نشأة الوهابية


كانت إنجلترا قد حاولت عن طريق عميلها عبدِ العزيز بن محمد بن سُعود ضرب الدولة الإسلامية من الداخل، وكان قد وُجد للوهابيين كيان داخل الدولة الإسلامية بزعامة محمد بن سعود، ثم ابنه عبد العزيز، فأمدَّتهْم إنجلترا بالسلاح والمال، واندفعوا على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الإسلامية الخاضعة لسلطان الخلافة، أي رفعوا السيف في وجه الخليفة، وقاتلوا الجيش الإسلامي جيش أمير المؤمنين بتحريض من الإنجليز وإمداد منهم. وذلك لأخذ البلاد من الخليفة وحكمها حسب مذهبهم، وإزالة ما أحدثته المذاهب الإسلامية الأخرى غير مذهبهم بالقوة وحدِّ السيف. فأغاروا على الكويت سنة 1788 واحتلوها، ثم واصلوا تقدمهم إلى الشمال حتى حاصروا بغداد، وكانوا يريدون الاستيلاء على كربلاء، وعلى قبر الحسين رضي الله عنه لهدمه ومنع زيارته. ثم في نيسان سنة 1803 شنّوا هجوماً على مكة واحتلوها، وفي ربيع سنة 1804 سقطت المدينة المنورة في أيديهم، فخربوا القباب الضخمة التي تظلّل قبر الرسول ، وجرّدوها من جميع النفائس. وبعد أن انتهوا من الاستيلاء على الحجاز كله ساروا نحو الشام، وقاربوا حمص. وفي سنة 1810 هاجموا دمشق كرّة أخرى كما هاجموا النجف. وقد دافعت دمشق عن نفسها دفاعاً مجيداً. ولكن الوهابيين مع محاصرتهم لدمشق انطلقوا نحو الشمال وبسطوا سلطانهم على أكثر أراضي سورية حتى حلب. وكان معروفاً أن هذه الحملة الوهابية عمل إنجليزي، لأن آل سعود عملاء للإنجليز، وقد استغلوا المذهب الوهابي – وهو من المذاهب الإسلامية، وصاحبه الإمام محمد بن عبد الوهاب مجتهد من المجتهدين – استغلوا هذا المذهب في أعمال سياسية لضرب الدولة الإسلامية، والاصطدام مع المذاهب الأخرى، لإثارة حروب مذهبية داخل الدولة العثمانية، دون أن يدرك ذلك أتباع هذا المذهب، ولكن عن إدراك ووعي من الأمير السعودي ومن السعوديين. لأن العلاقة لم تكن بين الإنجليز وصاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، وإنما كانت بين الإنجليز وعبد العزيز بن محمد بن سعود ثم بينهم وبين ابنه سعود

وذلك أن محمد بن عبد الوهاب الذي كان حنبلي المذهب قد اجتهد في بعض المسائل، ورأى أنّ ما عليه المسلمون من أصحاب المذاهب الأخرى يخالف رأيه في هذه المسائل. فأخذ يدعو لآرائه ويعمل لها، ويهاجم الآراء الإسلامية الأخرى بعنف. فَجُوبِهَ بالمعارضةِ والصدّ من العلماء والأمراء ووجوه الناس، باعتبار آرائه تخالف ما فهموه من الكتاب والسنة. فمثلاً هو يقول: إن زيارة قبر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرام وهي معصية من المعاصي، حتى إن من يذهب لزيارة قبر الرسول لا يجوز له أن يقصر الصلاة في سفره لأنه مسافر في معصية. ويستدل على ذلك بقوله : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فَيَرى من هذا الحديث أن الرسول نهى أن تُشَدّ الرحال لغير هذه الثلاثة. فإذا شُدَّت لزيارة قبر الرسول فقد شُدّت لغير المساجد الثلاثة، فكانت حراماً، وكانت معصية. ويرَى غيره من المذاهب أن زيارة قبر الرسول سُنّةٌ ومندوب يُثابُ فاعلها، لقوله : «كنتُ نَهيتُكم عن زيارة القبور أَلاَ فزُورُوها». وقبر الرسول من باب أولى أن تكون زيارته داخلة في هذا الحديث، فضلاً عن وجود أحاديث أخرى يَرْوُونها. ويقولون عن الحديث الذي يَستدل به محمد بن عبد الوهاب: إن الحديث خاص بالمساجد، فموضوعه شدّ الرحال للمساجد، ولا يتعدى موضوعه. فهو ليس عاماً بل هو خاص في موضوع معين: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا لثلاثة مساجد»؛ فلا يجوز لمسلم أن يذهب لزيارة مسجد أَيا صُوفيا، ولا لزيارة المسجد الأمَوِيّ في دمشق قاصداً المسجد؛ لأن الرسول قد حصر شدّ الرحال للمساجد بثلاثة مساجد ليس غير. فلا يجوز شدّ الرِّحال لمسجد غيرها. فهو خاص بالمساجد. وإلاّ فيجوز شدّ الرِّحال للتجارة، وللزيارة، وللنزهة، وللسياحة، وغير ذلك. فالحديث لا يمنع السفر مطلقاً ويحصره في هذه الثلاثة, وإنما يمنع السفر قصد المساجد إلا لهذه المساجد الثلاثة. وهكذا جميع آرائه يراها غيره من أصحاب المذاهب أنها آراء خطأ تخالف ما يفهمونه من الكتاب والسنة، وقد اشتد الخصام بينه وبينهم حتى نُفي من البلاد

وفي سنة 1740 التجأ إلى محمد بن سعود شيخ قبيلة عَنْزَة، وكان خصماً لشيخ عُيَيْنَة ويقيم في بلدة الدِّرْعِيّة، وكانت تبعد ست ساعات فحسب عن عُيَيْنَة. وهناك لقي محمد بن عبد الوهاب حفاوةً وترحيباً، وصار يبث آراءَه وأفكارَه بين الناس في الدِّرْعِيّة وما جاورها. وما أن مضت مدة حتى اكتسبت أفكاره وآراؤه هذه أنصاراً ومؤيدين، فمال إليها الأمير محمد بن سعود وأخذ يتقرّب من الشيخ

وفي سنة 1747 أعلن الأمير محمد قبوله لآراء محمد بن عبد الوهاب وأفكاره، وأعلن مناصرته له ولهذه الآراء والأفكار. وبهذا التحالف بدأَت الحركة الوهابية وظهرت للوجود بشكل دعوة وبشكل حُكْم. فقد كان محمد بن عبد الوهاب يدعو لها ويعلِّم الناس أحكامها، وكان محمد بن سعود ينفّذ أحكامها على الناس الذين تحت إمرته وسلطانه

وأخذت تمتد فيما جاور الدِّرْعِيّة من البلدان والقبائل في الدعوة والحكم، وأخذت إمارة محمد بن سعود تتسع حتى وُفِّق في مدى عشر سنوات إلى أن يخضع لسلطته وللمذهب الجديد رُقْعَةً من الأرض مساحتها نحو من ثلاثين ميلاً مربعاً، ولكنه كان اتّساعاً عن طريق الدعوة وسلطان شيخ عَنْزَة، ولم يعترضه أحد، ولم يخاصمه أحد، حتى إن أمير الإحساء الذي أخرج محمد بن عبد الوهاب من عُيَيْنَة لم يعارض خصمه في هذا التوسع، ولم يحشد قواته لمحاربته إلا في سنة 1757، ولكنه هُزم، فاستولى محمد بن سعود على إمارته، وصارت سلطة عَنْزَة أي سلطة محمد بن سعود وسلطة المذهب الجديد تحكم الدِّرْعِيّة وما جاورها وتحكم الإحساء. وكان ينفذ في هذه البلاد المذهب الوهابي بقوة السلطان

ولكن هذه الحركة بعد الاصطدام مع أمير الإحساء والاستيلاء على بلاده وقفت عند هذا الحد، ولم يعرف عنها أنها توسعت بعد ذلك أو قامت بأي نشاط، بل ظلت محصورة في ذلك المكان، ووقف محمد بن سعود عند هذا الحد، ووقف المذهب الوهابي عند حدود هذه الرقعة ونامت الحركة وركدت

ثم في سنة 1765 توفي محمد بن سعود وخلفه على مَشْيَخَةِ عَنْزَة ابنه عبد العزيز. فقام بعد والده بحكم الرقعة التي تحت يده، ولكنه لم يقم بأي نشاط للحركة، ولا بأي توسع فيما جاوره. فظلت الحركة نائمة، وظل الركود مخيّماً عليها. ولم يعد يُسمع عنها شيء، ولم يعد أحد من جيرانها يذكرها أو يتخوّف من غزوها

ولكن بعد إحدى وأربعين سنة من بدء الحركة الوهابية، أي من سنة 1747 إلى سنة 1788، وبعد إحدى وثلاثين سنة من وقوفها وركود حركتها، أي من سنة 1757 إلى سنة 1787 ظهر نشاطها فجأة، واتخذت طريقة جديدة في نشر المذهب، وسمع ذكرها في الخارج بشكل قوي في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، ولدى الدول الكبرى، وصارت تشغل جيرانها وتقلقهم، بل تشغل الدولة الإسلامية كلها وتقلقها

ففي سنة 1787 تحرك عبد العزيز لتأسيس بيت إمارة، وإيجاد نظام وراثة الحكم، أو ما يُسمى بولاية العهد: بأن يُثَبّت ابنه سعوداً خليفة له. فقد اجتمع حشد عظيم من الناس ترأسه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا الحشد العظيم جعل عبد العزيز حق الإمارة في بيته، وحق خلافته في الإمارة لأولاده، وأعلن تثبيت ابنه سعود خليفة له. فوافقه ذلك الحشد العظيم وعلى رأسهم محمد بن عبد الوهاب وقرروه، وبذلك أسس بيت إمارة لدولة وليس لقبيلة أو قبائل. ويبدو أنه كذلك جعلت الخلافة في المذهب الوهابي في بيت محمد بن عبد الوهاب. وبعد هذا التثبيت لخلافة الأمير ولخلافة شيخ المذهب نشطت الحركة فجأة في الفتح والتوسع، وصارت تقوم بالحرب لنشر المذهب. فقد قام عبد العزيز في سنة 1788 بتجهيز حملة عسكرية ضخمة وهاجم الكويت وفتحها واستولى عليها. وكان الإنجليز يحاولون أخذ الكويت من الدولة العثمانية ولكنهم لم يستطيعوا ذلك. فقد كانت الدول الأخرى مثل ألمانيا وروسيا وفرنسا تقف في وجههم، وكانت دولة الخلافة تقاومهم. فكان فصل الكويت عن الدولة العثمانية ثم التقدم إلى الشمال لحمايتها لافتاً لنظر الدول الكبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا، ولافتاً نظر الدولة العثمانية. ثم كانت الصفة التي تأخذها هذه الحرب وهي الصفة المذهبية تثير المشاعر الدينية

وهكذا بدأ الوهابيون نشاطهم فجأة بعد ركود دام عشرات السنين، وبدأوا هذا النشاط بطريقة جديدة هي نشر هذا المذهب عن طريق الحرب والفتح لإزالة معالم المذاهب الأخرى من الوجود، وإقامة مذهبهم مكانها. وافتتحوا هذا النشاط بالهجوم على الكويت والاستيلاء عليها، ثم أخذوا يواصلون هذا النشاط بمحاولات التوسع. وصاروا مدعاة قلق وإزعاج لجيرانهم في جزيرة العرب والعراق والشام، وللدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة، وصاروا يحملون السيف لمقاتلة المسلمين لترك ما يعتنقون من آراء غير المذهب الوهابي، ولاعتناق آراء المذهب الوهابي، ويقاتلون الخليفة ويفتتحون البلدان الإسلامية. ثم في سنة 1792 توفي محمد بن عبد الوهاب، فخلفه ابنه في منصبه في الدولة بالنسبة للمذهب الوهابي تماماً كما خلف سعود أباه عبد العزيز. وهكذا سار الأمراء السعوديون متخذين المذهب الوهابي أداةً سياسية لضرب الدولة العثمانية دولة الخلافة، وإثارة حروب مذهبية بين المسلمين

تآمر الإنجليز ضد الدولة الإسلامية

وكانت عمولة آل سعود للإنجليز وولاؤهم لهم أمراً معروفاً لدى دولة الخلافة ولدى الدول الأخرى كألمانيا وفرنسا وروسيا، وكان معروفاً أنهم يُسيَّرون من قِبَل الإنجليز، وكان الإنجليز أنفسهم لا يُخْفُون وقوفهم إلى جانب السعوديين دَوْلياً، أضف إلى ذلك الأسلحة الكثيرة والعتاد الكبير الذي وصل إليهم عن طريق الهند، والأموال التي تحتاج إليها الحرب ويحتاج إليها تجهيز الجيوش لم تكن إلاّ أسلحة الإنجليز وأموالهم، ولهذا فإن الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا كانت ضد حملة الوهابيين هذه باعتبارها حملة إنجليزية. وقد حاولت دولة الخلافة ضرب الوهابيين فلم تستطع صدّهم، وعجز ولات

ها في المدينة وبغداد ودمشق أن يقفوا في وجههم، فطلبت إلى واليها في مصر محمد علي أن يُجرِّد جيشاً عليهم، فَتَلكَّأ في أولِ الأمر. ولكنه وقد كان عميلاً لفرنسا، لأنها هي التي ساعدته في قيامه بالانقلاب في مصر واستيلائه على الحكم، ثم حملت الخلافة على الاعتراف به، فإنه بناءً على موافقة فرنسا وتحريضها لبَّى أمر السلطان سنة 1811، فأرسل ابنه طوسون لمحاربتهم، ودارت معارك عديدة بينهم وبين جيش مصر، وتمكن جيش مصر سنة 1812 من فتح المدينة. ثم في آب سنة 1816 أرسل ابنه إبراهيم من القاهرة فَسحَقَ الوهابيين سَحْقاً حتى تراجعوا إلى عاصمتهم الدِّرْعِيّة وتحصنوا فيها، فحاصرهم إبراهيم في نيسان سنة 1818 طوال الصيف. وفي 9 أيلول سنة 1818 استسلم الوهابيون، ودَكّت جيوش إبراهيم الدِّرْعِيّة دَكاً، حتى يقال: إنه حرثها بالمحراث حتى لا يبقى لها أثر. وبذلك انتهت محاولة الإنجليز

منقول عن كتاب : ( كيف هدمت الخلافة )…للشيخ

تقي الدين النبهاني

فيض العليم … سورة هود، الآية: 85


وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

(85)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ} وَإِعَادَةُ النِّدَاءِ هنا ب “وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ” لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْجُمْلَةِ وَالتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِهَا، وَهُوَ الْأَمْرُ بِإِيفَاءِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ. وإنَّما أُمِرَ بِتَسْوِيَتِهِمَا وتَعْدِيلِهِما صَريحًا هنا، بَعْدَ النَّهْيِ في الآيةِ التي قبلها عَنْ نَقْصِهِما مُبَالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ، والمَنْعِ مِنَ البَخْسِ، وتَنْبيهًا على أَنَّهُ لا يَكْفيهم مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهم إِصْلاحُ مَا أَفْسَدوهُ، وجَعَلوهُ مِعْيارًا لِظُلْمِهم، وقانونًا لِعُدْوانِهم. وَهَذَا الْأَمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِمَا. وَالشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ طَهَ: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدَى}، الآية: 79. لِزِيَادَةِ التَّرْغِيبِ فِي الْإِيفَاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ المُرادُ بالأَمْرِ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ الأَمْرَ بإيفاءِ المَكِيلاتِ والمَوْزوناتِ.

و “الْقِسْطُ” الْعَدْلُ. تَعْلِيلًا لِلْأَمْرِ بِهِ، لِأَنَّ الْعَدْلَ مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ ضِدَّهُ ظُلْمٌ وَجُورٌ وَهُوَ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ.

قولُهُ: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ} أَيْ: ولا تَنْقُصُوا النَّاسَ حقوقَهمُ التي يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُوفوهم، كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. والْبَخْسُ: النَّقْصُ. وَذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ تَذْيِيلٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. لِأَنَّ التَّطْفِيفَ يُعتبَرُ مِنْ بَخْسِ النَّاسِ فِي أَشْيَائِهِمْ.

قولُهُ: {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} الْعَثْيُ: هُوَ الْفَسَادُ. وَلِذَلِكَ فَقَوْلُهُ مُفْسِدِينَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعَامِلِهَا مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ. فإنَّ العَثْيَ يَعُمُّ نَقْصَ الحُقوقِ وغَيْرَهُ مِنْ أَنْواعِ الفَسَادِ. وقيلَ البَخْسُ أَخَذُ العُشُورِ والمَكْسُ والإتاواتِ. قالَ زُهيرُ بْنُ أَبي سُلْمى:

أَفي كُلِّ أَسْواقِ العِراقِ إِتَاوَةٌ ……… وفي كُلِّ ما بَاعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرهمِ

والعثْيُ في الأَرْضِ أيضًا: السَرِقَةُ، وقَطْعُ الطَّريقِ، والغَارَةُ، وفائدَةُ الحالِ إِخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ كَما فَعَلَهُ الخَضِرُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنْ خَرْقِ السَفينَةِ، وقَتْلِ الغُلامِ، وقيلَ مَعْناهُ: وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدينَ أَمْرَ آخِرَتِكم ومَصالِحَ دِينِكم. وَالْمُرَادُ: النَّهْيُ عَنِ الْفَسَادِ كُلِّهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: “فِي الْأَرْضِ” فالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَعْمِيمُ لِيَشْمَلَ جميعَ أَمَاكِنِ الْفَسَادِ.

وَقَدْ حَصَلَ النَّهْيُ عَنِ الْأَعَمِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْعَامِّ، وَبِهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ مُؤَكِّدَاتٍ: بِالْأَمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ الْخَاصِّ، ثُمَّ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ بِزِيَادَةِ التَّعْمِيمِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِ التَّعْمِيمِ الْأَعَمِّ بِتَعْمِيمِ الْمَكَانِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِهِ بِالْمُؤَكِّدِ اللَّفْظِيِّ. وَسَلَكَ فِي نَهْيِهِمْ عَنِ الْفَسَادِ مَسْلَكَ التَّدَرُّجِ فَابْتَدَأَهُ بنهيهم عَن نوح مِنَ الْفَسَادِ فَاشٍ فِيهِمْ وَهُوَ التَّطْفِيفُ. ثُمَّ ارْتَقَى فَنَهَاهُمْ عَنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَهُوَ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ. ثُمَّ ارْتَقَى فَنَهَاهُمْ عَنِ الْجِنْسِ الْأَعْلَى لِلْفَسَادِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُ. وَهَذَا مِنْ أَسَالِيبِ الْحِكْمَةِ فِي تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ بِقَبُولِ الْإِرْشَادِ وَالْكَمَالِ.

قولُهُ تعالى: {وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ} الواوُ: للعطفِ، واليَاءُ: لنداءِ المتوسِّطِ بُعدُهُ، و “قَوْمِ” مُنادَى مُضافٌ مَنْصوبٌ، عَطْوفًا عَلى المُنادى الأَوَّلِ وعلامَةُ النَّصْبِ الفَتْحَةُ المُقَدَّرَةُ عَلى ما قبْلِ ياءِ المتكلِّمِ المَحْذوفَةِ للتَخْفيفِ، و “الياءُ” المَحذوفةُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إِليْهِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ معطوفة على جملةِ النداءِ في الآية التي قبلها على كونها في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ، ل “قَالَ“. و “أَوْفُوا” فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلى حَذْفِ النُونِ لأَنَّ مُضَارِعَهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنَيٌّ على السُّكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلِفُ الفارقةُ، و “الْمِكْيَالَ” مفعولٌ به منصوبٌ. و “الْمِيزَانَ” معطوفٌ عَلَيْهِ. و “بِالْقِسْطِ” الْبَاءُ حَرْفُ جَرٍّ لِلْمُلَابَسَةِ، مُتَعَلقٌ بِ “أَوْفُوا” فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِيفَاءَ يُلَابِسُهُ الْقِسْطُ، و “القِسْطِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ، والجارُّ والمَجْرورُ في محلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ واوِ الضَّميرِ في “أَوْفُوا“، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ” عَلَى كونِها جَوابَ النِّداءِ.

قولُهُ: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ} الواوُ عاطفة، و “لا” ناهيةٌ جازمةٌ و “تَبْخَسوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ ب “لا” الناهية، وعلامةُ جزمِهِ حذْفُ النُونِ منِ آخرهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الْخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعلِهِ، الألفُ الفارقةُ، و “النَّاسَ” مَفْعولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ، و “أشياءَ” مفعولُهُ الثاني منصوبٌ بِهِ، وهو مضافٌ، و “هم” ضميرُ الغائبينَ متَّصلٌ به في محلِّ جرٍّ بالإضافةِ إليه، وَتَعْدِيَةُ “تَبْخَسُوا” إِلَى مَفْعُولَيْنِ بِاعْتِبَارِهِ ضِدَّ “أَعْطَى” فَهُوَ مِنْ بَابِ “كَسَا”. والجُمْلَةُ مَعطوفَةٌ عَلى جُمْلِةِ “أَوْفُوا“.

قولُهُ: {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وَلَا تَعْثَوْا: مثلُ “ولا تبخسوا“، وَالْعَثْيُ: بِالْيَاءِ، مِنْ بَابِ سَعَى وَرَمَى وَرَضِيَ، وَبِالْوَاوِ كَ “دَعَا”، و “فِي الْأَرْضِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “”مُفْسِدِينَ” حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِفاعِلِ “تَعْثَوْا” وهذه الجُمْلَةُ الفعليَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا على جُمْلَةِ “أَوْفُوا“.

 

 

 

 

 

فيض العليم … سورة هود، الآية: 84


وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)

قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا} أي: وأرسَلْنا إلى قَبَيلَةِ مَدْيَنَ واحِدًا مِنْهُمْ، هوَ شُعَيْبٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقيلَ لَيْسَ مِنْهُمْ، ولكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ واحِدًا مِنْهُمْ لأَمْرَيْنِ، الأَوَّلُ: هُوَ قولُهُ تَعَالى “أَخَاهُمْ” وهذا يَعْني أَنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ قَرابَةُ النَّسَبِ، والثاني: أَنَّ كَوْنَ رَسُولِ القَوْمِ مِنْهُمْ يَعْرِفونَهُ ويَعْرِفُهُم، أَدْعَى إلى تَلَقِّيهم لِرِسالَتِهِ بالقَبولِ، فإنَّ أَكثرَ الأَنْبياءِ المُرْسَلِينَ كانوا مِنَ الأَقْوامِ الّتي أُرْسِلُوا إِلَيْها.
قولُهُ: {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} بَدَأَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، رِسالَتَهُ إلى قومِهِ مِنْ حَيْثُ بَدَأُ جميعُ المُرْسلينَ بالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وهذا هوَ الأَساسُ في كُلِّ الرِّسالاتِ السَّماوِيَّةِ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا، والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} الآية: 13. فإنَّ قِمَّةَ الدِّينِ هي عَقيدَةُ الإيمانِ، وعِبادَةِ اللهِ الواحِدِ الدَّيَّانِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ حِينَ يُوَجِّهُ الأَوامِرَ بالتَكْليف: “افْعَلْ” و “لا تَفْعَلْ” لا يُوَجِّهُها إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ إِلَهًا واحِدًا، ولذلِكَ نَجِدُ حَيْثِيَّةَ كُلِّ حُكْمٍ تَكْلِيفِيٍّ في القُرآنِ الكريمِ مُصَدَّرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يا أَيُّها الذين آمَنُواْ} كما أَشَرْنَا إلَيْهِ غيرَ مرَّةٍ.
قولُهُ: {وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ} ولَيْسَ المُرادُ نَقْصَ المَكِيلِ والمَوْزونِ، لأَنَّهُ لم يَقُلْ: (ولا تَنْقُصوا المَكيلَ والمَوزونَ) بل المُرادُ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فيَأْخُذُ المُشْتَري حَقَّهُ مِنَ السُّلْعَةِ التي يريدُ، ويَأْخُذُ البائعُ حَقَّهُ مِنَ الرِّبْحِ. وكَيْلُ الشيْءِ تَعْديلُهُ بِشَيْءٍ، فإنْ كانَ في الخِفَّةِ والثِّقَلِ؛ فالأَمْرُ يَحْتَاجُ إلى مِيزانٍ، وإنْ كانَ في الكَمِّ، فلَهُ كَيْلٌ، وكلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلى مِكْيَالٍ يُنَاسِبُهُ؛ فالمُهِمُّ أَنْ يَأْخُذَ كلُّ إنْسانٍ حَقَّهُ، ويَشْمَلُ هذا ما يَعْدِلُ قُوَّةَ العَمَلِ مِنْ الأَجْرِ، وفي الحَديثِ الصَّحِيحِ: ((أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)) أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجَةَ مِنْ حديثِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وأخرجه غيرُه. المَسَالِكُ في شَرْحِ مُوَطَّأِ مَالِكٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ العربيِّ: (4/249).
قولُه: {إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي: إنِّي أَراكم في وَفْرةٍ وسَعَةٍ، من الزُّروعِ والثِّمارِ، والتِجارةِ والَأْموالِ المختلفةِ. فإنِّي أَخَافُ عليكمْ ـ إنْ أَنْتُم لَمْ تَشكُروا اللهَ عَلى نِعَمِهِ، وتتَّقوا نِقَمهُ، أنْ يَذْهبَ اللهُ بما أنتم فيهِ، وأَنْ يعُمَّكمْ بعذابٍ لا ينجوا منه أحدٌ مِنْكمْ، ويحيطُ بِكُمْ كَإِحَاطَةِ الدَّائِرَةِ بِمَا فِي دَاخِلِهَا فَيَنَالُكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الْوَعْدِ كَقَوْلِهِ تعالى في سُورَةِ الْكَهْفِ: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} الآية: 42.
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة. وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ)). رَواهُ الطَبَرانيُّ مِنْ حديث ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، عن رسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ. وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رباحٍ عَنِ بْنِ عُمَرَ ـ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)). قَالَ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا الْمُهَاجِرُونَ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى تُعْلَنَ، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَصِ الْمِكْيَالُ وَالْمِيزَانُ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ، وَلَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَا نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إلَّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَحَرَّوْا فِيهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، إِلَّا جَعَلَ اللهُ بأسَهُمْ بَيْنَهم)). الاسْتِذْكارَ لأَبي عُمَرَ، يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيِّ: (5/ 94). (المتوفى: 463هـ).
فنحنُ إذًا مع قِصَّةٍ جَديدِةٍ، وقومٌ آخَرينَ، مِنَ الأَقْوامِ الذين أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فكَفَرُوا بنِعْمَةِ رَبَّهم، وعَتَوْ عَنْ أَمْرِه، وكذَّبوا نَبِيَّهم الذي أرسَلَهُ إليهم، لِيَهْدِيَهم إلى الطَريقِ القَويمِ، ويُصْلِحِ شَأْنَهم، لكنَّهم كذَبوه، وحارَبوهُ، وظَلَمُوا، وبَغَوا، ولم يَتَّعِظوا بما حلَّ في مَنْ سَبَقَهمْ مِنْ أَمَمٍ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنوبِهم، فعذَّبَهم وأَهْلَكهم. وهؤلاءِ القومُ هُمْ قومُ مَدْيَنَ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ سُمُّو باسْمِ جَدِّهم مَدْينَ بْنِ إبراهيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانوا يعيشونَ قَرْبَ مدينة “معان” بَيْنَ الحِجازِ والشَّامِ وَسَطَ أنهارٍ وحَدَائقَ غنَّاء، وزُرُوعٍ وأَشْجارٍ وثمارٍ وأَرْزاقٍ. ونَبِيُّهم كانَ شُعَيْبًا خَطيبَ الأَنْبِيَاءِ ـ عَليْهِمُ السَّلامُ. وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ هذِه القِصَّةِ أيضًا في سُورَةِ الأَعْرافِ، وذُكِرَتْ هُنَا مَرَّةُ أُخْرى، إنَّما في كلٍّ مِنهُما مِنَ الأَحْكامِ والحِكَمِ العِظاتِ ما لَيْسَ في الأُخرى، مَعَ إحْكامِ في السَّبْكِ وحُسْنٍ في الرَّصْفِ، وسَلامَةٍ مِنَ التَعارُضِ والتَفاوُتِ والاخْتِلافِ. فالأُمَمُ مُتَشابهةٌ والرُسُلُ واحِدٌ، وبضاعةُ الأَقوامِ واحدةٌ، وهي كُفْرُانُ النِعمِ والظُلْمُ والبَغْيُ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وبضاعةُ الرُسُلِ واحدةٌ وهي: إِصْلَاحُ الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ مِنْ إِصْلَاحِ الْعُقُولِ وَالْفِكْرِ. وَصَلَاحُ الْأَعْمَالِ وَالتَّصَرُّفَاتِ بِأَنْ لَا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ. فَقد ابْتَدَأَ شُعَيْبٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعوَتَه لقومِهِ بِأَنْ أَمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّلَاحِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كَانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ، وَهِيَ خِيَانَةُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ. وَهِيَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ وَالْغَدْر.
قولُهُ تعالى: {وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا} وَإِلَى مَدْيَنَ: جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ تَقْديرُهُ، ولَقَدْ أَرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ، وعلامَةُ جَرِّهِ الفَتْحَةُ؛ لأنَّهُ اسْمٌ ممنوعٌ منَ الصَرْفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، والجُمْلَةُ المَحْذوفَةُ، هذه معطوفةٌ عَلى جُملةِ قولِهِ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} الآية: 25. السابَقَةِ. و “أَخَاهُمْ” مَفعولٌ به منصوبٌ ب “أَرْسَلْنَا” المَحْذوفِ. و “شُعَيْبًا” عَطْفُ بَيَانٍ أو بدلٌ مِنْهُ.
قولُهُ: {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ متَّصلٌ بهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على شُعيبٍ، والجُملَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. و “يَا” أداةُ نداءٍ للمتوسِّطِ بُعْدُهُ، و “قَوْمِ” مُنادَى مُضافٌ مَنْصوبٌ، وعلامَةُ النَّصْبِ الفَتْحَةُ المُقَدَّرَةُ عَلى ما قبْلِ ياءِ المتكلِّمِ المَحْذوفَةِ للتَخْفيفِ، و “الياءُ” المَحذوفةُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إِليْهِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ، ل “قَالَ”. و “اعْبُدُوا” فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ لأنَّ مضارِعَه من الأفعال الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والألفُ الفارقةُ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، والجُملةُ في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ” على كَوْنِها جَوابَ النِداءِ. و “مَا” نافيَةٌ. “لَكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بخَبرٍ مُقَدَّمٍ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ زائدٌ، و “إِلَهٍ” مَجْرورٌ لفظًا بحرف الجرِّ الزائدِ مرفوعٌ محلًّا على أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. و “غَيْرُه” غَيْرُ: صِفَةُ المبتدَأِ المؤَخَرِ “إِلَهٍ” مرفوعٌ على المحلِّ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبلَها على كَوْنِها مَقُولَ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ} الواوُ: للعطفِ، وَ “لَا” ناهيةٌ جازمةٌ، و “تَنْقُصُوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ ب “لا” الناهية، وعلامةُ جزمِهِ حذْفُ النُونِ منِ آخرهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الْخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعلِهِ، الألفُ الفارقةُ، و “المِكْيَالَ” مفعولٌ به منصوبٌ. و “الْمِيزَانَ” مَعْطوفٌ على “الْمِكْيَالَ” وَيتعدَّى الفعلُ “نَقَصَ” يتعدَّى لاثْنَيْنِ، أَوَّلُهُما يتعدَّى إليه بِنَفْسِهِ، وثانيهِما يتعدَّى إليه بِحَرْفِ الجَرِّ، وقدْ يُحْذَفُ، فتقولُ: نَقَصْتُ زَيْدًا مِنْ حقَّه، وهو هُنَا كَذَلِكَ؛ إذِ المُرادُ: ولا تَنْقُصوا النَّاسَ مِنَ المِكْيالِ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ عَلَى المَعْنَى، والمَعْنَى: لا تُقَلِّلوا وتُطَفِّفوا، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “المكيالَ” مَفْعولًا أَوَّلَ والثاني مَحْذوفٌ، وفي ذلك مُبَالَغَةٌ، والتَقديرُ: ولا تَنْقُصوا المكيالَ والميزانَ حَقَّهُما الذي وَجَبَ لَهُمَا وَهُوَ أَبْلَغُ في الأَمْرِ بِوَفائِهِما. وهذه الجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “اعْبُدُوا اللهَ” عَلى كونِها مَقُولَ “قَالَ”.
قولُه: {إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ} إِنِّي: إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتأكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “أَرَاكُمْ” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى الأَلِفِ للتعذُّرِ، والفاعِلُ ضميرٌ مستترٌ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يعودُ على شُعيبٍ ـ عليه السَّلامُ، وضميرُ المخاطبينَ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مَفْعولِه؛ وقد تعدى “رأى” لمفعولٍ واحدٍ الرؤيةَ هُنَا بَصَرِيَّةٌ وليستْ قلبيَّةً. و “بِخَيْرٍ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ النصبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ المُخَاطَبِينَ؛ أَيْ: مُتَلَبِّسينَ ب “خَيْرٍ”، وجُمْلَةُ “أَراكم” في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “إنَّ”، وجُمْلَةُ إنَّ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَها عَلى كَوْنِهَا مَقُولَ القَوْلِ.
قولُهُ: {وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} وَإِنِّي: تقدَّمَ إعرابُها. “أَخَافُ” فعلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلى شُعَيْبٍ ـ عليهِ السلامُ. و “عَلَيْكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “عَذَابَ” مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، و “يَوْمٍ” مُضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ. و “مُحِيطٍ” صِفَةٌ مَجَازِيَّةٌ لِـ “يَوْمٍ”. وجُمْلَةُ “أَخَافُ” في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ ل “قَالَ” عَلى أنَّها عِلَّةٌ ثانِيَةً لِمَا قَبْلَهَا. ووَصْفُ اليومِ بالإِحاطَةِ أَبْلَغُ مِنْ وصْفِهِ بالعذابِ لأَنَّ اليَومَ زَمَانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ، فإذا أَحاطَ بِعَذَابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ للمُعَذَّبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْهُ. وزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ إنَّما جُرَّ هنا عَلى الجِوارِ، لأَنَّهُ في المَعْنَى صِفَةٌ للعَذابِ، والأَصْلُ: إنِّ أخافُ عَذابَ يَوْمٍ مُحيطًا. وقالَ آخَرونَ التقديرُ: عَذَابَ يَوْمٍ مُحيط عَذابُهُ. وهوَ بَعيدٌ ـ كما ترى؛ لأَنَّ قولَهُ تعالى: “مُحِيطٍ” قدْ جَرَى على غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ، فيَجِبُ إِبْرازُ فاعِلِهِ مُضَافًا إلى ضَميرِ المَوْصُوفِ.

فيض العليم … سورة هود الآية: 83


مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ

(83)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} مُسَوَّمَةً: أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأَرْضِ. وقالَ الفرَّاءُ: زَعَمُوا أَنَّها كانَتْ بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَالسيماءُ العلامةُ ومِنْ ذلك قَولُ الشَّاعِرِ أُسَيْدِ بْنِ عَنْقاءَ الفَزَارِيِّ يَمْدَحُ عُمَيْلَةَ حِينَ قَاسَمَهُ مالَهُ:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ……….. لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وللبيت مناسبةً رفيعة وقصيدةٌ بديعةٌ ذكرها أبو عليٍّ القالي في أَمالِيهِ نُثْبِتُهما لما فيهما مِنْ فائدةِ وجمالٍ. فقد كانَ ابْنُ عَنْقاءَ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ زَمانِهِ وأَشَدِّهم عارِضَةً ولِسانًا، وَطَالَ عُمُرُهُ، ونَكَبَهُ دَهْرُهُ، فاخْتَلَّتْ حالُهُ، فَمَرَّ عُمَيْلَةُ بْنُ كِلْدَةَ الفَزَارِيُّ، وهوَ غُلامٌ جميلٌ مِنْ ساداتِ فَزَارَةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وقالَ: يا عَمُّ، ما أَصارَكَ إلى ما أَرْدى؟ فقالَ: بُخْلُ مِثْلِكَ بِمالِهِ، وصَوْني وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ! فقالَ واللهِ لَئِنْ بَقيتُ إلى غَدٍ لأُغَيِّرَنَّ ما أَرْدَى مِنْ حالِكَ. فرَجَعَ ابْنُ عَنْقاءَ فَأَخْبَرَ أَهْلَهُ، فقالتْ: لقدْ غَرَّكَ كلامُ جُنْحِ لَيْلٍ!! فباتَ مُتَمَلْمِلًا بِيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ. فلَمَّا كانَ السَّحَرُ، سَمِعَ رُغاءَ الإبِلِ، وثُغاءَ الشاءِ وصَهيلَ الخَيْلِ، ولَجَبَ الأَمْوالِ، فقالَ: ما هذا؟ فقالَ: هذا عُمَيْلَةُ ساقَ إِلَيْكَ مَالَهُ! ثمَّ قَسَمَ عُمَيْلَةُ مَالَهُ شَطْرَيْنِ وساهَمَهُ عَلَيْهِ، فقالَ ابْنُ عَنْقاءَ فِيهِ يُمَجِّدُهُ:

رَآنِي عَلَى مَا بِي عُمَيْلَةُ فَاشْتَكَى …….. إِلَى مَالِهِ حَالي أَسَرَّ كَمَا جَهَرْ

دَعَانِي فآسَانِي وَلَوْ ضَنَّ لَمْ أَلُمْ ….. عَلَى حِينَ لاَ بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ

فَقُلْتُ لَهُ خيرًا وأَثْنَيْتُ فِعْلَهُ …….. وَأَوْفَاكَ مَا أَبْلَيْتَ مَنْ ذَمَّ أَوْ شَكَرْ

غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالخَيْرِ يافِعًا …………. لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ

كَأَنَّ الثُريَّا عُلِّقَتْ في جَبِينِهِ …… وَفِي خَدِّهِ الشِّعْرَي وَفِي وَجْهِهِ القَمَرْ

إذا قِيلَتِ العَوْرَاءُ أَغْضَى كَأَنّهُ ……….. ذَلِيلٌ بِلاَ ذُلّ وَلَوْ شَاءَ لاَنْتَصَرْ

كَرِيمٌ نَمَتْهُ لِلمكَارِمِ حُرَّةٌ …………… فَجَاءَ وَلاَ بُخْلٌ لَدَيْهِ ولا حَصَرْ

وَلَمَّا رَأَى المَجْدَ استُعيرت ثِيَابُه ……… تَرَدَّى رِدَاءً وَاسِعَ الذَّيْلِ وَاتَّزَرْ

فالْمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَهَا سِيمَا، وَهِيَ الْعَلَامَةُ. وَالْعَلَامَاتُ تُوضَعُ لِأَغْرَاضٍ، مِنْهَا عَدَمُ الِاشْتِبَاهِ، وَمِنْهَا سُهُولَةُ الْإِحْضَارِ، وَهُوَ هُنَا مُكَنَّى بِهِ عَنِ الْمُعَدَّةِ الْمُهَيَّئَةِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ مِنْ لَوَازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأَنَّ تَسْوِيمَهَا عِنْدَ اللهِ هُوَ تَقْدِيرُهُ إِيَّاهَا لَهُمْ. فقد كانت الحِجارةُ التي أُهْلِكوا بِها مُعَلَّمَةٌ ومُدَوَّنٌ عَلى كُلِّ واحدَةٍ مِنْها اسْمُ الشَّخْصِ الذي سَوْفَ تُهْلِكُهُ، فهي تُخْطِئُهُ البَتَّةَ. وما زَالَتِ الحياةُ تُطالِعُنا كُلَّ يَوْمٍ بجديدٍ مِنَ المُكْتَشَفاتِ والمُخْتَرَعاتِ، مِمَّا عَلَّمَ اللهُ الإنْسَانَ، وما أودَعَ فيه مِنْ عَقلٍ وما أَمدَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطانٍ، لكنَّه حَرَفَ هذا العقْلَ عَنْ وُجْهَتِهِ، وسخَّرَ علمَهُ في مضرَّتِه فاخترعَ ما يُسَمَّى بالقَنَابِلِ الذَّكِيَّةِ والصَواريخِ المُوَجَّهَةِ كالتي يُطْلِقُها الرُّوسُ عَلَيْنَا اليومَ، والتي يُحَمِّلونَ عَلَيْها صُورَةَ المَكانِ الذي يريدون تدميرَهُ، ويُطلقونَها فإذا تَطَابَقَتْ صُورةُ الهدفِ على الأرضِ مَعَ الصُورَةِ التي حُمِّلَتْها ضَرَبَتِ الهَدَفَ فدَمَّرَتْهُ، وإذا لم تجِدْ هدفها صَعِدَتْ فانْفَجَرَتْ في الفَضَاءِ، فهيَ لا تَضْرِبُ غيرَ الهَدَفِ الذي زُوِّدَتْ بِصُورَتِهِ، وللهِ المَثَلُ الأَعْلى، إذْ أَنَّ قَنَابِلَ البَشَرِ وصواريخَهم قد تُخدعُ ويموَّهُ عليها الهدفُ، ومِنْ ثَمَّ فإنَّ لَهَا مَدًى مَحْدودًا أَمَّا حجارةُ اللهِ ـ تَبَارَكَ وتَعالى التي رَجَمَ بِها قوم لوطٍ فإنَّ عليْها اسْمَ الشَّخْصِ الذي كُلِّفَتْ بِهَلاكِهِ فَلا تُخْطِئُهُ البَتَّةَ، وتَطَالُهُ أَيْنَما كانَ وحَيْثُما ذَهَبَ فلا تُصيبَ غَيْرَهُ أَبَدًا، ولقدْ ذَكَرَ المُفَسِّرونَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ لُوْطٍ ـ عليه السلامُ، كانَ يَتَّجِرُ في مَكَّةَ المكرَّمةَ، فلَمَّا اتَّجَهَ الحَجَرُ المُوكَلُ بِهِ، لِيُهْلِكَهُ أَوْقَفَهُ المَلائِكَةُ ومَنَعُوهُ مراعاةً لحُرْمَةِ الحرمِ الذي أمرَ اللهُ تعالى بحُرمتِهِ، فانتظر الحَجَرُ الرَّجُلَ حَتَّى قَضَى تِجارَتَهُ وغادَرَ الحَرَمَ الشَّريفَ فلَحِقِ بِهِ وقَضى عَلَيْهِ. فقد أَخْرَجَ إِسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّه سُئِلَ هَلْ بَقِيَ مِنْ قومِ لُوْطٍ أَحَدٌ؟ فقَالَ: لَا إِلَّا رَجُلٌ بَقِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَانَ تَاجِرًا بِمَكَّةَ فَجَاءَهُ حَجَرٌ لِيُصيبَهُ فِي الْحَرَمِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ مَلَائِكَة الْحَرَمِ، فَقَالُوا للحَجَرِ ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي حَرَمِ اللهِ. فَرَجَعَ الْحَجَرُ فَوَقَفَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى قَضَى الرَّجُلُ تِجَارَتَه فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ الْحَجَرُ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ.

وَالسَّومُ: العلامةُ، الوَسْمُ أثَرُ الكَيِّ. ووسَمْتُهُ أسِمهُ وَسْمًا وسِمَةً، إذا أَثَّرْتُ فيه بِسِمَةٍ وكَيٍّ. والجمعُ وُسُومٌ، وَسْماً وَسِمَةً فاتَّسَمَ. والوِسامُ والسِّمَةُ، بكسرِهِما ما وُسِمَ به الحَيَوانُ من ضُروبِ الصًّوَرِ. والمِيسَمُ، بكسرِ المَيسَمِ آلةُ الوسمِ كالْمِكْواةُ وغيرها والجمع مَواسِمُ ومَياسِمُ. قال تعالى في سورة في سورة القَلَمِ: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} الآية: 16. وأَخْرَجَ الْفرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “مُسَوَّمَةً” قَالَ: مُعَلَّمَةً.

وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: “مُسَوَّمَةً” قَالَ: السَّوْمُ بَيَاضٌ فِي حُمْرَةٍ. ولا تَنَاقُضَ بينَ القولينِ، فإنَّ الأَوَّلَ تَفْسيرٌ، والثاني وصفٌ. واللهُ أعلم.   وَكذلك قولُ ابْنِ جريجِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فيما أَخْرَجَ عَنْهُ أَبُو الشَّيْخ أنَّهُ قَالَ: حِجَارَة مُسَوَّمَةٌ لَا تُشاكِلُ حِجَارَةَ الأَرْضِ. وَما أَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبيعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “مُسَوَّمَةً” قَالَ: عَلَيْهَا سِيمَا، خطوطٌ صفر. وَأَخرجَ عبدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ، “مُسَوَّمَةً” مُطَوَّقَة بهَا نُصحٌ مِنْ حُمْرَة. وكلُّ هذِهِ الأَقوالِ وَصْفٌ للوَسْمِ، وهوَ: العلامةُ.

قولُهُ: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تَهْديدٌ لِمُشْرِكِيْ قُرَيْشٍ ووَعيدٌ، بأَنَّ مِثْلَ هذِهِ الحِجَارَةٍ التِي أَهْلَكَ اللهُ بِهَا قَوْمَ لُوطٍ مُعَدٌّ وَجَاهِزٌ، بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، لإهْلاَكِ الظَّالِمِينَ الفَجَرَةِ، وَهُمْ لَيْسُوا بِنَجْوَةٍ مِنْهَا. فالضَمِيرُ في “وَما هِيَ” يَعُودُ إِلَى الْحِجَارَةِ، أَيْ وَمَا تِلْكَ الْحِجَارَةُ بِبَعِيدٍ، أَيْ أَنَّ اللهَ تعالى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْمِيَ الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِهَا. يؤيِّدُ ذلكَ مَا أَخْرَجَ ابْنْ جَريرٍ الطَبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِد ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد” قَالَ: يُرْهِبُ بهَا قُريْشًا أَنْ يُصيبَهم مَا أَصَابَ الْقَوْم. وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي حَاتِم عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد” يَقُول: مِنْ ظَلَمَة الْعَرَبِ إِنْ لم يُؤمنُوا أَنْ يُعذَّبوا بهَا. ويَعُمُّ التهديدُ ويمتدُّ لِيَشْمَلَ كلَّ ظالم في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فقد أَخْرَجَ ابْنُ أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع ـ رَضِيَ اللهُ عنه، فِي الْآيَة، قَالَ: كُلُّ ظَالِم فِيمَا سَمِعْنَا قد جُعِلَ بِحِذائِهِ حَجَرٌ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤمَرُ أَنْ يَقَعَ بِهِ، فَخَوَّفَ الظَلَمَةَ فَقَالَ: “وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمينَ بِبَعِيدٍ“. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ فيما ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ وغيرُهُ من الأئمَّةِ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ))، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ“. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ)). وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِم، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد” قَالَ: مِنْ ظَالِمي هَذِهِ الْأُمَّةِ، ثمَّ يَقُول: وَاللهِ مَا أَجَارَ اللهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ.

وقد تتعدَّدُ أواعُ الحجارةِ ولكنَّ العذابَ واحدٌ، فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي الدُّنْيَا فِي (ذَمِّ المَلاهِي)، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَيزِيدِ بْنِ حَفْصَةَ، وَصَفوَانَ بْنِ سليمٍ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إِلَى أَبي بَكْرٍ الصِّديقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ رَجُلاً فِي بَعْضِ نَواحي الْعَرَبِ يُنْكَحُ كَمَا كَانَتْ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ، فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا ذَنْبٌ لَمْ يَعْصِ اللهَ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَصَنَعَ اللهُ بِهَا مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، أَرَى أَنْ تُحْرِقَهُ بالنَّارِ. فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلى أَنْ يَحْرِقوهُ بالنَّارِ. فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِلَى خَالِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنِ احْرِقْهُ بالنَّارِ. ثمَّ حَرَقَهُمُ ابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي إِمارَتِهِ، ثُمَّ حَرَقَهُم هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكَ.

وَأخرجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ رَبيعَةَ بْنِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّأْي قَالَ: عَذَّبَ اللهُ قومَ لُوطٍ فَرَمَاهُمْ بحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَلَا تُرْفَعُ تِلْكَ الْعقُوبَةُ عَمَّنْ عَمِلَ كعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ. ومِنْ هَذا القَبيلِ سُحاقُ النِّساءِ زِنًى بَيْنَهُنَّ. ورُوِيَ أَنَّ سُلَيْمانَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ لإبْليسَ: أَيُّ الأَعْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، وأَبْغَضُ إلى اللهِ؟ قالَ: لَوْلا مَنْزِلَتُكَ عِنْدَ اللهِ مَا أَخْبَرْتُكَ، إنّي لَسْتُ أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَبَّ إليَّ وَأَبْغَضَ إلى اللهِ مِنِ اسْتِغْناءِ الرَّجُلِ بالرَّجُلِ، والمَرْأَةِ بالمَرْأَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَلَّمَ النِّساءَ السُّحاقَ بِنْتُ إِبْليسَ، وتُسَمَّى الدلهان، رَأَتِ الرِّجالَ قَدِ اسْتَغْنَوْا بالرِّجالِ فجاءَتْ إلى النِّساءِ في صورةِ امْرَأَةٍ وشَهَّتْ إِلَيهِنَّ رُكُوبَ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضِهِنَّ وعَلَّمَتْهُنَّ كَيْفَ يَصْنَعْنَ قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وذكر النُوَيْرِيُّ في (نهايَةِ الأَرَبِ في فُنُونِ الأَدَبِ) له، عنِ الكِسائيِّ: قالَ كَعْبُ: إنَّ أَصْحابَ الرَسِّ كانوا بِحَضْرَمَوْتَ، وكانُوا كَثيرًا، فَبَنَوْا هُناكَ مَدينَةً كانَتْ أَرْبَعينَ مِيلًا في مِثْلِ ذَلِكَ، فاحْتَفَروا لَها القَنَواتِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ، وسَمُّوها رَسًّا، وكانَ ذَلِكَ أَيْضًا اسْمَ مَلِكِهِمْ، فَأَقامُوا في بَلَدِهم دَهْرًا طَويلًا يَعْبُدونَ اللهَ تَعالى حَقَّ عِبادَتِهِ؛ ثمَّ تَغَيَّرُوا عَنْ ذَلِكَ، وعَبَدُوا الأَصْنَامَ، وكانَ مِمَّا أَحْدَثوهُ إتيانُ النِّساءِ في أَدْبارِهِنَّ، والمُبادَلَةُ بِهِنَّ، فَكانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَبْعَثُ بِامْرَأَتِهِ إِلى الآخَرِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النِّساءِ، فأَتَاهُنَّ إِبْلِيسُ في صُورَةِ امْرَأَةٍ، وعَلَّمَهُنَّ السُّحاقَ فَفَعَلْنَهُ، وهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَتى النِّساءَ في أَدْبارِهِنَّ وساحَقَ؛ فاشْتُهِرَتْ هذِهِ القَبَائحُ فيهِمْ. فبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا اسْمُهُ حَنْظَلَةُ، وقيلَ: خالدُ بْنُ سِنَان. وقيلَ: ابْنُ صَفْوان. فدَعَاهمْ إلى طاعَةِ اللهِ، ونَهاهُمْ عَنْ عِبادَةِ الأَصْنَامِ، وفِعْلِ القَبَائِحِ، وحَذَّرَهمْ، وذَكَّرَهمْ مَا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، فَكَذَّبُوهُ، فَوَعَظَهُمْ دَهْرًا طَويلًا، وهم لا يَرْجِعون، فَضَرَبَهُمُ اللهُ بالقَحْطِ، فَقَتَلُوا نَبِيَّهُمْ وأَحْرَقوهُ بالنَّارِ؛ فصاحَ بِهِمْ جِبْريلُ صَيْحَةً، فصاروا حِجارَةً سُودًا، وخُسِفَتْ مَدينَتُهم.

قالَ بعضُ الشافِعِيَّةِ: إذا كانتِ المَرْأَةُ تَميلُ إلى النِّساءِ، وخافَتْ مِنَ النَّظَرِ إلى وَجْهِ المَرْأَةِ وكَفَّيْها الفِتْنَةَ، لَمْ يَجُزْ لَها النَّظَرُ، كَما في الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ. قال غلإمامُ الأذْرَعِيُّ: وهذا مِمّا يُبْتَلى بِهِ ذَواتُ السُّحاقِ.

وقالَ الإمامُ البَغَوِيُّ: في الآيَةِ دَليلٌ أَنَّ الاسْتِمْناءَ باليَدِ حَرَامٌ، وهوَ قوْلُ العُلَماءِ.

وقالَ ابْنُ جُريجٍ: سَألتُ عَطاءَ عَنْهُ فقالَ: بَلَغَني عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أَنَّ قومًا يُحْشَرونَ وأَيديهم حَبالى)) وأَظُنُّهم هؤلاءِ.

وعن سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رضي اللهُ عنهُ: عَذَّبَ اللهُ أُمَّةً كانُوا يَعْبثونَ بِمَذاكِيرِهم.

ويَصْلُحُ هذا الضميرُ “هي” لِأَنْ يَعُودَ أيضًا إِلَى مَا عَادَتْ إِلَيْهِ الضَّمَائِرُ الْمَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَمَا تِلْكَ الْقرْيَة بِبَعِيد مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَيِ الْعَرَبِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا فَيَنْظُرُ مَصِيرَهَا، فَالْمُرَادُ إذًا هو الْبُعْدُ الْمَكَانِيُّ. والغايةُ العِبْرَةُ والعِظَةُ. واللهُ أعلمُ بمرادِهِ.

قولُهُ تعالى: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} مُسَوَّمَةً: مَنْصُوبٌ على الحَالِ مِنْ “حِجَارَةً“. وقيلَ: نَعْتٌ لها، وحينئذٍ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الوَصْفِ غَيْرِ الصَّريحِ على الصَريحِ، لأَنَّ {مِنْ سِجِّيلٍ} صِفَةٌ لِ {حِجَارة}، والأَوْلى أَنْ يُجْعَلَ حالًا مِنها، وسَوَّغَ مَجِيئَها مِنَ النَّكِرَةِ تَخَصُّصُ النَّكِرَةِ بالوَصْفِ. و “عِنْدَ” منصوبٌ على الظَرفيَّةِ المكانيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِ “مُسَوَّمَةً“، وهو مُضَافٌ، و “رَبِّكَربِّ: لفظُ الربوبِيَّةِ مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ وهو مُضافٌ أَيْضًا، و “كَ” كافُ الخِطابِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ.

قولُهُ: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} الواوُ: حرفُ عَطفٍ، أَوْ حالِيَّةٌ، أَوْ اسْتِئْنافِيَّةٌ. و “ما” حِجَازِيَّةٌ، أَوْ تَميمِيَّةٌ. و “هِيَ” ضميرٌ منفصلٌ في محلِّ رفعِ اسْمِها، إنْ أُعْرِبتْ “ما” حِجَازِيَّةً، أَوْ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، إنْ أعربتْ “ما” تَمِيميَّةً. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “بَعِيدٍ“، و “الظَّالِمِينَ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمِ. و “بِبَعِيدٍ” الباءُ حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “بعيدٍ” مجرورٌ بحرف الجرِّ الزائدِ لفظًا، منصوبٌ محلًا خبرًا ل “ما” الحجازيَّةِ، أو مَرفوعٌ محلًا خَبَرًا لها إنْ أُعْربتْ تميميَّةً، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في محلِّ النَّصبِ على الحالِ مِنَ {حِجَارَةً} ويجوزُ أن تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ {أَمْطَرْنا} على كِوْنِها جوابًا لِشَرْطِ “لَمَّا” ويجوزُ أنْ تُعْرَبَ مُسْتَأْنَفَةً، وفي هذين الحالين الأخيرينِ لا يكونُ لها مَحَلٌّ مِنَ الإعرابِ.

ولَمْ يُؤَنِّثْ “بَعيد” تبعًا ل “هي” مع أنَّ الشَّأْنَ أَنْ تُطَابِقَ الصفةُ مَوْصُوفَها فِي تَأْنِيثِهِ، إمَّا لأنَّهُ في الأَصْلِ نَعْتٌ لِمَكَانٍ محْذوفٍ تَقْديرُهُ: وما هِيَ بِمَكانٍ بَعيدٍ، بَلْ هوَ قَريبٌ، والمُرادُ بِهِ السَّماءُ، أَوْ القُرَى المُهْلَكَةُ، وإمَّا لأَنَّ المرادَ ب “هي” العُقوبَةُ والعِقابُ وهما واحِدٌ، وإمَّا لِتَأْويلِ “الحِجارَةِ” بِ “عذابٍ” أَوْ بِشَيْءٍ بَعيدٍ. وَالْعَرَبُ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنَى فَاعِلٍ مَجْرَى الَّذِي بِمَعْنَى مَفْعُولٍ إِذَا جَرَى عَلَى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيَادَةً فِي التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَاف: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الآية: 56. وَكقَوْلِهِ في سورة الأحزابِ: {وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} الْآية: 63. وَكقَوْلِهِ في سورة يس: {قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} الآيَة: 78. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} سورة مَرْيَم، الآية: 28. هو مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، أَيْ بَاغِيَةٌ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ “فَعُولٌ” أي: “بَغُويٌ” فَوَقَعَ إِبْدَالٌ وَإِدْغَامٌ. وَتَأَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، أَوْ بِشَيْءٍ بَعيدٍ عَنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي مُعَادِ ضَمِيرِ هِيَ.

ربيع الخير


ربيعُ الخير
لمناسبة مولد الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام
قلبي بمولدكَ العظيمِ مُقطَّعُ ……………… يا ذا الحبيبِ ومِنْ مَديحِكَ أُمْنَعُ

فاشْفَعْ لنا عندَ المُهيمنِ علَّهُ ……………… كَرَمًا يُبَصِّرُنا الصوابَ فنَرجِعُ

ولَعلَّ مَنْ وهَبَ العُقولَ يُنيرُها ……………… فنرى سبيلَ الراشدينَ فنَتْبَعُ

***

هذا رَبيعُ الخَيْرِ أقْبَلَ مُشْرِعًا ……………….. أبوابَهُ للتائهينَ، ألا ارْجِعُوا

فرحًا بمولِدِ خيرِ هادٍ جَدِّدوا ……………….. إيمانَكم وعن المَظالِمِ أقلِعوا

وبشرعِ خَتْمِ المُرسلينَ تمِسَّكوا ……………… وعلى هداهُ وحبِّهِ فتجمّعوا

هذا صِراطُ نجاحِكم فخُذوا بِهِ ………….. لا تَقْطَعوا حَبْلَ النَّبِيِّ فَتُقَطَعوا

فَرَحًا بِمَولِدِهِ سَفَحْتُ مَدامِعِي ……………. أَشْكوا إلى اللهِ العليِّ وأضْرَعُ

مِنْ عُصْبَةٍ مَنَعوا احْتِفالي بالذي ……………. هو خيرُ هادٍ للأنامِ وأرفعُ

وإذا احْتَفَلْتُ فهل أَتَيْتُ بمُنكَرٍ …………… عجَبًا أَمَدْحُكَ يا حبيبي يُمنعُ!

واللهُ قدْ شَرَعَ الثناءَ عليكَ مِنْ ……….. فوقِ الطباقِ السَبْعِ؛ يا قومُ اسمعوا

أوَ ما قرأتم {نون * والقلمِ * وما} … أتُرى بـ {طه، والضُحى} لم تَسْمَعوا؟

و {الانْشِراحُ} بِرَفْعِ ذِكْرِ المُجْتَبى ……… قد أُنْزِلَتْ؛ فمَن الذي لا يَرْفَعُ؟!

هلْ كُنْتُمُ لولاهُ إلاّ هُوَّمًا ……………….. بينَ السوائمِ في الضلالةِ ترتعُ؟

ماذا جَنى خَيْرُ الهُداةِ عليكُمُ …………….. حتَّى يُبَدِّعَ في الجَفاءِ مُبَبَدِّعُ؟
عبد القادر الأسود

صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.

عيد الوجود


عِيدُ الوُجود
لمناسبة ميلاد سيد الوجود: سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم.

فَجرُ السعادةِ مُسْفِرٌ لمّا بَدا
بحرُ الندى والجودِ مِصباحُ الهُدى

يومٌ به الدنيا زَهَتْ، أن بُشِّرتْ
بِأبرِّ مَولودٍ، فكانَ مُحَمَّدا

قد جاءها غَيثاً ونوراً هاديًا
ما أسعدَ الدنيا به، ما أسعدا

غَيْثٌ، ولا ماءُ السَّما إمَّا هَمَى
نُورٌ، ولا وجهُ الصَباحِ، تَوَرَّدا

بالضوءِ نُبصِرُ دربَنا وبِنورِهِ
تُهْدَى العقولُ لِتَستَنيرَ وترْشُدا

والماءُ إن أَحيا النَباتَ فأحمدٌ
أَحيا مَواتَ العالمين وسَدَّدا

يا يومَ مِيلادِ الرسولِ لكَ العُلا
جِئتَ الوُجودَ مُوَحِّداً فَتوحَّدا

فإذا الجميعُ على اختلافِ جُلودِهم
وجُدُودِهم أضحَوا سواءً مَحْتِدا

فأميرُهم وغَنِيُّهُم كَفَقيرِهِم
في الدينِ، آخى ذو البياضِ الأَسوَدا

والمؤمنون؛ وإن نأت أنسابُهم
هم إخوةٌ كيما تَشُدَّ يَدٌ يدا

فَلْيَسْمَعِ المُتَشَدِّقون، بأنَّهم
رُسُلُ الحَضارَةِ والعَدالة سَرْمَدا

ويُمَيِّزون، فليس في مِيزانِهم
ما يَترُكُ الإنسانَ حُرًا سَيِّدا

يَستعبِدون ويَسرِقون، فكم بِهم
جاع الضعيفُ وكم قضى مُستَعبَدا

مَن لم يُطأطئ هامَه قُطِعت ومَنْ
جادوا بِها مَنًّا عليه تَشَرَّدا

كم شَرَّدوا شَعبًا وكم هَدموا على
أَهْليه بيتًا، عامِدًا مُتَعَمِّدا

شيخٌ على الكُرسيِّ أدّى فَرضَه
فجرًا وجُنَّ جُنونُهم فاستُشهِدا

يا سيِّدَ الشُهَدَاءِ ذاكَ رُقيُّهُم
شَمَلوا بِهِ حَتى العَجُوزَ المُقعَدا

هذي حضارتُهم وتلك قُطُوفُها
“أُمُّ القَنابلِ” في تَثَنّيها الرَدى

“فَلّوجَةَ” المَجدِ المُعَمَّدِ فَنِّدي
دَعْوَى التَتَارِ، العائدين مُجَدَّدا

أنتِ العرينُ الدونَه أُسدُ الشَرى
حُيّيتِ مَلْهًىً للأسودِ ومُنْتَدى

صَبْرًا على هُوجِ الخُطوبِ فإنَّما
قَدَرُ الأشاوسِ أَنْ تَجوزَ الفَدْفَدا

*****

يا يومَ ميلادِ الحبيبِ تحيَّةً
أُزْجي إليكَ، تَحَبُّباً وتَوَدُّدا

مِنْ عاشِقٍ كَلِفٍ بحبِّ “المصطفى”
يَهفو إلى رُؤياهُ ما نجمٌ بدا

أَعياه بُعدُ الدارِ والعمرُ انْقَضَى
هَدْرًا ولم يَغْسِلْ عَنِ القَلْبِ الصَدَى

يا عيدُ عُدْ بالوصلِ، إني والرجا
في بابِ مَن أهواه أستجدي النَدى

****

عيدُ الوُجودِ فكلُّ عيدٍ دونَه
لولاهً يومُ العِيدِ ضَلَّ المَوْعِدا

لولاهُ ما “الفِطرُ السعيدُ” هِلالُهُ
لولاهُ لا “أضْحَى” ولا حَادٍ حَدا

و “القَدْرُ” لولا أَحمدٌ ما زَانَها
نورٌ على نورٍ، فحَيّوا المولدا

****

شَرُفَ الزَّمانُ بِأَنَّ فيه “محَمَّدًا”
والأرضُ تَشْرُفُ أَنَّ فيها “أَحمدا”

كلٌّ يُعَظِّمُ مَنْ يُحِبُّ، ومَا لَنَا
إلاهُ فَهْوَ المُنْتَهى والمُبْتَدَى

حَقٌّ علينا أن تَطيرَ قلوبُنا
فرحًا بمولِدِهِ وإنْ غِيظَ العِدَى

حقٌّ عَلَيْنا أَنْ نَعودَ لِدينِهِ
إنْ كان للذِكرى بِأَنْفُسِنَا صَدَى

حقٌّ لَنَا أَنْ نَسْتَجيرَ بجاهِهِ
فالكونُ، كلُّ الكونِ، باتَ مُهَدَّدا

ظَهَرَ الفسادُ وأهلُه وتَقاصَرَتْ
قاماتُنا لمّا عَدا وتَوَعَّدا

وإذا عَتا في الأرضِ يوماً ظالمٌ
فبِضَعفِ مَنْ أَمْسَى الكَليلَ المُقعَدا

حَقٌّ علينا أَنْ نَثوبَ لرُشْدِنا
إن كان للذكرى بأنْفُسِنا صَدَى

ونقومَ للذِكرى، نَعُبَّ كؤوسَها
لِنعودَ للدنيا السُراةَ الهُجَّدا

صَدِئَتْ بِنَا الدُنْيا وسَالَ صَديدُها
لمّا صَدِئنا والزمانُ عَدا سُدَى

غَشَّى السّماءَ بِه البُغاثُ تَطاولًا
والثَّعْلَبُ الخَمْخَامُ فِيهِ اسْتَأْسَدا

أَعَلى عُلا الأَقْصَى رَغَا فَدْمُ البِغا!
وعلى كَنيسَةِ مَهْدِ “عِيسى” أَزْبَدا!

مَسْرى رَسُولِ اللهِ، صَفوَةِ خَلْقِهِ
نادى وما مِن سامعٍ لبّى النِدا

وكَنيسَةُ المَهْدِ الجَلِيلِ اسْتَصْرَخَتْ
أَهْلَ الشَهامَةِ والحَمِيَّةِ والفِدَا

والمسْجِدُ العُمَرِيُّ بَثَّ لِربِّهِ
شَكواهُ: يا رَبِّ، الجَميعُ تَهَوَّدا

****

تَبًّا لِدَبّاباتِهم، كَمْ عَرْبَدَتْ
مِنْ نِفْطِنا؛ تَبًّا لَهُ كَمْ عَرْبَدا

دِيسَتْ بِهِ الأطفالُ؛ شُلَّتْ عُصْبَةٌ
ما مَيَّزَتْ سَرَفَ السَفِيهِ مِنَ النَدَى

أَموالُنا تُكوي بها أَجْسادُنا
وبِها عَلَيْنَا اشْتَطَّ “بوشُ” وهَدَّدا

وتَرُشُّ فوقَ رؤوسِنا راياتُه
ذُلًّا فنَحْسِبُهُ العُلا والسُؤْدَدا

شَمَمُ العُرُوبَةِ لَيْسَ لَوْنَ دِمائنا
ونَبيُّنا المَتبوعُ ليسَ “محمَّدا”

يا رَبِّ هَلْ مِنْ بَعْدُ ثَمَّةَ ذِلَّة ٌ
أَخْزَى لَنَا وِرْدًا وأَوْخَمَ موْرِدا؟

****

يا عِيدُ عَلِّمْهم بِأَنَّا إِخْوَةٌ
فالكَوْنُ مِنْ أَجْلِ ابْنِ آدَمَ أُوجِدَا

****

بالنَّفْسِ أَفْدِي الثائرينَ عَلَى المَدَى
السَّاحِبينَ إلى الفَخَارِ الفَرْقَدَا

للهِ باعوا في الوَغَى أَرواحَهم
مَنْ قالَ إِنَّ دِماءَهمْ ضَاعَتْ سُدَى؟

سَلَبوا مِنَ المُسْتَوْطِنينَ أَمانَهم
فَتدافعوا كُلٌّ يؤمِّلُ مَخْلَدا

****

ماذا يَضيرُ العُرْبَ إنْ وَثَبوا لِمَا
يُرضي الإباءَ ولَو بِأَشْبَاهِ المُدَى

ماذا لَوَ انَّ العُرْبَ صَفٌّ واحِدٌ
خلفَ الشَّآمِ أَمَ انَّ وَقْرًا أَقْعَدا؟

“موسى” و “عيسى” والنَبيُّ “محمَّدٌ”
مِنَّا بَراءٌ أَوْ نَرُدَّ مَنِ اعْتَدَى

فنَعودَ للأقْصَى بِسَالِفِ عَهْدِهِ
ويَعودَ عِزُّ المَهْدِ أَوْ نُسْتَشْهَدا

***
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يا شَمْسَ الهُدَى
ما غَرّدَ الشَّادي وحَيَّا المَوْلِدا

وعلى النُّجومِ الزُهْرِ، أَقْمارِ الدُجَى
آلِ النَبيِّ وصَحْبِه ومَنِ اهْتَدَى

عبد القادر الأسود

صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.
صورة ‏‎Abdolkader Mohmmad Alaswad‎‏.

فيضُ العليم … سورةُ هود، الآية: 82


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ

(82)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أيْ: فلَمَّا حانَ وقتُ نَفَاذِ أَمْرِنا وحَلَّ مَوْعِدُهُ، والْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ ههنا مَا هُوَ ضِدُّ النَّهْيِ فإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ عَدَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَنْ يُخَرِّبُوا مدائنَ قومِ لوطٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ حدَّدَهُ لهم، فَلَمَّا جَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ نفَّذوا ما أُمِروا به، فَكَانَ قَوْلُهُ: “فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا” إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ التَّكْلِيفِ. ولِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: “فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها” وَهَذَا الْجَعْلُ هُوَ الْعَذَابُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرْطٌ وَالْعَذَابُ جَزَاءٌ، وَالشَّرْطُ غَيْرُ الْجَزَاءِ.

قولُهُ: {جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها} قَلَبْنا: فقد دُمِّرتْ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ الأَرْبَعةُ التي يُقالُ لَها المُؤْتَفِكاتَ، وكان فيها ـ على ما قِيلَ، أَرْبَعُ مِئةِ أَلفِ وأَربعةُ آلافِ نَسَمَةٍ، وكانت على مسيرةِ ثلاثةِ أيام مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقد تقدمَ في الآية التي قبلها أَنَّ جِبْريلَ ـ عليه السلامُ، جعل جَنَاحَه في أسْفَلِها فاقتلعها مِنَ الماءِ الأَسْودِ، ثمَّ رَفَعَها إلى السَماء، ولم يَنتَبِه منهم نائم، ثمَّ قَلَبَها عليهم، فأَقْبَلَتْ تَهْوي مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ. وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: حدثت أَن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى المؤتفكة مؤتفكة قوم لوط فاحتملها بجناحه ثمَّ صعد بهَا حَتَّى أَن أهل السَّمَاء ليسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم ثمَّ اتبعها الله بِالْحِجَارَةِ يَقُول الله تَعَالَى {جعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل} فأهلكها الله وَمن حولهَا من الْمُؤْتَفِكَات فَكُن خمْسا صَنْعَة وصغرة وعصرة ودوماً وسدوم وَهِي الْقرْيَة الْعُظْمَى

 

قولُهُ: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} يُقَالُ في كَلَامُ الْعَرَبِ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأَمْطَرَتْ، وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي تُقالُ في الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. والسجِّيلُ: الطِّينُ، لقوله في سورة الذاريات: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين} الآية: 33. فالسِجِّيلُ هو الطينُ المُتَحَجِّرٌ، وقالوا: هِي حِجَارةٌ مِنْ طِينٍ طُبِخَتْ بنارِ جَهَنَّمَ كما فسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، وقيلَ هو مِنْ أَسْجَلَ، أَيْ: أَرْسَلَ فيكون فِعِّيلاً، وقيلَ: هوَ مِنَ التَسْجيلِ إذ كانَ كُتِبَ عَلَيْها أَسْماءُ القَوْمِ. والمَعْنى: أَنَّه مِمَّا كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ وأَسْجَلَ أَنْ يُعَذَّبَ بِهِ قَوْمَ لُوطٍ، وكَثيرًا ما نَسْتَعْمِلُهُ بهذا المَعْنَى فَنَقُولُ: سَجِّلْ كذا، وسجَّلتُ كَذا دوَّنتُهُ وثبَّتُهُ وحفظتُه وأرَّختُ له، والسَجِيلُ: الصَكُّ. وقد سَجَّلَ الحاكمُ تَسْجيلاً. والسِّجِلُّ: كِتَابٌ تُحفَظُ فيه وتدوَّنُ الحُقوقُ والوقائعُ والوثائق والتواريخُ وتُثَبَّتُ، والمُساجَلَةُ أَيضًا: المُفَاخَرَةُ. ومن ذلك قولُ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبي لَهَبٍ:

من يُساجِلْني يُساجِلْ ماجِدًا …………. يَمْلَأ الدَلوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ

ومِنْهُ قولُهم: الحربُ سِجالٌ. وتَساجلوا، أَيْ تَفَاخَرُوا. والمُسْجَلُ: المَبْذولُ المُباحُ الذي لا يُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ. وأَنْشَدَ عليه الضَبِّيُّ:

أَنَخْتُ قَلُوصِي بِالْمُرَيْرِ ورَحْلُها …….. لِمَا نَابَهُ مِنْ طَارِقِ اللَّيْلِ مُسْجَلُ

أَراد بالرَحْلِ المنزلِ. ويقال أَسْجَلْتُ الكلام، أي أرسلته. وقيل أصلُهُ مِنَ الدلوِ العظيمةِ إذا كان فيها ماءٌ سَواءٌ كانَتْ مُمْتَلِئَةً أَوْ غَيْرَ مُمْتَلِئَةٍ، ولا يُقالُ للفارغَةِ: سَجْلٌ، ومِنْ ذَلِكَ قولُ عَمرِو بْنِ قَميئةَ:

فلما نَأوا سَبَقَتْ عَبْرَتي ……………. وأَذْرَتْ لِها بَعْدَ سَجْلٍ سِجالا

وقال سلامةُ بْنُ جندلِ:

يهوي إذا الخيلُ جازتهُ وثارَ لها ……. هويَّ سجلٍ من العلياءِ مصبوبِ

وقالَ النَحَّاسُ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أيضًا: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ لِتَميمِ ابْنِ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً …….. ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

فقد ذهب أَبَو عُبَيْدَةَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، ورُدَّ عليه بأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَقَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. حكاهُ أبو عبيدة عن الفرّاءِ. وَقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ وهو بمعنى حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ. وقد تقدَّمَ غيرَ مرَّةٍ عدمُ موافقتنا على هذا الرأي، وفي هذا بُلغةٌ، ففي السِّجِّيلِ أَقوالٌ كثيرةٌ، ذَكَرْنَا مِنْها مَا وَجَدْنَاهُ أَقْرَبَ للصَّوابِ، وعَزَفْنا عَنِ الأَخْرى خَشْيَةَ الإطالَةِ.

وَ “مَنْضُودٍ” مَصْفوفٌ مُنَسَّقٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. والنَّضْدُ: جَعْلُ الشيءِ بعضَه فوقَ بعضٍ، ومِنْهُ قولُهُ تعالى في سورة الواقعة: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} الآية: 29، أيْ: مُتَراكِبٌ، والمُرادُ وصفُ الحجارة بالكثرة. وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّهَا مُتَتَابِعَةٌ مُتَتَالِيَةٌ فِي النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَهَا فَتْرَةٌ. وَالْمُرَادُ وَصْفُ الْحِجَارَةِ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْحِجَارَةَ لَمَّا جُعِلَتْ مِنْ سِجِّيلٍ، أُجْرِيَ الْوَصْفُ عَلَى سِجِّيلٍ وَهُوَ يُفْضِي إِلَى وَصْفِ الْحِجَارَةِ لِأَنَّهَا مِنْهُ.

وقد استدلَّ بَعْضُ الفقهاءِ بهذه الآيةِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ فحُكْمُهُ الرَّجْمُ.

قولُهُ تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} الفاءُ: هيَ الفَصيحَةُ؛ لأنَّها أَفصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، تَقْديرُهُ: إذا عَرَفْتَ ما قالوا لَهُ، وأَرَدْتَ بَيانَ عَاقِبَةِ أَمْرِهم. فأَقولُ لَكَ “لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا“. و “لمَّا” حَرْفُ شَرْطٍ. و “جَاءَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “أمرُنا” فاعلٌ مرفوعٌ مضافٌ، وضميرُ المتكلِّمين: “نا” متَّصلٌ به في محلِّ جرٍّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ “لمّا“. و “جَعَلْنَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو ضميرُ المتكلِّمين “نا” وهو متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، و “عاليها” مفعولٌ بهِ مضافٌ، والهاء: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ جرِّ مضافٍ إِليْهِ، و “سافلَها” مفعولُهُ الثاني. والجُمْلَةُ جَوابُ “لمَّا” الشرطيَّةِ فلا محلَّ لها من الإعراب، وجملةُ “لمَّا” بشرطها وجوابِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لِجَوابِ “إذا” المُقَدَّرَةِ.

قولُهُ: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} الواوُ: للعطفِ، و “أَمْطَرْنَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو ضميرُ المتكلِّمين “نا” وهو متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجملةُ معطوفةٌ على جملةِ “جَعَلْنَا“. و “عَلَيْهَا” جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بِ “أَمْطَرْنَا“. و “حِجَارَةً” مَفْعولٌ به منصوبٌ. و “مِنْ سِجِّيلٍ” جارٌّ ومَجْرورٌ في محلِّ نصبِ صفةٍ لِـ “حِجَارَةً“. و “مَنْضُودٍ” صِفَةٌ لِـ “سِجِّيلٍ“.

فيض العليم … سورة هود الآية: 81


قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ

(81)

قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ الكرامُ أنَّ السَفَلةَ من قومِ لوطٍ قد أحاطوا به من كلَّ جانبٍ وأخذوا يتسوَّرون عليه بَيْتَهُ، وعاينتِ الملائكةُ حَالَةَ لوطٍ ـ عليه وعليهمُ السَّلامُ، وما هوَ فيهِ مِنْ شعورٍ بالضَعفِ والخوفِ والحُزْنِ والقلقٍ والإحباط، بَشَّرُوهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبِشَارَاتِ: أَوَّلُهَا: أعلموه أَنَّهُمْ ملائكةٌ مُرْسَلُونِ إليه مِنْ رَبِّهِ ـ سبحانَهُ وتعالى. وَثَانِيهَا: طمأنوه بأَنَّ هؤلاءِ الْكُفَّارَ مِنْ قومِهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَى مَا هَمُّوا بِهِ مِنْ فاحشةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُهْلِكُهُمْ جَميعًا عن قريبٍ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ سبحانَهُ سيُنَجِّيهِ مَعَ أَهْلِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ رُكْنَهُ شَدِيدٌ وَأَنَّ نَاصِرَهُ هُوَ الله تَعَالَى. وَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لَهُ افْتَحِ الْبَابَ فإِنَّ قَوْمَكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ. فَلمَّا دَخَلُوا ضَرَبَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِجَنَاحِهِ وُجُوهَهُمْ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ فَأَعْمَاهُمْ فَصَارُوا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وذلكَ مِصْداقُ قَولِهِ تَعَالَى في سورةِ القَمَرِ: {وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ} الْآية: 37. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا وَاقِفِينَ بِبَابِهِ، وَلُوطٌ يُدَافِعُهُمْ، وَيَرْدَعُهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ مِنْهُ، فَطَمَسَ اللهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَرَجَعُوا لاَ يَهْتَدُونَ إِلى الطَّرِيقِ كَمَا جَاءَ فِي الآيَةٍ: 37. آنفةِ الذِكْر مِنْ سُورَةِ القَمَرِ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ. و “بِقِطْعٍ مِنَ الليْلِ” أيْ: بِطَائِفَةٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ. وَحِينَ أَعْلَمَهُ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ مَلاَئِكَةُ اللهِ وَرُسُلُهُ، وَأَنَّ قَوْمَهُ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ وَلا إِلى ضُيُوفِهِ بِسُوءٍ، اطمأنَّ ـ عليه السلامُ، إلى نَصْرِ اللهِ وتَأْييدِهِ، وهَدَأَ رَوْعُهُ.

قولُهُ: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} ثُمَّ أَمَرُوهُ بِأَنْ يُسْرِي بِأَهْلِهِ بَعْدَ هَجْعَةٍ مِنَ الليْلِ، وَأَنْ يَسِيرَ هُوَ فِي المُؤَخِرَةِ، وَيَتْبَعُ أَدْبَارَ أَهْلِهِ. وَالسُّرَى السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ. يُقَالُ: سَرَى يَسْرِي، إِذَا سَارَ بِاللَّيْلِ، وَأَسْرَى بِفُلَانٍ، إِذَا سِيرَ بِهِ بِاللَّيْلِ، وَالْقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ: بَعْضُهُ، وَهُوَ مِثْلُ الْقِطْعَةِ، يُرِيدُ اخْرُجُوا لَيْلًا لِتَسْبِقُوا نُزُولَ الْعَذَابِ الَّذِي مَوْعِدُهُ الصُّبْحُ. قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله “بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ” قالَ: هوَ آخِرُ اللَّيلِ سَحَرًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِي فِي (الْوَقْفِ والابتداءِ). وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ـ رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: “بِقِطْعٍ” قَالَ سَوادٌ مِنَ اللَّيْل. وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة ـ رضي اللهُ عنه، فِي قَوْلِهِ: “بِقطع من اللَّيْل” قَالَ: بطَائفَةٍ مِنَ اللَّيْل. ورويَ عنه أيضًا أَنَّه قالَ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقال الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيلَ: هزيعٍ من الليلِ. وَقَالَ آخَرُونَ: القِطْعُ هُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ. فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قُطِعَ بِنِصْفَيْنِ. وقَالَ مَالكُ بْنُ كِنَانَةَ:

ونائحةٍ تَقومُ بِقِطْعِ لَيْلٍ …………………. على رَجُلٍ أَماتَتْهُ شَعُوبُ

الشَعُوبُ هُنَا: الفُرْقَةُ. وَقِيلَ: “أَسْرى” (بهمزةِ القَطْعِ) إذا سَارَ مِنْ أَوَّلِ الليْلِ، وَ “سَرَى” إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ.

وقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ …….. قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ ـ رضي اللهُ عنه:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ……. وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

ثُمَّ أَمَرُوهُ بِأَنْ لاَ يَلْتَفِتَ أَحَدٌ إِذَا سَمِعُوا صَوْتَ البَلاَءِ المُنْصَبِّ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَلاَ يَهُولَنَّهُمْ ذلِكَ.

قولُهُ: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} قال مجاهد ـ رضي اللهُ عنه: أَيْ: لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى رضي اللهُ عنه: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ. الْمُرَادُ بهذا الأَمْرِ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ والتباطُؤِ، والظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ فِي الْبَلْدَةِ أَمْوَالٌ وَأَصْدِقَاءُ، فَأَمَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيَتْرُكُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ، وَلَا يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا الْبَتَّةَ. فالِالْتِفَاتُ نَظَرُ الْإِنْسَانِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَطْعَ الْقَلْبِ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ يُرَادُ مِنْهُ الِانْصِرَافُ أَيْضًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سُورةِ يُونُس ـ عليه السلامُ: {قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} الآية: 78. أَيْ لِتَصْرِفَنَا عنهُ.

قولُهُ: {إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ امْرَأَتَهُ سَتَكُونُ مِنَ الهَالِكِينَ، لأَنَّهَا مِنْ قَوْمِهَا فِي فَسَادِهَا. فالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ هنا، والْتِفَاتُهَا مَعْصِيَةٌ، يُؤكِّدُ ذلك مَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ هَذَا الْعَذَابَ الْتَفَتَتْ وَقَالَتْ: يَا قَوْمَاهُ! فَأَصَابَهَا حَجَرٌ فَأَهْلَكَهَا وذَلِكَ مِصْداقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: “إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ” أَيْ: مِنَ العذابِ والهلاكِ.

قولُهُ: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: {إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ} الآية: 31. مِنْ سُورَةِ العنكبوت، قالَ نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: الآنَ، الْآن. مُسْتَعْجِلًا لهمُ الْعَذَابَ لِشدَّةِ غَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: “إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ” وفيهِ إِشارَةٌ إِلى أَنَّ لِكُلِّ أَمْرٍ عَنْدَ اللهِ تَعالى موعدُهُ ومِيقاتُهُ الذي لا يَتَقَدَّمُ عنه لَحْظَةً واحدةً ولا يَتَأَخَّرُ، فهو كَما قالَ ـ سُبْحانَهُ وتعالى في الآية: 34، مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون}. والصُبحُ هو الوقتُ ما بينَ الفَجْرِ وشَروقِ الشَّمْسِ، فَلمَّا قَالَ لَهُمْ: أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ، قَالُوا لَهُ: “أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ” فقَرَّبُوا لَهُ مَوْعِدَ الهَلاَكِ، وَقَالُوا لَهُ إِنَّهُ الصُّبْحُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فلَمَّا سَمِعَ لُوطٌ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا الْكَلَامَ، خَرَجَ بِأَهْلِهِ في عَتْمَةِ اللَّيلِ. فيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ، فخَرَجَ لوطٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كما قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ: إِنَّ اللهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. ثمَّ إنَّ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ: وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى، وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضَعْوَةُ، وَقَتَمُ، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بِما فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، فلَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ يَنْكَسِرْ لهم إِناءٌ، ثمَّ نُكِسُوا على رُؤوسِهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللهُ بِالْحِجَارَةِ، فمن كانَ بعيدًا عن هذه القرى أصابه حجرٌ فقتلهُ، كما فُعِلَ بامرأةِ لوطٍ حين الْتَفَتَتْ.

قولُهُ تعالى: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ. و “يَا” أداةُ نداءٍ للمتوسِّطِ بُعْدُهُ، و “لوطُ” مُنَادى مُفْرَدُ العَلَمِ مبنيٌّ على الضَمِّ في محلِّ النَّصْبِ، وجُمْلةُ النَّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ. و “إِنَّاإنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ اسْمَهِ. و “رُسُلُ” خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ وهو مضافٌ، و “رَبِّكَ” مٌضافُ إِلَيْهِ وهو مضافٌ أيضًا، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ جَرٍّ بالإضافةِ إليه، وجُمْلَةُ “إنَّ” في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ عَلى كَونِها جَوابَ النِّداءِ. و “لَنْ” حرفٌ ناصِبٌ و “يَصِلُوا” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ ب “لَنْ” وعلامةُ نصبِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخرهِ لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ الفارقةُ. و “إِلَيْكَ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مُفَسِّرَةٌ للجُمْلَةِ التَي قَبْلَها وموضِّحةٌ على كَوْنِها منصوبةً بالقولَ، لأنَّهم إذا كانوا رُسُلَ اللهِ، لَنْ يَصِلوا إِلَيْهِ، ولن يَقْدِروا على ضَرَرِهِ.

فقولُهُ: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} فَأَسْرِ: الفاءُ: عاطِفَةٌ لِرَبْطِ المُسَبّبِ بالسَّبَبِ. “أَسْرِ” فعلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ من آخرِهِ، وهيَ الياءِ، والكَسْرَةُ قَبْلَها دَليلٌ عَلَيْها، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ على لُوطٍ ـ عليهِ السَّلامُ. و “بِأَهْلِكَ” جارٌّ ومَجْرورٌ متعلِّقٌ بحالٍ مِنِ فاعِلِ “أَسْرِ”؛ أيْ: مُصاحِبًا لهم. ويجوزُ أَنْ تَكونَ الباءُ للتَعْديةَ، وهذه الجُمْلَةُ الفعليَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقَوْلِ عطْفًا على الجُمْلَةِ التي قَبْلَها. و “بِقِطْعٍ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى “في”. و “قِطْعٍ” مَجْرورٌ بِهِ، والجَارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ ب “أَسْرِ“. أو بحالٍ مِنْ “أهلك” أيْ: مُصاحِبينَ لِقِطْعٍ، عَلى أَنَّ المُرادَ بِهِ الظُلْمَةُ. و “مِنَ اللَّيْلِ” جارٌّ ومجرورٌ في مَحَلِّ صِفَةٍ لـِ “قِطْعٍ“.

قولُهُ: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “لَا” ناهيةٌ جازمةٌ، و “يَلْتَفِتْ” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ ب “لا” الناهيةِ. و “مِنْكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ “أَحَدٌ“. و “أَحَدٌ” فاعِلُهُ مَرفوعٌ بهِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ “أَسْرِ“. و “إِلَّا” أداةُ استثناءٍ “امْرَأَتَكَ” منصوبٌ على الاستثناءِ مِنَ الأهْلِ، أَوْ مِنْ “أَحَدٌ” وهو في الحالين استثناءٌ منقطعٌ، ويجوزُ أنْ يُرْفَعَ على البَدَلِيَّةِ مِنْ “أَحَدٌ” وهي قراءةٌ سنعرضُ لَها عند الحديث على القراءاتِ. وهو مضافٌ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. و “إِنَّهُ” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “مُصِيبُهَا” خَبَرُهُ مرفوعٌ بِهِ وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، وجُمْلَةُ “إنَّ” مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ الاسْتِثْناءِ عَلى كَوْنِها مَقولَ القَوْلِ. و “مَا أَصَابَهُمْما: مَوْصُولةٌ، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصوفَةٌ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعلٌ لِاسْمِ الفاعلِ “مُصيبُ”. و “أَصَابَهُمْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على “ما“، وضميرُ الغائبينَ “هم” متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذه، صِلَةٌ لـِ “ما” أَوْ صِفَةٌ لَها. ويجوزُ الضميرُ في “إنَّه” ضَميرَ الشَأْنِ، و “مُصِيبُ” مُبْتَدَأٌ و “مَا” خَبَرُهُ.

قولُهُ: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} إِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، و “مَوْعِدَ” اسْمُهُ منصوبٌ به وهو مُضافٌ، وضميرُ الغائبينَ “هم” متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، و “الصبحُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُملةُ هذِهِ في مَحَلَّ النَّصْبِ بالقَوْلِ. و “أَلَيْسَ” الهمزةُ: للاسْتِفهامِ التَقْريريِّ. و “ليس” فعلٌ ناقصٌ، و “الصبحُ” اسْمُهُ مرفوعٌ. و “بِقَرِيبٍ” الباءُ: حرْفُ جرٍّ زائدٍ، و “قريبٍ” مجرورٌ لفظًا بِحَرْفِ الجَرِّ الزائدِ، منصوبٌ مَحَلًّا على أَنَّهُ خبرُ “ليسَ” وهذه الجملةُ في مَحَلِّ النَّصبِ بالقولِ.

قرَأَ الجمهورُ: {فأَسْرِ بأهلِكَ} بِقَطْعِ الْأَلْفِ، وقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ “فَاسْرِ” بوصلِها، وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ سَرَيْتُ بِاللَّيْلِ وَأَسْرَيْتُ، وَمنْ ذلك بيتُ حَسَّان بْنِ ثابِتٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

حَتَّى النَّضِيرَةِ رَبَّةِ الْخِدْرِ ……………. أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

بِفَتْحِ تَاءِ “تَسْرِي” فَجَاءَ بِاللُّغَتَيْنِ ومنه قولُ النابغةِ الذبيانيِّ:

أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ … تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهَا جَامِدَ الْبَرَدِ

فَإِنَّهُ قَالَ: أَسْرَتْ، مِنَ الرُبَاعِيَّ، وَقَالَ: سَارِيَةٌ، اسْمُ فَاعِلِ “سَرَى” الثُّلَاثِيَّ.

فَمَنْ قَرَأَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في أوَّل آيةٍ من سورة الإسراءِ: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ليلًا مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى}، وَمَنْ وَصَلَ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ في سورة الفجرِ: {وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ} الْآية: 4.

قرأ الجمهور: {إلَّا امرأتَكَ} بِالنَّصْبِ، وقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عُمَرَ “إِلَّا امْرَأَتُكَ” بِالرَّفْعِ. فمَنْ نَصَبَ فَقَدْ جَعَلَهَا مُسْتَثْنَاةً مِنَ الْأَهْلِ عَلَى مَعْنَى فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ، وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ) فَأَسْقَطَ قَوْلَهُ: “وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ” مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَفَعُوا فَالتَّقْدِيرُ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ. فمعنى “إِلَّا” هاهنا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ عَلَى مَعْنَى، لَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ، لَكِنِ امْرَأَتُكَ تَلْتَفِتُ فَيُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ.

قرَأَ الجمهورُ: {أليسَ الصُّبْحُ} بِتَسْكينِ الباءِ، وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ “أَلَيْسَ الصُّبُحُ” بِضَمِّها، وَهِيَ لُغَةٌ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com