فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سُورَةُ هود


سُورَةُ هود

 

هِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وعددُ آياتها: مئةٌ وثلاثٌ وعِشْرونَ آيةً، وألفٌ وتِسْعُ مئةٍ وسبعٌ وأَربعون كَلِمَةً، وسَبعةُ آلافٍ وثمانُ مِئَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفاً. فِي عَدَدِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ عُدَّتْ آيَاتُهَا مِئَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي الْعَدَدِ الْمَدَنِيِّ الْأَخِيرِ. وَكَانَتْ آيَاتُهَا مَعْدُودَةً فِي الْمَدَنِيِّ الْأَوَّلِ مِئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي عَدَدِ أَهْلِ الشَّامِ.

قالَ ابْنُ عبّاسٍ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهد، وقتادة، وجابر بن زيد ـ رَضِيَ اللهُ عنهم: هذه السورة مكية كلها، وفي روايةٍ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قال: هي مَكِيَّةٌ كُلُّها إلاَّ قولَه: {فَلَعَلَّكَ تاركٌ بعضَ ما يُوحى إليْكَ} الآية: 12. وقالَ مقاتل مثل لك. وقال البغويُّ هي مكيَّةٌ إلاَّ قولَه: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} الآية: 114. وَرُوِيَ ذَلِكَ أيضاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَتَادَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ} الآية: 12، وَقَوْلُهُ: {أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ إِلَى قَوْلِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} الآية: 17. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ فِي بَعْضِ آيِهَا تَوَهُّمٌ لِاشْتِبَاهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي قِصَّةٍ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَئِذٍ كَمَا سيَأْتِي، عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ وَاضِحٌ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.

وقِيلَ نَزَلَ قوله: {أولئك يؤمنون به} فِي عَبْدِ اللهِ ابْنِ سَلَامٍ وأَصْحابِه، وقِيلَ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ، وقولُهُ: {إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ} نَزَلَتْ في نَبْهانَ التمار.

وقد سُمِّيَتْ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ، وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَالسُّنَّةِ: سُورَة هُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ـ رضي الله عنهم، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ شِبْتَ؟ قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودُ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، سُورَةِ الْوَاقِعَةِ. وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ يَزِيدُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وأَخْرَجَ الحافظُ أَبو يَعْلى: عَنْ عِكْرِمة قالَ: قالَ أَبو بَكْرٍ ـ رضي اللهُ عنهما: سأَلْتُ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ما شَيَّبَكَ؟ قال: ((شيَّبَتْني هودٌ، والواقعة، وعَمَّ يَتساءلون، وإذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ)). مُسْنَد أَبي يَعلى: (1/102).

وأخرجً الطًبًرانيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليه وسَلَّمَ: ((شَيَّبَتْني هودٌ وأَخَواتُها: الواقعةُ، والحاقَّةُ، وإذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ)) وفي رواية: ((هود وأخواتها)). المُعْجَمُ الكَبيرُ: (6/183)، ورواهُ الدَارَقُطْني في العِلَلِ: (1/210) من طريق أحمد ابن طارق به.

وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ سُورَةِ” هُودٍ” قولُهُ تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ} هود: 112. عَلَى مَا سيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ (هُودٍ) فَلَمَّا خَتَمْتُهَا قَالَ: ((يَا يَزِيدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ)).

وهل اسمها مصروفٌ أم ممنوعٌ من الصرفِ قولان، فقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: يُقَالُ هَذِهِ هُودُ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، لِأَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ امْرَأَةً بِ “زَيْدٍ”. لَمْ تَصْرِفْ، وهو قولُ الخليلِ وسِيبَوَيْهِ.

وقال عيسى ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: هَذِهِ هُودٌ، بِالتَّنْوِينِ، عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وَكَذَا إِنْ سَمَّى امْرَأَةً بِ “زَيْدٍ”، لِأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ وَسَطُهُ خَفَّ فَصُرِفَ. فَإِنْ أَرَدْتَ الْحَذْفَ صَرَفْتَ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَقُلْتَ: هَذِهِ هُودٌ، وَأَنْتَ تُرِيدُ سُورَةَ هُودٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّكَ تَقُولُ هَذِهِ الرَّحْمَنُ، فَلَوْلَا أَنَّكَ تُرِيدُ: (هَذِهِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ) ما قلت: (هذِهِ).

وَسُمِّيَتُ بَاسِمِ هُودٍ لِتَكَرُّرِ اسْمِهِ فِيهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَلِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْهُ فِيهَا أَطْوَلُ مِمَّا حُكِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ عَادًا وُصِفُوا فِيهَا بِأَنَّهُمْ قَوْمُ هُودٍ، وذلك فِي قَوْلِهِ تعالى: {أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ} الآية: 60، وهو: هودُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ رَباحِ بْنِ الخلودِ بْنِ عادِ بْنِ عِوَصَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وقيلَ: هوَ هودُ بْنُ شالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحِ بْنِ عَمِّ أَبي عادٍ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَسْمِيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وَجْهٌ آخَرُ لِلتَّسْمِيَةِ يَنْطَبِقُ عَلَى هَذِهِ وَهُوَ تَمْيِيزُهَا مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ ذَوَاتِ الِافْتِتَاحِ بِ (الر).

وقد نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ يُونُسَ، وَقَبْلَ سُورَةِ يُوسُفَ. وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةَ وَالْخَمْسِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي أَثْنَاءِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ لِأَنَّ التَّحَدِّيَ فِيهَا وَقَعَ بِعَشْرِ سُوَرٍ وَفِي سُورَةِ يُونُسَ وَقَعَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.

أمّا أَغْرَاضُهَا: فقد ابْتَدَأَتْ بِالْإِيمَاءِ إِلَى التَّحَدِّي لِمُعَارَضَةِ الْقُرْآن بِمَا تومئ إِلَيْهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. ثمَّ بِالتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ. وَبِالنَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ ـ سبحانه وتَعَالَى. وَبِأَنَّ الرَّسُولَ- صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، نَذِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذَابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَبَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَتَاعٍ حَسَنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وَإِثْبَاتِ الْحَشْرِ. وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى خَفَايَا النَّاسِ. وَأَنَّ اللهَ مُدَبِّرُ أُمُورِ كُلِّ حَيٍّ عَلَى الْأَرْضِ. وَخَلْقِ الْعَوَالِمِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. وَأَنَّ مَرْجِعَ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا خَلَقَهُمْ إِلَّا لِلْجَزَاءِ. وَتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَتِهِ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَمَا يَقْتَرِحُونَهُ مِنْ آيَاتٍ عَلَى وِفْقِ هَوَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} الآية: 12. وَأَنَّ حَسْبَهُمْ آيَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي تَحدّاهم بمعارضتِه، فعَجَزوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، فَتَبَيَّنَ خُذْلَانُهُمْ، فَهُمْ أَحِقَّاءُ بِالْخَسَارَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَضَرْبِ مَثَلٍ لِفَرِيقِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. وَذِكْرِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْبَائِدَةِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وَتَفْصِيلِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَوْمِ لُوطٍ، وَمَدْينَ، وَرِسَالَةِ مُوسَى، تَعْرِيضاً بِمَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَرِ وَمَا يَنْبَغِي مِنْهُ الْحَذَرُ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَهَا. وَأَنَّ فِي تِلْكَ الْأَنْبَاءِ عِظَةٌ لِلْمُتَّبِعِينَ بِسِيَرِهِمْ. وَأَنَّ مِلَاكَ ضَلَالِ الضَّالِّينَ عَدَمُ خَوْفِهِمْ عَذَابَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ صَائِرُونَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ.

وَانْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِتَفْصِيلِ حَادِثِ الطُّوفَانِ وَغَيْضِهِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِإينَاسِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَتِهِ بِاخْتِلَافِ قَوْمِ مُوسَى فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ، فَمَا عَلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَقِيمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللهُ، وَأَنْ لَا يَرْكَنُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّبْرِ وَالْمُضِيِّ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الصَّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا هَلَاكَ مَعَ الصَّلَاحِ. وَقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ عِظَاتٌ وَعِبَرٌ وَالْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاة.

وبينَ هذِهِ السُورةِ وسابِقَتِها تَشَابُهٌ في مَواضعَ كَثيرةٍ، حَيْثُ احْتَوَتْ حِكايَةً لأَقْوالَ ومَواقِفَ تَعْجيزيَّةً عَديدَةً للكُفَّارِ ورُدوداً عليها، ومناقَشَةً لَها وإفحاماً لَهُم فيها.

وفيها سِلْسِلَةٌ طويلةٌ مِنْ قِصَصِ الأَنْبياء والأمَمِ البائدةِ تُذَكِّرُ بما كانَ مِنْ مَواقِفِ كُفَّارِ تلك الأُمَمِ مِنْ أَنْبِيائِهم، وما صاروا إليْهِ مِنْ سُوءِ المَصيرِ، وما صارَ إليه المُؤمنون منهم، مِنْ نَجاةٍ وحُسْنِ عُقْبى، تَثْبيتاً وتَطْميناً للنَبِيِّ محمَّدٍـ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وللمؤمنين، وإنْذاراً للكُافِرِين.

وفيها بيانٌ لحكمَتِهِ في خَلْقِهِ ـ تَبَاركتْ أَسْماؤهُ، وجلَّتْ حِكْمَتُه، التي اقْتَضَتْ أَنْ لا يَكون الناسُ أُمَّةً واحدةً، بَلْ أَمَماً وشعوباً ليَتَعارَفوا ويَتَمايزوا. وقد فَصَّلَ فيها ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، ما أَجْمَلَهُ في سابِقَتِها مِنْ قِصَصِ الرُسُلِ ـ عَليهِمُ السَّلامُ، وهي مُناسَبَة لها فى فاتِحَتِها وخاتِمَتِها وتَفْصيلِ الدَعْوَةِ في أَثنائها، فقد افْتُتِحَتا بِذِكْرِ القرآنِ بَعْدَ (الر)، وذِكْرِ رِسالَةِ النَبِيِّ المُبَلِّغِ عَنْ رَبِّهِ، وبَيانِ أَنَّ وظيفةَ الرَسول إنَّما هي التَبْشيرُ والإنْذارُ وفي أَثنائهما ذِكْرُ التَحَدِّي بالقرآنِ والرَدِّ على الذين زَعَموا أَنَّ الرَسُولَ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، قدْ افْتَراهُ، ومُحاجَّةُ المُشْركينَ في أُصُولِ الدّينِ، وخُتِمَتا بِخِطابِ النَّاسِ بالدَعْوَةِ إلى ما جاءَ بِهِ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثمَّ أَمْرُ الرَسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، في الأُولى بالصَبْرِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكافِرينَ، وفي الثانِيَةِ بِانْتِظارِ هَذا الحُكْمِ مِنْهُ تَعالى مَعَ الاسْتِقامَةِ على عِبادَتِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ. وعَلى الجُمْلَةِ فقدْ أُجْمِلَ في كٌلٍّ مِنْهُما ما فُصِّلَ في الأُخْرى مَعَ فَوائدَ انْفَرَدَتْ بها كلٌّ مِنهُما، فَقَدِ اتَّفَقَتا مَوْضُوعاً في الأَكْثرِ واخْتَلَفَتا نَظْماً وأَسْلوباً مِمَّا لا مَجَالَ للشَكِّ في أَنَّهما مِنْ كَلامِ الرَحْمن، الذي عَلَمَ الإنْسانَ البَيانَ. وفُصُولُ السُورَةِ مُتَرابِطَةٌ ممّا يُسَوِّغُ القولَ إنَّها نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً حتّى تَمَّتْ كَسابِقاتِها، والتَشابُهُ بَيْنَها وبيْنَ السُورةِ السابِقَةِ قدْ يَكونُ قَرينَةً على تَتابُعِهِما في النُزولِ. كما تقدَّمَ.

ومِنْ فَضائلِ هذِهِ السُورَةِ المُبارَكَةِ مَا أَسْنَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وأَبو داوودَ في “مَراسيلِهِ”، وأبو الشيخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، والبَيْهَقِيُّ في “شُعَبِ الإيمان” عَنْ كَعْبٍ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ قَالَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اقْرَؤوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)).

وقالَ أَبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ في كتابِهِ “الناسِخُ والمَنْسُوخ”: سورَةُ هُودٍ فيها مِنَ المَنْسوخِ ثلاثُ آياتٍ: أُولاهُنَّ: قولُهُ تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآية: 15. نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الإسْراءِ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} الآية: 18. الآية الثانية: قولُهُ تَعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} الآية: 121. نُسِخَتْ بآيَةِ السَيْفِ. والآية: الثالثة: قولُهُ تَعالى: {وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} الآية: 122. مَنْسوخَةٌ بآيَةِ السَيْفِ أَيْضًا.

إلى المنصفين من أهل الدين


إلى المنصفين من أهل الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الله تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} الكهف: 21، فلو كانَ مُجَرَّدُ وُجُودِ القبْرِ في المَسْجِدِ، أو بالقرب منه، أمراً محظوراً شرعاً لما ذَكَرَهُ الهَُ في قرآنه، أوْ لَكانَ ذَكَرَهُ ثمَّ فنَّدَهُ وبيَّنَ خطأَه نهى عنه وذَمَّهُ، وما كان الهُْ ليترك ذلك دون بيانٍ، ومِنَ المَقْطوعِ بِهِ أَنَّ هؤلاءِ الفتيةُ هم رجالٌ مؤمنون صالحونَ ليس إلاَّ، وإنَّما اتُّخِذَ المسجدُ عليهم للتذكير بقصتهم ليعتبرَ الناسُ بها وليقتدوا بهم، وللإشادةِ بهم ورفع قدرهم بين الناس لحسنِ ما قدَّموا من عملٍ صالح.
ولما قالَ النبيُّ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ: ((لَعَنَ الهَُ اليهود والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ)). أخرجه البخاريُّ، لم يكنْ يقصدُ ما فهمه بعض المتأخرين، من أنَّ مجرد وجود القبرِ في المسجد مروقٌ عن الدين وخروجٌ على تعاليمه، بدليلِ الآية المذكورة آنفاً، وبدليل أنَّ الصحابة رضوانُ الهَ عليهم دفنوا جسد النبيِّ ـ صلَّى الهَُ عليه وسَلَّمُ، في حجرة السيدةِ عائشةَ أُمِّ المؤمنين ـ رضِيَ الهُه عنها وأرضاها، وهم مجتمعون لم يخرجْ عن ذلك أحدٌ ولم يعترضُ عليه أو يستنكره أحدٌّ ولا اعترضَ عليه أحدٌ.
ولو كان هذا خصوصيّةً لسيدنا رسول الهَ لما دفنوا صاحبيه الصديق وعمر في جواره. فهل هؤلاء الذين يعترضونَ على وجود القبر في المسجد أتقى من الصحابة مجتمعين أو أعلم منهم بالدين أو أكثر فهماً لحديث رسول الهد؟ أوْ أنَّ الحديثَ لم يَصِلَهم؟ وإذا كان كلك فمن روى لهم هذا الحديثِ إذاً عن رسول الهَ ـ صلى الهُل عليه وسلم.
أمّا حديث ((لعنَ الهّ …)) فقد بيَّنَ العلماءُ المَقْصِدَ مِنْهُ، كما فهمه الصحابةُ ـ رضوانُ الهِع عليهم، وهو الذي درج عليه جمهور الأمَّةِ، منذ وفاة النبيِّ وحتى اليوم، وأقوالهم فيه قد تستعصي على الحصرِ ملخَّصها، ما ذكره الإمامُ ابنُ حجر الهيثمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر، بعد أن روى الحديث قال: (وَاِتِّخَاذُ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ) فهل في المسلمين من يُصلي على قبرِ أحدٍ أو إليه؟
فليَتَّقِ الهَه الذين خَرَجوا على ما أَجْمَعَتْ عَليْه أُمَّةُ الإسلامِ مُنْذُ عهدِ الصحابَةِ وإلى هذا اليوم فإنَ في إثارةِ مثل هذه الأمور مفارقةٌ لجماعة المسلمين وتفريق لصوففهم وشقٌّ لعصا طاعتهم، في وقت نحن أحوج مانكون لتمتين عرى الإسلامِ والتمسُّك بأهداب الدين لأننا ما عرفنا أنَّ أهلَ الشرك اجتمعوا على أهل الإيمان كما هم اليومُ، ولنَضَعْ نُصْبَ أَعْيُنِنا قولَه تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِين} التوبة: 36. فمن لم يتقِ الهََ في نفسه وإخوانه لن يكون الهَُ معه، ومن لم يكن الهُْ معه، خسرَ الدنيا والآخرة، ويأتي قولُهُ تعالى في سورة الأنفال: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الآية: 46. ليوجّه لنا أوضح بيانٍ ولينذرنا ليس بفشلنا وحسب وإنما بكسرِ شوكتنا وتلاشي أثرنا. اللهم بصرنا بعاقبة أمرنا واجمع عليك شتات قلوبنا ووحد صفوفنا وانصرنا على من عادنا فأنت أكرم مسؤولٍ وأعظم مأمول، وصلِّ اللهم على سيدنا ومولانا وقائدنا سيد الأولين والآخرين وإمام المجاهدين والمتقين وحبيب ربِّ العالمين سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقدتى بهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لهو ربِّ العالمن وحسبنا اللهُ ونعم الوكيل.

فيض العليم … سورة يونس الآية: 109


وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)

قولُهُ ـ جلَّ وعلا: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} مِنَ الحقِّ المذكورِ المتأكِّدِ اعْتِقاداً وعَمَلاً وتبليغاً على نهج التجددِ والاستمرارِ يوماً فيوماً، وفي التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه ـ عليه الصلاةُ والسَلامُ، بالوحي تَنْبيهٌ على ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَنائي
قولُه: {واصْبِرْ حتى يَحْكُمَ اللهُ} واصبرْ: على ما يَعْتريكَ من مصاعبَ في تَبْليغِهم، من تعنُّتٍ وتكذيبٍ وأَذىً، وما يعترضُ سبيلَكَ مِنْ مَشاقِّ، وما يَنْتابُكَ يا رسولَ اللهِ مِنْ حزنٍ بسببِ عدم استجابتهم لدعوتِكَ ولا تستعجلْ لَّهم “حتّى يَحْكُمَ اللهُ” لَكَ بهدايةِ مَنْ شاءَ منهم، أو بالأَمْرِ بِقِتالِهم والنَّصْرِ عَليهم.
قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لاطِّلاعِهِ على السرائرِ وما في الضمائرِ اطِّلاعَهُ على الظَواهِرِ. والْأَمْرُ بِالصَّبْرِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَفِي الْإِخْبَارِ بِأَنَّ اللهَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ إِيمَاءٌ بِأَنَّ اللهَ نَاصِرٌ رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ كَذَّبُوا وَعَانَدُوا. وَهَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ فِيهِ بَرَاعَةُ الْمَقْطَعِ.
قولُهُ تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} وَاتَّبِعْ: الواوُ: عاطف، و “اتَّبع” فِعْلُ أَمْرٍ مَعْطوفٌ على: “قُلْ” وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ وجوباً تقديرُهُ: “أنت” يعودُ على سيدنا محمَّدٍ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّم. و “مَا” مَوصولٌ بمعنى “الذي” أو نَكرةٌ مَوْصوفَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ. و “يُوحَى” فعلٌ مُضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائب فاعلِهِ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُ “هو” يَعودُ على “مَا”. و “إِلَيْكَ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لـ “مَا” أَوْ صِفّةٌ لَها.
قولُه: {واصْبِرْ حتى يَحْكُمَ اللهُ} واصبرْ: الوَاوُ: عاطفةٌ، و “اصْبِرْ” فعلُ أَمْرٍ مَعطوفٌ على: “اتَّبِعْ” وله نفسُ إعرابه. و “حَتَّى” حرفُ جَرٍّ وغايَةٍ. و “يَحْكُمَ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِـ “أن” مُضْمَرَةٍ وُجوبًا بَعْدَ “حَتَّى” بمَعنى “إلى”، و “اللهُ” فاعلُهُ، والجملَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِـ “حَتَّى” بِمَعنى: “إلى” والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِ “اصبرْ” والتَقْديرُ: واصْبِرْ إلى حكمِ اللهِ تَعالى بَيْنَكَ وبَيْنَهم.
قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} الواو: حاليّةٌ، و “هو” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ، و “خيرُ” خَبَرُهُ وهو مضافٌ، و “الحاكمين” جمع الحاكم، اسْمُ فاعِلٍ مِنْ حَكَمَ الثُلاثيِّ، وَزْنُهُ “فاعل”. مجرورٌ بالإضافة، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ، والنونُ عِوضاً عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه، في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ لفظِ الجَلالَةِ. وَهُيَ ثَنَاءٌ وَتَذْيِيلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ، أَيْ: وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ بَيْنَ كُلِّ خَصْمَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَفِي غَيْرِهَا، فَالتَّعْرِيفُ فِي الْحاكِمِينَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ. وخَيْرُ تَفْضِيلٌ، أَصْلُهُ أَخْيَرُ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَالْأَخْيَرِيَّةُ مِنَ الْحَاكِمِينَ أَخْيَرِيَّةُ وَفَاءِ الْإِنْصَافِ فِي إِعْطَاءِ الْحُقُوقِ. وَهِيَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مُعَاقَبَةِ الظَّالِمِ. وبين “يَحْكُمَ” و “الْحاكِمِينَ” جِنَاسُ اشْتِقاقٍ.

انتهتْ سورة يونس ـ عليه السلامُ، يوم الجمعةِ الواقعِ: 13/ من ذي القعدة، /1436ه. الموافق: 28/8/2015م. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين

فيض العليم … سورة يونس الآية: 108


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ

(108)

قولُهُ ـ جلَّ وعَلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} يأمُرُ الله تعالى نبيَّه محمَّداً ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أنْ يَتَوَجَّهَ لِلنَّاسِ جَميعاً على مَرِّ الدُهورِ وكَرِّ العصورِ، وفي المقدِّمَةِ أُولئكَ الكَفَرَةُ الفجرةُ، الذين بَلَغَتْهم دَلائلُ التَوحيدِ والنُبُوَّةِ والمَعادِ، وأَنْ ينذِرَهم بهذا الخطاب البلاغي، بأَنَّه إنَّما يُبَلِّغُهم ما أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ لَهمْ مِنَ الحَقِّ، وهوَ القرآنُ الكريمُ والشرْعُ القويمُ الذي جاءَهُ بِهِ الوحيُ السماويٌّ، وهو الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ. وَافْتِتَاحُ الخطابِ بِالنِّدَاءِ لِاسْتِيعَاءِ أسْمَاعِهِمْ لِأَهَمِّيَّةِ مَا سَيُقَالُ لَهُمْ.

قولُهُ: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} بَدَأَ الحقُّ ـ تبارك وتعالى، خِطابَ الناس بذكرَ المهتدين تشريفاً لهم، فَمَنْ اهْتَدَى بِهَدْيِ مولاهُ تَعالى وَاتَّبَعَ رسولَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وسارَ على نَهْجِهِ، فَإِنَّمَا يَعُودُ بالنَفْعِ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّ اللهَ وَضَعَ هذِهِ التَعاليمَ، لِيَنْتَفِعَ بها عِبادُهُ في الحياة الدُنيا وفي الآخِرَةِ، ولا غايَةَ أخرى لَهُ. أَمَّا هوَ سُبْحانَهُ فمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إليهُ نَفْعٌ أَوْ أن يَلْحَقَ بِهِ ضَرَرٌ، فالحاجةُ للنفعِ إنَّما تَكونُ عَنْ نَقْصٍ، واللهُ سبحانَهُ لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ الذي لا يَعْتَريهِ نَقْصٌ، والحاجة تعني الضعفَ أيضاً وهو القويُ على الإطلاق وكلُّ قوةٍ فهي منه مكتسبةٌ. والذي يَنْفَعُ غَيْرَهُ يَكونُ أَقٌوى مِنْه وأَقْدَرَ وهو ـ جَلَّ وعَزَّ، الأقوى فلا قَوِيَّ غيرُهُ، وهوَ المُقْتَدِرُ فلا قُدْرَةَ لأَحَدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ.  

قولُهُ: {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} وَمَنْ يضَلُّ عَنْ هذا الطريق القويمِ والصِراطِ المُسْتَقيمِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وحدَهُ. أمّا اللهُ ـ تبارك وتعالى، فإنَّه منزَّهٌ عن ذلك أيضاً فكما تنزَّه عن النفع، كلك فقد تنزَّه عن أنْ يصله ضرَرٌ، لأنَّ القُوَّةَ والاقْتِدارَ منه جميعاً.

قولُه: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} هِيَ حقيقة الرسالة التبليغُ عَنِ اللهُ تَعَالَى، فإنَّ الرَسُولَ غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِدَايَة مَنْ أُرْسِلَ إليهِمْ، بمعنى أن يخلقها فيهم أو يحملهم عليها، وَليس عليهم بِمُسَيْطِرٍ، وَإِنَّمَا الهَادِي هُوَ اللهُ، الذي يهدي من يشاءُ ويُضلُّ من يشاء، كما ينفعُ من يشاء ويضرُّ من يشاءُ فالأمرُ منه صادرٌ وإليه عائدٌ. وهكذا فإنَّنا نجد في هذه الآيةِ الكريمةِ متابعةً لمضمون ما سبقها وتأكيدٌ عليه وهي تميدٌ لختم هذه الاسورة الكريمة. وذكر ابْنُ عطيَّة في المحررِ الوجيز أنَّ “وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ” مَنْسوخَةٌ بالقِتالِ. وهو قولُ ابْنِ عباسٍ، ومقاتلِ بْنِ سليمان، والثعلبيِّ، والرازيِّ، وغيرُهم من أهل التفسير.

قولُهُ تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكم} قُلْ: فعلُ أَمْرٍ، وفاعلُهُ “أنت” ضميرٌ مستترٌ وجوباً يعودُ على سيدنا محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذه الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. و “يَا” أداةُ نِداءٍ، و “أيُّ” مُنادى مبنيٌّ على الرفعِ في محلِّ نصبٍ على أَنَّه نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ. و “ها” للتَنْبيهِ، و “النَّاسُ” نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ مَبْنِيٌ على الضَمِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ، صِفَةً لِ “أيُّ”، أَوْ بَدَلاً منها، أو عَطْفَ بيانٍ لها، تبعها في الرَفْعِ لَفْظاٌ، وجُمْلَةُ النِداءِ في مَحَلِّ النَّصبِ بالقولِ لِ “قُلْ”. لا عملَ لها، و “قَدْ” للتحقيق، و “جَاءَكُمُ” فعلٌ ماضٍ والكافُ مَفْعولُهُ، والميمُ للجمعِ المذكَّر، و “الْحَقُّ” فاعلُهُ، و “مِنْ رَبِّكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “جاء” أو حالٌ مِنَ “الْحَقُّ”، والكافُ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه، والميم للجمع المذكَّر، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذه في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ لا عمل لها كونَها جوابَ النِّداءِ.

قولُه: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فَمَنِ: الفاءُ: حرفُ عطْفٍ وتَفْصيلٍ، و “من” اسْمُ شَرْطٍ جازَمٍ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعٍ بالابْتِداء، وخبرُهُ جُمْلَةُ الشَرْطِ، أوِ الجوابُ، أو هُما معاً، و “اهْتَدَى” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّر على الألف المقصورة للتعذُّرِ في محلِّ جزمٍ بـِ “مَنْ” كَوْنَهُ فِعْلَ شَرْطٍ لَها، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُه “هو” يَعودُ على “مَنْ”. و “فَإِنَّمَا” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجوابِ “من” الشَرْطيَّةِ. فهي واجبةُ الدخول، ويجوزُ أنْ تُعْرَبَ “منْ” اسماً موصولاً بمعنى “الذي” فيكون دخولُ الفاءِ عند لك جائزاً. و “إنما” أَداةُ حَصْرٍ ونَفْيٍ، وهي كافَّةٌ مكفوفةٌ عَنِ العَمَلِ. و “يَهْتَدِي” فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدَّرةٌ على آخره، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازاً تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “مَنْ” أيضاً. و “لِنَفْسِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ متعلِّقٌ بِ “يهتدي”، والهاءُ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ، وجملةُ: “يَهْتَدِي” في مَحَلِّ الجَزْمِ بـ “مَنْ” الشَرْطِيَّةِ على كونِها جَوابًا لَها، وجملةُ “من” الشَرْطِيَّةِ مع فعلها وجوابها، في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ عطفاً على الجملَةِ من قولِهِ: “قَدْ جَاءَكُمُ”.

قولُهُ: {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} إعرابُها كإعراب سابِقَتِها تماماً.

قولُهُ: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} الواو: عاطفةٌ و “ما” هي الحجازِيَّةُ تعملُ عملَ ليس، ف “أَنَا” اسْمُها، أو تميميَّةٌ ف “أنا” مبتدأ. و “عَلَيْكُمْ” مُتَعَلِّقٌ بـِ “وكيل”. و “بِوَكِيلٍ” الباء حرف جرٍّ زائد و “وكيل” خبَرُ “ما” الحِجازَيِّةِ مَنْصوبٌ محلاًّ مجرورٌ لفظاً بحرف الجرِّ الزائد، أَوْ خبرُ المُبْتَدَأِ إذا أعربنا “ما” تميميةً، مرفوعٌ محلاً، مجرورٌ، لفظاً، وجملَةُ “ما” الحجازيَّةِ، أوْ المُبْتَدأُ وخبرُهُ في مَحَلِّ النَصْبِ بالقول عَطْفاً عَلى جملةِ “من” الشَرْطِيَّةِ. وثمَّةَ طباقٌ بين “اهْتَدى” وَ “ضَلَّ” وهو بابٌ منْ أبوابِ البديع.

فيض العليم … سورة يونس الآية: 107


 

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

(107)

قولُه ـ تعالى شأنُهُ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} حَقِيقَةُ الْمَسِّ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى جِسْمٍ لِاخْتِبَارِ مَلْمَسِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِصَابَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا. وفي هذه الجملة يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَنَفْيِ الضُّرِّ. فَيَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِهَذَا الْحَكَمِ.

قولُهُ: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} وَإِنْ يُرِدِ اللهُ أَحَداً بِخَيْرٍ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّ فَضْلَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهُ، وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ: تَقْدِيرُهُ وَالْقَصْدُ إِلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَرَدَّدُ عِلْمُهُ فَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَعَلَهُ، فَإِطْلَاقُ الْإِرَادَةِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْإِصَابَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذلك: “يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِفالآيَةُ دالَّةٌ على أَنَّ الضُرَّ والخَيْرَ واقعانِ بقضاءِ اللهِ تَعالى وقَدرتِهِ، فيَدْخُلُ فيه الكُفْرُ والإيمانُ، والطاعةُ والعصيانُ، والثبورُ والسُرورُ، والآفاتُ والخيراتُ، والآلام واللذات، والجراحات والراحاتُ، فبَيَّنَ سبحانَهُ، أَنَّه إِنْ قَضَى لأَحَدٍ شَرّاً، فلا كاشِفَ لَهُ إلاَّ هوَ، وإنْ قَضى لأحَدٍ خَيْراً فلا رَادَّ لِفْضِلِهَ البَتَّةَ. والقَصْدُ إِبْطَالُ عَقِيدَةِ الشِرك بأَنَّ الْأَصْنَامَ شُفَعَاءٌ عِنْدَ اللهِ، فَلَمَّا أَبْطَلَتِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ أَنْ تَكُونَ الْأَصْنَامُ نَافِعَةً أَوْ ضَارَّةً، وَكَانَ إِسْنَادُ النَّفْعِ أَوِ الضُّرِّ أَكْثَرَ مَا يَقَعُ عَلَى مَعْنَى صُدُورِهِمَا مِنْ فَاعِلِهِمَا ابْتِدَاءً، وَلَا يَتَبَادَرُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ مَعْنَى الْوَسَاطَةِ فِي تَحْصِيلِهِمَا مِنْ فَاعِلٍ، عُقِّبَتْ جُمْلَةُ {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} السابقةِ، بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ إِرَادَةَ اللهِ النَّفْعَ أَوِ الضُّرَّ لِأَحَدٍ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ أَنْ يَصْرِفَها عَنْهَ، أَوْ يَتَعَرَّضَ فِيهَا إِلاَّ مَنْ جَعَلَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ بِشَفَاعَةٍ أو دُعَاءٍ. وَالْفَضْلُ: هُوَ الْخَيْرُ، وَلِذَلِكَ فَإِيقَاعُهُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ الْوَاصِلَ إِلَى النَّاسِ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وليس استحقاقاً لهم عليه ـ سبحانَه وتعالى، أو حقاً لهم عِنْدَهُ متوجِّبٌ أداؤهُ، بل هو محضُ جودٍ وكرم. وقد نُكِّرَ “ضُرّ” و “خير” لِلنَّوْعِيَّةِ الصَّالِحَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.

قولُه: {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} الْإِصَابَةُ: اتِّصَالُ شَيْءٍ بِآخَرَ وَوُرُودُهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ فِي مَعْنَى الْمَسِّ الْمُتَقَدِّمِ، والأَمْرُ كُلُّه للهِ تَعالى، فإذا فإذا أرادَ أَنْ يُصيبَ أحداً من خلقهِ بشيءٍ من ذلك فإنَّ إرادتَهُ نافذةٌ ومشِيئَتَهُ محقَّقةٌ.    

قولُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ شِرْكاً بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتُوبُ عَلَى التَّائِبِينَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ. وهذا يدُلُّ على قوَّةِ جانبِ الرَحْمَةِ.

وحاصلِ الكلام في هذه الآية أنَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، بَيَّنَ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بالخَلْقِ والإيجادِ والتَكْوينِ والإبداعِ، وأَنَّهُ لا مُوجِدَ سِواهُ، ولا معبودَ إلاّهُ، ثمَّ نَبَّهَ على أنَّ الخيرَ مُرادٌ بالذاتِ، والشَرَّ مُرادٌ بالعَرَضِ وتَحْتَ هذا البابِ أَسْرارٌ عَميقةٌ.

إذاً فقد قرَّرَ ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، في آخِرِ هَذِهِ السُورَةِ المُباركةِ أَنَّ جميعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهِ، وأنَّ جميعَ الكائناتِ مُحتاجَةٌ إليْهِ، والعقولُ جميعُها والِهَةٌ فيهِ، والرَحْمَةُ والجودُ والوُجودُ فائضٌ مِنْه تعالى.

قولُهُ تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بضُرٍّ فلا كاشفَ له إلاَّ هو} الواو: استئنافية. و “إنْ” أداةُ شرطٍ. و “يَمْسَسْكَ” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بِـ “إن” على أنَّهُ فِعْلُ شِرْطٍ لها، والكافُ في محلِّ نصبِ مفعولٍ لهُ، و “اللهُ” فاعلُهُ، و “بِضُرّ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “فَلَا” الفاءُ رابِطَةٌ لجواب الشرطِ. و “لَا“: نافيَةٌ تَعْمَلُ عمَلَ إنَّ “كَاشِفَ” إسمُها مبني على الفتح في محلِ نَصْوبٍ بها. “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ رفعِ خبَرٍ لها. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثنْاءٍ مُفرَّغٍ، و “هُوَ” ضَميرٌ للمُفْرَدِ المُنَزَّهِ عَنِ الذُكورَةِ والأُنوثَةِ والغَيْبَةِ، مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في خبَرِ لا المَحْذوفِ، أو بدلاً مِنْ مَحَلِّ “لا” واسْمِها، وجُمْلَةُ “لا” في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إنْ” عَلى أنَّه جَوابٌ لها، وجُمْلَةُ “إن” الشَرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ،

قولُه: {وإنْ يردْكَ بخيرٍ فلا رادَّ لفضلِهِ} وَ “وإِنْ” “الواوُ: عاطفةٌ و “إن” أداةُ شَرْطٍ، و “يُرِدْ” مجزومٌ بـ “إن” الشَرطيَّةِ على أنَّه فِعْلُ الشرْطِ، والكافُ في محلِّ نصب مفعولٍ له، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ “هو” يَعودُ على اللهِ. و “بِخَيْرٍ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، “فَلَا” الفاءُ رابِطَةٌ لجواب الشرط. و “لا” نافيَةٌ تعمَلُ عملَ “إنَّ” و “راد” اسمُها مَنْصوبٌ بها، وهو اسمُ فاعلٍ مِنْ “رَدَّ” الثلاثيِّ، على وزنِ “فاعل” وقد أُدْغمَتِ عينُ فعلِهِ مَعَ لامِهِ فجاءَتْ عَيْنُهُ ساكِنَةً. و “لِفَضْلِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ متعلِّقٌ بِ خَبَرِ “لا” المحذوفِ جوازًا تَقْديرُهُ: فلا رادَّ لِفَضْلِهِ مُوْجودٌ، والهاءُ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ، وجملةُ “لا” واسمُها وخبَرُها في مَحَلِّ جَزْمٍ جواباً ل “إنْ” الشرطيَّة، وجملةُ “إن” الشَرْطِيَةِ معطوفةٌ على مثيلتها جُمْلَةِ “إن” الأولى.

قولُهُ: {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يشاءُ وهو الغفورُ الرحيمُ} يصيب: فعلٌ مُضارعٌ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه تقديرُهُ “هو” يَعودُ على “اللهُ“. و “بِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. أو هو في محلِّ رفعِ فاعلٍ ل “يصيبُ“، و “مَن” اسمٌ مَوْصولٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ به. و “يَشَاءُ” فعلٌ مُضارعٌ وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ به تقديرُهُ “هو” يَعودُ على “اللهُ” ومفعولُ المَشيئَةِ مَحذوفٌ، تَقْديرُهُ يَشاءُهُ، وهوَ عائدٌ عَلى “مَن” المَوصولَةِ. و “مِنْ عِبَادِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ في محلِّ نصب على الحالِ مِنْ الضَميرِ المَحذوفِ مِنْ “مَن” المَوْصُولَةِ، وجملةُ “يشاءُ” صِلَةِ “مَنْ” الموصولةِ، وجُمْلَةُ “يصيب” في محَلِ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ “فضلِهِ“. و “هُوَ” مُبتدأٌ، و “الْغَفُورُ” خَبَرٌ أَوَلُ، و “الرَّحِيمُ” خبرٌ ثانٍ. والجُمَلَةُ الاسْمِيةُّ مُعْتَرِضَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم ، المقدمات: (1)


الموسوعةالقرآنية

 

 

 

فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ

تفسير ـ أسباب نزول ـ قراءات ـ أحكام ـإعراب ـ تحليل لغة

 

 

اختيار وتأليف:

الشاعر عبد القادر الأسود

 

 

الجزء الأوّل ـ المجلد الأوَّل

 

 

خُطْبَةُالكِتابِ

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، ولاحولَ ولاقوَّةَ إلاَّ بالله العليِّ العظيم. اللهمَّ صلِّ على سيّدنا محمّد في الأولين، وصَلِّ على سيِّدنا محمّدٍ في الآخرين، وصَلِّ على سيِّدِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِه أَجمعين إلى يومِ الدّينِ بِحَقِّ قَدرِهِ ومِقدارِهِ العظيمِ، وبعد.

فهذِه دُرَرٌ تَصَيَّدْتُها مِنْ تَفاسيرِ الأئمَّةِ الأعلامِ مِن كِبارِ المُفسِّرين المَشهودِ لهم بِسَعَةِ العِلْمِ ودِقَّةِ الفَهم، والمَوثوقِ بدينِهم وورعِهم وتقواهم، وما كان لي فيها سوى أَنِّي تَشوَّفتُ إلى شَرَفٍ يَرْفعُ إليْه هذا الكتابُ الكريمُ مَنِ اشْتَغلَ به ونَظَرَ فيه، وإنَّما هو طِيبٌ مَسَسْتُهُ تَطيُّبًا بِزاكي نَشْرِهِ، وفائدةٌ لي وللمؤمنين تشوَّقتُ إليها.

وقد اعْتَمدْتُ مِنهَجًا وسَطًا، يُروِّي ظمَأَطَلَبَةِ العِلم، واللهَ الكريمَ أسألُ أنْ يتقبَّلَ مِنِّي هذا العملَ ويُجزِلَ لي الثوابَ وأَنْ يَنفَعَ بِهِ المُؤمنينَ ويَجعلَه لي ولوالديَّ وولدِيِ وأهلي وأشياخي، وإخواني، ولكلِّ من علمني ولمن له حقٌّ علي، ولكلِّ مَنْ أَعانَني عَلَيْهِ، وأَسْهَمَ فِيهِ، وأَخَذَتُ فيه عَنْهُ، ولكلِّ منْ طالَعَه ونهلَ مِنْهُ وساهم في نَشْرِهِ، اجْعَلْهُ يا مَولانا لهم جميعاً خيْراً جارياً إلى يومِ الحِسابِ، إكْرامًا لِمَنْ أَنْزَلتَهُ عَلَيْهِ وشَرَّفْتَهُ وأمَّتَه به، وأَثْنيتُ عليهِ فيهِ فقلْتَ: {وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ}. واللهُ مِنْ وراءِ القَصْدِ، وهو يهدي السبيلَ، وآخرُ دَعْوانا أنِ الحمدُ للهِ رَبِّالعالمين.

 

عبدالقادرالأسود

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المُقدَّمَةُ:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمْدُ لله ربِّ العالمينُ، والصلاةُ والسلامُ الأتمّان الأكملان على خاتم النبيين، وسيِّدِ المرسلين، وإمامِ المُتَّقين، وحبيبِ رَبَّ العالمين، المبعوثِ رحمةً للعالمين سَيِّدِنا مُحمدٍ الأَمينِ، عبدِ اللهِ ورَسولِهِ، وعلى آلِه الطَّيِّبين الطاهرين، وأصحابِه الكرام البَرَرَةِ، والتابعين وتابعيهم الذين حَفِظْت بهم هذا الدين.

اللَّهُمَّ افْتَحْ علينا فُتوحَ العارفين، واهْدِنا إلى سِراطِكَ المستقيم، واحملنا على سبيلِ المُتَّقين، وأفِضْ علَيْنا مِنْ بَركاتِك، وأتمم علينا نعمتَك كرماً وفضلاً منك وجوداً، وعلِّمْنا ماشئت مِنْ أَسْرارِ حِكْمَتِكَ وقرآنِكِ، واقسمْ لنا من أنوارِ كتابك وبيانك، واحْفَظْنا بما تَحفظ به عِبادَكَ الصّالِحين وأولياءك المقرَّبين، من كلِّ زيغ وخطل وضلالة، وهَمٍّ وغمٍّ وضُرٍّ وضرَرَ وجهالة، إكْراماً لسَيِّدِ الأَوَّلين والآخِرين، إنَّك أنتَ الجوادُ الكريم، وبعد.

فهذه موسوعةٌ قُرْآنِيَّةٌ شامِلَةٌ لِعلومِ القُرانِ الكَريمِ ومعاني الذِكْرِالحَكيمِ، منَّ اللهُ تعالى عليَّ بها، وشَرَّفني بجمْعِها والتَأْليفِ بينَها. فيها مايَسَّرَ اللهُ لي مِنْ تَفْسيرٍ وبَيانٍ، وحِكَمٍ وأَحْكامٍ، أَوْدَعَهاسبحانه هذا القُرآنَ العظيم والكتابَ الكريم، ليكونَ للبَشَرِيَّةِ صِراطاً مستقيماً تَسيرُ عليْهِ، ودُسْتُوراً تَلْتَزِمُه وتَعملُبه، ومِنْهلاً عَذْباً تَغْرِفُ مِنْهُ، ونُوراً تَسْتَضيءُ بِهِ إلى أَنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ ومَنْ عَليْها، فَتَفُوز بخيريِ الدُنْيا والآخرة. وكنتُ قدْ بدأتُ بإعْرابِ آياتِهِ إعْراباً مُوَسَّعاً مُبيِّناً فيهِ شَتّى وُجُهاتِ النَظَرِ فيما اخْتَلَفَ فيهِ الأَئمَّةُ مِنَ الاحْتِمالاتِ التي بُنِيَتْ عليها الأَحْكامُ، وذلك تَوْسِعَةً على الأمَّةِ وتَوسيعاً لآفاقِ فكرها وتَفْكيرِها ،لأنَّ ماسادَ بَيْنَنا مِنِ اخْتِصارٍ وما اعتدنا عليه من اقْتِصارٍ ضَيَّقَ أُفُقَ تَفكيرِ الناسِ فضاقَتْ صُدورُهم وأَحْلامُهم، فأَنتَ عندما يَكُون أَمامَكَ سُبُلٌ مُتَعدِّدَةٌ، لِتَبْلُغُ هَدَفَكَ تَتَفَكَّرُ وتَتَدَبَّرُ قبلَ أنْ تختارَ واحدةً منها تَسْلُكُها، فإذا ما اعْتَدْتَ على ذلِكَ تَوَسَّعتْ آفاقُ فِكْرِكَ، في الأُمورِ جميعِها، أَمَّا إذا لم يَكُنْ أَمامَكَ إلاَّ سَبيلٌ واحدةٌ سِرْتَ عليها دُونَما تَفْكيرٍ أو تدبُّرٍ أو تدبيرِ، فضاقَ فضاءُ فِكْرِك وانعطس ذلك ضيقاً في صدرك.

ثمَّ رَأَيْتُ بعدَ حينٍ أَنْ أَجْمَعَ كلَّ ما يَتَعَلَّقُ بآياتِ هذا الكتابِ الكريم، مِنْ تَفْسيرٍ وأَسبابٍ للنزولِ وأَحْكامٍ وقراآتٍ وغيرِ ذلك مما كُنْتُ أَمُرُّ عليه مِنْ عُلومٍ أَثْناءَبحثي وتَنْقيبي عن اللُّغةِ ووُجُوهِ الإعْرابِ، لِمَا رَأَيْتُ فيه مِنْ تَيْسيرٍ على طلابِ العِلْمِ الباحثين المُهْتَمّين بأُمورِ اللُّغةِ والدينِ، لِيَسْتَغْنوا به عنِ الرُّجوعِ إلى المَصادِرِ الكَثيرةِ المُخْتَلِفَةِ، والمراجِعِ المتعدِّدةِ، وما يتطلَّبه ذلك من وقت وجهدٍ ومالٍ، وقَدْ لا يُتَاحُ ذلك للكثيرين مِنْهم، وربَّما تَعَذَّرَ على بَعْضِهم مُطالَعَتُها لِسُوءِ طِباعَتِها.

ولم أَتَوَسَّعْ في ذِكْرِ المَصادِرِ والمَراجِعِ وتخريجِ الأَحاديثِ، تجنُّباً للإطالَةِ وتَشْتيتِ الفكر لأنَّ هذا السِفْرَ سَيَكونُ في ثلاثين مجلَّداً ضَخْماً وربَّما زاد واحداً بإذنِاللهِ، وإنَّ التَوَسُّعَ في ذلك سَيَزيدُ في صَفَحاتِه زِيادةً قدْ تُزَهِّدُ في مُراجَعَتِهِ وتَصْرِفُ عَنْ مُطالَعَتِه، تاركاً للباحِثين مِنْ بَعْدي أَنْ يَقومَ بذلك مَنْ أَرادَ مِنهم ذلك ورغِبَ فيه، فقدْ تركتُ لهم بيْنَ السُطُورِ مايُيَسِّرُ لهم مهمَّتَهم ويُعينُهم عليها. وقدْ بَدَأْتُ عَمَلي بمُقَدِّماتٍ تُرْشِدُ القارِئَ إلى قِيِمَةِ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ وكَيْفِيَةِ قِراءَتِه، ثمَّ أَضَفْتُ لمحاتٍ مُفيدَةً عَنْ كِبارِ القُراءِ وأَساتِيذِ التَفْسيرِ واللُّغَوِيينَ الذينَ يَمُرُّ سيمرُّ ذِكْرُهم في هَذِهِ المَوْسوعَةِ، وربّما لا يَعْرِفُ القارِئ شَيْئاً عنهم ولا عَنْ مَنْزِلَتِهم العِلْمِيَّةِ، لِيَعْرِفَ القارئ الكريمُ لِمَنْ يَقَرَأُ.

سائلاً المولى الكريمَ أنْ يجعَلَهُ لي خَيْراً جارياً وعِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ، وأَنْ يُيَسِّرَ عليَّ إتمامَ ما بَدَأْتُ تَشْريِفاً مِنْهُ سبحانَه، وتَفَضُّلاً، واللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ المؤمنين ويَتَقَبَّلَهُ مِني خالِصاً لِوَجْهِهِ الكريم، وكلُّ رَجائي دَعْوةٌ صَالِحَةٌ بِظَهْرِ الغيبِ مِنْ أُخْتٍ صَالحةٍ أو أخٍ كريم، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ العَلِيِّ العَظيم. وآخِرُ دَعوانا أَنِ الحمدُ للهِ رَبِّ العالمين. وصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ وعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ ومَنِ اهْتَدَى بهدْيِهِ وسَارَ عَلى سَنَنِهَ و نهجِهِ المبين إلى يوم الدين.

 

 

 

عبدالقادرالأسود

 

 

 

 

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 106


وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ
(106)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤهُ: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا
يَضُرُّكَ} عطفٌ على ما سبَقَ من قولِه تعالى: {أقم … ولا تكونَنَّ من المشركين}، وغنيٌّ عن البيانِ أَنَّ المخاطَبَ هو رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، لأنَّهُ أهلٌ لخطابِ اللهِ ـ تباركت أسماؤه، والمقصودُ كلُّ مكلَّفٍ من الإنسِ والجنِّ، بأنْ لاَ يَدْعُ إلهاً غَيْرَ اللهِ تَعَالَى دُعَاءَ عِبَادَةٍ، لاَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِقْلاَلِ، وَلاَ عَلَى سَبِيلِ الاشْتِرَاكِ، لأنَّه لاَ يَنْفَعُ غيرُهُ وَلاَ يَضُرُّ إلاَ بمشيئتِهِ. وَهَذا النَّهْيُ مُوَجَّهُ لِلأُمَّةِ لأَنَّهُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الأُمُوِر.
قولُهُ: {فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} وما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ هوَ الأصْنَامُ والأَوْثانُ وكلُّ ما سوى اللهِ، فَمنْ فَعَلُ هَذَا، وَدَعَا غَيْرَ اللهِ، كُانَ مِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، والظالِمُ هو مَنْ يَضَعُ الشَيْءَ في غَيرِ مَوْضِعِهِ، وَأيُّ ظُلْمَ لِلنَّفْسِ أَكْبَرُ مِنْ ظُلْمِها بالشِّرْكِ بِاللهِ. وتعريضها لسخطه وعذابه؟.
والظُلْمُ في العَرَبيَّةِ: وَضْعُ الشيءِ في غيرِ محَلِّهِ، ومِنْ أَفْظَعِهِ القيامُ بحقِّ العِبادةِ لمخْلوقٍ كائناً مَنْ كان. وقدْ جاءَ في القُرآنِ إِطْلاقُ الظُلْمِ على النَقْصِ في قولِهِ تعالى في سورة الكهف: {وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا} الآية: 33، وأَصْلُ مَعْنى مَادَّةِ الظُلْمِ هوَ ما ذَكَرْنَا مِنْ وَضْعِ الشَيْءِ في غيْرِ مَوْضِعِهِ، ولأَجْلِ ذَلِكَ قِيلَ الذي يَضْرِبُ اللَّبَنَ قَبْلَ أَنْ يَروبَ: ظالمٌ لوَضْعِهِ ضَرْبَ لَبَنِهِ في غيرِ مَوْضِعِهِ، لأنَّ ضَرْبَهُ قبلَ أَنْ َيرُوبَ يُضيعُ زُبْدَهُ. ومِنْ هذا المَعنى قولُ الشاعر:
وَقَائِلةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ………… وَهَلْ يَخْفَى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ
فقوله: ظَلَمْتُ لكم سِقائي، أَيْ: سَقَيْتُهُ لَكُم قبلَ أَنْ يَروبَ. ومِنْهُ قولُ الآخَر في سِقاءٍ لَهُ ظَلَمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ:
وصاحِبِ صِدْقٍ لم تُرِبْنِي شَكاتُه …… ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي له عامِدًا أَجْرُ
ومِنْ ذَلِكَ قولُهُمْ: للأَرْضِ التي حُفِرَ فيها ولَيْسَتْ محلَّ حَفْرٍ في السابق: أَرْضٌ مَظْلومَة، ومنْهُ قولُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً مَا أُبَيِّنُهَا ……….. وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بَالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
وما زَعَمَهُ بعضُهم مِنْ أَنَّ المَظْلومَةَ في البَيْتِ هيَ التي ظَلَمَها المَطَرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْها وقتَهُ المُعتادَ وأنشد عليه قولَ عَمْرِو بْنِ قَمِيئَةَ:
ظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلاَلُ حَرِيصَةٍ ……… فَصَفَا النِّطافُ بِهَا بُعَيْدَ المُقْلِعِ
غيرُ صَوابٍ. والصواب. ولذلك قالوا للتراب المُخْرَجِ مِنَ القَبْرِ عِنْدِ حَفْرِهِ ظَليمٌ بَمعنى مَظلوم، لأنَّهُ حُفِرَ في غيرِ محَلِّ الحَفْرِ المُعْتادِ، ومِنْهُ قولُ الشاعِرِ الجاهليِّ المُغَلِّسِ بْنِ لقيطٍ الأسدِيِّ يَصِفُ رَجُلاً ماتَ ودُفِنَ:
فأَصبحَ في غَبْرَاءَ بَعْدَ إشاحةٍ ……… على العَيْشُ مَرْدودٍ عليه ظَلِيمُها
والظليم أيضاً: ذَكَرُ النَعامِ. والظَلْمُ، ماءُ الأسنانِ وبَريقُها. قال الشاعر:
إلى شَنْباءَ مُشْرَبَةِ الثَنايا ………………… بماءِ الظَلْمِ طَيِّبَةِ الرُّضابِ
والشَنَباءُ: شَديدةُ بَيَاضِ الأَسْنانِ
قولُهُ تَعالى: { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} وَلا: الواو: عاطفةٌ، و “لا” ناهيَةٌ جازِمَةٌ. و “تَدْعُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مجزومٌ بِ “لا” الناهيَةِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مستترٌ وجوباً، يَعودُ على النبيِّ محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، والجمْلَةُ مَعْطوفَةٌ على الجملَةِ من قولِهِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ويجوزُ أَنْ تَكونَ مُسْتَأْنَفَةً، ولم يؤكد الفعل بنون التوكيد لئلا يمنع وجودها من حذف حرف العلة بأن حذفه تخفيف وفصاحة، ولأن النهي لما اقترن بما يومئ إلى التعليل كان فيه غنية عن تأكيده لأن الموصول في قوله: {مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} يومئ إلى وجه النهي عن دعائك، إذ دعاء أمثالها لا يقصده العاقل. و “مِنْ دُونِ اللهِ” جارٌ ومجرورٌ مضافٌ متعلِّقٌ به، ومضافٌ إليه. و “مَا” مَوْصولَةٌ بمعنى الذي، أَوْ نَكِرَةٌ موصوفَةٌ في محَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ ل “تدع”، و “لا يَنْفَعُكَ” فعلٌ ومَفْعولٌ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ يَعودُ على “مَا”. و “لا يَضُرُّكَ” مَعْطوفٌ عَلَيْهِ، والجملةُ هذه صِلَة ل “مَا” إنْ أعربت اسماً موصولاً، أوْ صِفَةٌ لها إن أعربت نكرةً موصوفةً.
قولُهُ: {فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}. فَإن” الفاءُ: هي الفَصيحةُ؛ لأنَّها أَفْصَحَتْ عَنْ جوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، تَقْديرُهُ: إذا عَرَفْتَ نَهْيَنا لَكَ عَنْ دُعاءِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، وأَرَدْتَ بَيانَ حُكْمِ ما إذا فَعَلْتَ. فَأَقولُ لَكَ …، و “إِنْ” حَرْفُ شَرْطٍ. “فَعَلْتَ” فعلَ وفاعَلَ في محلِ الجَزْمِ ب “إنْ” عَلى كوْنِها فعلَ شَرْطٍ لها، و “فَإِنَّكَ” الفاءُ رابِطَةٌ لجَوابِ، “إنْ” الشَرْطِيَّةِ. و “إنك” ناصِبٌ ناسخٌ واسمُه، و “إِذًا” حرْفُ جَوابٍ تَوَسَّطَتْ بينَ اسْمِ “إنَّ” وخبرِها، ورُتْبَتُها التَأَخُّرُ عَنِ الخَبَرِ، وإنَّما تَوَسَّطتْ رِعايةً للفَواصِلِ، و “مِنَ الظَّالِمِينَ” خبرُ “إِنَّ” وجملةُ “إنَّ” في محلِّ الجَزْمِ ب “إنْ” الشَرْطِيَةِ عَلى كونِها جَوابًا لها، وجملةُ “إن” الشَرْطيَة في محلِّ النَصْبِ بالقولِ لجوابِ “إذا” المقدَّرَةِ، وجملةُ إذا المُقدَّرَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

فيض العليم …. سورة يونس الآية: 105


وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(105)
قولُهُ ـ تَعَالى جَدُّهُ: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} أمرٌ مِنَ اللهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ ـ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ، بإقامَةِ وَجْهِهِ للدِينِ، وإقامةُ الوجهِ كِنَايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ العَقْلِ بالكُلِّيَّة إلى طَلَبِ الدِّينِ، لأنَّ مَنْ يُريدُ أَنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ اسْتِقْصاءٍ، أَقامَ وَجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ فلم يَصْرِفْهُ عَنْهُ أبداً، لأنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ، ولو قليلاً بَطُلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، وإذا بَطُلَتْ تِلكَ المُقابَلَةُ، فقد اخْتَلَّ الإبْصارُ، فلهذا السَبَبِ حَسُنَ جَعْل إقامَةِ الوَجْهِ للدّين كِنايَةً عنْ صَرْفِ العَقْلِ بالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ، والإقامَةُ: جَعْلُ الشَيْءِ قائماً. وهيَ هُنا مُسْتَعارَةٌ لإفرادِ الوَجْهِ بالتَوَجُّهِ إلى شَيْءٍ مُعَيَنٍ لا يَتْرُكَ وجْهَهُ يَنْثَني إلى شَيْءٍ آخَرَ. “حَنِيفاً” أَيْ: مائلاً إليْه بالكُلِّيَّةِ مُعْرِضاً عمَّا سِواهُ كُلِّيّاً، وهذا هوَ الإخلاصُ التامُّ، وتَرْكُ الالْتِفاتِ إلى غَيْرِهِ، فقولُهُ أَوَّلاً: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين} إِشارَةٌ إلى تحصيلِ أَصْلِ الإيمانِ، وقولُهُ: “وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا” إِشارَةٌ إلى الاسْتِغْراقِ في نورِ الإيمانِ والإعْراضِ بالكُلِّيَّةِ عَمَّا سِواهُ.
قولُهُ: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} نهْيٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الأَمْرِ الذي قَبْلَهُ تَصريحاً بمعنى: “حَنِيفاً”. وتَأْكيدُ الفِعْلِ المَنْهِيِّ عَنْهُ بِنُونِ التَوْكِيدِ للمُبالَغَةِ في النَهْيِ عَنْهُ اعْتِناءً بالتَبَرُّؤِ مِنَ الشِرْكِ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: “حَنِيفًا” قَالَ: “الْحَنَفِيَّةُ: الْخِتَانُ، وَتُحَرِّمُ الأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالْعَمَّاتِ، وَالْخَالاتِ، مَا حَرَّمَ اللهُ وَالْمَنَاسِكُ”.
وقد تَقَدَّمَ غيرَ مَرَّةٍ أَنَّ قولَهُ: {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ونحوَهُ أَبْلَغُ في الاتِّصافِ مِنْ نحوِ: لا تَكُنْ مُشْرِكاً، لما فيهِ مِنَ التَبَرُّؤِ مِنَ الطائفَةِ ذاتِ نِحْلَةِ الإشْراكِ.
قولُهُ تَعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} وَأَنْ: الواو: عاطفة، و “أَنْ” حَرْفُ نَصْبٍ ومَصْدَرٌ. و “أَقِمْ” فعلُ أَمْرٍ في محَلِّ النَصْبِ بِ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ مَبْنيٌّ على السُكونِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ يَعودُ عَلى سيدنا محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم. و “وَجْهَكَ” مَفْعولٌ بِهِ مضافٌ والكافُ في محلِّ جرٍّ بالإضافة إليه، والجملةُ الفعليَّةُ صِلَةٌ ل “أَن” المصدريَّةِ، و “أَنْ” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلى كَوْنِهِ نائبَ فاعِلٍ لِفِعْلٍ محذوفٍ، تقديرُهُ: وأُوحِيَ إليَّ قيامُ وَجْهي للدينِ، والجملةُ المحذوفةُ في محلِّ النَّصْبِ عطْفاً عَلى جملَةِ “أُمِرْتُ” عَلى كونِها مَقُولاً ل “قل”. و أُسلوبُ نَظْمِ الآيَةِ عَلى هذا الوَجْهِ لم يَقَعْ إلاَ لِمُقْتَضىً بَلاغِيِّ، فلا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكونَ لِصيغَةِ “أَقِمْ وَجْهَكَ” خُصوصِيَة في هذا المَقامِ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ “أن” تَفْسِيريَّةً لِتِلْكَ الجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ، وفيهِ نَظرٌ، إذِ المُفَسَّرُ لا يجوزُ حَذْفُهُ، والثاني: ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكونَ “أن” مَصْدَرِيَةً فَقَط، وهي على هذا مَعْمولةٌ لِقولِهِ: “أمرْتُ” مُراعًى فيها معنى الكَلامِ، لأَنَّ قولَهُ: {أَنْ أَكُونَ} كَوْنٌ مِنْ أَكْوانِ المُؤمنين، ووصْلُ “أَنْ” بِصيغَةِ الأَمْرِ جائزٌ، وقال الزمخشري: فإنْ قًلتَ: عَطْفُ قولِه: “وأَنْ أقم” على {أنْ أَكونَ} فيه إشكالٌ؛ لأنَّ “أنْ” لا تخلو: إمَّا أَنْ تكونَ التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعل في تأويلِ المصْدَرِ، فلا يَصِحُّ أن تكونَ التي للعبارة وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّن معنى القول؛ لأن عطفَها على الموصولة يأبى ذلك، والقولُ بكونِها موصولةً مثلَ الأولى لا يساعدُ عليه لفظُ الأمر وهو “أَقِمْ”؛ لأنَ الصلةَ حقُّها أنْ تَكونَ جملةً تحتَمِلُ الصِدْقَ والكَذِبَ. قال السمينُ معقِّباً عليه: قدْ سَوَّغَ سِيبَوَيْهِ أنْ تُوصلَ “أنْ” بالأمرِ والنهيِ، وشَبَّهَ ذلك بقولهم: (أنت الذي تفعل) على الخطابِ لأن الغَرَضَ وَصْلُها بما تكونُ معه في تأويل المصدرِ، والأمرُ والنهيُ دالاَّن على المصدرِ دَلالةَ غيرِهما مِنَ الأَفعالُ. قلت: قد قدَّمْتُ الإِشكال في ذلك وهو أنه إذا قُدِّرَتْ بالمصدرِ فاتت الدلالةُ على الأمر والنهي. ورَجَّحَ الشَيْخُ أبو حيّان الأندلُسيُّ كونَها مَصْدَرِيَةً على إضْمارِ فِعلٍ كَما تَقَدَّمَ تقريرُهُ قال: (ليزولَ قَلَقُ العطفِ لوجود الكاف، إذْ لو كانَ “وأنْ أَقِمْ” عَطْفاً على {أنْ أَكونَ} لكان التركيبُ “وجهي” بياءِ المُتَكَلِّمِ، ومُراعاةُ المعنى فيهِ ضَعْفٌ، وإضمارُ الفعلِ أَكْثَرُ). و “لِلدِّينِ”؛ جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “أَقِمْ”، و “حَنِيفًا” حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ في “أَقِمْ” ويجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنَ المَفْعولِ، أَوْ مِنَ “الدين”.
قولُهُ: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَلا: الواوُ: عاطفة “لا” ناهية جازمة “تَكُونَنَّ” فعل مضارع ناقص في محل الجزم ب “لا” مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على محمَّد. “مِنَ الْمُشْرِكِينَ” خبر “تكون” والجملة معطوفة على جملة “أَقِمْ” على كونه فاعلاً لفعل محذوف، والتقدير: وأوحي إليّ قيام وجهي للدين وعدم كوني من المشركين.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com