وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

(6)

قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} جَمَالٌ: أَيْ زِينَةٌ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَوَجاهَةٌ عِنْدَهُمْ. كَمَا قَالَ في سُورَةِ الكَهْفِ: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية: 46، والمَالُ لَا يَخُصُّ الذَهَبَ والفضَّةَ وغَيْرِهِما، بَلْ يَشْمَلُ الزروعَ والعَقاراتِ والبهائمَ وغيرَ ذَلِكَ، وكانَ يقالُ: أَكْثَرُ مَالِ العَرَبِ الإِبِلُ، وأَكْثَرُ أَمْوالِ أَهْلِ البَصْرَةِ النَّخْلُ. وَقالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْبركَةُ فِي الْغَنَمِ، وَالْجَمَالُ فِي الْإِبِلِ، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). أَخْرَجَهُ أَبو بِشْرٍ محمَّدُ الأَنْصَارِيُّ الدُولابيُّ الرَّازِيُّ في الكُنَى والأَسْمَاءِ: (2/573)، مِنْ حديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، والدَّيْلَمِيُّ في سُنَنِهِ: (2/32، برقم: 2197). وللحديثِ أَطْرافٌ أٌخْرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَةَ وغيرُهُ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((الإِبِلُ عِزٌّ لأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَة)). سُنَنُ ابْنِ ماجةَ: (2/773، برقم: 2305)، قالَ البُوصِيرِيُّ، (3/40): هذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وأَخرجهُ الطَبَرانيُّ في الكَبيرِ: (17/156، برقم: 404 و 405). وأَخْرَجَهُ أَيْضًا: أَبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ: (12/208، برقم: 6828). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَنْعانيُّ في التفسيرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ” قَالَ: إِذا رَاحَتْ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ أَسْنِمَةً، وَأَحْسَنِ مَا تَكُونُ ضُرُوعًا، و “وَحِينَ تَسْرَحُونَ” قَالَ: إِذا سَرَحَتْ لِرَعْيِها. وَمِنْ جَمَالِهَا كَثْرَتُهَا وَقَوْلُ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهَا هَذِهِ نَعَمُ فُلَانٍ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَلِأَنَّهَا إِذَا رَاحَتْ تَوَفَّرَ حُسْنُهَا وَعَظُمَ شَأْنُهَا وَتَعَلَّقَتِ الْقُلُوبُ بِهَا، لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ أَعْظَمُ مَا تَكونُ أَسْنِمَةً وَضُرُوعًا، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمَ الرَّوَاحَ عَلَى السَّرَاحِ لِتَكَامُلِ دَرِّهَا وَسُرُورِ النَّفْسِ بِهَا إِذْ ذَاكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

والجَمَالُ يَقَعُ عَلَى الصُّوَر وَالْمَعَانِي؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشريفُ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَدْخُلِ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلاَ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا، وَرَأْسِي دَهِينًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، حَتَّى ذَكَرَ عِلاَقَةَ سَوْطِهِ، أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: ((لاَ، ذَاكَ الْجَمَالُ، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَأَزْدَرَى النَّاسَ)). أَخْرَجَهُ الإمامً أَحَمَد في مُسْنَدِهِ: (1/399، برقم: 3788)، ولهُ أَطْرافٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ: (1/93، برقم: 91). والتِرْمِذِيِّ: (4/361، برقم: 1999)، والحاكمِ في مُسْتَدْرَكِهِ: (1/78، رقم: 69)، وقال: حديثٌ صَحيحُ الإسْنَادِ. وأَخرجَهُ أَيضًا الطَبَرانِيُّ: (10/221، رقم: 10533)، والبَغَوَيُّ في شَرْحِ السُنَّةِ: (13/165)، وغَيْرُهُم مِنْ أَئِمَّةَ الحديثِ الشريفِ رحمَهُمُ اللهُ. وَفِي حَدِيثِ الإِسْراءِ: ((ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلاءُ))، أَيْ جَمِيلَةٌ مَلِيحَةٌ. فقد أَخرجَ الطَبَرانيُّ في مُعْجَمِهِ الأَوْسَطِ: (4/165) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْبُرَاقِ، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ يَسِيرُ بِهِ، فَإِذَا بَلَغَ مَكَانًا مَطَّاطِيًا طَالَتْ يَدَاهَا وَقَصُرَتْ رِجْلَاهَا حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ، وَإِذَا بَلَغَ مَكَانًا مُرْتَفِعًا قَصُرَتْ يَدَاهَا وَطَالَتْ رِجْلَاهَا حَتَّى تَسْتَوِيَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِ: يَا مُحَمَّدُ إِلَى الطَّرِيقِ (مَرَّتَيْنِ)، فَقَالَ جِبْرِيلُ: امْضِ وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى الطَّرِيقِ يَا مُحَمَّدُ (مَرَّتَيْنِ)، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: امْضِ وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ؟. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا. قَالَ: تِلْكَ الْيَهُودُ، دَعَتْكَ إِلَى دِينِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي دَعَاكَ عَلَى يَسَارِ الطَّرِيقِ؟. قَالَ: لَا. قَالَ تِلْكَ النَّصَارَى دَعَتْكَ إِلَى دِينِهِمْ. هَلْ تَدْرِي مَنِ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ الْجَمْلَاءُ؟. قَالَ: تِلْكَ الدُّنْيَا، تَدْعُوكَ إِلَى نَفْسِهَا. ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا هُوَ بِنَفَرٍ جُلُوسٍ، فَقَالُوا حِينَ أَبْصَرُوهُ: مَرْحَبًا بِمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَإِذَا فِي النَّفَرِ الْجُلُوسِ شَيْخٌ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ هَذَا؟. قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟. قَالَ: مُوسَى. ثُمَّ سَأَلَهُ: مَنْ هَذَا؟. قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَدَافَعُوا حَتَّى قَدَّمُوا مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أُتُوْا بِأَشْرِبَةٍ فَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: قُمْ مَعِي إِلَى رَبِّكَ، فَقَامَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا صَنَعَتَ؟. قَالَ: فُرِضَتْ عَلَى أُمَّتِي خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّكَ لَا تُطِيقُ هَذَا، فَرَجَعَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مَاذَا صَنَعَتَ؟ قَالَ: رَدَّهَا إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ هَذَا، فَرَجَعَ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى رَدَّهَا إِلَى خَمْسٍ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لْأُمَّتِكَ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مَا أُرَاجِعُهُ، وَقَدْ قَالَ لِي: لَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَهَا مَسْأَلَةٌ أُعْطِيكَهَا. ورَوَاهُ أَيْضًا فِي الكَبيرِ ورِجالُهُ رِجَالُ الصَّحيحِ. وذكَرَهُ الهَيْثَمِيُّ في مَجْمعِ الزَّوائِدِ وَمَنْبَعِ الفوائدِ.

والْجَمَالُ أَيْضًا كلُّ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ وَيُتَزَيَّنُ. وَالْجَمَالُ: الْحُسْنُ. وَقَدْ جَمُلَ الرَّجُلُ (بِالضَّمِّ) جَمَالًا فَهُوَ جَمِيلُ، وَالْمَرْأَةُ جَمِيلَةٌ، وَجَمْلَاءُ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ الْكِسَائِيُّ عَلَى ذَلِكَ قولَ الشاعِرِ:

فهيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ ……………… بَذَّتِ الْخَلْقَ جَمِيعًا بِالْجَمَالِ

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:

جَمَالَكَ أَيُّهَا الْقَلْبُ الْقَرِيحُ …………….. سَنَلْقَى مَنْ تُحِبُّ فَتَسْتَريحُ

فيُرِيدُ بِهِ: الْزَمْ تَجَمُّلَكَ وَحَيَاءَكَ ولا تَجْزَعْ جَزَعًا قَبيحًا. وأَجْمَلُ: أَيْ حَسَنُ الأَفعالِ، كَامِلُ الأَوْصَافِ؛ وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ لِلشَّاعَرِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ:

وَمَا الحَقُّ أَنْ تَهْوَى فتُشْعَفَ بِالَّذِي … هَوِيتَ، إِذا مَا كَانَ لَيْسَ بأَجْمَلِ

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ “أَجمل” فِيهِ بِمَعْنَى جَمِيل، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَراد لَيْسَ بـ “أَجْمَل” مِنْ غَيْرِهِ، أَيْ لم يُرِدْ صِيغَةَ التَفْضِيلِ، كَمَا قَالُوا اللهُ أَكْبَرُ، يُرِيدُونَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. والمُجَامَلَة: المُعاملةُ بالجَمِيلِ،

وَلَيسَ لِهذِهِ الكلمةِ مِنْ لَفْظِهَا ما يَأْتي عَلَى وَزْنِ “أَفْعَلَ” كَ “دِيمَةٌ هَطْلاءْ”. وَجاءَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ النَبَوِيِّ الشَّريفِ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَامَ رَجُلٌ قَبِيحُ السُّنَّةِ (الصورةِ) صَغِيرُ القِمَّةِ (شَخْصُ الإِنسانِ إِذَا كَانَ قَائِمًا) يَقُودُ نَاقَةً حَسْنَاءَ جَمْلاءَ، فَقَالَ: هَذِهِ صَدَقَةٌ. رَواهُ جارُ اللهِ الزَمَخْشَرِيُّ في (الفائقُ في غريبِ الحديثِ والأَثَرِ): (2/201). ورُوِيَ أَيضًا أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَبْلَ أَنْ أَزُورَ، فَقَالَ: (إِنْ كَانَتْ أَعَانَتْكَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُعِنْكَ فَعَلَيْكَ نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ). السُنَنُ الكُبْرَى للبَيْهَقِيِّ: (5/168).

والمُجَامِلُ: الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى جَوَابِكَ فَيَتْرُكُهُ إِبقاءً عَلَى مَوَدَّتِك. والمُجَامِل: الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَوَابِكَ فَيَتْرُكُهُ ويَحْقِدُ عَلَيْكَ إِلى وَقْتٍ مَا؛ وَالْجَمَالُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَتَرْكِيبِ الْخِلْقَةِ، كَمَا يَكُونُ فِي الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ، وَيَكُونُ أَيْضًا فِي الأَفعالِ. فأَمَّا جَمَالُ الخِلْقَةِ فَهُوَ أَمْرٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَيُلْقِيهِ إِلَى الْقَلْبِ مُتَلَائِمًا، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِوَجْهِ ذَلِكَ وَلَا نِسْبَتِهِ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ. وَأَمَّا جَمَالُ الْأَخْلَاقِ فَكَوْنُهَا عَلَى الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْعِفَّةِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ لِكُلِّ أَحَدٍ. وَأَمَّا جَمَالُ الْأَفْعَالِ فَهُوَ وُجُودُهَا مُلَائِمَةً لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ، وَقَاضِيَةً لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ فِيهِمْ، وَصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهُمْ. وَجَمَالُ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ مِنْ جَمَالِ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ مُوَافِقٌ لِلْبَصَائِرِ.

قولُهُ: {حِينَ تُرِيحُونَ} الرَّوَاحُ، هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَعَاطِنِ، يُقَالُ: أَرَاحَ نِعَمَهُ إِذَا أَعَادَهَا بَعْدَ السُّرُوحِ. أيْ تُرِيحُونَ: مِنَ الإِراحَةِ: وَهِيَ رَدُّ الإِبِلِ بِالعَشِيِّ إِلَى مُراحِها حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا، وَيُقَالُ: أَرَاحَ المَاشِيَةَ وَهَرَاحَها بالهاءِ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. فَـ “حِينَ تُرِيحُونَ” أَيْ حِينَ تَرُدُّونَها مِنْ مَراعِيها إِلَى مَرَاحِها بالعَشِيِّ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: يُريدُ حِينَ خُروجِ العَرَبِ أَيَّامَ الرَّبيعِ بالمَاشِيَةِ إِلَى الخِصْبِ، يَعْنِي أَنَّ الإراحَةَ أَكْثَرُ مَا تَكونُ أَيَّامَ الرَّبيعِ إِذا سَقَطَ الغَيْثُ، وَكَثُرَ الكَلَأُ، وَخَرَجَتِ العَرَبُ للنَّجْعَةِ، وأَحْسَنُ مَا تَكونُ النَّعَمِ في ذَلِكَ الوقتِ، وَلِذَلِكَ سَتَرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجَهَهُ لَمَّا رَأَى نَعَمَ بَنِي المُصْطَلِقِ، وقدْ عَبِسَتْ في أَبْوالِها.

قولُهُ: {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} “وَحِينَ تَسْرَحُونَ” تُخْرِجُونَهَا بالغَدَاةِ مِنْ حَظائرِهَا إِلَى مَسَارِحِهَا، يُقالُ: سَرَّحَ القومُ إبِلَهم سَرْحًا إذا أخرجوها بالغَدَاةِ إِلَى المَرْعَى، واسْمُ ذَلِكَ المَالِ السَّرْحُ، وسَرَحَ المَالُ نَفُسُهُ سُرُوحًا: رَعَى بالغَدَاةِ. وَالسُّرُوحُ: الْإِسَامَةُ، أَيِ الْغُدُوُّ بِهَا إِلَى الْمَرَاعِي. يُقَالُ: سَرَحَهَا ـ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، سَرَحًا وَسُرُوحًا، وَسَرَّحَهَا ـ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، تَسْرِيحًا. وَتَقْدِيمُ الْإِرَاحَةِ عَلَى التَّسْرِيحِ لِأَنَّ الْجَمَالَ عِنْدَ الْإِرَاحَةِ أَقْوَى وَأَبْهَجُ، لِأَنَّهَا تُقْبِلُ حِينَئِذٍ مَلْأَى الْبُطُونِ حَافِلَةَ الضُّرُوعِ مَرِحَةً بِمَسَرَّةِ الشِّبَعِ وَمَحَبَّةِ الرُّجُوعِ إِلَى مَنَازِلِهَا مِنْ مَعَاطِنَ وَمَرَابِضَ، قالَ عَنْتَرَةُ العَبْسِيُّ:

بَطَلٌ كأَنَّ ثِيابَهُ في سَرْحَةٍ …………… يُحْذَى نِعالَ السَّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ

ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ إِرْسَالٍ، واسْتُعِيرَ أَيْضًا للطَّلاقِ، فقالوا: فلانٌ سَرَّحَ امْرَأَتَهُ، كَمَا اسْتعيرَ الطلاقُ أَيْضًا مِنْ إِطْلاقِ الإِبِلِ مِنْ عُلُقِها. وسَرَحَ الإِبلَ يَسْرَحُها سَرْحًا، أَيْ: أَرْسَلَهَا، وأَصْلُهُ أَنْ يُرْسِلَها لِتَرْعَى السَّرْحَ، والسَّرْحُ شَجَرٌ لَهُ ثَمَرٌ، الواحِدَةُ مِنْهُ سَرْحَة. قال حَمِيدُ بْنُ ثَوْرِ الهِلالِيُّ:

أَبَى اللهُ إلاَّ أَنَّ سَرْحَةَ مَالِكٍ …………… عَلَى كُلِّ أَفْنَانٍ العِضَاهِ تَرُوقُ

وَالْإِتْيَانُ بِالْمُضَارِعِ فِي تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَكَرِّرَةِ. وَفِي تَكَرُّرِهَا تَكَرُّرُ النِّعْمَةِ بِمَنَاظِرِهَا. واعْتُبِرَ مِنَ السَّرْحِ المُضِيُّ، فَقِيلَ: ناقَةٌ سُرُحٌ، أَيْ: سَريعَةٌ. قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ الزِّبَعْرَى ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَمْدَحُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا ……….. عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ

والبَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ أَنْشَدَها مُعْتَذِرًا للنَّبِيِّ ـ عَلَيْهِ وَآلِهِ صَلاةُ اللهِ وسَلامُهُ، عَمَّا كانَ أَسَاءَ في جَاهِلِيَّتِهِ، نُثْبِتُهَا هُنَا تَبَرُّكًا:

مَنَعَ الرُّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ ……………….. وَاللَّيْلُ مُعْتَلِجُ الرَّوَاقِ بَهِيمُ

مِمَّا أَتَانِي أَنَّ أَحْمَدَ لَامَنِي ………………… فِيهِ فَبِتُّ كَأَنَّنِي مَحْمُومُ

يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا ………… عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ

إِنِّي لَمُعْتَذِرٌ إِلَيْكَ مِنَ الذِي ………… أَسْدَيْتُ إِذْ أَنَا فِي الضَّلَالِ أَهِيمُ

أَيَّامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوَى خُطَّةٍ …………………. سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ

وَأَمُدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى وَيَقُودُنِي ……………. أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ

فَالْيَوْمَ آمَنَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ……………… قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَذِهِ مَحْرُومُ

مَضَتِ الْعَدَاوَةُ فَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا ………… وَأَتَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ

فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا ………….. زَلَلِي فَإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُومُ

وَعَلَيْكَ مِنْ سِمَةِ الْمَلِيكِ عَلَامَةٌ …………….. نُورٌ أَغَرُّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ

أَعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبَّةٍ بُرْهَانَهُ ………………… شَرَفًا وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ

وَلَقَدْ شَهِدْتُ بِأَنَّ دِينَكَ صَادِقٌ ………… حَقًّا وَأَنَّكَ فِي الْعِبَادِ جَسِيمُ

وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ مُصْطَفًى ………… مُسْتَقْبَلٌ فِي الصَّالِحِينَ كَرِيمُ

قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ ……………… فَرْعٌ تَمَكَّنَ فِي الذُرا وَأرُومُ

العَيْرَانَةُ: النَشِطَةُ السَّريعَةُ مِنَ الإِبِلِ. والقَرْمُ: سَيِّدُ القومِ وعَظيمُهُمُ المُطاعُ فِيهمْ.

قولُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} الوَاوُ: حرفُ عَطْفٍ، وَ “لَكُمْ” اللامُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. و “فِيهَا” في: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِالاسْتِقْرارِ الذي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أَوْ بِحالٍ مِنْ “جَمَالٌ”، وَ “ها” ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “جَمَالٌ” مرفوعٌ بالابْتِداءِ، مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هَذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: {فِيهَا دِفْءٌ}، و “حِينَ” مَنْصُوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزَمانِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “جَمَالٌ” لأَنَّهُ بِمَعْنَى تَجَمَّلَ، أَو بِصِفَةٍ لَهُ، و “تُريحونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. وَجُمْلَةُ “تُرِيحُونَ” فِي مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ لِـ “حِينَ”. و “وَحِينَ تَسْرَحُونَ” حرفُ عطفٍ، وَمَعْطُوفٌ عَلَى “حِينَ تُرِيحُونَ” ولهُ مثلُ ما لهُ مِنَ الإعرابِ. وحَذَفَ مفعولي “تُرِيْحونَ” و “تَسْرَحُون” مُراعَاةً للفَوَاصِلِ مَعَ العِلْمِ بِهِمَا.

قرَأَ الجمهورُ: {حينَ}، وَقَرَأُ عِكْرِمَةُ والضَحَّاكُ “حِينًا” بالتَنْوينِ عَلَى أَنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، والعائدُ مَحْذوفٌ، أَيْ: حِينًا تُرِيْحون فيهِ، وحِينًا تَسْرحُون فيهِ، كما في قولِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} الآية: 281.

Advertisements


الموسوعة القرآنية، فيض العليم، سورة النحل، الآية:5
 
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى جَدُّهُ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} الْأَنْعَامُ: جَمْعُ نَعَمٍ، أَيْ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَعْزُ، وهِيَ الأَجْنَاسُ الأَرْبَعَةُ، المُسَمَّاةُ بِالأَزْواجِ الثَمَانِيَةِ، اعْتِبَارًا للذَّكَرِ والأُنْثَى، فالخَيْلُ والبِغَالُ والحَميرُ خارَجَةٌ مِنْها. فقدِ امْتَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَهُ لَهُمْ مِنَ الأَنْعَامِ، وَبِمَا جَعَلَهُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ مَنَافِعَ، فهم يَلْبَسُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَمِنْها يَبْنُونَ فوقَهم، وَيَفْتَرِشُونَ تَحْتَهم، فيَكُونُ لَهُمْ فِيهَا سَتْرٌ ودِفْءٌ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ لُحُومِهَا وَمِنْ أَلْبَانِهَا وَيَشْرَبُونَ، فيُغَذُّونَ أَبدانَهُم ويَتَقَوّونَ. وَقَدْ بَدَأَ بِذِكْرِ الحَيْواناتِ المُنْتَفَعِ بِهِا فِي طَعَامِ النَّاسِ وشَرَابِهمْ ولِباسِهم، وَهِيَ أَعْظَمُ الضَرُوراتِ البَشَريَّةَ.
ويَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ الْأَنْعامُ عَلَى الْإِنْسانِ مِنَ الآيةِ التي قبلَها عَطْفَ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ، أَيْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ وَالْأَنْعَامَ، لأنَّها أَيْضًا مَخْلُوقَةٌ مِنْ نُطْفَةٍ، فَيَحْصُلُ اعْتِبَارٌ بِهَذَا التَّكْوِينِ الْعَجِيبِ لِشَبَهِهِ بِتَكْوِينِ الْإِنْسَانِ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ “خَلَقَها” بِمُتَعَلِّقَاتِهَا مُسْتَأْنَفَةٌ، فَيَحْصُلُ الِامْتِنَانُ بِذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ عَلَى الْجُمَلِ، فَيَكُونُ نَصْبُ “الْأَنْعامَ” بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَخَلَقَ الْأَنْعَامَ خَلَقَهَا. فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الْحُكْمِ اهْتِمَامًا بِمَا فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْفَوَائِدِ، فَيَكُونُ امْتِنَانًا عَلَى الْمُخَاطَبِينَ، وَتَعْرِيضًا بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَفَرُوا نِعْمَةَ اللهِ تَعَالى عَلَيْهِم بِخَلْقِهَا لهُمْ، فَجَعَلُوا لِشُرَكَائِهِمْ مِنْ نِتَاجِهَا نَصِيبًا وَجَعَلُوا للهِ نَصِيبًا. وَأَيُّ كُفْرَانٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُتَقَرَّبَ بِالْمَخْلُوقَاتِ إِلَى غَيْرِ مَنْ خَلَقَهَا. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَصْرٌ.
وَهذا الْخِطَابُ صَالِحٌ لِشُمُولِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ ابْتِدَاءً، وَيَشْمَلَ جَمِيعَ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ مِنْ الِامْتِنَانِ. وَفِيهِ أَيْضًا الْتِفَاتٌ مِنْ الْغَيْبَةِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قبل ذَلِكَ مِنَ هذِهِ السُّورَةِ المُباركةِ: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآيةِ: 3، السَّابِقَةِ، بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ.
قوْلُهُ: {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ، أَيْ: يُسْخَنُ، وجَمْعُهُ أَدْفاءٌ، ويقالُ: دَفِئَ يَوْمُنَا، فهو دَفِئٌ، و: دَفِئَ الرجلُ، يَدْفَأُ دَفاءَةً، ودَفَاءً، فهُوَ دَفْآنُ، وَهِيَ دَفْأَى، كَ “سَكْرانُ” وَسَكْرَى. والمُدْفَأَةُ ـ بالتَخْفِيفِ والتَّشْديدِ: الإِبِلُ الكَثيرَةُ الوَبَرِ والشَّحْمِ. وقِيلَ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإِبِلِ وأَلْبَانُها، وَمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْها. وَعَطْفُ “مَنَافِعُ” عَلَى “دِفْءٌ” مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ أَمْرَ الدِّفْءِ قَلَّمَا تَسْتَحْضِرُهُ الْخَوَاطِرُ. ثُمَّ عُطِفَ الْأَكْلُ مِنْهَا لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِهَا لَا مِنْ ثَمَرَاتِهَا. وقد تَمَّ الكلامُ عِنْدَهُ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: “لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ”، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمَامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ “لَكُمْ” ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ “فِيهَا دِفٌ”. وَأَحْسَنُ الوَجْهَيْنِ أَنْ يَكونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالى “خَلَقَهَا”؛ لِقَوْلِهِ فِي النَسَقِ عَلَى مَا قَبْلِها: {وَلَكُم فِيهَا جَمَالٌ}.
قولُهُ تَعَالَى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} الواوُ: للعطفِ، وَ “الْأَنْعَامَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجُوبًا يَفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ، والتقديرُ: وَأَوْجَدَ الأَنْعَامَ، وهذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “خَلَقَهَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تَعَالى، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذهِ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ، لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ أَيْضًا. و “لَكُمْ” اللامُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “خَلَق”، أَيْ: لِأَجْلِكُمْ ولِمَنَافِعِكُمْ، وَيَكُونُ “فيها” خَبَرًا مُقَدَّمًا، و “دِفْءٌ” مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ “لكم” هُوَ الخَبَرَ، و “فيها” مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أَوْ يَكُونَ “فيها” حالًا مِنْ “دِفْءٍ” لأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ لَهُ صِفَةً، أَوْ يَكونَ “فيها” هوَ الخَبَرَ، وَ “لكم” مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ، أَوْ يَكونَ حالًا مِنْ “دِفْءٌ” قالَهُ العُكْبُريُّ أَبو البَقَاءِ. وَرَدَّهُ الشَّيْخُ أَبو حيَّان الأندلُسِيُّ بِأَنَّهُ إِذا كانَ العامِلُ في الحالِ مَعْنَوِيًّا فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الجُمْلَةِ بِأَسْرِهَا، لا يَجُوزُ: “قائمًا في الدارِ زَيدٌ”. فإنْ تَأَخَّرَتْ نَحْوَ: “زَيْدٌ في الدَّارِ قائِمًا” جازَ بِلا خِلافٍ، أَوْ تَوَسَّطَتْ، فَخِلافٌ، أَجَازَهُ الأَخْفَشُ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ. قالَ السَّمِينُ الحَلَبيُّ: ولِقَائلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا تَقَدَّمَ العاملُ فِيها وَهِيَ مَعَهُ جَازَ تَقْديمُها عَلَيْهِ بِحَالِها، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: لا يَلْزَمُ مِنْ تَقْديمِها عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ تَقْديمُها عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ، لِزِيَادَةِ القُبْحِ. وقالَ أَبُو البَقاءِ العُكْبُريُّ أَيْضًا: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ “دِفْء” بِـ “لكم” أَوْ بِـ “فيها” والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَميرِ المَنْصُوبِ. قالَ الشَّيْخُ أبو حيَّان: ولا تُسَمَّى جُمْلَةً؛ لأَنَّ التَقْديرَ: خَلَقَها كائنًا لكمْ فيها دِفْءٌ، أَوْ خَلَقَهَا لَكُمْ كائنًا فيها دِفْءٌ. قالَ السمينُ الحلَبيُّ: قَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ فِي تَقديرِ مُتَعَلَّقِ الجَارِّ إِذَا وَقَعَ حالًا أَوْ صِفَةً أَوْ خَبَرًا: هَلْ يُقَدَّرُ فِعْلًا أَوِ اسْمًا؟. ولَعَلَّ أَبَا البَقاءِ العُكْبُريُّ نَحَا إِلَى الأَوَّلِ، فَتَسْمِيتُهُ لَهُ جُمْلَةً صَحِيحٌ عَلَى هَذَا. وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ.
قولُهُ: {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} فِي: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، و “ها” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “دِفْءٌ” مرْفوعٌ بالابْتِداءِ، مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هَذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنَ “الْأَنْعَامَ”، أَوْ مِنَ الضَميرِ المَنْصُوبِ. و “وَمَنَافِعُ” الواوُ: للعطْفِ، و “مَنَافِعُ” مَعْطُوفٌ عَلَى “دِفْءٌ” مرفوعٌ مثلهُ، ولم ينونْ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ فهو على وزنِ “مساجد”.
قولُهُ: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} الواوُ: للعطْفِ، وَ “مِنْهَا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، و “مِنْ” هُنَا لابْتِداءِ الغايَةِ، والتَبْعيضُ ضعيفٌ هنا. قَالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فإِنْ قُلْتَ: تَقْديمُ الظَرْفِ مُؤْذِنٌ بالاخْتِصَاصِ، وَقَدْ يُؤْكَلُ مِنْ غيرِها. قال السَّمِينُ الحَلَبِيُّ: الأَكْلُ مِنْهَا هوَ الأَصْلُ الذي يَعْتَمِدُهُ النَّاسُ، وأَمَّا غَيْرُها مِنَ البَطِّ والدَّجاجِ ونَحْوِها مِنَ الصَّيْدِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ. و “ها” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “تَأْكُلُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ الفعلِيَّةُ هذهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “فِيهَا دِفْءٌ”. على كونها مَفعولًا بهِ لفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجُوبًا يُفَسِّرُهُ المَذْكورُ بَعْدَهُ، والتقديرُ: وَأَوْجَدَ الأَنْعامَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قَرَأَ العامَّةُ: {والأَنْعامَ} بالنَّصْبِ وَفيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُما: نَصْبٌ عَلَى الاشتغالِ، وهوَ أَرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ لِتَقَدُّمِ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ. والثاني: أَنَّهُ نَصْبٌ عَلَى عَطْفِهِ عَلَى “الإِنْسانِ”، قالَهُ الزَمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وعليهِ فَـ “خَلَقَها” يَكُونُ مُؤَكِّدًا، ويكونُ عَلَى القولِ الأَوَّلِ مُفَسِّرًا. وقُرِئَ في الشاذِّ “والأَنْعَامُ” بالرَّفْعِ وَهِيَ قراءةٌ مَرْجُوحَةٌ.
قرَأَ العامَّةُ: {دِفْءٌ}، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عليٍّ “دِفٌ” بنَقْلِ حركةِ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ، وقرَأَ الزُهْرِيُّ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ الفاءَ، كأَنَّهُ أَجْرَى الوَصْلَ مُجْرى الوَقْفِ نَحْوَ قوْلِهم: هَذَا فَرُخّْ بالتَشْديدِ وَقْفًا. ومِنْهمْ مَنْ يُعَوِّضُ مِنْ هَذِهِ الهَمْزَةَ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أَحَدُ وَجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبيبٍ وَقْفًا. قالَ السَّمينُ: التَشْديدُ وَقْفًا لُغَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَذْفٌ مِنَ الكَلِمَةِ المَوْقوفِ عَلَيْها.


خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ

(4)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ} هُوَ اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى انْفِرَادِهِ ـ تَعَالَى، بِالْإِلَهِيَّةِ وَالوَحْدَانِيَّةِ. وهو أَيْضًا اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى فيهِ عِبَادَهُ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ ضَعِيفٍ مَهِينٍ، تَأْنَفُ النَّفْسُ رائحَتَهُ، والنَّظَرَ إِلَيْهِ، النُّطْفَةُ: هِيَ المَاءُ الصَّافِي، وَهُوَ هُنَا مَادَّةُ التَّلْقِيحِ. وَمَرَّ هذا الإِنْسَانُ ـ عَدا الإنْسَانَ الأَوَّلَ، وهوَ آدَمُ ـ عليهِ السَّلامُ، فِي أَطْوَارٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَجَ طَفْلًا، فَغَذَّاهُ وَنَمَّاهُ، وَأَمَدَّهُ بالحَيَاةِ والقوَّةِ والرِزْقِ. فَلَمَّا اسْتَقَوى هذا الإنسانُ المَخلوقُ، وَدَرَجَ، إِذَا هُوَ يُخَاصِمُ خالقَهُ ورَبَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، وَيُكَذِّبُهُ أَيضًا وَيُحَارِبُهُ، ويُجادِلُهُ، وَيُحَارِبُ رُسُلَهُ. والآيةُ نظيرُ قولِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ يَس: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} الآيتانِ: 77 و 78، مَعَ أَنَّ اللهَ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِيَكُونَ لَهُ عَبْدًا لاَ ضِدًّا. وَفِي الحَدِيثِ الشَّريفِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَصَقَ فِي كَفِّهِ ثُمَّ قَالَ : ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سُوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ، وَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟)) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (4/210)، وَابْنُ مَاجَهْ في سُنَنِهِ برقم: (2707) مِنْ حَديثِ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ البُوصِيرِيُّ في الزَّوائدِ: (2/365): إِسْنَادٌ صَحيحٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدَيثِ أَبي هُرَيْرَةَ” ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قولُهُ: {فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} خَصِيمُ: شَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالبَاطِلِ، مِنْطِيقٌ مُجَادِلٌ عَنْ نَفْسِهِ، مُكافِحٌ للخُصُومِ، وهِيَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ بِمَعْنَى مُخَاصِمٍ، وَ “فَعيلٌ” بِمَعْنَى “مُفَاعِلٍ”، ك: “نَسيبٍ” بِمَعْنَى “مُنَاسِبٍ”، و “خَلِيطٍ” بِمَعْنَى “مُخَالِطٍ”، و “عَشِيرٍ” بِمَعْنَى “مُعَاشِرٍ”. و “مُّبِينٌ: مُظْهِرٌ للحُجَّةِ لُقِّنَ بِهَا.

قولُهُ تَعَالى: {خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ} خَلَقَ: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُه “هو” يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تَعَالَى. وَ “الْإِنْسَانَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ لابتداءِ الغايةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “خَلَقَ”، و “نُطْفَةٍ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ.

قولُهُ: {فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وَتَعْقِيبٍ. و “إذا” حَرْفُ مُفَاجَأَةٍ، و “هُوَ” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مبنيٌّ على الفَتْحِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ. و “خَصِيمٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ. و “خَصِيمٌ” على وزنِ “فَعِيْل”، مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنْ “خَصَمَ” بِمَعْنَى “اخْتَصَمَ”، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ “مُخاصِم” ك “خَلِيط” و “جَلِيس”. و “مُبِينٌ” صَفَةٌ لـ “خصيمٌ” مَرْفُوعَةٌ مثلهُ، وهذه الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ معطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “خَلَقَ الْإِنْسَانَ” على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.


خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

(3)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أَيْ: أَنَّهُ تعالى، أَوْجَدَ الأَرضَ والسَّمَاواتِ وما بينَهما، وما فيهِما على هَذِهِ الصِفَةِ التي هُما عَلَيْها، وقَدَّرَ الفَنَاءَ لَهُما غَايَةً، والزَّوالَ نِهايةً، للدَّلالَةِ عَلَى عظيمِ قُدْرَتِهِ، وتفرُّدِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وهو اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ قبلَ ذلكَ في الآيةِ الأُولى: {سُبْحانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، لِأَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَرَقَّبُوا دَلِيلَ تَنْزِيهِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكَاءُ. فَابْتُدِئَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُخْلَقُ لَا يُوصَفُ بِالْإِلَهِيَّةِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ التَّفْرِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ في الآيةِ: 17 بقولِهِ عَقِبَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}. وَأَعْقَبَ قَوْلَهُ: {سُبْحانَهُ} بِقَوْلِهِ: {وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} تَحْقِيقًا لِنَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، كَمَا يُذْكَرُ الْمَطْلُوبُ قَبْلَ ذِكْرِ الْقِيَاسِ فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ، ثُمَّ يُذْكَرُ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ عَقِبَ الْقِيَاسِ فِي صُورَةِ النَّتِيجَةِ تَحْقِيقًا لِلْوَحْدَانِيَّةِ، لِأَنَّ الضَّلَالَ فِيهَا هُوَ أَصْلُ انْتِقَاضِ عَقَائِدِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلِأَنَّ إِشْرَاكَهُمْ هُوَ الَّذِي حَدَا بهُمْ إِلَى إِنْكَارِ نُبُوَّةِ مَنْ جَاءَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَإِبْطَالِ الشِّرْكِ مُقَدَّمًا عَلَى إِثْبَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ـ عَلَيْهِ صَّلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، الْمُبْدَأُ بِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ التي قبلَ هَذِهِ: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} الآية: الثانيةِ منْ هذه السُورَةِ. وَقد عُدِّدَتْ دَلَائِلُ مِنَ الْخَلْقِ، كُلِّهَا مُتَضَمِّنَةً نِعَمًا جَمَّةً عَلَى النَّاسِ إِدْمَاجًا لِلِامْتِنَانِ بِنِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْرِيضًا بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِمُ، الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ، قَدْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ حِيْنَ شَكَرُوا مَا لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِمْ بشيءٍ، وَنَسُوا مَنِ انْفَرَدَ بِالْإِنْعَامِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ الْكُفْرَانِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قولُهُ في ا: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} الآية: 17، مِنْ سُورَة النَّحْل، وقولُهُ في الآيةِ: : 34، مِنْ سُورَة إِبْرَاهِيم: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوها}.

وَالِاسْتِدْلَالُ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ وَأَجْمَعُ لِأَنَّهَا مَحْوِيَّةٌ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِمَا، لَكِن مَا فِيهِ مِنْ إِجْمَالِ الْمَحْوِيَّاتِ اقْتَضَى أَنْ يُعَقَّبَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِأَصْنَافِ الْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقَاتِ فَثَنَّى بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَأَطْوَارِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُ الْمَوْجُودَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الْحَيَوَانِ وأَحْوالِهِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْأَنْوَاعَ الَّتِي تَلِي الْإِنْسَانَ فِي إِتْقَانِ الصُّنْعِ، مَعَ مَا فِي أَنْوَاعِهَا مِنَ الْمِنَنِ، ثُمَّ بِخَلْقِ مَا بِهِ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، وَهُوَ الْمَاءُ وَالنَّبَاتُ، ثُمَّ بِخَلْقِ أَسْبَابِ الْأَزْمِنَةِ وَالْفُصُولِ وَالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الْمَعَادِنِ الْأَرْضِيَّةِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْبِحَارِ ثُمَّ بِخَلْقِ الْجِبَالِ وَالْأَنْهَارِ وَالطُّرُقَاتِ وَعَلَامَاتِ الِاهْتِدَاءِ فِي السَّيْرِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ. وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ “خَلَقَ” إِذِ الْخَلْقُ هُوَ الْمُلَابِسُ لِلْحَقِّ. وَالْحَقُّ: هُنَا ضِدُّ الْعَبَثِ، فَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ وَالْجَدِّ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الأَنْبِياءِ: {وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية: 16، وَقَوْلِهِ في الآيةِ: 27، مِنْ سُورَة (ص): {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا}. وَالباطِلُ: ضدُّ الْحَقِّ، والحقُّ وَالصِّدْقُ إنَّما يُطْلَقَانِ وَصْفَيْنِ للِكَمَالِ. أَيْ أَنَّهُ ـ جَلَّ وعَلَا، لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاواتِ والأَرْضَ ومَا فِيهِمَا عَبَثًا، إِنَّما خَلَقَهمْ لإِظْهَارِ الحَقِّ، ولِأَمْرٍ كائنٍ أَرَادَهُ، وحِكْمَةٍ قدَّرَها، ومِحْنَةٍ قَضَاهَا، وجَزَاءٍ أَعَدَّهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فقد خَلَقَهَا بالحَقِّ، وهو يَحْكُمُ فِيها بالحَقَّ، وهوَ مُحِقٌّ في خَلْقِهَا، وتَكْلِيفِ مَا خَلَقَ فِيها بما يَشَاءُ، وكلِّ ما يَعْقُبُ ذَلِكَ التَكْليفِ ويترتَّبُ عليهِ مِنْ حَشْرٍ ونَشْرٍ وحسابٍ، وثَوابٍ بعدَ ذَلِكَ وعِقابٍ.

قولُهُ: {تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَيْ: تَقَدَّسَ ـ سُبحانَهُ وتَعَالَى، وتَرَفَّعَ عَنْ إِشْراكِهِمْ وما جَعَلُوهُ لَهُ شَريكًاً في مُلكِهِ، وكُلُّهم خلقٌ مِنْ خلقِهِ، فكيفَ يُشَارِكُهُ في أمرِهِ مَنْ هوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ في وجودِهِ وبَقَائِهِ. فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ يُبْرِزُ الْخَلَائِقَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.

وَقد أَوْضَحَ ـ تعالى، هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كتابِهِ العزيزِ، فقالَ في الآيةِ: 21، مِنْ سورةِ البَقَرةِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ هُوَ الْخَالِقُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَال في سورةِ الرَّعْد: {أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الآية: 16، وَقَالَ في سورةِ الفرقانِ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} الآيات: 1 ـ 3، وَقَال في سورةِ لُقْمان: {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} الآية: 11، وَقَالَ في سُورةِ فاطِر: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ: 40، وَقَالَ في الآية: 4، مِنْ سُورةِ الأحقاف: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وَقالَ في سورةِ الأَعْرافِ: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} الآية: 191. وغير ذلكَ منْ آياتٍ تتناولُ هَذَا المَعْنَى.  

قولُهُ تَعَالَى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تَعَالَى. و “السَّمَاوَاتِ” مَفْعُولٌ بِهِ مصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الكَسْرَةُ نِيابةً عَنِ الفَتْحَةِ لأنَّهُ مُلْحقٌ بجمعِ المُؤنَّثِ السِّالِمِ، و “وَالْأَرْضَ” حرفُ عَطْفٍ ومعْطُوفٌ عَلَى “السَّمَاوَاتِ” منصوبٌ مثلها. و “بِالْحَقِّ” الباءُ: حرْفُ جَرٍّ، مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، تَقْديرُهُ: خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بالحَقِّ والحِكْمَةِ، لا بالعَبَثِ، أَوْ بِحالٍ مِنْ فاعِلِ “خَلَقَ”؛ أَيْ: حالَةَ كَوْنِهِ مُحِقًّا. وَ “الْحَقِّ” اسْمٌ مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. وهذهِ الجُمْلَةُ الفعليَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ

قولُهُ: {تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} تَعَالَى: فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقدَّرِ عَلَى آخِرِهِ، لِتَعَذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “الله” تَعَالَى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ حالٌ ثانيَةٌ مِنْ فاعِلِ “خَلَقَ”، أَيْ: خَلَقَ السَمَواتِ والأَرضَ حَالَةَ كَوْنِهِ مُتَعَالِيًا عَنِ النَّقائِصِ. و “عَمَّا” عن: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “تَعَالَى”، وَ “مَا” موصولةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، أَوْ نَكِرةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ هيَ مَصْدَرِيَّةٌ، و “يُشْرِكونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ الفعلِيَّةُ هذهِ واقعةٌ صِلَةً لِلمَوصُولِ الاسْمِيِّ “مَا”، فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هِيَ صِفَةٌ لَهَا، في مَحَلِّ الجَرِّ، إِنْ أُعْرِبتْ “ما” نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائدُ، أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ، والتَقْديرُ: عَمَّا يُشْرِكونَهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ تُعْرَبُ هَذَهِ الجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” المَصْدَريَّةِ ـ إِنْ أُعْرِبتْ “ما” مَصْدَرِيَّةً، فَلا عائِدَ لَهَا عِنْدَ الجُمْهُورِ، أَيْ: عَنْ إِشْراكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ.

قرأَ الجمهورُ: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} بياءٍ مُثَنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ “عَمَّا تُشْرِكُونَ” بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةِ.


يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ

(2)

قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} المُرادُ بالْمَلائِكَةِ هُنَا إِمَّا جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَمَعَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وتَنْويهًا بِمُهِمَّتِهِ ـ وَإنَّما يُسَمَّى الواحِدُ بالجَمْعِ إِذا كانَ رَئِيسًا، أَوْ لأَنَّ جِبْريلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَفَظَةِ الوَحْيِ بِأَمْرِ اللهِ تعَالى، أَوْ لأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ المَلائكَةِ، فَيَحْضُرونَ الوَحْيَ حُرَّاسًا لَهُ. فَقد أَخْرَجَ آدَمُ بْنُ أَبي إِيَاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، فِي العَظَمَةِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَاتِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: “الرُّوح” أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، وصُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ بَني آدَمَ. وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّوحِ، ثمَّ تَلَا قولَهُ تَعَالى مِنْ سُورَةِ النَّبَأِ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} الآيَة: 38. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، فِي العَظَمَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ” قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ رُوحٌ كالحَفيظِ عَلَيْهِ، لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يرَاهُ مَلَكٌ، وَلَا شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تعالى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ” قَالَ: بِالْوَحْيِ وَالرَّحْمَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ” قَالَ: بِالنُّبُوَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي العَظَمَةِ عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ” قَالَ: الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ”، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ رَبُّنَا فَهُوَ رُوحٌ، و “مِنْ أَمْرِهِ” قَالَ: بِالرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَصْطَفي مِنْهُمْ رُسُلًا. وَذَكَرَ ابْنُ العَربيِّ أَنَّ ذَا القَرْنَيْنِ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ يٌقَالُ لَهُ: “رَفائيل”، فَكانَ يُلْقي إِلَيْهِ الوَحْيَ، ويَطْوِي لَهُ الأرْضَ. أَوْ: لأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ بالوَحْيِ غَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، فقد جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (إِنَّ سُورَةَ “الحَمْد” نَزَلَ بِهَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ إِلَى الأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ). وقالَ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ إِسْرافِيلَ وُكِّلَ بِي في ثلاثِ سِنِينَ، فَكانَ يَأْتيني بالكَلِمَةِ والكَلِمَتَيْنِ، ثُمَّ كانَ جِبْريلُ يَأْتيني بالقُرآنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ)). ورُوِيَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سِنَانٍ كانَ نَبِيًّا، وكانَ يَأْتيهِ بِالوَحْيِ مَالِكٌ خازِنُ النَّارِ، وكانَ بَعْدَ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَلَمْ يَبْقَ في النُّبُوَّةِ إِلَّا عِشْرينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَاتَ، فَلِقِصَرِ مُدَّتِهِ لَمْ يُعَدَّ نَبِيًّا بَينَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنَّما كانَتْ فَتْرَةُ خَمْسَمِئَةِ عَامٍ. فَقد أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في مُعجمِهِ الكَبيرِ والنَّصُّ لهُ، وَالْحَاكِمُ في مُسْتدركِهِ، وَصَحَّحَهُ، مِنْ طَرِيقِ أَبي يُونُسَ (وهو حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ)، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانَ، قَالَ لِقَوْمِهِ: أَنَا أُطْفِئُ عَنْكُمْ نَارَ الْحَدَثَانِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ): وَاللهِ مَا قُلْتُ لَنَا يَا خَالِدُ قَطُّ إِلَّا حَقًّا، فَمَا شَأْنُكَ وشَأْنُ نَارِ الْحَدَثَانِ؟. تَزْعُمُ أَنَّكَ تُطْفِئُها، قَالَ: فَانْطَلَقَ مَعَهُ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْها وَهِيَ تَخْرُجُ فِي شَقِّ جَبَلٍ فِي حَرَّةٍ يُقَالُ لَهَا: حَرَّةُ أَشْجَعَ، قَالَ: فَخَطَّ لَهُمْ خَالِدٌ خَطَّةً فَأَجْلَسَهُمْ فِيهَا، وَقَالَ: إِنْ أَبْطَأْتُ عَلَيْكُمْ فَلَا تَدْعُونِي بِاسْمِي، فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا خَيْلٌ شُقْرٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَاسْتَقْبَلَهَا خَالِدٌ فَجَعَلَ يَضْرِبُهَا بِعَصَاهُ وَهُوَ يَقُولُ: بَدَا بَدَا كُلٌّ هُدى مُرْدًا، زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْمَعْزَى أَنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنْدَى حَتَّى دَخَلَ مَعَهَا الشِّقَّ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ: وَاللهِ لَوْ كَانَ صَاحِبُكُمْ حَيًّا لَقَدْ خَرَجَ إِلَيْكُمْ بَعْدُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَهُ بِاسْمِهِ، قَالَ: فَدَعُوهُ بِاسْمِهِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ أَخَذَ بِرَأْسِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَدْعُونِي بِاسْمِي؟، فَقَدْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوني، فَادْفِنُونِي فَإِذَا مَرَّتْ بِكُمُ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ فانْبُشُوني فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُوني حَيًّا، قَالَ: فَمَرَّتْ بِهِ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ، فَقَالُوا: انْبُشْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَنْبُشَهُ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تُحَدِّثُ مُضَرُ أَنَّا نَنْبُشُ مَوْتَانَا وَاللهِ لَا تَنْبُشُوهُ أَبَدًا، قَالَ: وَقَدْ كَانَ خَالِدٌ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ فِي عِكْمِ امْرَأَتِهِ لَوْحَيْنِ، فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ أَمْرٌ فَانْظُرُوا فِيهِمَا، فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا يَمَسَّهُما حَائِضٌ قَالَ: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى امْرَأَتِهِ سَأَلُوها عَنْهُمَا، فَأَخْرَجَتْهُما وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَهَبَ مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ عَلِمٍ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو يُونُسَ: قَالَ سِمَاكٌ: إِنَّ ابْنَ خَالِدِ بْنِ سِنَانَ أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِي)). وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الإِيمانِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عشرَةً: نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالحٌ، وَلُوطٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَإِسْحَاقُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَيَعْقُوبُ، وَشُعَيْبُ، وَمُحَمّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ لَهُ اسْمَانِ إِلَّا عِيسَى وَيَعْقُوبُ فَيَعْقوبُ إِسْرَائِيلُ، وَعِيسَى الْمَسِيحُ. وأَظْهَرُ هَذِهِ الأَقْوالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِـ “الرُّوحِ” هُنَا هُوَ الْوَحْيُ، لِأَنَّ الْوَحْيَ للْأَرْوَاحِ، كَالْغِذَاءَ للْأَجْسَامِ، ففيهِ حياتُها، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ الْوَحْيِ بِالرُّوحِ أَنَّ الْوَحْيَ إِذَا وَعَتْهُ الْعُقُولُ حَلَّتْ بِهَا الْحَيَاةُ الْمَعْنَوِيَّةُ وَهُوَ الْعِلْمُ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ إِذَا حَلَّ فِي الْجِسْمِ حَلَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ الْحِسِّيَّةُ، يَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ ـ سبحانَهُ وتَعَالى، هُنَا: “أَنْ أَنْذِرُوا” بَعْدَ قَوْلِهِ: “يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ”، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْوَحْيِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في الآيةِ: 45، مِنْ سُورَةِ الأَنَبِياءِ: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ}، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} الآية: 15، بَعْدَ قَوْلِهِ: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} الآية: 15، مِنْ سورةِ غافِر، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْوَحْيِ. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيضًا عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ هُوَ الْمُرَادُ بِالرُّوحِ، قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورةِ غافِر: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} الآية: 15، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الشُّورَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} الآية: 52. وَ “مِنْ”  في “مِنْ أَمْرِهِ” للْجِنْسُ، أَيْ مِنْ أُمُوره، وَأُمورُهُ شُؤونُهُ، وَمُقَدَّرَاتُهُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بهَا ـ سُبْحانَهُ. وَذَلِكَ هو وَجْهُ إِضَافَتِهِ إِلَى اللهِ ـ تعالى، هُنَا. وَكَذلك فِي قَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الشُورَى: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا} الآية: 52، وَفي قَوْلِهِ مِنْ سورةِ الرَّعْدِ: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} الآية: 11، وَفي قولِهِ مِنْ سُورَة الْإِسْرَاء: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الآية: 85، لِمَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ مِنَ التَّخْصِيصِ.

قولُهُ: {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أَيْ: عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وأَعَدَّهُ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ إِلىَ خلْقِهِ وَكَلَّفَهُ بِحَمْلِها. وَقدْ بَيَّنَ تعالى هَذا المَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الكَرِيمِ، فقَالَ في الآيَةِ: 90، مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، وقَال في الآية: 124، مِنْ سُورةِ الأَنْعَامِ: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وقالَ في الآية: 75، مِنْ سُورَةِ الحَجِّ: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}، وَقَالَ في الآية: 15، مِنْ سُورَةِ غافر: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}. وَفي هَذِهِ الْآيَاتُ وَأَمْثَالِهَا رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ الذينَ قَالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} الآية: 31، مِنْ سُورَةِ الزُخْرُفِ. وَجملةُ قَوْلِهِ تَعَالى: “بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ” اعْتِرَاضٌ وَاسْتِطْرَادٌ بَيْنَ فِعْلِ “يُنَزِّلُ” وَمُفَسِّرِهِ.

قولُهُ: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} ثمَّةَ حَرْفُ جَرٍّ مَحْذوفٌ هُنَا حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أَنْ). وَالتَّقْدِيرُ: أَنْذِرُوا بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا. والْمَعْنَى: أَنَّ الْوَحْيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ على المُرسَلينَ إِنَّما هُوَ لإِنْذَارِ النَّاسِ بِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” فيُقِرُّوا بالوَحْدانيَّةِ لَهُ ـ جَلَّ وَعَلَا، وَلِيَأَمُرَهُمْ المُرْسَلُونَ بِتَقْوَى اللهِ تعالى والابْتِعادِ عمَّا يُغْضِبُهُ ـ سُبْحانَهَ. فَالْأَظْهَرُ فِي “أَنْ” أَنَّهَا هِيَ الْمُفَسِّرَةُ هُنَا، لِأَنَّ فِي إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ بِالرُّوحِ، (أَيْ: بِالْوَحْيِ) مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وَقَدْ أَوْضَحَ ـ جَلَّ جَلَالُهُ، هَذَا الْمَعْنَى فِي غيرِ موضِعٍ مِنْ كتابِهِ الكريمِ، فَقالَ في الآيةِ: 25، مِنْ سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}، وَقَالَ بعدها في الآية: 108، منَ ذاتِ السُّورَةِ: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، وَقَالَ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية: 36، مِنْ سورةِ النحلِ، وَقَالَ مِنْ سُورَةِ الزُخرُفِ: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الآيَةَ: 45، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. و “فاتَّقون” خِطابٌ لأُولئكَ المُسْتَعجِلِينَ العذابَ والعُقوبةَ، عَلَى طَريقَةِ الالْتِفَاتِ، والفَاءُ هنا هي الفَصَيحَةُ، أَيْ: إِذا كانَ الأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ مِنْ جَرَيَانِ عَادَتِهِ ـ سُبحانَهُ، بِتَنْزيلِ المَلائكَةِ عَلَى الأَنْبِياءِ ـ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسَّلامُ جَميعًا، وأَمْرِهمْ بِأَنْ يُنْذِرُوا النَّاسَ، كُلَّ النَّاسِ، بِأَنَّهُ لا شَريَكَ لَهُ فِي الأُلُوهِيَّةِ فاتَّقُوا اللهَ فِي الإِخْلالِ بِمَضْمَونِهِ، وَمُباشَرَةِ مَا يُنَافِيهِ مِنَ الإِشْراكِ وَفُرُوعِهِ التي مِنْ جُمْلَتِها الاسْتِعْجَالُ، والاسْتِهْزَاءُ. وتَقْوَى اللهِ ـ تَعَالَى، هِيَ رُوحُ الْأَرْوَاحِ، وَمَطْلَعُ كلِّ السَّعَادَاتِ، وَمَنْبَعُ الْخَيْرَاتِ وَالْكَرَامَاتِ كُلِّها.

قولُهُ تَعَالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} يُنَزِّلُ: فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تَعَالَى، و “الْمَلَائِكَةَ” مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، و “بِالرُّوحِ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ ومجرور متعلِّقٌ بِحَالٍ مِنَ “الْمَلَائِكَةَ” أَيْ: حَالَةَ كَوْنِهِمْ مُتَلَبِّسِينَ بالرُّوحِ والوَحْيِ، أَوْ: وَمَعَهُمُ الرُّوحُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الإِنْزَالِ، و “الرُّوحِ” مجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ لِبَيَانِ الجِنْسِ، أَوْ للتَبْعِيضِ، مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مِنَ “الرُّوحِ”، وَ “أَمْرِهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.

قولُهُ: {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} عَلَى: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يُنَزِّلُ”، و “مَنْ” اسمٌ موصولٌ بمعنى “الذي”، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “يَشَاءُ” فِعْلٌ مُضَارَعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا يَعودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِحالٍ مِنَ المَوْصُولِ، أَوْ مِنَ العائدِ المَحْذوفِ، و “عِبَادِهِ” مَجرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُضافٌ، وَالهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ في مَحلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعَائدُ مَحْذوفٌ، والتَقْديرُ: عَلَى مَنْ يَشَاؤُهُ.

قولُهُ: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} أَنْ: مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنَى: “أَيْ”. لأَنَّ الوَحْيَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، والإِنْزَالُ بِالرُّوحِ عِبَارَةٌ عَنِ الوَحْيِ. أَوْ أَنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقيلَةِ، واسْمُها ضَميرُ الشَّأْنِ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: أَنَّ الشَّأْنَ أَقُولُ لَكُمْ: (إِنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا)، قالَهُ الزَمَخْشَرِيُّ: أَوْ أَنَّها مَصْدَرِيَّةٌ وَمِنْ شَأْنِها نَصْبُ المُضَارِعِ، ووُصِلَتْ بالأَمْرِ كَما في قولِكَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِأَنْ قُمْ. فإنْ قُلْنَا: إِنَّها المُفَسِّرةُ فَلا مَحَلَّ لَهَا، وَإِنْ قُلْنا: إِنَّها المُخَفَّفَةُ، أَوِ النَّاصِبَةُ فَفي مَحَلِّها ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُها: أَنَّها مَجْرورَةُ المَحَلِّ بَدَلًا مِنْ “الرُّوح”؛ لأَنَّ التَوْحِيدَ رُوْحٌ تَحْيا بِهِ النُّفُوسُ. وثانيها: أَنَّها فِي مَحَلِّ الجَرِّ عَلَى إِسْقَاطِ الخَافِضِ، كَمَا هوَ مَذْهَبُ الخَليلِ. والثالثُ: أَنَّها فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى إِسْقاطِهِ، وهوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والأَصْلُ: بِأَنْ أَنْذِرُوا، فَلَمَّا حُذِفَ الجارُّ جَرَى الخِلافُ المَشْهُورُ. و “أَنْذِرُوا” فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ، والألفُ فارقة. والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ للرُّوحِ، بِمَعْنَى الوَحْيِ الدَالِّ عَلَى القَوْلِ، أوْ “أَنْ” مَصْدَرِيَّةٌ، وجملةُ “أَنْذِرُوا” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِـ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ مَبْنِي عَلَى حَذْفِ النُّونِ لأَنَّهُ منَ الأفعالِ الخمسَةِ، وجُمْلَةُ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةُ مَعَ صِلَتِهَا في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ عَلَى كَوْنِهِ بِدَلًا مِنَ “الرُّوحِ” والتَقديرُ: يُنَزِّلُ المَلائكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، يُنَزِّلُ المَلائكةَ بإِنْذارِهم للنَّاسِ، و “أَنَّهُ” أَنَّ: حَرْفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ، والهاءُ: ضَميرُ الشَّأْنِ في مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمًا لها. و “لَاَ” نَافِيَةٌ تَعْمَلُ عَمَلَ “إنَّ”، وَ “إلَهَ” فِي مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمًا لَهَا، وَخَبَرُ “لَاَ” مَحْذُوفٌ جَوازًا تَقْديرُهُ: لا إِلَهَ مَوْجودٌ. و “إِلَاَ” أَدَاةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفَرَّغٍ، أوْ أَداةُ حصرٍ. و “أَنَا” ضَميرُ رَفْعٍ مُنْفَصِلٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ على البَدَلِ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ فِي خَبَرِ “لَاَ”، وجُمْلَةُ “لَا” فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “أَنَّ”، وَجُمْلَةُ “أَنَّ” فِي تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصُوبٍ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ لِـ “أَنْذِرُوا”، والتَقديرُ: أَنْ أَنْذِرُوا عَدَمَ وُجُودِ (أَوْ كَوْنِ) إِلَهٍ غَيْرِي. والإِنْذارُ قَدْ يَكونُ بِمَعْنَى الإِعْلامِ. يُقَالُ: نَذَرْتُهُ بِكَذا، وَأَنْذَرْتُهُ بِكَذا، أَيْ: أَعْلِمُوهُمُ التَّوْحيدَ.

قولُهُ: {فَاتَّقُونِ} الفاءُ: للتَفْريعِ، أَوْ هِي الفَصيحَةُ؛ أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تَقْديرُهُ: إِذا كانَ الأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ، مِنْ جَرَيَانِ عَادَتِهِ ـ تَعَالَى، بِتَنْزيلِ المَلائكَةِ عَلَى الأَنْبِياءِ، وأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُنْذِرُوا النَّاسَ أَنَّهُ لا شَريكَ لَهُ فِي الأُلُوهِيَّةِ، وأَرَدْتُمْ بَيَانَ مَا هُوَ اللَّازِمُ لَكُمْ، فأَقولُ لَكُمْ اتَّقوني. و “اتَّقُون” فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، والواوُ وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ، والنُّونُ نُونُ الوِقايَةِ، ويَاءُ المُتَكَلِّمِ المَحْذوفَةُ اجْتِزاءً عَنْها بِكَسْرَةِ نُونِ الوِقايَةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على المَفْعُوليَّةِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةِ هذهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ القَوْلِ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ، وَجُمْلَةُ “إذا” المُقَدَّرَةُ جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ. وفيها الْتِفاتٌ إِلى التَكَلُّمِ بَعْدَ الغَيْبَةِ.

قَرَأَ الجُمهورُ: {يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ} بِتَشْديدِ الزَّايِ، وبالتاءِ مِنْ فوقُ مَبْنِيًّا للمَعْلُومِ والفاعِلُ هوَ اللهُ تَعَالَى، و “المَلائِكَةَ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَليٍّ، والأَعْمَشُ، وأَبو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: “تَنَزَّلُ المَلائِكةُ” بِتَشْديدِ الزَّايِ، وبالتَاءِ مِنْ فوقُ أَيْضًا، لكنْ بالبِنَاءِ للمَفْعُولِ، فرُفِعِ “الملائكةُ” لقيامِهِ مَقامَ فاعِلِهِ. وَقَرَأَ الجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الزَايَ. وَقَرَأَ الحَسَنُ، والأَعْرَجُ، وأَبُو العَالِيَةِ والمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ “تَنَزَّلُ” بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ مِنْ فَوْقُ، وتَشْديدِ الزَايِ مَبْنِيًّا للفاعِلِ، والأَصْلُ: “تَتَنَزَّلُ” بِتَاءَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ “نُنَزِّلُ” بِنُونَيْنِ وَتَشْديدِ الزَايِ، و “المَلائكَةَ” نَصْبًا، وقرَأَ قَتَادَةُ كذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بالتَخْفيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِمَا شُذُوذٌ. ولَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الشذوذِ فيهِما، وَوَجْهُهُ: أَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مُضْمَرٌ غَائبٌ، وتَخْريجُهُ عَلَى الالْتِفاتِ.

الموسوعة القرآنية، فيض العليم، سورة النحل، الآية: 1


 
سُورَةُ النَّحْلِ (16)
 
سُمِّيتْ عندَ السلَفِ بِـ (سُورَةُ النَّحْلِ) لذَكْرِ النَّحْلِ فِيهَا وَهُوَ اسْمُهَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ النَّحْلِ لَمْ يُذْكَرْ فِي سُورَةٍ أُخْرَى. وتُسَمَّى أَيْضًا (سُورَةُ النِّعَمِ) ـ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، رُوِيَ ذلكَ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، وذلكَ لِمَا عَدَّدَ اللهُ فِيها مِنَ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ. ويَدُورُ الكلامُ فِيها حولَ ذِكْرِ النِّعَمِ وبَيَانِ مَظَاهِرِ القُدْرَةِ، ونِقاشِ المُشْرِكِينَ في عَقَائدِهِمْ، مَعَ التَعَرُّضِ لِيَوْمِ القِيامَةِ وَمَا فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ السَّابَقَةِ المُسْتَهْزِئينَ المُكَذِّبِينَ، وَذَكَرَ المَوْتَ، وَقالَ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ}، وكُلُّ ذَلِكَ يَتَنَاسَبُ هُنَا مَعَ أَوَّلِ السُّورَةِ هذِهِ.
عَدَدُ آياتِها مِئَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرونَ آيَةً بِلَا خِلَافٍ. وَوَقَعَ لِلْخَفَاجِيِّ عَنِ الدَّانِيِّ أَنَّهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ. وَلَعَلَّهُ خَطَأٌ أَوْ تَحْرِيفٌ أَوْ نَقْصٌ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا ثَلاثَ آياتٍ منْ آخِرِها، عَلى الأَرْجَحِ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحاقَ، وابْنُ جَريرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ قُتِلَ حَمْزَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَئِنْ أَظْهَرَني اللهُ عَلَيْهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ))، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. تَفْسِيرُ الطبريِّ: (14/132). وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ نَزَلَتِ النَّحْلُ كُلُّهَا بِمَكَّةَ إِلَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} إِلَى آخِرِهَا. وأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ بِمَكَّةَ. وأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مِثْلَهُ. وأَخْرَجَ أبو جعْفرٍ النَحَّاسُ مِنْ طَريقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: سُورَةُ النَّحْلِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوَى ثَلاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدينَةِ في مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْ أُحُدٍ. وعليهِ فقَد نَزَلَتْ فِي نَسْخِ عَزْمِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنْ أَظْفَرَهُ اللهُ بِهِمْ مُكَافَأَةً عَلَى تَمْثِيلِهِمْ بِحَمْزَةَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَهَا مَكِّيٌّ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} الآيةَ: 41، مِنْهَا فَهُوَ مَدَنِيٌّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 79، مِنْها: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ} مَا يُرَجِّحُ أَنَّ بَعْضَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ وَبَعْضَهَا مَدَنِيٌّ، وَبَعْضَهَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآيةِ: 110منها: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا}، وَبَعْضَهَا مُتَأَخِّرُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} الآية: 118، يَعْنِي بِمَا قَصَّ مِنْ قَبْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية: 146، سُورَة الْأَنْعَامِ، الْآيَاتِ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ: يَا آلَ غَالِبٍ اتَّبِعُوا ابْنَ أَخِي تُفْلِحُوا فوَ اللهَ إِنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ لِيَأْمُرَكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَرَوَى الإمامُ أَحْمَدُ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَهُ اللهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا هَذَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
وَقد نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَبْلَ سُورَةِ (الم) السَّجْدَةِ. وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
أَغْرَاضُهَا:
مُعْظَمُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ إِكْثَارٌ مُتَنَوِّعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَفَرُّدِ اللهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى فَسَادِ دِينِ الشِّرْكِ وَإِظْهَارِ شَنَاعَتِهِ. وَأَدِلَّةُ إِثْبَاتِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وَإِنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ قَائِمَة على أُصُولِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَابْتُدِئَتْ بِالْإِنْذَارِ مِنِ اقْتَرَبَ حُلُولُ مَا أُنْذِرَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ العَذَابِ الَّذِي كانوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وَتَلَاهُ تَقْريعُ الْمُشْرِكِينَ وَزَجْرُهُمْ عَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ باللهِ تعالى وَتَكْذِيبِهِمْ لنَبِيِّهِ ـ عليْهِ صلاةُ اللهِ وسلامُهُ. وَانْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ فَابْتُدِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ أُنَاسٍ وَحَيَوَاناتٍ وَنَبَاتاتٍ وسهولٍ وَجِبَالٍ وَبِحَارٍ ووديانٍ وأَنْهارٍ، وَأَعْرَاضِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وأَوصافهِما. وَمَا فِي أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ وَأَحْوَالِهِ مِنَ الْعِبَرِ والحِكَمِ والدَّلالاتِ.
وَخُصَّتِ النَّحْلُ وَثَمَرَاتُهَا بِالذِّكْرِ لِوَفْرَةِ مَنَافِعِ عَسَلِهَا، وَالِاعْتِبَارِ بِإِلْهَامِهَا إِلَى تَدْبِيرِ بُيُوتِهَا وَإِفْرَازِ شَهْدِهَا، ودقَّةِ نِظامِها الذي تَفوقُ البشريَّةِ بالتزامِها بِهِ، ولذلكَ يُعَدُّ مُجتمعُ النَّحْلِ منْ أرقى المجتمعاتِ نظامًا.
والتَّنْويهُ بالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ اقْتِرَابِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَإِبْطَالِ افْتِرَاءاتِ المُشْرِكِينَ عَلَى الْقُرْآنِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ تَكْوِينٌ كَتَكْوِينِ الْمَوْجُودَاتِ، فالذي ابْتَدَأَها قادرٌ على إعادَتِها كما خَلَقَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَالتَّحْذِيرُ مِمَّا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّتِي أَشْرَكَتْ بِاللهِ وَكَذَّبَتْ رُسُلَهُ ـ عَلَيْهِمُ صلاةُ اللهِ وسَلَامُهُ، مِنْ عَذَابٍ في الدُّنْيَا وَمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. وَقَابَلَ ذَلِكَ بِضِدِّهِ مِنْ نَعِيمِ المؤمنينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصَدِّقِينَ، الصَّابِرِينَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ وجاهَدُوا في سبيلِهِ، وَصَبَرُوا على ما لاقوا مِنْ ظُلْمٍ. وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الِارْتِدَادِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّرْخِيصُ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ مِنَ الْمُكْرَهِينَ فِي التُّقْيَةِ. وَالْأَمْرُ بِأُصُولٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مِنْ تَأْصِيلِ الْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعُهودِ المُبرَمَةِ، وَإِبْطَالِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ والإفْسَادِ في الأَرْضِ، وَنَقْضِ الْعُهُودِ والمَواثيقِ، وَالوعُدُ بِمَا يُنْتَظَرُ مِنْ جَزَاءٍ بِالْخَيْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالدَّلَائِلِ، وَالِامْتِنَانِ عَلَى النَّاسِ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ والْمَنَافِعِ الْمُنْتَظِمَةِ، وَالْمَحَاسِنِ، وَحُسْنِ الْمَنَاظِرِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، وَعَلَامَاتِ السَّيْرِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَمُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ بِأَضْدَادِهَا. وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ. وَالْإِنْذَارُ بِعَوَاقِبِ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.
ثُمَّ عَرَّضَ لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْبَةِ في الآية: 119، منها فقالَ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ثمَّ إنَّ مِلَاكَ طَرَائِقِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ هو: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} الآية: 125. مِنْ سُورَة النَّحْل. وأخيرًا: تَثْبيتُ الرَّسُولِ ـ عَلَيْهِ صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، وَوَعْدُهُ بِتَأْيِيدِ اللهِ إِيَّاهُ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
(1)
“بِسْمِ اللهِ” المُحيطِ بِدائِرَةِ الكَمَالِ، مَا شَاءَ فَعَلَ، فلا رَادَّ لِحُكْمهِ. “الرَّحْمَنِ” الذي عَمَّتْ نِعَمُهُ جَميعَ خَلْقِهِ، جَلِيلَهم وَحَقِيرَهم، كَبيرَهم وصَغيرَهُم. “الرَّحيمِ” الذي خَصَّ مَنْ شَاءَ مِنْ خلقِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ نِعْمَةِ الإيمانِ بِهِ وتوحيدِهِ، والنَّجَاةِ مِمَّا يُسْخِطُهُ بِمَا يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ.
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} وَعِيدٌ مَصُوغٌ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ بِأَنْ قَدْ حَلَّ ذَلِكَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ. فَإِنَّهُ لَمَّا خَتَمَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، سُورَةَ الحِجْرِ السابقةَ بِالإِشارَةِ إِلَى إِتْيانِ “اليَقِينِ”، وَهُوَ الصَالِحُ لِمَوْتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وكَشْفِ الغِطاءِ بإِتْيَانِ مَا يُوعَدُونَ مِمَّا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ، اسْتَهْزاءً مِنْهُمْ بِالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ، بَعْدَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ الدُنْيا، ابْتَدَأَ هَذِهِ الآيةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ خَتَمَ تِلْكَ بِاسْمِ الرَّبِ المُفْهِمِ للإحْسَانِ لُطْفًا بِالمُخَاطَبِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وافْتَتَحَ هَذِهِ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الجامِعِ لِجَميعِ مَعَاني الأَسْمَاءِ لأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِمَقامِ التَهْديدِ والوَعيدِ. ولِمَا سَيَأْتي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَعاني المُتَنَوِّعَةِ في أَثْناءِ هذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ، وَسَيُكَرَّرُ هَذا الاسْمُ فِيها تَكْريرًا تَعْلَمُ مِنْهُ صِحَّةَ هَذِهِ الدَعْوَى. فَجِيءَ بِالْمَاضِي الْمُرَادِ بِهِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ “فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ” عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِعْجَالِ حُلُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا يَحُلَّ بَعْدُ. وقالَ فيهِ جُمْهورُ المُفَسِّرينَ: إِنَّهُ يُريدُ بقولِهِ: “أَمْرُ اللهِ” القِيَامَةَ. وَفيها وَعِيدٌ لِلْكُفَّارِ، وَقِيلَ: المُرَادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الضَّحَّاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم: “أَتَى أَمر الله” قَالَ: خُرُوج مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَ “أَمْرُ اللهِ” مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَالْأَمْرُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَالْوَعْدِ بِمَعْنَى الْمَوْعُودِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ تَقْدِيرُهُ وَإِرَادَةُ حُصُولِهِ فِي الْأَجَلِ الْمُسَمَّى الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ.
و “اللهِ” أَيْ: المَلِكُ الأَعْظَمُ الذي لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى والصِفاتُ العُلَى، بِمَا يُذِلُّ الأَعْداءَ، وَيُعِزُّ الأَوْلِياءَ، ويَشْفِي صُدورَهم، وَيُقِرَّ أَعْيُنَهم. والكائناتُ كُلُّها، والحادثاتُ بِأَسْرِها مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ، أَيْ حَصَلَ أَمْرُ تَكْوينِهِ وَهوَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِهِ لأَنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْديرِهِ وتَيْسِيرِهِ، وقَضَائهِ وتَدْبيرِهِ؛ فَمَا يَحْصُلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضُرِّ، وَحُلْوٍ ومُرٍّ. فَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ ـ سبحانَهُ وتَعَالَى.
ونظيرُ هَذِهِ الآيةِ قَوْلُهُ مِنْ سُورةِ الأَنْبِيَاءِ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآيَةَ: 1، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} الآية: 63، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} الآيةَ: 17، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورةِ النَّجْم: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} الآيتان: 75 و 58، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ القَمَرِ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} الآية: 1، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وقد عَبَّرَ بِالمَاضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أَوْ: ثَبَتَ أَمْرُهُ وَقَضاؤُهُ، وأَنَّ كُلَّ آتٍ وَلا بُدَّ قَريبٌ، وَهذا الأُسْلوبُ في التَّعْبِيرِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ، ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} الْآيَةَ: 44، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الزُمَرِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ: 68، وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا في الآياتِ: 69 ـ 71، مِنَ السُّورَةِ ذاتِها: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. }. فَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهَا مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ. والمَعْنَى: أَنَّ الأَمْرَ المَوْعُودَ بِمَنْزِلَةِ المَاضِي، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبُ الوُقوعِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَهُ، لأَنَّهُ لا خَيْرَ لَكُمْ فِيهِ، ولا خَلاصَ لَكُمْ مِنْهُ ولا مَنَاصَ عَنْهُ.
قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ حُصُولِ شَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ، فَمَفْعُولُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ التَّعْجِيلُ بِهِ. وهو تَفْرِيعٌ عَلَى “أَتى أَمْرُ اللهِ”، وَهِيَ مِنَ الْمَقْصُودِ بِالْإِنْذَارِ. وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً لِأَنَّ اسْتِعْجَالَ الْعَذَابِ مِنْ خِصَالِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ عَذَابَ اللهِ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُونَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَهَكُّمًا لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ آتٍ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُضْمِرُونَ فِي نُفُوسِهِمِ اسْتِبْطَاءَهُ وَيُحِبُّونَ تَعْجِيلَهُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِمَا يَكونُ لا عَنْ سُؤَالٍ واسْتِعْجالٍ، وتَدبيرٍ مِنَ الخَلْقِ. وَالْآيَاتُ الْمُوَضِّحَةُ لِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ـ جَلَّ وَعَلَا، مِنْ سُورَةِ يُونُسُ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} الآية: 50، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} الْآيَةَ: 8، وقولِهِ تعالى مِنْ سورةِ الحج: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} الآية: 47، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ العَنْكَبوت: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الآيَةَ: 53، وَقَوْلِهِ بَعدَ ذَلِكَ في الآيَةِ: 54، مِنْ ذاتِ السُّورَةِ: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ (ص): {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} الآية: 16، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} الآية: 18، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
ولَمَّا كانَتِ العَجَلَةُ نَقْصًا، قالَ عَنْ هَذَا الإِخْبَارِ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” أَيُّها الأَعْداءُ اسْتِهْزَاءً بِهِ، وأَيُّها الأَوْلِياءُ اسْتِكْفاءً بِهِ واسْتِشْفاءً، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أَفْهَمَهُ العَطْفُ في قولِهِ تَعَالى مِنْ سورةِ الحِجْرِ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} الآية: 4، وقدْ تَقَدَّمَ؛ ويُجُوزُ أَنْ يَكونَ الضَّميرُ لـ “اللهِ” تَعَالَى، كما يَجُوزُ أَنْ يَعودَ على “أَمْرُ”.
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قالَ جِبْريلُ في سَرْدِ الوَحْيِ: “أتى أَمْرُ اللهِ”، وثَبَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قائمًا، فلَمَّا قالَ: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”، سَكَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمْرُ اللهِ” ذُعِرَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين، حَتَّى نَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَسَكَنُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ مِنْ مُسنَدِ أَبيهِ، وَأخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمر الله” قَامُوا، فَنَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”. قالَ أَنَسُ بْنُ مالكٍ، وسَهْلُ بْنُ سَعدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ، وَإِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَمَّا حَديثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فقد أَخْرَجَهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (3/222، (13352) و 3/278 (13995)، والبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: (8/131، بِرَقَم: (6504)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (8/208، بِرَقَمِ: (7515). وأَمَّا حَديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقَمِ: (4936)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحيحِهِ بِرَقَمِ: (2950). وللحديثِ أَطرافٌ كثيرةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما: كَانَ بَعْثُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَهْلِ السَّمَوَاتِ مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: اللهُ أَكْبَرُ قَامَتِ السَّاعَةُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا عُقُوبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وَالْعَذَابُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقُتِلَ النَّضْرُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. فَمَنْ قالَ: إِنَّ الأَمْرَ القِيامَةُ، قالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالى: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”: رَدٌّ عَلَى المُكَذِّبِينَ بالبَعْثِ بعد الموتِ، القائلينَ: مَتَى هَذَا الوَعْدُ؟. ولَمَّا كانَ الجَزْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَليَّةِ لا يَلِيقُ إِلَّا عِنْدَ نُفُوذِ الأَمْرِ، وَلَا نُفُوذَ إِلَّا لِمَنْ لا كُفْءَ لَهُ، وَكانَتِ العَجَلَةُ التي هِيَ الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ حِينِهِ الأَوْلى بِهِ، نَقْصًا ظاهرًا لا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وكانَ التَأْخِيرُ لا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُنَازِعٍ مُشَارِكٍ. أَمَّا أَصْحَابُ التَوْحيدِ، فلا يَسْتَعْجِلونَ شَيْئًا البتَّةَ باخْتِيارِهِمْ، لأَنَّهمْ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الإراداتُ والمُطالَبَاتُ، وَهُمْ خامِدونَ تَحْتَ جَرَيانِ تَصْريفِ الأَقْدارِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ إِيثارٌ ولا اخْتِيارٌ فَلا يَسْتَعْجِلونَ أَمْرًا، وإِذَا أَمَّلوا شَيْئًا، أَوْ أُخْبِروا بِحُصُولِ شَيْءٍ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ، بَلْ شَأْنُهم التَأَنِّي والثَبَاتُ والسُّكونُ، وَإِذا بَدَا مِنَ التَقْديرِ حُكْمٌ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَتَقَبَّلونَ مُفاجَأَةَ التَقْديرِ بِوَجْهٍ ضَاحِكٍ، ويَسْتَقْبِلُونَ مَا يَبْدُو لَهُمْ مِنَ الغَيْبِ بِالقَبُولِ، ويَلْقَوْنَ المَنْعَ والفُتُوحَ بالرِضَى، ويَحْمَدونَ الحَقَّ ـ جَلَّ وعَلا، عَلَى ذَلِكَ.
قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} مَعْنَاهُ تَعَاظَمَ ـ سُبحانَهُ، بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنْ أَوصافٍ تُماثلُ أَوْصَافَ الحَوادِثِ. فَنَزَّهَ نَفْسَهُ ـ سُبْحَانَهُ و تَعَالَى، تَنْزيهًا مُطْلَقًا جامِعًا، بِقولِهِ: “سُبْحَانَهُ” أَيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الاسْتِعْجَالِ، وَعَنْ جَميعِ صِفَاتِ النَّقْصِ و “تعالى”، أَيْ: تَعَالِيًا عَظيمًا جِدًّا “عَمَّا يُشْرِكُونَ” أَيْ: عَمَّا يَدَّعُونَ مِنْ أَنَّهُ لهُ شَريكٌ في ملكِهِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا، فَإِنَّهُ لا مَانِعَ لهُ مِمَّا يُريدُ فِعْلَهُ.
وقد وَرَدَ في أَسْبابِ النُّزُولِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّهُ قالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ شَيْءٌ قَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآية: 1، مِنْ سُورَةِ الأنبياءِ، فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْبَ السَّاعَةِ. فَلَمَّا امْتَدَّتِ الْأَيَّامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا تُخَوِّفُنَا بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: “أَتَى أَمْرُ اللهِ” فوَثَبَ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَفَعَ النَّاسُ رُؤوسَهمْ، فَنَزَلَ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَاطْمَأَنُّوا. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَسْبَابُ النُّزولِ للواحديِّ: (صَ: 278).
قولُهُ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} أَتَى: المشهورُ أَنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ لَفْظًا مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى؛ إِذِ المُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وإِنَّما أُبْرِزَ في صُورَةِ مَا وَقَعَ وانْقَضَى تَحْقيقًا لَهُ وَلِصِدْقِ المُخْبِرِ بِهِ. أَوْ أَنَّهُ عَلى بَابِهِ، والمُرادُ بِهِ مُقَدِّماتُهُ وَأَوائِلُهُ، وُهُوَ نَصْرُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقَدَّرِ عَلى آخِرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ. و “أَمْرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الفاءُ: حَرْفٌ للعطْفِ والتَفْريعِ، وربطِ المُسبّبِ بالسبَبِ، أو هي رابِطَةٌ لِجَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. و “لاَ” ناهيةٌ جازمةٌ. و “تَسْتَعْجِلُوهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ منْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والأَظْهَرُ أَنَّهُ عائدٌ لـ “أَمْرُ”، لأَنَّهُ هُوَ المُحَدَّثُ عَنْهُ، ويَجُوزُ: أَنْ يعودَ لـ “اللهِ”، أَيْ: فَلَا تَسْتَعْجِلُوا عَذَابَهُ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلِهَا “أَتَى أمرُ اللهِ”، عَلَى كَوْنِها مُسْتأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} سبحانهُ: مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا، والتقديرُ: أُسَبِّحُهُ سُبْحانًا، أَوْ سَبِّحُوهُ سُبْحانًا، وهو مُضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “وَتَعَالَى” الواوُ للعَطْفِ، و “تعالى” فِعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخِرِهِ، لتعذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ التَسْبيحِ، على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عَمَّا” هي “عَنْ” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بالفعلِ “تعالى”. أو بْـ “سُبْحَانَهُ” عَلَى سَبيلِ التَنَازُعِ. و “ما” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِ بحرفِ الجَرِّ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ، أَوْ هيَ مَصْدَرِيَّةٌ. و “يُشْرِكُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ صِلَةٌ لِلمَوصولِ الاسْمِيِّ “ما” المَوْصُولَةِ، فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هي صِفَةٌ لَهَا في مَحَلِّ الجَرِّ إِنْ كانتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: عَمَّا يُشْرِكونَهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ هي صِلَةٌ لِـ “ما” المصدريَّةِ إِنْ أُعْرِبتْ مَصْدَرِيَّةً، فلا عائدَ لها عِنْدَ الجُمْهُورِ، أَيْ: عَنْ إِشْراكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ.
قَرَأَ العامَّةُ: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} بالتَّاءِ خِطابًا للمُؤْمِنينَ، أَوْ للكافِرينَ. وقَرَأَ سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ “فلا يَسْتَعْجِلوهُ” بالياءِ مِنْ تَحْت عائدًا عَلَى الكُفَّارِ، أَوِ المُؤْمِنينَ.
قرَأَ العامَّةُ: {عَمَّا يُشْركونَ} بالياءِ عَوْدًا عَلَى الكُفَّارِ. وَقَرَأَ الأَخَوانِ (حمزة والكِسائيُّ): “تُشْرِكُون” بِتَاءِ الخِطَابِ جَرْيًا عَلَى الخِطَابِ فِي “يَسْتَعْجِلُوه”. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَالجَحْدَرِيُّ، وَجَمٌّ غَفيرٌ بالتاءِ مِنَ فوْقُ فِي الفِعْلَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ، وابْنُ جَريرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ؟. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: اسْتَقْرِئْ هَذَا. فَقَالَ: ((اقْرَأْ)). فَقَرَأَ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ لَهُ: أَوَلَمْ تُقْرِئْنِي كَذَا وَكَذَا؟. قَالَ: ((بَلَى، وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ: بِيَدَيَّ قَدْ أَحْسَنْتَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ)). فَفِضْتُ عَرَقًا، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أُبَيُّ، إِنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى سِتَّةٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قَالَ اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَالْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). مُسْنَدُ أَحْمَد: (5/124). والنَّسائيُّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ: (ص: 421)، وأَحاديثُ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كَثيرةٌ، حَتَّى قِيلَ بِتَواتُرِها، فَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ وَاحِدٍ وَعِشْرينَ صَحَابِيًّا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سُورَةُ النَّحْلِ

(16)

 

سُمِّيتْ عندَ السلَفِ بِـ (سُورَةُ النَّحْلِ) لذَكْرِ النَّحْلِ فِيهَا وَهُوَ اسْمُهَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ النَّحْلِ لَمْ يُذْكَرْ فِي سُورَةٍ أُخْرَى. وتُسَمَّى أَيْضًا (سُورَةُ النِّعَمِ) ـ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، رُوِيَ ذلكَ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، وذلكَ لِمَا عَدَّدَ اللهُ فِيها مِنَ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ. ويَدُورُ الكلامُ فِيها حولَ ذِكْرِ النِّعَمِ وبَيَانِ مَظَاهِرِ القُدْرَةِ، ونِقاشِ المُشْرِكِينَ في عَقَائدِهِمْ، مَعَ التَعَرُّضِ لِيَوْمِ القِيامَةِ وَمَا فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ السَّابَقَةِ المُسْتَهْزِئينَ المُكَذِّبِينَ، وَذَكَرَ المَوْتَ، وَقالَ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ}، وكُلُّ ذَلِكَ يَتَنَاسَبُ هُنَا مَعَ أَوَّلِ السُّورَةِ هذِهِ.

عَدَدُ آياتِها مِئَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرونَ آيَةً بِلَا خِلَافٍ. وَوَقَعَ لِلْخَفَاجِيِّ عَنِ الدَّانِيِّ أَنَّهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ. وَلَعَلَّهُ خَطَأٌ أَوْ تَحْرِيفٌ أَوْ نَقْصٌ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا ثَلاثَ آياتٍ منْ آخِرِها، عَلى الأَرْجَحِ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحاقَ، وابْنُ جَريرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ قُتِلَ حَمْزَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَئِنْ أَظْهَرَني اللهُ عَلَيْهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ))، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. تَفْسِيرُ الطبريِّ: (14/132). وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ نَزَلَتِ النَّحْلُ كُلُّهَا بِمَكَّةَ إِلَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} إِلَى آخِرِهَا. وأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ بِمَكَّةَ. وأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مِثْلَهُ. وأَخْرَجَ أبو جعْفرٍ النَحَّاسُ مِنْ طَريقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: سُورَةُ النَّحْلِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوَى ثَلاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدينَةِ في مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْ أُحُدٍ. وعليهِ فقَد نَزَلَتْ فِي نَسْخِ عَزْمِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنْ أَظْفَرَهُ اللهُ بِهِمْ مُكَافَأَةً عَلَى تَمْثِيلِهِمْ بِحَمْزَةَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَهَا مَكِّيٌّ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} الآيةَ: 41، مِنْهَا فَهُوَ مَدَنِيٌّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 79، مِنْها: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ} مَا يُرَجِّحُ أَنَّ بَعْضَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ وَبَعْضَهَا مَدَنِيٌّ، وَبَعْضَهَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآيةِ: 110منها: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا}، وَبَعْضَهَا مُتَأَخِّرُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} الآية: 118، يَعْنِي بِمَا قَصَّ مِنْ قَبْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية: 146، سُورَة الْأَنْعَامِ، الْآيَاتِ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ: يَا آلَ غَالِبٍ اتَّبِعُوا ابْنَ أَخِي تُفْلِحُوا فوَ اللهَ إِنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ لِيَأْمُرَكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَرَوَى الإمامُ أَحْمَدُ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَهُ اللهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا هَذَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.

وَقد نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَبْلَ سُورَةِ (الم) السَّجْدَةِ. وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.

أَغْرَاضُهَا:

مُعْظَمُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ إِكْثَارٌ مُتَنَوِّعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَفَرُّدِ اللهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى فَسَادِ دِينِ الشِّرْكِ وَإِظْهَارِ شَنَاعَتِهِ. وَأَدِلَّةُ إِثْبَاتِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وَإِنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ قَائِمَة على أُصُولِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَابْتُدِئَتْ بِالْإِنْذَارِ مِنِ اقْتَرَبَ حُلُولُ مَا أُنْذِرَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ العَذَابِ الَّذِي كانوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وَتَلَاهُ تَقْريعُ الْمُشْرِكِينَ وَزَجْرُهُمْ عَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ باللهِ تعالى وَتَكْذِيبِهِمْ لنَبِيِّهِ ـ عليْهِ صلاةُ اللهِ وسلامُهُ. وَانْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ فَابْتُدِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ أُنَاسٍ وَحَيَوَاناتٍ وَنَبَاتاتٍ وسهولٍ وَجِبَالٍ وَبِحَارٍ ووديانٍ وأَنْهارٍ، وَأَعْرَاضِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وأَوصافهِما. وَمَا فِي أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ وَأَحْوَالِهِ مِنَ الْعِبَرِ والحِكَمِ والدَّلالاتِ.

وَخُصَّتِ النَّحْلُ وَثَمَرَاتُهَا بِالذِّكْرِ لِوَفْرَةِ مَنَافِعِ عَسَلِهَا، وَالِاعْتِبَارِ بِإِلْهَامِهَا إِلَى تَدْبِيرِ بُيُوتِهَا وَإِفْرَازِ شَهْدِهَا، ودقَّةِ نِظامِها الذي تَفوقُ البشريَّةِ بالتزامِها بِهِ، ولذلكَ يُعَدُّ مُجتمعُ النَّحْلِ منْ أرقى المجتمعاتِ نظامًا.

والتَّنْويهُ بالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ اقْتِرَابِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَإِبْطَالِ افْتِرَاءاتِ المُشْرِكِينَ عَلَى الْقُرْآنِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ تَكْوِينٌ كَتَكْوِينِ الْمَوْجُودَاتِ، فالذي ابْتَدَأَها قادرٌ على إعادَتِها كما خَلَقَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.

وَالتَّحْذِيرُ مِمَّا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّتِي أَشْرَكَتْ بِاللهِ وَكَذَّبَتْ رُسُلَهُ ـ عَلَيْهِمُ صلاةُ اللهِ وسَلَامُهُ، مِنْ عَذَابٍ في الدُّنْيَا وَمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. وَقَابَلَ ذَلِكَ بِضِدِّهِ مِنْ نَعِيمِ المؤمنينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصَدِّقِينَ، الصَّابِرِينَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ وجاهَدُوا في سبيلِهِ، وَصَبَرُوا على ما لاقوا مِنْ ظُلْمٍ. وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الِارْتِدَادِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّرْخِيصُ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ مِنَ الْمُكْرَهِينَ فِي التُّقْيَةِ. وَالْأَمْرُ بِأُصُولٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مِنْ تَأْصِيلِ الْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعُهودِ المُبرَمَةِ، وَإِبْطَالِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ والإفْسَادِ في الأَرْضِ، وَنَقْضِ الْعُهُودِ والمَواثيقِ، وَالوعُدُ بِمَا يُنْتَظَرُ مِنْ جَزَاءٍ بِالْخَيْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.  وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالدَّلَائِلِ، وَالِامْتِنَانِ عَلَى النَّاسِ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ والْمَنَافِعِ الْمُنْتَظِمَةِ، وَالْمَحَاسِنِ، وَحُسْنِ الْمَنَاظِرِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، وَعَلَامَاتِ السَّيْرِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَمُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ بِأَضْدَادِهَا. وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ. وَالْإِنْذَارُ بِعَوَاقِبِ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ عَرَّضَ لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْبَةِ في الآية: 119، منها فقالَ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ثمَّ إنَّ مِلَاكَ طَرَائِقِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ هو: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} الآية: 125. مِنْ سُورَة النَّحْل. وأخيرًا: تَثْبيتُ الرَّسُولِ ـ عَلَيْهِ صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، وَوَعْدُهُ بِتَأْيِيدِ اللهِ إِيَّاهُ.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

(1)

“بِسْمِ اللهِ” المُحيطِ بِدائِرَةِ الكَمَالِ، مَا شَاءَ فَعَلَ، فلا رَادَّ لِحُكْمهِ. “الرَّحْمَنِ” الذي عَمَّتْ نِعَمُهُ جَميعَ خَلْقِهِ، جَلِيلَهم وَحَقِيرَهم، كَبيرَهم وصَغيرَهُم. “الرَّحيمِ” الذي خَصَّ مَنْ شَاءَ مِنْ خلقِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ نِعْمَةِ الإيمانِ بِهِ وتوحيدِهِ، والنَّجَاةِ مِمَّا يُسْخِطُهُ بِمَا يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ.

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} وَعِيدٌ مَصُوغٌ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ بِأَنْ قَدْ حَلَّ ذَلِكَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ. فَإِنَّهُ لَمَّا خَتَمَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، سُورَةَ الحِجْرِ السابقةَ بِالإِشارَةِ إِلَى إِتْيانِ “اليَقِينِ”، وَهُوَ الصَالِحُ لِمَوْتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وكَشْفِ الغِطاءِ بإِتْيَانِ مَا يُوعَدُونَ مِمَّا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ، اسْتَهْزاءً مِنْهُمْ بِالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ، بَعْدَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ الدُنْيا، ابْتَدَأَ هَذِهِ الآيةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ خَتَمَ تِلْكَ بِاسْمِ الرَّبِ المُفْهِمِ للإحْسَانِ لُطْفًا بِالمُخَاطَبِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وافْتَتَحَ هَذِهِ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الجامِعِ لِجَميعِ مَعَاني الأَسْمَاءِ لأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِمَقامِ التَهْديدِ والوَعيدِ. ولِمَا سَيَأْتي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَعاني المُتَنَوِّعَةِ في أَثْناءِ هذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ، وَسَيُكَرَّرُ هَذا الاسْمُ فِيها تَكْريرًا تَعْلَمُ مِنْهُ صِحَّةَ هَذِهِ الدَعْوَى. فَجِيءَ بِالْمَاضِي الْمُرَادِ بِهِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ “فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ” عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِعْجَالِ حُلُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا يَحُلَّ بَعْدُ. وقالَ فيهِ جُمْهورُ المُفَسِّرينَ: إِنَّهُ يُريدُ بقولِهِ: “أَمْرُ اللهِ” القِيَامَةَ. وَفيها وَعِيدٌ لِلْكُفَّارِ، وَقِيلَ: المُرَادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الضَّحَّاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم: “أَتَى أَمر الله” قَالَ: خُرُوج مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَ “أَمْرُ اللهِ” مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَالْأَمْرُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَالْوَعْدِ بِمَعْنَى الْمَوْعُودِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ تَقْدِيرُهُ وَإِرَادَةُ حُصُولِهِ فِي الْأَجَلِ الْمُسَمَّى الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ.

و “اللهِ” أَيْ: المَلِكُ الأَعْظَمُ الذي لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى والصِفاتُ العُلَى، بِمَا يُذِلُّ الأَعْداءَ، وَيُعِزُّ الأَوْلِياءَ، ويَشْفِي صُدورَهم، وَيُقِرَّ أَعْيُنَهم. والكائناتُ كُلُّها، والحادثاتُ بِأَسْرِها مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ، أَيْ حَصَلَ أَمْرُ تَكْوينِهِ وَهوَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِهِ لأَنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْديرِهِ وتَيْسِيرِهِ، وقَضَائهِ وتَدْبيرِهِ؛ فَمَا يَحْصُلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضُرِّ، وَحُلْوٍ ومُرٍّ. فَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ ـ سبحانَهُ وتَعَالَى.

ونظيرُ هَذِهِ الآيةِ قَوْلُهُ مِنْ سُورةِ الأَنْبِيَاءِ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآيَةَ: 1، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} الآية: 63، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} الآيةَ: 17، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورةِ النَّجْم: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} الآيتان: 75 و 58، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ القَمَرِ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} الآية: 1، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وقد عَبَّرَ بِالمَاضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أَوْ: ثَبَتَ أَمْرُهُ وَقَضاؤُهُ، وأَنَّ كُلَّ آتٍ وَلا بُدَّ قَريبٌ، وَهذا الأُسْلوبُ في التَّعْبِيرِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ، ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} الْآيَةَ: 44، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الزُمَرِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ: 68، وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا في الآياتِ: 69 ـ 71، مِنَ السُّورَةِ ذاتِها: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. }. فَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهَا مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ. والمَعْنَى: أَنَّ الأَمْرَ المَوْعُودَ بِمَنْزِلَةِ المَاضِي، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبُ الوُقوعِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَهُ، لأَنَّهُ لا خَيْرَ لَكُمْ فِيهِ، ولا خَلاصَ لَكُمْ مِنْهُ ولا مَنَاصَ عَنْهُ.

قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ حُصُولِ شَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ، فَمَفْعُولُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ التَّعْجِيلُ بِهِ. وهو تَفْرِيعٌ عَلَى “أَتى أَمْرُ اللهِ”، وَهِيَ مِنَ الْمَقْصُودِ بِالْإِنْذَارِ. وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً لِأَنَّ اسْتِعْجَالَ الْعَذَابِ مِنْ خِصَالِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ عَذَابَ اللهِ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُونَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَهَكُّمًا لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ آتٍ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُضْمِرُونَ فِي نُفُوسِهِمِ اسْتِبْطَاءَهُ وَيُحِبُّونَ تَعْجِيلَهُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِمَا يَكونُ لا عَنْ سُؤَالٍ واسْتِعْجالٍ، وتَدبيرٍ مِنَ الخَلْقِ. وَالْآيَاتُ الْمُوَضِّحَةُ لِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ـ جَلَّ وَعَلَا، مِنْ سُورَةِ يُونُسُ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} الآية: 50، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} الْآيَةَ: 8، وقولِهِ تعالى مِنْ سورةِ الحج: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} الآية: 47، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ العَنْكَبوت: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الآيَةَ: 53، وَقَوْلِهِ بَعدَ ذَلِكَ في الآيَةِ: 54، مِنْ ذاتِ السُّورَةِ: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ (ص): {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} الآية: 16، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} الآية: 18، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

ولَمَّا كانَتِ العَجَلَةُ نَقْصًا، قالَ عَنْ هَذَا الإِخْبَارِ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” أَيُّها الأَعْداءُ اسْتِهْزَاءً بِهِ، وأَيُّها الأَوْلِياءُ اسْتِكْفاءً بِهِ واسْتِشْفاءً، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أَفْهَمَهُ العَطْفُ في قولِهِ تَعَالى مِنْ سورةِ الحِجْرِ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} الآية: 4، وقدْ تَقَدَّمَ؛ ويُجُوزُ أَنْ يَكونَ الضَّميرُ لـ “اللهِ” تَعَالَى، كما يَجُوزُ أَنْ يَعودَ على “أَمْرُ”.

رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قالَ جِبْريلُ في سَرْدِ الوَحْيِ: “أتى أَمْرُ اللهِ”، وثَبَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قائمًا، فلَمَّا قالَ: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”، سَكَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمْرُ اللهِ” ذُعِرَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين، حَتَّى نَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَسَكَنُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ مِنْ مُسنَدِ أَبيهِ، وَأخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمر الله” قَامُوا، فَنَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”. قالَ أَنَسُ بْنُ مالكٍ، وسَهْلُ بْنُ سَعدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ، وَإِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَمَّا حَديثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فقد أَخْرَجَهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (3/222، (13352) و 3/278 (13995)، والبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: (8/131، بِرَقَم: (6504)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (8/208، بِرَقَمِ: (7515). وأَمَّا حَديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقَمِ: (4936)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحيحِهِ بِرَقَمِ: (2950). وللحديثِ أَطرافٌ كثيرةٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما: كَانَ بَعْثُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَهْلِ السَّمَوَاتِ مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: اللهُ أَكْبَرُ قَامَتِ السَّاعَةُ.

وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا عُقُوبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وَالْعَذَابُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقُتِلَ النَّضْرُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. فَمَنْ قالَ: إِنَّ الأَمْرَ القِيامَةُ، قالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالى: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”: رَدٌّ عَلَى المُكَذِّبِينَ بالبَعْثِ بعد الموتِ، القائلينَ: مَتَى هَذَا الوَعْدُ؟. ولَمَّا كانَ الجَزْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَليَّةِ لا يَلِيقُ إِلَّا عِنْدَ نُفُوذِ الأَمْرِ، وَلَا نُفُوذَ إِلَّا لِمَنْ لا كُفْءَ لَهُ، وَكانَتِ العَجَلَةُ التي هِيَ الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ حِينِهِ الأَوْلى بِهِ، نَقْصًا ظاهرًا لا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وكانَ التَأْخِيرُ لا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُنَازِعٍ مُشَارِكٍ. أَمَّا أَصْحَابُ التَوْحيدِ، فلا يَسْتَعْجِلونَ شَيْئًا البتَّةَ باخْتِيارِهِمْ، لأَنَّهمْ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الإراداتُ والمُطالَبَاتُ، وَهُمْ خامِدونَ تَحْتَ جَرَيانِ تَصْريفِ الأَقْدارِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ إِيثارٌ ولا اخْتِيارٌ فَلا يَسْتَعْجِلونَ أَمْرًا، وإِذَا أَمَّلوا شَيْئًا، أَوْ أُخْبِروا بِحُصُولِ شَيْءٍ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ، بَلْ شَأْنُهم التَأَنِّي والثَبَاتُ والسُّكونُ، وَإِذا بَدَا مِنَ التَقْديرِ حُكْمٌ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَتَقَبَّلونَ مُفاجَأَةَ التَقْديرِ بِوَجْهٍ ضَاحِكٍ، ويَسْتَقْبِلُونَ مَا يَبْدُو لَهُمْ مِنَ الغَيْبِ بِالقَبُولِ، ويَلْقَوْنَ المَنْعَ والفُتُوحَ بالرِضَى، ويَحْمَدونَ الحَقَّ ـ جَلَّ وعَلا، عَلَى ذَلِكَ.

قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} مَعْنَاهُ تَعَاظَمَ ـ سُبحانَهُ، بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنْ أَوصافٍ تُماثلُ أَوْصَافَ الحَوادِثِ. فَنَزَّهَ نَفْسَهُ ـ سُبْحَانَهُ و تَعَالَى، تَنْزيهًا مُطْلَقًا جامِعًا، بِقولِهِ: “سُبْحَانَهُ” أَيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الاسْتِعْجَالِ، وَعَنْ جَميعِ صِفَاتِ النَّقْصِ و “تعالى”، أَيْ: تَعَالِيًا عَظيمًا جِدًّا “عَمَّا يُشْرِكُونَ” أَيْ: عَمَّا يَدَّعُونَ مِنْ أَنَّهُ لهُ شَريكٌ في ملكِهِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا، فَإِنَّهُ لا مَانِعَ لهُ مِمَّا يُريدُ فِعْلَهُ.

وقد وَرَدَ في أَسْبابِ النُّزُولِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّهُ قالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ شَيْءٌ قَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآية: 1، مِنْ سُورَةِ الأنبياءِ، فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْبَ السَّاعَةِ. فَلَمَّا امْتَدَّتِ الْأَيَّامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا تُخَوِّفُنَا بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: “أَتَى أَمْرُ اللهِ” فوَثَبَ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَفَعَ النَّاسُ رُؤوسَهمْ، فَنَزَلَ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَاطْمَأَنُّوا. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَسْبَابُ النُّزولِ للواحديِّ: (صَ: 278).

قولُهُ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} أَتَى: المشهورُ أَنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ لَفْظًا مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى؛ إِذِ المُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وإِنَّما أُبْرِزَ في صُورَةِ مَا وَقَعَ وانْقَضَى تَحْقيقًا لَهُ وَلِصِدْقِ المُخْبِرِ بِهِ. أَوْ أَنَّهُ عَلى بَابِهِ، والمُرادُ بِهِ مُقَدِّماتُهُ وَأَوائِلُهُ، وُهُوَ نَصْرُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقَدَّرِ عَلى آخِرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ. و “أَمْرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الفاءُ: حَرْفٌ للعطْفِ والتَفْريعِ، وربطِ المُسبّبِ بالسبَبِ، أو هي رابِطَةٌ لِجَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. و “لاَ” ناهيةٌ جازمةٌ. و “تَسْتَعْجِلُوهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ منْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والأَظْهَرُ أَنَّهُ عائدٌ لـ “أَمْرُ”، لأَنَّهُ هُوَ المُحَدَّثُ عَنْهُ، ويَجُوزُ: أَنْ يعودَ لـ “اللهِ”، أَيْ: فَلَا تَسْتَعْجِلُوا عَذَابَهُ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلِهَا “أَتَى أمرُ اللهِ”، عَلَى كَوْنِها مُسْتأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.  

قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} سبحانهُ: مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا، والتقديرُ: أُسَبِّحُهُ سُبْحانًا، أَوْ سَبِّحُوهُ سُبْحانًا، وهو مُضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “وَتَعَالَى” الواوُ للعَطْفِ، و “تعالى” فِعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخِرِهِ، لتعذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ التَسْبيحِ، على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عَمَّا” هي “عَنْ” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بالفعلِ “تعالى”. أو بْـ “سُبْحَانَهُ” عَلَى سَبيلِ التَنَازُعِ. و “ما” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِ بحرفِ الجَرِّ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ، أَوْ هيَ مَصْدَرِيَّةٌ. و “يُشْرِكُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ صِلَةٌ لِلمَوصولِ الاسْمِيِّ “ما” المَوْصُولَةِ، فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هي صِفَةٌ لَهَا في مَحَلِّ الجَرِّ إِنْ كانتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: عَمَّا يُشْرِكونَهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ هي صِلَةٌ لِـ “ما” المصدريَّةِ إِنْ أُعْرِبتْ مَصْدَرِيَّةً، فلا عائدَ لها عِنْدَ الجُمْهُورِ، أَيْ: عَنْ إِشْراكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ.

 

قَرَأَ العامَّةُ: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} بالتَّاءِ خِطابًا للمُؤْمِنينَ، أَوْ للكافِرينَ. وقَرَأَ سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ “فلا يَسْتَعْجِلوهُ” بالياءِ مِنْ تَحْت عائدًا عَلَى الكُفَّارِ، أَوِ المُؤْمِنينَ.

قرَأَ العامَّةُ: {عَمَّا يُشْركونَ} بالياءِ عَوْدًا عَلَى الكُفَّارِ. وَقَرَأَ الأَخَوانِ (حمزة والكِسائيُّ): “تُشْرِكُون” بِتَاءِ الخِطَابِ جَرْيًا عَلَى الخِطَابِ فِي “يَسْتَعْجِلُوه”. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَالجَحْدَرِيُّ، وَجَمٌّ غَفيرٌ بالتاءِ مِنَ فوْقُ فِي الفِعْلَيْنِ.

وَأَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ، وابْنُ جَريرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ؟. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: اسْتَقْرِئْ هَذَا. فَقَالَ: ((اقْرَأْ)). فَقَرَأَ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ لَهُ: أَوَلَمْ تُقْرِئْنِي كَذَا وَكَذَا؟. قَالَ: ((بَلَى، وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ: بِيَدَيَّ قَدْ أَحْسَنْتَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ)). فَفِضْتُ عَرَقًا، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أُبَيُّ، إِنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى سِتَّةٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قَالَ اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَالْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). مُسْنَدُ أَحْمَد: (5/124). والنَّسائيُّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ: (ص: 421)، وأَحاديثُ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كَثيرةٌ، حَتَّى قِيلَ بِتَواتُرِها، فَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ وَاحِدٍ وَعِشْرينَ صَحَابِيًّا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سُورَةُ النَّحْلِ

(16)

 

سُمِّيتْ عندَ السلَفِ بِـ (سُورَةُ النَّحْلِ) لذَكْرِ النَّحْلِ فِيهَا وَهُوَ اسْمُهَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ النَّحْلِ لَمْ يُذْكَرْ فِي سُورَةٍ أُخْرَى. وتُسَمَّى أَيْضًا (سُورَةُ النِّعَمِ) ـ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، رُوِيَ ذلكَ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، وذلكَ لِمَا عَدَّدَ اللهُ فِيها مِنَ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ. ويَدُورُ الكلامُ فِيها حولَ ذِكْرِ النِّعَمِ وبَيَانِ مَظَاهِرِ القُدْرَةِ، ونِقاشِ المُشْرِكِينَ في عَقَائدِهِمْ، مَعَ التَعَرُّضِ لِيَوْمِ القِيامَةِ وَمَا فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ السَّابَقَةِ المُسْتَهْزِئينَ المُكَذِّبِينَ، وَذَكَرَ المَوْتَ، وَقالَ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ}، وكُلُّ ذَلِكَ يَتَنَاسَبُ هُنَا مَعَ أَوَّلِ السُّورَةِ هذِهِ.

عَدَدُ آياتِها مِئَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرونَ آيَةً بِلَا خِلَافٍ. وَوَقَعَ لِلْخَفَاجِيِّ عَنِ الدَّانِيِّ أَنَّهَا نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ. وَلَعَلَّهُ خَطَأٌ أَوْ تَحْرِيفٌ أَوْ نَقْصٌ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ إِلَّا ثَلاثَ آياتٍ منْ آخِرِها، عَلى الأَرْجَحِ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحاقَ، وابْنُ جَريرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ قُتِلَ حَمْزَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَئِنْ أَظْهَرَني اللهُ عَلَيْهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ))، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. تَفْسِيرُ الطبريِّ: (14/132). وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ نَزَلَتِ النَّحْلُ كُلُّهَا بِمَكَّةَ إِلَا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} إِلَى آخِرِهَا. وأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ بِمَكَّةَ. وأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مِثْلَهُ. وأَخْرَجَ أبو جعْفرٍ النَحَّاسُ مِنْ طَريقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: سُورَةُ النَّحْلِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوَى ثَلاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدينَةِ في مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنْ أُحُدٍ. وعليهِ فقَد نَزَلَتْ فِي نَسْخِ عَزْمِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنْ أَظْفَرَهُ اللهُ بِهِمْ مُكَافَأَةً عَلَى تَمْثِيلِهِمْ بِحَمْزَةَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَهَا مَكِّيٌّ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} الآيةَ: 41، مِنْهَا فَهُوَ مَدَنِيٌّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 79، مِنْها: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ} مَا يُرَجِّحُ أَنَّ بَعْضَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ وَبَعْضَهَا مَدَنِيٌّ، وَبَعْضَهَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآيةِ: 110منها: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا}، وَبَعْضَهَا مُتَأَخِّرُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} الآية: 118، يَعْنِي بِمَا قَصَّ مِنْ قَبْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية: 146، سُورَة الْأَنْعَامِ، الْآيَاتِ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَرَأْتُهَا عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ: يَا آلَ غَالِبٍ اتَّبِعُوا ابْنَ أَخِي تُفْلِحُوا فوَ اللهَ إِنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ لِيَأْمُرَكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَرَوَى الإمامُ أَحْمَدُ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَهُ اللهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا هَذَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.

وَقد نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَبْلَ سُورَةِ (الم) السَّجْدَةِ. وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.

أَغْرَاضُهَا:

مُعْظَمُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ إِكْثَارٌ مُتَنَوِّعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَفَرُّدِ اللهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى فَسَادِ دِينِ الشِّرْكِ وَإِظْهَارِ شَنَاعَتِهِ. وَأَدِلَّةُ إِثْبَاتِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وَإِنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ قَائِمَة على أُصُولِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَابْتُدِئَتْ بِالْإِنْذَارِ مِنِ اقْتَرَبَ حُلُولُ مَا أُنْذِرَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ العَذَابِ الَّذِي كانوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وَتَلَاهُ تَقْريعُ الْمُشْرِكِينَ وَزَجْرُهُمْ عَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ باللهِ تعالى وَتَكْذِيبِهِمْ لنَبِيِّهِ ـ عليْهِ صلاةُ اللهِ وسلامُهُ. وَانْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ فَابْتُدِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ أُنَاسٍ وَحَيَوَاناتٍ وَنَبَاتاتٍ وسهولٍ وَجِبَالٍ وَبِحَارٍ ووديانٍ وأَنْهارٍ، وَأَعْرَاضِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وأَوصافهِما. وَمَا فِي أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ وَأَحْوَالِهِ مِنَ الْعِبَرِ والحِكَمِ والدَّلالاتِ.

وَخُصَّتِ النَّحْلُ وَثَمَرَاتُهَا بِالذِّكْرِ لِوَفْرَةِ مَنَافِعِ عَسَلِهَا، وَالِاعْتِبَارِ بِإِلْهَامِهَا إِلَى تَدْبِيرِ بُيُوتِهَا وَإِفْرَازِ شَهْدِهَا، ودقَّةِ نِظامِها الذي تَفوقُ البشريَّةِ بالتزامِها بِهِ، ولذلكَ يُعَدُّ مُجتمعُ النَّحْلِ منْ أرقى المجتمعاتِ نظامًا.

والتَّنْويهُ بالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ اقْتِرَابِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَإِبْطَالِ افْتِرَاءاتِ المُشْرِكِينَ عَلَى الْقُرْآنِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَأَنَّهُ تَكْوِينٌ كَتَكْوِينِ الْمَوْجُودَاتِ، فالذي ابْتَدَأَها قادرٌ على إعادَتِها كما خَلَقَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.

وَالتَّحْذِيرُ مِمَّا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّتِي أَشْرَكَتْ بِاللهِ وَكَذَّبَتْ رُسُلَهُ ـ عَلَيْهِمُ صلاةُ اللهِ وسَلَامُهُ، مِنْ عَذَابٍ في الدُّنْيَا وَمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. وَقَابَلَ ذَلِكَ بِضِدِّهِ مِنْ نَعِيمِ المؤمنينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصَدِّقِينَ، الصَّابِرِينَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ وجاهَدُوا في سبيلِهِ، وَصَبَرُوا على ما لاقوا مِنْ ظُلْمٍ. وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الِارْتِدَادِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّرْخِيصُ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ مِنَ الْمُكْرَهِينَ فِي التُّقْيَةِ. وَالْأَمْرُ بِأُصُولٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ مِنْ تَأْصِيلِ الْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعُهودِ المُبرَمَةِ، وَإِبْطَالِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ والإفْسَادِ في الأَرْضِ، وَنَقْضِ الْعُهُودِ والمَواثيقِ، وَالوعُدُ بِمَا يُنْتَظَرُ مِنْ جَزَاءٍ بِالْخَيْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.  وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالدَّلَائِلِ، وَالِامْتِنَانِ عَلَى النَّاسِ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ والْمَنَافِعِ الْمُنْتَظِمَةِ، وَالْمَحَاسِنِ، وَحُسْنِ الْمَنَاظِرِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، وَعَلَامَاتِ السَّيْرِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَمُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ بِأَضْدَادِهَا. وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ. وَالْإِنْذَارُ بِعَوَاقِبِ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ عَرَّضَ لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْبَةِ في الآية: 119، منها فقالَ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ {ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ثمَّ إنَّ مِلَاكَ طَرَائِقِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ هو: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} الآية: 125. مِنْ سُورَة النَّحْل. وأخيرًا: تَثْبيتُ الرَّسُولِ ـ عَلَيْهِ صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ، وَوَعْدُهُ بِتَأْيِيدِ اللهِ إِيَّاهُ.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

(1)

“بِسْمِ اللهِ” المُحيطِ بِدائِرَةِ الكَمَالِ، مَا شَاءَ فَعَلَ، فلا رَادَّ لِحُكْمهِ. “الرَّحْمَنِ” الذي عَمَّتْ نِعَمُهُ جَميعَ خَلْقِهِ، جَلِيلَهم وَحَقِيرَهم، كَبيرَهم وصَغيرَهُم. “الرَّحيمِ” الذي خَصَّ مَنْ شَاءَ مِنْ خلقِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ نِعْمَةِ الإيمانِ بِهِ وتوحيدِهِ، والنَّجَاةِ مِمَّا يُسْخِطُهُ بِمَا يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ.

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} وَعِيدٌ مَصُوغٌ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ بِأَنْ قَدْ حَلَّ ذَلِكَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ. فَإِنَّهُ لَمَّا خَتَمَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، سُورَةَ الحِجْرِ السابقةَ بِالإِشارَةِ إِلَى إِتْيانِ “اليَقِينِ”، وَهُوَ الصَالِحُ لِمَوْتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وكَشْفِ الغِطاءِ بإِتْيَانِ مَا يُوعَدُونَ مِمَّا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ، اسْتَهْزاءً مِنْهُمْ بِالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ، بَعْدَ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَذَابِ الدُنْيا، ابْتَدَأَ هَذِهِ الآيةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ خَتَمَ تِلْكَ بِاسْمِ الرَّبِ المُفْهِمِ للإحْسَانِ لُطْفًا بِالمُخَاطَبِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وافْتَتَحَ هَذِهِ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الجامِعِ لِجَميعِ مَعَاني الأَسْمَاءِ لأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِمَقامِ التَهْديدِ والوَعيدِ. ولِمَا سَيَأْتي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَعاني المُتَنَوِّعَةِ في أَثْناءِ هذِهِ السُّورَةِ المُبارَكَةِ، وَسَيُكَرَّرُ هَذا الاسْمُ فِيها تَكْريرًا تَعْلَمُ مِنْهُ صِحَّةَ هَذِهِ الدَعْوَى. فَجِيءَ بِالْمَاضِي الْمُرَادِ بِهِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ “فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ” عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِعْجَالِ حُلُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا يَحُلَّ بَعْدُ. وقالَ فيهِ جُمْهورُ المُفَسِّرينَ: إِنَّهُ يُريدُ بقولِهِ: “أَمْرُ اللهِ” القِيَامَةَ. وَفيها وَعِيدٌ لِلْكُفَّارِ، وَقِيلَ: المُرَادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الضَّحَّاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم: “أَتَى أَمر الله” قَالَ: خُرُوج مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَ “أَمْرُ اللهِ” مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَالْأَمْرُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَالْوَعْدِ بِمَعْنَى الْمَوْعُودِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ تَقْدِيرُهُ وَإِرَادَةُ حُصُولِهِ فِي الْأَجَلِ الْمُسَمَّى الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ.

و “اللهِ” أَيْ: المَلِكُ الأَعْظَمُ الذي لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى والصِفاتُ العُلَى، بِمَا يُذِلُّ الأَعْداءَ، وَيُعِزُّ الأَوْلِياءَ، ويَشْفِي صُدورَهم، وَيُقِرَّ أَعْيُنَهم. والكائناتُ كُلُّها، والحادثاتُ بِأَسْرِها مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ، أَيْ حَصَلَ أَمْرُ تَكْوينِهِ وَهوَ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِهِ لأَنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْديرِهِ وتَيْسِيرِهِ، وقَضَائهِ وتَدْبيرِهِ؛ فَمَا يَحْصُلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضُرِّ، وَحُلْوٍ ومُرٍّ. فَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِهِ ـ سبحانَهُ وتَعَالَى.

ونظيرُ هَذِهِ الآيةِ قَوْلُهُ مِنْ سُورةِ الأَنْبِيَاءِ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآيَةَ: 1، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} الآية: 63، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} الآيةَ: 17، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورةِ النَّجْم: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} الآيتان: 75 و 58، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ القَمَرِ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} الآية: 1، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وقد عَبَّرَ بِالمَاضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أَوْ: ثَبَتَ أَمْرُهُ وَقَضاؤُهُ، وأَنَّ كُلَّ آتٍ وَلا بُدَّ قَريبٌ، وَهذا الأُسْلوبُ في التَّعْبِيرِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ، ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} الْآيَةَ: 44، وَقَوْلُهُ مِنْ سُورَةِ الزُمَرِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} الْآيَةَ: 68، وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا في الآياتِ: 69 ـ 71، مِنَ السُّورَةِ ذاتِها: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. }. فَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهَا مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ. والمَعْنَى: أَنَّ الأَمْرَ المَوْعُودَ بِمَنْزِلَةِ المَاضِي، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبُ الوُقوعِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَهُ، لأَنَّهُ لا خَيْرَ لَكُمْ فِيهِ، ولا خَلاصَ لَكُمْ مِنْهُ ولا مَنَاصَ عَنْهُ.

قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ حُصُولِ شَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ، فَمَفْعُولُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ التَّعْجِيلُ بِهِ. وهو تَفْرِيعٌ عَلَى “أَتى أَمْرُ اللهِ”، وَهِيَ مِنَ الْمَقْصُودِ بِالْإِنْذَارِ. وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً لِأَنَّ اسْتِعْجَالَ الْعَذَابِ مِنْ خِصَالِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ عَذَابَ اللهِ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُونَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَهَكُّمًا لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ آتٍ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُضْمِرُونَ فِي نُفُوسِهِمِ اسْتِبْطَاءَهُ وَيُحِبُّونَ تَعْجِيلَهُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِمَا يَكونُ لا عَنْ سُؤَالٍ واسْتِعْجالٍ، وتَدبيرٍ مِنَ الخَلْقِ. وَالْآيَاتُ الْمُوَضِّحَةُ لِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ـ جَلَّ وَعَلَا، مِنْ سُورَةِ يُونُسُ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} الآية: 50، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ هود: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} الْآيَةَ: 8، وقولِهِ تعالى مِنْ سورةِ الحج: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} الآية: 47، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ العَنْكَبوت: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} الآيَةَ: 53، وَقَوْلِهِ بَعدَ ذَلِكَ في الآيَةِ: 54، مِنْ ذاتِ السُّورَةِ: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ (ص): {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} الآية: 16، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} الآية: 18، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

ولَمَّا كانَتِ العَجَلَةُ نَقْصًا، قالَ عَنْ هَذَا الإِخْبَارِ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” أَيُّها الأَعْداءُ اسْتِهْزَاءً بِهِ، وأَيُّها الأَوْلِياءُ اسْتِكْفاءً بِهِ واسْتِشْفاءً، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا أَفْهَمَهُ العَطْفُ في قولِهِ تَعَالى مِنْ سورةِ الحِجْرِ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} الآية: 4، وقدْ تَقَدَّمَ؛ ويُجُوزُ أَنْ يَكونَ الضَّميرُ لـ “اللهِ” تَعَالَى، كما يَجُوزُ أَنْ يَعودَ على “أَمْرُ”.

رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا قالَ جِبْريلُ في سَرْدِ الوَحْيِ: “أتى أَمْرُ اللهِ”، وثَبَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قائمًا، فلَمَّا قالَ: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”، سَكَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمْرُ اللهِ” ذُعِرَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين، حَتَّى نَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَسَكَنُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ مِنْ مُسنَدِ أَبيهِ، وَأخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ “أَتَى أَمر الله” قَامُوا، فَنَزَلَتْ “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”. قالَ أَنَسُ بْنُ مالكٍ، وسَهْلُ بْنُ سَعدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ، وَإِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَمَّا حَديثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فقد أَخْرَجَهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (3/222، (13352) و 3/278 (13995)، والبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: (8/131، بِرَقَم: (6504)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (8/208، بِرَقَمِ: (7515). وأَمَّا حَديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقَمِ: (4936)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحيحِهِ بِرَقَمِ: (2950). وللحديثِ أَطرافٌ كثيرةٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما: كَانَ بَعْثُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَهْلِ السَّمَوَاتِ مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: اللهُ أَكْبَرُ قَامَتِ السَّاعَةُ.

وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا عُقُوبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وَالْعَذَابُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقُتِلَ النَّضْرُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. فَمَنْ قالَ: إِنَّ الأَمْرَ القِيامَةُ، قالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالى: “فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ”: رَدٌّ عَلَى المُكَذِّبِينَ بالبَعْثِ بعد الموتِ، القائلينَ: مَتَى هَذَا الوَعْدُ؟. ولَمَّا كانَ الجَزْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَليَّةِ لا يَلِيقُ إِلَّا عِنْدَ نُفُوذِ الأَمْرِ، وَلَا نُفُوذَ إِلَّا لِمَنْ لا كُفْءَ لَهُ، وَكانَتِ العَجَلَةُ التي هِيَ الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ حِينِهِ الأَوْلى بِهِ، نَقْصًا ظاهرًا لا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وكانَ التَأْخِيرُ لا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُنَازِعٍ مُشَارِكٍ. أَمَّا أَصْحَابُ التَوْحيدِ، فلا يَسْتَعْجِلونَ شَيْئًا البتَّةَ باخْتِيارِهِمْ، لأَنَّهمْ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الإراداتُ والمُطالَبَاتُ، وَهُمْ خامِدونَ تَحْتَ جَرَيانِ تَصْريفِ الأَقْدارِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ إِيثارٌ ولا اخْتِيارٌ فَلا يَسْتَعْجِلونَ أَمْرًا، وإِذَا أَمَّلوا شَيْئًا، أَوْ أُخْبِروا بِحُصُولِ شَيْءٍ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ، بَلْ شَأْنُهم التَأَنِّي والثَبَاتُ والسُّكونُ، وَإِذا بَدَا مِنَ التَقْديرِ حُكْمٌ فَلَا اسْتِعْجَالَ لَهُمْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَتَقَبَّلونَ مُفاجَأَةَ التَقْديرِ بِوَجْهٍ ضَاحِكٍ، ويَسْتَقْبِلُونَ مَا يَبْدُو لَهُمْ مِنَ الغَيْبِ بِالقَبُولِ، ويَلْقَوْنَ المَنْعَ والفُتُوحَ بالرِضَى، ويَحْمَدونَ الحَقَّ ـ جَلَّ وعَلا، عَلَى ذَلِكَ.

قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} مَعْنَاهُ تَعَاظَمَ ـ سُبحانَهُ، بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنْ أَوصافٍ تُماثلُ أَوْصَافَ الحَوادِثِ. فَنَزَّهَ نَفْسَهُ ـ سُبْحَانَهُ و تَعَالَى، تَنْزيهًا مُطْلَقًا جامِعًا، بِقولِهِ: “سُبْحَانَهُ” أَيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الاسْتِعْجَالِ، وَعَنْ جَميعِ صِفَاتِ النَّقْصِ و “تعالى”، أَيْ: تَعَالِيًا عَظيمًا جِدًّا “عَمَّا يُشْرِكُونَ” أَيْ: عَمَّا يَدَّعُونَ مِنْ أَنَّهُ لهُ شَريكٌ في ملكِهِ، تعالى اللهُ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا، فَإِنَّهُ لا مَانِعَ لهُ مِمَّا يُريدُ فِعْلَهُ.

وقد وَرَدَ في أَسْبابِ النُّزُولِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّهُ قالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ شَيْءٌ قَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} الآية: 1، مِنْ سُورَةِ الأنبياءِ، فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْبَ السَّاعَةِ. فَلَمَّا امْتَدَّتِ الْأَيَّامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا تُخَوِّفُنَا بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: “أَتَى أَمْرُ اللهِ” فوَثَبَ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَفَعَ النَّاسُ رُؤوسَهمْ، فَنَزَلَ: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” فَاطْمَأَنُّوا. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي)). أَسْبَابُ النُّزولِ للواحديِّ: (صَ: 278).

قولُهُ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} أَتَى: المشهورُ أَنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ لَفْظًا مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى؛ إِذِ المُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وإِنَّما أُبْرِزَ في صُورَةِ مَا وَقَعَ وانْقَضَى تَحْقيقًا لَهُ وَلِصِدْقِ المُخْبِرِ بِهِ. أَوْ أَنَّهُ عَلى بَابِهِ، والمُرادُ بِهِ مُقَدِّماتُهُ وَأَوائِلُهُ، وُهُوَ نَصْرُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ المُقَدَّرِ عَلى آخِرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ. و “أَمْرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، وهو مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.

قولُهُ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الفاءُ: حَرْفٌ للعطْفِ والتَفْريعِ، وربطِ المُسبّبِ بالسبَبِ، أو هي رابِطَةٌ لِجَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. و “لاَ” ناهيةٌ جازمةٌ. و “تَسْتَعْجِلُوهُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مجزومٌ بها، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ منْ آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والأَظْهَرُ أَنَّهُ عائدٌ لـ “أَمْرُ”، لأَنَّهُ هُوَ المُحَدَّثُ عَنْهُ، ويَجُوزُ: أَنْ يعودَ لـ “اللهِ”، أَيْ: فَلَا تَسْتَعْجِلُوا عَذَابَهُ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلِهَا “أَتَى أمرُ اللهِ”، عَلَى كَوْنِها مُسْتأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.  

قولُهُ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} سبحانهُ: مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا، والتقديرُ: أُسَبِّحُهُ سُبْحانًا، أَوْ سَبِّحُوهُ سُبْحانًا، وهو مُضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و “وَتَعَالَى” الواوُ للعَطْفِ، و “تعالى” فِعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخِرِهِ، لتعذُّرِ ظهورِهِ على الألِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “اللهِ” تعالى، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ التَسْبيحِ، على كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “عَمَّا” هي “عَنْ” حَرْفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بالفعلِ “تعالى”. أو بْـ “سُبْحَانَهُ” عَلَى سَبيلِ التَنَازُعِ. و “ما” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِ بحرفِ الجَرِّ، أَوْ هي نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ، أَوْ هيَ مَصْدَرِيَّةٌ. و “يُشْرِكُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ صِلَةٌ لِلمَوصولِ الاسْمِيِّ “ما” المَوْصُولَةِ، فَلَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هي صِفَةٌ لَهَا في مَحَلِّ الجَرِّ إِنْ كانتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: عَمَّا يُشْرِكونَهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ هي صِلَةٌ لِـ “ما” المصدريَّةِ إِنْ أُعْرِبتْ مَصْدَرِيَّةً، فلا عائدَ لها عِنْدَ الجُمْهُورِ، أَيْ: عَنْ إِشْراكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ.

 

قَرَأَ العامَّةُ: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} بالتَّاءِ خِطابًا للمُؤْمِنينَ، أَوْ للكافِرينَ. وقَرَأَ سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ “فلا يَسْتَعْجِلوهُ” بالياءِ مِنْ تَحْت عائدًا عَلَى الكُفَّارِ، أَوِ المُؤْمِنينَ.

قرَأَ العامَّةُ: {عَمَّا يُشْركونَ} بالياءِ عَوْدًا عَلَى الكُفَّارِ. وَقَرَأَ الأَخَوانِ (حمزة والكِسائيُّ): “تُشْرِكُون” بِتَاءِ الخِطَابِ جَرْيًا عَلَى الخِطَابِ فِي “يَسْتَعْجِلُوه”. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَالجَحْدَرِيُّ، وَجَمٌّ غَفيرٌ بالتاءِ مِنَ فوْقُ فِي الفِعْلَيْنِ.

وَأَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ، وابْنُ جَريرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ؟. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: اسْتَقْرِئْ هَذَا. فَقَالَ: ((اقْرَأْ)). فَقَرَأَ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ لَهُ: أَوَلَمْ تُقْرِئْنِي كَذَا وَكَذَا؟. قَالَ: ((بَلَى، وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ)). فَقُلْتُ: بِيَدَيَّ قَدْ أَحْسَنْتَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ)). فَفِضْتُ عَرَقًا، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أُبَيُّ، إِنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. فَقُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: اقْرَأْ عَلَى سِتَّةٍ. قَالَ الْآخَرُ: زِدْهُ. قَالَ اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَالْقُرْآنُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). مُسْنَدُ أَحْمَد: (5/124). والنَّسائيُّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ: (ص: 421)، وأَحاديثُ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كَثيرةٌ، حَتَّى قِيلَ بِتَواتُرِها، فَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ وَاحِدٍ وَعِشْرينَ صَحَابِيًّا.


فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ

(98)

قولُهُ ـ تَعَالى جَدُّهُ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أَيْ: عَلَيْكَ بِتَنْزِيهِ رَبِّكَ ـ سُبْحانَهُ. فَتَسْبِيحُ اللهِ تَنْزِيهُهُ بِقَوْلِكَ: سُبْحَانَ اللهِ. فإنَّ شِرْكَهُمْ لَنْ يَضُرَّكَ. وهوَ عَلى هَذَا تَفْريعٌ عَلَى قولِهِ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ يضيقُ صدرُكَ بما يقولونَ} الآية: 97، السابقة. فقد أَمْرُهُ بِتَسْبِيحِ اللهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنْ نِسْبَةِ الشَّرِيكِ إِلَيْهِ ـ سُبحانَهُ وتَعَالَى. عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ مَعَ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ فَيُفِيدُ الْإِنْكَارَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيمَا يَقُولُونَهُ، والمَعْنَى: فَاقْتَصِرْ فِي دَفْعِهِمْ عَلَى إِنْكَارِ قولِهِمْ، وَهُوَ كقَوْلِهِ تَعَالَى منْ سُورَة الْإِسْرَاء: {قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} الآية: 93. وَأَصْلُ التَّسْبِيحِ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ. وَفِي الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللهِ تَعَالى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ ـ جَلَّ جَلالُهُ العَظيمُ. وَ “بِحَمْدِ رَبِّكَ”، أَيْ: بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا هُوَ أَهْلُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، لِأَنَّ لَفْظَةَ: “بِحَمْدِ رَبِّكَ” أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ فَتَعُمُّ جَمِيعَ الْمَحَامِدِ مِنْ كُلِّ وَصْفِ كَمَالٍ وَجَلَالٍ ثَابِتٍ لَهُ ـ جَلَّ جَلَالُهُ، فَتَسْتَغْرِقُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الثَّنَاءَ بِكُلِّ كَمَالٍ، لِأَنَّ الْكَمَالَ إِنَّما يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: التَّخَلِّي عَنِ النقائصِ، وَكلِّ مَا لَا يَلِيقُ، وَهَذَا مَعْنَى التَّسْبِيحِ. وَالتَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ، وَالِاتِّصَافُ بِجميعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَمْدِ، فَتَمَّ الثَّنَاءُ بِكُلِّ كَمَالٍ. وَقدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عَنْ سيِّدِنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ)) أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ: (2/232، بِرَقَم: 7167)، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ: (7/167، برقم: 35026)، والبُخَاري: (5/2352، برقم: 6043)، ومُسْلِمٌ: (4/2072، برقم: 2694)، والتِرْمِذِيُّ: (5/512، برقَمِ: 3467)، وقالَ: حَسَنٌ غَريبٌ صَحيحٌ، وابْنُ ماجَهْ: (2/1251، برقم: 3806)، وابْنُ حِبَّانَ: (3/112، برقم: 831). والبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: (5/42)، كلُّهمْ عن أبي هريرةَ، ولهُ روايةٌ عَنْ جُوَيْرِيَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ جميعًا. وَأَخْرَجَ سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمٌ فِي التَّاريخِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أَبي مُسْلِمٍ الْخَولَانِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أُوحِيَ لِي أَنْ أَجْمَعَ المَالَ، وأَكُونَ مِنَ التّاجِرينَ، وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدينَ، واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)). وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، مِثْلَهُ.

قوْلُهُ: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} الْأَمْرُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ الدَّوَامِ عَلَى السُّجُودِ. وَ “مِنَ السَّاجِدِينَ” أَبْلَغُ فِي الِاتِّصَافِ بِالسُّجُودِ مِنْ: (وكُنْ سَاجِدًا) لَوْ أَنَّهُ قِيلَ ذلكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَنْبِيهُ عليهِ وَلَفْتُ النَّظَرِ إِلَيْهِ غَيْرَ مرَّةٍ، كما في قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الْبَقَرَةِ: {قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} الآية: 67، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ التَوْبَة: {يا أَيُّها الذينَ آمنوا اتَّقوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} الآية: 119، وَغَيْرِهِمَا. وَالسَّاجِدُونَ: هُمُ الْمُصَلُّونَ. فَالْمَعْنَى: وَدُمْ عَلَى الصَّلَاةِ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ.

وَقَدْ كَرَّرَ تَعَالَى الْأَمْرَ بِهاتينِ العبادتيْنِ الْمَذْكُورَتيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، غَيْرَ مَرَّةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزيزِ، فقالَ في الآية: 130، مِنْ سُورَةِ طَهَ: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}. وَقَال في الآية: 55، مِنْ سُورةِ غافِر: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}. وقالَ في الآية: 39، مِنْ سُورةِ (ق): {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}. وقَالَ فِي الآيةَ: 3، مِنْ سُورَةِ النَّصْر: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. وَالْآيَاتُ التي جاءَتْ للأَمْرِ بمثلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تعالى: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ”، أَيْ: صِلِّ لَهُ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَالصَّلَاةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ التَّنْزِيهِ وَمُنْتَهَى التَّقْدِيسِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، أَيْ: مِنَ الْمُصَلِّينَ، سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلَاةُ، أَوْ أَعَمُّ مِنْهَا مِنْ تَنْزِيهِ اللهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَيَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِطْلَاقُ التَّسْبِيحِ عَلَى الصَّلَاةِ.

وَلِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالسُّجُودِ الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْضِعُ مَحَلَّ سَجْدَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ البتَّةَ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ خلافَ ذَلِكَ.

قولُهُ تَعَالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} الفاءُ: هيَ الفَصيحَةُ؛ أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطِ تَقْديرُهُ: إِذا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ، وَأَرَدْتَ بَيَانَ مَا هوَ اللازِمُ لَكَ، فَأَقُولُ لَكَ سَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. و “سَبِّحْ” فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على السكونِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنت) يَعُودُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. و “بِحَمْدِ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ للمُصاحَبَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ فاعِلِ “سَبِّحْ”، وَالتَّقْدِيرُ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِحَمْدِهِ فَحُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عليهِ. أَو هي للملابَسَةِ، أَيْ: حالَةَ كَوْنِكَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَ “حَمْدِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، مُضافٌ. وَ “رَبِّكَ” مَجْرورٌ بالإضافةِ إليهِ، مُضافٌ أَيْضًا، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ، مَقُولٌ لِجَوابِ “إِذا” المُقَدَّرَةٍ. أَوْ أنَّ الفاءَ رابطةٌ لجواب شرطٍ محذوفٍ والجملةُ في مَحَلِّ جَزْمٍ على أنَّها جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِنْ ضَاقَ صَدْرُكَ فَسَبِّحْ.

قولُهُ: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} الوَاوُ: للعطْفِ، و “كُنْ” فِعْلُ أَمْرٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على السُّكونِ الظاهِرِ على آخِرِهِ، وقد حذفَتْ الألفُ مِنْهُ لالتقاءِ الساكنينِ، لأنَّهُ اسمٌ منقوصٌ، واسُمُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يَعُودُ عَلَى سيِّدِ الوجودِ مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِ “كانَ” المُقدَّرِ، و “السَّاجِدِينَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، أَوِ الجزمِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ “سَبِّحْ” التي قبْلَها، أيْ: إمَّا في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقَوْلِ، أَوِ الجزمِ على أَنَّها جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ.


وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

(97)

قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} هوَ كَقَوْلِهِ تعالى منْ سُورةِ الأَنْعَامِ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون} الآية: 33، وقولِهِ مِنْ سورةِ هُود: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الآية: 12. وهِيَ تَسْلِيَةٌ أُخْرَى لِسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتأْنيسٌ لَهُ: فَلَا يَضِيقُ صَدْرُكَ يا رَسُولَ اللهِ بِمُقْتَضَى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ والمِزاجِ الإِنْسَانِيِّ، لِمَا يَسْتَهْزِؤونَ، ومَا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِنْ كَذِبٍ وافْتِراءٍ وَبُهْتَانٍ عَظِيمٍ مُتَضَمِّنٍ الطَّعْنَ عَلَيْكَ بالسِّحْرِ والكَذِبِ والكَهانَةِ وَالجُنَونِ. وإِنَّما يَكُونُ ضِيقُ صَدْرِ الإنْسانِ وانْقِباضُهُ مِنِ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ. وَهوَ مَجَازٌ عَنْ كَدَرِ النَّفْسِ. وَلَيْسَ الْنَّبِيُّ ـ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهُ وسَلامُهُ، مِمَّنْ يُدَاخِلُهُ الشَّكُّ فِي خَبَرِ اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ بِـ “لقد” كِنَايَةٌ عَنْ الِاهْتِمَامِ بِالْمُخْبَرِ، وَأَنَّهُ بِمَحَلِّ الْعِنَايَةِ مِنْ رَبِّهِ ـ سُبْحانَهُ، فَالْآيَةُ إِذًا مَعْطُوفَةٌ عَلَى آيَةِ: {إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} الآيةَ: 95، مِنْ هَذِهِ السُورَةِ الْمباركَةِ، أَوْ حَالٌ مِنْهَا.     

قولُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} الواوُ: اسْتِئنافيَّةٌ. واللامُ: هي المُوَطِّئَةُ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ. وَ “قَدْ” حَرْفٌ للتَحْقيقِ، وَإِنَّ كلامَ اللهِ تَعَالَى مُحَقَّقٌ كُلُّهُ. وَ “نَعْلَمُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (نحن) يَعُودُ عَلَى اللهِ تعَالَى، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذوفِ. و “أَنَّكَ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، للتوكيدِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُهُ. و “يَضِيقُ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ. و “صَدْرُكَ” فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، وهوَ مُضَافٌ، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ، في مَحَلِّ الجَرِّ بالإِضَافَةِ إلَيْهِ. والجملَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ على أَنَّها خَبَرُ “أَنَّ”. وَجُمْلَةُ “أَنَّ” فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ سَادٍّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ “عَلِمَ”. و “بِمَا” الباءُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَضِيقُ”، و “ما” موصولةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفةٌ. و “يَقُولُونَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلةُ صِلَةٌ لِـ “ما” الموصولةِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجَرِّ إِنْ كانتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: بِمَا يَقُولُونَهُ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com