الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 78


وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ” قَالَ: مِنَ الرَّحِمِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والضِيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ، عَنْ حَبَّةَ وَسَوَاءَ ابْنَيْ خَالِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ يُعَالِجُ بِنَاءً، فَقَالَ لَهُمَا: ((هَلُمَّ)). فَعَالَجَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَقَالَ لَهُمَا: ((لَا تَيْأسَا مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزْهَزَتْ رُؤوسُكُمَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَلِدُهُ أُمُّهُ أَحْمَرَ لَا قِشْرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ)). قالَ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ في الأَمالي المُطْلَقَةِ: (ص: 26) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَوَافَقْنَاهُ بِعُلُوِّ دَرَجَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. والْإِخْرَاجُ: هُوَ الْإِبْرَازُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ. والبُطُونُ: جَمْعُ بَطْنٍ، والبَطْنُ مَا بَيْنَ ضُلُوعِ الصَّدْرِ إِلَى الْعَانَةِ، وَفِيهِ الْمَعِدَةُ الْأَمْعَاءُ وَالْكَبِدُ والصَّفْراءُ والكِلا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفيه أَيضًا الرَّحِمُ في الإِنَاثِ. وَالْأُمَّهَاتُ: جَمْعُ أُمٍّ. وَفي الآيَةُ مُتَابَعَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ في الآياتِ السَّابِقَةِ مِنْ ذِكْرِ الدَّلَائِلِ عَلَى انْفِرَادِ اللهِ ـ تَعَالَى، بِإِيجادِ الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ فِيهِمْ كَمَا يَشَاءُ تَعاَلى، كما فيها تَعْدَادٌ لنِعَمِهِ العَظِيمَةِ عَلَى الْبَشَرِ، وهي عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قولِهِ مِنَ الآيَةَ: 72، السابقةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزواجًا}. بَعْدَ مَا فَصَلَ بَيْنَ تَعْدَادِ النِّعَمِ بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ مِنَ التَّذْكِيرِ وَالْإِنْذَارِ.

قولُهُ: {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} نَفَى اللهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، العِلْمَ عَنْ هَذَا المَخْلوقِ (الإنْسان)، لأَنَّ حَواسَّهُ الَّتي هِيَ مَصْدَرُ مَعْلوماتِهِ كُلِّهَا، وبِوِسَاطَتِها يَتَعَرَّفُ الإنْسَانُ عَلَى مُحِيطِهِ، وَمَا فِيهِ مِنْ أَشْياءَ، وَيُدْرِكُ مَا حَوْلَهُ مِنْ مَخْلوقاتِ، لا تَكونُ قَدِ اكْتَمَلتْ بَعْدُ، وإنَّما تَنْمٌو شيئًا فشيئًا بِنُمُوِّ جِسْمِهِ، وتَكْتَمِلُ باكْتِمالِهِ، لتقومَ بعملِها على أَكملِ وجهٍ وتُرسِلَ كُلَّ ما تَحْصَلُ عَلَيْهِ مِنْ معلوماتٍ إِلَى الفُؤَادِ لِيُحَلِّلَها وَيُدْرِكَها، وَتَتَجَمَّعُ المَعْلوماتٌ التي تَحْصَلُ عَلَيْها، وتَتَرَاكمُ فِي مركزِ الذَّاكِرَةِ مِنَ الدِماغِ لِيَقومَ بِتَخْزينِها ولِتُشَكِّلَ عِلْمًا.

قوْلُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} أَيْ: أَوْجَدَ فِيكُمْ إِدْرَاكَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالأَفْئِدَةِ. وَالْأَفْئِدَةُ: جَمَعٌ مفرَدُهُ الْفُؤَادِ، وَأَصْلُهُ الْقَلْبُ. وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْعَقْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. أَيْ كَوْنُهَا فِي النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمَالِهَا الَّذِي يَنْتَهِي بِهَا إِلَى عِلْمِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: “لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا”، أَيْ: فَعَلِمْتُمْ أَشْيَاءَ. وَوَجْهُ إِفْرَادِ السَّمْعِ وَجَمْعِ الْأَبْصَارِ، أَفْرَدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِ الْمَوْجُودِ فِي جَمِيعِ حَوَاسِّ النَّاسِ. وَأَمَّا الْأَبْصَارَ فَجِيءَ بِهِ جَمْعًا لِأَنَّهُ اسْمٌ، فَهُوَ لَيْسَ نَصًّا فِي إِفَادَةِ الْعُمُومِ، لِاحْتِمَالِ تَوَهُّمِ بَصَرٍ مَخْصُوصٍ، فَكَانَ الْجَمْعُ أَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الْعُمُومِ، وَأَنْفَى لِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ وَنَحْوِهِ، وهذا بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الْإِسْرَاء: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} الآيَةَ: 36، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيةِ: 46، مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ}. فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ أَعْظَمُ آلَاتِ الْإِدْرَاكِ إِذْ بِهِمَا إِدْرَاكُ أَهَمِّ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُمَا أَقْوَى الْوَسَائِلِ لِإِدْرَاكِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. فَالْمُرَادُ بِالسَّمْعِ: الْإِحْسَاسُ الَّذِي بِهِ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّمَاخُ، وَبِالْإِبْصَارِ الْإِحْسَاسُ الْمُدْرِكُ لِلذَّوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الْحَدَقَةُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّهُمَا الأَهَمُّ، وَلِأَنَّ بِهِمَا إِدْرَاكَ دَلَائِلِ الِاعْتِقَادِ الْحَقِّ. أَيْ كَمَا أَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ عَدَمٍ، وَجَعَلَ فِيكُمُ الْإِدْرَاكَ، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِدْرَاكُ مِنَ الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ يَوْمَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْعَدَمِ.

قولهُ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وَإِذْ كَانَ هَذَا الصُّنْعُ دَلِيلًا عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ فَهُوَ أَيْضًا بَاعِثٌ عَلَى شُكْرِ اللهِ بِتَوْحِيدِهِ وَنَبْذِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّ الْإِنْعَامَ يَبْعَثُ الْعَاقِلَ عَلَى الشُّكْرِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” قَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِهَا فَاشْكُرُوا نِعَمَهُ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} الواوُ: للاسْتِئْنافِ، ولَفْظُ الجَلالةِ “اللهُ” مَرفوعٌ بالابْتِداءِ. و “أَخْرَجَكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هوَ” يَعُودُ عَلَى “اللهُ” تعالى، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بِهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “مِنْ” حرفٌ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَخْرَجَ”، و “بُطُونِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ. و “أُمَّهَاتِكُمْ” مجرورٌ بالإضافةِ وهوَ مُضافٌ أيضًا، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ لتذكيرِ الجمعِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبرًا للمُبْتَدَأِ، والجملةُ الإسميَّةُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} لَا: نافيَةٌ لا عمَلَ لها. وَ “تَعْلَمُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. وَ “شَيْئًا” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، ويَجُوزُ أَنْ يكونَ مَصْدَرًا، أَيْ: شَيْئًا مِنَ العِلْمِ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ في “أَخَرَجَكُمْ”، والتَقْديرُ: واللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بطونِ أمَّهاتِكمْ حالَ كونِكمْ غَيْرَ عَالِمينَ شَيْئًا.

قولهُ: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} الواوُ: للعطْفِ، و “جَعَلَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ وفاعِلُهُ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يعودُ على “اللهُ” تعالى. و “لَكُمُ” اللامُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “جَعَلَ”، وهُوَ فِي مَحَلِّ المَفْعُولِ الثاني لَهُ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّر. و “السَّمْعَ” مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِـ “جَعَلَ” لأنَّهُ يَتَعَدّى لمفعولينِ اثْنَيْنِ. و “الْأَبْصَارَ” وَ “الْأَفْئِدَةَ” مَعْطوفانِ عَلَيْهِ، والجملةُ معطوفةٌ على جملةِ “أَخْرَجَكُمْ” على كونِها خبَرَ المُبتَدَأِ في مَحَلِّ الرَّفعِ. ويَجُوزُ أَنْ تكونَ مُسْتَأْنفةً لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولهُ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لَعَلَّكُمْ: ناصِبٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُ “لَعَلَّ”، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. وَ “تَشْكُرُونَ” مِثْلُ “تَعْلَمُونَ”، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “لَعَلَّ”، وجُمْلَةُ “لَعَلَّ” معَ اسْمِها وخبرِها جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

 

Advertisements

الموسوعة القرآنية فيض العليم ، سورة النحل، الآية: 77


وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)

قولُهُ ـ تَعَالَى جَدُّهُ: {وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَللهِ تَعَالى خاصَّةً لا لأَحَدٍ غَيْرِهِ أَبَدًا ـ لا اسْتِقْلالًا وَلا اشْتِراكًا، “غَيْبُ السَماواتِ والأَرْضِ” أَيْ الأُمورُ الغائبةُ عَنْ عُلومِ المَخْلوقينَ. أَيْ: وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، مِمَّا لاَ سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهِ حِسًّا، وَلاَ فَهْمِهِ عَقْلًا. وقالَ العلَّامَةُ الماوَرْدِيُّ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبيبٍ البَصْرِيُ البَغْدادِيُّ، الشَهيرُ بـ (الماوَرْدِيّ) (المتوفى: 450 هـ) في تَفْسيرِهِ المُسمَّى: (النُّكتُ والعُيونُ): (3/205): “غَيْبُ السَماواتِ والأَرْضِ” يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ لكنّهُ عدَّ أربعةً فقالَ: أَحَدُها: وَللهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، لأَنَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ. الثاني: أَنَّ المُرادَ بالغَيْبِ إِيجادُ المَعْدوماتِ وإِعْدامُ المَوْجوداتِ. الثالثُ: يَعْنِي فِعْلَ مَا كانَ وَمَا يَكونُ، وأَمَّا الكائنُ في الحالِ فَمَعْلومٌ. الرَّابِعُ: أَنَّ غَيْبَ السَّماءِ الجَزَاءُ بالثَوابِ العِقابِ. وغَيْبَ الأَرْضِ القَضاءُ بالأَرْزاقِ والآجالِ. و “وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ” لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: {كُنْ فَيَكونُ} وإِنَّمَا سَمَاهَا سَاعَةً لأَنَّها جِزْءٌ مِنْ يَوْمِ القِيامَةِ، وَأَجْزَاءُ اليَوْمِ سَاعَاتُهُ. وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِل: أَنَّ غَيْبَ السَمَواتِ هُوَ قِيامُ الساعَةِ. قالَ مُقاتِل: وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ قِيَامِ الساعَةِ اسْتِهْزاءً بِهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أَبُو إِسْحَاقٍ الزجَّاجُ: مَعْنَاهُ: وَللهِ عِلْمُ غَيْبِ السَمَوَاتِ والأَرْضِ. مَعانِي القُرْآنِ وإِعْرابُهُ: (3/214). وهو إِبْطالٌ لِمَا تقدَّمَ مِنْ مَقَالَاتِ كُفْرِهِمْ حتَّى أَنَّهمْ أَقْسَمُوا بِاللهِ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّ إِفْنَاءَ هَذَا الْعَالَمِ الْعَظِيمِ وَإِحْيَاءَ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، فَبرهنَ اللهَ لهم أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ كُلِّ مَا يُرِيدُ.  

قولُه: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} ومِنْ ذَلِكَ “أَمْرُ السَّاعَةِ” وهو الوَقْتُ الذي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ساعَةً لأَنَّهَا تَفْجَأُ النَّاسَ فَيَمُوتُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ في سَاعَةٍ، بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ. واللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، تَقولُ: لَمَحَهُ بِبَصَرِهِ لَمْحًا وَلَمَحَانًا، وأَنْشَدَ الفَرَّاءُ عليْهِ البيتَ الآتي وهو مما لم يُعرفْ قائلُهُ:

لَمَحَانَ أَقْنَى فَوْقَ طَوْدٍ يَافِعٍ …………….. بَعْضَ العُدَاةِ دُجُنَّةٌ وَظِلالُ

وَهُوَ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِعِلْمِ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيَامِ القِيَامَةِ. وَحُدُوثِ السَّاعَةِ التِي يَقِفُ الخَلاَئِقُ فِيهَا بَيْنَ يَدَي اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لِلْحِسَابِ، كَرَجْعِ البَصَرِ، وَطَرْفَةِ العَيْنِ، فِي السُّرْعَةِ، كَلَمْحِ البَصَرِ ـ كَخَطْفَةِ البَصَرِ، أَوِ اخْتِلاَسِ النَّظَرِ. فَاللهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ، وقالَ في الآيَةِ: 50، مِنْ سُورَةِ: القَمَر: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبَصَرِ}. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ” هُوَ أَن يَقُولَ: (كُنْ)، أَوْ أَقرَبُ، فالسَّاعَةُ “كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ”. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “كَلَمْحِ الْبَصَرِ” يَقُولُ: كَلَمْحٍ بِبَصَرِ الْعَيْنِ مِنَ السُرْعَةِ، أَوْ “أَقْرَبُ” مِنْ ذَلِكَ، إِذا أَرَدْنَا.

قولُهُ: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أَيْ: أَوْ أَمْرٌ، فالضَّميرُ للأَمْرِ، والتقديرُ: أَوْ أَمْرُ السَّاعَةِ أَقْرَبُ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ” قَالَ: هُوَ أَقْرَبُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فَهُوَ هَكَذَا {مائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} وَاللهُ أَعْلَمُ.

قولُه: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فإِنَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، يُقَرِّرُ اللهُ العظيمُ لذاتِهِ العليَّةِ، أَنَّ لهُ القدرةُ المُطلقةُ على فِعْلِ كلِّ ما يُريدُ إيجادًا وإمدادًا وإعدامًا، قدرةً لا يُحيطُ بها شَيْءٌ، ولا يَرُدُّها شيءٌ، ولا يحدُّ منها شَيْءٌ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الوَاوُ: استئنافيَّةٌ، و للهِ: اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ. ولفظُ الجلالَةِ “اللهِ” مجرورٌ بحرْفِ الجرِّ. و “غَيْبُ” مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ، وهو مُضافٌ، و “السَّمَاوَاتِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. و “وَالْأَرْضِ” حرفُ عَطْفٍ ومعطوفٌ على “السماواتِ” مجرورٌ مثلهُ. والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعْرابِ.

قولُه: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} الواوُ: عَاطِفَةٌ، و “مَا” نافِيَةٌ مُهْمَلَةٌ لانْتِقَاضِ نَفْيِها بِـ “إِلَّا”. و “أَمْرُ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ، مُضافٌ، و “السَّاعَةِ” مَجْرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفَرَّغٍ (أَداة حَصْر)، و “كَلَمْحِ” الكافُ حرفُ جَرٍّ للتشبيهِ متعلِّقٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ. و “لَمْحِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، و “الْبَصَرِ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ التي قَبْلَهَا، عَلَى كَوْنِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعْرابِ.  

قولُه: {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أَوْ: حَرْفُ عَطْفٍ بِمَعْنَى “بَلْ” الإِضْرابِيَّةِ، و “هُوَ” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ على الفتْحِ في محلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و “أَقربُ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ. وَالجُمْلَةُ مَعْطْوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلَهَا على كونِها مُسْتأْنَفةً لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُه: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ لإفادةِ التوكيدِ. وَلفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدهُ. و “كُلِّ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ. و “شَيْءٍ” مَجْرورٌ بالإِضافةِ إِلَيْهِ. و “قَدِيرٌ” خَبَرُ “إِنَّ” مرفوعٌ بِهِ. وَجُمْلَةُ “إِنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ مَا قَبْلَها لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.


وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِكَمَالِهِ وَإِرْشَادِهِ النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ، وَلِلْأَصْنَامِ الْجَامِدَةَ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ. وَقَدْ قَرَنَ فِي التَّمْثِيلِ هُنَا حَالَ الرَّجُلَيْنِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ فَصَّلَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَعَ ذِكْرِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا بِأُسْلُوبٍ مِنْ نَظْمِ الْكَلَامِ بَدِيعِ الْإِيجَازِ، إِذْ حَذَفَ مَنْ صَدْرِ التَّمْثِيلِ ذِكْرَ الرَّجُلِ الثَّانِي لِلِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِهِ فِي اسْتِنْتَاجِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ تَفَنُّنًا فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذَا التَّمْثِيلِ وَأُسْلُوبِ سَابِقِهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنَ الآيَةِ: 75، قَبْلَها: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا}. وَمِثْلُ هَذَا التَّفَنُّنِ مِنْ مَقَاصِدِ الْبُلَغَاءِ كَرَاهِيَةً لِلتَّكْرِيرِ لِأَنَّ تَكْرِيرَ الْأُسْلُوبِ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْأَلْفَاظِ. وَقدْ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلًا لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَلِلآلِهَةِ التِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَغَيْرِهَا، مَثَلَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَخْرَسُ أَصَمُّ لاَ يَفْهَمُ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ، والأَبْكَمُ: هوَ الْمَوْصُوفُ بِالْبَكَمِ ـ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْكَاف، وهوَ الأَخْرَسُ خِلْقَةً. والأَبْكَمُ أَيْضًا: هوَ العَيُّ المُفْحَمُ، وَقَدْ بَكِمَ بَكَمًا وبَكَامَةً، والأَبْكَمُ أَيضًا: هَوَ الأَقْطَعُ اللِّسَانِ؛ وهوَ العَيُّ بالجَوابِ الذي لا يُحْسِنُ وَجْهَ الكَلَامِ، لأَنَّهُ لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ عَنْهُ.

قولُهُ: {لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى مَنْ يَعُولُهُ وَيَلِي أَمْرَهُ. والكَلُّ: مَنْ كانَ عِبْءً على غيرِهِ وَعالةً عَلَيْهِ. والْكَلُّ: الثَّقِيلُ، وَقَدْ يُسَمَّى الْيَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

أَكُولٌ لِمَالِ الْكَلِّ قَبْلَ شَبَابِهِ ……….. إِذَا كَانَ عَظْمُ الْكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ

وَالْكَلُّ أَيْضًا الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَفِي الْحَدِيثِ الشريفِ: ((مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَعَلَيْنَا)). أَيْ مَنْ تَرَكَ عِيَالًا فَنَحْنُ نَكْفُلُهُمْ. فقدْ أَخْرَجَ الأئمَّةُ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أَنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ تَرَكَ كَلًّا فإِليَّ ـ ورُبَّما قالَ: إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، ومَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وأَنَا وَارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ: أَعِقِلُ لَهُ، وأَرِثُهُ، والخَالُ وارثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ: يَعْقِلُ عَنْهُ، وَيَرِثُه)). مُسْنَدُ أَحْمَد: (17175 و 17199)، وسُنَنُ أَبي داودَ: (4/527)، وابْنِ مَاجَهُ: (2738)، والنَّسائي في “الكُبْرَى”: (6320 و 6321 و 6322 و 6386)، وصحيح ابْنِ حِبَّانٍ: (6035 و 6036)، ومسْتَخْرجُ أَبي عُوانَةَ: (5636)، والطَبَرانيُّ في (الكبير): (20/627). وَالْكَلُّ الْعِيَالُ، وَالْجَمْعُ كُلُولٌ. وأَصْلُهُ مِنَ الغِلَظ الذي هُوَ نَقِيضُ الحِدَّةِ، يُقَالُ: كَلَّ السِّكينُ كُلُولًا، إِذا غَلُظَ شَفْرَتُهُ فَلَمْ يَقْطَعْ، وكَلَّ لِسَانُهُ إِذَا لَمْ يَنْبَعِثْ في القَوْلِ لِغِلَظِهِ وَذَهَابِ حَدِّهِ، وَكَلَّ عَنِ الأَمْرِ يَكَلُّ إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فِيهِ، فَهُوَ يَكَلُّ إِذا لَمْ يَنْفُذْ في الأَمْرِ. وَالْمَوْلَى: هوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ. وَالْمَعْنَى: هُوَ عَالَةٌ عَلَى كَافِلِهِ لَا يُدَبِّرُ أَمْرَ نَفْسِهِ.

قوْلُهُ: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ: أَيْ الصَنَمُ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ “لا يَأْتِ بِخَيْرٍ”. وَصَفَهُ بِقِلَّةِ الْجَدْوَى، فأَيْنَما يُوَجِّهْهُ مَوْلَاهُ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَا وُجِّهَ إِلَيْهِ، وَإِذَا ما أَرْسَلَهُ مَوْلاَهُ فِي أَمْرٍ لمْ يَرْجِعْ إِليْهِ بِنَجَاحٍ وَلاَ بِتَوْفِيقٍ. ولَا يَأْتِ بِخَيْرٍ، لِأَنَّ الْخَيْرَ هُوَ مَا فِيهِ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مِنَ الْفِعْلِ وَنَفْعِهِ. ويُوجهِهُ: يُرْسِلُهُ، يُقالُ: وَجَّهْتُهُ إلى كَذَا فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ.

قولُهُ: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} الذي يَأْمُرُ بِالعَدَلِ: هو اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى. أيْ: وَالآخَرُ رَجُلٌ سَوِيٌّ، سَلِيمُ الحَوَاسِّ، عَاقِلٌ يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَنْفَعُ غَيْرَهُ، يَأْمُرُ النَّاسَ بِالعَدْلِ، وَالْعَدْلُ: الْحَقُّ وَالصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ. وَهُوَ عَلَى سِيرَةٍ صَالِحَةٍ، وَدِينٍ قَوِيمٍ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ؟ أَي: الصَّنَمُ الذي لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَنْطِقُ وَلاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى َمْن يَصْعَنُهُ، وَهُوَ لاَ يَعْقِلُ وَلاَ يَنْطِقُ، فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا الصَّنَمُّ مَعَ اللهِ القَادِرِ القَاهِرِ، مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرُ أَمْرِ الوُجُودِ كُلِّهِ؟. فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالعَدْلِ، وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، فَجَعَلَ هَذا المَثَلَ لِنَفْسِهِ المقدَّسَةِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: “وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ” مثلًا للصَّنَمِ الذي عَبَدَهُ المُشركونَ لأَنَّهم يَحْمِلُونَهُ إِذا ظَعَنوا، وُيحَوِّلونَهُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ إذا أرادوا، ويحرِّكونَهُ مِنْ مَكانٍ إِلى مَكَانٍ إِذَا تَحَرَّكوا، ولِذَلك قَالَ تَعَالى: هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الصَّنَمُ الكَلُّ، وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ؟، وهذا الاسْتِفْهامُ لِتَوبيخِهم والإنكارِ عَلَيْهِم.

قولُهُ: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: يُريدُ عَلى دِينٍ مُسْتَقيمٍ. والصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: هو الْمَحَجَّةُ الَّتِي لَا الْتِوَاءَ فِيهَا. وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ يُشَبَّهُ بِالسِّيرَةِ وَالسُّلُوكِ فَإِذَا كَانَ صَالِحًا كَانَ كَالسُّلُوكِ فِي طَرِيقٍ مُوصِلَةٍ لِلْمَقْصُودِ وَاضِحَةٍ فَهُوَ لَا يَسْتَوِي مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ هُدًى وَلَا يَسْتَطِيعُ إِرْشَادًا، بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهُ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} الواوُ: حرفُ عطفٍ، و “ضَرَبَ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلٌ مرفوعٌ. و “مَثَلًا” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ. و “رَجُلَيْنِ” بَدَلٌ مِنْ “مَثَلًا” منصوبٌ مثلهُ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ مُثَنَّى وَالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “ضَرَبَ” منَ الآيةِ التي قبلَها عَلَى كَوْنِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} أَحَدُ: مَرفوعٌ بالابتداءِ، مضافٌ، و “هُمَا” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “أَبْكَمُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً لـ “رَجُلَيْنِ”. و “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها. و “يَقْدِرُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “أَبْكَمُ”، و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “يَقْدِرُ”، و “شَيْءٍ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِـ “أَبْكَمُ”.

قولُهُ: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} الواوُ: هو واوُ الحالِ، ويجوزُ أنْ يكونَ للاسْتِئنافِ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتِداءِ، و ” كَلٌّ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “كَلٌّ”، و “مَوْلَاهُ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ وعلامةُ جرِّهِ الكَسْرَةُ المقدَّرةُ على آخِرِهِ لتَعَذُّرِ ظهورها على الألفِ، وهو مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمُلَةُ الاسْمِيَّةُ هذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “يَقْدِرُ”. أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} أَيْنَمَا: اسْمُ شَرْطٍ جازِمٍ يَجْزِمُ فِعْلَيْنِ مُضارعينِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الشَّرْطِ. و “يُوَجِّهْهُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزومٌ بِـ “أَيْنَمَا” عَلَى كَوْنِهِ جَوابَ شَرْطٍ لَهَا؛ وعلامةُ جزمِهِ السكونُ على آخِرِهِ، والهاءُ الثانيةُ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى الأَبْكَمِ. و “لَا” نافيةٌ لا عملَ لها. و “يَأْتِ” فعلٌ مُضَارِعٌ مَجْزومٌ على أَنَّهُ جوابُ الشَّرْطِ لـ “أَيْنَمَا”، وعَلامَةُ جَزْمِهِ حذفُ الياءِ مِنْ آخِرِهِ. و “بِخَيْرٍ” الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَأْتِ”، و “خَيْرٍ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مَعَ جَوابِهِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ على أَنَّها صِفَةٌ ثانيةٌ لِلخَبَرِ “أَبْكَمُ”.

قولُهُ: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} هَلْ: حَرْفٌ للاسْتِفْهامِ الإِنْكارِيِّ، و “يَسْتَوِي” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخِرِهِ لثِقَلِها عَلَى الياءِ. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “أَبْكَمُ”، و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مُؤَكِّدٌ للضَمِيرِ المُسْتَتِرِ فِي “يَسْتَوِي”، وَجُمْلَةُ “يَسْتَوِي” هَذِهِ جُمْلَةٌ إِنْشائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “وَمَنْ” الواوُ: حرفُ عَطْفٍ وَ “مَنْ” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ عَطْفًا عَلَى ضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتترِ فِي “يَسْتَوِي”، والشَّرْطُ مَوْجُودٌ وَهُوَ العَطْفُ بِالضَميرِ المُنْفَصِلِ، وهوَ لَفْظُ “هو”. و “يَأْمُرُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى الاسمِ الموصولِ “مَن”. و “بِالْعَدْلِ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “يَأْمُرُ”، و “بِالْعَدْلِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ صَلَةُ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الوَاوُ: للحالِ، و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالابْتِداءِ، و “عَلَى” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ. و “صِرَاطٍ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و “مُسْتَقِيمٍ” صَفَةُ “صِرَاطٍ” مجرورةٌ مثلهُ، والجُمْلَةُ الاسْميَّةُ هذهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَتِرُ فِي “يَأْمُرُ”.

قرأَ الجمهورُ: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ}. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، ويَحْيَى ابْنُ وَثَّابٍ وعَلْقَمَةُ “يُوَجِّهْ” بِهَاءٍ سَاكِنَةٍ للجَزْمِ. وَفي فاعِلِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَمِيرُ الباري تَعَالَى، ومَفْعُولُهُ مَحْذوفٌ، تَقْديرُهُ كَقِراءَةِ العامَّةِ. والثاني: أَنَّهُ ضَمِيرُ الأَبْكَمِ، وَيَكونُ “يُوَجِّهْ” لازِمًا بِمَعْنَى تَوَجَّهَ، يُقالُ: وَجَّهَ وتَوَجَّهَ بِمَعْنَى. وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ أَيْضًا وطَلْحَةُ كَذلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الهاءِ، وَفِيها أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ “أَيْنَمَا” لَيْسَتْ شَرْطِيَّةً هُنَا. وَ “يُوَجِّهُ” خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: أَيْنَمَا هُوَ يُوَجِّهُ، أَيْ: اللهُ تَعَالى، والمَفْعُولُ مَحْذوفٌ أَيْضًا، وحُذِفَتِ الياءُ مِنْ “لَا يَأْتِ” تَخْفِيفًا، كَمَا حُذِفَتْ في قولِهِ منْ سورةِ هودٍ {يَوْمَ يَأْتِ} الآيةَ: 106، وكما حُذِفَتْ في قولِهِ مِنْ سورةِ الفجرِ: {إِذَا يَسْرِ} الآيةَ: 4. ورُدَّ هَذَا بِأَنَّ “أَيْنَما” إِمَّا شَرْطٌ أَوْ اسْتِفْهامٌ فَقَط، والاسْتِفْهامُ غَيْرُ لائقٍ هُنَا. والثاني: أَنَّ لامَ الكَلِمَةِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا لأَجْلِ التَضْعيفِ، وَهَذِهِ الهاءُ هِي هَاءُ الضَّميرِ فَلَمْ يُحِلَّهَا جَزْمٌ. ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أَبُو الفَضْلِ الرّازيُّ. والثالثُ: أَنَّ “أَيْنَما” أُهْمِلَتْ حَمْلًا عَلَى “إذا” لِمَا بَيْنَهُما مِنَ الأُخُوَّةِ في الشَّرْطِ، كَمَا حُمِلَتْ “إذا” عَلَيْهَا في الجَزْمِ في نَفْسِ المَواضِعِ، وحُذِفَتِ الياءُ مِنْ “يَأْتِ” تَخْفيفًا أَوْ جَزْمًا عَلَى التَوَهُّمِ، وَيَكونُ “يُوَجِّهُ” لازِمًا بِمَعْنَى “يَتَوَجَّهُ” كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ أَبو حَاتِمٍ الرازيُّ بعدَ أَنْ حَكَى هَذِهِ القِراءَةَ (هذِهِ ضَعيفَةٌ)؛ لأَنَّ الجَزْمَ لازِمٌ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَوْجِيهَهَا المتقدِّمَ. وقَرَأَ عَلْقَمَةُ وَطَلْحَةُ “يُوَجَّهْ” بِهَاءٍ وَاحِدَةٍ ساكِنَةٍ للجَزْمِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ للمَفْعُولِ، وهيَ قِراءةٌ واضِحَةٌ. وقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا “تُوَجِّهْهُ” كالعامَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ بِتَاءِ الخِطابِ وَفِيهِ الْتِفاتٌ.

وفي الكلامِ حَذْفٌ، وهوَ حَذْفُ المُقابِلِ لِقَوْلِهِ: “أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ” كأَنَّهُ قِيلَ: والآخَرُ نَاطِقٌ مُتَصَرِّفٌ في مَالِهِ، وَهُوَ خَفِيفٌ عَلَى مَوْلاهُ، أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ يَأْتِ بِخَيْرٍ. دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: “هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل”. ونَقَلَ أَبُو البَقَاءِ أَنَّهُ قُرِئَ “أَيْنَما تَوَجَّهَ” فِعْلًا مَاضِيًا، وفاعِلُهُ ضَميرُ الأَبْكَمِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 75


الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 75
 
ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
 
قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} بَعْدَ أَنْ زَجَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ في الآياتِ السَّابِقَةِ عَنْ أَنْ يُشَبِّهُوا اللهَ بِخَلْقِهِ أَوْ أَنْ يُشَبِّهُوا بِهِ خَلْقَهُ، نَبَّهَهُمْ هنا، وَبَيَّنَّ لَهُمْ شُبَهًا، فَمَثَّلَ حَالَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَالِ مَنْ مَثَّلَ عَبْدًا بِسَيِّدِهِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَقَالَ: مَثَلُكُمْ فِي إِشْرَاكِكِمْ بِاللهِ الأَوْثَانَ وَالأَصْنَامَ، مَثَلُ مَنْ سَوَّى بَيْنَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ حُرٍّ يَمْلِكُ مَالًا يُنْفِقُ مِنْهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُرِيدُ، فَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ هَذِينِ الرَّجُلَيْنِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَفَاوُتٍ فِي القُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، كَذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الإِلَهِ القَادِرِ عَلَى الرِّزْقِ وَالإِفْضَالِ، وَبَيْنَ الأَصْنَامِ التِي لَا تَمْلِكُ شَيْئًا، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ البتَّة.
قولُهُ: {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي عِنْدَكُمْ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى شَيْءٍ، وَرَجُلٌ حُرٌّ قَدْ رُزِقَ رِزْقًا حَسَنًا، فَكَذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ. فَالَّذِي هُوَ مِثَالٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ عَبْدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَمْلُوكٌ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، وَلَا مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسَخَّرٌ بِإِرَادَةِ سَيِّدِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْعَبِيدَ كُلَّهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَقْتَضِي الشُّمُولَ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تُفِيدُ وَاحِدًا، فَإِذَا كَانَتْ بَعْدَ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ مُضَافَةً إِلَى مَصْدَرٍ كَانَتْ لِلْعُمُومِ الشُّيُوعِيِّ، كَما تقَولُ: أَعْتِقْ رَجُلًا، وَلَا تُهِن رَجُلًا. وَالْمَصْدَرُ كَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ، فَأَيُّ رَجُلٍ أَعْتَقَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْخِطَابِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا الْمَثَلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَذَهَبَ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ هُوَ الْكَافِرُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ فِي الْآخِرَةِ بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى “وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا” الْمُؤْمِنُ. وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والتَأْويلِ. قَالَ حاتمٌ الْأَصَمُّ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ: الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي رُبَّمَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ مَوْلَاهُ أَسْرًا وَأَنْضَرَ وَجْهًا، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ذَلِيلٌ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى ضَرْبًا لِلْمِثَالِ. أَيْ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ وَشَأْنُ عَبِيدِكُمْ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أَحْجَارًا شُرَكَاءَ للهِ تَعَالى فِي خَلْقِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَهِيَ لَا تَعْقِلُ وَلَا تَسْمَعُ. فَقَدْ شَبَّهَ حَالَ أَصْنَامِهِمْ فِي الْعَجْزِ عَنْ رِزْقِهِمْ بِحَالِ مَمْلُوكٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُ مَالًا، وَشَبَّهَ شَأْنَ اللهِ تَعَالَى فِي رِزْقِهِ إِيَّاهُمْ بِحَالِ الْغَنِيِّ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ إِنْفَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْحَالَيْنِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْمَقَامُ، وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ مُمَاثَلَةَ أَصْنَامِهِمْ للهِ تَعَالَى فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ أُعْقِبَ بِجُمْلَةِ هَلْ يَسْتَوُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ” يَعْنِي الْكَافِرَ إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْفِقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللهِ “وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا” يَعْنِي الْمُؤمن وَهُوَ الْمَثَلُ فِي النَّفَقَةِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا” قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ للْكَافِرِ، رَزَقَهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُقَدِّمْ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ. “وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا” قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا رِزْقًا حَلَالًا، فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ، وَأَخَذَهُ بِشُكْرِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّ اللهِ، فَأَثابَهُ اللهُ عَلَى مَا رِزْقِهِ الرِّزْقَ الْمُقِيمَ الدَّائِمَ لأَهْلِهِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: “هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا”، قَالَ: لَا وَاللهِ لَا يَسْتَوِيَانِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا”، وَ {رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} و {مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} قَالَ: كُلُّ هَذَا مَثَلُ الإِلَهِ الْحَقِّ، وَمَا يَدْعُونَ مِنْ دُونَهُ الْبَاطِلُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ” قَالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْآلِهَةَ الَّتِي لَا تَمْلُكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ يَنْفَعُها، “وَمَنْ رَزَقْنَا مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا”، قَالَ: عَلَانيَةً، الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُنْفِقُ سِرًّا وَجَهْرًا للهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ” قَالَ الصَّنَمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: إِنَّ اللهَ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ عَلَى حَسَبِ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا لَهُ الْمَثَلُ الصَّالِحُ، وَلَيْسَ عَمَلُ سُوءٍ إِلَّا لَهُ مَثَلُ سُوءٍ. وَقَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْعَالِمِ المُتَفَهِّمِ كَطَريقٍ بَيْنَ شَجَرٍ وَجَبَلٍ فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ لَا يُعَوِّجُهُ شَيْءٌ، فَذَلِكَ مَثَلُ العَبْدِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي قَرَأَ الْقُرْآن وَعَمِلَ بِهِ. وَأخرج الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَمْلُوكِ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ؟. قَالَ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ” لَا يتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ. وقد فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمِمَّا قَبْلَهَا نُقْصَانَ رُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنِ الْحُرِّ فِي الْمِلْكِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَإِنْ مَلَكَ. قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وعلى رأْسِهم الإمامُ الأعظمُ أَبو حنيفةَ النُعمانُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الرِّقُّ يُنَافِي الْمِلْكَ، فَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا الْبَتَّةَ بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي الْجَدِيدِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ البَصْريُّ وَابْنُ سِيرِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَمْلِكُ إِلَّا أَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ، لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الإمامِ مَالِكٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مِنْ رأْيِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ـ أَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَوا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ العِبَادَاتُ في الْأَمْوَالِ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَاتٍ، وَلَا مِنْ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ مَا يَقْطَعُهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَوْ مَلَّكَهُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ لَمْ تَجِبْ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاتُهَا لِأَنَّهَا مِلْكُ غَيْرِهِ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. وَيَقُولُ الإمامُ الْعِرَاقِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْجَارِيَةَ، وَالزَّكَاةُ فِي النِّصَابِ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّيِّدِ كَمَا كَانَتْ. وَدَلَائِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. وَأَدَلُّ دَلِيلٍ لَها قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الروم: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآيةَ: 40، فَقد سَوَّى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فِي الرِّزْقِ وَالْخَلْقِ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّد)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاودَ: (4/28، رقم: 3962)، وابْنُ ماجَهْ: (2/845، رقم: 2529). والنَّسائيُّ في سُننهِ (الكبْرى) حديث: (4961 و 4962)، مِنْ حَدِيثِ عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. فَأَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى عَبْدَهُ يَتَسَرَّى فِي مَالِهِ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَيْسَ للْعَبْدِ طَلَاقٌ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. وَقَرَأَ “عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ”. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا بِيَدِهِ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ فِي مِلْكِهِ مَا لَمْ يَنْتَزِعْهُ سَيِّدُهُ. واللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ: {الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الْحَمْدُ للهِ عَلَى بَيَانِ الحَقِّ وَوُضُوحِهِ لِأَنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهَا، أَوِ الحَمْدُ كُلُّهُ للهِ لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ، فَضْلًا عَنِ العِبَادَةِ لأَنَّهُ مَوْلَى النِّعَمِ كُلِّها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَيْ: لا عِلْمَ لَهُمْ: فَيُضِيفونَ النِّعَمَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَعْبُدونَهُ لِأَجْلِها، أَوْ لا يَعْلَمُونَ مَا يَصيرونَ إِلَيْهِ مِنَ العَذَابِ فَيُشْرِكونَ بِهِ.
وَقَدْ جاءَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا” فِي رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ وأَرْضَاهُ، وَمَوْلًى لَهُ كَافِرٍ، وَهُوَ أُسَيْدُ بْنُ أَبي الْعيصِ، كَانَ يَكْرَهُ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْفُلُهُ وَيَكْفِيهِ الْمُؤْنَةَ، وَكَانَ الآخَرُ يَنْهاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ فَنَزَلَتْ فِيهِمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والضِيَاءُ المَقْدِسيُّ فِي (المًختارَةِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} قَالَ: عُثْمَانَ بْنُ عَفَّان. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ “ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ” فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَعَبدِهِ، فِي هِشَامَ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ سِرًّا وَجَهْرًا، وَفِي عَبْدِ أَبي الجَوْزاءِ الَّذِي كَانَ يَنْهَاهُ.
قولُهُ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} ضَرَبَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ. وَلفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ. و “مَثَلًا” مَفْعُولٌ بهِ منصوبٌ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. و “عَبْدًا” بَدَلٌ مِنْ “مَثَلًا” بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ منصوبٌ مثلهُ. و “مَمْلُوكًا” صِفَةٌ أُولى لِـ “عَبْدًا” منصوبٌ مثلهُ.
قولُهُ: {لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} لا: نافيةٌ لا عَمَلَ لَهَا، و “يَقْدِرُ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ عَلَى (عَبْدًا)، و “على” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِـ “يَقْدِرُ”، و ” شَيْءٍ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ “عَبْدًا” في محلِّ النَّصْبِ.
قولُهُ: {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} الوَاوُ: حرفٌ للعَطْفِ، وَ “مَنْ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قولِهِ: “عَبْدًا”، أَوْ هُوَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ “رَزَقْنَاهُ” فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٌ هُوَ “نَا” المُعظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، و “نا” التَعْظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ في مَحَلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ أَوَّل لـ رَزَقْنَا”، والجُمْلَةُ صِلَةُ لِـ “مَنْ” المَوْصُولَةِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصْبِ إِنْ كانَتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وَ “مِنَّا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “رِزْقًا”، و “نَا” ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “رِزْقًا” مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ. و “حَسَنًا” صِفَةٌ لـ “رِزْقًا” منصوبةٌ مثلهُ.
قولُهُ: {فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} الفَاءُ: حرفُ عَطْفٍ، وَ “هُوَ” ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و “يُنْفِقُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “مَنْ”، و “مِنْهُ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُنْفِقُ” والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “سَرًّا” و “جَهْرًا” إِمَّا مَنْصُوبَانِ عَلَى المَصْدَرِيَّةِ؛ أَيْ: إِنَفَاقَ سِرٍّ وَجَهْرٍ، أَوْ هُما مَنْصُوبانِ عَلَى الحَالِ مِنْ فَاعِلِ “يُنْفِقُ”. والجملة الفِعْلِيَّةُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا للمُبْتَدَأِ، والجَمْلَةُ الاسْمِيَّةُ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ الصِلَةِ “رَزَقْنَاهُ”.
قوْلُهُ: {هَلْ يَسْتَوُونَ} هَلْ: حَرْفٌ للاسْتِفْهَامِ الإِنْكارِيِّ. و “يَسْتَوُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ، والجُمْلَةُ جُمْلَةٌ إِنْشائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وإِنَّمَا جُمِعَ الضَمِيرُ فِي “يَسْتَوُونَ” وَإِنْ تَقَدَّمَهُ اثْنَانِ؛ لأَنَّ المُرادَ جِنْسُ العَبيدِ والأَحْرارِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِـ “عَبْدٌ” وبِـ “مَنْ رَزَقْنَاه” وَقِيلَ: عَلَى الأَغْنِياءِ والفُقَراءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمَا بِهِمَا. وَقِيلَ: اعْتِبارًا بِمَعْنَى “مَنْ” فَإِنَّ مَعْنَاهَا جَمْعٌ، رَاعَى مَعْنَاهَا بَعْدَ مُرَاعَاةِ لَفْظِهَا.
قولُهُ: {الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الْحَمْدُ: مَرفوعٌ بالابْتِداءِ، وَ “للهِ” اللَّامُ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقدَّرٍ للمُبْتَدَأِ، ولفظُ الجلالةِ “الله” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “بَلْ” حَرْفُ عَطْفٍ وَإِضْرابٍ للإضْرَابِ الانْتِقالِيِّ. و “أَكْثَرُهُمْ” أَكْثَرُ: مرفوعٌ بالابْتِداءِ، و “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها. و “يَعْلَمُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المبتَدَأِ في محلِّ الرَّفعِ، والجُمْلَةُ الاسْميَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “الْحَمْدُ للهِ” على كَوْنِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 7

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 74


فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ} قالَ عدَدٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: يَعْنِي لَا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، انظر: تَفْسيرَ مُقاتِلٍ: (1/205 أ)، والطبريِّ: (14/148)، والثَعْلَبيِّ: (2/160 أ)، والطُوسِيِّ: (6/408)، والبَغَوِيِّ: (3/78)، وابْنِ الجَوْزِيِّ (4/471)، والفَخْرِ الرَّازيِّ: (20/82)، والخازنِ: (3/126)، وغيرِها. وَ “الْأَمْثالَ” هُنَا: جَمْعُ مَثَلٍ ـ بِفَتْحَتَيْنِ، بِمَعْنَى الْمُمَاثِلِ، كَ (شَبَهٌ) بِمَعْنَى (مُشَابِهٍ). وَقدْ شاعَ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ فِي تَشْبِيهِ حَالَةٍ بِحَالَةٍ وَهَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وَهُوَ هُنَا اسْتِعْمَالٌ آخَرُ للتَفْرِيعِ عَلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ وَالْمِنَنِ، فقَدِ تَبَيَّنَ مما سَبَقَ انْفِرَادُ اللهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ، ونَفْيُ الشَّرِيك لَهُ فِيمَا خَلَقَ وَأَنْعَمَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ أَنْ يُشَبَّهَ بِأَحَدٍ مِنَ الْحَوَادِثِ. فَاسْتَقَامَ أَنْ يُفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ زَجْرُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ غَيْرَ اللهِ بِاللهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يُمَثَّلَ بِالْمَوْجُودَاتِ. وَهَذَا كما جَاءَ في قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الْبَقَرَة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} الآيَةَ: 21، إِلَى قَوْلِهِ في الآيةَ: 22، مِنْها: {فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

وأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال” فَإِنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ {لَمْ يَلِدْ * وَلَمْ يُولدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. الآياتِ: 3 ـ 5 من سورةِ الإِخْلاصِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ” يَعْنِي اتِّخاذَهُمُ الْأَصْنَامَ، يَقُولُ: لَا تَجْعَلُوا مَعِي إِلَهًا غَيْرِي فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي.

قولُهُ: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ} أَيْ: إِنَّهُ ـ سبحانَهُ وتَعَالى، يَعْلَمُ كُنْهَ كلِّ مَا تَأْتونَ مِنْ أعمالٍ، ومَا تَذَرُونَ مِنْها، وأَنَّ ما تَفْعَلونَهُ كَضَرْبِ الأمثالِ للهِ وتشبيهِهِ بالحوادِثِ مِنْ خَلْقِهِ، هوَ في غايَةِ العِظَمِ والقُبْحِ. وَفَي هَذا تَعْليلٌ لمَا تَقدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الأَمْثَالِ للهِ، وَوَعِيدٌ عَلَى ارْتكابِهِ.

قولُهُ: {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أَيْ: وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كُنْهَ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا فَعَلْتُمُوهُ، فَدَعُوا رَأْيَكمْ وَقِفُوا مَوَاقِفَ الامْتِثالِ لِمَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَمْرِ والنَّهْيِ، وَيَجُوزُ أَنْ يكونَ المُرادُ: فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأَمْثَالُ، وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَقَعُونَ فِيما تَقْعُونَ فِيهِ مِنْ مَهَاوِي الرَّدَى والضَّلالِ.

قولُهُ تَعَالى: {فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ} الفاءُ: هِيَ الفَصيحَةُ، فقد أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تَقْديرُهُ: إِذَا عَرَفْتُمْ إِنْعامَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ المَذْكورَةِ، وَعَجْزِ الأَصْنامِ عَنْها، وَأَرَدْتُمْ بَيَانَ مَا هُوَ اللازِمُ لَكُمْ، فَأَقُولُ لا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ، و “لَا” ناهيةٌ جازِمةٌ، و “تَضْرِبُوا” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بـ “لا” الناهيَةِ، وعلامةُ جَزْمِهِ حذْفُ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ. وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلٌ، والأَلِفُ فارقةٌ. و “للهِ” اللامُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “تَضْرِبُوا”، ولفظُ الجلالةِ مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و “الْأَمْثَالَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، وهذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولُ القولِ لجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ، وَجُمْلَةُ “إِذَا” المُقَدَّرَة مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.

قوْلُهُ: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ} إِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتأكيدِ. ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ. وجملة و “يَعْلَمُ” فعلٌ مُضارعٌ مَرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على اللهِ تعالى. والجملةُ الفعلِيَّةُ هَذِهِ خَبَرُ “إِنَّ” في محلِّ الرَّفعِ. وجُمْلَةُ “إِنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ مَا قَبْلها فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} الواوُ: للعطْفِ. و “أنتم” ضميرٌ منفصِلٌ في محلِّ الرَّفعِ بالابْتِداءِ، و “لَا” نافيَّةٌ لا عَمَلَ لَهَا. و “تَعْلَمُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. وقد حُذِفَ مفعولُ العِلْمِ اخْتِصارًا أَوِ اقْتِصارًا. والجُمْلَةُ خَبَرُ المبتدأِ في محلِّ الرَّفعِ. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “إِنَّ” عَلى كَوْنِها مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَعْلِيلِ مَا قَبْلها فَلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 73


 
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا} أَيْ: أَيَكْفُرونَ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَيَعْبُدونَ مِنْ دَونِهِ “مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا من السماوات والأرض شَيْئًا” فهو داخِلٌ تَحْتَ الإِنْكارِ التَوْبيخِيِّ، مِنَ الآيةِ السابقةِ وهو قولُهُ: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُون}.
وَقد أَفَادَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ التَّوْبِيخَ عَلَى شُكْرِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ، لأَنَّهُمْ عَبَدُوا مَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَلَا بِيَدِهِ نِعْمَةٌ، وَهُوَ الْأَصْنَامُ، وهيَ لَا تَمْلِكُ مَا يَأْتِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ لِاحْتِيَاجِهَا، وَلَا تَسْتَطِيعُ رِزْقَهُمْ لِعَجْزِهَا، والْعِبَادَةَ شُكْرٌ. فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ ـ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، أَنْوَاعًا كَثِيرَةً فِي دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ، بَدَأَ ثُمَّ ذَكَرَ أَقْسَامًا مِنَ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ الشَّرِيفَةِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بالتَشْنِيعِ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ والتَعْجِيبِ مِنْ شَأْنِهِم. والرَّدِّ عَلَيهِمْ، فَهُمْ بَعدَ كلِّ تِلْكَ الدلائلِ عَلَى وحدانيَّةِ اللهِ ـ تَعَالى، وعَظَمَةِ خلقِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى الإِحْيَاءِ بَعْدَ المَوْتِ، وتَتَابُعِ نِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى على عِبادِهِ، بعدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، تَرَى عَبَدَةَ الأَصْنَامِ، يُشْرِكُونَ في عِبَادَةِ اللهِ أَصْنامًا لهُم اتَّخذوها آلهةً لَهُمْ مِنْ دونِ اللهِ ـ تَعَالَى، معَ علمِهمْ بِأَنَّ هَذِهِ الأصنامَ لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَأْتِيَهم بأيِّ رِزْقٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ مِنَ الأَرْضِ.
والعِبَادَةُ تعني أَنْ يُطِيعَ العَابِدُ مَعْبُودَهُ، وَهَذِهِ الطاعَةُ تَقْتَضِي تَنْفِيذَ الأَمْرِ واجْتِنَابَ النَّهْيِ. وكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الحَيَاةِ تُعِينُ عَلَى عِبَادَةٍ فَهِيَ عِبَادَةٌ. كَمَا أَنَّ اتِّباعَ بَعْضِ المَخْلُوقِينَ بِمُقْتَضَى أَهْوَاءِ النفوسِ، والتَوَكُلَ على مَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْلك لَكَ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، وَلا يَسْتَطِيعُ لكَ رِزْقًا يُعَدُّ نوعًا مِنْ أَنواعِ العِبادَةِ.
وَيُطْلَقُ الْمِلْكُ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَمِلْكُ الرِّزْقِ: يَعني الْقُدْرَةَ عَلَى إِعْطَائِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ المائدةِ: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ} الآية: 17.
قولُهُ: {مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} الرِّزْقُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جَانِبِ السَّمَاءِ هُوَ الْغَيْثَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ، وغَيْرُهُ كالنَدَى والثَّلْجِ والبَرَدِ، والطُيُورِ التي تسْبحُ فيها. أَمَّا الرِّزْقُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جَانِبِ الْأَرْضِ فَهُوَ النَّبَاتُ والحُبُوبُ وَالثِّمَارُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا، والحيواناتُ التي تَسْرَحُ فِيها، والمعادِنِ والموادِّ المَخْبَوءَةِ في باطِنِها، والأَسْمَاكِ والثَرَوَاتِ المُنْطَوِيَةِ عَلَيْها أَمْواجُ بِحارِها وأَعْمَاقُها. فإِنَّ الأَصْنَامَ التي يَعْبُدُهَا أُولَئِكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهم شَيْئًا مِمَّا في السَّمَاءِ، ولا أَنْ تُخرِجَ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا فِي بَاطِنِ الأَرْضِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا.
والاسْتِطاعَةُ: الْقُدْرَةُ، وَ “لا يَسْتَطِيعُونَ” عَطْفٌ عَلَى “يَمْلِكُ”، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صِلَةِ “مَا”، فَضَمِيرُ الْجَمْعِ عَائِدٌ إِلَى “مَا” الْمَوْصُولَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى جَمَاعَةِ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ لَهُمْ. وَأُجْرِيَتْ عَلَيْهَا صِيغَةُ جَمْعِ الْعُقَلَاءِ مُجَارَاةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَعْقِلُ وَتَشْفَعُ وَتَسْتَجِيبُ. وَحَذْفُ مَفْعُولِ “يَسْتَطِيعُونَ” لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أَيْ لَا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا لِأَنَّ تِلْكَ الْأَصْنَامَ حِجَارَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.
قولُهُ تَعَالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا} الوَاو: للاستِئنافِ، وَ “يَعْبُدُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنْ فاعِلِ “يَعْبُدُونَ”، أَيْ: حالَةَ كَوْنِهِمْ مُتَجَاوِزِينَ اللهَ. وَ “دُونِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهوَ مُضافٌ. ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجْرُورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “مَا” مَوْصولَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ لـ “يَعْبُدُونَ”، أَوْ هيَ نَكِرةٌ مَوْصُوفَةٌ. و “لَا” نَافِيَةٌ. و “يَمْلِكُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وَفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “مَا”، و “لَهُمْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَمْلِكُ”، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. و “رِزْقًا” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ بـ “يَمْلِكُ”. وَجُمْلَةُ “يَمْلِكُ” صِلَةٌ لِـ “مَا” الموصولةِ فلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ، أَوْ صَفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصْبِ إِذا أُعْرِبتْ نَكِرةً مَوْصوفةً.
قولُهُ: {مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} مِنَ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “رِزْقًا” لأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى إَعْطاءً، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ـ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إِعْمَالَ المَصْدَرِ مُنَوَّنًا: والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُضافًا بِاتِّفاقٍ؛ لأَنَّهُ فِي تَقْديرِ الانْفِصالِ، وَلا يَعْمَلُ إِذا دَخَلَهُ الأَلِفُ واللامُ؛ لأَنَّهُ قَدْ تَوَغَّلَ في حالِ الأَسْمَاءِ، وبَعُدَ عَنِ الفِعْلِيَّةِ، وتَقْديرُ الانْفِصالِ في الإِضافةِ حَسَّنَ عَمَلَهُ، وَقَدْ جاءَ عامِلًا مَعَ الأَلِفِ واللامَ في قولِهِ:
ضعيفُ النِّكايَةِ أَعْداءَهُ ………………… يَخَالُ الفِرَارَ يُراخِي الأَجَلْ
البيتُ عَلَى المُتَقارِبِ وهو مِنْ شواهِدِ سِيبَوَيْهِ الخمسينَ التي لَمْ يُعْرَفْ قائلوها، وقيلَ هوَ مَصْنُوعٌ ومَعْناهُ: هَذَا الشَّخْصُ قَلِيلُ التَنْكِيلِ والتَعْذيبِ لأَعْدائِهِ؛ خَوْفًا عَلَى حَيَاتِهِ مِنْهُمْ؛ لِظَنِّهِ أَنَّ الفِرَارَ مِنْ مَيْدانِ القِتالِ يُطيلُ الأَجَلَ، ويُؤَخِّرُ المَوْتَ. ومنْ ذلكَ أيضًا قولُ مَالِكِ بْنِ زُغْبَةَ الباهِلِيِّ:
لَقَدْ عَلِمَتْ أُوْلَى المُغِيرة أنَّني …. لحِقْتُ فلم أنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمَعا
قال الشَّيْخُ أبو حَيَّانٍ الأندلُسيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ (باتِّفاق) إِنْ عَنَى مِنَ البَصْرِيِّينَ فَصَحِيحٌ، وإِنْ عَنَى مِنَ النَّحْوِيِّينَ فَلَيْسَ بِصَحيحٍ؛ إِذْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لا يَعْمَلُ. فإِنْ وُجِدَ بَعْدَهُ مَنْصُوبٌ أَوْ مَرْفُوعٌ قَدَّرَ لَهُ عَامِلًا. وأَمَّا قولُهُ (في تَقْديرِ الانْفِصالِ) فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِئَلَّا تَكونَ إِضافتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ، كَمَا قالَ بِهِ ابْنُ الطَرَاوَةِ وابْنُ بَرْهانٍ. ومَذْهَبُهُمَا فاسِدٌ؛ لأَنَّ هَذا المَصْدَرَ قَدْ نُعِتَ وأُكِّدَ بالمَعْرِفَةِ. وَقَوْلُهُ (لا يَعْمَلُ) إِلَى آخِرِهِ نَاقَضَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ جاءَ عامِلًا) إِلى آخِرِهِ. فَغَايَةُ مَا في هَذَا أَنَّهُ نَحَا إِلَى أَقْوَالٍ قالَ بِها غيْرُهُ. وَأَمَّا المُناقَضَةُ فَلَيْسَتْ صَحِيحَةً؛ لأَنَّهُ عَنَى أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ في السِّعَةِ، وثانيًا أَنَّهُ قدْ جاءَ عامِلًا في الضَرورةِ، ولِذلكَ قَيَّدَهُ فقالَ: في قولَ الشاعر. بـ “يَمْلِكُ”، وَذَلِكَ عَلَى الإِعْرابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ في نَصْبِ “شَيْئًا”. الثاني: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِـ “رِزْقًا”، ويَجُوزُ تَعْليقُهُ بِالفِعْلِ “يَمْلِكُ”. وَ “السَّمَاوَاتِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. وَ “والْأَرْضِ” حرفُ عطفٍ، و معطوفٌ على “السماواتِ” مجرورٌ مثلهُ. و “شَيْئًا” مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائبٌ عَنِ المَصْدَرِ، عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ، واسْمُ المَصْدَرِ يَعْمَلُ عَمَلَ المَصْدَرِ عَلَى خِلافٍ فِي ذَلِكَ. وَنَقَلَ مَكِيٌّ أَنَّ اسْمَ المَصْدَرِ لا يَعْمَلُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إِلَّا في شِعْرٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: فَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ المَنْعَ، وَمِنْهم مَنْ نَقَلَ الجَوازَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبو عليٍّ الفارسيُّ انْتِصابَهُ بـ “رِزْقًا” كَمَا تَقَدَّمَ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الطَّراوَةِ بِأَنَّ الرزْقَ اسم المرزوق كالرَّعْيِ والطَّحْن. ورُدَّ على ابنِ الطراوة: بأنَّ الرِّزْقَ بالكسرِ أيضاً مصدرٌ، وقد سُمِعَ فِيهِ ذَلِكَ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِنَفْسِهِ وليسَ اسْمَ مَصْدَرٍ. أَيْ: لا يَمْلِكونَ مُلْكًا لا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، أَوْ مَفُعُولُ “رِزْقًا” لأَنَّهُ مَصْدَرٌ يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ. وجعلهُ السُيوطيُّ بَدَلًا مِنْ “رِزْقًا”، أَيْ: لا يَمْلِكُ لَهُمْ شَيْئًا. وَهَذَا غَيْرُ مُفِيدٍ؛ إِذْ مِنَ المَعْلومِ أَنَّ الرِّزْقَ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ البَدَلَ يَأْتي لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: البَيَانِ أَوِ التَأْكِيدِ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ هنا؛ لأَنَّهُ أَعَمُّ، وَلَا تَأْكِيدَ فِيهِ. وَ “وَ” حرفُ عَطْفٍ، و “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يَسْتَطِيعُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “لَا يَمْلِكُ” عَلَى كَوْنِها صِلَةَ المَوْصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويَجُوزُ فِي هذهِ الجُمْلَةِ الإِخْبَارُ بِنَفْيِ الاسْتِطاعَةِ عَنْهمْ وذلكَ عَلَى سَبيلِ الاسْتِئْنافِ، وَيَكونُ قَدْ جَمَعَ الضَميرَ العائدَ على “ما” باعْتِبارِ مَعْناهَا؛ إِذِ المُرادُ بِذلِكَ آلِهَتُهم، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَميرُ عائدًا عَلى العابِدينَ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 72


وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} الجَعْلُ هُنَا: الخَلْقُ. والأَظْهَرُ أَنَّ المُرادَ بِقولِهِ “مِنْ أَنْفُسِكُمْ” مِنْ نَوْعِكُمْ، فهوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} الآيةَ: 128، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرادَ بِهِ خِلْقَةُ حَوَّاءَ مِنْ نَفْسِ آدَمَ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والأَزْوَاجُ تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، لكِنَّ المُرَادَ بِهَا هُنَا: الزَّوْجَاتُ. وَالْوَصْفُ بِالزَّوْجِ يُؤْذِنُ بِمُلَازَمَتِهِ لِآخَرَ، فَلِذَا سُمِّيَ بِالزَّوْجِ قَرِينُ الْمَرْأَةِ وَقَرِينَةُ الرَّجُلِ. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ اخْتُصَّ بِهَا الْإِنْسَانُ إِذْ أَلْهَمَهُ اللهُ جَعْلَ قَرِينٍ لَهُ وَجَبَلَهُ عَلَى نِظَامِ مَحَبَّةٍ وَغَيْرِهِ لَا يَسْمَحَانِ لَهُ بِإِهْمَالِ زَوْجِهِ كَمَا تُهْمِلُ الْعَجْمَاوَاتُ إِنَاثَهَا وَتَنْصَرِفُ إِنَاثُهَا عَنْ ذُكُورِهَا. ومِنْ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ لِلتَّبْعِيضِ. ومِنْ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَزْواجِكُمْ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ جَعَلَ لَكُمْ بَنِينَ مُنْحَدِرِينَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ. وهَذِهِ مِنَّةٌ عظيمةٌ امْتَنَّ اللهُ بها عَلَى بَنِي آدَمَ، أَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ومِنْ جِنْسِهِمْ وَشَكْلِهِمْ أَزْوَاجًا لَهُمْ، وَلَوْ جَعَلَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مَا حَصَلَ بينهُمُ الرَّحْمَةُ الْائْتِلَافُ وَالْمَوَدَّةُ. وَلَكِنْهُ مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى بهِمْ خَلَقَ مِنْ بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَجَعَلَ الْإِنَاثَ أَزْوَاجًا لِلذُّكُورِ، وهيَ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ ـ جَلَّ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ. وقد وَأَوْضَحَ هَذا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتابِهِ العزيزِ، فقال في الْآيَةَ: 189، مِنْ سورةِ الأَعْرافِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، وقالَ في الآيَةِ: 21، مِنْ سُورَةِ الرُّومِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وَقَالَ مِنْ سُورةِ القيامَةِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} الآياتِ: (36 ـ 40).

قولُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} جَعْلُ الْبَنِينَ لِلْإِنْسَانِ نِعْمَةٌ، وَكَوْنُهُمْ مِنْ زَوْجَةٍ نِعْمَةً أُخْرَى، لِأَنَّ بِهَا تَحَقُّقَ كَوْنِهِمْ أَبْنَاءَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّكَرِ وَدَوَامَ اتِّصَالِهِمْ بِهِ بِالنِّسْبَةِ، وَوُجُودَ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي الْقِيَامِ بِتَدْبِيرِ أَمْرِهِمْ فِي حَالَةِ ضَعْفِهِمْ. والبَنِينُ مَعْرُوفٌ. و “حَفَدةً” جَمْعُ حفيدٍ و حافِدٍ، وَغَيْرُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْحَيَوَانِ لَا يَشْعُرُ بِحَفَدَتِهِ أَصْلًا، فلَا يَشْعُرُ بِالْبُنُوَّةِ إِلَّا أُنْثَى الْحَيَوَانِ مُدَّةً قَلِيلَةً قَرِيبَةً هي مُدَّةُ الْإِرْضَاعِ ثُمَّ يضمحلُّ هذَا الشُّعورُ ويَتَبَدَّدُ. وَالْحَفَدَةُ لِلْإِنْسَانِ زِيَادَةٌ فِي مَسَرَّةِ الْعَائِلَةِ، قَالَ تَعَالَى مِنْ سُورَة هُود: {فَبَشَّرْناهَا بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ} الآيةَ: 71. وَقَدْ عَمِلَتْ “مِنْ” الِابْتِدَائِيَّةُ فِي “حَفَدَةً” بِوِساطَةِ حَرْفِ الْعَطْفِ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ مُبَاشَرَةً وَيكونُ بِوِساطَةٍ. والحَافِدُ هُوَ المُسْرِعُ فِي العَمَلِ. ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ الأَعْشَى:

كَلَّفْتُ مَجْهُولَهَا نُوقًا يَمَانِيَةً ……….. إِذَا الْحُدَاةُ عَلَى أَكْسَائِهَا حَفَدُوا

أَيْ: أَسْرَعُوا فِي الْخِدْمَةِ. ومِنْهُ قولُ جَميلِ بْنِ مُعَمَّرٍ:  

حَفَدَ الْوَلاَئِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَت ………………. بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ

أَيْ: أَسْرَعَتِ الْوَلَائِدُ الْخِدْمَةَ، وَالْوَلَائِدُ الْخَدَمُ. الْوَاحِدَةُ وَلِيدَةٌ. والحَفَدةُ هُمْ أَبْناءُ البَنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وَقَالَ الحَسَنُ البَصْريُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هُمْ بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ، وقالَ مُجَاهِدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الحَفَدَةُ الأَنْصَارُ وَالأَعْوانُ والخَدَمُ، وقالَهُ طاووس أَيضًا ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فالحفدُ إذًا: الخدْمةُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفةَ بْنِ العَبْدِ:

يَحْفِدونَ الضَّيْفَ فِي أَبْيَاتِهمْ ……………. كَرَمًا وذَلِكَ مِنْهُمْ غيْرَ ذُلّْ

وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ يُقَالُ: “أَحْفَدَ” رُبَاعِيًّا. وقالَ بَعْضُهُمْ: الحَفَدَةُ، الأَصْهارُ، وَالْأَخْتَانُ، وَهُمْ أَزْوَاجُ الْبَنَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جميلِ بْنِ مُعَمَّرٍ:

فَلَوْ أَنَّ نَفْسِي طَاوَعَتْنِي لَأَصْبَحَتْ ………….. لَهَا حَفْدٌ مِمَّا يُعَدُّ كَثِيرُ

وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ عَلَيَّ أَبِيَّةٌ ……………….. عَيُوفٌ لِأَصْهَارِ اللِّئَامِ قَذُورُ

وَالْقَذُورُ: الَّتِي تَتَنَزَّهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، تَبَاعُدًا عَنِ التَّدَنُّسِ بِقَذَرِهِ. ويقال: سيفٌ مُحْتَفِدٌ، أي: سريعُ القطع. وقال الأصمعيُّ: “أصلُ الحَفْدِ: مقارَبَةُ الخَطْوِ”. وَ “الحَفْدُ” الخِدْمَةُ، والبِرُّ، والمَشْيُ السريعُ في الطاعَةِ؛ والحَفَدَانُ أَيْضًا: نوعٌ مِنَ السَّيْرِ السريعِ يسمَّى “الخَبَبُ” وهو فَوْقَ المَشْيِ. وقد وَرَدَ الفِعْلُ لازِمًا وَمُتَعدِّيًا، ومِنْ ذَلَكَ مَا جَاءَ في دُعَاءِ قُنُوتِ صلاتِ الوِتْرِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وإِلَيْكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ))، وتمامُ الحديثِ: ((اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك، وَنَسْتَغْفِرُك، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَخْضَعُ لَكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ)). قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، صَحِيحًا مُوصَلًا، ثُمَّ رَوَاهُ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَزِيَادَةٍ. وَبِهِ أَخَذَ الإمَامانِ الجليلانِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وأَبُو حَنِيفَةَ النُعْمَانُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما. ورُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلَّمَهُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ.

وفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَزَوَّجُ الْجِنَّ وَتُبَاضِعُهَا. حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يُرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكٍ تَزَوَّجَ سَعْلَاةً مِنَ الجِنِّ، وَكَانَ يُخَبِّؤُهَا عَنْ سَنَا الْبَرْقِ لِئَلَّا تَرَاهُ فَتَنْفِرُ. فَلَمَّا لَمَعَ الْبَرْقُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَعَايَنَتْهُ السَّعْلَاةُ، قَالَتْ: عَمْرُو! وَنَفَرَتْ. فَلَمْ يَرَهَا أَبَدًا، فَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَرْقَمَ يَهْجُو أَوْلَادَ عَمْرٍو:

أَلَا لَحَى اللهُ بَنِي السَّعْلَاةْ ……………… عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئَامَ النَّاتْ

لَيْسُوا بِأَعْفَافٍ وَلَا أَكَيَاتْ

قَوْلُ الشاعِرِ هُنَا: (النَّاتُ) أَصْلُهُ (النَّاسُ) وقد أُبْدِلَتِ السِّينُ فِيهِ تَاءً. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (أَكَيَاتٌ) أَصْلُهُ (أَكْيَاسٌ) جَمْعُ كَيِّسٍ، فأُبْدِلَتِ السِّينُ فِيهِ تَاءً أَيْضًا.

وَقَالَ الْمَعَرِّيُّ يَصِفُ مَرَاكِبَ إِبِلٍ مُتَغَرِّبَةٍ عَنِ الْأَوْطَانِ: (إِذَا رَأَتْ لَمَعَانَ الْبَرْقِ تَشْتَاقُ إِلَى أَوْطَانِهَا). فَزَعَمَ أَنَّهُ يَسْتُرُ عَنْهَا الْبَرْقَ لِئَلَّا يُشَوِّقُهَا إِلَى أَوْطَانِهَا، كَمَا كَانَ عَمْرٌو يَسْتُرُهُ عَنْ سَعْلَاتِهِ:

إِذَا لَاحَ إِيمَاضٌ سَتَرْتُ وُجُوهَهَا ………… كَأَنِّي عَمْرٌو وَالْمُطِيُّ سَعَالِي

وَالسَّعْلَاةُ: عَجُوزُ الْجِنِّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((أَحَدُ أَبَوَيْ بِلْقِيسَ كَانَ جِنِّيًّا)). قَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَالَ شَارِحُهُ العلامةُ الْمَنَاوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: فِي إِسْنَادِهِ (سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ) قَالَ فِي الْمِيزَانِ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ. وَعَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ: لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِنَا أَحْفَظُ مِنْهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ مَنَاكِيرِهِ هَذَا الْخَبَرَ. وَبَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ.

وَقَالَ أَيْضًا الْمَنَاوِيُّ أيْضًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ ((أَحَدُ أَبَوَيْ بِلْقِيسَ كَانَ جِنِّيًا))، قَالَ قَتَادَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وَلِهَذَا كَانَ مُؤَخَّرُ قَدَمَيْهَا كَحَافِرِ الدَّابَّةِ. وَجَاءَ فِي الآثَارِ: أَنَّ الْجِنِّيَّ الْأُمُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهَا مَلِكَ الْيَمَنِ خَرَجَ لِيَصِيدَ فَعَطِشَ، فَرُفِعَ لَهُ خِبَاءٌ فِيهِ شَيْخٌ فَاسْتَسْقَاهُ، فَقَالَ: يَا حَسَنَةُ، اسْقِي عَمَّكِ، فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا شَمْسٌ بِيَدِهَا كَأْسٌ مِنْ يَاقُوتٍ. فَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا، فَذَكَرَ أَنَّهُ جِنِّيُّ، وَزَوَّجَهَا مِنْهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَهَا عَنْ شَيْءٍ عَمِلَتْهُ فَهُوَ طَلَاقُهَا. فَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، وَلَمْ يُذَكِّرْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَبَحَتْهُ فَكَرَبَ لِذَلِكَ، وَخَافَ أَنْ يَسْأَلَهَا فَتَبِينُ مِنْهُ. ثُمَّ أَتَتْ بِبِلْقِيسَ فَأَظْهَرَتِ الْبِشْرَ، فَاغْتَمَّ فَلَمْ يَمْلِكْ أَنْ سَأَلَهَا، فَقَالَتْ: هَذَا جَزَائِي مِنْكَ! بَاشَرْتُ قَتْلَ وَلَدِي مِنْ أَجْلِكَ! وَذَلِكَ أَنْ أَبِي يَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَسَمِعَ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: إِنَّ الْوَلَدَ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ ذَبَحَكَ، ثُمَّ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فِي هَذِهِ فَسَمِعَهُمْ يُعَظِّمُونَ شَأْنَهَا، وَيَصِفُونَ مُلْكَهَا، وَهَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَمْ يَرَهَا بَعْدُ. هَذَا مَحْصُولُ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ. مِنْ شَرْحِ الْمَنَاوِيِّ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ (سُورَةِ النَّحْلِ): كَانَ أَبُو بِلْقِيسَ وَهُوَ: السَّرْحُ بْنُ الْهُدَاهِدِ بْنِ شُرَاحِيلَ، مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، وَكَانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الْأَطْرَافِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ كُفْأً لِي. وَأَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ، فَزَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهَا رَيْحَانَةُ بَنَتُ السَّكَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِمَةَ وَهِيَ بِلْقِيسُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهَا.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا)) ـ وقد تقدَّمَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّ سَبَبَ تَزَوُّجِ أَبِيهَا مِنَ الْجِنِّ أَنَّهُ كَانَ وَزِيرًا لِمَلِكٍ عَاتٍ، يَغْتَصِبُ نِسَاءَ الرَّعِيَّةِ، وَكَانَ الْوَزِيرُ غَيُورًا فَلَمْ يَتَزَوَّجْ. فَصَحِبَ مَرَّةً فِي الطَّرِيقِ رَجُلًا لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ فَقَالَ: لَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَإِنَّ مَلِكَ بَلَدِنَا يَغْتَصِبُ النِّسَاءَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ. فَقَالَ: لَئِنْ تَزَوَّجْتَ ابْنَتِي لَا يَغْتَصِبُهَا أَبَدًا. قَالَ: بَلْ يَغْتَصِبُهَا! قَالَ: إِنَّا قَوْمٌ مِنَ الْجِنِّ لَا يَقْدِرُ عَلَيْنَا. فَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا: وَرَوَى وُهَيْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ، قَالَ: كَانَتْ أُمُّ بِلْقِيسَ مِنَ الْجِنِّ، يُقَالُ لَهَا: بِلْعِمَةُ بِنْتُ شَيْصَانَ. والظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي كَوْنِ أَحَدِ أَبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا ضَعِيفٌ. وَكَذَلِكَ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ.

قولُهُ: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أَصْلُ الطَّيِّبِ النَّزَاهَةُ وَحُسْنُ الرَّائِحَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْمُلَائِمِ الْخَالِصِ مِنَ النَّكَدِ، قَالَ تَعَالَى في الآيةِ: 97، مِنْ هَذِهِ السُورَةِ المُبَارَكَةِ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}. وَقد اسْتُعْمِلَ فِي الصَّالِحِ مِنْ نَوْعِهِ، و “الطيِّباتِ” المُسْتَلَذَّاتِ طَعْمًا ولِباسًا، سَواءً كانَتْ مِنَ النَبَاتِ كالحبوبِ والثِمارِ وَالأَشْرِبَةِ، أَوْ كانَتْ مِنَ الحَيَوانَ كاللحومِ والبَيْضِ والأَلْبَانِ وَمُشْتَقَّاتِها، وَمَا مَكَنَّكمْ فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ الحَلالِ، وَعَنِ السُّدِّيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أَنَّهُ قال: هِيَ الغَنَائِمُ الَّتِي أَحَلَّهَا لَهُمْ. وذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كانَتْ مُحَرَّمةً عَلَى غَيْرِهمْ مِنَ الأُمَمِ السابِقَةِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى “جُمْلَةِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا” وَمَا بَعْدَهَا، لِمُنَاسَبَةِ مَا فِي الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا مِنْ تَضَمُّنِ الْمِنَّةِ بِنِعْمَةِ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ، فَإِنَّ مِنْ مُكَمِّلاتِها سَعَةُ الرِّزْقِ، كَمَا قَالَ مِنْ سُورةِ آلِ عِمْرَانَ: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ والأنعامِ والحَرثِ} الْآيَةَ: 14. وَقَالَ طَرَفَةُ:

فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَطَافَ بِي …………. بَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لِمَسُودِ

فَالْمَالُ ـ إِذًا، وَالْعَائِلَةُ لَا يَرُوقُ أَحَدُهَا بِدُونِ الْآخَرِ. ثُمَّ إنَّه يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بالرِّزْق هنا إِعْطَاءَ الْمَأْكُولَاتِ الطَّيِّبَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وكَمَا قَالَ في الآيَةِ: 37، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: {كلَّما دَخَلَ عليها زكرِيَّا المِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا}. ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرَادَ بِهِ الْمَالُ، كَمَا قَالَ مِنْ سُورَة الْقَصَصِ فِي قِصَّةِ قَارُونَ: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ} الآية: 82. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا. والآيةُ تَعْدِيدٌ لنِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبادِهِ، و “مِنْ” هُنَا للتَبْعِيضِ، فإنَّ نِعَمَ الدُنيا هي أُنْمُوذَجٌ مِنْ نِعَمِهِ التي أَعَدَّها لهم في الآخِرَةِ.

قولُهُ: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} تَوْبِيخٌ مُتَوَجِّهٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: “وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا” إِلَى قَوْلِهِ: “وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ” مِنْ الِامْتِنَانِ بِذَلِكَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ بَعْدَ كَوْنِهِمَا دَلِيلًا عَلَى انْفِرَادِ اللهِ بِالْإِلَهِيَّةِ. ذَلِكَ لأَنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهم مَا أَحَلَّهُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الطَيِّباتِ، كالْبَحِيرَةِ، وَالسَّائِبَةِ والوَصَيلَةِ، وَأَباحُوا لَها ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، كالمَيْتَةِ، والدَمِ، وَلَحْمِ الخِنْزيرِ ومَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، واسْتَحَلُّوا شُرْبَ الخُمُورِ التي حَرَّمَها عليهِمْ.  وجْحَدُوا بِإنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِمْ حينَ حَلَّلَ لهمُ الطَيِّبَاتِ، وحَرَّمَ عليهِمُ الخَبِيثاتِ، فَكْفَرُوا نِعَمَهُ، وأَخَذُوا بِالأَحْكامِ الباطِلَةِ. وَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: “هُمْ يَكْفُرُونَ” ضَمِيرُ فَصْلٍ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ بِكُفْرَانِهِمُ النِّعْمَةَ لِأَنَّ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ أَخْفَى مِنَ الْإِيمَانِ بِالْبَاطِلِ، لِأَنَّ الْكُفْرَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَالَاتِ الْقَلْبِ، فَاجْتمع فِي هَذِه الْجُمْلَةِ تَأْكِيدَانِ: التَّأْكِيدُ الَّذِي أَفَادَهُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرورِ “بِنِعْمَتِ”، وَالتَّأْكِيدُ الَّذِي أَفَادَهُ ضَمِيرُ الْفَصْلِ “هُمْ”.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ” قَالَ: الشِّرْك. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: “أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ” قَالَ: الشَّيْطَانُ، و “وَبِنِعْمَةِ اللهِ” قَالَ: مُحَمَّدٌ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} الوَاوُ: استِئْنافيَّةٌ. ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” مَرفوعٌ بالابْتِداءِ، وَ “جَعَلَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على “اللهُ” تَعَالى، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ الرَّفُعِ خَبَرُ المبتدَأِ. وَ “لَكُم”  اللامُ حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “جَعَلَ” بِتَضْمِينِهِ معنى “خَلَقَ”، أَوْ متعلِّقٌ بمفعولٍ ثانٍ مقدَّرٍ لِـ “جَعَلَ”، وكافُ الخِطابِ: ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ لتذكيرِ الجَمْعِ. وَ “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بحالٍ مِنْ “أَزْوَاجًا” لأَنَّهُ صِفَة نَكِرَة قُدِّمَتْ عَلَيْهَا، والتَقْديرُ: أَزواجًا كائنينَ مِنْ أنفُسِكم، و “أَنْفُسِكُمْ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الحرِّ بالإضافةِ إليهِ، والميمُ علامةُ الجمعِ المُذكَّرِ. و “أَزْوَاجًا” مَفْعولٌ بِهِ أَوَّلُ لِـ “جَعَلَ”. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مِنَ المُبتدأِ وخبرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. ويَجُوزُ أَنْ يُكونَ “جَعَلَ” فِعْلًا ناقِصًا فَيَكونُ (هو) اسُمَها، وَ “أَزواجًا” خَبَرها.

قولُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} الواوُ: للعطْفِ. و “جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ” مثل: “جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا”، وفي إعرابِ “حَفَدَةً” أَوْجُهٌ. أظهرُها: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى “بَنِينَ” بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنَ الأَزْواجِ، وفُسِّرَ هُنَا بِأَنَّهُ أَوْلادُ الأَوْلادِ. والوجهُ الثاني: أَنَّه مِنْ عَطْفِ الصِّفاتِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، أَيْ: جَعَلَ لَكُمْ بَنِينَ خَدَمًا، والحَفَدَةُ: الخَدَمُ. الثالثُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِـ “جَعَلَ” مُقَدَّرًا، وَهَذَا عَنْدَ مَنْ يُفَسِّرُ الحَفَدَةَ بالأَعْوَانِ والأَصْهَارِ، كما تقدَّمَ في التفسير، وإِنَّما احْتِيجَ إِلَى تَقْديرِ الفعلِ “جَعَلَ” لأَنَّ الفِعْلَ “جَعَلَ” الأَوَّلَ مُقَيَّدٌ بِالأَزْوَاجِ، وَالأَعْوانُ، والأَصْهَارُ لَيْسُوا مِنَ الأَزْوَاجِ.

قولُهُ: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} الوَاوُ: للعطفِ، و “رَزَقَكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ على القافِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على “الله” تعالى، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والميمُ: للجمعِ المُذكَّرِ. و “مِنَ” حرفُ جَرٍّ للتَبْعيضِ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ “رَزَقَ”، وَهُو في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثاني لَهُ، و “الطيِّباتِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ في محلِّ الرفعِ عْطْفًا عَلَى جملةِ “جَعَلَ” الأُولى.

قولُهُ: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} الهمزةُ: للاسْتِفْهامِ التَوْبِيخِيِّ دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، والفاءُ: للعَطْفِ عَلَى ذَلِكَ المَحْذوفِ. و “بِالبَاطِلِ” الباءُ: حرفَ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، و “الباطلِ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و “يُؤْمِنُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى ذَلِكَ المَحْذوفِ، وَالتَقْديرُ: أَيَكْفُرونَ باللهِ الذي شَأْنُهُ هَذَا فَيُؤْمِنونَ بِالباطِلِ.

قولُهُ: {وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} الوَاوُ: للحالِ. و “بِنِعْمَتِ” الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَكْفُرُونَ”، و “نِعْمَتِ” اسمٌ مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، وهُوَ مُضافٌ. ولَفْظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “هُمْ” ضميرٌ منفصِلٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، و “يَكْفُرونَ” مثلُ و “يُؤْمِنُونَ” والجملةُ  خَبَرُ المُبتدَأِ في محلِّ الرَّفعِ، والتَقْديرُ: وَهُمْ يَكْفِرُونَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ مِنْ فَاعِلِ “يُؤْمِنُونَ”.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 71


وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (71)

قولُهُ ـ تَعَالى شأنُهُ: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} أَيْ: جَعَلَكُمْ مُتَفَاوُتِينَ، فَجَعَلَ مِنْكُمْ الغَنِيَّ والفقيرَ، وَالحُرَّ وَالعَبْدَ، وأَعْطاكُمْ أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَى مَمَالِيكَكُمْ. فقدْ ضَرَبَ اللهَ تعالى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكريمةَ مَثَلًا لِلْكُفَّارِ، بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ الْمَالِكِينَ عَلَى الْمَمْلُوكِينَ فِي الرِّزْقِ، فَأَعْقَبَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ هَرَمٍ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالرِّزْقِ. وهَذَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ الْقَاهِرَ هُوَ للهِ تَعَالَى. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ الْقَاهِرِ أَنَّ الرِّزْقَ حَاصِلٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَأَنَّ تَفَاضُلَ النَّاسِ فِيهِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى رَغَبَاتِهِمْ، وَلَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَقَدْ تَجِدُ أَكْيَسَ النَّاسِ وَأَجْوَدَهُمْ عَقْلًا وَفَهْمًا مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، وَبِضِدِّهِ قد تَرَى أَجْهَلَ النَّاسِ وَأَقَلَّهُمْ تَدْبِيرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ، وَكِلَاهما قدْ حَصَلَ لَهُ مَا حَصَلَ قَهْرًا عَلَيْهِ، فَالْمُقَتَّرُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَسْبَابَ التَّقْتِيرِ، وَالْمُوَسَّعُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَسْبَابَ تَيْسِيرِ رِزْقِهِ، ذَلِك لِأَنَّ الْأَسْبَابَ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِدَةٌ وَمُتَسَلْسِلَةٌ وَمُتَوَغِّلَةٌ فِي الْخَفَاءِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ أَسْبَابَ الْأَمْرَيْنِ مَفْقُودَةٌ وَمَا هِيَ كذلك وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُحَاطٍ بِهَا وغيرُ مُدْركةٍ بالعقولِ والفهومِ. وَلِذَلِكَ أُسْنِدَ التَّفْضِيلُ فِي الرِّزْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِأَنَّ أَسْبَابَهُ خَارِجَةٌ عَنْ إِحَاطَةِ عُقُولِ الْبَشَرِ، وَمِمَّا يُنْسَبُ إِلَى الإمامِ الشَّافِعِيِّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ:

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ ….. بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ

وَالْحَكِيمُ لَا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ ولا يستنفرُهُ بِعَكْسِ قَوْلِ ابْنِ الرَّاوِنْدِيِّ:

كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ………….. وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقَا

هَذَا الَّذِي تَرَكَ الْأَوْهَامَ حَائِرَةً …………. وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقَا

وَهَذَا الْحُكْمُ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ قَائِلِهِ فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ بِالنِّحْرِيرِيَّةِ. وَتُفِيدُ الآيةُ مِنْ وَرَاءِ الِاسْتِدْلَالِ مَعْنَى الِامْتِنَانِ على العِبادِ لِاقْتِضَائِهَا حُصُولَ الرِّزْقِ لِلْجَمِيعِ. وأَخْرجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ” الْآيَةَ، يَقُولُ: لَمْ يَكُونُوا يُشْرِكُونَ عَبيدَهم فِي أَمْوَالِهمْ وَنِسَائِهِمْ، وَكَيفَ تُشْرِكونَ عَبِيدِي مَعي فِي سُلطاني؟. وَأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ لآلهَةِ الْبَاطِلِ مَعَ اللهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: كَتَبَ أميرُ المُؤْمِنينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: اقْنَعْ بِرِزْقِكَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الرَّحْمَنَ فَضَّلَ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، بَلَاءٌ يَبْتَلي بِهِ كُلًّا فَيَبْتَلِي بِهِ مَنْ بَسَطَ لَهُ، كَيَفَ شُكْرُهُ فِيهِ، وَشُكْرُهُ للهِ أَدَاؤُهُ الْحَقِّ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِمَّا رَزَقَهُ وَخَوَّلَهُ.

قولُهُ: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} هَذَا تَمْثِيلٌ لِبَيَانِ ضَلَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ حِينَ سَوَّوْا بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ بِالْخَالِقِ فَأَشْرَكُوهَا معَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وذلك لِفَسَادٍ فِي تَفْكِيرِهِمْ. كمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَةِ الْحَجِّ (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ). فَمَثَّلَ بُطْلَانَ عَقِيدَةِ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِحَالَةِ أَهْلِ النِّعْمَةِ الْمَرْزُوقِينَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يُشْرِكُوا عَبِيدَهُمْ مَعَهُمْ فِي فَضْلِ رِزْقِهِمْ فَكَيْفَ يُسَوُّونَ بِاللهِ عَبِيدَهُ فِي صِفَتِهِ الْعُظْمَى وَهِيَ الْإِلَهِيَّةُ. فَالْمَالِكِونَ لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِن وَأَنَّ الْمَالِكِينَ لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِن الْأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَجَمِيعِ نِعَمِ اللهِ. وَمَعَ هَذَا يَجْعَلُونَ الْأَصْنَامَ شُرَكَاءَ للهِ فِي حَقِّهِ عَلَى خَلْقِهِ، الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِإِشْرَاكِ عَبِيدِكُمْ مَعَكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ: فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي فِي سُلْطَانِيَا؟!. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ” الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُشَارك مَمْلُوكَهُ فِي زَوْجَتِهِ؟، وَفِي فرَاشِهِ؟ أَفَتَعْدِلُونَ بِاللهِ خَلْقَهُ وعِبَادَهُ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ لِنَفْسِكَ هَذَا فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تُبَرِّئَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَعْدِلَ بِاللهِ أَحَدًا مِنْ عِبادِهِ وَخَلْقِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، فِي الْآيَةِ، قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ فِي شَأْنِ الْآلِهَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَعْدِلونَ بِي عِبَادي، وَلَا تَعْدِلُونَ عَبيدَكمْ بِأَنْفُسِكُمْ؟ وتَرُدُّونَ مَا فُضِّلْتُمْ بِهِ عَلَيْهِم، فَتَكونُونَ أَنْتُم وَهُمْ فِي الرِّزْقِ سَوَاءَ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى منْ سورةِ الرُّومِ: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الْآيَةَ: 28، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ “مَا” فِي قَوْلِهِ: “فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ”، نَافِيَةٌ، أَيْ: لَيْسُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُسَوُّوهُمْ مَعَ أَنْفُسِهِمْ. فَإِذَا كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلك لِأَنْفُسِهِمْ: فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ في العبادةِ الْأَوْثَانَ مَعَ اللهِ تعالى، مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ؟!.

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الِاشْتِرَاكِيَّةِ الْقَائِلِ: بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ أَحَدٍ فِي الرِّزْقِ، فإنَّ فِي تَفْضِيلِ اللهِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ حِكْمَةٌ، قَالَ تَعَالَى في سُورةِ الزُخْرُفِ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} الْآيَةَ: 32، وَقد تقدَّم في الآيةِ: 236، مِنْ سُورَةِ البقرةِ قولُهُ تَعَالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}، كما تقدمَ قولُه في سُورةِ الرَّعْدِ: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} الآية: 26، إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْآيَاتِ الكريمَةِ. وَقيلَ أَنَّ مَعْنى الآيةِ أَنَّهُ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ، فَرَزَقَ بعضَكُمْ أَفْضَلَ مِمَّا رَزَقَ بَعْضَكُمُ الآخَرَ، وَهُمْ إِخْوَانُكُمْ وبَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَرُدُّوا فَضْلَ مَا رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَتسَاوَوْا فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَمَرَ مَالِكِي الْعَبِيدِ أَنْ يُطْعِمُوهُمْ مِمَّا يَطْعَمُونَ، وَيَكْسُوهُمْ مِمَّا يَلْبَسُونَ”. فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ إخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)). مُسْنَدُ الإمامِ أَحْمَد: (5/158، رقم: 21447). وصحيح البُخارِي: (2/899، رقم 2407). وصحيح مُسلِم: (3/1283 رقم: 1661). وأَبو داود: (4/340 رقم: 5158). والتَرْمِذِي: (4/334 رقم: 1945). وَقالَ: حَسَنٌ صحيح. وابْن ماجهْ: (2/1216 رقم: 3690). وأَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ المُفْرَدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُوصي بالمَمْلوكينَ خَيْرًا، وَيَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وأَلْبُسوهم مِنْ لَبُوسِكمْ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللهِ)). وَعَلَى هَذَا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: “فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ”، لَوْمٌ لَهُمْ، وَتَقْرِيعٌ عَلَى عدَمِ فعْلِهِم ذَلِكَ بإخوانِهمْ. وقيلَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّهُ ـ جَلَّ جلَالُهُ، هُوَ رَازِقُ الْمَالِكِينَ وَالْمَمْلُوكِينَ جَمِيعًا، فَهُمْ فِي رِزْقِهِ سَوَاءٌ، فَلَا يَحْسَبَنَّ الْمَالِكُونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَى مَمَالِيكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ رِزْقُ اللهِ يُجْرِيهِ لِإخْوانِهِمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ. وَالْأَظْهَرُ هو الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الذي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَيَدُلُّ لَهُ الْقُرْآنُ كَمَا بَيَّنَّا.

قولُهُ: {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} إِنْكَارٌ مِنَ اللهِ عَلَيْهِمْ جُحُودَهُمْ بِنِعْمَتِهِ ـ سُبحانَهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَسْتَعْمِلُ نِعَمَ اللهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّهُ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وَ “جَحَدَ” تَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، كما في قَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الأَعرافِ: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} الآية: 51، وكَما في قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ النَّمْلِ: {وَجَحَدُوا بِهَا} الْآيَةَ: 14، وَالْجُحُودُ بِالنِّعْمَةِ هُوَ كُفْرَانُهَا.

جاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُما، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ حِينَ قَالُوا أَنَّ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، هُوَ ابْنُ اللهِ، فَقَالَ اللهُ تعالى لَهُمْ: “فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ” أَيْ: لَا يَرُدُّ الْمَوْلَى عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ مِمَّا رُزِقَ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ فِي الْمَالِ شَرَعًا سَوَاءً، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ فَتَجْعَلُونَ لِي وَلَدًا مِنْ عَبِيدِي.

قوْلُهُ تَعَالَى: {واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} الوَاوُ: استِئنافيَّةٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” مَرْفوعٌ بالابْتِداءِ، و “فَضَّلَ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهُ” تعالى. و “بَعْضَكُمْ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، وهو مُضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. و “عَلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “فَضَّلَ”، و “بَعْضٍ” مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} الفاءُ: للعَطْفِ، و “ما” حِجَازِيَّةٌ، و “الَّذِينَ” اسمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ اسْمُ “ما”، وَ “فُضِّلُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ نائبٌ عَنْ فاعِلِهِ، والألفُ فارقةٌ. والجُمْلةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وَ “بِرَادِّي” الباءُ حرفُ جَرٍّ زائدٌ، و “رَادِّي” مَجْرورٌ لفظًا بِحَرْفِ الجَرِ الزائدِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالِمِ، مَنْصُوبٌ مَحَلًّا خَبَرُ “ما”، وهو مُضافٌ. وَ “رِزْقِهِمْ” مجرورٌ بالإضافةِ إلَيْهِ، مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إلَيْهِ، والميمُ لتذْكيرِ الجمعِ. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطَوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ” على كونِها مُسْتَأْنَفةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “بِرَادِّي”، وَ “مَا” موصولةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، أَوْ هي نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ “مَلَكَتْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ والتاءُ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعِلِ. و “أَيْمَانُهُمْ” فاعِلٌ مَرْفوعٌ، وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّر. والجملةُ الفعليَّةُ هَذِهِ صِلَةٌ لِـ “مَا” الموصولةِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ هي صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجَرِّ إنْ كانتْ نَكِرةً مَوْصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرّابِطُ مَحْذوفٌ، والتَقْديرُ: عَلَى مَا مَلَكَتْهُ أَيْمانُهم.

قولُهُ: {فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} الفاءُ: حرفُ عَطْفٍ، و “هُمْ” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ. و “فِيهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “سَوَاءٌ”، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “سَوَاءٌ” خبرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ. وهذِ الجملةُ الاسْمِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ المَنْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: “فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا”. وَفي هَذِهِ الجُملةِ أَوْجُهٌ، أَحَدُها: أَنَّها عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ الاسْتِفْهامِ والتقديرُ: أَفَهُمْ فِيهِ سَواءٌ، وَمَعْنَاهُ النَّفِيُ، أَيْ: لَيْسُوا مُسْتَوينَ فِيهِ. الثاني: أَنَّهَا إِخْبَارٌ بِالتَسَاوِي، بِمَعْنَى: أَنَّ مَا تُطْعِمونَهُ وتُلْبِسُونَهُ لِمَمَالِيكِكُمْ إِنَّمَا هُوَ رِزْقي أَجْرَيْتُهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. وقالَ أَبُو البَقَاءِ العُكْبُريُّ: إِنَّهَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلٍ. ثُمَّ جَوَّزَ فِي ذَلِكَ الفِعْلِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ فِي جَوَابِ النَّفْيِ تَقْديرُهُ: فَمَا الذينَ فُضِّلوا بِرَادِّي رِزْقِهمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهم فيَسْتَوُوا. والثاني: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ “بِرَادِّي” فَيَكُونُ مَرْفُوعًا والتَقْديرُ: فَمَا الذينَ فُضِّلوا يَرُدُّونَ فَمَا يَسْتَوُوْن.

قولُهُ: {أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} الهمزةُ: للاسْتِفْهامِ التَوْبِيخِيِّ الإِنْكَارِيِّ، دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ. وَالفاءُ: عَاطِفَةٌ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ. و “بِنِعْمَةِ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، و “نِعْمَةِ” مجرورٌ بحرْفِ الجَرِّ مُضافٌ. ولفظُ الجَلالةِ “اللهِ” مَجْرُورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، و “يَجْحَدُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. وَالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذوفَةِ، والتَقْديرُ: أَيُشْرِكونَ بِهِ فَيَجْحَدونَ نِعْمَتِهِ، والجُمْلَةُ المَحْذوفَةُ جُمْلَةٌ إِنْشائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.

قرَأَ العامَّةُ: {يَجْحَدُونَ} بالغَيْبَةِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ: “فَمَا الذين فُضِّلُواْ”. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ “تَجْحَدون” بالخِطابِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ “بَعْضَكُمْ”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com