍ مِنَ الأَحْوالِ إِلَّا في حالِ إنْبائي إيّاكما بِتَأْويلِهِ. أَوْ أَنَّها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، وساغَ ذَلِكَ مِنَ النَّكِرَةِ لِتَخَصُّصِهَا بالوَصْف. أو تَكونَ في محلِّ رَفْعٍ نَعْتًا ثانيًا ل “طعامٌ”، والتقدير: لا يأتيكما طعامٌ مرزوقٌ إلَّا حالَ كَوْنِهِ مُنَبِّئًا بِتَأْويلِهِ أَوْ مُنَبَّأً بِتَأْويلِهِ. و “قَبْلَ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِ “نَبَّأْتُكُمَا”، ويَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ “تَأْويلِهِ”، أَيْ: نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ الواقِعِ قَبْلَ إِتْيانِهِ. و “أَنْ” حرفٌ ناصِبٌ، و “يَأْتِيَكُمَا” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ ب “أنْ” والكافُ للخطابِ، والميمُ للمُذَكَّرِ، وأَلِفُ التَثْنِيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جَوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى الطَّعامِ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بإضافَةِ الظَّرْفِ إِلَيْهِ، تَقْديرُهُ: قَبْلَ إِتْيانِهِ إِيَّاكُمَا، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ “نَبَّأْتُكُمَا”.
قولُه: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} ذَا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ، مضافٌ، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ للخطابِ والميمُ للمُذكَّرِ، وألِفُ التَثْنِيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “مِمَّا” مِنْ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ للمُبْتَدَأِ، و “ما” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ أوْ هِيَ نَكِرةٌ موصوفةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “عَلَّمَنِي” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ الأَوَّلِ والمفعول الثاني محذوف تقديره: مِمّا علَّمنِيهُ رَبِّي، والنونُ للوقايةِ، و “رَبِّي” فاعِلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ مقدَّرةٌ على آخرهِ لانْشِغالِ المحلِّ بما يُنَاسِبُ حَرَكَةَ الياءِ، وهو مضافٌ وياءُ المُتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” الموصولةِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا إنْ أُعربتْ نَكِرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرَّابِطُ الضَّمِيرُ المَحْذوفُ.
قولُهُ: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إِنِّي: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعل للتأكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسمِ “إنَّ”. و “تَرَكْتُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ. و “مِلَّةَ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، وهو مضافٌ، و “قَوْمٍ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ، وجملةُ “تَرَكْتُ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى كَوْنِها مَقُولَ “قَالَ” فلا محلَّ لها من الإعراب أخبر بذلك عن نفسه. ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ تَعليلًا لِقَوْلِهِ: “ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي”، أَيْ: تَرْكي عبادةَ غَيْرِ اللهِ سَبَبٌ لِتَعْلِيمِهِ إِيَّايَ ذَلِكَ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا مَحلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و “لَا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يُؤْمِنُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ. و “بِاللهِ” الباءُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ ولفظُ الجلالةِ، “اللهِ” اسمٌ مجرورٌ بهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ صَفَةً لـِ “قَوْمٍ”.
قولُهُ: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} الوَاوُ: للعطفِ، و “هُمْ” ضميرُ الغائبينَ مُبْتَدَأٌ في محلِّ الرفعِ. و “بِالْآخِرَةِ” جارٌّ متعلِّقٌ بِـ “كَافِرُونَ” ومجرورٌ بِهِ. و “هُمْ” الثاني تَأْكيدٌ للأَوَّلِ. و “كَافِرُونَ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عطوفًا عَلى جُمْلَةِ “لَا يُؤْمِنُونَ” عَلَى كونِها صَفَةً لـِ “قَوْمٍ”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 36
 
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
 
قولُهُ ـ تَبَارَكَتْ أَسْماؤُهُ: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} ثمَّةَ محذوفٌ هَهُنَا، تَقْدِيرُهُ: (فلَمَّا حَبَسُوهُ) فاخْتُصِرَ إيجازًا وهي بَلاغَةٌ قُرآنِيَّةٌ نَوَّهْنَا بها غَيْرَ مرَّةٍ. وَقد حُذِفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ” عَلَيْهِ. وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ بِهِ. والفَتَيان، قِيلَ: هُمَا غُلَامَانِ كَانَا لِلْمَلِكِ الْأَكْبَرِ الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ شروان العَمْلِيقيِّ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ، أَحَدُهُمَا خَبَّازُهُ وَصَاحِبُ طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقِيهِ وَصَاحِبُ شَرَابِهِ، غَضِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمَا فَحَبَسَهُمَا. وَالسَّبَبُ فِي ذلكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَرَادُوا الْمَكْرَ بِالْمَلِكِ وَاغْتِيَالَهُ فَضَمَّنُوا لِهَذَيْنَ مَالًا لِيَسُمَّا الْمَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَأَجَابَاهُمْ ثُمَّ إِنَّ السَّاقِيَ نَكَلَ عَنْهُ، وَقَبِلَ الْخَبَّازُ الرِّشْوَةَ فَسَمَّ الطعامَ، فلَمَّا أَحْضَرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ السَّاقِي: لَا تَأْكُلْ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ، وَقَالَ الْخَبَّازُ: لَا تَشْرَبْ فَإِنَّ الشَّرَابَ مَسْمُومٌ، فَقَالَ الْمَلِكُ للسَّاقي: اشْرَبْ منه فشَرِبَ فلمْ يَضُرَّهُ، وقالَ للخَبَّازِ: كُلْ مِنَ الطَعَامِ، فَأَبَى، فَجَرَّبَ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى دَابَّةٍ فَأَكَلَتْهُ فَهَلَكَتْ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِهِمَا. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ” قَالَ: أَحدُهُمَا خَازِنُ الْمَلِكِ عَلى طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقيهِ عَلى شَرَابِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ مثلَهُ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّه قَالَ فِي قَوْلِهِ ـ تباركَ وتعال: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ” قَالَ: غُلامانِ كَانَا للْمَلِكِ الْأَكْبَرِ: (الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ) كَانَ أَحدُهُمَا عَلَى شَرَابِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى بَعْضِ أَمِرِهِ، فِي سَخْطَةٍ سَخِطَها عَلَيْهِمَا، اسْمُ أَحَدِهِمَا (مُجْلِبٌ) وَالْآخَرِ (نَبْوا) الَّذِي كَانَ عَلى الشَّرَاب، فَلَمَّا رأَيَاهُ قَالَا: يَا فَتى وَاللهِ لَقَدْ أَحْبَبْنَاك حِينَ رَأَيْنَاكَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَقَ: فَحَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ لَهُمَا حِينَ قَالَا لَهُ ذَلِك: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ أَنْ لَا تُحِبَّانِي، فوَ اللهِ مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا دَخَلَ عَليَّ مِنْ حُبِّهِ بَلَاءٌ، قدْ أَحَبَّتْني عَمَّتي فَدَخَلَ عَليَّ مِنْ حُبِّها بَلَاءٌ، ثمَّ أَحَبَّنِي أَبي فَدَخَلَ عَليَّ بِحُبِّهِ بَلَاءٌ، ثمَّ أَحَبَّتْني زَوْجَةُ صَاحِبي فَدَخَلَ عَليَّ بِمَحَبَّتِها إيَّايَ بلَاءٌ، فَلَا تُحِبَّاني بَارَكَ اللهُ فِيكُما، فأَبَيَا إِلَّا حُبَّهُ وإلْفَهُ حَيْثُ كَانَ، وَجَعَلَ يُعْجِبُهُمَا مَا يَرَيانِ مِنْ فَهْمِهِ وعَقْلِهِ. وَقدْ كَانَا رَأَيَا حِينَ أُدْخِلَا السِّجْنَ رُؤْيا، رَأَى (مُجْلِب) أَنَّ فَوقَ رَأْسِهِ خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وَرَأَى (نَبْوا) أَنَّهُ يَعْصُرُ خَمْرًا، فاسْتَفْتَيَاهُ فِيهَا وَقَالا لَهُ “نَبِّئْنا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ” إِنْ فَعَلْتَ. فَقَالَ لَهُمُا: {لَا يَأْتيكُما طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ} يَقُولُ فِي نَوْمِكُمُا {إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْويلِهِ قبْلَ أَنْ يَأْتيكُما} ثمَّ دَعَاهُما إِلَى اللهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: {يَا صَاحِبي السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ} أَيْ: خَيْرٌ أَنْ تَعبُدوا إِلَهًا وَاحِدًا أَمْ آلِهَةً مُتَفَرِّقَةً لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا. ثمَّ قَالَ لِ “مُجْلِبٍ”: أَمَّا أَنْتَ فَتُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ. وَقَالَ لِ “نَبوا” أَمَّا أَنْتَ فَتُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ، ويَرْضَى عَنْك صَاحبُكَ {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}.
قولُهُ: {قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} لَعَلَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لاحَظَ عَلاماتِ الحُزْنِ عَلَى وَجْهَيْهِما، فسَأَلَهُمَا عَنْ حُزْنِهِمَا وَغَمِّهِمَا، فَقالا لَهُ: إِنَّا رَأَيْنَا فِي الْمَنَامِ هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَقَدْ أَظْهَرَ مَعْرِفَتَهُ بِأُمُورٍ مِنْهَا تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا فَعِنْدَ ذَلِكَ قَصَّ كلٌّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ رُؤياهُ. ويجوزُ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي أُعَبِّرُ الْأَحْلَامَ، وَكَانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مِنْ فُنُونِ عُلَمَائِهِمْ فَلِذَلِكَ أَيَّدَ اللهُ بِهِ نبيَّهُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَيْنَهُمْ. وفِي ذلك إِظْهَارٌ لمُعْجِزَةِ النُّبُوَّةِ، وَتَمْهِيدٌ لِدَعْوَةِ الرِّسَالَةِ. فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ للآخَرِ: هَلُمَّ فَلْنَخْتَبِرْ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ بِرُؤْيَا نَخْتَرِعُهَا لَهُ فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: ما كانَا رَأَيَا شَيْئًا وإنَّما أَرادا اخْتِبَارَ عِلْمِهِ. قالَ أَحَدُهُما، وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، أَيْ: عِنَبًا سَمَّى الْعِنَبَ خَمْرًا بِاسْمِ ما يؤولُ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْبُخُ الْآجُرَّ، أَيْ: يَطْبُخُ اللَّبِنَ لِلْآجُرِّ. وَقِيلَ: الْخَمْرُ الْعِنَبُ بِلُغَةِ عَمَّانَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أَعْصُرُ خَمْرًا” قَالَ: عِنَبًا. وَأخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِم عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا” يَقُولُ: أَعْصُرُ عِنَبًا وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ “عُمان” يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أَعْصُرُ خَمْرًا” قَالَ: عِنَبًا. وَأخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِم عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا” يَقُولُ: أَعْصُرُ عِنَبًا وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ “عُمان” يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ كأني في بُسْتَانٍ، فإذا أَنَا بِأَصْلٍ عَلَيها ثلاثَةُ عَنَاقِيدَ مِنْ عِنَبٍ فَجَنَيْتُهَا وَكَانَ كَأْسَ الْمَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُهَا فِيهِ وَسَقَيْتُ الْمَلِكَ فَشَرِبَهُ.
قولُهُ: {وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} أَيْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلَاثَ سِلالٍ فيها الخُبْزُ والأَلْوانُ مِنَ الأَطْعِمَةِ، وسِبَاعُ الطَّيْرِ يَنْهَشْنَ ويَنْهَبْنَ مِنْهُ.
قولُهُ: {نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ، أَخْبِرْنَا بِتَفْسِيرِهِ وتَعْبيرِهِ، وما يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا. وقد عَلَّلُوا سُؤَالَهُمْ عَنْ أَمْرٍ يَهُمُّهُمْ وَيَعْنِيهِمْ دُونَهُ، بِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ـ بِمُقْتَضَى غَرِيزَتِهِمْ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْخَيْرَ وَالنَّفْعَ لِلنَّاسِ، وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ خَاصَّةٌ وَلَا هَوًى، وَقِيلَ: “مِنَ الْمُحْسِنِينَ” لِتَأْوِيلِ الرُّؤَى، وَمَا قَالَا هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَيَا مِنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ مَعَ أَهْلِ السِّجْنِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِ وُجُوهَهُمَا، وَعَلَّقَ بِهِ أَمَلَهُمَا. وقيلَ “إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ” أَيِ: الْعَالِمِينِ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَالْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَرُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، مَا كَانَ إِحْسَانُهُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا مَرِضَ إِنْسَانٌ فِي السِّجْنِ عَادَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ بالتعَهُّدِ، وَإِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ وَسَّعَ لَهُ وإذا احْتَاجَ إلى شَيْءٍ جَمَعَ لَهُ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِلصَّلَاةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ وَجَدَ فِيهِ قوما قد اشْتَدَّ بَلَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَطَالَ حُزْنُهم، فَجَعَلَ يُسَلِّيهم وجَعَلَ يَقولُ: أَبْشِرُوا وَاصْبِرُوا تُؤْجَرُوا، فَيَقُولُونَ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ يَا فَتَى مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَخُلُقَكَ وَحَدِيثَكَ، لَقَدْ بُورِكَ لَنَا فِي جِوَارِكَ فَمَنْ أَنْتَ يَا فَتَى؟ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَن مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “نَبِّئْنا بِتَأْويلِهِ” قَالَ: عِبَارَتِهِ.
قولُهُ تَعَالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} الواوُ: عاطفةٌ. و “دَخَلَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ. و “مَعَهُ” مَنْصوبٌ عَلى الظَّرْفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُضافٌ، والهاءُ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ مضافٌ إِلَيْهِ. و “السِّجْنَ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ. و “فَتَيَانِ” فاعِلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الأَلِفُ لأنَّهُ مثنّى والنونُ عوضٌ عن التنوين في الاسمِ المُفْرَدِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ، والتقديرُ: فَسَجَنُوهُ، ودَخَل مَعَهُ السِّجْنَ.
قولُهُ: {قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِر، و “أَحَدُهُمَا” فاعِلٌ مرفوعٌ مضافٌ و “هما” ضميرُ المُثنّى الغائبِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، ولا يَجوزُ أَنْ يَكونَ حَالًا؛ لأنَّهُما لَمْ يَقولا ذَلِكَ حالَ الدُخُولِ. وليس جائزًا أَنْ تَكونَ مُقَدَّرَةً؛ لأَنَّ الدُخولَ لا يَؤُولُ إلى الرُؤْيا. و “إِنِّي” حرفُ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “أَرَانِي” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لِتَعَذُّرِ ظهورِها عَلَى الأَلِفِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ الأَوَّلِ، والنوُنُ للوِقايَةِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ، “أنا” يَعودُ عَلَى “أَحَدُهُمَا”. و “أَعْصِرُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعله ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى “أَحَدُهُمَا”، و “خَمْرًا” مفعولٌ بهِ منصوبٌ، وجُمْلَةُ “أَعْصِرُ” الفعليَّةُ هذه في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ ثانٍ لِـ “أَرَى” الحُلْمِيَّةِ، و “أراني” هُنَا مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعولَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهم إِجْراءً للحُلُميَّة مَجْرَى العِلْمِيَّة، أوْ في محلِّ النصبِ على الحالِ عند مَنْ مَنَعَ. وقد جَرَتْ “أرى” الحُلُمية مَجْرى العِلْميَّةِ أَيْضًا في اتِّحادِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَميريْنِ مُتَّصِلَيْنِ، ومِنْهُ الآيةُ الكريمَةُ هذه؛ فإنَّ الفاعلَ والمفعولَ مُتَّحِدان في المعنى؛ إذْ هُمَا للمُتَكَلِّمِ، وهُمَا ضَميرانِ مُتَّصِلانِ. ومِثْلُهُ قولُكَ: (رَأَيْتُكَ في المَنَامِ قائِمًا) و (زيدٌ رآهُ قائمًا)، ولا يَجُوزُ ذَلك في غَيْرِ مَا تقدَّمَ ذِكْرُهُ. وإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ عَلى هذِهِ الرؤيةِ الحُلُمِيَّة تعدَّتْ لِثالثٍ، وقدْ تَقَدَّم هذا في الآية: 43 من سورةِ الأنفال عِنْدَ قولِهِ تَعَالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} و {ولَوْ أَراكَهُمُ كَثْيرًا}. وجُمْلَةُ “أَرَانِي” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} الواو: للعطفِ، وَ “قَالَ” تقدم إعرابُهُ. و “الْآخَرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ به. و “إِنِّي أَرَانِي” تقدَّمَ إعرابُهما أيضًا. و “أَحْمِلُ” فعلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى “الآخر”. و “فَوْقَ” منصوبٌ على الظرفيَّةِ متعلِّقٌ ب “أحملُ” وهو مُضافٌ، ويَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ “خُبْزًا” لأَنَّه في الأَصْلِ صَفَةٌ لَهُ. و “رأسي” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ مُضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “خُبْزًا” مَفعُولٌ بِهِ لِـ “أَحْمِلُ” منصوبٌ. و “تَأْكُلُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، و “الطيرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ. و “مِنْهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُمْلَةُ “تَأْكُلُ” صِفَةٌ لِـ “خُبْزًا” في محلِّ النَّصبِ، ولكنَّها صِفَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وجُمْلَةُ “أَحْمِلُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ ثانٍ لـِ “أَرَانِي”، وجُمْلَةُ “أَرَانِي” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنِّي”، وجُملةُ “إِنِّي” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} نَبِّئْنَا” فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وضميرُ المُتكلِّمين “نا” متصِلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ عَلى يُوسُفَ عليه السلامُ. و “بِتَأْوِيلِهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “نبِّئْ”، ومجرورٌ بجرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه، والجُمْلةُ مُستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “إِنَّا” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفِعلِ، للتوكيد، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصِلٌ به في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “نَرَاكَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الألِفِ، والكافُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ به، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى الفَتَيَيِنِ. و “مِنَ الْمُحْسِنِينَ” جارٌّ متعلقٌ ب “نرى” ومَجرورٌ به وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالمُ والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المُفْرَدِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ به ثانٍ ل “نرى”، أَوْ حالٌ مِنَ الكافِ، في محلِّ النَّصبِ أيضًا، وجُمْلَةُ “نَرَاكَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَها.
وقَرَاءةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنهما، “أَعْصِر عِنَبًا” لا تَدُلُّ على التَرادُفِ لإِرادَتِها التَفْسيرَ لا التِلاوَةَ، وهذا كَمَا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ “فوقَ رَأْسِي ثَريدًا” فإنَّهُ أَراد التَفْسيرَ فَقَطْ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com