فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 17
 
قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)
 
قولُهُ ـ تَبَاركتْ أَسْماؤه: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} نَسْتَبِقُ: أَيْ فِي الرَّمْيِ، أَوْ عَلَى الْفَرَسِ، أَوْ عَلَى الْأَقْدَامِ، والْمُرَادُ بالِاسْتِبَاقِ هُنَا ـ واللهُ أَعْلَمُ، الْجَرْيُ عَلَى الْأَرْجُلِ لأَمْرَيْنِ، الأولُ: أَنَّ الرميَ إنَّما يكونُ في النَّهارِ، والذئابُ كما باقي الحيواناتِ المتوحشَّةِ إنَّما تخرجُ في الليلِ وتنامُ في النَّهارِ، والثاني: أَنَّهم قالوا: “ذَهَبْنَا”، فخَرَجَ الرَّمِيُ أيضًا لأنَّه لا يَقْتَضِي الذَّهابَ، وخَرَجَ الاسْتِبَاقُ عَلَى الخَيْلِ لأَنَّهُ لا يَتَطَلَّبُ الغِيَابَ عَنْ أَخِيهم ومَتَاعهم فَتْرَةً طَويلَة بحيثُ تتجمعُ الذئابُ وتأكُلُ أَخَاهم. وَالْغَرَضُ مِنَ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ تَدْرِيبُ النَّفْسِ عَلَى الْعَدْوِ، لِأَنَّهُ الْآلَةُ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، وَدَفْعِ الذِّئْبِ عَنِ الْأَغْنَامِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: “نَسْتَبِقُ” نَشْتَدُّ جَرْيًا لِنَرَى أَيُّنَا أَسْبَقُ. وَذَلِكَ مِنْ مَرَحِ الشَّبَابِ وَلَعِبِهِمْ. الِاسْتِبَاقُ: افْتِعَالٌ مِنَ السَّبْقِ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى التَّسَابُقِ، وَالِافْتِعَالُ وَالتَّفَاعُلُ يَشْتَرِكَانِ كَالِانْتِضَالِ وَالتَّنَاضُلِ، وَالِارْتِمَاءِ وَالتَّرَامِي، أَيْ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ. وَيُقَالُ أَيْضًا: السِّبَاقُ، كَمَا يُقَالُ النِّضَالُ وَالرِّمَاءُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النِّضَالُ فِي السِّهَامِ، وَالرِّهَانِ فِي الْخَيْلِ، وَالْمُسَابَقَةُ تَجْمَعُهُمَا. وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُسَابَقَةُ شِرْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَخَصْلَةٌ بَدِيعَةٌ، وَعَوْنٌ عَلَى الْحَرْبِ، وَقَدْ فَعَلَهَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَفْسِهِ وَبِخَيْلِهِ، فسَابَقَ السيدةَ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَلَى قَدَمَيْهِ فَسَبَقَهَا، فَلَمَّا كَبُرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَابَقَهَا فَسَبَقَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)) رواهُ النَّسائيُّ في السُنَنِ الكُبْرَى بِرَقَم: (8942)، وابْنُ ماجَةَ في سُنَنِه، برقم: (1979)، عَنِ السيدةِ عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها. وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا لَمَّا رَجَعُوا مِنْ ذِي قَرَدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَسَبَقَهُ سَلَمَةُ، مُسْنَدُ أَحْمَد: (33/303)، وخَرَّجَهُ مُسْلمٌ في صحيحِه: (9/304) من حديثٍ طويلٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ، وذَكَرَهُ ابْنُ حَجَر في فتح الباري” (12/15). و “ذِي قَرَدٍ” مَوْضِعٌ قَريبٌ مِنَ المَدينَةِ أَغَارُوا فيهِ عَلَى لقاحِ رَسُولِ اللهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةِ والسَّلام، فغَزَاهُمْ. وَرَوَى مَالِكٌ في موطّأِهِ: (888)، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، (مَوْضِعٌ بالمَدينَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ثِنْيَةِ الوَداعِ سِتَّةُ أَمْيالٍ أَوْ سَبْعَةٌ) وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ. وخَرَّجَهُ الشيخانِ في صحيحيهما: البخاري: (9/485)، ومُسلِمٌ: (9/441)، وخرَّجه أيضًا أَصحابُ السُنَنِ وغيرُهم. والأَمَدُ: غَايَةُ الْمُسَابَقَةِ، وَيُسْتَعَارُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ مُعَيَّنَةٍ. قَالَ تَعَالَى في سورة الحديد: {فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} الآية: 16. وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا. وللمُسابَقَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، ذَكَرَها القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وقالَ: فَلَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِدُونِهَا، وَهِيَ:
1 ـ أَنَّ الْمَسَافَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً.
2 ـ أَنْ تَكُونَ الْخَيْلُ مُتَسَاوِيَةَ الْأَحْوَالِ.
3 ـ أَلَّا يُسَابِقَ الْمُضَمَّرُ مَعَ غَيْرِ الْمُضَمَّرِ فِي أَمَدٍ وَاحِدٍ وَغَايَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْخَيْلُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُضَمَّرَ وَيُسَابَقُ عَلَيْهَا، وَتُقَامُ هَذِهِ السُّنَّةُ فِيهَا هِيَ الْخَيْلُ الْمُعَدَّةُ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ لَا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ.
وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِالنِّضَالِ وَالْإِبِلِ، فَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاص ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ في سُنَنِهِ: (11/346)، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ((لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ)). وأَخْرَجَهُ التِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: (6/286) وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وأخرجهُ ابْنُ الجَعْدِ في (ص: 405) مِنْ مُسْنَدِهِ، ورَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. ورواهُ غيرُهم. وَثَبَتَ ذِكْرُ النَّصْلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ فُقَهَاءَ الْحِجَازُ وَالْعِرَاقُ. وَرَوَى أَحْمَدُ في مسندِهِ: (24/118) والْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: (9/488) عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءُ لَا تُسْبَقُ ـ قَالَ حميد: أولا تَكَادُ تُسْبَقُ ـ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ)) ورواه غيرُهما مِنْ أَصْحابِ السننِ والمسانيدِ وغيرِها. وقد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ السَّبَقَ لَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الرِّهَانِ إِلَّا فِي الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَالسَّبَقُ فِيهَا قمار. وقد زاد أبو البختري الْقَاضِي فِي حَدِيثِ الْخُفِّ وَالْحَافِرِ وَالنَّصْلِ” أَوْ جَنَاحٍ” وَهِيَ لَفْظَةٌ وَضَعَهَا لِلرَّشِيدِ، فَتَرَكَ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ مِنْ مَوْضُوعَاتِهِ، فَلَا يَكْتُبُ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَهُ بِحَالٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا سَبَقَ إِلَّا فِي الْخَيْلِ وَالرَّمْيِ، لِأَنَّهُ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، قَالَ: وَسَبَقُ الْخَيْلِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ سَبَقِ الرَّمْيِ. وظاهرُ الحَديثِ يَسْتَوِي بَيْنَ السَّبَقِ عَلَى النُّجُبِ وَالسَّبَقِ عَلَى الْخَيْلِ. وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الرِّهَانَ فِي كُلِّ شيْءٍ إِلَّا فِي الْخَيْلِ، لِأَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الْمُرَاهَنَةَ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ المُراهَنَةَ في كُلِّ شَيْءٍ جَائِزَةٌ، وَقَدْ تُؤُوِّلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى العُمومِ في كُلِّ شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى، إِجَازَةِ الْقِمَارِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقٍ.
وكما لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إِلَّا فِي غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ، كَمَا تقدَّمَ، فَكَذَلِكَ الرَّمْيُ لَا يَجُوزُ السَّبَقُ فِيهِ إِلَّا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ وَرَشْقٍ مَعْلُومٍ، وَنَوْعٍ مِنَ الْإِصَابَةِ، مُشْتَرَطٍ خَسْقًا أَوْ إِصَابَةٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ. يقال: خَسَقَ السَّهمُ الرِمْيَةَ أَو خَزَقَها، إِذا أَصابَها ونَفَذَ فيها. وَالْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ أيضًا:
1 ـ سَبَقٌ يُعْطِيهِ الْوَالِي أَوِ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا فَيَجْعَلُ لِلسَّابِقِ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَمَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ.
2 ـ وَسَبَقٌ يُخْرِجُهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ صَاحِبَهُ أَخَذَهُ، وَحَسَنٌ أَنْ يُمْضِيَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى مَالِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ.
3 ـ وسَّبَقٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِثْلَ مَا يُخْرِجُهُ صَاحِبُهُ، فَأَيُّهمَا سَبَقَ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وَسَبَقَ صَاحِبِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لَا يَأْمَنَا أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ جَمِيعًا وَأَخَذَهُمَا وَحْدَهُ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَحْرَزَ سَبَقَهُ وأَخَذَ سَبَقَ صاحِبِهِ، ولا شَيْءَ للمُحَلِّلِ فِيهِ، ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ سَبَقَ الثَّانِي مِنْهُمَا الثَّالِثَ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ ـ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: وَحُكْمُ الْفَرَسِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا جَرْيُهُ، وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ السَّبَقَ لِلْمُتَسَابِقَيْنِ أَوْ لَهُ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَنَّهُ إِنْ سَبَقَ أَخَذَ سَبَقَهُ وَسَبَقَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ قِمَارٌ، وَلَا يَجُوزُ. وَفِي مُسْنَدُ أَحْمَد: (21/197)، وسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (7/142) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (6/142)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: ((مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ وَمَنْ أَدْخَلَهُ وَهُوَ يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ)). ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ والبيهقيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَصَحَّحَهُ، وغيرهم. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ، وإنْ لم يسْبِقَ لَمْ يَكنْ عَلَيْهِ شيءٌ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَقَالَ مَرَّةً لَا يَجِبُ الْمُحَلِّلُ فِي الْخَيْلِ، وَلَا نَأْخُذُ فِيهِ بِقَوْلِ سَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْمُحَلِّلِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ مِنْ قَوْلِهِ.
وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فِي الْمُسَابَقَةِ إِلَّا مُحْتَلِمٌ، وَلَوْ رَكِبَهَا أَرْبَابُهَا كَانَ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَرْكَبُ الْخَيْلَ فِي السِّبَاقِ إِلَّا أَرْبَابُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقَلُّ السَّبَقِ أَنْ يَسْبِقَ بِالْهَادِي (العُنُقِ) أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ بِالْكَفَلِ أَوْ بَعْضِهِ. وَالسَّبَقُ مِنَ الرُّمَاةِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ عِنْدَهُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سَابَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَسَبَقَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي أَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ كَانَ عِنْدَ صَلَا فَرَسِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وثَلَتَ عُمَرُ وَالصَّلَوَانِ مَوْضِعُ الْعَجُزِ.
والِاسْتِبَاقُ تَكَلُّفُ السَّبْقِ وَهُوَ الْغَرَضُ مِنَ الْمُسَابَقَة، وَالتَّسَابُقُ بِصِيغَتَيِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْغَلَبُ، وَقَدْ يُقْصَدُ لِذَاتِهِ أَوَ لِغَرَضٍ آخَرَ فِي السَّبَقِ. وَمِنْهُ قولُهُ في سُورةِ البَقَرَةِ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} الآية: 148، فَهَذَا يُقْصَدُ بِهِ السَّبْقُ لِذَاتِهِ لَا لِلْغَلَبِ، وَقَوْلُهُ الْآتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} الآية: 25، كَانَ يَقْصِدُ بِهِ يُوسُفُ الْخُرُوجَ مِنَ الدَّارِ هَرَبًا مِنْ حَيْثُ تَقْصِدُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِاتِّبَاعِهِ إِرْجَاعَهُ، وَصِيغَةُ الْمُشَارَكَةِ لَا تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى.
قولُهُ: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أَيْ عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا حَارِسًا لَهَا. إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَنَا فِي اسْتِبَاقِنَا الَّذِي تُرْهَقُ بِهِ قُوَانَا، وقد أَوْغَلْنَا فِي الْبُعْدِ عَنْهُ فَلَمْ نَسْمَعْ صُرَاخَهُ وَاسْتِغَاثَتَهُ. “فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ” وذَلِكَ أَنَّهم عِنْدَمَا سَمِعُوا أَبَاهُمْ يَقُولُ: {وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ فِيهِ فَتَحَرَّمُوا بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَظْهَرَ الْمَخَاوِفَ عَلَيْهِ.
قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: أَيْ بِمُصَدِّقٍ. فقد أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخ عَنِ الضَّحَّاك ـ رَضِي الله عَنهُ: “وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا} قَالَ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا. وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ عَنِ السُّدِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ. “وَلَوْ كُنَّا” أَيْ وَإِنْ كُنَّا، و “صادِقِينَ” فِي قَوْلِنَا، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ يَعْقُوبُ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُمْ مِنْ قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقِيلَ: “وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ” أَيْ وَلَوْ كُنَّا عِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ مَا صَدَّقْتَنَا، ولاتَّهمْتَنا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِكَ فِي يُوسُفَ. والْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ أَيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ثَقَلُهُمْ مِنَ الثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ وَالزَّادِ. و “أَكَلَهُ الذِّئْبُ” قَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَفِعْلُ الْأَكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ. يُقَالُ أَكَلَهُ الْأَسَدُ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى في الآيةِ الثالثةِ مِنْ سورةِ المائدةِ: {وَما أَكَلَ السَّبُعُ} عَطْفًا عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهَا، أَيْ بِقَتْلِهَا. وَمِنْ كَلَامِ أميرِ المؤمنين عُمَرَ بْنِ الخطَّاب ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حِينَ طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ (أَكَلَنِي الْكَلْبُ)، أَيْ عَضَّنِي. وَالْمُرَادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئَابِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئَابُ مِنْهُ شيئًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنَّاهُ. وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَبَاهُمْ لَا يُصَدِّقُهُمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طَامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ. أَيْ: وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلِنَا هَذَا، لِاتِّهَامِكَ إِيَّانَا بِكَرَاهَةِ يُوسُفَ وَحَسَدِنَا لَهُ عَلَى تَفْضِيلِكَ إِيَّاهُ عَلَيْنَا فِي الْحُبِّ وَالْعَطْفِ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِي الْأَمْرِ الْوَاقِعِ أَوْ نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ وَلَوْ كُنَّا عِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ مَا صَدَّقْتَنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ لِشِدَّةِ وَجْدِكَ بِيُوسُفَ. لذلك فإِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ الذي خِفْتَنَا عَلَيْهِ منذ البداية. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللهِ. وَأَخْرَجَ ابْنْ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْله تعالى: “وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين” قَالَ: نَزَلَتْ عَلى كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِك: لَا تُصَدِّقُ بِالصِّدقِ وَلَو كُنْتُ صَادِقًا.
قال بَعْضُهُم: إنَّ سَبَبِ ابْتِلاءِ يَعقوبَ بِفِراقِ يُوسُفَ ما رُوِيَ في الخَبَرِ أَنَّهُ ذَبَحَ جَدْيًا بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِ فَلَمْ يَرْضَ اللهُ تَعالَى ذَلِكَ مِنْهُ، وأَرَيَ دمًا بِدَمٍ، وفُرْقَةً بِفُرْقَةٍ، لِعَظَمَةِ احْتِرامِ شَأْنِ البُنُوَّةِ.
وقالَ بَعْضُهم: لَمَّا وُلِدَ يُوسُفُ اشْتَرَى يَعْقوبُ لَهُ ظِئْرًا، وكانَ لَهَا ابْنٌ رَضِيعٌ، فبَاعَ ابْنَها تَكْثيرًا لِلَّبَنِ عَلَى يُوسُفَ، فبكَتْ وتضرَّعَتْ، وقالتْ: يا رَبُّ إنَّ يَعقوبَ فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَ وَلَدَي، فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وَلَدِهِ يُوسُفَ، فاسْتَجابَ اللهُ دُعاءَها فَلَمْ يَصِلْ يَعْقوبُ إِلى يُوسُفَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ لَقِيَتْ تِلْكَ الجارِيَةُ ابْنَها. تفسيرُ روحِ البَيانِ لإسْماعِيل حَقّي: (4/225). وفي الحديثِ (لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِها) أيْ: لا تُجْعَلْ وَالِهَةً بِتَفْرِيقِهِ مِنْها، البُخَارِيُّ في التَاريخِ الكَبير: (6/477) مِنْ حَديثِ عُيَيْنَةَ بْنِ عَاصِمِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ، وابْنُ عَدِيٍّ: (6/2414)، مِنْ حَديثِ أَنَسٍ، والبَيْهَقِيُّ: (8/5) مِنْ حَديثِ أَبي بَكْرٍ الصِّديقِ. ومِنْ أَحاديثِ المَقَاصِدِ الحَسَنَةِ: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلِدِها فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ)) رواه الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ: (5/412، رقم: 23546)، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ، وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي، فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا. قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهَا حَتَّى وَضَعَهُ فِي يَدِهَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وخرَّجهُ عنه التِرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: (4/134، رقم: 1566)، وحسَّنَهُ، والحاكمُ في مستدركِهِ: (2/63، رقم: 2334) وصحَّحَهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وأخرجه الدارميُّ والبيهقيُّ والدارقطنيُّ والشهابُ وغيرُهم. ومِثْلُ هَذا وإنْ كانَ بَعيدًا بِالْنِسْبَةِ إلى الأَنْبِياءِ ـ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسَّلامُ، إلَّا أَنَّ القَضَاءَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلْ. قالَ الشَّيْخُ الأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إِذا شاءَ الحَقُّ إِنْفاذَ قَوْلِهِ تَعالى: {وكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدورًا} عَلى عُمومِ الأفْعالِ في العَبْدِ، بإيفاءِ زَلَّةٍ مِنْهُ، يُجْرِي عَلَيْهِ القَدَرَ بِمَا أَرادَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى مَقامِهِ، إنْ كانَ مِنْ أَهْلِ العِنَايَةِ والوُصُولِ. وقيلَ لأبِي يَزيدٍ البسطاميُّ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ: أَيَعْصي العَارِفُ: فَقالَ: وكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدورًا. هَذا بِالنِسْبَةِ إِلى حَالِ يَعْقوبَ وابْتِلائِهِ، وأَمَّا بالنِسْبَةِ إلى يُوسُفَ، فقدْ حُكِيَ أَنَّهُ أَخَذَ يَوْمًا مِرَآةً فَنَظَرَ إِلى صُورَتِهِ، فأَعْجَبَهُ حُسْنُهُ وبَهاؤهُ، فقالَ: لَوْ كُنْتُ عَبْدًا فباعُوني لَمَا وُجِدَ لِي ثَمَنٌ، فابْتُلِيَ بالعُبودِيَّةِ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِرَاقِهِ مِنْ أَبِيهِ. وفِيهِ إِشارَةٌ إِلى أَنَّ الجَمَالَ والكَمَالَ كُلَّهُ للهِ ـ سبحانَهُ وتَعَالَى وَحْدَهُ.
قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مَبَنِيٌّ على الضَّمِ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “يَا أَبَانَا” اليَاءُ: أداةُ نداءٍ للمتوسِّطِ بُعْدُهُ، و “أَبَانَا” مَنصوبٌ على النِداءِ مُضافٌ وعلامةُ نَصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخَمْسَةِ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قال”. و “إِنَّا” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مُشبَّهٌ بالفِعلِ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “ذَهَبْنَا” فعلٌ مُضارعٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” جماعةِ المتكلمينَ وهو ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “ذهبنا” في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قالَ” عَلَى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ. و “نَسْتَبِقُ” فعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ منَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلى إِخْوَةِ يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “ذَهَبْنَا”.
قولُهُ: {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} وَتَرَكْنَا: الواوُ
للعطفِ، و “تركنا” مثل “ذهبنا” معطوفةٌ عَلَيها. و “عِندَ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “تركنا” وهو مضافٌ، و “مَتَاعِنَا” مجرورٌ بالإضافةِ مضافٌ، و “نا” ضميرُ جَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُكونِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “فَأَكَلَهُ” الفاءُ: عاطفةٌ، و “أكَلَ” فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في مَحَلِّ نصبِ مفعولِهِ، و “الذئبُ” فاعلُهُ مرفوعٌ. والجملةُ هذه على جُملَةِ “تَرَكْنا”.
قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} الواوُ: عاطِفَةٌ. و “ما” حجازيَّةٌ أَوْ تَميمِيَّةٌ. “أَنْتَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محَلِّ رَفْعِ اسْمِ “ما” إنْ أُعْربتْ حجازيَّةً، أَو في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ، إنْ أُعربتْ تميميَّةً. و “بِمُؤْمِنٍ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ زائدٍ، و “مُؤْمِنٍ” مجرورٌ لَفظًا منصوبٌ محَلًا خَبَرًا ل “مَا” الحِجَازِيَّةِ، أوْ مرفوعةٌ خَبَرًا للمُبْتَدَأِ “أنت”. و “لَنَا” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “مُؤمِنٍ”، و “نا” ضَميرُ جَمَاعَةِ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ، وهذِه الجُملة الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى جُملةِ “فَأَكَلَهُ” عَلى كونِها مَقولَ القولِ. و “وَلَوْ” الواوُ: اعتراضيَّةٌ أَوْ عاطفةٌ عَلى مَحْذوفٍ. و “لو” حرفُ شَرْطٍ غيرُ جازِمٍ. و “كُنَّا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” ضميرِ جماعةِ المُتَكَلِّمِينَ وهوَ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ
عَلى السُّكونِ في محلِّ رفعِ اسْمِ “كان”، و “صادقين” خبرُها منصوبٌ،
وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالمِ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، والجملةُ الاسميَّةُ هذهِ فعلُ شرطِ “لو” لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجَوابُ “لو” مَحذوفٌ والتقديرُ: ولو كُنّا صادقينَ، لا تَّهَمْتَنا، وجملةُ “لَوْ” الشَرْطِيَّةُ معطوفةٌ على الجملةِ المَحذوفةِ، والجملةُ المَحذوفةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ “لنا” تقديرُهُ: وما أَنْتَ بِمُؤمنٍ لَنَا حَالَةَ كَوْنِنا صَادِقينَ وغَيْرَ صادِقينَ.
قرأَ الجمهورُ: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} وفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “إِنَّا ذَهَبْنَا نَنْتَضِلُ”.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 16
 
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً} عِشاءً: أيْ آخِرَ النَّهَارِ. وَإِنَّمَا جَاءُوا عِشَاءً للاسْتِتارِ وليُخْفوا وُجوهَهم مِنْ تَفَرُّسِهِ الكَذِبَ فيها، ولِيَكُونُوا أَقْدَرَ عَلَى الِاعْتِذَارِ فِي الظُّلْمَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا تَطْلُبِ الْحَاجَةَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَلَا تَعْتَذِرْ بِالنَّهَارِ مِنْ ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجَ فِي الِاعْتِذَارِ.
قولُهُ: {يَبْكُونَ} أَيْ: مُتَبَاكينَ، مُتَصَنِّعِيِّ البُكاء. لِيُوهِمُوا، بِبُكائهم وتَفَجُّعِهم عَلَيْهِ، إِفراطَ مَحَبَّتِهمْ لَهُ المَانِعَةِ مِنْ الجُرْأَةِ عَلى إيذائه. ولِهَذَا قالَ الأَعْمَشُ لا تُصَدِّقْ باكِيَةً بَعْدَ إِخْوَةِ يُوسُفَ. وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً تَحَاكَمَتْ إِلَى شُرَيْحٍ القاضي فَبَكَتْ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ مَا تَرَاهَا تَبْكِي؟ قَالَ: قَدْ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يَبْكُونَ وَهُمْ ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا بِالْحَقِّ. وربَّما كان بَعْضُهم صادقًا في بكائهِ نَدَمًا عَلَى ما ارتكبَ مِنْ إثمٍ، وقد أَحَسَّ بِفَظَاعَةِ ما اقترفوا، خًصوصًا عِنْدَمَا رأوا ما حلَّ بِأَبيهم مِنْ ألمِ الثُّكْلِ وعذابِهِ.
وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لَا يَدُلُّ دائمًا عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا، فَإنَّ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الدَّمْعَ الْمَصْنُوعَ لَا يَخْفَى، كَمَا قَالَ المُتَنَبِّي:
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ ………….. تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
وقبله:
وفي الأَحْبابِ مَخْصوصٌ بِوَجْدٍ …………… وآخَرُ يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا
وبعده:
فأمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْدًا ………….. ويَنْطِقُ بالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا
فَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَمِعَ بُكَاءَهُمْ قَالَ: مَا بِكُمْ؟ أَجْرَى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَيْنَ يُوسُفُ؟. قَالُوا: ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكَى وَصَاحَ وَقَالَ: أَيْنَ قَمِيصُهُ؟. فَطَرَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى تَخَضَّبَ وَجْهُهُ مِنْ دَمِ الْقَمِيصِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ لَمَّا قَالُوا أَكَلَهُ الذِّئْبُ، خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأَفَاضُوا عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَنَادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، قَالَ وَهْبٌ: وَلَقَدْ وَضَعَ يَهُوذَا يَدَهُ عَلَى مَخَارِجِ نَفَسِ يَعْقُوبَ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسٍ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُ عِرْقٌ، فَقَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: وَيْلٌ لَنَا مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ! ضَيَّعْنَا أَخَانَا، وَقَتَلْنَا أَبَانَا، فَلَمْ يُفِقْ يَعْقُوبُ إِلَّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، فأَفاقَ ورَأْسُه فِي حِجْرِ رُوبِيلَ، أو يهوذا، فَقَالَ له: أَلَمْ أَأْتَمِنُكَ عَلَى وَلَدِي؟. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ عَهْدًا؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ كُفَّ عَنِّي بُكَاءَكَ أُخْبِرْكَ، فَكَفَّ يَعْقُوبُ بُكَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَبَتِ {إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}.
وفي الآيةِ نَقْضٌ لقولِ المُعْتَزِلَةِ في صاحِبِ الصَّغيرةِ أَنْ لا تَعْذيبَ عَلَيْهِ، وفي صاحِبِ الكَبيرَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الإيمانِ، كَمَا فيها نَقْضٌ لقوْلِ الخَوارِجِ في أَنَّ مُرْتَكِبَ الكبيرِةِ أَوِ الصغيرَةِ كافرٌ مُشْرِكٌ. لأنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ هَمُّوا بِقَتْلِ يُوسُفَ، وطَرَحوهُ في الجُبِّ، ولا يَخْلو ذَلِكَ مِنْهم: إِمَّا أَنْ تَكونَ صَغيرةً أَوْ كَبيرةً، فإنْ كانَتْ صَغيرَةً فَقَدِ اسْتَغْفَروا اللهَ عَلَيْها بِقَوْلِهم: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} سورة يوسف، الآية: 97؛ فدَلَّ على أَنَّهم إِنَّما طَلَبُوا المَغْفِرةَ لَمَّا خافُوا العَذَابَ عَلَيْها. وإِنْ كانَتْ كَبيرَةً فلْم يَخْرُجوا مِنَ الإيمانِ؛ حَيْثُ صَارُوا مِنْ بَعْدُ قومًا أَنْبَياءَ وصاروا قومًا صالِحينَ؛ حَيْثُ قالُوا في الآيَةِ التاسِعةِ السابِقَةِ: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.
قولُهُ تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} الواوُ: استئنافيَّةٌ، و “جَاءُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق. و “أَبَاهُمْ” مَفعولٌ بهِ منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وهو مُضافٌ، وضميرُ جماعة الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عِشَاءً” مَنْصوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الزمانيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “جاءوا” وهذا الظَرْفٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. و “يَبْكُونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامَةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “جاءوا”.
قرأَ الجمهورُ: {عِشاءً}، وقرأَ الحَسَنُ البَصريُّ ـ رضي اللهُ عنهُ: “عُشَا” جَمْعُ “عاشٍ” على وَزْنِ دُجَى، نحوَ: غازٍ وغُزاةٍ، ثُمَّ حُذِفَ منْهُ تَاءُ التَأْنيثِ، كَمَا حَذَفوها مِنْ “مَأْلُكَةٍ”، فقالوا: مَأْلُكٍ، كما قالَ عَدِيُّ بْنُ زيدٍ:
أَبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ……………… أَنَّهُ قدْ طالَ حَبِسي وانْتِظاري
قال أَبو الفَتْحِ عثمانُ بْنُ جِنِّي: وكانَ قِياسُهُ عُشاةً، ك “ماشٍ” ومُشاةٍ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الهاءَ تَخْفِيفًا وهوَ يُريدُها، وقرأَ الحَسَنُ أَيضًا “عُشِيًّا” بالتَّصغيرِ. وقالَ أَبو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِضَمِّ العَيْنِ، والأَصْلُ: “عُشاةٌ” مِثْل “غازٍ” و “غُزاة”، فَحُذِفَتْ الهاءُ وزِيْدتِ الأَلِفُ عِوَضًا مِنْها، ثمَّ قُلِبَتِ الأَلِفُ هَمْزَةً. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ جمْعَ “فاعِلٍ” على وزنِ “فُعال”، كما جُمع “فَعيل” على “فُعال” لِقُرْبِ ما بَيْنَ الكَسْرِ والضَّمِّ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ كَ “نُؤام” و “رُباب” وهوَ شَاذٌّ. وهيَ مِنَ العِشْوَةِ والعُشْوَةِ، وهيَ الظَّلامُ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 15
 
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)
 
قولُهُ ـ جَلَّ وعَلا: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} أَي: ولمَّا ذهبوا بِيُوسُفَ مِنْ عِنْدِ يَعْقوبَ ـ عليهِما السَّلامُ، وثَمَّةَ مَحْذوفٌ هُنَا تَقْديرُ: وقدَّمَ أبناءُ يعقوبَ لأَبيهم ما قدَّموا مِنْ ضماناتٍ أقنعوهُ بها، ورَأَى إِلْحاحَهم في خُروجِهِ أخيهم مَعْهم إلى الصَّحْراءِ ليلهوَ معهم ويَلْعَبَ، ورَأَى مِنْ يوسُفَ أَيضًا مَيْلًا إلى الذهابِ مَعَهم للنُزْهَةِ، رَضِيَ بالقَضَاءِ، فأَرْسَلَهُ مَعَهم. مسلِّمًا الأمرَ إلى اللهِ تعالى. رُويَ عنِ الحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، قولُهُ: كانَ بَيْنَ خُروجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبيهِ إِلى يَوْمِ التَّلاقي ثَمانُونَ سَنَةً، لَمْ تَجِفَّ فيها عَيْنَا يَعْقوبَ، ومَا عَلَى الأَرِضِ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ. قالَ وهْبُ بْنُ منبِّهٍ ـ رضيَ اللهُ عنه: وَكَانَ يوسُفُ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ـ وَقِيلَ: ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. تفسيرُ البَغَوِيِّ، طَيْبَةَ: (4/221).
قولُهُ: {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} أَيْ: وعَزَمُوا عَزْمًا أَكِيدًا، عَلَى تَنْفيذِ ما اتَّفَقوا عَلَيْهِ مِنْ إلْقاءِ أَخيهم يُوسُفَ في قَعْرِ الجُبِّ وظُلْمَتِهِ. و “الجبُّ” الرَّكِيَّةُ التي لَمْ تُطْوَ بالحِجارَةِ. فإذا طويَتْ فلَيْسَتْ بِجُبٍّ. أَتَوْا بِهِ إِلَى البِئْرِ، فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ، وَدَلَّوْهُ فِيهَا إِلَى قَاعِهِا، وكَانَ أَعلى ذَلِكَ الجُبُّ ضَيِّقًا، وأَسْفَلُهُ وَاسِعًا، حَفَرَهُ شدَّاد عَلَى ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ بأَرضِ كَنْعانَ، التي هِي مِنْ نَواحِي الأُرْدُنِّ، حِينَ عَمَرَ تِلْكَ البِلادَ. وقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
ورَوى الطَبريُّ عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قال: فَأَرْسَلَهُ مَعَهُمْ، فَأَخْرَجُوهُ وَبِهِ عَلَيْهِمْ كَرَامَةٌ. فَلَمَّا بَرَزُوا بِهِ إِلَى الْبَرِيَّةِ أَظْهَرُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَجَعَلَ أَخُوهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بِالْآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ يَا يَعْقُوبُ، لَوْ تَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِابْنِكِ بَنُو الْإِمَاءِ فَلَمَّا كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، قَالَ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ؟ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ، فَجَعَلُوا يُدِلُّونَهُ فِي الْبِئْرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ. فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا تُؤْنِسُكَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْ شَيْئًا. فَدَلُّوهُ فِي الْبِئْرِ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ، فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَلَمَّا أَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ جَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوْهُ، فَظَنَّ أَنَّهَا رَحْمَةٌ أَدْرَكَتْهُمْ، فَلَبَّاهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَقَامَ يَهُوذَا فَمَنَعَهُمْ، وَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ” جامِعُ البَيَانِ طَ هَجر: (13/29).
وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ قَالَ يَا شَاهِدًا غَيْرَ غَائِبٍ. وَيَا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ. وَيَا غَالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ. اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا. وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيَابِهِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَمِيصٍ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ، فَدَفَعَهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى إِسْحَاقَ، وَإِسْحَاقُ إِلَى يَعْقُوبَ، فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ فِي تَمِيمَةٍ وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخْرَجَهُ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ. مفاتيحُ الغيبِ: (18/428).
قولُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا} أَوْحَى اللهُ تعالى إِلَى يُوسُفَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الحَالِ مِنَ الكَرْبِ وَالضِّيقِ: أَنْ لاَ تَحْزَنْ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا حَسَنًا، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ، وَيُعْلِي قَدْرَكَ، وَيَرْفَعُكَ دَرَجَةً، وَسَتُخْبِرُ إِخْوَتَكَ بِمَا فَعَلُوا مَعَكَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ، فأَلْهَمَهُ اللهُ في تِلْكَ اللَّحَظاتِ العَصيَبةِ الاطمئنانَ بالله والثِّقَة بِهِ تَطْيِّيبًا لخاطِرِهِ وَتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ. قيلَ كانَ ذلكَ إلهامًا، كَمَا هو فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى} الآية: 7، مِنْ سُورَةِ الْقَصَصِ، وَكما في قَوْلِهِ تعالى في سورةِ النحلِ: {وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} الآية: 68، وقِيلَ كانَ رُؤيا مَنَامِيَّةً، والْأَكْثَرُونَ ـ مِنْهمُ الحَسَنُ البَصريُّ، وطائفةٌ عظيمةٌ منَ المحقِّقينَ، عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَالِغًا وَكَانَ سِنُّهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، أوْ ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا إِلَّا أَنَّ الله تَعَالَى أَكْمَلَ عَقْلَهُ وَجَعَلَهُ صَالِحًا لِقَبُولِ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ كَمَا هو الأَمْرُ في حَقِّ عِيسَى ـ عَلَيْهِما السَّلَامُ. ولَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشَرِّفَهُ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَيَأْمُرَهُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَوْقَاتٍ، وَيَكُونُ فَائِدَةُ تَقْدِيمِ الْوَحْيِ، تَأْنِيسَهُ وَتَسْكِينَ نَفْسِهِ، وَإِزَالَةَ الْغَمِّ وَالْوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ.
قولُهُ: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} قيل المُرادُ: وَهُمْ مَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْه، والأرجحُ أنَّ المُرادَ: أَنَّك سَتُنَبِّئُهم بأَمرِهمْ هذا وهم لاَ يَشْعُرُونَ بِكَ، لأَنَّهُمْ كانوا يظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ تَخَلَّصُوا مِنْكَ. فقد رُوِيَ أَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ الْحِنْطَةِ، وَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعَا بِالصُّوَاعِ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ، فقالَ: إِنَّهُ لَيُخْبِرُني هَذَا الْجَامُ أَنَّهُ كَانَ لَكُمْ أَخٌ مِنْ أَبِيكُمْ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ فَطَرَحْتُمُوهُ فِي الْبِئْرِ وَقُلْتُمْ لِأَبِيكُمْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ. وقد كَانَ هَذَا أَمْرًا مِنَ الله تَعَالَى لِيُوسُفَ أَنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ عَنْ أَبِيهِ فلَا يُخْبِرُهُ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ، ولِهَذَا كَتَمَ أَخْبَارَهُ عَنْ أَبِيهِ طوالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، معَ مقدِرتهِ على ذلكَ، وعِلْمِهِ بِوَجْدِ أَبِيه، خَوْفًا مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ الله تَعَالَى، وَصَبَرَ عَلَى تَجَرُّعِ تِلْكَ الْمَرَارَةِ، فَكَأَنَ الله ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَدْ قَضَى عَلَى يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُوَصِّلَ إِلَيْهِ تِلْكَ الْغُمُومَ الشَّدِيدَةَ وَالْهُمُومَ الْعَظِيمَةَ لِيَكْثُرَ رُجُوعُهُ إِلَيهِ تَعَالَى، وَيَنْقَطِعَ تَعَلُّقُ فِكْرِهِ عَنِ الدُّنْيَا فَيَصِلُ إِلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ فِي الْعُبُودِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمِحَنِ الشديدَةِ. والله أَعْلَم.
قولُهُ تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} الفاءُ: عاطفةٌ عَلى مَحْذوفٍ تَقديرُهُ: فأَرْسَلَهُ مَعَهُم، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ، وذَلِكَ المُقَدَّرُ مَعْطوفٌ عَلى قولِهِ سابقًا. و {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا} وقدْ تقدَّمَ ذلك في التفسيرِ. و “لَمَّا” حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جازِمٍ. و “ذَهَبُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألِفُ للتفريق. و “بهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ “ذَهَبُوا”، والجُمْلَةُ هذه فعلُ شَرْطٍ لِ “لَمَّا” الشرطيَّةِ.
قولُهُ: {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} الوَاوُ: للعطفِ، و “أَجْمَعُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألِفُ للتفريق. والجملةُ معطوفةٌ عَلَى جملةِ “ذَهَبُوا”، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ حالًا، و “قد” مُضْمَرَةٌ مَعَهُ عِنْدَ بَعْضِهم. و “أَنْ” حرفٌ ناصِبٌ، و “يَجْعَلُوهُ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِ “أنْ” وعلامةُ نَصْبِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ الأوّل. و “فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ” جارٌّ ومَجْرورٌ مضافٌ، ومضافٌ إليهِ، في مَحَلِّ النَّصبِ مفعولًا ثانيًا للجَعْلِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلى المَفْعولِيَّةِ لِـ “وَأَجْمَعُوا” والتقديرُ: وأَجْمَعُوا جَعْلَهم إِيَّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، أَيْ: عَزَموا عَلى أَنْ يَجْعَلُوهُ، أَوْ عَزَموا أَنْ يَجْعَلُوهُ، لأَنَّهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وبِ “عَلى”، فَ “أَنْ” يُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ عَلَى حَذْفِ الحَرْفِ، وأَنْ لا تَكونَ، فَعَلَى الأَوَّلِ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَوْضعَها النَّصْبُ والجَرُّ، وعَلَى الثاني يَتَعَيَّنُ النَّصْبُ. والجَعْلُ يجُوزُ أَنْ يَكونَ بِمَعْنَى الإِلْقاءِ، وأَنْ يَكونَ بِمَعْنَى التَّصْييرِ، فَعَلى الأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ “في غَيَابَةِ” بِنَفْسِ الفِعْلِ قَبْلَهُ، وعَلَى الثاني يتعلَّقُ بِمَحْذوفٍ. وجَوابُ “لمّا” محذوفٌ تَقْديرُهُ: فَعَلوا بِهِ، مَا فَعَلُوا مِنَ الأَذَى، وقدَّرهُ بعضُهم بِ “عَرَّفْناه وأَوْصَلْنا إليه الطُمْأَنِيَنَةَ”، وقدَّروهُ أيضًا ب: “عَظُمَتْ فِتْنَتُهم”. وقدَّرهُ آخَرونَ ب “جَعَلوهُ فِيها” أي فلما جعلوهُ في الجُبِّ، وهذا أَوْلَى لدَلالَةِ الكلامِ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ “لمَّا” مَعْطُوفَةٌ عَلَى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذوفَةِ. وقالَ بعضُهم أَنَّ الجَوابَ مُثْبَتٌ، وهوَ قولُهُ في الآيةِ التي تَلِيها: {قَالُواْ يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنَا}، أَيْ: لَمَّا كانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قالوا. وهذا فِيهِ بُعْدٌ لِبُعْدِ الكلامِ مِنْ بِعْضِهِ. وقالَ الكوفيُّونَ: بِأَنَّ الجَوابَ هو قولُهُ: “وأَوْحَيْنَا” والواوُ فِيهِ زائدَةٌ، أيْ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ أَوْحَيْنَا، وجَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ قوْلَهُ تَعالى في الآية: 103 منْ سورةِ الصافّاتِ: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبينِ}، أَيْ: فلَمّا أسلَما تَلَّهُ. وجعلوا منه كذلك قولَهُ في سورةِ الزُمَرِ: {حَتّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أبوابُها} الآية: 71، وقولَ امْرِئِ القَيْسِ:
فلمَّا أَجَزْنَا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى …….. بِنَا بَطْنَ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنِقْلِ
أيْ: فَلَمَّا أَجَزْنَا انْتَحَى. ومثلُهُ عندهم كثيرٌ بَعْدَ “لَمَّا”.
قولُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الوَاوُ: للعَطْفِ، و “أَوْحَيْنَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متَحَرِّكٍ هوَ “نا” الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وهذه الجملةُ معطوفةٌ على جملةِ جوابِ “لمّا” المَحذوفةِ. و “إِليهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “أوحينا”. و الظاهرُ أنَّ هذا الضَميرُ يَعوْدُ على يُوسُفِ، وقيلَ: يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عليهِما السلامُ. و “لَتُنَبِّئَنَّهُمْ” اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “تُنَبِّئَنَّهم” فِعْلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتحِ لاتِّصالِهِ بنونِ التوكيدِ الثقيلةِ في محلِّ الرَّفعِ، وضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مَفعولِهِ. و “بِأَمْرِهِمْ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُضافٌ، ومُضافٌ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِ “تنبئن”، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “أنتَ” يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليْهِ السَّلامُ. و “هَذَا” إمَّا بَدَلٌ مِنْ “أمرهم” أَوْ صِفَةٌ لَهُ، أو عطفُ بيانٍ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَصْبِ مفعولًا ل “أَوْحَيْنَا”. و “وَهُمْ” الواوُ للحالِ، و “هم” جميرٌ منفصلٌ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، و “لا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يشعرون” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “لَا يَشْعُرُونَ” خَبَرُ المبتدأِ “هم”، والجملةُ الاسْمِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ الضَميرِ فيِ “لَتُنَبِّئَنَّهُمْ”، أَيْ: تُخْبِرُهم وهُمْ لا يَعْرِفونَكَ لِبُعْدِ المُدَّةِ وتَغَيُّرِ الأَحْوالِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ العامِلُ فِيها “أَوْحَيْنا”، أَيْ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَشْعُروا بالوَحْيِ، وقد تقدَّمَ.
وقرَأَ العامَّةُ: {لَتُنَبِّئنَّهُمْ” بِتَاءِ الخِطابِ. وقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ “لَيُنَبِّئَنَّهم” بِيَاءِ الغَيْبَةِ، أَيْ: لينبئنَّهُمُ اللهُ تَعَالى. قالَ الشَّيْخُ أبو حيّان: وكذا في بعضِ مَصَاحِفِ البَصْرَةِ. ومعلومٌ أَنَّ النَّقْطَ حادِثٌ، فإنْ قالَ: مُصْحَفٌ حادِثٌ غيرُ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَلَيْسَ الكَلامُ في ذَلِكَ. وقَرَأَ سَلَّام: “لنُنَبِّئَنَّهم” بالنُّونِ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 14
 
قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أَيْ وَاللهِ لَئِنِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فاخْتَطَفَهُ مِنْ بَيْنِنَا، وَأَكَلَهُ، وَالْحَالُ أَنَّنَا جَمَاعَةٌ شَدِيدَةُ الْقُوَى تُعَصَّبُ بِنَا الْأُمُورُ العِظامُ، وَتُكْفَى بِبَأْسِنَا الْخُطُوبُ الجِسامُ، فقد كانوا أحدَ عشرَ رجلًا أقوياءَ أشداءَ، كما أنَّ كَوْنَهُمْ عُصْبَةً يَحُولُ دُونَ تَوَاطُئهِمْ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُسْرَانَ لِجَمِيعِهِمْ.
قولُهُ: {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} أيْ: عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ هالكون، والْمُرَادُ بِالْخُسْرَانِ: انْتِفَاءُ النَّفْعِ الْمَرْجُوِّ مِنَ الرِّجَالِ، اسْتَعَارُوا لَهُ انْتِفَاءَ نَفْعِ التَّاجِرِ مِنْ تَجْرِهِ، وهو كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَفْرِيطِهِمْ فِي أَخيهم يوسُفَ ـ عَليهِ السلامُ، وَعَهدٌ منْهم على حِفْظِهِمْ إِيَّاهُ، أَيْ إِنَّا إِذَنْ لَمَسْلُوبُونَ مِنْ صِفَاتِ الْفُتُوَّةِ مِنْ قُوَّةٍ وَمَقْدِرَةٍ وَيَقَظَةٍ. لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَرْضَى أَنْ يُوصَفَ بِالْخُسْرَانِ، فهُوَ خَيْبَةٌ مَذْمُومَةٌ. وَقِيلَ:” لَخاسِرُونَ” أَيْ: فِي حِفْظِنَا أَغْنَامَنَا، إِذَا كُنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الذِّئْبِ عَنْ أَخِينَا فَنَحْنُ أَعْجَزُ أَنْ نَدْفَعَهُ عَنْ أَغْنَامِنَا. وَفِي هَذَا إِظْهَارٌ للصَّلَاحِ مَعَ اسْتِبْطَانِ الضُّرِّ وَالْإِهْلَاكِ. أَيْ: لا خَيْرَ فينَا إذا غُلِبْنا عَلَى أَخِينا وأْكُلَهُ الذِئبُ وهو بَيْنَنَا. ومَعَ الأَسَفِ فَقَدْ أقْنَعُوا أباهم بِهذِه الدعوى، وذَهبوا بِيُوسُفَ لِينفِّذوا فيه مؤامَرَتَهمُ الدَّنِيئَةَ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والألفُ الفارقةُ، والجملةُ مُسْتأنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ. و “لَئِنْ” اللام: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازمٌ. و “أَكَلَهُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ عَلَى كَونِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ بهِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعُولِهِ، و “الذِّئْبُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولَ القولِ. و “وَنَحْنُ” الواوُ: حاليَّةٌ، و “نحنُ” ضميرٌ جماعةِ المتكلِّمين المُنفصلُ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “عُصْبَةٌ” خَبَرُه مرفوعٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ هاءِ “أَكَلَهُ”. أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ لا محلَّ لها.
قولُهُ: {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} إِنَّا: إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفِعْلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرُ جماعة المتكلمينَ المُتَّصِلُ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “إذًا” حَرْفُ جَوابٍ وجَزَاءٍ، لا عَمَلَ لَهَا لِدُخُولِها عَلى الجملةِ الاسْمِيَّةِ. و “لَخَاسِرُونَ” اللامُ: المزحلقةُ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولامُ الابْتِداءِ تُفيدُ تَوْكيدَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، ولِهَذا زَحْلَقوها في بابِ “إنَّ” عَنْ صَدْرِ الجُمْلَةِ كَراهِيَةَ ابْتِداءِ الكَلامِ بِمُؤكِّدَيْنِ، لأنَّ “إنّ” تُفيدُ التَوْكِيدَ كذلك. كما تُفيدُ أَيضًا تَخْليصَ المُضارِعِ للحالِ، أَيْ دَلالَتَهُ عَلى الزَّمَنِ الحاضِرِ. ومِثَالُ ذَلِكَ قولُهُ تَعالى في الآية السابقةِ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ}. وهي باتِّفاقٍ تَدْخُلُ في موضعين: الأوَّلُ المُبْتَدَأُ: كَقَوْلِهِ تَعالى في سورة الحشرِ: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الله} الآية: 13. والثاني بعدَ “إنَّ” وتُسَمَّى المُزَحْلَقَةَ، لِزَحْلَقَتِها مِنَ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ. وتَدْخُلُ بَعْدَ “إنَّ” عَلى ثَلاثَةٍ:
ا ـ الاسْم: كَقَوْلِهِ تَعالى في سورة إبراهيمَ ـ عليهِ السلامُ: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ} الآية: 39.
2 ـ المُضارع: كقولِهِ سبحانَه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة} الآية: 124 من سورةِ النَّحْلِ.
3 ـ وعلى الجارِّ والمَجْرورِ، أَوِ الظَرْفِ كَقَوْلِهِ تعالى في الآية الرابعة من سُورَةِ القَلَم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم}. و “خاسرونَ” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوضٌ عن التنوين في الاسمِ المفرَدِ. وجُمَلَةُ “إنَّ” جَوابَ القَسَمِ لا محلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجوابُ “إِنْ” الشَرْطِيَّةِ مَحْذوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ، والتقديرُ: إِنْ أَكَلَهُ الذِّئبُ، فإنَّا إِذًا لَخَاسِرون، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ فلا محلَّ لها، وجُمْلَةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولَ “قَالُوا”. وقُرئَ “عُصْبَةً” بالنَّصْبِ أيضًا.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 13
 
قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} يُخْبِرُ ـ تعالى، عَنْ نَبِيِّهِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّهُ قَالَ لِبَنِيهِ فِي جَوَابِ مَا سَأَلُوا مِنْ إِرْسَالِ يُوسُفَ مَعَهُمْ إِلَى الرَّعْيِ فِي الصَّحْرَاءِ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أَيْ يَشُقُّ عَلَيَّ مُفَارَقَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِكُمْ بِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، وَذَلِكَ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لَهُ لِمَا يَتَوَسَّمُ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَشَمَائِلِ النُّبُوَّةِ وَالْكَمَالِ فِي الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ صَلَوَاتُ اللهِ عليهِ وَسَلَامُهُ. والْحُزْنُ أَلَمُ النَّفْسِ مِنْ فَقْدِ مَحْبُوبٍ أَوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ، وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ قَفَلَ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ، وَتُعَدِّيهِ تَمِيمٌ بِالْهَمْزَةِ. أَيْ: إِنَّهُ لَيَشُقُّ عَلَيَّ مُفَارَقَةُ يُوسُفَ مُدَّةَ ذَهَابِكمْ بِهِ لِلرَّعْيِ، ذلك لِفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ.
قولُهُ: {وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ} وأَخْشَى أَنْ تَنْشَغِلُوا عَنْهُ فَيَأَتِيَهُ ذِئْبٌ فَيَأْكُلَهُ، وَأنتم لاَ تَشْعُرُونَ به. لأنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كانَ حِينَئِذٍ غُلَامًا صغيرًا، ورُبِّيَ فِي دَعَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنَ بِمُقَاوَمَةِ الوُحُوشِ، وكَانَ رَأَىَ فِي مَنَامِهِ كأَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ عليه مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ثَمَّ قالَ: “وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ”. وَقِيلَ: إِنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وَكَأَنَّ يُوسُفَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَإِذَا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئَابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ تُرِيدُ أَكْلَهُ، فَدَرَأَ عَنْهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَتَوَارَى يُوسُفُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَكَانَتِ الْعَشَرَةُ إِخْوَتُهُ، لَمَّا تَآمَروا عَلَى قَتْلِهِ، وَالَّذِي دَافِعْ عَنْهُ أَخُوهُ الْأَكْبَرُ يَهُوذَا، وَتَوَارِيهِ فِي الْأَرْضِ هُوَ مَقَامُهُ فِي الْجُبِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِخَوْفِهِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ أَرَادَهُمْ بِالذِّئْبِ، فَخَوْفُهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ قَتْلِهِمْ لَهُ، فَكَنَّى عَنْهُمْ بِالذِّئْبِ مُسَاتَرَةً لَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: فَسَمَّاهُمْ ذِئَابًا. وَقِيلَ: مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ خَافَهُمْ لَمَا أَرْسَلَهُ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا خَافَ الذِّئْبَ، لِأَنَّهُ أَغْلَبُ مَا يُخَافُ فِي الصَّحَارَى، وكانتْ أَرْضُهم مَذْأَبَةً. وَالْخَوْفُ أَلَمُ النَّفْسِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنْ مَكْرُوهٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ، والذِّئابُ تَجْتَرِئُ في العادةِ عَلَى الَّذِي تُحِسُّ مِنْهُ ضَعْفًا. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الْفَزَارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:
وَالذِّئْبُ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ……….. وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَذكُرُ حوارًا لَهُ مَعَ ذِئْبٍ لقيَهُ:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَكَشَّرَ ضَاحِكًا …………. وَقَائِمُ سَيْفِي مِنْ يَدِي بِمَكَانِ
تَعِشْ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونَنِي …….. نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ
فَقد كَانَتْ ذِئَابُ بَادِيَةِ الشَّامِ أَشَدَّ خُبْثًا مِنْ غيرِها، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ كَذِئَابِ بِلَادِ الرُّوسِ. وَالْعَرَبُ يَقُولُونَ: إِنَّ الذِّئْبَ إِذَا حُورِبَ وَدَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى عَضَّ الْإِنْسَانَ وَأَسَالَ دَمَهُ فإِنَّهُ يَضْرَى حِينَ يَرَى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ، قَالَ الفرزدَقُ أيضًا:
فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأَى دَمًا …… بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أَحَالَ عَلَى الدَّمِ
وَقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئَابِ فَتَكُونُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ النَّاسِ وَالصَّغِيرِ.
قِيلَ: لَوْ لَمْ يَذْكُرْ يعقوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، خَوْفَهُ هَذَا لَهُمْ لَمَا خَطَرَ بِبَالِهِمْ أَنْ يَقَعَ، وَلَعَلَّهُ قَالَهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ أَوِ الِاعْتِذَارِ بِالظَّوَاهِرِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ حُسْنَ عَاقِبَتِهِ فِي الْبَاطِنِ، عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ هَذَا كَانَ مُجْمَلًا مِنْهُمَا وَمُقَيَّدًا بِالْأَقْدَارِ الْمَجْهُولَة، وقد نهى النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أنْ نفعلَ مثلَ يعقوبَ ـ عليهِ السلامُ، فقال: ((لَا تُلَقِّنُوا النَّاسَ فَيَكْذِبوا فَإِنَّ بَنِي يَعْقُوبَ لمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النَّاسَ، فَلَمَّا لَقَّنَهم أَبوهم كَذَبُوا فَقَالُوا: “أكله الذِّئْب”. أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والسَّلَفِيُّ فِي الطُيوريَّاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي مِجْلَزٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُلَقِّنَ ابْنَهُ الشَّرَّ، فَإِن بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ يَدْروا أَنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النَّاسَ حَتَّى قَالَ لَهُم أَبوهم: “إِنِّي أَخَاف أَن يَأْكُلهُ الذِّئْب”. و “الذئبُ” مُشْتَقٌّ مِنْ قولِهِم: تذاءَبَتِ الرِّيح، إِذا هَبَّتْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لأَنَّه يَأْتي كَذَلِكَ مِنْ كلِّ جِهَةٍ، ويُجْمَعُ عَلى ذِئابٍ، وذُؤبانٍ، وأَذْئُبٍ. وَالذِّئْبُ: حَيَوَانٌ مِنَ الْفَصِيلَةِ الْكَلْبِيَّةِ، وَهُوَ كَلْبٌ بَرِّيٌّ وَحْشِيٌّ. مِنْ خُلُقِهِ الِاحْتِيَالُ وَالنُّفُورُ. وَهُوَ يَفْتَرِسُ الْغَنَمَ. وَإِذَا قَاتَلَ الْإِنْسَانَ فَجَرَحَهُ وَرَأَى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرَى بِهِ فَرُبَّمَا مَزَّقَهُ. قال ذو الرُّمَّةِ:
وأَزْوَرَ يَمْطُو في بِلادٍ بَعيدَةٍ ………………. تَعَاوَى بِهِ ذُؤْبانُهُ وثَعالِبُهْ
قولُهُ “وأَزْوَرَ” يَعْنِي به الطَّرِيقَ فِيهِ عِوَجٌ، ويَمْطُو: يَمُدُّ. وَأَرْضٌ مَذْأَبَةٌ كَثِيرَةُ الذِّئَابِ، وَمِنْهُ الذُّؤَابَةُ مِنَ الشَّعْرِ لِكَوْنِهَا تَنُوسُ إِلَى هُنَا وإِلى هُنَا.
قولُهُ تعالى: {قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ، مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى يَعقوبَ ـ عليه السلامُ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِنِّي” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتأكيد، وياء المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “لَيَحْزُنُنِي” اللامُ المزحلقةُ حرف ابتداءٍ للتوكيد، و “يحزُنُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، و النونُ للوِقايَةِ وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ بِهِ. و “أَنْ” حرفُ نصبٍ مَصْدَريٌّ، و “تَذْهَبُوا” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ ب “أنْ” وعلامةُ نصبهِ حذفُ النونِ من آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ والأَلِفُ الفارقةُ. و “بِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “أَن” وجُمْلَةُ “تذهبوا” بعدها في تَأويل مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، لِ “يَحْزُنُ” والتقديرُ: لِيَحْزُنُني ذَهابِكُمْ بِهِ، وجُمْلَةُ “يَحْزَنُ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “إنَّ” وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”.
وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على أنَّ المضارعَ المقترن بلام الابتداء لا يكون حالًا، والنحاةُ جَعَلوها مِن القرائنَ المخصِّصةِ للحالِ، ووجْهُ الدَّلالَةِ أَنَّ “أَنْ تَذْهبوا” مستقبلٌ لاقْتِرانِه بحرفِ الاستقبال وهي “أنْ”، وما في حيِّزِها فاعلٌ، فلو جَعَلْنا “لَيَحْزُنني” حالًا لَزِمَ سَبْقُ الفِعْلِ لِفَاعِلِهِ وهوَ مُحالٌ. وأَجيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الفاعلَ في الحقيقةِ مُقَدَّرٌ حُذِف هوَ وقامَ المُضافُ إِلَيْهِ مَقامَهُ، والتقديرُ: لَيَحْزُنُني تَوَقُّعُ ذَهابِكم به.
قولُهُ: {وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ} وَأَخَافُ: فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلى يَعقوبَ ـ عليه السلامُ، والجُمْلَةُ الفِعليَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصبِ على الحالِ مِنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في “يحزنني”. و “أَنْ” حرفُ نصبٍ مصدريٌّ، و “يَأْكُلَهُ” فعْلٌ مُضَارعٌ مَنْصوبٌ بِ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولِهِ، و “الذِّئْبُ” فاعِلُهُ مَرْفوعٌ وَالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ وَالطَّبِيعَةِ، وَيُسَمَّى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. وَهُوَ هَنَا مُرَادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ نَوْعِ الذِّئْبِ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَى الْجِنْسِ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ أَحْوَالِ الذَّوَاتِ لَا مِنْ أَحْوَالِ الْجِنْسِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ أَيَّةُ ذَاتٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ دُونَ تَعْيِينٍ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآية: 5، من سورة الجُمُعَةِ: {كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا}، أَيْ فَرْدٍ مِنَ الْحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَقَرِينَةُ إِرَادَةِ الْفَرْدِ دُونَ الْجِنْسِ إِسْنَادُ حَمْلِ الْأَسْفَارِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَحْمِلُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: (ادْخُلِ السُّوقَ) إِذَا أَرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الْأَسْوَاقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وهذه الجُمْلَةُ الفعلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ، لِ “أخاف” أَيْ: والحالُ أَنِّي أَخافُ أَكْلَ الذِئْبِ إِيَّاهُ. و “وَأَنْتُمْ” الواوُ للحالِ و “أنتم” ضميرُ جماعةِ المُخاطَبينَ المنفصِلُ في مَحلِّ رفعٍ بالابْتِداءِ. و “عَنهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِالخبرِ “غَافِلُونَ”. و “غَافِلُونَ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السّالِمُ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ (هاءِ) “يأْكُلَهُ” ولكِنَّها حَالٌ سَبَبِيَّةٌ.
قرأ العامَّةُ: {لَيَحْزُنُني} وقرأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ هَرْمُزَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: “لَيَحْزُنِّي” بالإِدْغام. وقرأ العامَّةُ: {تَذهَبوا بِهِ} وقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَدَهُ “تُذْهِبُوا” بِضَمِّ التاءِ مِنْ “أَذْهَبَ”، وهو كَقَوْلِهِ في سورةِ المؤمنون: {تُنْبُتُ بِالدُهْنِ} الآية: 20، في قراءَةِ مَنْ ضَمَّ التَّاءَ فَتَكونُ الباءُ زائدَةً أَوْ حالِيَّةً. وقرأَ العامَّةُ: {الذِّئْبُ} بالهمز، وقرأَ السُّوسِيُّ والكِسَائيُّ وَوَرْشٌ “الذيبُ” بِعَدَمِ الهَمْزِ، وفي الوَقْفِ لا يَهْمِزُهُ حَمْزَة.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 12
 
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)
 
قولُهُ ـ تباركتْ أسماؤهُ: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً إِلَى البَرِّيَّةِ لِيَسْتَمْتِعَ بِرِفْقَتِنَا، ليرتَعَ فَيَتَّسِعَ فِي أَكْلِ مَا لَذَّ وَطَابَ. ويَلْعَبَ: فيُسَابِقُ وَيَرْمِ بِالسِّهَامِ. وكأنَّ يَعْقوبَ خافَ الجُوع عَلى ابنِهِ يوسُفَ ـ عَلَيهِما السَلامُ، فأَمَّنُوهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهم: “يَرْتَعْ” أَيْ: يَأْكُلُ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ حَتَّى يَشْبَعَ. وَالْمَعْنَى مِنَ الاتَّساعِ فِي الْخِصْبِ، وَكُلُّ مُخْصِبٍ رَاتِعٌ، ومِنْهُ قولُ الفَرَزْدَقِ يَهْجُو عَمْرَو بْنَ زُهْرَةَ الفِزارِيِّ واليَ العِراقِ:
راحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغالُ مُودَّعًا …………. فَارْعَيْ فَزَارَةُ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعْ
وقبلَهُ:
نَزَعَ ابْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَمْرٍو قَبْلَهُ …………… وأَخُو هَراةَ لِمِثْلِها يَتَوَقَّعُ
وقد وليَ عَمْرٌو العِرَاقَ بَعْدَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوانَ، وكانَ عَلى البَصْرَةِ. يقولُ: ذَهَبَ ابْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَمْرٍو، وأَخُو هَراةَ أَيْ صاحِبُهَا ووالِيهَا. وهَرَاةُ مِنْ بِلادِ العَراقِ أَيْضًا. وَقَالَتِ الخَنْساءُ تَرْثي أَخَاهَا صَخْرًا:
تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرْتَ …………… فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
وَقَالَ القُطاميُّ:
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ……………. وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا
أَيِ: الرَّاتِعَةَ لِكَثْرَةِ الْمَرْعَى. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ” تَرْتَعُ” تَسْعَى، قَالَ النَّحَّاسُ: أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ: “إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ” لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَسْتَبِقُ فِي الْعَدْوِ إِلَى غَايَةٍ بِعَيْنِهَا. وكأَنَّه أَيْضًا خافَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفُوهُ أَمْرًا فيهِ لَهُ مَشَقَّةٌ، فَأَمَّنُوهُ أَيْضًا بقولِهِمْ “وَيَلْعَبْ” لأنَّ اللَّعِبَ ليس فيهِ شِدَّةٌ ولا مَشَقَّةٌ، لأنَّهم إنَّما كانوا يَخرُجونَ للرَّعْيِ والعَمَلِ؛ لِذَلِكَ أَعطَوْا أَباهُم هذه الضماناتِ ليطمئنَّ على ابْنِهِ فيَأْذَنَ لَهُمْ بِأَخْذِه مَعَهُم، وكانَ يوسُفُ ما يزالُ طِفْلًا دونَ سِنِّ التَّكْليفِ ـ كما تقدَّمَ؛ واللَّعِبُ أَمْرٌ مُحبَّبٌ للطِّفْلِ ومَسْموحٌ بِهِ لِقَصْدِ انْشِراحِ نَفْسِهِ وتعليمِهِ ما ينفعُهُ في حياتِهِ. ويُوجِّهُ الشَّرْعُ الحنيفُ إلى أَنْ يَكونَ اللَّعِبُ في مَجَالاتٍ تُكسِبُهُ خُبُراتٍ تَفِيدُهُ مُسْتَقْبَلًا؛ كَتَعَلُّمِ السِّبَاحَةَ، أَوِ المُصارَعَةَ، أَوِ الرِمايَةَ، بَلْهُ أَمْرٌ مَنْدوبٌ إِلَيْهِ شَرْعًا لِقوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلِّموا أَولادَكُمْ السِّباحَةَ والرِّمايَةَ، ومُروهم فَلْيَثِبُوا عَلَى الخَيْلِ وثْبًا. ورَوُّوهم مَا يَجْمُلُ مِنَ الشِّعْرِ)) رَواهُ أَحْمَدُ والتِرْمِذِيُّ وأَبو دَاوُود، والديلميُّ، ورواهُ أَبو نُعَيْمٍ الأَصْبَهانِيُّ في (مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ): (1/441)، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبيعٍ الأَنْصاريِّ، ونَصُّهُ: ((عَلِّموا أَوْلادَكُمُ السِّبَاحَةَ والرِّمايَةَ، ونِعْمَ لَهْوُ المُؤْمِنَةِ في بَيْتِها الغَزْلُ، وإذا دَعَاكَ أَبَواكَ فَأَجِبْ أُمَّكَ)). وأخرجه أيضًا عَنْهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وأَبو مُوسَى. وَكَتَبَ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ بْنُ الخطابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لِأَهْلِ الشامِ: (عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالرِّمَايَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَالِاحْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ. وَقَالَ: احْتَفُوا، وَتَجَرَّدُوا، وَاخْشَوْشِنُوا، وَتَمَعْدَدُوا، وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ، وَانْزُوَا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا، وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ، وإيَّاكُمْ وَلِبَاسَ الْعَجَمِ، الْبَسُوا الْأُزُرَ وَالْأَرْدِيَةَ، وَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ، وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا شَامَاتُ الْعَرَبِ، وَاطْرَحُوا الْخِفَافَ، وَالْبَسُوا النِّعَالَ) رَواهُ أَبُو اللَّيْثِ السَمَرْقَنْدِيُّ في (تنبيه الغافلين بِأَحاديثِ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ والمُرْسَلينَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليهم أجمعين: (ص: 502)، ورواهُ ابْنُ الحاجَّ أَيْضًا في المَدْخِلِ: (3/17).
قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} مِنْ أَنْ يَنَالَهُ مَكْرُوهٌ، أَيْ: وَإِنَّنَا نَتَكَفّلُ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، وكأَنَّ يَعْقوبَ ـ عَلَيهِ السَلامُ، خافَ عَلى يوسُفُ الضَّياعَ، فأَمَّنوهُ على ذَلِكَ بِقَوْلِهم: “وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”. وأَكَّدوا مَقَالَتَهُمْ بِأَنواعٍ مِنَ التَأْكيدِ، فأوردوا الجُمْلَةَ إسْمِيَّةً، وأَكَّدوها بِ “إنَّ” وباللامِ المزحلقةِ، وقدَّموا الجارَّ والمجرورَ “لَهُ” عَلى الخَبَرِ، وأَسْنَدوا الحِفْظِ إلى جماعتِهم، وذَلِكَ كُلُّهُ للاحْتِيَالِ عَلَى أَبيهم فِي تَحْصِيلِ بُغيَتِهم، للوصولِ إلى مَقْصِدِهِم. قِيلَ لِلْحَسَنِ: أَيَحْسُدُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: مَا أَنْسَاكَ بِبَنِي يَعْقُوبَ! وَلِهَذَا قِيلَ: الْأَبُ جَلَّابٌ وَالْأَخُ سَلَّابٌ.
قولُهُ تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أرْسِلْهُ: فِعْلُ طلبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ الظاهِرِ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مَفعولِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا، تقديرُهُ: “أنت”، يَعودُ عَلَى يَعقوبَ ـ عليه السلامُ، والجُمْلةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ لِ “قَالُوا”. و “مَعَنَا” جارٌ ومجرورٌ في محلِّ النصبِ على الحالِ مِنْ المَفْعولِ بِهِ في “أَرسِلْهُ”. و “غَدًا} مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أرسلْ”. والْأَصْلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ غَدْوٌ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ عَلَى الْأَصْلِ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ يُقَالُ لَهُ غَدْوَةٌ، وَكَذَا بُكْرَةً. و “يَرْتَعْ” مَجْزومٌ بجوابِ الطَّلَبِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوازًا تَقْديرُهُ “هُوَ” يَعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. والجُمْلَةُ جوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ غَيْرُ مُقْتَرِنَةٍ بالفاءِ، لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. و “يَلْعَبْ” مَعْطوفٌ عَلَيْهِ، مَجْزُومٌ مِثْلهُ. والجملَةُ لا مَحَلَّ لَهَا عَطْفًا عَلى جُمْلَةَ “يَرْتَعُ”.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وَإِنَّا: “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المُتكلِّمينَ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ. و “لَحَافِظُونَ” اللامُ المُزحلقةُ للتوكيدِ، حَرْفُ ابْتِداءٍ، و “حافظونَ” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السَّالِمِ، والنونُ عِوَضًا عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، وجُمْلَةُ “إنَّ” في محلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في “مَعَنَا” أَوْ مِنْ “هاءِ” “أَرْسِلْهُ”.
قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: {نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ} بِالنُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ مَكَّةَ. “نَرْتَعِ” بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ. وَقِرَاءَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: “يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ” بِالْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَقِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: “يَرْتَعْ” عَلَى مَعْنَى يُرْتِعُ مَطِيَّتَهُ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ، “وَيَلْعَبُ” بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمَعْنَى: هُوَ مِمَّنْ يَلْعَبُ.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 11
 
قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11)
 
قولُهُ ـ جلَّ جلالُهُ العظيم: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} يَبْدو أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ لَا يَأْذَنُ بِخُرُوجِ ابْنِهِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ إِخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أو اللَّعِبِ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ حَالَهُ فِي المَنْعِ وشَى لَهُمْ بِذَلِكَ، فَأَتَوْا إلى أبِيهِمْ بِالِاسْتِفْهَامِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى نَفْيِ الِائْتِمَانِ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيهِمْ بِأَخِيهِمْ يُوسفُ، مُدَّعينَ المَحَبَّةَ لَهُ والنُّصْحَ، أَيْ: هل عَرَضَ لَكَ مِنَ الشُّبْهَةِ فِي أَمَانَتِنَا ما جَعَلَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ؟ وذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى الخُطَّةِ لِيُنَفِّذُوا فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيهِ رَأْيُهُمْ مِنْ إِلْقَائِهِ فِي البِئْرِ، فقالوا لَهُ مُتَسائِلينَ: ما سَبَبُ خَوْفِكَ على يوسُفَ مِنَّا؟ وهذا يَقْتَضِي أَنَّهم عَلِمُوا مِنْ أَبيهم أَنَّهُ على درايةٍ بإِرادَتَهُمُ السُّوءَ بِيُوسُفَ. وَابْتِدَاءُ كَلَامِهم مَعَ أَبِيهِمْ بِ “يَا أَبانا” يَدُلُّ أَنَّ تِلْكَ كانتْ عَادَتَهُمْ فِي خِطَابِ الِابْنِ أَبَاهُ.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أَيْ: وَالْحَالُ إِنَّنا نَخُصَّهُ بِالنُّصْحِ الْخَالِصِ مِنْ أَيَّةِ شَائِبَةِ، والنُّصْحُ عَمَلٌ أَوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَالْمَعْنَى هُنَا: أَنَّهُمْ يَقدِّمُونَ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كُلَّ مَا فِيهِ نَفْعُهُ مِنْ قولٍ أو فِعْلٍ. وهذا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِمَا كَادُوا بِهِ أَبَاهُمْ بَعْدَ ائْتِمَارِهِمْ بِيُوسُفَ لِيُرْسِلَهُ مَعَهُمْ، وَهُذا هُوَ القولُ الْحَقُّ، وَفِي سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّ أَبَاهُمْ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذِهَابِهِمْ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} قَالُوا: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ للتفريق، وهذه الجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “يَا” أداةُ نداءٍ للمُتَوَسِّطِ بُعْدُهُ، و “أَبَانَا” مَنصوبٌ بالنداءِ مُضافٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الأَلِفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وضميرُ جماعة المتكلمينَ المتَّصلُ به “نا” مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ، وجُمْلَةُ النِداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قالوُا”. و “مَا” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و “لَكَ” جَارٌّ ومَجْرورٌ في محلِّ رفع خَبَرِهِ، أو تقولُ هما متعلِّقانِ بخبرِ مقدَّرٍ للمبتدأِ، وهذه الجملةُ الإسْمِيَّةُ أيضًا في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقوْلِ ل “قَالُوا” على كونِها جوابَ النِّداءِ. و “لَا” نَافِيَةٌ لا عمَلَ لها. و “تَأْمَنَّا” فِعْلٌ مُضَارعٌ مَرْفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهِرَةُ عَلَى النُّونِ المُدْغَمَةِ في نُونِ “نا”. و “نا” ضَميرُ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ عَلَى “يعقوب” ـ عليهِ السلامُ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ الفعلِ “تأمنُ” و “يُوسُفَ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وهذه الجملةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ كافِ المُخاطَبِ، والعامِلُ فيهِ الاسْتِقْرارُ الذي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} وإنَّا: الواوُ: واوُ الحالِ، و “إنَّ” حرفٌ ناصبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضَميرُ المُتَكَلِّمينَ متَّصلٌ به، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بِـ “ناصحون”. و “لناصحون” اللامُ: المزحلقةُ لتوكيدِ الخبرِ، حَرْفُ ابْتِداءِ. وَلِشُعُورُهُمْ بِارْتِيَابِهِ فِيهِمْ فقدِ احْتَاجُوا إِلَى كُلِّ هَذَا تأْكِيدِ، دَعْوَاهم بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُصَدَّرَةِ بِـ “إِنَّ” واللامِ المُزَحْلَقَةِ وَتَقْدِيمِ الجارِّ والمجرورِ “لَهُ” عَلَى خَبَرِ “إنَّ”، و “ناصحون” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ مُذَكَّرٍ سالمٌ، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحالِ مِنْ مَفْعُولِ “تَأْمَنَّا”.
قرَأَ الجُمْهورُ: {لا تَأْمَنَّا} بالإِخفاءِ، وهوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَضْعيفِ الصَّوْتِ بالحَرَكَةِ والفصلُ بَيْنَ النُّونَيْنِ، لا أَنَّ النُّونَ تُسَكَّنُ رَأْسًا، فيَكونُ ذَلِكَ إِخْفاءً لا إِدْغَامًا. قالَ الدَاني: وهوَ قولُ عامَّةِ أَئِمَّتِنَا. وهوَ الصَّوابُ لِتَأْكِيدِ دَلالَتِهِ وصِحَّتِهِ في القِياسِ. وقَرَأَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِالإِشْمامِ، وهوَ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمِّ الشَّفَتَيْنِ إِشَارَةً إلى حَرَكَةِ الفِعْلِ مَعَ الإِدْغَامِ الصَّرِيحِ ،كَمَا يُشيرُ إِلَيْها الواقِفُ، وفيهِ عُسْرٌ كَبيرٌ، قالوا: وتَكونُ الإِشارةُ إِلى الضَّمَّةِ بَعْدَ الإِدْغامِ أَوْ قَبْلَ كَمَالِهِ، والإِشْمَامُ يَقَعُ بإِزاءِ مَعانٍ، هذا مِنْ جُمْلَتِهَا، ومِنْها إِشْرابُ الكَسْرَةِ شَيْئًا مِنَ الضَّمِّ نَحْوَ: {قِيلَ} في الآية: 11، من سورةِ البقرة، و {وَغِيضَ} في سورةِ هود، الآية: 44. ومِنْها إِشْمامُ أَحَدِ حَرْفَيْنِ شَيْئًا مِنَ الآخَرِ كَإِشْمامِ الصَّادِ زَايًا في كلمةِ {الصِّراطِ} الآية الخامسة مِنَ سورةِ الفاتِحَةِ. وفي {وَمَنْ أَصْدَقُ} الآية: 78، مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وقد تقدم ذلك كلُّهِ. فهو خَلْطُ حرفٍ بِحَرْفٍ، كَمَا أَنَّ ما قَبْلَهُ خَلْطُ حَرْكَةٍ بِحَرَكَةٍ. ومنْها الإِشارةُ إلى الضَّمَةِ في الوقفِ خاصَّةً، وإِنَّما يَراهُ البَصيرُ دُونَ الأَعْمَى. وقَرَأَ الزُهْرِيُّ وأَبو جَعَفَر “لا تَأمنا” بالإدْغام الصريحِ دُونَ إِشْمامٍ. ورواها الحلواني عَنْ قالون، وقرَأَ الحَسَنُ “لا تَأْمَنُنا” بالإِظهارِ مُبَالَغَةً في بَيَانِ إِعْرابِ الفِعْلِ وللمُحافَظَةِ عَلى حَرَكَةِ الإِعْرابِ. وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقراءَةُ الحَسَنِ مُخالِفَةٌ لهُ. وقرَأَ ابْنُ هُرْمُز “لا تَأْمُنَّا” بِضَمِّ الميم، فنَقَل حَرَكَةَ النُّونِ الأُولى عِنْدَ إِرادَةِ إِدْغَامِهَا بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَهَا، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ “لا تَأْمَنُنَا”. وقرَأَ يحيى بْنُ وثَّابٍ والأَعْمَشُ “لا تِيْمَنَّا” بِكَسْرِ تَاءِ العَلامَةِ. إلَّا أَنَّ ابْنَ وثَّابٍ سَهَّل الهَمْزَةَ. قال أبو حيَّان: ومجيئُه بعد “مَا لَكَ” والمَعْنَى، يُرْشِدُ إلى أَنَّه نَفْيٌ لا نَهْيٌ وليسَ كَقَوْلِهم “مَا أَحْسَنَنا” في التَّعَجُّبِ؛ لأَنّهُ لَوْ أَدْغَمَ لالْتَبَسَ بالنَّفْيِ.
وأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي قَاسم رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَرَأَ أَبُو رَزينٍ: “مَا لَكَ لَا تِيمَنَّا عَلى يُوسُف” فقَالَ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ نَضْلَةَ لَحَنْتَ. فقَالَ لَهُ: مَا لَحَنَ مَنْ قَرَأَ بِلُغَةِ قومِهِ.

يا محمد


اللهم صل عليه وعلى آلِه وصحبه وسلَّم

صورة ‏الصوفي القادري الصوفي القادري‏.
التعليقات
Abdolkader Mohmmad Alaswad
‏‏

Abdolkader Mohmmad Alaswad لو أنك سألت أحدهم ما رأيك بمن قالها دونَ أن يعرف القائل لحكم بشركه لأنه نادى غير اللهِ تعالى، أو ربَّما بلغ به جهلهُ أن يحكم على سيدنا خالدٍ ومن معه بالشركِ من يدري، فهم عندما يحكمون على كثيرٍ مما سنه الخلفاءُ الراشدين بأنه بدعة، يكونون قد حكموا على صاحبها بالمبتدع، من ذلك جمع أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة، فإن هؤلاء يظنونَ أنَّ لحاهم الطويلة تخولهم تكفيرَ عامة المسلمين وجمهورَ علمائهم أوالحكم عليهم بأنهم مبتدعة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com