RSS

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 48


وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.

(48)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ} النداءُ إنما يكونُ للبُعدِ بين المتخاطبين، وهو هنا تَقْرِيعٌ من أَهْلِ الْأَعْرَافِ وتبكيتٌ لِرِجَالٍ مِنْ صَنَادِيدِ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَالسِّيمَا هُنَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُشَخِّصَاتِ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَشْخَاصُ، وَلَيْسَتِ السِّيمَا الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا أَهْلُ النَّارِ كُلُّهُم من سوادِ وُجوهِهم وزُرْقَةِ عيونِهم. ويُمْكِنُ أنْ تَكونَ معرفَتُهم بِهم مِنْ علاماتٍ لَهمْ وآثارَ مِنَ الحياةِ الدُنْيا لأنَّهم يَقولون لهم: “ما أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ”، فلو لَمْ يَعرفوهم بآثارِ كانتْ لهم في الدنيا، لم يَكونوا يُؤنِّبونَهم بجمعِ الأموالِ والاسْتِكْبارِ في الدنيا، ولا يقال ذلك للفقراءِ، إنَّما يُقالُ للأغنياءِ؛ لأنَّهم هُمُ الذين جمَعوا الأَمْوالَ، وهُمُ الذين اسْتَكْبَروا على خَلْقِ اللهِ. وكرَّرَ ذِكْرَهم هنا ـ وكان يكفي الإضْمارُ ـ لِزيادَةِ التَقريرِ. و”ألـ” هنا لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} سورة الْأَعْرَافِ، الآية: 46. وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنَا رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجَالُ يُنَادِيهِمْ جَمِيعُ مَنْ كَانَ عَلَى الْأَعْرَافِ، وَلَا أَنْ يَعْرِفَهُمْ بِسِيمَاهُمْ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الْأَعْرَافِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُصُورِ وَالْأُمَمِ، فَالْمَقْصُودُ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ هُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} كأنَّه قِيلَ: وَنَادَى أُولَئِكَ الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالًا. وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ هُنَا بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، إِذْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ. وَنَادَوْا رِجَالًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّدَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مَا يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمَائِرِ إِلَيْهِ وَقَعَ الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ دَفْعًا لِلِالْتِبَاسِ. وقيل: لم يَكْتَفِ بالإضْمارِ للفَرْقِ بَيْنَ المُرادِ مُنْهُم هُنا، والمُرادِ مِنْهُم فيما تَقَدَّمَ فإنَّ المُنادى هُناكَ الكُلُّ، أمَّا هُنا فالمُنادى البَعضُ، لقولِه تعالى: “رجالاً يعرفونهم بسيماهم” مِنْ رُؤساءِ الكَفَرَةِ، كأبي جَهْلٍ، والوَليدِ بْنِ المُغيرةِ، والعاصِ بْنِ وائلٍ حينَ رَأوْهم بيْن أَصْحابِ النَّارِ، فعَرَفُوهُمْ بِسيماهم، أيْ بعلاماتِهم في الآخرة التي تقدّمَ ذكرُها، أو بِصُورِهم التي كانوا يَعرفونَهُم بها في الدُنيا، أو بِعَلامَاتِهم الدالَّةِ على سُوءِ حالِهِم يَومَئِذٍ، وعلى رئاسَتِهم في الدنيا. بينَما شَمَلَ قولُهُ: {أَصْحابَ النارِ} في الآيةِ السابِقَةِ، جَميعَ مَنْ في النَّارِ. وكان إِطْلاقُ “أَصْحاب الأَعْرافِ” على أُولئكَ الرِّجالِ بِناءً على أَنَّ مَآلَهم إلى الجَنَّةُ.

قولُهُ: {قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} هو استفهامٌ لتَقْريعِ الكُفَّارِ وتَوبيخِهم، أَيْ يقولون لهم: ما أَغْنى عنْكم جَمْعُكم لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَارُكُمْ فيها عَنِ الْإِيمَانِ؟. ويَجوزُ أَنْ يُرادَ النَفْيُ أَيْ ما كَفاكُم ما أَنْتم فيه “جَمْعُكُمْ” أي أَتْباعُكم وأَشياعُكم، أوْ جَمْعُكُمُ المالَ، الذي كنتم تَسْتَكْثرونَهُ، وتُكاثرون بِهِ، “وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ” أيْ واسْتِكْبارُكم المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبولِ الحَقِّ، أو أنَّ المقصودَ اسْتِكْبارُهم أصنامَهم واعتقادُهم عِظَمَها وكِبَرَها، أيْ ما أَغْنى عَنْكم جَمْعُكم المالَ والأتباعَ، وأَصنامُكم التي كَنْتُمْ تَعْتَقِدونَ كِبَرَها وعِظَمَها. أوْ استكبارُكم على الخلقِ، وهوَ الأَنْسَبُ بِما بَعْدَهُ.

قولُهُ تعالى: {ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً} و: استئنافيَّة، “نادى أَصْحابُ الأَعْراف ِرِجالاً) مِثل: {نادى أصحابُ الجَنَّةَ أَصْحابَ} من الآية (44) في هذِه السورة. وجملةُ “نادى أصحابُ الأعراف” استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

قولُهُ: {يعرفونهم بسيماهم} مثل: {يعرفون كلّا بسيماهم} في الآية: (46). من هذه السورة. وجملةً “يعرفونهم” في مَحَلِّ نَصْبِ نَعْتٍ لـ “رجالا”، أوْ في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنْ أَصْحابِ الأَعْرافِ.

قولُهُ: {قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} قالوا: تقدم إعرابُها في الآية السابقة (47)، “ما” يَجوزُ أَنْ تَكونَ اسْتِفهامِيَّةً للتوبيخ والتقريع وهو الظاهِرُ، وقد تقدَّمَ الإشارةُ إليْه، أو هي حرفُ نَفْيٍ، “أغنى” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، “عن” حَرْفُ جَرٍّ، و”كم” الكاف ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “أغنى”، والميم علامةُ التذكير، “جمعُ” فاعلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ على العين، و”كم” الكافُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرٍّ بإضافة “جمعُ” إليه. والميم للمذكر. “وما”الواو: عاطفةٌ، و”ما” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، ليُنْسَقَ مَصْدَرٌ على مِثْلِهِ، أيْ: ما أَغْنى عَنْكم جمعُكم وكَوْنُكم مُسْتَكْبِرين. “كنتم” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ ناسخٌ ـ مَبْنِيٌّ على السُكونِ، و”ت” التاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ اسْمٍ لـ “كان”، والميم علامةُ التذكير. “تستكبرون” فعلٌ مضارعٌ مرفوع وعلامةُ رفعه ثبوتُ النون في آخره لأنَّه من الأفعال الخمسة، والواوُ الدالَّةُ على الجماعة ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. والمَصْدَرُ المُؤوّلُ من “ما كنتم تستكبرون” في مَحَلِّ رَفْعِ مَعْطوفٍ على المَصْدَرِ الصَريحِ جَمْعُكم. وجملة: “قالوا” في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الفاعِلِ “أصحابُ”. وجملةُ “ما أَغْنى جمعُكم” في محلِّ نَصْبِ مَقولِ القولِ. وجُملةُ: “كنتم تستكبرون” صلة الموصول الحرفيّ “ما” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابُ. وجُملةُ “تستكبرون” في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرِ كُنْتم.

قرأَ العامَّةُ: “تستكبرون”، وقُرئَ “تستكثرون” بتاء مثلَّثةٍ مِنِ الكَثْرَةِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 47


وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

(47)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ} إنَّما يَصْرِفُ أَبْصارَهمُ اليومَ تَقديراً عَلَيْهِم عَظيمَ المِنَّةِ التي بِها نَجاتُهم، وما لاطَفَهم بِهِ مِنَ الإيواءِ والحِفْظِ. وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ، أَيْ جِهَةَ اللِّقَاءِ وَهِيَ جِهَةُ الْمُقَابَلَةِ. يَعني وإذا صُرِفَتْ أَبْصارُ أَصْحابِ الأَعْرافِ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّار أي مُواجَهَتَهم وحِيالَهمـ لا عَنْ قَصْدٍ مِنْهم، لأنَّ المَكروهَ لا يَنْظُرُ إليْهِ الإنسانُ قَصْداً في العادة ـ فنَظَروا إليهم وإلى سَوادِ وُجوهِ أصحاب النارِ وما هُمْ فيهِ مِنَ العَذابِ قالُوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يَعْني الذين ظَلَموا أَنْفُسَهم بالشِرْكِ، وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: إنَّ أَصحابَ الأَعْرافِ إذا نَظَروا لأَهْلِ النَّارِ وعَرَفوهم قالوا: “رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمين” والمَعنى أَنَّ أَصْحابَ الأَعْرافِ إذا نَظَروا إلى أَهْلِ النَّارِ وما هُمْ فيهِ مِنَ العَذابِ تَضَرَّعوا إلى اللهِ ـ تعالى ـ وسَأَلوهُ أَنْ لا يَجْعَلَهم منهم.

قولُهُ: {قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أَيْ أنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ سَأَلُوا اللهَ أَلَّا يَجْعَلَهُمْ مَعَهُمْ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُمْ مَعَهُمْ، فَيكونُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّذَلُّلِ، وهو كَقُولِ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا} وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للهِ. عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ لَذَّةٌ. وفي وَصْفِهم بالظُلْمِ دون ما هُمْ عَلَيْهِ حِينَئذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الذي هو المُوجِبُ للدُعاءِ إشْعارٌ بأنَّ المَحذورَ عندَهم ليس نفس العذاب فقط، بلْ ما يُؤدي إليه مِنَ الظُلْمِ. وفي الآيةِ على ما قيل إشارةٌ إلى أَنَّه ـ سُبحانَه ـ لا يَجِبُ عليهِ شيءٌ ـ وَزَعَمَ بعضُهم أَنَّهُ ليس المقصودُ فيها الدُعاءُ بَلْ مُجَرَّدُ اسِتِعْظامِ حالِ الظالمين.

قولُهُ تعالى: {وإذا صُرِفَتْ أبصارُهم تلقاءَ أصحابِ النَّارِ} و:الواوُ حرفُ عَطفٍ، “إذا” ظَرْفٌ للزَمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَرْطِ في مَحَلِّ نَصْبٍ مُتَعَلِّقٌ بالجوابِ “قالوا”، “صُرِفَتْ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجْهول، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمٌّ الظاهرُ، والتاءُ للتَأنيث. “أبصارُ” نائبُ فاعلٍ مَرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، و”هم” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِ مُضافٍ إليه. “تلقاءَ” ظَرْفُ مَكانٍ، مَنْصوبٌ متعلّق بـ “صُرِفتْ” وَلَمْ يَأْتِ مَصْدَرٌ عَلَى تِفْعَالٍ غَيْرَ: تِلْقَاءٌ وَتِبْيَانٌ وزلزال. وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ، مِثْلَ تَسْيَارٍ وَتَهْمَامٍ وَتَذْكَارٍ وتَرداد وتَكرار. وَأَمَّا الِاسْمُ بِالْكَسْرِ فِيهِ فَكَثِيرٌ، مِثْلَ تِقْصَارٍ وَتِمْثَالٍ وتِمْساحٍ. وقد اسْتُخْدِمَ ظَرْفاً، وهو مصدرٌ في الأصلِ، ثمَّ جُعِل دالاً على المَكانِ، أيْ: على جِهَةِ اللِّقاءِ والمُقابَلَةِ، وقد يُسْتَعْمَلُ مَصْدَراً. وجمعُه تلاقِيّ، لأنَّ تِلْقاءَ وزنه تِفْعال ك “تِمثال”، وتِمثال وبابُه يُجمَعُ على تَفاعيل، فالتقتِ الياءُ الزائدةُ مع الياءِ التي هي لامُ الكَلِمَةِ فأُدغِمتْ فصارت تَلاقِيَّ. و”أصحاب” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ أيضاً. “النارِ” مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ. وجُملَةُ “صُرِفَتْ” في مَحَلِّ جَرِّ بإضافةِ “إذا” الشرطيَّةِ إليهِ.

قولُهُ: {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} قالوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بِواوِ الجَماعَةِ، وهِيَ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعلِهِ، “ربّ” مُنَادى مُضافٌ مَنْصوبٌ حُذِفَتْ مِنْهُ أَداةُ النِداءِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. “لا” حَرْفُ نَهْيٍ وجزِمٍ، “تجعل” فعلٌ مُضارعٌ للدُعاء مَجزومٌ، و”نا” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجوباً تَقديرُهُ “أَنْتَ”. “مع” ظَرْفُ مَكانٍ مضافٌ مَنْصوبٌ مُتَعلِّقٌ بـ “تجعل”. و”القوم” مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ. و”الظالمين” صفةُ “القوم” مجرورةٌ وعلامَةُ الجَرِّ الياءُ لأنَّه جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسمِ المُفردِ. وجُملةُ “قالوا” واقعةٌ جوابَ شَرْطٍ غيرِ جازِمٍ لا مَحَلَّ لَها من الإعراب. وجُملةُ “ربّنا لا تجعلنا” في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقولَ القَوْلِ. وجملةُ “لا تجعلنا” جوابُ النداءِ فلا مَحلَّ لَها من الإعرابِ. ويمكنُ أنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً به.

وقد تقدَّم خلافُ القُرَّاءِ في نَحوِ “تلقاءَ أصحابِ” بالنسبة إلى إسقاطِ إحدى الهمزتين أوْ إثباتِها أوْ تَسْهيلِها في أَوائلِ البَقَرَةِ. ويجوز عندَ السبعةِ إثباتُ هَمْزَةِ “تلقاءَ” وهمزة “أصحاب” وحَذفُ الأولى وإثبات الثانية.

وقرأَ الأَعْمَشُ: “وإذا قُلِبَتْ” وهي مخالفةٌ للسَوَادِ الأعظمِ من القرَّاءِ، كقراءةِ: {لم يدخلوها وهم ساخطون} أو {وهم طامِعُون} على أنَّ هذِهِ أَقْرَبُ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 46


وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ

(46)

قولُهُ ـ جَلَّ شأنُهُ: {وَبَيْنَهُما حِجابٌ} أَيْ بَيْنَ النَّارِ وَالْجَنَّةِ ـ لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُمَا ـ أو بين الفريقين: فريقِ الجَنَّةِ، وفريقِ السَعيرِ، والحجابُ: الحاجزُ، أَوِ السُوْرُ. وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي الآيةِ /13/ من سورةِ الحديد، بقَوْلِهِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ}. وهو الأعرافُ الذي قالَ اللهُ ـ تعالى ـ فيه: “وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ”. وقد ذَكَرَ تَعَالَى في الآيةِ السابقةِ خطَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لأَهْلِ النَّارِ، فنَبَّهَ في هذه الآيةِ، إلى أَنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حِجَابًا، وَهُوَ الْحَاجِزُ الْمَانِعُ مِنْ وُصُولِ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ. فقد روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ بسنَدِهِ عن السُّدِّيِّ: أنَّ “وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ” هو السُّورُ وَهُوَ الْأَعْرَافُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَعْرَافُ حِجَابٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ سُورٌ لَهُ بَابٌ. وذلك الحجابُ الذي بينَهُما حَصَلَ مِنَ الحِجابِ السَابِقِ الذي كان بين الفريقين في الحياة الدنيا؛ فلمَّا حُجِبُوا في الابتداءِ في سابقِ القِسْمَةِ عمَّا خُصَّ بِهَ المُؤمنون مِنَ القُرْبَةِ والزُلْفَةِ حُجِبوا في الانْتِهاءِ عَمَّا خُصَّ بِه السُعَداءُ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ. وأَيُّ حِجابٍ! إنَّه حجابٌ سَبَقَ بِهِ الحُكْمُ، لا يُرفَعُ بِحيلةٍ ولا تَنْفَعُ مَعَهُ وَسيلةٌ.

قولُهُ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} أَيْ عَلَى أَعْرَافِ السُّورِ، وَهِيَ شُرَفُهُ. وَمِنْهُ عُرْفُ الْفَرَسِ وَعُرْفُ الدِّيكِ. وَالْأَعْرَافُ جَمْعُ عُرْفٍ، وَكُلُّ مُرْتَفَعٍ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسَمَّى عُرْفًا، وَإِنَّمَا قيل لِعُرْفِ الديكِ عُرْفاً لارْتِفاعِهِ. كأنَّه عُرِفَ بارْتِفاعِهِ دونَ الأشياءِ المُنْخَفِضَةِ فإنَّها مجهولةٌ غالباً، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبي الصَّلْتِ:

وآخرون على الأعراف قد طَمِعوا …… في جنة حَفَّها الرمَّانُ والخَضِرُ

ومثله أيضاً قوله :

كلُّ كِنازِ لَحْمِه نيافِ …………….. كالجبلِ المُوْفِي على الأعرافِ

وقال الشماخ :

فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنها ………… رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكز

وعنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رضي الله عنهما: هو سُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ إِنَّمَا سُمِّيَ الْأَعْرَافُ أَعْرَافًا لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَعْرِفُونَ النَّاسَ، ورَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ أيضاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنهما ـ أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِه أيضاً أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: سَأَلْتُ الْكِسَائِيَّ عَنْ وَاحِدِ الْأَعْرَافِ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. فَقَالَ: نَعَمْ وَاللهِ، وَاحِدَهُ يَعْنِي، وَجَمَاعَتُهُ أَعْرَافٌ، يَا غُلَامُ، هَاتِ الْقِرْطَاسَ، فَكَتَبَهُ. وَهذا كلامٌ قد خرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ، فهو كَمَا قَالَ تعالى في سورةِ النور: {رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ} الآية: 37. فامْتَدَحَهم بِذلِكَ وأَثْنى عليهم. هؤلاءِ الأشرافُ خُصُّوا بأنوارِ البَصائرِ اليومَ فأشْرَفوا على مقاديرِ الخَلْقِ بِأَسْرارِهم، ويُشرِفون غَداً على مَقاماتِ الكُلِّ وطَبَقاتِ الجَميعِ بِأبْصارِهِم. ويُقالُ يَعرِفونَهم غَداً بِسيماهُمُ التي وَجدوهم عليها في دُنياهم؛ فأَقْوامٌ مَوْسومونَ بأنوارِ القُرْبِ، وآخرون مَوْسومون بأنوارِ الرَدِّ والحَجْبِ. و”رجال” يُفيدُ أَنَّهم لَيْسوا ملائكةً؛ لأنَّ الملائكةَ لَا يُعَبَّرُ عَنْهم بِرجالٍ، فليسوا ذُكوراً ولا إناثاً.

وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فذكروا عَشَرَةَ أَقْوَالٍ: فقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُبَيْرٍ ـ رضي اللهُ عنهم: هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ. وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ (فِي آخِرِ الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ) حَدِيثٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤابةٍ (بيضةُ القَمْلَةِ) دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مثقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النّارَ)). قيل: يا رسولَ اللهِ، فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ: ((أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ)). وأَخْرَجهُ أَبو الشَيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِر.

قولُهُ: {لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ هُمْ فُضَلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاءِ، فَرَغُوا مِنْ شَغْلِ أنفسهم، وتفرغوا لِمُطالَعَةِ حالَ النّاسِ، فإذا رَأَوْا أَصْحَابَ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللهِ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى النَّارِ، فَإِنَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ كُلَّ شيءٍ، وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ. فَإِذَا رَأَوْا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ يَرْجُونَ لَهُمْ دُخُولَهَا. وَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ الْمُسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ خَرَجُوا عُصَاةً لِآبَائِهِمْ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَنَّهُ تَعَادَلَ عُقُوقُهُمْ وَاسْتِشْهَادُهُمْ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ فِي قولهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ: “وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ” قَالَ: الْأَعْرَافُ مَوْضِعٌ عَالٍ عَلَى الصِّرَاطِ، عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَحَمْزَةُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرُ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَيَاضِ الْوُجُوهِ وَمُبْغِضِيهِمْ بِسَوَادِ الْوُجُوهِ، وقاله الضحاكُ كذلك. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّهُمْ عُدُولُ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَهُمْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّحَّاسُ، وَقَالَ: وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ، فَهُمْ عَلَى السُّورِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وأخرجَ البيهَقِيُّ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وابنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبو الشيخ، والطَبرانيُّ، وغيرُهم أَّنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ سُئلَ عنْ أَصحابِ الأَعرافِ فقال: ((هُمْ أُناسٌ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ بمَعْصِيَةِ آبائِهم فمَنَعَهم مِنْ دُخولِ الجَنَّةِ مَعصيةُ آبائهم، ومَنَعَهم مِنْ دُخولِ النَّارِ قتلُهم في سبيلِ الله)). وقيلَ: هُمْ أُناسٌ رَضِيَ عَنْهُم أَحَدُ أَبَوَيْهم دونَ الآخَرِ. وقال الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم قومٌ كان فيهم عَجَبٌ. وقال مُسلم بْنُ يَسار: هُم قومٌ كان عليهم دَيْنٌ، وقيلَ: هُمْ أَهْلُ الفَترةِ، وقيلَ: هم أَوْلادُ المُشركين، وفي روايةٍ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أَنَّهم أَوْلادُ الزِنا، وعنْهُ أَيضاً أَنَّهم مَساكينُ أَهْلِ الجَنة. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُمْ قَوْمُ أَنْبِيَاءَ. وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ صَغَائِرُ لَمْ تُكَفَّرْ عَنْهُمْ بِالْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ كَبَائِرُ فَيُحْبَسُونَ عَنِ الْجَنَّةِ لِيَنَالَهُمْ بِذَلِكَ غَمٌّ فَيَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ صَغَائِرِهِمْ. وَتَمَنَّى سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُمْ مُذْنِبُونَ. وَقِيلَ: هُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُمْ مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِهَذَا السُّورِ، يُمَيِّزُونَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، ذَكَرَهُ أَبُو مِجْلَزٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَا يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ رِجَالٌ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ ذُكُورٌ وَلَيْسُوا بِإِنَاثٍ، فَلَا يَبْعُدُ إِيقَاعُ لَفْظِ الرِّجَالِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أُوقِعَ عَلَى الْجِنِّ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ} فَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ يَعْرِفُونَ المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم، فيبشرون المؤمنين فبدخولهم الْجَنَّةَ وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ فَيَطْمَعُونَ فِيهَا. وَإِذَا رَأَوْا أَهْلَ النَّارِ دَعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاللَّازِمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَأَخَّرُ دُخُولُهُمْ وَيَقَعُ لَهُمْ مَا وُصِفَ مِنَ الاعتبارِ في الفريقين. أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ، وَهِيَ بَيَاضُ الْوُجُوهِ وَحُسْنُهَا فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَوَادُهَا وَقُبْحُهَا فِي أَهْلِ النَّارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ حَيِّزِ هَؤُلَاءِ وحَيِّزِ هؤلاءِ.فَوُقِفَ عَنِ التَّعْيِينِ لِاضْطِرَابِ الْأَثَرِ وَالتَّفْصِيلِ، وَاللهُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ عَلِيمٌ. ثُمَّ قِيلَ: الْأَعْرَافُ جَمْعُ عُرْفٍ وَهُوَ كُلُّ عَالٍ مُرْتَفِعٍ، لِأَنَّهُ بِظُهُورِهِ أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْخَفِضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما: الأعرافُ شُرَفُ الصِّرَاطِ. وَقِيلَ: هُوَ جَبَلُ أُحُدٍ يُوضَعُ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَذَكَرَ الزَّهْرَاوِيُّ حَدِيثًا أَنَّ رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). وَذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: (( إِنَّ أُحُدًا عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ)). وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أَيْ نَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ. “أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ” أَيْ قَالُوا لَهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. سَلِمُوا اليومَ عَنِ النُكْرَةِ والجُحودِ، وأُكْرِمُوا بالعِرفانِ والتَوحيدِ، وسَلِموا غَداً مِنْ فُنون الوَعيدِ، وسَعِدُوا بِلَطائِفِ المَزيدِ. وتحقَّقوا أَنَّهم بَلَغوا مِنَ الرُّتَبِ ما لَمْ يَسْمُ إليه طرْفُ تَأْميلِهم، ولَمْ يُحِطْ بتفصيلِهِ كُنْهُ عُقولِهم. وَقِيلَ: الْمَعْنَى سَلِمْتُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ. لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يطعمون أَيْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، أَيْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ. “وَهُمْ يَطْمَعُونَ” عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَعْنَى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا. لأنهم من أهل لا إله إلا اللهُ فهم لم يَدْخُلوا الجَنَّةَ بَعْدُ، ولكنّهم يَطمعون بِدُخولَها لَعِلْمِهم أنَّ كلَّ مَنْ قالَ: “لا إله إلاَّ اللهُ محمّدٌ رسولُ اللهِ” دَخَلَ الجَنَّةَ، كما أَخْبَرَ الصادقُ المَصْدوقُ ـ صلى الله عليه وعلى آلِ بيتِه وصحبه وسلَّم. وقد قالوها في الدنيا، لذلك فهم يطمعون بأنْ يَدْخُلوها اليومَ بِفَضْلِ اللهِ وعَفْوِهِ. وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ طَمِعَ بِمَعْنَى عَلِمَ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، فالطمعُ هُنا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ على بابِهِ، ويحتمَلُ أَنْ يَكونَ بِمَعْنى اليَقين، لِقولِه تعالى حكايةً عن إبراهيم ـ عليه الصلاةُ والسّلامُ ـ في سورة الشعراء: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لي خطيئتي يومَ الدين} الآية: 82. وطمعُهُ ـ عليْه السلامُ ـ يقينٌ بالله تبارك وتعالى. ومِنْ ذلك قولُ الشاعر:

وإني لأطمعُ أنَّ الإِلهَ ………………….. قديرٌ بحسْنِ يَقيني يَقيني

وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، أَيْ قَالَ لَهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بَعْدُ وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَارِّينَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ.

وقال بعضُهم: جملةُ “لم يدخلوها” مِنْ كلامِ أَصْحابِ الجَنَّةِ، وجُملةُ قولِهِ: “وهُم يَطْمَعون” مِنْ كلامِ الملائكةِ. قال عطاءٌ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهم: إنَّ أَصحابَ الأَعْرافِ يُنادُون أَصحابَ الجَنَّةِ بالسلامِ، فيردُّون عليهم السَّلامَ، فيقولُ أَصْحابُ الجَنَّةِ للخَزَنَةِ: ما لأَصْحابِنا على أَعْرافِ الجَنَّةِ لم يَدْخُلوها؟ فيَقولُ لهمُ الملائكةُ جواباً لهم “وهم يطمعون”، وهذا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ لا يُلائمُ فَصاحَةَ القُرآنِ.

وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: “سَلامٌ عَلَيْكُمْ”. وَعَلَى قَوْلِهِ: “لَمْ يَدْخُلُوها”. ثُمَّ يَبْتَدِئُ “وَهُمْ يَطْمَعُونَ” عَلَى مَعْنَى وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِهَا. أو لَمْ يَدْخُلْهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَارُّونَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ طَامِعِينَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا غَيْرَ طَامِعِينَ فِي دُخُولِهَا، فَلَا يُوقَفُ على “لَمْ يَدْخُلُوها”.

قوله تعالى: {وبينَهُما حجابٌ} و: اسْتِئْنافيَّةٌ، “بين” ظَرْفُ مَكانٍ،

مفعولٌ فيه، مَنْصوبٌ، مُتَعَلِّقٌ بخبَرٍ مُقَدَّمٍ، وهو مضافٌ، و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْه، و”ما” للتَثنيةِ. “حجاب” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ على آخرهِ. وهذه الجملةُ الاسميَّةُ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {وعلى الأعراف رجالٌ} و: عاطفةٌ، “على الأعرافِ” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقدَّمٍ. و”رجالٌ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمُّ الظاهرُ. وهذه الجملة الاسميَّةُ معطوفةٍ على سابقتها فلا محلَّ لها من الإعرابِ كذلك.

قولُه: {يعرفون كلّاً بِسيماهم} يعرفون: فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ بثبوتِ النون لأنَّه من الأفعالِ الخمسة، وفاعلُه الواوُ الدالَّةُ على الجماعة المتصلة به. “كلّاً”مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامَةُ نصبِهِ الفتحُ الظاهرُ على آخره، “بسيما” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “يعرفون” وعلامةُ الجَرِّ الكَسْرَةُ المُقَدَّرَةُ على الألِفِ للتعذُّرِ وهو مضافٌ. و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. وهذه الجملة في محلِّ رفعٍ نعتاً لـ “رجال”.

قولُهُ: {ونادَوْا أصحابَ الجَنَّةِ} و: عاطِفَةٌ، “نادوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ المَحذوفةِ لالْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وفاعلُه واو الجماعةِ المتصلةُ به، والألفُ للتفريق بين واو الجماعة والواو التي هي من أصل الكلمة. “أصحاب” مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، “الجنّة” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّه الكسرةُ الظاهرةُ على آخره. وهذه الجملةُ إمّا معطوفةٌ على جملة “نادوا” فهي في محلِّ رفعٍ أو هي استئنافٌ لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {أنْ سَلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} أَنْ سَلامٌ: مِثْلُ “أنْ لَعنةُ” في الآية: (44)، من هذِهِ السُورةِ، وجازَ بالابْتِداءُ بالنَكِرَةِ لأنَّها دالَّةٌ على عُمومٍ ففيها مَعْنى الدُعاءِ. “على” حرفُ جَرٍّ، و”ك” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفِ خبرٍ للمُبْتَدَأِ سَلامٌ، و”م” الميم علامة المذكر، “لم” حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، “يدخلوا” مُضارعٌ مَجْزومٌ وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النون لأنَّهُ من الأفعال الخمسةِ وواوُ الجماعةِ ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ و”ها” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِه. و”وهم” الواوُ: استئنافيّةٌ “هم” ضميرٌ مُبْتَدَأٌ و”يطمعون” مثل يعرفون. وفي محلِّ هذه الجملة من الإعرابِأَوْجُهٌ، أَحَدُها: أنَّها حالٌ مِنْ فاعلِ “نادوا“، أيْ: نادى أَهْلُ الأَعْرافِ حالَ كونِهم غَيْرَ داخلينَ الجَنَّةِ. وقولُهُ “وهم يطمعون” يُحْتَمَلُ أنْ يكون حالاً مِنْ فاعلِ “يَدْخلُوها” وإذ ذاك ثمَّةَ اعتبارانِ، الأوَّلُ: أَنْ يكونَ المعنى: لَمْ يَدْخُلوها طامعينَ في دُخولِها، بلْ دَخَلوها على يَأْسٍ مِنْ دُخولِها. والثاني: أنَّ المعنى: لمْ يَدْخُلوها حالَ كونِهم طامعينَ، أيْ: لم يَدخلوا بَعْدُ، وهم في وقتِ عدمِ الدُخولِ طامعونَ بدخولها، وقد تقدَّم. ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ مُستَأْنَفَاً، أَخْبَرَ عنهم بأنَّهم طامعون في الدخولِ.الوجهُ الثاني: أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ مَفعولِ “نادوا” أي: نادَوهم حالَ كونِهم غيرَ داخلين. وقولُهُ: “وهم يَطْمَعون” على ما تقدَّمَ آنِفاً. والوجْهُ الثالث: أنْ تَكونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ صفةً لِرِجالٍ قالَهُ الزَمَخْشَرَيُّ. وفيهِ ضَعْفٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ فَصَلَ فيهِ بَيْنَ المَوصوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ: “ونادَوا” وليستْ جُمْلةَ اعْتِراضٍ. ووجهٌ رابعٌ: أَنَّها لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإِعْرابِ لأنَّها جوابُ سائلٍ سَأَلَ عَنْ أَصْحابِ الأَعرافِ فقال: ما صُنِعَ بهم؟ فقيل: لم يَدخُلوها وهم يَطْمَعونَ في دُخُولِها.

 

فيض العليم …سورة الأعراف، الآية: 45


الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ.

(45)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} أيْ يَصُدّون بأنفُسِهم عنْ دينِ اللهِ ـ سبحانَه ـ ويُعرِضونَ عنه، لأنَّ هذا الإعراضَ لازمٌ لكلِّ ظالِمٍ، أَو الَّذِينَ كَانُوا يَصُدُّونَ فِي الدُّنْيَا النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ. بنهيهم عنْه، وإدْخالِ الشُّبَهِ في دلائلِهِ، والتَلبيسِ عليهم، فَهُوَ مِنَ الصَّدِّ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ.

قولُهُ: {وَيَبْغُونَها عِوَجاً} يَطْلُبُونَ اعْوِجَاجَهَا وَيَذُمُّونَهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، ويُنَفِّرون الناسَ عنْها، ويَقدَحونَ في اسْتِقامَتِها، بقولهم إنها ليستْ بحَقٍّ، وإنَّ الحَقَّ ما هم فيه، من سلوكٍ ومعتقدات.أو يَطلبونَ لها تَأْويلاً وإمالَةً إلى الباطلِ،أو: يَبْغونَ الدِّين الذي فيه عِوَجٌ، وهو دينُ الشَيْطانِ؛ كما قال في سورة الأنعام: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الآية: 153، فالعِوَجُ هنا هوَ التَفَرُّقُ الذي ذُكر هناك في تلك الآيةِ. والعِوَجُ إمَّا على أَصْلِهِ وهو المَيْلُ أَوِ الإمالَةُ، ويُقالُ فيما يُدْرَكُ بالبَصَرِ كالخَشَبِ المُنْتَصِبِ ونَحْوِه، أو فيما يُدْرَكُ بِفِكْرٍ وبَصيرَةٍ. فهو يشمَلُ ما هو حِسِّيٌّ، وما هو معنويٌّ. والعربُ تقولُ للميلِ في الدِّين والطريقِ: “عِوَج” بِكسر “العين”، وفي المَيْلِ على الشيءِ تقولُ: “عاجَ إليه يَعُوج عِيَاجًا وعَوَجًا وعِوَجًا”، بكسرِ العينِ وفتحها، قال الشاعر:

قِفَا نَسْأَلْ مَنَازِلَ آلِ لَيْلى…………………. عَلَى عِوَجٍ إلَيْهَا وَانْثِنَاءِ

فأَمَّا ما كانَ خُلقةً في الإنسان، فإنَّه يُقالُ فيه:”عَوَجُ ساقِهِ”، بِفَتْحِ العَيْنِ.

قولُهُ: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ} غَيرُ مُعترفين بالقِيامَةِ وما فيها، أَيْ وَكَانُوا بِهَا كَافِرِينَ، فَحُذِفَ وَهُوَ كثير في كلامِ العربِ،وقد عُدِلَ عَنِ الجُملةِ الفعلِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ للدَلالَةِ على الدَوامِ والثَباتِ إشارةً إلى رًسوخِ الكُفرِ فيهم، وقُدِّمَ الجارُّ والمجرورُ “بالآخرة” على مُتَعَلَّقِه “كافرون” لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. فالأصلُ أنْ يقالَ: وهم كافرون بالآخرة.

قولُهُ تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} الذين: اسم موصول مبني في محلّ رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره “هم” أو في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره أعني. أو في محلّ جرّ نعت للظالمين أو البدل أو عطف البيان. ويصدّون” فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه ثبوتُ النون لأنَّه من الأفعال الخمسةِ. والواوُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، ومَفعولُه محذوفٌ أي: يَصُدُّون النَّاسَ. ويَجوزُ أَلاَّ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعولٌ، والمَعنى: الذين مِنْ شأنِهِمُ الصَدُّ، كقولِهم: “هو يُعطي ويَمنَعُ”. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “يَصُدُّون” بمَعْنى يُعْرضون، مِنْ صَدَّ صُدوداً فيَكونُ لازِماً ولا يطلُبُ مفعولاً البتةَ.”عن سبيل” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “يصدّون” و”سبيلِ” مضافٌ، و”اللهِ” لَفْظُ الجَلالَةِ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. وجملةُ “الذين” استنافيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وكذلك وجملة “يصدّون” لا مَحَلَّ لَها من الإعراب لأنها صلةُ الاسمِ الموصولِ “الذين”.

قولُهُ: “ويبغونَها عِوَجاً” الواو: عاطفة، “يبغون” مثل يَصُدُّون، و”ها” ضمير مفعول به، “عوجاً” مَصدَرٌ بِتأويلِ مُشتَقٍّ، أيْ: مُعْوَجَّةً، وهو في مَوْضِعِ نَصْبِ حالٍ، وجُملةُ “يَبْغونَها” مَعْطوفةٌ على جُملَةِ الصِلَةِ فَلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ} الواو: عاطفة، أوْ حاليَّةٌ. “هم” ضميرٌ مُنفصلٌ مَبْني على السكونِ في مَحَلِّ رَفعِ مُبْتَدأٍ. “بالآخرةِ” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “كافرون” و”كافرون” خبرُ المُبتَدَأِ مَرْفوعٌ وعلامةُ رفعِه الواوُ لأنَّه جمع مذكَّرٍ سالمٌ، والنون عوَضاً عن التنوين في الاسمِ المفرد. وجملةُ “هم كافرون” إما معطوفة على حملة الاستئناف قبلها فلا مَحلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 44


وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

(44)

قولُهُ ـ سُبحانَه وتعالى: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} يقولُ أهلُ الجَنَّةِ لأهلِ النّارِ، الذين كانوا يستهزئون بهم في الحياة الدنيا، ويَسخرون مِنْ عِباداتِهم، ويُكَذِّبونَ مُعْتَقداتِهم، ويُعذِّبون المُسْتَضْعفين منهم، فاليومَ هو وَقْتُ اسْتِردادِ الحُقوقِ، ورَدِّ المَظالِمِ، فيَقولُ المُؤمنون لأولئك الكُفّارِ الذين ظَلَمُوهم، وحارَبوهم: يا أَهْلَ النّارِ، إنَّنا وَجَدْنا كُلَّ ما كُنّا نُؤمِنُ بِهِ مِنْ نَعيمٍ، وَعَدَنا بِهِ رَبُّنا ـ جَلَّ وعَزَّ ـ جَزاءً على ما قدَّمْنا مِنْ تَصديقِ رَسولِه، وما أَدَّيْنا مِنْ طاعتِهِ ـ تعالى ـ وعِبادَتِه. فهلْ وَجَدْتُم أنتم ما تَوَعَّدَكم اللهُ بهِ على لِسانِ رَسُولِهِ، مِنْ عَذابٍ أَليمٍ مهينٍ، جَرّاءَ عِصيانِكم أَوامِرَهُ، وتَكذيبِكم رُسُلَه؟.

وفي هَذَا السُؤَالٌ مِنَ التَقْرِيعِ وَالتَبكيتِ والتَوبيخٌ، والتشَفي الشيءُ الكثيرُ، وذلك لمزيدِ حَسْرَتِهم، على ما فوّتوا على أَنْفُسهم من نعيم، وما أَوقعوها فيه منْ عَذابِ اللهِ وسَخَطِهِ، و شدَّةِ انْتِقامِهِ، ولِعذابهم النفسيِّ، مع عذبهم الجَسَديِّ. وإنّما يكون ذلك بعدَ اسْتِقْرارِ أَهْلِ الجَنَّةِ في الجِنَّةِ وأَهْلِ النَّارِ في النَّارِ.  

وظاهِرُ قولِهِ: “ونادى أصحابُ الجنّةِ أصحابَ النَّارِ” يُفيدُ العُمومَ، فُكُلُّ فريقٍ مِنْ أَهْلِ الجَنِّةِ، يُنادي مَنْ كانَ يَعْرِفُهُ مِنْ الكُفَّارِ في الدارِ الدُنيا، والجَمْعُ إذا قابَلَ الجَمْعَ يُوزَّعُ الفَرْدُ على الفَرْدِ. والله ـ سبحانَه ـ قادرٌ على إيصالِ هذه المحادثة بين الفُرَقاءِ وكلٌّ منهم في مكانِهِ الذي هو فيه، حتى ولو كانتِ الجَنَّةُ في السَماءِ، وكانتِ النارُ في الأرضِ، وقد شهدْنا في هذا العصرِ التحادثَ بين الناسِ بالصوتِ والصُورَة، وكأنهم على صعيدٍ واحدٍ أو في غرفة واحدة، رَغمَ أنَّ المسافةَ بين المتحادثين، قد تَبلُغُ آلافَ الأميالِ. وقد جرَّبنا كذلك المحادثات الجماعية. وذلك مِنْ فَضْلِ اللهِ على عِبادِه.

وهذا كلُّه من شأنِه أن يُقَرِّبَ إلى أذهاننا الحقائق الإيمانية المغيَّبَةَ. فسُبْحانَ مَنْ علَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. وجيء بصيغةِ الماضي “نادى” لِتَحَقُّقِ وُقوعِ ذلك.  

قولُهُ: { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} تَصويرٌ قويٌّ بارعٌ للنِهايَةِ الأَليمَةِ للكافرين المكذِّبين، بتَسجيلِ اللعنةِ عليهم، وطردِهم مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وحِرْمانِهم مِنْ نَعيمِ الآخرةِ، بِأَنْ يُنَادي مَلَكٌ ـ أو غيرُه ـ وسَطَ الجمعينِ بذلك، بَعدَ أَنْ قامتِ الحُجَّةُ على الكافرينَ وثَبَتَ الفَوْزُ للمؤمنين. يُصرِّحُ الملكُ المؤذِّنُ بأمرٍ من الله ـ تعالى ـ بأنْ لَعْنَةُ اللهِ على الظالِمين لأنْفسِهم بأنْ أوردوها أوخم موردٍ، عذابٌ لاينتهي، وذلٌّ لا يُحتَمَلُ، لأنَّهم ظلموها وظلموا غيرهم عندما حاولوا أنْ يَمْنَعوا الناسَ عن اتِّباعِ شرعِ اللهِ القويمِ، وسراطه المستقيم، سواءً بالكذب على اللهِ وتزوير دينِهِ وتحريف تعاليمِهِ، أوْ بمحاربةِ المؤمنين لِثَنْيِهم عَنِ الإيمانِ بما جاءَ بِهِ رسُلُ اللهِ واتباعهم، وهُمْ بالآخرة وما فيها مِنْ ثوابٍ وعِقابٍ جاحدون مَكَذِّبون.

أَمَّا ما ادَّعاهُ الشِيعةُ مِنْ أَنَّ المُؤذِّنَ هُوَ الإمامُ علِيٌّ ـ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ ـ فهو لم يَصِحَّ عندَ أَهْلِ السُنَّةِ نَقلاً، وهو عَقلاً لا يَليقُ بِمَقامِ هذا الإمامِ الجَليلِ أَنْ يكونَ مؤذِّناً وهو إذْ ذاكَ في حَظائرِ القُدْسِ بجِوارِ الرسولِ الكريمِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبه وسلَّم.

يُرْوَى أَنَّ طَاوُسًا دَخَلَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ وَاحْذَرْ يَوْمَ الْأَذَانِ. فَقَالَ: وَمَا يَوْمُ الْأَذَانِ؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: “فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ” فَصُعِقَ هِشَامٌ. فَقَالَ طَاوُوسٌ: هَذَا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ الْمُعَايَنَةِ.

قولُهُ تعالى: {وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ} و: الواو اسْتِئْنافيَّةٌ، “نادى” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقدَّرِ على الأَلِفِ لتعذُر لفظه، و”نادى”، فيهِ إعْلالٌ بالقَلْبِ، أَصْلُهُ “نادَيَ” بالياءِ، جاءتْ الياءُ مُتَحَرِّكةً بَعْدَ فَتْحٍ فقُلِبَتْ أَلِفا.”أصحابُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. “الجنَّةِ” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ. “أصحاب” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. “النّارِ” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامة جرِّه الكسرةُ الظاهرةُ. وجملةُ: “نادى” استئنافيَّةٌ، لا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ.

قولُهُ: {أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا} “أنْ” هي تَفسيريَّةٌ للنداءِ، أو هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقيلةِ، واسْمُها ضَميرُ الشأنِ، مَحذوفٌ، والتقدير: أَنَّهُ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقّاً، وخَبَرُها الجُملةُ بعدَها. وقد حُذِفَ تخفيفاً لِدَلالةِ “وَعَدْنا” عليه. و”قد” حَرفُ تَحقيقٍ، “وَجَدْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السكون لاتِّصالِه بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعل، “ما” اسْمٌ موصولٌ بمعنى الذي، مَبْنِيٌّ في محلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِه. “وَعَدَنا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ على آخره، ويلاحظُ هنا أنَّ الفعلَ الماضي بني على الفتحِ ولم يبنَ على السكون كسابقه مع أنَّ كلاً منهما اتصل به الضميرُ “نا” وذلك لأنَّ “نا” الأولى ضمير رفعٍ فيهو في محلِّ رفع فاعلٍ، بينما “نا” هنا ضمير متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، وليست ضميرَ رفع. “ربُّ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ. و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ. “حقّاً” مَفعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ، أَوْ حالٌ إنْ كانَ الفِعْلُ “وعدنا” بمَعْنى “لَقينا” أي مُتَعدِّياً لِواحِدٍ فقط. وجملةُ “قَدْ وَجَدْنا” تَفْسيريّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وجُمْلَةُ “وَعَدَنا” صِلَةَ المَوْصولِ “ما” لا مَحَلَّ لَها أيضاً.

قولُهُ: {فهل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقاً} فَهَلْ: الفاءُ حرفُ عطفٍ، “هل” للاستفهامِ، “وجدتم” مثل “وجدنا” و”ما وعد ربّكم حقّاً” مثل “ما وعدنا ربّنا حقّاً” والمفعولُ الأوَّلُ مَحْذوفٌ، والتقدير: وَعَدَكم أو وَعَدَنا …، وجملةُ “وَعَدَ ربُّكم” صلة الموصول (ما) الثاني، ولا محلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُهُ: {قالوا: نعم} قالوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتصالِه بواو الجماعة، وواوُ الجماعة ضميرٌ متصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِه، “نعم” حَرْفُ جَوابٍ، وهي ك “أَجَل” و”إي” و”جَيْر” و”بلى”. ونَقيضَتُها “لا”. وتكونُ “نَعَمْ” لِتَصديقِ الإِخْبارِ، أو إعلامِ اسْتِخْبارٍ، أو وَعْدِ طالبٍ، وقدْ يُجابُ بِها النَفْيُ المَقْرونُ باسْتِفْهامٍ، وهو قليلٌ جِدّاً كَقولِ جحدر بنِ مالكٍ الحَنيفيّ:

أليس الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ………………… وإيَّانا فذاك بنا تَدَاني

نعم وترى الهلالَ كما أراه …………….. ويَعْلوها النهارُ كما عَلاني

فأَجابَ قولَه: “أليس” بـ “نعم”، وكان مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقولَ: بَلى، ولذلك يُروى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ في قولِهِ تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} سورةُ الأعرافِ، الآية: 172: لو قالوا: نَعَمْ لَكَفَروا.

وجُملةُ “قالوا” استئنافٌ بيانيٌّ، لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ، ونابَ حرفُ الجَوابِ “نعم” عَنْ جُملةِ مَقولِ القولِ، أيْ: نَعَم قدْ وَجَدْنا ذلك.

قولُهُ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} فأذَنَ: الفاءُ اسْتِئنافيَّةٌ، “أذّن” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، “مؤذِّنٌ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمُّ الظاهرُ. و”مؤذِّنٌ”، اسْمُ فاعلٍ مِنْ أَذَّنَ الرُّباعيِّ، ووزنُه “مُفَعِّلٌ” بضمّ الميم وكسرِ العينِ المُشَدَّدَةِ. “بينهم” بين: ظَرْفُ مَكانٍ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “أذن” أو بـ “مؤذِّن”، أو بمحذوفِ نعتٍ لـ “مؤذِّن”، وهو مضافٌ، و”هم” الهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه، والميم للتذكير. وجملةُ: “أَذَّنَ مؤذّنٌ” اسْتِئنافيَّةٌ فيها مَعْنى التَعليلِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {أنْ لعنَةُ اللهِ على الكافرين} أن: مثل الأُولى، “لعنة” مبتدأٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ على آخره، وهو مضافٌ. “اللهِ” لَفْظُ الجَلالةِ مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ، وعلامة جَرِّه الكسْرةُ الظاهرةُ على آخره. “على الظالمين” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ خَبَرِ المُبْتَدأِ، تقديرُهُ مستقِرٌّ.وهذه الجُملةُ الاسميَّةُ تفسيريَّةٌ لا مَحَلَّ لَها من الإعراب.

قرأَ الكِسائيُّ والأعْمشُ ويَحيى بْنُ وثّابٍ:”نعِم”، وهي لغةُ كنانة وهذيل، ولا عِبْرَةَ بِمَنْ أَنْكَرَهُ مَعَ القِراءَةِ بِهِ وإثباتِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَهُ بالنَّقْلِ الصَحيحِ. فقد طَعَنَ أَبو حاتِمٍ عليها وقال: “ليس الكسر بمعروف”. واحتجَّ الكِسائيُّ لِقِراءَتِهِ بِما يُحْكى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رضي اللهُ عنه ـ أَنَّه سألَ قوماً فقالوا: (نَعَم) يَعني بالفتح فقال: (أَمَّا النَّعَم فالإِبِلُ فقولوا: نَعِم). أيْ بالكَسْرِ. قالَ أَبو عُبَيْدٍ: ولم نَرَ العَرَبَ يَعْرِفون ما رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ، ونَراهُ مُوَلَّداً. وهذا طَعْنٌ في المُتَواتِرِ فَلا يُقْبَلُ مِنْ أَبي عُبيْدٍ ولا مِنْ غيرِه. وتُبَدَّلُ عَينُها حاءً، وهي لُغةٌ فاشِيَةٌ، كما تُبَدَّلُ حاءُ

“حتّى” عيناً.

وَقَرَأَ الْبَزِّيُّ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: “أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ” وَهُوَ الْأَصْلُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ “أَنْ” وَرَفْعِ اللَّعْنَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. فَـ “أَنْ” فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاطِ الْخَافِضِ. وَيَجُوزُ فِي الْمُخَفَّفَةِ أَلَّا يَكُونَ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَتَكُونُ مُفَسِّرَةً كما تقوم. وَحُكِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَرَأَ: “إِنَّ لَعْنَةَ اللهِ” بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهَذَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ كما قرأ الكوفيون: “فناداه الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ”.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 43


وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

(43)

قولُه ـ تعالى شأنُه: {وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} إخْبارٌ مِنَ اللهِ ـ تعالى ـ أَنَّهُ يُنَقي قلوبَ ساكني الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ والحِقدِ، وذلك أنَّ صاحبَ الغِلِّ معذَّبٌ بِهِ، ولا عَذابَ في الجَنَّةِ وهذا مِمَّا يُنْعمُ بِهِ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، نَزْعُ الْغِلِّ مِنْ صُدُورِهِمْ.

وَالنَّزْعُ: الِاسْتِخْرَاجُ، أو القلعُ وهو أشَدُّ من الاستخراجِ، وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ الْكَامِنُ فِي الصَّدْرِ، وَالْجَمْعُ غِلَالٌ. أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّةِ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ فِي الدُّنْيَا. وقد جاءَ بِصيغةِ الماضي (نَزَعْنا) إيذاناً بِتَحَقُّقِه.

قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْغِلُّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ قَدْ نَزَعَهُ اللهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَميرَ المؤمنين ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: “وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ”. أخرجَهُ البَيْهَقِيُّ في السُنَنِ الكُبْرى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ. وأخرجه الحاكمُ في مُسْتَدرَكِه. وَقِيلَ: نَزْعُ الْغِلِّ فِي الْجَنَّةِ أَلَّا يَحْسُدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُلِ مَنَازِلِهِمْ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قولُهُ: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ” في الدنيا، يَنْزِعُ الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ مِنْ قُلوبِهم الغِلَّ، يَعني: مِنْ قُلوبِ المؤمنين، ويَجعَلُهم إخْوانًا بالإيمان؛ وهو كقولِهِ: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} سورة ألِ عُمرانَ، الآية: 103. أَخْبَرَ أَنَّهم كانوا أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهمْ بالإيمان الذي أَكْرَمَهم بِهِ؛ حتّى صاروا إخواناً بعدَ ما كانوا أعداءً.

وقال الحَسَنُ: ليس في قلوبِ أَهْلِ الجَنَّةِ الغِلُّ والحَسَدُ؛ إذْ هُما يُهِمّانِ ويُحْزِنان؛ إنَّما فيها الحُبُّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الآخِرَةِ، يَنْزِعُ اللهُ ـ تعالى ـ مِنْ قُلوبهِمُ الغِلَّ الذي كان فيما بَيْنَهم في الدُنيا، ويَصيرون جَميعًا إخْوانًا؛ كَقولِهِ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} سورة الحجر، الآية: 47. ذلك أنَّه لِطَهارةِ الجنَّةِ فإنَّ كلَّ مَنْ فيها مُطهَّرٌ حِسِّيّاً ومعنَويّاً، طهارةً كامِلَةً، طهارةَ الأَبْدانِ وطَهارةَ القُلوبِ التي في الصُدور، وإنَّ أَشَدَّ ما يُدَنِّسُ القلبَ الغِلُّ والحَسَدُ، والأحقادُ الدُنْيَويَّةُ. وهذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ ـ سُبْحانَهُ ـ مِنْ لَعْنِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضَهم بَعْضاً.

وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عن السُّدِّيِّ أنَّه قال: (إنَّ أَهلَ الجَنَّةِ إذا سِيقوا إلى الجَنَّةِ فبلغوها، وجَدوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً، في أَصْلِ ساقِها عَيْنانِ، فيَشْرَبون، مِنْ إحداهُما، فيُنْزَعُ ما في صُدورِهِم مِنْ غِلٍّ، فهُوَ الشَرابُ الطَّهورُ، ويَغْتَسِلون، مِنَ الأُخْرى، فتَجْري عليهم نَضْرَةُ النَّعيمِ، فلن يَشْعَثوا، ولن يَشْحَبوا بعدَها أَبَداً). وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنِ الحسَنِ قالَ: (بَلَغَني أَنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ قال: ((يُحْبَسُ أَهْلِ الجَنَّةِ بَعدَما يَجوزون الصِّراطَ، حتّى يُؤخَذُ لِبَعضِهم مِنْ بَعْضٍ ظُلاماتِهم في الدنيا، فيَدْخُلونَ الجَنَّةَ وليس في قلوبٍ بَعْضٍ على بَعْضٍ غِلٌّ)).

قولُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ} أي تَجْري مياهُ الأنهارُ مِنْ تَحْتِ غُرفهم في الجنَّة زِيادةً في سرورِهم ولَذَّةِ نَعيمهم.

قولُهُ: {وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا} أَيْ لِهَذَا الفوز العظيم بالثَّوَابِ العميم، والنَّعيمِ المُقيمِ، بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَةَ. فالمُرادُ أنْ هداهم لِما أَدَّى إلى ذلك الفوزِ بالجَنَّةِ، والفَلاحِ في الآخرةِ، مَنَ الأَعْمالِ القَلْبِيَّةِ، والطاعاتِ الجِسْمِيَّةِ، بالتَوفيقِ لَها وصَرْفِ المَوانِعِ عَنِ القيامِ بها. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. وقيل: المُرادُ بالهِدايةِ هنا أن هداهم لِما هُم فيهِ مِنْ مُجاوزَةِ الصِّراطِ إلى أنْ وَصَلوا إلى النعيم. ومِنهم مَنْ قال المرادُ بالهدايةِ هنا نَزْعُ الغِلِّ مِنَ الصُدورِ، وليس بشيء.

قولُه: {وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ} يقولون ذلك شاكرين لله أنعُمه معترفين بفضلِهِ، إظهاراً للسُرورِ بما فازوا به مِنْ جزاءٍ، وما هم فيه من نعيمٍ مُقيم، وتَلَذُّذاً بالتَكَلُّمِ بِه، وليس للتَعَبُّدِ لأنَّ الدارَ الآخرة دارُ تَلَذُّذٍ بالنعيم، وليست دارَ عبادة.

قولُهُ: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ} بيانٌ لِصِدْقِ وَعْدِ الرُسُلِ ـ عليهِمُ الصلاةُ والسلام ـ بما وعدوهم به مِنْ جَنَّةٍ عَرضُها السمواتُ والأرضُ، وما فيها مِنْ أَلوانِ الملاذِّ وأصنافِ النعيم، وقيل: هو تعليلٌ لهدايتِهم. ولا يخفى ما في هذه الآيةِ مِنَ الرَدِّ الواضِحِ على القدريَّةِ المعتزلةِ الزاعمين أنَّ كلَّ مُهْتَدٍ خَلَقَ لِنَفْسِهِ الهُدَى ولَمْ يَخْلُقْه الله تعالى له، فهم يقولون: المُهْتَدي مَنِ اهْتَدى بِنَفْسِهِ واللهُ يقولُ حكايةً لقولِ المُوَحِّدين في مَقْعَدِ صِدْقٍ: “وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ”.

قولُهُ: { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أَيْ قِيلَ لَهُمْ: “تِلْكُمُ الْجَنَّةُ” لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا، أَيْ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ حِينَ عَايَنُوهَا مِنْ بُعْدٍ. وَقِيلَ: “تِلْكُمُ” بمعنى هذه. ومعنى “أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلَهَا بِعَمَلِكُمْ، وَدُخُولُكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ. كَمَا قال في سورة النساء: {ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ} الآية: 70. وَقَالَ: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} سورة النساء، الآية: 175. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْهُ وَفَضْلٍ)). وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ: لَيْسَ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَنْزِلٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ رُفِعَتِ الْجَنَّةُ لِأَهْلِ النَّارِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللهِ. ثُمَّ يُقَالُ: يا أهلَ الْجَنَّةِ رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَتُقْسَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلُهُمْ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ((لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ فِي النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)). فَهَذَا أَيْضًا مِيرَاثٌ، نَعَّمَ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ وَعَذَّبَ بِعَدْلِهِ مَنْ شَاءَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجَنَّةُ وَمَنَازِلُهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ، فَإِذَا دَخَلُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَقَدْ وَرِثُوهَا بِرَحْمَتِهِ، وَدَخَلُوهَا بِرَحْمَتِهِ، إِذْ أَعْمَالُهُمْ رَحْمَةٌ منه لهم وتفضل عليهم.

وجاء في سببِ النزولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ـ أَنَّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وأَبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وطَلْحَةَ، والزُبيرِ، وابْنِ مَسْعودٍ، وعَمَّارَ، وسُلمانَ، وأَبي ذَرٍّ ـ رُضْوانُ الله عليهم أجمعين.

وعن أمير المؤمنين عليّ بنِ أبي طالب أنّه قال: (نَزَلَتْ في ثلاثةِ أَحياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَني هاشِمٍ، وبَني تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فيَّ، وفي أَبي بَكْرٍ، وفي عُمَرَ) كنزُ العُمَّالِ: 4470. رضي اللهُ عنهم أجمعين، فعليٌّ من هاشم، والصدّيقُ من تَيْمٍ، والفاروقُ من عديٍّ.

قوله تعالى: {وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} و: حرفُ عطفٍ، “نزعْنا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكون لاتصاله بضمير رفعٍ متحركٍ، و”نا” العَظَمَةِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ له، و”ما” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، مفعولاً بِه. و”في” حرفُ جرٍّ، و”صدورِ” مَجرورٌ بحرف الجرِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفِ صَلَةِ “ما” أي: كائناً مِنْ غِلٍّ. وهو مضافٌ، و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في محلٍّ جَرِّ مُضافٍ إليْه، والميم علامة المذكَّرِ. و”من” حرف جرٍّ لِبَيانِ جِنْسِ “ما”، و”غِلّ” مَصْدَرٌ سَماعيٌّ لِفِعلِ “غلّ، يَغلّ” بابُه ضَرَبَ، ووزنُهُ “فَعَلَ”، مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مُتَعلِّقٌ بحالٍ مِنَ العائدِ في الصَلَةِ، أوْ بحالٍّ مِنَ المَوصولِ. وجملةُ “نَزَعْنا” في مَحَلِّ رَفْعٍ عطفاً على جُمْلَةِ “أولئك” في الآيةِ السابِقَةِ.

قوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ} تجري: فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ وعَلامَةُ رفعه الضمَّةُ المُقدَّرةُ على الياءِ منعَ من ظهورها الثقلُ، و”من تحتِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “تَجْري” أوْ بِمَحذوفِ حالٍ مِنَ الأنْهارِ. و”هم” تقدّم إعرابها، و”الأنهارُ” فاعلٌ مَرفوعٌ. وجُملةُ “تجري” في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الضَميرِ في “صدورهم”. والعامِلُ في هذِه الحالِ مَعنى الإِضافة. أو أَنَّها حالٌ، والعامِلُ فيها “نزعنا”، أو أنَّها اسْتِئنافُ إخْبارٍ عَنْ صِفَةِ أَحوالِهم.

وردَّ الشيخُ أبو حيّانَ التوحيديُّ الوَجْهيْنِ الأوَّلَ والثاني: أَمَّا الثاني فلأنَّ “تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار” ليس مِنْ صِفَةِ فاعِلِ “نَزَعْنا” ولا مَفْعُولِهِ، وهُما “نا” و”ما” فكيفَ يَنْتَصِبُ حالاً عَنْهُما؟ وهُوَ واضِحٌ. وأَمَّا الأوَّلُ فلأنَّ مَعْنى الإِضافةِ لا يَعمَلُ إلاَّ إذا أَمْكَنَ تَجريدُ المُضافِ وإعمالُهُ فيما بَعْدَهُ رَفعاً أَوْ نَصْباً. وقد تقدَّمَ غيرَ مَرَّةٍ أَنَّ الحالَ تَأْتي مِنَ المُضافِ إليهِ إذا كان المُضافُ جُزءً مِنَ المُضافِ إليْه.

قولُه: {وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا} و: حرف عطفٍ، “قالوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتصالهِ بواو الجماعةِ، وواوُ الجماعة: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. “الحمد” مُبْتَدأٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ، “للهِ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقان بِخَبَرٍ مَحْذوفٍ، “الذي” اسْمٌ مَوْصولٌ في مَحَلِّ جَرِّ نَعْتٍ للفظِ الجَلالَةِ. “هدى” فعلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، لتعذُّر لفظِ الفَتْحَةِ على الأَلِفِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ بِهِ، والفاعلُ: ضميرٌ مستترٌ جواراً تقديرُهُ “هوَ” يعودُ على اللهِ تعالى. “لِـ” حرفُ جَرٍّ “ها” حَرْفُ تَنْبيهٍ، “ذا” اسْمُ إشارَةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرِّ مُتعلِّقٌ بـ “هدى”. وجُمْلَةُ “قالوا” في مَحَلِّ نَصْبٍ مَعطوفةٌ على جُملةِ “تَجري”. وجملةُ: “الحَمْدُ للهِ” في مَحَلِّ نصبٍ مقولَ القولِ لا مَحَلَّ لَها. وجُمْلَةُ “هدانا لهذا” صِلَةُ المَوْصولِ “الذي” لا مَحَلَّ لَها من الإعرابِ.

قولُه: { وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ} و: حرفُ عطف، أَوِ اسْتِئْنافٍ. “ما” نافيةٌ، “كنا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ من النواسخ ـ و”نا” اسْمُهُ، و”لـ” لامُ الجُحودِ، “نَهْتَديَ” مُضارعٌ مَنْصوبٌ، بأنْ مُضْمَرَةٍ، بَعْدَ اللامِ، “لولا” حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجودٍ فيهِ معنى الشَرْطِ، “أنْ” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، “هدانا” فعلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، لتعذُّر لفظِ الفَتْحَةِ على الأَلِفِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفْعولٍ بِهِ. و”الله” لَفْظُ الجَلالةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ.

والمَصْدَرُ المُؤَّولُ من “أن نهتدي” في مَحَلِّ جَرٍّ باللامِ مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفٍ خَبَرَ “كُنا”.

والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ مِنْ “أَنْ هَدانا” في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحذوفٌ وُجوباً، والتقديرُ: لولا هدايةُ اللهِ لَنا مَوجودَةٌ. وجَوابُ “لولا” مَدْلولٌ عليْهِ بقولِهِ: “وما كنا” تقديرُه: لولا هدايةُ اللهِ لنا مَوجودةٌ لَشَقِيْنا أو ما كُنَّا مهتدين. وجُملةُ “ما كُنّا لِنَهْتَديَ” في مَحَلِّ نَصْبٍ، عطفاً على جُمْلَةِ مَقولِ القَوْلِ. وجُمْلَةُ “نَهْتَديَ” صلة الموصول الحرفي “أن” المُضْمر. لا مَحَلَّ لها من الإعراب. وجُملةُ: “هَدانا اللهُ” لا مَحَلَّ لَها صِلَةُ المَوْصولِ الحَرْفِيِّ “أَنْ” الظاهر. والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ “لولا أَنْ هدانا الله”: في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ، أوْ استئنافٌ في حَيِّزِ القَوْلِ فلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قوله: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ} لـ: لامُ القَسَمِ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، “قد” حَرْفُ تَحْقيقٍ، “جاء” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح الظاهر، و “ت” تاءُ التَأْنيثِ، “رُسُلُ” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، “رَبّ” مُضافٌ إليْه مجرورٌ، وهو مضافٌ أيضاً، و”نا” ضَمِيرٌ متَّصلٌ في محلٍّ جرٍّ بإضافةِ “ربّ” إليه. “بالحق” الباء حرفُ جَرٍّ، و”الحقِّ” اسمٌ مجرورٌ بحرف الجرِّ، مُتَعَلِّقٌ بِحالٍ مِنْ “رُسُل” أيْ: جاؤوا مُتَلَبِّسين بالحَقِّ. ويجوزُ أنْ تَكونَ للتعديةِ، وعليه فـ “بالحق” مَفعولٌ مَعنًى، وجملةُ: “لقد جاءت” جَوابُ قَسَمٍ مُقَدِّرٍ. وجُملةُ: “جاءت رسل” جوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعرابِ.

قولُه: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ}و: حرفُ عَطفٍ، “نودوا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ ومَبْنيٌّ على الضَمِّ لاتصالِهِ بواو الجماعة، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ نائبِ فاعلٍ. و”نُودُوا” أَصْلُهُ. نُودِيُوا. و”أنْ” حرفُ تَفْسيرٍ، أوْ هو مُخَفَّفٌ مِنْ “أنَّ” واسْمُهُ ضَميرُ الشأنِ مَحذوفٌ، والجُمْلَةُ بَعدَهُ خَبَرٌ له. و”تلكم” اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ الظاهِرِ على الياءِ المَحذوفةِ لالْتِقاءِ الساكِنَيْنِ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدأٍ، و”لـ” للبُعْدِ، و”ك” للخِطابِ، و”مُ” لِجَمْعِ الذُكورِ. “الجَنَّةُ” بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارةِ مرفوع، أوْ هي عَطفُ بيانٍ لَهُ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خَبَراً لاسْمِ الإشارةِ، فتكونُ الجُمْلَةُ بَعدَهُ حالاً مِنْهُ. وجُمْلَةُ “نودوا” في محلِّ نَصْبٍ عطفاً على جُمْلَةِ “قالوا” أوْ هي مقطوعةٌ على الاسْتِئنافِ، فلا محلَّ لها. وجملةُ “تِلْكُمُ الجنّةُ” تفسيريَّةٌ فَسَّرَتِ النِّداءَ، وهو الظاهرُ بما بعدَها، فلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ المُخَفَّفَةَ، واسْمُها ضَميرُ الأمْرِ مَحذوفاً، وأَنْ وما بعدَها في مَحَلِّ نَصْب أوْ جَرٍّ؛ لأنَّ الأصلَ: “بأنَّ تِلْكُمُ”، وأُشيرَ إليها بإشارةِ البَعيدِ لأنَّهم وُعِدوها في الدُنيا. وقال بعضُهم “هي إشارة لِغائبةٍ” إلاَّ أنَّ الإِشارةَ لا تَكونُ إلاَّ لِحاضرٍ، ولكنَّ العُلَماءَ تُطْلِقُ على البَعيدِ غائباً مَجازاً .

قوله: {أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أُورث: فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، ومَبْنِيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِه بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، و”ت” ضميرٌ مُتَّصلٌ في مَحلِّ رفعِ نائبٍ عن الفاعلِ، و”و” زائدةٌ لإشْباعِ حَرَكَةِ الضَمِّ، و”ها” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ. و”بـ” حرفُ جَرٍّ “ما” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، “كنتم” فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ ـ ناسخٌ ـ واسْمُهُ، “تعملون” مُضارعٌ مَرفوع، والواو فاعلٌ. والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ من “ما كنتم” في مَحَلِّ جَرٍّ بالباءِ، مُتَعَلِّقُ بـ “أورثتموها”. وجملةُ “أُورِثْتُموها” يَجوزُ أَنْ تَكون حاليةً كَقولِهِ: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} النمل: 52، ويَجوزُ أنْ تَكونَ خبراً عنْ “تلكم”. وجملةُ “كنتم” لا مَحَلَّ لَها، صِلَةُ المَوْصولِ الحَرْفيِّ “ما”. وجُملةُ “تعملون”: في محلِّ نَصبِ خَبَرِ كُنْتم.

قرأَ الأخوان (حمزة والكسائي) وأبو عَمْرٍو: “أورثتموه” بإدغامِ الثاء في التاء، وقرأ الباقون بإظهارها.

وقرأ الجماعةُ: “وما كنّا” بواوٍ، وكذلك هي في مَصاحِفِ الأَمْصارِ غيرَ الشامِ. وفيها وجهان، أَظْهَرُهُما: أَنَّها واوُ الاسْتِئْنافِ، والجُمْلَةُ بعدَها مُسْتَأْنَفَةٌ. والثاني: أَنَّها حاليَّةٌ.

وقرأَ ابْن عامرٍ: “ما كنا” بدونِ واوٍ، والجملةُ على ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتمالَيْ الاسْتِئنافِ والحالِ، وهي في مصحف الشاميين كذا، فقدْ قرأَ كلٌّ بِما في مُصْحَفِهِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 42


وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ

(42)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} أيْ الذين صَدَقوا اللهَ ورَسولَه، وأَقَرّوا بما جاءَهُم مِنْ وَحْيِ اللهِ، وتنزيلِهِ عليه مِنْ شرائعِ دِينِه، وعَمِلوا بِما أَمَرَهم بِهِ، وأَطاعوهُ في ذلك، وتجنَّبوا ما نَهاهُم عَنْهُ، فجَمَعوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصَالِحِ، فالإيمانُ هو الأساس، ولذلك به بَدَأ، والعملُ الصالحُ هو المُتَرَتِّبُ، على الإيمان. فمن آمَنَ باللهِ ـ سبحانَهُ ـ خلقاً، وبمحمدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ نبياً ورسولاً من اللهِ إلى خلقه، ويؤمن بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب لكلٍّ بما قدمَ من عمل، لا بُدَّ لإيمانِه هذا من أَنْ يحملَه على العملِ الذي من شأنِه أنْ يُكْسِبَهُ رضا مولاه وخالقه ليفوز بثوابه، وإلا كان الإيمان ناقصاً وفيه خلل.

وَوقولُهُ: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} أي: لا نُكلِّفُ نَفْسًا مِنَ الأعْمالِ الصالِحات إلاَّ وُسْعَها، بَلْ نُكَلِّفُها دون وُسْعِها، ودون طاقتِها، ونَظِيرُهُ قولُه: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا}. والوُسْعُ: ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ ولا يُعْجَزُ عَنْهُ، وقدْ جاءتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ معترضةً بيْنَ المُبْتَدَأِ، وهو الاسْمُ المَوْصولُ “الذين” والخبر، وهو اسم الإشارةِ “أُولئك” للتَرْغيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤدّي إلى النَّعيمِ المُقيمِ بِبيانِ سُهولةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحصيلِهِ، لأنَّه ـ سبحانه ـ لم يكلفْ النفسَ البشريةَ ما لا تطيقُ، إنَّ كلَّ ما كلَّفها به من فعلٍ أو تركٍ هو في وُسعها، وهو ـ جلَّ وعلا ـ خالقُها والأدرى بما تستطيعُه وما لا تستطيعُه.

قولُهُ: {أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ} وبهذا يُخْبِرُنا الحَقُّ أَنَّ الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ، هُمْ أَصْحابُ الجَنَّةِ وَهُمْ فِيها خالدون، ويَضَعُ لَنا الحَقُّ تَنْبِيهاً بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الآيَةِ وتَذْييلِها: “لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا” لِنَفْهَمَ أَنَّ المُسْرِفين على أَنْفُسِهم بالكُفْرِ، وتكذيبِ الآياتِ لَمْ يَفهَموا حقيقةَ الإِيمانِ، وأَنَّ حَبْسَ النَّفْسِ عَنْ كَثيرٍ مِنْ شَهَواتِها هُوَ في مَقدورِ النَّفْسِ، وليس فوقَ طاقتِها؛ لذلك أَوْضَحَ لَنا ـ سُبحانَهُ ـ أَنَّهُ كَلَّفَ بـ “افْعَلْ ولا تَفْعَلْ” وذلك في حدودِ وُسْعِ المُكَلَّفِ.

قولُهُ تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} الواو: استئنافيَّةٌ، “الذين” اسمٌ مَوْصولٌ في محلٍ رفعٍ مُبتَدأً، وخبرُهُ هو جملةُ: “أولئك أَصْحَابُ”، وهذا هو الوجهُ، أو أنَّهُ جُملةُ: “لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً” وعليه فلا بُدَّ مِنْ عائدٍ وهًو مُقدَّرٌ، وتقديرُهُ: نَفْساً مِنْهم. و”آمنوا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعة. وواوُ الجماعة ضميرٌ متَّصِلٌ في محلِّ رفعِ فاعِلٍ. وجملةُ “آمنوا” واقعةٌ صلةَ الموصولِ “الذين” فلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ “الذين آمنوا” استئنافيَّةٌ فلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كذلك.

قولُهُ: {وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} الواو: عاطفةٌ، و”عملوا” مثل: “آمنوا”، و”الصالحاتِ” مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ النَّصْبِ الكَسْرَةُ نيابةً عنِ الفتحةِ لأنَّهُ جمعٌ مؤنّثٌ سالم. وهذه الجملة لا محلَّ لها من الإعراب أيضاً لأنها معطوفةٌ على جملة الصلة التي لا محلَّ لها.

قولُهُ: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها} لا: حَرْفُ نَفْيٍ، “نُكَلِّفُ” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ على آخره، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ تقديرُهُ “نحنُ” للتَعظيمِ، و”نفساً” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ. “إلا” أداةٌ للحَصْرِ، “وُسْعَ” مَفْعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ، وهو مضافٌ، و”ها” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُضافاً إليْه. وهذه الجملةُ اعتراضيّةٌ فلا محلَّ لها من الإعراب، أو هي في محلِّ رَفْعِ خَبَرِ الاسْمِ المَوْصولِ، كما تَقَدَّمَ بيانُهُ آنفاً.

قولُهُ: {أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ} أُولاء: اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٍّ في محلِّ رَفْعِ مُبْتَدأٍ، و”الكافُ” للخطابِ، و”أصحابُ” خَبَرٌ مَرْفوعٌ، وهو مضافٌ، و”الجنَّة” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامة جرِّه الكسرةُ الظاهرة. وهذه الجملةُ في محلِّ رفعِ خبر الاسمِ الموصول: “والذين”

قولُهُ: {هُمْ فِيها خالِدُونَ} هم: ضَميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدأ، “فيها” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “خالدون”، و”خالدون” خَبَرٌ مَرْفوعٌ وعلامةُ رَفْعهِ الواو لأنه من الأسماءِ الخَمْسةِ، والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسمِ المُفردِ. وهذه الجُملةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ حالاً مِنْ أَصْحابِ، والعامِلُ فيه الإشارةُ.

 
 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.