فيضُ العليم … سورة يوسُف، الآية: 86
 
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} الْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبُثَّهُ أَيْ يُظْهِرَهُ، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، بَثِّي: هَمِّي. وقالَ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رضي اللهُ عنه، بَثِّي: حَاجَتِي. فإنَّهُ ـ عليهِ السَّلامُ، قدْ شَكَا إِلَى اللهِ، لأَنَّ مَنْ شَكَا إِلَى اللهِ وَصَلَ، ولَمْ يَشْكُ مِنَ اللهِ، فإنَّ مَنْ شَكَا مِنَ اللهِ انْفَصَلَ. وحَقِيقَةُ الْبَثِّ مَا يَرِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يُخْفِيَهَا. وَهُوَ مِنْ بَثَّ الشيْءَ إِذا فَرَّقَهُ، فتَسْمِيَةُ ذِكْرِ الْمُصِيبَةِ بَثًّا مِنَ المَجَازِ، ومن ذلك قَولُ ذُو الرُّمَّةِ:
وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي ………….. فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أُبِثُّهُ ……………….. تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلَاعِبُهُ
والمرادُ ب (أَسقيهِ) هنا: أَدْعُو لَهُ بالسُّقْيَا.
قولُهُ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: أَعْلَمُ مِنَ اللهِ أَنَّه كائنٌ مَا لا تَعْلَمونَ: بأَنكم سَتَسْجُدُونَ ليوسُفَ وأَنَا مَعَكمُ. وإِنَّمَا كانَ يَعْلمُ ذَلِكَ مِنْ تَأْويلِ رُؤيا يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، حينَ رَأَى في المَنَامِ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقمرَ له ساجدينَ، أَنَّ ذَلِكَ سَيَكونُ. ويُقالُ: إنَّ يَعقوبَ رَأَى مَلَكَ المَوْتِ في المَنَامِ، وسَأَلَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ قُرَّةِ عَيْني يُوسُفَ؟ قالَ: لا، ولكنْ هوَ في الدُّنْيا حَيٌّ، فَلذِلِكَ قالَ: أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. فقد أخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في التَّفسيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهما، فِي قَوْلِهِ: “أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” يَقُولُ أَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ وَأَنِّي مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَقُولُ: أَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ، وَأَنِّي سَوْفَ أَسْجُدُ لَهُ. وقال قتادةُ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ إِحْسَانِ اللهِ تَعَالَى إِلَيَّ مَا يُوجِبُ حُسْنَ ظَنِّي بِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ المعنى: أَعْلَمُ أَنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ وَلَدُهُ بِسِيرَةِ الْمَلِكِ وَعَدْلِهِ وَخَلْقِهِ وَقَوْلِهِ أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ أَنَّهُ وَلَدَهُ يُوسُف فَطَمِعَ بكرمِ اللهِ أنْ يكونَ هوَ وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُوسُفُ. وَقَالَ: لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ صِدِّيقٌ إِلَّا نُبِّيٌ. وَقِيلَ المرادُ: أَعْلَمُ مِنْ إِجَابَةِ اللهِ تعالى دُعاءِ المُضطرِّينَ مَا لا تَعْلَمونَ. وقيلَ إنَّ قولَ يَعقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ: “أَعْلَمُ مِنَ اللهِ” أَيْ: أَنْتَفِعُ بِعِلْمِي ما لا تَنْتَفِعُونَ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يعقوبَ ـ عليه السَّلامُ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِنَّمَا” كافة ومكفوفة تفيدُ الحَصْرَ. و “أَشْكُو” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى آخِرِهِ لِثِقَلِ ظهورِها على الواوِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ “أَنَا” يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، و “بَثِّي” مَصْدَرٌ سَمَاعيٌّ لِفِعْلِ بَثَّ يَبُثُّ مِنْ بابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ، ووزنُهُ (فَعَلَ) بِفَتْحِ الفاءِ، أَيْ أَذاعَ ونَشَرَ، وهو مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الفَتْحَةُ المُقَدَّرَةُ عَلى ما قبلَ ياءِ المُتَكَلِّمِ لانْشِغالِ المَحَلِّ بالحَرَكَةِ المُناسِبَةِ لَهَا، وهوَ مُضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “وَحُزْنِي” حرفُ عطفٍ ومعطوفٌ عَلَى “بَثِّي” ولهُ مثلُ إعرابِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصبِ بِـ “قَالَ”. و “إِلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بِـ “أَشْكُو” ولفظ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بحرف الجرِّ.
قولُهُ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “أَعْلَمُ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديره “أنا” يعودُ على يعقوبَ ـ عليهِ السلامُ. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بهِ، “مَا” مَوْصولَةٌ، أَوْ مَوصوفةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بِهِ لِـ “أعلم”؛ لأنَّهُ بِمَعْنَى عَرَفَ. و “لَا” نافيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، و “تَعْلَمُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصب والجازمِ، وعلامةُ رفعهِ ثباتُ النونِ في آخره لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجملةُ صِلَةُ “مَا” إذا أعربتْ موصولةً، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصبِ إذا أعربتْ نكرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرّابطُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: ما لا تَعْلَمونَهُ، وجُمْلَةُ “أعلمُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ “أَشْكُو”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 85
 
قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)
 
قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} تفتَأُ: هنا بمعنى (لا تزالُ)، وعَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: “لا تَفْتَأُ”: لا تَفْتُرُ). فكأَنَّما جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أَخَوَيْنِ. وفيها لُغَتَانِ: (فَتَأَ) على وَزْنِ (ضَرَبَ)، و (أَفْتَأَ) عَلى وَزْنِ (أَكْرَمَ). قالَ ابْنُ مالِكٍ: وتَكونُ تامَّةً بِمَعْنَى (سَكَنَ) و (أَطْفَأَ). وقد رُسِمَتْ (تَفْتَؤ) بالواوِ والقياسُ أَنَّها (تَفْتَأُ) بالأَلِفِ. والمعنى لا تَفْتَأُ ولا تَزَالُ “تَذْكُرُ يُوسُفَ” تَفَجُّعًا عَلَيْهِ، حتى يذوبَ جسمُكَ همًّا وغَمًّا وحزنًا وتُشْرِفَ عَلَى الهَلاكِ، فَقَدْ أَقْسَمُوا عَلَى مَا كانَ صَحيحًا في نُفوسِهم، ومَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ بالاسْتِدْلالِ، وعَلى مَا يَجُوزُ في مَعْلومِ اللهِ أَنْ يَتَغَيَّرَ. وثَمَّةَ حَرْفُ نَفْيٍ مَحْذوفٌ هُنَا كَمَا في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمينُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ……… ولو قَطَعوا رأسي لديكِ وأَوْصالي
أَرادَ: لا أَبْرَح. فَحَذَفَ (لا) وهوَ يُريدُهُ. لِعَدَمِ الالْتِباسِ بالإثباتِ فإنَّ القَسَمَ إِذا لَمْ يَكنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ يَكونُ عَلى النَفْيِ البَتَّةَ. وعَلامَةُ الإثباتِ هيَ اللامُ ونُونُ التَوكيدِ اللذانِ يَلْزَمانِ جَوابَ القَسَمِ المُثْبَتِ، فإذا لَمْ يُذْكَرا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ جوابَ القَسَمِ مَنْفِيٌّ لأَنَّهُ لا يُقارِنُهُما، فلوْ كانَ المَقصودُ هَهُنَا الإثْباتُ لَقِيلَ: (لَتَفْتَأَنَّ). ولُزومُ اللامِ والنُّونِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفارسِيُّ (مِنَ الكوفِيُّينَ): يَجُوزُ الاقْتِصارُ عَلَى أَحَدِهِما وجاءَ الحَذْفُ فيما إِذا كانَ الفِعْلُ حالًا كَقراءَةِ ابْنِ كَثيرٍ: {لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآية الأولى من سورةِ القيامة، فـ “أُقْسِمُ” في الآيةِ معناها الحالِ لدُخولِ اللامِ عَليهِا. وكَذا قولُ الشَّاعِرِ:
لا أُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ……………………….. يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ
ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ، فقد قالَ بعضُ العُلماءُ: إِذا قالَ قائلٌ: (واللهِ أَقومُ) يَحْنثُ إِذا قامَ، وإِنْ لَمْ يَقُمْ لا يَحْنَثُ، سواءٌ كانَ القائلُ عَالِمًا بالعَرَبِيَّةِ أَوْ لا، على ما أَفْتَى بِهِ العَلَّامَةُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ، وذَكَرَ أَنَّ الحَلِفَ بالطَّلاقِ كَذَلِكَ فَلَوْ قالَ: عليَّ الطَّلاقُ بالثَّلاثِ تَقُومينَ الآنَ، فإنَّها تَطْلُقُ إنْ قامتْ ولا تَطْلُقُ إِنْ لَمْ تَقُمْ، وقالَ غيرُ واحِدٍ: إِنَّ العَوَامَ لَوْ أَسْقَطُوا اللامَ والنُّونَ في جوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ المُسْتَقْبَلِ فقالَ أَحَدُهم: واللهِ أَقومُ لا يَحْنَثُ بِعَدَمِ القيامِ ولا كفَّارَةَ عَلَيْهِ، وقَالَ العلامَةُ المَقْدِسِيُّ بِأَنَّهُ يَنْبَغي أَنْ تَلْزَمَهُمُ الكَفَّارَةُ لِتَعَارُفِهمُ الحَلِفَ كَذلكَ.
وقد اسْتُدِلَّ بالآيَةِ عَلى جَوازِ الحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَنِّ، وقيلَ: إِنَّهمْ عَلِمُوا ذَلِكَ من أبيهمْ ولكنَّهم أنْزَلُوهُ مَنْزِلَةِ المُنْكِرِ، فَلِذَلك أَكَّدوهُ بالقَسَمِ فقالوا: نُقْسِمُ باللهِ تَعَالى لا تَزَالُ ذَاكِرًا يُوسُفَ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ “حتى تَكُونَ حَرَضًا”. أَي: مَريضًا مُشْفِيًا عَلَى الهَلاكِ، وقِيلَ: الحَرَضُ مَنْ أَذابَهُ هَمٌّ أَوْ مَرَضٌ فَجَعَلَهُ مَهْزولًا نَّحيفًا، أَوِ الذي فَسَدَ جِسْمُهُ وعَقْلُهُ، وَرَجُلٌ حَارِضٌ أيضًا أَيْ: أَحْمَقُ. ويُقالُ: رَجُلٌ حُرُضٌ، بِضَمَّتَيْنِ نَحْوَ: جُنُب، وشُلُل، ويُقالُ: أَحْرَضَهُ كَذَا، أَيْ: أَهْلَكَهُ. قالَ العَرْجيُّ:
إني امرؤٌ لَجَّ بيْ حُبٌّ فَأَحْرَضَني ……. حتى بَلِيْتُ وحتى شَفَّني السَّقَمُ
فهو مُحْرَضٌ، قالَ:
أَرَى المَرْءَ كالأَذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ….. كإِحْراضِ بِكْرٍ في الدِّيارِ مَريضِ
والحُرْضَةُ: مَنْ لا يَأْكُلُ إِلَّا لَحْمَ المَيْسِرِ لِنَذَالَتِهِ، والتَّحْريضُ على الشيءِ: الحَثُّ عليهِ بِكَثْرَةِ التَزْيِينِ وتَسْهيلِ الخَطْبِ فِيهِ كَأَنَّهُ إِزالَةُ الحَرَضِ نَحْوَ: قَذَّيْتُهُ، أيْ: أَزَلْتُ القَذَى عَنْهُ، وأَحْرَضْتُهُ: أَفْسَدْتُه نَحْوَ: أَقْذَيْتُه، أَيْ: جَعَلْتُ القَذَى فيهِ. والحُرُضُ: الأُشْنانُ، لإِزالتِهِ الفَسَادَ، والمِحْرَضَةُ وِعاؤُهُ، وشُذوذُها كشذوذ مُنْخُل ومُسْعُط ومُكْحُلَة. وهوَ في الأَصْلِ مَصْدَرُ حَرَضَ فَهوَ حَرِضٌ (بِكَسْرِ الرَّاءِ)، ولكونِهِ كَذَلِكَ في الأَصْلِ فلا يُؤنَّثُ ولا يُثَنَّي ولا يُجْمَعُ لأَنَّ المَصْدَرَ يُطْلَقُ عَلَى القَليلِ والكَثيرِ، يُقالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وامْرَأَةٌ حَرَضٌ، ورَجُلانِ وامْرَأَتانِ حَرَضٌ، ورِجالٌ ونِساءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والاثْنانِ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، لأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الاسْمِ، والنَّعْتُ مِنْهُ بالكَسْرِ كَ (دَنِفٍ). قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ حَارِضٌ لِلْمُذَكَّرِ، وَالْمُؤَنَّثَةِ حَارِضَةٌ، فَإِذَا وَصَفَ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَنَّى وَجَمَعَ وَأَنَّثَ. وقالَ محمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الحَرَضُ الفاسِدِ الذي لا عَقْلَ لَهُ. وَفِي جَعْلِهِمُ الْحَرَضَ أَوِ الْهَلَاكَ غَايَةَ أَمْرِ أَبيهم إِذا اسْتَمَرَّ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنْ ذِكْرِهِ لِيُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُ إنَّما يَذْكُرُ أَمْرًا لَا طَمَعَ فِي تَدَارُكِهِ، لأَنَّهُ مَيِّتٌ في قَنَاعَتهم.
قولُه: {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} قِيلَ إِنَّ القائلينَ ذلكَ هُمْ أَبْناءُ يعقوبَ ـ عليه السَّلامُ، وقيلَ غيرُهم مِنْ أَتْباعِهِ. و “الهالكينَ” يَعْنِي: المَيِّتينَ، وقيلَ المَعْنَى: حَتَّى تَكونَ دَنِفَ الجِسْمِ مَخْبولَ العَقْلِ.
وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ” قَالَ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ “حَتَّى تَكونَ حَرَضًا” قَالَ: دَنِفًا مِنَ الْمَرَضِ، و “تَكونَ مِنَ الهالِكِينَ” قَالَ المَيِّتينَ.
وَأَخْرَجُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “قَالُوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ” قَالَ: لَا تزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ لَا تَفْتُرُ عَنْ حُبِّهِ، و “حَتَّى تَكونَ حَرَضًا” قَالَ: هَرِمًا، “أَوْ تَكونَ مِنَ الهالِكينَ” قَالَ: أَو تَمُوتَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قال: “حَتَّى تَكونَ حَرَضًا” قَالَ: الحَرَضُ الشَّيْءُ الْبَالِي، و “أَوْ تَكونَ مِنَ الهالِكينَ” قَالَ المَيِّتينَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ والطَّسْتِيُّ، عَنِ عبدِ اللهِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُمَا، أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَنْ قَوْلِهِ تعالى: “تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ”، قَالَ: لَا تزَال تَذْكُرُ يُوسُفَ. قَالَ: وَهلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ الشَّاعِرَ وَهُوَ يَقُولُ:
عَمْرُكَ مَا تَفْتَأُ تَذْكُرُ خَالِدًا ………….. وَقَدْ غَالَهُ مَا غَالَ تُبَّعَ مِنْ قَبْلُ
قَالَ: أَخْبرنِي عَن قَوْلِهِ تعالى: “حَتَّى تكون حرضًا”، قَالَ: الحَرَضُ المُدْنَفُ الْهَالِكُ مِنْ شِدَّةِ الوَجَعِ. قَالَ: وَهل تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِك؟ قَالَ: نَعَم، أَمَا سَمِعْتَ الشَّاعِرَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى غَرْبَةً أَنْ نأَتْ بِهَا ……… كأَنَّكَ حَمٌّ للأَطِبّاءِ مُحْرَضُ؟
البيتُ لِطَرَفَةِ بْنِ العَبْدِ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا تَذْكُرْهُنَّ واجْتَنِبْ ذِكْرَهُنَّ: لَا تَشْكُ مَرَضَكَ، وَلَا تَشْكُ مُصيبَتَكَ، وَلَا تُزَكِّ نَفْسَكَ. قَالَ: وأُنْبِئْتُ أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَخَلَ عَلَيْهِ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ مَا لي أَرَاكَ قَدْ انْهَشَمْتَ وفَنِيتَ وَلم تَبْلُغْ مِنَ السِنِّ مَا بَلَغَ أَبوكَ قَالَ: هَشَمَني وأَفْناني مَا ابْتَلاني اللهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ وَذِكْرِهِ. فَأوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ أَتَشْكوني إِلَى خَلْقِي؟. فَقَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذا سُئِلَ قَالَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْني إِلَى اللهِ}.
قولُهُ تَعَالى: {قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} قَالُوا: فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “تَاللهِ” التاءُ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذوفٍ تقديرُهُ: نُقسِمُ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ، وجُمْلَةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”. و “تَفْتَأُ” فعلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ مِنْ أَخَواتِ زَالَ مَنْفِيٌّ بِ “لا” مَحْذوفةٍ؛ لأَنَّ جَوابَ القَسَمِ الخَالي مِنَ لامِ التوكيدِ ونونِهِ يَجِبُ أَنْ يكونَ مَنْفِيًّا، كما تقدَّمَ تَفْصِيلُهُ في مبحثِ التَّفْسِيرِ فلا بُدَّ مِنْ تَقْديرِ (لا) مَعَهُ، واسمُ “تفْتَأُ” ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وُجُوبًا تَقْديرُهُ: (أَنْتَ) يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “تَذْكُرُ” فعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنت) يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عليه السَّلامُ، و “يُوسُفَ” مفعولٌ بهِ منصوبٌ، وقد مُنِعَ مِنَ التَنْوينِ لأنَّه ممنوعٌ من الصرفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وهذِهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرًا لـ “تَفْتَأُ”، وجُمْلَةُ “تَفْتَأُ” جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} حَتَّى: حَرْفُ جَرٍّ وغَايَةٍ بمعنى (إلى). و “تَكُونَ”: فِعْلٌ مُضَارِعٌ ناقِصٌ مَنْصُوبٌ بِ (أَنْ) مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا بَعْدَ “حَتَّى”، واسْمُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجُوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعودُ عَلَى يَعْقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “حَرَضًا” خبرُ “تكون” منصوبٌ بِهِ. وجُمْلَةُ “تَكُونَ” صِلَةُ (أن) المُضْمَرَةِ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مِنْ (أن) المُقَدَّرةِ وما بعدَها في مَحَلِّ الجَرِّ بِحرفِ الجَرِّ “حتّى”.
قولُهُ: {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} أَوْ: حرفُ وَ “تكونَ” تقدَّمَ إعرابُهُ مَعْطوفٌ عَلَيْهِ، وأَنْ مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجرورٍ بِـ “حَتَّى” بِمَعْنَى (إلى)، والتقديرُ: إِلى كَوْنِكَ حَرَضًا، أَوْ كونِكَ مِنَ الهالِكينَ، و “مِنَ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “تَذْكُرُ” و “الهالكينَ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ علامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالمُ.
وقرَأَ بَعْضُهمْ: “حَرِضًا” بِكَسْرِ الرَّاءِ. وقد قُرِءَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وكَسْرِها، وقرئَ: “حَرِضًا” بفتح الحاءِ وكَسْرِ الرّاء. وَقَرَأَ أَنَسٌ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ: “حُرْضًا” بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ مِثْلَ عُودِ الْأُشْنَانِ. وقرَأَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ: “حُرُضًا” بِضَمَّتَيْنِ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 84
 
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} تولَّى: صرفَ وجهَهُ وانْصَرَفَ، فإنَّ يَعْقُوبُ ـ عليه السَّلامُ، أَعْرَضَ عَنْ بَنِيهِ غاضِبًا لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَسْرِ ابْنِهِ بِنْيامِينَ مُتَّهَمًا بالسَرِقَةِ، وذَلِكَ لأَنَّ حُزْنَهُ تَتَامَّ وبَلَغَ أَقْصاهُ، وتَهَيَّجَتْ أَشْجَانُهُ عَلَى يُوسُفَ. وَلَمَّا كَانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي ِاخْتِلَاءَهُ بِنَفْسِهِ، ذَكَرَ بَعْضَ أَحْوَالِهِ فقد تَجَدَّدَ أَسَفُهِ عَلَى ابْنِهِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِما السَّلَامُ.
قولُهُ: {وَقالَ يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ} الأَسَفُ أَشدُّ الحُزْنِ، فقد قَالَ ذلكَ مُتَذَكِّرًا حُزْنَهُ القَدِيمَ عَلَى يُوسُفَ. والأَسَى يَبْعَثُ الأَسَى كَما قالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ عِنْدَمَا رَأَى قَبْرًا فَتَجَدَّدَ حُزْنُهُ عَلَى أَخَيهِ مَالِكٍ، وَقد لِيمَ عَلَى ذَلَكَ، فأَجابَ قائلًا:
فقال أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ ………….. لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى والدَّكَادِك
فقلتُ لَهُ إنَّ الأَسَى يَبْعَثُ الأَسَى ……… فَدَعْني فهذا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ
وَذكرَ الْقُرْآنُ تَحَسُّرَ يعقوبَ عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِما السَّلَامُ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلَى ابْنَيْهِ الْآخَرَيْنِ بنيامينَ وروبينَ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقِصَّة. وإنَّما أَسِفَ على يُوسُف مَعَ أَنَّ المُصيبةَ الحادثَةَ كانَتْ في أَخَوَيْهِ لأنَّ رُزْأَهُ بهِ كان ما يزالُ غَضًّا عِنْدَهُ وإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ، فهو قاعدةُ الأَرْزاءِ جميعًا، وهوَ الآخِذُ بِمَجامِعِ قَلْبِهِ فلا يَنْسَاهُ أَبدًا. روى الإمامُ عبْدُ الرَّزَّاقِ الصَنْعانيُّ، بسندِه عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ غَيْر هَذِهِ الأُمَّةِ الاسْتِرْجاعَ، أَلَا تَسْمَعُونَ إِلى قَوْلِ يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: “يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ”.
قولُهُ: {وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ} وَجَدَّدَ لَهُ حُزْنُهُ الجَدِيدُ عَلَى (بِنْيامينَ) ابْنِهِ الأَصْغَرِ، حُزْنَهُ الدَّفِينَ عَلَى يُوسُفَ، وَعَمِيَتْ عَيْنَاهُ مِنْ شِدَّةِ الحُزْنِ، فقَد أَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ. فإنَّ العَبْرَةَ إِذا كثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وَقَلَبَتْهُ بَيَاضًا كَدِرًا. قيلَ قدْ عَمِيَ بَصَرُهُ، وقيلَ كانَ يُدْرِكُ إِدْراكًا ضَعِيفًا. وابْيِضَاضُ الْعَيْنَيْنِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْإِبْصَارِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيُّ:
قَبْلَ مَا الْيَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّــ …………….. ــاسِ فِيهَا تَغَيُّضٌ وَإِبَاءُ
والْبُكَاءَ مِنَ الْحُزْنِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلَا يُسْتَغْرَبُ صُدورُهُ مِنْ نَبِيٍّ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَا أَسَفَى على يُوسُفَ” قَالَ: يَا حَزَنَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَا أَسْفَى عَلى يُوسُفَ” أَنَّهُ قَالَ أَيضًا: يَا حَزَنَا عَلى يُوسُفَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ” قَالَ: يَا جَزَعَا. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ سعيدٍ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ يُونُسَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لمَّا مَاتَ سَعيدُ بْنُ الْحِسَنِ حَزِنَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ حُزْنًا شَدِيدًا، فَكُلِّمَ الْحَسَنُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ اللهَ عَابَ عَلى يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الْحُزْنَ!. وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ الْحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى يَوْمِ رَجَعَ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يُفَارِقُ الْحُزْنُ قَلْبَهُ، ودُموعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ، وَلمْ يَزَلْ يَبْكي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ. وَاللهِ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ يَوْمئِذٍ خَلِيقَةٌ أَكْبَرَ عَلى اللهِ مِنْ يَعْقُوبَ ـ عليْهِ السلامُ. وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رضي اللهُ عنهُ، يرفعُهُ إلى رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أنَّهُ سأَلَ جبريلَ ـ عليه السَلامُ: مَا بَلَغَ مِنْ وَجْدِ يَعْقوبَ على يوسُفَ ـ عَلَيْهِما السَّلامُ؟ قالَ: وَجْدَ سَبْعينَ ثَكْلَى. قالَ: فمَا كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ؟ قالَ: أَجْرُ مِئَةِ شَهيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ باللهِ ساعَةً قَطُّ. وفيهِ دَليلٌ على عَدَمِ حُرْمَةِ التَأَسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ الشدائدِ والنَّوائِبِ، فإنَّ الكَفَّ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْليفِ، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَكَى وَلَدَهُ إبْراهيمَ فيما روى الإمامُ البُخاريُّ من حديثِ أَنَسِ بْنِ مالكٍ ـ رضي اللهُ عنه، وقالَ: ((القَلْبُ يَحْزَنُ والعَيْنُ تَدْمَعُ ولا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإِنَّا عَلَيْكَ يا إِبْراهيمُ لَمَحْزونونَ)) وإِنَّما الذي لا يَجوزُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الصِّياحِ والنِياحَةِ ولَطْمِ الخُدودِ والصُّدورِ وشَقِّ الجُيوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ وغيرِه. فَإنَّ اسْتِيلَاءَ الْحُزْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، حتَّى يَكُونَ ذَلِكَ دَاخِلًا تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ يَصِيرُ التَّأَوُّهُ وَالْبُكَاءُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ.
قولُهُ: {فَهُوَ كَظِيمٌ} الكظْمُ الإمْسَاكُ، أَيْ: سَاكِتٌ لا يَشْكو أَمْرَهُ إِلى مَخْلوقٍ. قالَهُ قَتَادَةُ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرُهُ. وقالَ الضَّحَّاكُ ـ رضي اللهُ عَنْهُ: “فَهُوَ كَظِيمٌ” أي: كَميدٌ حَزينٌ. وقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَكْظُومِ، وَمَعْنَاهُ الْمَمْلُوءُ مِنَ الْحُزْنِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ نَفَسِهِ، فقد كانَ يَعقوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، كاظِمًا لِغَيْظِهِ عَلَى بَنِيهِ، وَيَحْمِلُ مُصَابَهُ وَهُوَ صَامِتٌ لاَ يَشْكُو إِلَى مَخْلُوقٍ في الدنيا مَا يُعَانِيهِ. و “كظيم” إِمَّا أَنْ تَكونَ بِمَعْنَى (مَفْعولٍ) كما قالَ تَعالى في سُورَةِ القَلَمِ: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوم} الآيةَ: 48، أَيْ: مملوءٌ غَيْظًا، فهوَ مِنْ كَظْمِ السِّقَاءِ، إِذَا اشْتَدَّ عَلَى مَلْئِهِ، أَوْ تَكونُ بِمَعْنَى (فاعِلٍ) كقولِهِ تعالى في الآية: 134، مِنْ سورةِ آلِ عمران: {وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ} وهوَ مِنْ قولِ العَرَبِ: كَظَمَ البَعيرُ جِرَّتَهُ إِذا رَدَّها في جَوْفِهِ.
قالَ الإمامُ فخرُ الدينِ الرازيُّ في مفاتيح الغيب أَوِ التَّفْسير الكبير: (18/499): وَاعْلَمْ أَنَّ أَشْرَفَ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا كَانَتْ غَرِيقَةً فِي الْغَمِّ فَاللِّسَانُ كَانَ مَشْغُولًا بقوله: يا أَسَفى وَالْعَيْنُ بِالْبُكَاءِ وَالْبَيَاضِ وَالْقَلْبُ بِالْغَمِّ الشَّدِيدِ الَّذِي يُشْبِهُ الْوِعَاءَ الْمَمْلُوءَ الَّذِي شُدَّ وَلَا يُمْكِنُ خروج الماء منه وهذا مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِ ذَلِكَ الْغَمِّ.
قولُهُ تَعَالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} الوَاوُ: للعطفِ، و “تَوَلَّى” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ على آخرِهِ لتَعَذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عليْهِ السَّلامُ. و “عَنْهُمْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “تولَّى”، وضميرُ الغائبينِ “هم” في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ هذِهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “قالَ”.
قولُهُ: {وَقالَ يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ} الواوُ: للعطفِ، و “قالَ” فعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ عطْفًا عَلى “توَلَّى”، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. و “يا” أَداةُ نِداءٍ. و “أسفى” مُنَادى مُضاف مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ فَتْحَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى مَا قَبْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُنْقَلِبَةِ أَلِفًا للتَّخْفيفِ بَعْدَ قَلْبِ الكَسْرَةِ فَتْحَةً، ومثلُها: يا ويْلَتي، ويا حَسْرَتي، وقد مَنَعَ مِنْ ظُهورِ الفتحةِ اشْتِغَالُ المَحَلِّ بِالحَرَكَةِ المُنَاسِبَةِ، و “أَسَفى” مُضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ المُنْقَلِبَةُ أَلِفًا ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. وإنَّما قُلِبَتْ لأَنَّ الصَّوتَ مَعَهَا أَتَمُّ، ونِداؤهُ على سَبيلِ المَجَازِ، كَأَنَّهُ قالَ: هَذا أَوانُكَ فاحْضُرْ، وهو نحوَ قولِهِ تَعَالى في الآيةِ: 56 من سورةِ الزُّمَرِ: {يا حَسْرَتَا}. وقِيلَ: هذِهِ أَلِفُ الندْبَةِ، وحُذِفَتْ هاءُ السَّكْتِ وَصْلًا. والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتَيْ الأَسَفِ ويُوسُفَ مِمَّا يَقَعُ مَطْبوعًا غَيْرَ مُتَعَمَّلٍ فَيَمْلُحُ ويَبْدُعُ، ونَحْوهُ قولُهُ تعالى في الآية: 38، مِنْ سورةِ التوبةِ: {اَثَّاقَلْتُمِ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ}، ونحو قولِهِ في سورةِ الأنعام: {يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} الآية: 26، ونحو قولِهِ في سورةِ الكهفِ: {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ} الآية: 104، ونحو قولِهِ في سورةِ النملِ: {وجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} الآية: 22. ويُسَمَّى هذا النَّوعُ من الجِنَاسِ ب (تجنيس التَّصريف)، وهوَ أَنْ تَشْتَرِكَ الكَلِمَتانِ في لَفْظٍ ويُفَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرفٍ لَيْسَ في الأُخْرَى. وَنِدَاءُ يعقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، للْأَسَفِ هُنَا مِنَ المَجَازِ. فقَدْ نَزَّلَ الْأَسَفَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ. و “عَلَىَ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَسَفَى”، و “يُوسُفَ” اسْمٌ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الفتْحةُ نِيابَةً عنِ الكَسْرَةِ لأِنَّه اسْمٌ ممنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ هذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على أَنَّها مَقولَ “قالَ”.
قولُهُ: {وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ} الوَاوُ: للعطفِ، و “ابْيَضَّتْ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ الظاهِرِ، والتَّاءُ السَّاكِنَةُ لِتَأْنيثِ الفاعِلِ، و “عَيْنَاهُ” فاعِلُهُ مَرْفوعٌ بِهِ وعلامةُ رَفْعِهِ الأَلِفُ لأَنَّهُ مُثَنَّى، وهوَ مُضافٌ، والهاءُ: ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “مِنَ” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “ابْيَضَّ”، و “الْحُزْنِ” مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “قال”، أَوْ حالٌ مِنْ فاعِلِ “قال”.
قولُهُ: {فَهُوَ كَظِيمٌ} الفاءُ: للعَطفِ والتَّعْلِيلِ، و “هُوَ” ضميرٌ منفصلٌ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، و “كَظِيمٌ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذه معطوفةٌ عَلى جُمْلَةِ “ابْيَضَّ”.
قرأَ الجمهورُ: {مِنَ الحُزْنِ} بِضَمَّةٍ وَسُكُونٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ومُجاهِدٌ ـ رضي اللهُ عنهم جميعًا: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وقرأَ قتادَةُ ـ رضي اللهُ عنه: (مِنَ الحُزُنِ) بِضَمَّتَيْنِ، فـ (الحُزْنُ) و (الحَزَنُ) ك (العُدْمِ) و (العَدَمِ)، و (البُخْلِ) و (البَخَلِ)، وأَمَّا الضَمَّتانِ فالثانيةُ إِتْباعٌ. وقَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُزْنِ وَالْحَزَنِ فَقَالَ قَوْمٌ: الْحُزْنُ الْبُكَاءُ وَالْحَزَنُ ضِدُّ الْفَرَحِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ أَصَابَهُ حُزْنٌ شَدِيدٌ، وَحَزَنٌ شَدِيدٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَرَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ فَتَحُوا الْحَاءَ وَالزَّايَ كَقَوْلِهِ تعالى في سورةِ التوبة: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} الآيَةِ: 92، وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ أَوِ الرَّفْعِ ضَمُّوا الحاءَ كقولِهِ تعالى هنا: “وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ” وكقولِهِ بعدَ ذلك في الآية: 86، مِنْ هَذِهِ السُّورةِ المُبَارَكَةِ: {إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ}.


فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 83
 
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
(83)
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} بَلْ: هنا للإضراب، ولكنْ ليسَ عَنْ صَريحِ كَلامِهمْ، فإنَّهمْ صادِقونَ فِيهِ، بَلْ عَمَّا يَتَضَمَّنُهُ مِنِ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَسَبُّبِ فيما نَزَلَ بِهِ، وأَنَّهُ لَمْ يَبْدُرْ منْهم قولٌ أَوْ فِعْلٌ أَدَّى إِلى ذَلك. و “سوَّلتْ” سَهَّلَتْ، وزَيَّنتْ لَكمْ أَنْفُسُكمْ أَمْرًا في قولِكُم إِنَّ ابْنِيَ سَرَقَ وهو لم يَسْرِقْ، وإنَّمَا هو أَمْرٌ يُريدُهُ اللهُ تَعَالى. أَيْ فلَمَّا رَجَعُوا إلى أَبِيهم، وقالوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ أَخوهم، قالَ: لقد زَيَّنَتْ لكم أَنْفُسُكمْ أَمْرًا فَظِيعًا، أَرَدْتُموهُ فَقَدَّرْتُمُوهُ ونَفَّذْتُموهُ، وإِلَّا فمَا أَدْرَى المَلِكَ بِشَرْعِنا مِنْ أَنَّ السَّارِقَ يُؤخَذُ بِسَرِقِتِهِ ويُسْتَرَقُّ، ومَنِ الذي علَّمَهُ إيَّاهُ، ومَنِ الذي أَفْتَاهُ بهِ؟. وهذا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى سُؤالٍ نَشَأَ مِمَّا سَبَقَ، فكأنَّهُ قِيلَ: فماذا كانَ مِنْ أمرِ يعقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ، عِنْدَ قوْلِ ذَلِكَ القائلِ؟ فقِيلَ: قالَ لَهمْ أَبوهمْ عندما رَجَعُوا إِلَيْهِ وقالوا لَهُ مَا تقَدَّمَ في الآيتينِ السابقَتَيْنِ: {يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (82)، قالَ: “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا” فقد جُعِلَتْ هذه الجُمْلَةُ فِي صُورَةِ الْجَوَابِ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَقَّنَهُ لهم أَخُوهُمْ، وذلك عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ. وإِنَّما حُذِفَ ذلك للإيذانِ بِأَنَّ مُسَارَعَتَهم إلى قَبُولِ كَلامِ ذَلكَ القائلِ ورُجوعَهم بِهِ إِلى أَبيهم أَمرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيَانِ، وإنَّما المُحْتَاجُ إِلَيْهِ جَوابُهُ. والتَنْوينُ في “أَمْرًا” للتَّعْظيمِ، أَيْ بلْ سوَّلتْ لكم أنفُسُكم أَمْرًا عَظِيمًا. وَقَوْلُهُ هُنَا كَقَوْلِهِ لَهُمْ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَهُوَ تُهْمَةٌ لَهُمْ بِالتَّغْرِيرِ بِأَخِيهِمْ. فقَدْ ظَنَّ بِهِمْ سُوءًا فَصَدَقَ ظنُّه فِيما زَعَموهُ فِي يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِي أَمْرِ بِنْيَامِينَ، وَمُسْتَنَدُهُ فِي هَذَا الظَّنِّ عِلْمُهُ أَنَّ ابْنَهُ لَا يَسْرِقُ، فَعَلِمَ أَنَّ فِي دَعْوَى السَّرِقَةِ مَكِيدَةً. فَظَنُّهُ صَادِقٌ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ. وَأَمَّا تُهْمَتُهُ أَبْنَاءَهُ بِأَن يَكُونُوا قد تَمالَؤوا عَلَى أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ فَهُوَ ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْقِيَاسِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي قَضِيَّةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقد قَالَ لَهُمْ حينَها: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} الآية: 64 من سُورَة يُوسُف. وَيَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ أنْ يُخَطَأُ فِيما يظُنُّ مِنْ أُمُورِ الْعَادَاتِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ تَرْكِ إِبَّارِ النَّخْلِ عن نبيِّنا محمدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ.
قولُهُ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أيْ: عَلَيَّ للهِ صَبْرٌ جَميلٍ، حَسَنٌّ، عَلَى مَا ابْتَلاني بِهِ، مِنْ غَيْرِ جَزَعٍ ولا خوفٍ ولا فزعٍ، ولا شَكْوَ فِيهِ إِلى أَحَدٍ غيرِ اللهِ ـ سبحانَهُ وتعالى.
قولُهُ: {عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ يُوسُفَ، ويَهوذا أو (روبين)، وبِنْيامِينَ. قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَحْمَةِ اللهِ تعالى. أو لَعَلَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَهُ مِنْ بَعْدِ مِحْنَةِ يُوسُفَ أَنَّهُ حَيٌّ، أَوْ لعلَّهُ ظَهَرَتْ لَهُ عَلَامَاتُ ذَلِكَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَني بِهِم جَمِيعًا” قَالَ: بِيُوسُف وأَخِيهِ و (روبيل). وَأَخْرجَ ابْنُ الْمُنْذرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْله: “عَسى اللهُ أَنْ يَأْتِيَني بِهِم جَمِيعًا” قَالَ: بِيُوسُفَ وأَخِيهِ وَكَبِيرِهمْ الَّذِي تَخَلَّفَ. وَأخرج ابْنُ أبي حَاتِم عَنْ أَبي الْجَلْدِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لَهُ أَخُوهُ: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ لَقَدْ ذَهَبَ لَي أَخٌ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ، لَكَأَنَّهُ الشَّمْسُ. فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَسْأَلُ إِلَهَ يَعْقُوبَ أَنْ يَرْحَمَ صِباكَ وَأَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ أَخَاكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي رَوْقٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا حَبَسَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخَاهُ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ كَتَبَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ إِلَى يُوسُفَ عَزِيزِ فِرْعَوْنَ، أَمَّا بعد: فَإنَّا أَهْلَ بَيْتٍ مُوكَلٌ بِنَا الْبلَاءُ، إِنَّ أَبي إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أُلْقِيَ فِي النَّارِ فِي اللهِ فَصَبَرَ، فَجَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَإِنَّ أَبي إِسْحَقَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قُرِّبَ للذَّبْحِ فِي اللهِ فَصَبَرَ، فَفَدَاهُ اللهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَإِنَّ اللهَ كَانَ وَهَبَ لِي قُرَّةَ عَيْنٍ فَسَلَبَنِيهُ، فَأَذْهَبَ حُزْنُهُ بَصَرِي، وأَيْبَسَ لَحْمِي عَلَى عَظْمِي، فَلَا ليلِي لَيْلٌ، وَلَا نَهَارِيَ نَهَارٌ، والأَسِيرُ الَّذِي فِي يَدَيْكَ بِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّرْقِ أَخُوهُ لأُمِّهِ، فَكُنْتُ إِذا ذَكَرْتُ أَسَفِي عَلَيْهِ قَرَّبْتُهُ مِنِّي فَيُسَلِّي عَنِّي بَعْضَ مَا كُنْتُ أَجِدُ، وَقد بَلغنِي أَنَّكَ حَبَسْتَهُ بِسَبَبِ سَرِقَةٍ، فَخَلِّ سَبيلَهُ فَإِنِّي لَمْ أَلِدْ سَارِقًا وَلَيْسَ بِسارِقٍ وَالسَّلَامُ. هذا والصحيحُ أَنَّ الذبيحَ الذي فَدَاهُ اللهُ تَعالى (بذِبْحٍ عظيمٍ) هوَ إِسْمَاعيلُ وليسَ إِسحاقَ ـ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، واللهُ أعلمُ. لأنَّهُ أَظْهَرُ وأَشْهَرُ فهُو الذي وُهِبَ إِثْرَ المُهَاجَرَةِ، ولأَنَّ البِشَارَةَ بإسْحاقَ بَعْدَهُ مَعْطوفٌ عَلَى البِشارَةِ به كما جاء في سورةِ الصافَّاتِ: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112). ولِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أَنَا ابْنُ الذَّبيحَيْنِ)) وروى الحاكمُ وابْنُ جَريرٍ وعبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدٍ، وابْنُ أَبي حاتمٍ مِنْ حَديثِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ أَعْرابِيًا قالَ للنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا بْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فتَبَسَّمَ ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ. فأَحَدُهُما جَدُّهُ إِسْماعيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآخَرُ أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ. ثُمَّ إِنَّ بِشارَةَ إِسْحاقَ كانَتْ مَقْرونَةً بِوِلادَةِ يَعْقوبَ مِنْهُ فَلا يُنَاسِبُهُ الأَمْرُ بِذَبْحِهِ مُراهِقًا. ومَا رُوِيَ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، سُئِلَ أَيُّ النَّسَبِ أَشْرَفُ؟ فقالَ يُوسُفُ صِدِّيقُ اللهِ ابْنُ يَعْقوبَ إِسْرائيلَ اللهِ ابْنِ إِسْحاقَ ذَبيحِ اللهِ ابْنِ إِبراهيمَ خَلِيلِ اللهِ فالصَّحيحُ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحاقَ بْنِ إِبراهيمَ والزَّوائدُ مِنَ الرَّاوي، وما رُوِيَ مِنْ أَنَّ يَعْقوبَ كَتَبَ إِلى يُوسُفَ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ.
قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} تَعْلِيلٌ لِرَجَاءِ يعقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ، مِنَ رَبَّهِ ـ سُبْحانَهُ، بِأَنَّهُ (العَلِيمُ) بمَكانِهم فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ مَوَاقِعُهُمُ وإنْ كانتْ مُتَفَرِّقَةً وبعضُها بعيدٌ عنْ بعْضِها الآخَرِ. وأَنَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، (حَكِيمٌ) قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِ وخلقِ أَسْبَابِ جَمْعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّق وردِّهم عَلَيْهِ.
قولُهُ تَعَالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى الفَتْحِ الظَّاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جَوازًا تَقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهذهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “بَلْ” حَرْفُ إِضْرابٍ وابْتِداءٍ. و “سَوَّلَتْ” فعْلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ والتاءُ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعلِ. و “لَكُمْ” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “سوَّلَ”، وضميرُ المُخاطَبينَ “كم” متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “أَنْفُسُكُمْ” فاعِلٌ مَرْفوعٌ، وهو مُضافٌ، وضميرُ المُخاطَبينَ “كم” متَّصلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ. و “أَمْرًا” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، وقد نُوِّنَ لِتَفْظيعِهِ، كَمَا جاءَ في التَّفْسِيرِ، والجُملَةُ الفعليَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولًا ل “قَالَ”.
قولُهُ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} الفاءُ: هيَ الفَصيحَةُ؛ أَفصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ بِ: إِذا عَرَفْتُمْ ما قُلْتُ لَكمْ، وأَرَدْتُمْ بَيَانَ حالي لَكمْ فأَقولُ لَكم: “صَبْرٌ جَميلٌ”. و “صبرٌ” خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ وُجوبًا. و “جَمِيلٌ” صِفَةٌ لَهُ والتَقْديرُ: فَصَبْرِيَ صَبْرٌ جَميلٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولًا لِجَوابِ إذا المُقَدَّرَةِ، وجُمْلَةُ إذا المُقَدَّرَةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} عَسَى: فعلٌ ماضٍ جامِدٌ ناقِصٌ مِنْ أَفعالِ الرَّجاءِ، ولَفْظُ الجَلالَةِ “اللهُ” اسْمُهُ مَرْفوعٌ بِهِ. و “أَنْ” حرفٌ مصدريٌّ ناصِبٌ، و “يَأْتِيَنِي” فعْلٌ مُضارعٌ مَنْصوبٌ بِهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلى “اللهُ” تعالى، والنُّونُ للوِقايَةِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في مَحلِّ نَصْبِ مَفعولِهِ. و “بِهِمْ” الباءُ حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِ “يأتي”، وضَميرُ الغائبينَ “هم” المتَّصلُ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و “جَمِيعًا” حالٌ مِنْ الضميرِ في “بِهِمْ”، والجُمْلَةُ “يأْتيني” الفِعْلِيَة صِلَةُ “أَنْ” المَصْدَرِيَّةِ، و “أَنْ” مَعَ صِلَتِها: في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ “عَسَى”، وَلَكِنَّهُ في تَأْويلِ اسْمِ الفاعِلِ؛ لِيَصِحَّ الإخْبارُ بهِ والتقديرُ: عَسَى اللهُ آتِيًا بِهِمْ جَمِيعًا.
قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} إِنَّهُ: حَرْفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتَوْكيدِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ اسمِهُ. و “هُوَ” ضَميرُ فَصْلٍ للتوكيدِ. و “الْعَلِيمُ” خَبَرٌ أَوَّلُ لِ “إِنَّ”. و “الْحَكِيمُ” خَبَرٌ ثانٍ لَها، ويجوزُ أنْ نُعرِبَ “هو” ضميرًا منفصلًا مبنيًّا في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، فيكونُ “العليمُ” خبرَهُ الأول، و “الحكيمُ” خَبَره الثاني، وجملةُ “هو العليم الحكيمُ” في محلِّ رفعِ خبرِ “إنَّ”، وجُملةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ مَسوقةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَها.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 82
 
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. (82)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} أَيْ: أَرْسِلْ إِلى أَهْلِ القريةِ التي كنَّا فيها واسْأَلْهُمْ عَنِ القِصَّةِ، وتفاصيلِ أحداثها ووقائعِها، والقريةُ هي مصرٌ بعينها كما قالَ ابْنُ عبَّاسٍ وعامَّةُ المُفَسِّرينَ وأَهْلِ التَأْويلِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا، ذكرَ ذلك الطبريُّ: 13/37، والقُرْطُبِيُّ: 9/246، والبَغَوِيُّ: 4/267، والفَخْرُ الرازِيُّ: 18/190، وغيرُهم. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ ذلك عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي الله عَنهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هيَ قرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ، لَحِقَهمُ المُنَادي عِنْدَهَا مُؤَذِّنًا فيهمْ، إِنَّكمْ لَسَارِقونَ. وقد حُذِفَ ذِكْرُ الأَهْلِ هُنَا إِيجازًا لأَنَّ الحالَ تَشْهَدُ بِهِ.
قولُهُ: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} قالَ مجاهدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: العِيرُ الحَميرُ. وقيلَ هي قافلَةُ الإبِلِ، سُمِّيتْ عِيرًا عَلى وَجْهِ التَّشْبيهِ، أَيْ: سَلْ أَصْحَابَ العِيرِ الذينَ كانُوا مَعَنَا مِنْ أَرْضِ كَنْعانَ، وهمْ جِيرانُ يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، فإنَّ القِصَّةَ مَعْروفةٌ فيما بَيْنَهُم لأَنَّهم كانوا حاضِرينَ، فقد سَمِعُوا بالقِصَّةِ وشَهِدوا أَحداثَها ووَقائِعَها. وقِيلَ: كانَ أَصْحابُ تِلْكَ العِيرِ مِنْ صَنْعاءَ باليَمَنِ. وقِيلَ: بِأَنَّهم أَرادوا مِنْ أَبيهم أَنْ يَسْأَلَ القَرْيَةَ وهي جَمَادٌ، ونَفْسَ العِيرِ وهيَ حَيَواناتٌ بَهيمَةٌ لأَنَّهُ نَبِيٌّ، وقدْ أَنْطَقَ اللهُ الجَمَادَ والحيوانَ للأنْبِيَاءِ بِمَا يُحْدِثُ فِيهم مِنَ المَعْرِفَةِ تَأْيِيدًا لأَنْبِيائهِ، فيَكونُ ذلك أَوْضَحَ بُرْهانًا على صدقِهم. وقيلَ: إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا ظَهَرَ ظُهُورًا تَامًّا كَامِلًا فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ، سَلِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ والجبالَ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قد بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لمْ يَبَقَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجَالٌ.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أيْ: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ في قَوْلِنا هذا وما قدِ ادَّعَيْنَاهُ على أخينا بنيامينَ، مُؤَكِّدينَ قَوْلَهمْ بِ “إنَّ” وباللامِ المزحلقةِ، وهوَ تَأْكيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.
وقد رَجَعُوا بِذَلِكَ القَوْلِ إِلَى أَبيهم، فاتَّهَمَهم بالخِيانةِ قائلًا: لقدْ أَصْبَحْتُم كالذِّئابِ، يَأْكُلُ بَعْضَكم بَعْضًا، فَكُلَّمَا خَرَجْتُمْ، نَقَصْتُمْ واحِدًا، مرَّةً نَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ومَرَّةً شَمْعونَ، وهذه المرَّةَ نَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ.
قولُهُ تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} الواو: للعطفِ، و “اسْأَلْ” فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وحُرِّكَ بالكَسْرِ لالتقاءِ ساكِنَيْنِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أَنتَ” يَعودُ عَلى أَبيهم، و “القريةَ” مَفعولٌ بهِ مَنصْوبٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ {إِنَّ} عَلَى كونِها جَوابَ النِّداءِ. و “الَّتِي” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ صْفةً لِـ “الْقَرْيَةَ”. و “كُنَّا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهي ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسمِها. و “فِيهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرِها المحذوفِ، والتقديرُ: كنا موجودينَ فيها، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. وجمْلةُ “كان” صلةُ المَوْصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب.
ويَحْتمِلُ قولُهُ تَعالى: “وَسْئَلِ القرية” أَربعةَ أَوْجُهٍ َكَمَا تَقَدَّمَ في التَّفْسيرِ، أَشْهَرُها مَا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والتَّقْديرُ: واسْأَلْ أَهْلَ القريَةِ وأَهْلَ والعِيرِ، وهوَ مِنَ المَجازِ الشائعِ، عَلى خِلافٍ في المَسْأَلَةِ: هَلِ الإِضْمارُ مِنْ بابِ المَجازِ أَوْ غَيْرِهِ؟ وففيالمُشْتَهَرُ أَنَّهُ قِسْمٌ مِنْهُ، وعليهِ أَكْثَرُ النَّحْوِيينَ. وقالَ بعضُهم: هذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، لأَنَّ المَجازَ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هِي لَهُ، وحَذْفُ المُضافِ هوَ عَيْنُ المَجازِ وعُظْمُهُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيهِ وغيرِهِ مِنْ أهلِ هذا العلْمِ. وقالَ فَخْرُ الدينِ الرّازِيُّ: إِنَّ المَجَازَ والإِضْمارَ قِسْمانِ لا قَسِيمانَ، فهُمَا مُتَبايِنَانَ. وقيل: إِنَّهُ مَجازٌ، ولكنَّهُ مِنْ بابِ إِطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ فيهِ للمُجاوَرَةِ، كالزاويَةِ. وقيلَ: إنَّهُ حَقيقةٌ لا مَجَازَ فيها، لأَنَّهُ يَجوزُ أَنْ يَسْأَلَ القَرْيَةَ نَفْسَها والإِبِلَ أَيْضًا فَتُجيبُهُ، وهوَ شأنٌّ مِنْ شُؤونِ النُّبُوَّةِ وبابٌ منْ أبوابِ الإعجازِ، إذْ قدْ ينطِقُ اللهُ البهائمَ والجماداتِ لأَنْبِيهِ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، تَأْييدًا لَهْم في صِدْقِ إِنْبائهم عَنِ مَوْلاهم ـ جلَّ جلالُهُ، ويعقوبُ ـ عَلَيهِ السَّلامُ، نَبِيٌّ مِنَ الأنبياءِ. وَفِيهِ وَجْهٌ رابعٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا ظَهَرَ ظُهُورًا تَامًّا كَامِلًا فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ، سَلِ عَنْهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ والجبالَ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قد بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لمْ يَبَقَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجَالٌ.
قولُهُ: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} الوَاوُ: للعطفِ، و “الْعِيرَ” مَفعولٌ بهِ منصوبٌ عَطفًا عَلَى “الْقَرْيَةَ”. و “الَّتِي” كسابِقتِها اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ صْفةً لِـ “العيرَ”. و “أَقْبَلْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ بالفاعِليَّةِ. و “فِيهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ ب “أقبلَ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. وجمْلةُ “أَقْبَلَ” صِلَةُ الاسْمِ المَوْصولِ “التي” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعراب.
قولُهُ: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “إِنَّا” حرْفُ نَصْبٍ ونسخٍ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِها. و “لَصَادِقُونَ” اللامُ حَرْفُ ابْتِداءٍ أو هي المزحلقةُ للتوكيدِ، و “صادقون” خبرُ “إنَّ” مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، وهذه الجًمْلَةُ الاسْمِيَّة في محلِّ النَّصبِ عطْفًا عَلى جُملةِ “وَاسْأَلِ” على كونِها مَقُولَ القولِ ل {قولوا}.


 

وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ

(82)

قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} أَيْ: أَرْسِلْ إِلى أَهْلِ القريةِ التي كنَّا فيها واسْأَلْهُمْ عَنِ القِصَّةِ، وتفاصيلِ أحداثها ووقائعِها، والقريةُ هي مصرٌ بعينها كما قالَ ابْنُ عبَّاسٍ وعامَّةُ المُفَسِّرينَ وأَهْلِ التَأْويلِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا، ذكرَ ذلك الطبريُّ: 13/37، والقُرْطُبِيُّ: 9/246، والبَغَوِيُّ: 4/267، والفَخْرُ الرازِيُّ: 18/190، وغيرُهم. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ ذلك عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي الله عَنهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هيَ قرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ، لَحِقَهمُ المُنَادي عِنْدَهَا مُؤَذِّنًا فيهمْ، إِنَّكمْ لَسَارِقونَ. وقد حُذِفَ ذِكْرُ الأَهْلِ هُنَا إِيجازًا لأَنَّ الحالَ تَشْهَدُ بِهِ.

قولُهُ: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} قالَ مجاهدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: العِيرُ الحَميرُ. وقيلَ هي قافلَةُ الإبِلِ، سُمِّيتْ عِيرًا عَلى وَجْهِ التَّشْبيهِ، أَيْ: سَلْ أَصْحَابَ العِيرِ الذينَ كانُوا مَعَنَا مِنْ أَرْضِ كَنْعانَ، وهمْ جِيرانُ يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، فإنَّ القِصَّةَ مَعْروفةٌ فيما بَيْنَهُم لأَنَّهم كانوا حاضِرينَ، فقد سَمِعُوا بالقِصَّةِ وشَهِدوا أَحداثَها ووَقائِعَها. وقِيلَ: كانَ أَصْحابُ تِلْكَ العِيرِ مِنْ صَنْعاءَ باليَمَنِ. وقِيلَ: بِأَنَّهم أَرادوا مِنْ أَبيهم أَنْ يَسْأَلَ القَرْيَةَ وهي جَمَادٌ، ونَفْسَ العِيرِ وهيَ حَيَواناتٌ بَهيمَةٌ لأَنَّهُ نَبِيٌّ، وقدْ أَنْطَقَ اللهُ الجَمَادَ والحيوانَ للأنْبِيَاءِ بِمَا يُحْدِثُ فِيهم مِنَ المَعْرِفَةِ تَأْيِيدًا لأَنْبِيائهِ، فيَكونُ ذلك أَوْضَحَ بُرْهانًا على صدقِهم. وقيلَ: إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا ظَهَرَ ظُهُورًا تَامًّا كَامِلًا فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ، سَلِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ والجبالَ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قد بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لمْ يَبَقَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجَالٌ.

قولُهُ: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أيْ: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ في قَوْلِنا هذا وما قدِ ادَّعَيْنَاهُ على أخينا بنيامينَ، مُؤَكِّدينَ قَوْلَهمْ بِ “إنَّ” وباللامِ المزحلقةِ، وهوَ تَأْكيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.

وقد رَجَعُوا بِذَلِكَ القَوْلِ إِلَى أَبيهم، فاتَّهَمَهم بالخِيانةِ قائلًا: لقدْ أَصْبَحْتُم كالذِّئابِ، يَأْكُلُ بَعْضَكم بَعْضًا، فَكُلَّمَا خَرَجْتُمْ، نَقَصْتُمْ واحِدًا، مرَّةً نَقَصْتُمْ يُوسُفَ، ومَرَّةً شَمْعونَ، وهذه المرَّةَ نَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ.

قولُهُ تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} الواو: للعطفِ، و “اسْأَلْ” فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وحُرِّكَ بالكَسْرِ لالتقاءِ ساكِنَيْنِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أَنتَ” يَعودُ عَلى أَبيهم، و “القريةَ” مَفعولٌ بهِ مَنصْوبٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ {إِنَّ} عَلَى كونِها جَوابَ النِّداءِ. و “الَّتِي” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ صْفةً لِـ “الْقَرْيَةَ”. و “كُنَّا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهي ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصلٌ بهِ مَبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ اسمِها. و “فِيهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرِها المحذوفِ، والتقديرُ: كنا موجودينَ فيها، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. وجمْلةُ “كان” صلةُ المَوْصولِ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب.

ويَحْتمِلُ قولُهُ تَعالى: “وَسْئَلِ القرية” أَربعةَ أَوْجُهٍ َكَمَا تَقَدَّمَ في التَّفْسيرِ، أَشْهَرُها مَا قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والتَّقْديرُ: واسْأَلْ أَهْلَ القريَةِ وأَهْلَ والعِيرِ، وهوَ مِنَ المَجازِ الشائعِ، عَلى خِلافٍ في المَسْأَلَةِ: هَلِ الإِضْمارُ مِنْ بابِ المَجازِ أَوْ غَيْرِهِ؟ والمُشْتَهَرُ أَنَّهُ قِسْمٌ مِنْهُ، وعليهِ أَكْثَرُ النَّحْوِيينَ. وقالَ بعضُهم: هذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، لأَنَّ المَجازَ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هِي لَهُ، وحَذْفُ المُضافِ هوَ عَيْنُ المَجازِ وعُظْمُهُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيهِ وغيرِهِ مِنْ أهلِ هذا العلْمِ. وقالَ فَخْرُ الدينِ الرّازِيُّ: إِنَّ المَجَازَ والإِضْمارَ قِسْمانِ لا قَسِيمانَ، فهُمَا مُتَبايِنَانَ. وقيل: إِنَّهُ مَجازٌ، ولكنَّهُ مِنْ بابِ إِطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ فيهِ للمُجاوَرَةِ، كالزاويَةِ. وقيلَ: إنَّهُ حَقيقةٌ لا مَجَازَ فيها، لأَنَّهُ يَجوزُ أَنْ يَسْأَلَ القَرْيَةَ نَفْسَها والإِبِلَ أَيْضًا فَتُجيبُهُ، وهوَ شأنٌّ مِنْ شُؤونِ النُّبُوَّةِ وبابٌ منْ أبوابِ الإعجازِ، إذْ قدْ ينطِقُ اللهُ البهائمَ والجماداتِ لأَنْبِيهِ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، تَأْييدًا لَهْم في صِدْقِ إِنْبائهم عَنِ مَوْلاهم ـ جلَّ جلالُهُ، ويعقوبُ ـ عَلَيهِ السَّلامُ، نَبِيٌّ مِنَ الأنبياءِ. وَفِيهِ وَجْهٌ رابعٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا ظَهَرَ ظُهُورًا تَامًّا كَامِلًا فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ، سَلِ عَنْهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ والجبالَ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قد بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لمْ يَبَقَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجَالٌ.

قولُهُ: {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} الوَاوُ: للعطفِ، و “الْعِيرَ” مَفعولٌ بهِ منصوبٌ عَطفًا عَلَى “الْقَرْيَةَ”. و “الَّتِي” كسابِقتِها اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ صْفةً لِـ “العيرَ”. و “أَقْبَلْنَا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ بالفاعِليَّةِ. و “فِيهَا” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ ب “أقبلَ”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. وجمْلةُ “أَقْبَلَ” صِلَةُ الاسْمِ المَوْصولِ “التي” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعراب.

قولُهُ: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}  الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “إِنَّا” حرْفُ نَصْبٍ ونسخٍ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِها. و “لَصَادِقُونَ” اللامُ حَرْفُ ابْتِداءٍ أو هي المزحلقةُ للتوكيدِ، و “صادقون” خبرُ “إنَّ” مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عوضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، وهذه الجًمْلَةُ الاسْمِيَّة في محلِّ النَّصبِ عطْفًا عَلى جُملةِ “وَاسْأَلِ” على كونِها مَقُولَ القولِ ل {قولوا}.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 81
 
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
(81)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ} الأَظْهَرُ أنَّه قولُ أَخِيهِمُ الأكبرِ (روبيل) بَعْدَ أَنْ تَفَكَّروا وتَدَبَّرِوا ووجَدوا أَنَّ الْأَصْوَبَ هُوَ الرُّجُوعُ إلى بِلادِهم، وَأَنْ يَذْكُرُوا لِأَبِيهِمْ كَيْف حَصَلَتِ هذه الْوَاقِعَةُ. والذي كان قد قالَ لهم في الآيةِ السابِقَةِ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}، الآيةُ: 80، وَهو الذي بَقِيَ فِي مِصْرَ وَبَعَثَ سَائِرَ إِخْوَتِهِ إِلَى أَبيهِم، وهو كلامٌ عاطِفِيٌّ نابعٌ مِنَ النَّفسِ اللوَّامَةِ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ محمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ لهم: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَإِنِّي مَاكِثٌ لَا أَرْجِعُ حَتَّى يَأْتِيَنِي أَمْرُهُ). وقيلَ: إنَّهُ مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، فقد ذَكَرَ الطَبَرِيُّ أَنَّ يوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، قالَ لَهم: إِذا أَتَيْتُمْ أَباكم فاقْرَؤوا عَلَيْهِ السَّلامَ، وقولوا لَهُ: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ بأَنْ لا تمُوتَ حَتَّى تَرَى وَلَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أَنَّ في أَرْضِ مِصْرَ أَيضًا صِدِّيقينَ مِثْلَهُ. والقولُ الأَوَّلُ أَظْهَرُ، واللهُ أَعلمُ.
قولُهُ: {فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ قَدْ أَجَابَ بِالْجَوَابِ الشَّافِي، فَقَالَ الَّذِي جَعَلَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْبِضَاعَةَ فِي رَحْلِكُمْ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَوَّلُ هذه الوُجوهِ: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنَّ الصُّوَاعَ كَانَ مَوْضُوعًا فِي مَوْضِعٍ مَا كَانَ يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا هُمْ، فَلَمَّا شَاهَدُوا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِهِ غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ الصُّوَاعَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَضَعَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي مَنْ وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ) فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ هُنَاكَ لَمَّا رَجَعُوا بِالْبِضَاعَةِ إِلَيْهِمُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ هم الذينَ وَضَعُوهَا فِي رِحَالِهِمْ، وَأَمَّا هَذَا الصُّوَاعُ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ فَلِهَذَا السَّبَبِ غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ أَنَّهُ سَرَقَ، فَشَهِدُوا بِنَاءً على هذا الظنِّ، غَيْرُ قَاطِعِينَ بِهَذَا الْأَمْرِ بِقَوْلِهِمْ: “وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ”. وَثانِيها: فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ فِي قَوْلِ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. من ذلك قَولُهُ تَعَالَى في الآية: 87، من سورةِ هودٍ ـ عليهِ السلامُ: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وَقَالَ في الآية: 49 من سورة الدُخانِ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}، أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَ (لَا) فَكَذَلك هَهُنَا. وَثالِثُ هذه الوجوهِ: فِي الْجَوَابِ أَنَّ ابْنَكَ ظَهَرَ عَلَيْهِ مَا يُشْبِهُ السَّرِقَةَ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّيْءِ يُسَمَّى سَرِقَةً فَإِنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ أَحَدِ الشَّبِيهَيْنِ عَلَى الشَّبِيهِ الْآخَرِ جَائِزٌ فِي الْقُرْآنِ، مِنْ ذلك قَولُهُ تَعَالَى في الآية: 40 مِنْ سُورَةِ الشُّورَى: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها}. أَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا أَنْبِيَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ ذَكَرُوا هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَازَفَةِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَاهَدُوا شَيْئًا يُوهِمُ ذَلِكَ. والْخَامِسُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ يَقْرَأُ: “إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ بِالتَّشْدِيدِ”، أَيْ نُسِبَ إِلَى السَّرِقَةِ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ لِأَنَّ الْقَوْمَ نَسَبُوهُ إِلَى السَّرِقَةِ، إِلَّا أَنَّ أَمْثالَ هذِهِ القِراءاتِ لَا تَدْفَعُ السُّؤَالَ، لِأَنَّ الْإِشْكَالَ إِنَّمَا يُدْفَعُ إِذَا قُلْنَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى بَاطِلَةٌ، وَالْقِرَاءَةُ الْحَقَّةُ هِيَ هَذِهِ. أَمَّا إِذَا سَلَّمْنَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى حَقَّةٌ أيضًا كَانَ الْإِشْكَالُ بَاقِيًا سَوَاءٌ صَحَّتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ أَوْ لَمْ تَصِحَّ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، أَمَّا قَوْلُهُ: “وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا” فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ غَيْرُ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا” وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّهَادَةِ مُغَايِرَةً لِلْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ الصلاةِ والسَّلَامُ، قَالَ: ((إِذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ)) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، ورَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ. وَذَلِكَ يَقْتَضي مَا ذَكَرْناهُ أَيضًا، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ أَشْهَدُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَشْهَدُ إِخْبَارٌ عَنِ الشَّهَادَةِ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ الشَّهَادَةِ غَيْرُ الشَّهَادَةِ ذاتِها.
قولُهُ: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} الشَّهَادَةُ هيَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ، وَيُسَمِّيهِ عُلَماءُ الكَلامِ بِ (كَلَامِ النَّفْسِ). والمَعْنَى: ما شَهِدْنَا عِنْدَ يُوسُفَ بِأَنَّ السَّارَقَ يُسْتَرَقُّ إِلَّا بِمَا عَلِمْنا مِنْ شَريعَتِكَ وشَريعَةِ آبائكَ، فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ـ رضي اللهُ عنه، يَقُولُ: “مَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا” أيْ: لَمْ نَشْهَدْ أَنَّ السَّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا وَذَلِكَ الَّذِي عَلِمْنَا، قَالَ: وَكَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ الأَنْبِيَاءِ ـ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، أَنْ يُؤْخَذَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عِنْدَما يَسْرِقُ. والأَظْهَرُ إنَّ المُرادَ هوَ: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا مِنِ اسْتِخْراجِ الصُّواعِ مِنْ وِعاءِ بِنْيامينَ. ولذلك كُرِهَ أَنْ يَكْتُبَ الرَّجُلُ شهادتَهُ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكْتُبَ الرَّجُلُ شَهَادَتَهُ، فَإِذا اسْتُشْهِدَ شَهِدَ، وَيَقْرَأُ: “وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا”. وأخرجَ أيضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا”، أَيْ قَدْ أُخِذَتِ السَّرِقَةُ مِنْ رَحْلِهِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} الغَيْبُ: كُلُّ ما خَفِيَ عَنْكَ فهُوَ غيبٌ عِنْدَكَ، والغيبُ: هو الأُمورُ المَخْفِيَّةُ. و “حافظينَ” عَالِمينَ، لأَنَّ الحِفْظَ هُنا بِمَعْنَى العِلْمِ، والمَعْنَى: وما كُنَّا حافِظِينَ للغَيْبِ حَتَّى يَتَّضِحَ لَنَا فيما إِذا كانَ الأَمْرُ عَلَى ما شَاهَدْناهُ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ، فَقد رَأَيْنَاهُمْ يُخْرِجُونَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِهِ، أَمَّا حَقِيقَةُ الْحَالِ فَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنَا لأَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالى. وفِي قولِهِمْ هَذا أَوْجُهٌ أُخْرَى هيَ: الأَوَّلُ: لَعَلَّ الصُّوَاعَ قدْ دُسَّ فِي مَتَاعِهِ بِليْلٍ، لأَنَّ (الْغَيْبَ) منْ أَسْماءِ اللَّيْلِ بِحَسَبِ بَعْضِ لُغَاتِ العَرَبِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والثانِي: أَنَّ المَعْنى وَمَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، وَلَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مَا ذَهَبْنَا بِهِ إِلَى الْمَلِكِ، وَمَا أَعْطَيْنَاكَ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ فِي رَدِّهِ إِلَيْكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُم. وَالثَّالِثُ أَنَّ المعنى: مَا نُقِلَ عنْ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّه قَالَ لَهُمْ: هَبْ أَنَّ بِنْيامِينَ سَرَقَ، فكَيْفَ عَرَفَ الْمَلِكُ أَنَّ شَرْعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْضِي بِأَنَّ مَنْ سَرَقَ يُسْتَرَقُّ؟، فأَنْتُمْ إذًا أَعْلَمْتُمُوهُ بِذلِكَ لِغَرَضٍ في أَنْفُسِكُمْ. فقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَام، لِبَنِيهِ: مَا يَدْرِي هَذَا الرَّجلُ أَنَّ السَّارِق يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا بِقَوْلِكم، قَالُوا: “مَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا” ولم نَشْهَدْ أَن السَّارِق يُؤْخَذ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا وَذَاكَ الَّذِي عَلِمْنَا، فَعِنْدَ ذَلكَ قالوا: إِنَّا ذَكَرْنَا لَهُ هَذَا الْحُكْمَ قَبْلَ حُدُوثِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَمَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّنا سَنَقَعُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةَ، وفي قَوْلِهِ تعالى: “وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ” إِشَارَةٌ واضِحَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ يَجُوزُ مِنْ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَسْعَى فِي إِخْفَاءِ حُكْمِ اللهِ تَعَالَى بحسَبِ هَذَا الْقَوْلِ؟. قُلْنَا: لَعَلَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كان مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مُسْلِمًا فَلِهَذَا أَنْكَرَ ذِكْرَ هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَلِكِ الَّذِي ظَنَّهُ كَافِرًا. وكلامُهُمْ هَذَا يُشيرُ إلى عدَّةِ مَعَانٍ أوَّلُها: أَنَّهم قد اسْتَهانوا بالأَمْرِ، وأَنَّ الأَمْرَ لَا يَتَجاوَزُ أَنَّ ابْنَه سَرَقَ، ولم يقولوا إنَّهُ أَخوهم، بَلْ قالوا بأَنَّهُ ابْنَهُ، وهِيَ نَغْمَةٌ حَاسِدَةٌ. وثانيها: أَنَّهم لَمْ يَقولوا بأَنَّهُ اتُّهِمَ بالسَرِقَةِ، بَلْ قالوا: إِنَّهُ سَرَقَ، مُؤْمِنينَ بِذَلِكَ مُؤَكِّدينَ لَهُ، وذَلِكَ مِنْ بَقايَا حَسَدِهم لهُ وحِقْدِهم.
لقد كانَ لِإخوةِ يوسُفَ هذِهِ المَرَّةَ حُجَّةٌ عَلى مَا ادَّعوهُ، لكنَّ قَلْبَ نِبِيِّ اللهِ يَعقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَسْكُنْ إِلَيْها، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْمِ عَلَيهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، جُرْمِ التَّخَلُّصِ مِنْ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَلْصَقَ التُّهْمَةَ بِهِمْ في هذه المَرَّةِ.
قولُهُ تعالى: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ} ارْجِعُوا: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لأنَّ مُضارعَهُ من الأسماء الخَمْسَةِ، والواوُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ. و “إِلَى” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “ارْجِعُوا”، و “أَبِي” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ من الأسماء الخمسةِ، وهو مضافٌ، وضميرُ المخاطَبينَ “كُمْ” في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ الفعلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بِالقولِ لِ {قَالَ}.
قولُهُ: {فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} الفاءُ: حرفُ عَطْفٍ. و “قولوا” فعلُ أمْرٍ مَبْنِيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لأنَّ مُضارعَهُ من الأسماء الخَمْسَةِ، والواوُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ. و “يَا” أداةُ نداءٍ، و “أَبَانَا” أبا: منصوبٌ بالنِداءِ، وعلامةُ نَصْبِهِ الألِفُ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، وهو مُضافٌ، و “نا” ضميرُ جماعةِ المُتكلِّمين المتَصلُ في محلِّ الجرِّ بالإضافة إليه، وجملةُ النِداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ ب {قولوا}. و {إِنَّ} حرفٌ ناصب ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيد، و “ابْنَكَ” اسمُهُ منصوبٌ بهِ وهو مضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. و {سَرَقَ} فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلى “ابنَ”، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في محلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “إِنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ {قولوا}، على كونِها جَوابَ النِّداءِ.
قولُهُ: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} الواوُ: للعطفِ. و “ما” نافيَةٌ لا عملَ لها. و “شَهِدْنَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا عَلى جُمْلَةِ “إِنَّ” عَلَى كَوْنِها جوابَ النِّداءِ. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ. و “بِمَا” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “شَهِدْنَا”. و “ما” اسمٌ مَوْصولٌ أَوْ نَكِرةٌ موْصوفةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، و {عَلِمْنَا}: مثلُ “شَهِدْنا”، والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما”، أَوْ صِفَةٌ لَها، والعائدُ أَوِ الرابِطُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: إِلَّا بِمَا عَلِمْنَاهُ، و “عَلِم” هنا بمَعْنَى “عَرَفَ”.
قولُهُ: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} الواو: حرفُ عطفٍ. و “ما” نافيةٌ لا عملَ لها. و “كُنَّا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مَبْنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو “نا” الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصبِ، اسْمُهُ. و “لِلْغَيْبِ” اللامُ: حرفُ جرٍّ مُتَعلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، و “الغيبِ” اسمٌ مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و “حَافِظِينَ” خَبَرُ كانَ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نَصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السَّالِمُ، والنونُ هي عوضٌ عن التنوين في الاسْمِ المفرد، وجُمْلَةُ “كان” مع اسمها وخبرِها معْطُوفَةٌ عَلىَ جُمْلَةِ “إِنَّ” عَلَى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ.
قرأَ العامَّةُ: {سَرَقَ} بالتَّخْفيفِ والبِناءِ للفاعِلِ، وقرأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وأَبُو رَزين، والكِسائيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهمُ جميعًا، في رِوَايةٍ “سُرِّقَ” بالبناءِ للمَفْعولِ مُشَدَّدًا. وقرَأَ الضَّحَّاكُ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، “سارِقٌ” فجَعَلَهُ اسْمَ فاعِلٍ.


فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

(80)

قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} وَلَمَّا يَئِسَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مِنْ إِقْنَاعِ العَزِيزِ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَخَاهُمْ الصَّغِيرَ وأنْ يأخُذَ أَحَدَهِمْ بَدَلًا عَنْهُ، وهُوَ نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُهُمْ بَذْلُهُ، انْقَطَعَ طَمَعُهُمْ فِي رَدِّهِ، واسْتَيْأَسُوا مِنْهُ، انْتَحَوْا جَانِبًا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَيْ انفَرَّدُوا عَنْ سَائِرِ النَّاسِ يَتَنَاجَوْنَ، ويَتَشَاوَرُونَ وَيَتَبادلُونَ الرَّأْيَ فِيمَا يُخْرجُهم مِنَ المَأْزِقِ الذي وَجَدُوا أنفُسَهم فِيهِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخَذُوا بِنْيَامِينَ مِنْ أَبِيهِمْ بَعْدَ الْمَوَاثِيقِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَكَانُوا مُتَّهَمِينَ من قبلُ فِي يُوسُفَ فَإذا لَمْ يُعِيدُوا أخاهُم بنيامينَ إِلَى أَبِيهِمْ يمكنُ أنْ تحصُلَ لهم مِحَنٌ كَثِيرَةٌ: منهَا: أَنَّهُ إذا لَمْ يَعُودُوا جميعًا إِلَى أَبِيهِمْ فَبَقَاؤُهُ وَحْدَهُ دونَ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ لاسيما وأنَّه شَيْخٌ كَبِيرٌ. وَمنهَا: أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِمْ كَانُوا في أَشَدَّ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ. وَمنها: أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ أَوْلَادَهُ هَلَكُوا بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ غَمٌّ شَدِيدٌ له، وَلَوْ عَادُوا إِلَى أَبِيهِمْ بِدُونِ بِنْيَامِينَ لَعَظُمَ حَيَاؤُهُمْ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ يُوهِمُ أَنَّهُمْ خَانُوهُ فِي هَذَا الِابْنِ أيضًا كَمَا أَنَّهُمْ خَانُوهُ فِي الِابْنِ الْأَوَّلِ، وَلهذا يُوهِمُ أَيْضًا أَنَّهُمْ مَا أَقَامُوا لِتِلْكَ الْمَوَاثِيقِ الْمُؤَكَّدَةِ وَزْنًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ فِكْرَةٍ وَحَيْرَةٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّفَاوُضَ وَالتَّشَاوُرَ طَلَبًا لِلْأَصْلَحِ والْأَصْوَبِ.

وَيَئِسَ يَيْأَسُ، مِثْل حَسِبَ يَحْسَبُ، ومَنْ قالَ اسْتَيْأَسَ قَلَبَ الْعَيْنَ إِلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ فَصَارَ وزنُهُ “اسْتَعْفَلَ” وَأَصْلُهُ: “اسْتَيْأَسَ” ثُمَّ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ. قَالَ الزمخشريُّ: اسْتَيْأَسُوا يَئِسُوا، وَزِيَادَةُ السِّينِ وَالتَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ كما في قولِهِ: {فَاسْتَعْصَمَ} الآية: 32 من هذه السورة.

وَخَلَصُوا منْ خَلَصَ الشَّيْءُ يَخْلُصُ خُلُوصًا، إِذَا ذَهَبَ عَنْهُ الشَّائِبُ مِنْ غَيْرِهِ، و “خَلَصُوا” أَيِ انْفَرَدُوا، وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَخُوهُمْ، وتَمَيَّزُوا عَنِ الْأَجَانِبِ. وَ “نَجِيًّا” يَأْتي بمَعنى المُنَاجي كَالْعَشِيرِ بِمَعْنَى الْمُعَاشِرِ، وَ وَالسَّمِيرِ بمعنى الْمُسَامِرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في سورة مَرْيَمَ: {وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا} الآية: 52، وَيأتي أيضًا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّنَاجِي كَمَا قِيلَ: النَّجْوَى بِمَعْنَى الْمُتَنَاجِينَ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى خَلَصُوا نَجِيًّا اعْتَزَلُوا وَانْفَرَدُوا عَنِ النَّاسِ خَالِصِينَ لَا يُخَالِطُهُمْ سِوَاهُمْ نَجِيًّا أَيْ مُنَاجِيًا. وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ تَمَحَّضُوا تَنَاجِيًا، لِأَنَّ مَنْ كَمُلَ حُصُولُ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ فِيهِ وُصِفَ بِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَمَّا أَخَذُوا فِي التَّنَاجِي عَلَى غَايَةِ الْجِدِّ صَارُوا كَأَنَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، صَارُوا نَفْسَ التَّنَاجِي حَقِيقَةً.

قولُهُ: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ} فَقَالَ لَهُمْ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ الذِي أَشَارَ بِأَلاَّ يَقْتُلُوا يُوسُفَ، وَبِأَنْ يَكْتَفُوا بِإِلْقَائِهِ فِي الجُبِّ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَرُدُّنَ عَلَيْهِ ابْنَهُ، وَهَا قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ، وقد وردت فيهِ ثلاثةُ أَقاويلَ: أَحَدُها لمُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: أَنَّهُ عَنَى كَبيرَهمْ في العَقْلِ والعِلْمِ، وهوَ شَمْعونُ، وقد كانتْ لَهُ الرِّئاسةُ على إخوتِهِ، وهو الذي بقي في مصرَ قائلًا: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين” حِينَ رَجَعَ إِخْوَتُهُ إِلَى أَبيهم. وثانيها قالَهُ ابْنُ عبَّاسٍ والكَلبيُّ ـ رضي اللهُ عنهم، أَنَّهُ عَنَى كَبيرَهم في الرَّأْيِ والتَمْييزِ، وهوَ يَهُوذا. والثالثُ قالَهُ قَتَادَةُ، والسديُّ، والضحّاكُ  ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم: أَنَّهُ عَنَى كَبيرَهم في السِّنِّ، وهوَ رُوبيلُ ابْنُ خالَةِ يُوسُفَ، وهو الذي نهاهم عن قتلِ يوسفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قولُهُ: {وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ} وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَضَعْتُمْ يُوسُفَ، وَأَبْعَدْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ فَقَاسَى الحُزْنَ الشَّدِيدَ عَلَيْهِ، وفي محلِّ “ما” ومعناها  وُجُوهٌ، الأوَّلُ: أنَّ أَصْلَهُ: مِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي شَأْنِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أَبيكم. الثاني: أَنْ يَكونَ مَعْنَاهُا مِنْ قَبْلِ تَفْريطِكِمْ في يوسُفَ، وعليه فَ “ما” مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّهُا الرَّفْعُ عَلَى الابْتِداءِ والظَّرْفُ “مِنْ قَبْلُ” هو خَبَرُهُ. الثالث: أنَّ المعنى: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَخْذَ أَبيكمْ مَوْثِقَكُمْ وتَفْريطَكم مِنْ قبْلُ في يُوسُفَ. وعليهِ فمَحَلُّ “ما” هو النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعولِ “أَلَمْ تَعْلَمُواْ”. الرابع: أَنْ تَكونَ “ما” مَوْصولَةً بِمَعْنَى ومِنْ قَبْلِ هَذَا مَا فَرَّطْتُموهُ، أَيْ قدَّمْتُموهُ في حَقِّ يُوسُفَ مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلَى الوَجْهَيْنِ المَذْكورين.

قولُهُ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي} أيْ: فَلَنْ أُفَارِقَ أَرْضَ مِصْرَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي في الانْصِرافِ إِلَيْهِ، أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي بالخُرُوجِ مِنْها، أَوْ بالانْتِصافِ مِمَّنْ أَخَذَ أَخِي، أَوْ بِخَلاصِهِ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبابِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّنِي لَنْ أَتْرُكَ هَذِهِ الأَرْضُ، وَسَأَبْقَى فِيهَا أَتَتَبَّعُ أَخْبَارَ أَخِينَا الصَّغِيرِ، إِلاَّ إِذَا فَهِمَ أَبِي الوَضْعَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَسَمَحَ لِي بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَاضٍ عَنِّي، أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي بِأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِ أَخِي، وَالعَوْدَةِ بِهِ إِلَى أَبِينَا.

قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} قالَهُ انْقِطاعًا إِلَى اللهِ تَعَالى في إِظْهَارِ عُذْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَاللهُ خَيْرُ الحَاكِمِينَ، لاَ يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا هُوَ حَقٌّ وَعَدْلٌ، وَهُوَ المُسَخِّرُ لِلأَسْبَابِ، وَالمُقَدِّرُ لِلأَقْدَارِ، وهوَ خَيْرُ الحاكِمينَ، لأَنَّهُ لا يَحْكُمُ إِلَّا بالعَدْلِ والحَقِّ. وبالجُمْلَةِ فالمُرادُ ظُهُورُ عُذْرٍ يَزُولُ مَعَهُ حَيَاؤُهُ وخَجَلُهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهِ.

قولُهُ تَعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} الفاءُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ. و “لمَّا}: حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جازِمٍ بمعنى “حين” مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ على الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ مُتَعلِّقٌ بِ “خَلَصُوا”. و “اسْتَيْأَسُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، فعلُ شَرْطِ “لما”، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ فارقةٌ، و “مِنْهُ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالفعل “استيأس”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالباءِ. و “خَلَصُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، جوابُ شَرْطِ “لما”، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ فارقةٌ. و “نَجِيًّا” منصوبٌ على الحَالِ مِنْ فاعِلِ “خَلَصُوا”، وجُمْلَةُ “لمَّا” مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّما أُفْرِدَتْ الحالُ مَعَ كَوْنِ صَاحِبِها جَمْعًا؛ لأَنَّ “فعيلًا” يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والجَمْعُ وغيرُهُ.

قولُهُ: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ} فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “كبيرُ” فاعِلٌ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، و “هم” ضمير العائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “أَلَمْ” الهَمْزَةُ: للاسْتِفْهامِ التَقْرِيرِيِّ. و “لَمْ” حرفُ جَزْمٍ ونفيٍ وقلبٍ، و “تَعْلَمُوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ ب “لم” وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخرِهِ لأنَّهُ من الأفعال الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ”. و “أَنَّ” حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “أَبَا” اسْمُهُ منصوبٌ به، وعلامةُ نصبِهِ الألفُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وهو مضافٌ، و “كُمْ” ضميرُ المخاطبينَ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافة إليه. و “قَدْ” للتحقيق، و “أَخَذَ” فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوزًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ عَلى “أبا”، و “عَلَيْكُمْ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “أخذَ” و “كم” ضميرُ المتكلمين في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “مَوْثِقًا” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بصِفَةٍ ل “موثقًا”، ولفظُ الجلالةِ ” و “اللهِ” في مَحلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، وجُمْلَةُ “أَخَذَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “أَنَّ”، وجُمْلَةُ “أَنَّ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ سادٍ مَسَدَّ مَفْعولَيْ “عَلِمَ” والتقديرُ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَخْذَ أَبيكمْ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللهِ في شَأْنِ بِنْيامِينَ؟.

قولُهُ: {وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ} وَمِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “فَرَّطْتُم”. و “قَبْلُ” اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرف الجَرِّ، لأنَّهُ مقطوعٌ عن الإضافة، و “ما” زائدةٌ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا فَيَتَعَلَّقَ الجارُّ حِينَئِذٍ بِمَحْذوفِ خَبَرٍ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، وإِنْ قُطِعَ الظَّرْفُ عَنِ الإضافَةِ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقد رَدَّ ذَلِكَ الشيخُ أبو حيّانٍ الأندلُسيُّ رَدًّا قاطِعًا لأَنَّ الظَّرْفَ إذا بُنِيَ لا يَصِحُّ أَنْ يَكونَ خَبَرًا جُرَّ أَوْ لَمْ يُجَرّ. و “فَرَّطْتُم” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعِلِ، وتاءُ الفاعِلِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ. والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّر، و “في” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِقٌ بِ “فرَّطْتُمْ” و “يُوسُفَ” ـ عليه السلامُ، اسْمٌ مَجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، وعَلامَةُ جَرِّهِ الفَتْحَةُ نِيابَةً عَنِ الكَسْرَةِ لأَنَّهُ مَمْنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجمةِ، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذِهِ صِلَةٌ لِ “مَا” المَصْدَرِيَّةِ. و “مَا” مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَعْطوفٍ عَلَى مَصْدَرٍ مُؤَوَّلٍ مِنْ جُمْلَةِ “أَنَّ”، والتَقْديرُ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَخْذَ أَبيكم عَلَيْكمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ فيما يخُصُّ أَخاكم بِنْيامِينَ، وتَفْريطَكم في أَخيكمْ يُوسُفَ مِنْ قَبْلَ “بِنْيامِينَ”.

قولُهُ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} الفاءُ: هي فاءُ الفصاحَةِ؛ أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تَقديرُهُ: إِذا عَرَفْتُمْ مَا قُلْتُ لَكُمْ وأَرَدْتُمْ بَيَانَ شَأْني وحالِي فأَقولُ: “لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي … “. و “لَنْ” حرفٌ ناصِبٌ، و “أَبْرَحَ” فِعْلٌ مضارعٌ تامٌّ لأنه في معنى لَنْ أُفَارِقَ الأَرْضَ، مَنْصوبٌ بِ “لَنْ”، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أَنَا” يَعُودُ عَلَى أَخيهم الكَبيرِ. و “الْأَرْضَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ؛ والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ “إِذا” المُقَدَّرَةِ، وجُمْلَة “إذا” المُقَدَّرَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِ “قَالَ”. و “حَتَّى” حَرْفُ جَرٍّ وغَايَةٍ. و “يَأْذَنَ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنْصوبٌ بِ “أَنْ” مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا بَعْدَ “حتّى” بِمَعْنَى إِلَى. و “لِي” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والياءُ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “أَبِي” فاعِلٌ مرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضَمَّةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى مَا قَبْلَ الياءِ، وهوَ مُضافٌ، والياءُ ضَميرُ المُتَكَلِّمِ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ مِنْ “أَنْ” المُقَدَّرَةِ والفِعْلِ بَعْدَهَا في مَحَلِّ الجَرِّ بِ “حتّى” مُتَعَلِّقٌ بِ “أبرحَ”.

قولُهُ: {أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي} أوْ: حرفُ عطفٍ، و “يَحْكُمَ” فِعْلٌ مضارعٌ منصوبٌ عطفًا على “يأْذَنَ” ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلٌ مَرْفُوعٌ، و “لِي”. حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والتقديرُ: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ إِلَى إِذْنِ أَبي لِي، أَوْ حُكْمِ اللهِ لِي. والياءُ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، وجُمْلَةُ “يَأْذَنَ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِ “حَتّى” بِمَعْنَى “إِلى”.

قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} الواوُ: للاستئنافِ، و “هوَ” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “خيرُ” خبرُهُ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ، و “الحاكمينَ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّر السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوين في الاسمِ المفردِ، والجُمْلةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ” على كونِها مُعَلِّلَةً لِمَا قَبْلَها.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com