RSS

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 52


وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

(52)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍفَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ} المُرادُ بـ “كتاب” الجِنْسُ وعليه فالضميرُ “هم” يَعودُ على جَميعِ البَشَرِ، مؤمِنِهم وكافرهم، وقيل يَعودُ على الكافرين فقط، وقيلَ المَقصودُ بـ “كتابٍ” كلُّ كتابٍ أنزلَه اللهُ على رسولٍ من رُسُلِه ـ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ. وقيلَ: بأنَّ الضميرَ “هُم” يَعودُ على مَنْ عاصَرَ النَبِيَّ محمّداً ـ عليه الصلاةُ والسّلامُ ـ وعليْه فالمُرادُ بـ “كِتابِ” القرآنُ الكريمُ، ونُكِّرَ الكتابُ ونُوِّنَ للتَفْخيمِ. و”فَصَّلْناهُ” بَيَّنَّا معانيهِ مِنَ العَقائدِ والأحكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً حَتَّى يَعْرِفَهُ مَنْ تَدَبَّرَهُ، والتفصيلُ: جعلُ بَيانِ الحقائقِ والمَسائلِ مَفصولاً بعضُها عن بعضٍ بحيثُ لا يَبْقى فيها اشْتِباهٌ أَوْ لَبْسٌ. وَقِيلَ: “فَصَّلْناهُ” أي أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا ليسهلُ تلقيه واستيعابُهُ والعملُ بما فيه. “عَلى عِلْمٍ” مِنَّا بِهِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ سَهْوٌ وَلَا غَلَطٌ، أو على علمٍ بالمخاطبين به وبما يَصْلُحُ لهم ويُصلحَ شأنَهم. أيْ: فَصَّلْناهُ على أَكْمَلِ وَجْهٍ وأَحْسَنِهِ حالَ كونِنا عالمين بذلك أَتَمَّ العِلْمِ. أوْ أَنْزَلَهُ مُفصَّلًا على عِلْمٍ مِنْهُ ـ تعالى ـ بِمَنْ يُصَدِّقُهُ ويَتَّبِعُهُ، وبِمَنْ يُكَذِّبُهُ ولا يَتَّبِعُهُ. وجاءَ قولُهُ: “علمٌ” نَكِرةً للتَعظيمِ.

قولُهُ: {هُدىً وَرَحْمَةً لقومٍ يؤمنون} أَيْ هَادِيًا وَذَا رَحْمَةٍ، “لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” فخَصَّ المؤمنين بالذكرِ لأنَّهم المُنْتَفِعونَ بِهِ. فهو هدىً للمؤمنين، وعَمًى على الكافرين؛ قال تعالى: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} سورة فُصِّلت، الآية: 44. وخصَّ المؤمنين بالهُدى دون أُولَئِكَ، لأنه عَمًى عليهم ورِجْسٌ؛ قال في سورة التوبة: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} الآيتان: 124 ـ 125. وقال أَبو بَكْرٍ ابنُ الأَنباريِّ: هو هُدىً للكُلِّ: للمُؤْمِنَ والكَافِرِ جَميعًا، ورَحْمَةً للمُؤمنينِ خاصَّةً. فالمُرادُ بهذِهِ الجُملةِ الكَريمةِ بيانُ أَنَّ ما في هذا القرآنِ مِنْ أَحْكامٍ وتَفصيلٍ وهدايةٍ، لم يَحْصُلُ عَبَثاً، وإنَّما حَصَلَ مَعَ العِلمِ التامِّ بِكُلِّ ما اشْتَمَلَ عَليْه مِنْ فوائدَ مُتكاثِرَةٍ، ومَنافِعَ مُتزايِدَةٍ.

قولُهُ تعالى: {وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ} و: اسْتِئْنافيَّةٌ، و”اللامُ” لامُ القَسَمِ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، و”قد” حرفُ تَحقيقٍ. “جِئْنا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ، و”نا” العَظَمَةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، و”هم” الهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ في محلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ، والميمُ للمُذَكَّرِ. “بكتاب” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “جئناهم“، جملةُ القَسَمِ المُقدَّر، لا محلَّ لها من الإعرابِ، وجملةُ “جئناهم” واقعة في جوابِ القَسَمِ فلا مَحَلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ} فصّلناه: مِثْل جِئناهم، “على عِلْمٍ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنَ الهاءِ ـ أَيْ مُشْتَمِلاً على عِلْمٍ ـ أوْ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: أي: فَصَّلْناه عالمين بتفصيله، وقد نُكِّرَ للتعظيم. “هدى” حالٌ مِنْ “كتابٍ“، وجازَ ذلكَ لِتَخَصُّصِهِ بالوَصْفِ، أو من مفعولِ “فصَّلناه“، أو هو مفعولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ: فَصَّلْناه لأَجْلِ الهِدايةِ. وهو مَنْصوبٌ وعلامةُ نَصبِه فتحةُ مُقدَّرةُ على الأَلِفِ للتَعَذُّر. “و” حَرْفُ عَطْفٍ، “رحمةً” عطفاً على “هدى” منصوبٌ، “لقوم” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “هدًى ورحمةً” أوْ بِنَعْتٍ لَهُما، وجُمْلَةُ “فصّلناه” في مَحَلِّ جَرِّ نَعْتٍ لِـ “كتاب“.

قولُهُ: {يؤمنون} مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه ثبوت النونِ في آخره لأنَّهُ من الأفعال الخمسةِ، والواوُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعٍ فاعلٌ. وجُملةُ “يؤمنون” في مَحَلِّ جَرِّ نَعْتٍ لِقوْمٍ.

وقرأ زيد بْنُ عليٍّ: “هدىً ورحمةٍ” بالجَرِّ، وخُرِّجَ على النَّعتِ أو البدلِ منْ “كتاب” أو البدلِ من “علم“. وقُرِئَ “هدىً ورحمةٌ” بالرَّفعِ على إضْمارِ المُبْتَدأِ. وقرئَ “هُدًى ورَحْمَةٌ على تَقديرِ: هو: “هُدًى ورحمةٌ” .

وقرأ الجحدَريُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: “فضّلْناه” بالضادِ المُعْجَمَةِ. أَيْ: فَضَّلْناهُ على سائرِ الكُتُبِ السَماويَّةِ عالمين بأنَّه حقيقٌ بذلك.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 51


الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ

(51)

قولُه ـ تباركت أسماؤه: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} أَيْ أنَّهم اتَّخَذوا دينَهُمُ المَلاهيَ التي كانوا يَلْهونَ بها ويَلْعبون؛ لأنَّهم كانوا يُنْكرونَ البَعْثَ، وفي إنْكارِهم البعثَ إنْكارٌ للحسابِ والجَزاءِ على الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ، وفي الحكمة إيجابُ ذلك، فمَنْ لَمْ يَرَهُ فهو لاهٍ ولاعِبٌ. واللّهْوُ صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أَنْ يُصْرَفَ إليْه، واللَّعِبُ طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطلَبَ، فاللَّهْوُ واللَّعِبُ هو ما لا عاقبةَ لَهُ، وكلُّ عَمَلٍ لا عاقبةَ لهُ فهو لَعِبٌ ولَهْوٌ، وهْمْ كانوا يَعملون ما لا عاقبةَ له؛ كالذي زَيَّنَ لهمُ الشيطانُ مِنْ تحريمِ البَحيرةِ وأَخَواتِها، وكالمُكاءِ والتَصْدِيَةِ حَوْلَ البَيْتِ، وسائرِ الخِصالِ الذَميمةِ، التي أغراهمُ الشيطانُ بها، وكانوا يَفْعلونَها في جاهليَّتِهم. وقيل: المقصودُ بدينِهم عيدُهم، لِذلك كانت أعَمالُهم هذه كلّها لَهْوًا ولَعِبًا، إذ لم تكنْ تؤدي بهم لحسنِ العاقبة.

قولُهُ: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا} بزينَتِها وزُخْرُفِها وكَثْرَةِ دُعاتِها، فاطْمَأَنُّوا إليْها ورَضُوا بِها وفَرِحُوا، وأَعْرَضُوا عَنِ الآخِرَةِ ونَسُوها. ولقد أُضيفَ التَغريرُ إلى الحياةِ الدُنيا لمَّا كانتْ سَبَبًا مِنْ أَسبابِ الاغْتِرارِ بها، لكنَّها لا تَغُرُّ أَحَدًا، وهو كقولِه تعالى: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا}، فأضافَ الفِرارَ إلى الدُعاءِ، وقد يُضافُ الشيءُ إلى سَبَبِهِ؛ كَقولِه: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} أيْ: يُبْصَرُ بِهِ. وقد أضيفَ ذلك إلَيْها؛ لِما كانَ مِنْها مِنْ سَبِبٍ نَحوَ التَزْيين وغيرِهِ، على إرادةِ أَهْلِها، أيْ: غَرَّهُم أَهلُها، وهُمُ القادةُ والرُؤساءُ.

قولُهُ: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} كما تَرَكُوا أَمْرَهُ وضَيَّعوهُ، تَركَهُم في العُقوبَةِ، ولا ينظُرُ فيما يَشْكونَ، ولسوفَ تَأْتي عَلَيْهِمُ الأَحْقابُ، فلا كَشفَ عذابٍ، ولا بَرْدَ شَرابٍ، ولا حُسْنَ جَوابٍ، ولا إكرامٌ بِخِطابٍ. ولا يَجوزُ أَنْ يُضافَ النِسْيانُ إلى الله ـ تعالى ـ بِحالٍ، ولكنْ يَجوزُ أنْ يُقالَ: يَجْزيهم جزاءَ نِسْيانِهم، فَسُمّيَ الثاني باسْمِ الأوَّلِ، وإن لم يكن الثاني نسيانًا؛ نحو قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، والثانية ليست بسيئة، ولكن جزاء السيئة، لكنَّهُ سمَّاها باسْمِ السَيِّئَةِ؛ لِما هي جَزاءٌ لَها؛ فعلى ذَلك هذا، وهو كقولِهِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} والثاني ليس باعْتِداءٍ، ولكنَّه جَزاءُ الاعْتِداءِ، فسَمَّاهُ باسْمِ الاعْتِداءِ؛ لِما هُوَ جَزاؤه؛ فعلى ذلك سَمّى الثاني نِسْياناً؛ لأنَّهُ جزاءُ النِسْيانِ، وإنْ كانَ لا يحوزُ النسيانُ في حقِّ اللهِ ـ سبحانَهُ وتعالى ـ وكذلك السهوُ عَنْ شَيْءٍ، أو أنْ يَغْفَلَ، ولأن في النِسيانِ تَرْكاً، وكُلُّ مَنْسِيٍّ مَتْروكٌ، فيَتْرُكُهم قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ أَيْ نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ. كما نَسُوا لِقاءَ يَومِهم هذا، أَيْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ وَكَذَّبُوا بِهِ. فنفعلُ بِهم فِعْلَ الناسِي بالمَنْسي مِنْ عَدَمِ الاعْتِدادِ بِهم وتَرْكِهم في النَّارِ تَرْكاً كُلِّيّاً، فالكَلامُ خارجٌ مَخْرَجَ التَمْثيلِ، وقدْ جاءَ النِسْيانُ بمَعنى التَرْكَ كثيراً، ويَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا فَيَكونُ اسْتِعارَةً أوْ مَجازاً مُرْسَلاً، وعن مجاهدٍ أَنَّه قال: المَعْنى نُؤَخِّرُهم في النَّارِ، وعليه فالظاهِرُ أَنَّ نَنْساهُم مِنَ النَسيءِ لا مِنَ النِسْيانِ.

قولُهُ: {الذين اتَّخذوا دينهم لهواً ولعباً} الذين: اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جَرٍّ نعتًا للكافرينَ أو بدلاً منه، أوْ هو في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقْديرُهُ “هم”، والجُمْلَةُ الاسْمّيَّةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ لِفِعْلٍ مَحذوفٍ تَقديرُهُ أَعْني، أوْ أَذُمُّ. “اتّخذوا” مِثل “قالوا” “دينَ” مَفعولٌ بِهِ أَوِّل، مَنْصوبٌ وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، و”هم” ضميرٌ متّصلٌ في محلِّ جرٍّ بإضافةِ “دينَ” إليه. و”لهواً” مَفْعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ و”الواوُ” عاطِفَةٌ و”لَعِباً” معطوفٌ على “لهواً” مَنْصوبٌ مِثلُهُ. وجملةُ “اتّخذوا” صلة الموصولِ “الذين” لا مَحَلَّ لَها منَ الإعراب.

قولُهُ: {وغرَّتهمُ الحياةُ الدنيا} و: عاطفةٌ، “غرّت” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، والتاءُ للتأنيث. و”هم” الهاءُ ضميٌر متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفعولٍ بِهِ، والميمُ لجمعِ الذكور. و”الحياة” فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ، و”الدنيا” نَعْتٌ للحياةِ مَرْفوعٌ، وعَلامَةُ الرَّفْعِ الضَمَّةُ المُقَدَّرةُ على الأَلِفِ للتعذُّرِ. وهذه الجملةُ عطفٌ على جملة الصلةِ لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {فاليومَ ننساهم} الفاء: للاستِئنافِ، و”اليومَ” ظَرْفُ زَمانٍ، منصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “ننساهم” و”ننساهم” فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعَلامَةُ رفعِه الضَمَّةُ المُقَدَّرةُ على الألف للتعذُّرِ، و”هم” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، والميمُ لجمعِ الذكورِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ تَقديرُهُ “نحن”. والجملة استئنافٌ بيانيٌّ لا محلَّ لها من الإعراب.

وقولُهُ: {كما نَسُوا لِقاءَ يومِهم هذا} الكافُ: حرفُ جرٍّ وتشبيهٍ وتأتي كذلك للتعليل، و”ما” حرفٌ مصدري، وتأتي اسْماً مَوْصولاً بمعنى الذي كذلك، وهي هنا مصدريَّةٌ مُؤَوَّلَةٌ مَعَ الفِعْلِ بعدَها بِمَصْدَرٍ في مَحَلِّ جَرٍّ بالكافِ، والجارُّ والمَجرورُ مُتَعِلِّقان بِمَحْذوفٍ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحذوفٍ، والتقدير: نَنساهم نِسْياناً كائناً كَنِسْيانِ لِقاءِ يَومِهم هذا. ويَجوزُ أَنْ تَكونَ الكافُ للتَعليلِ، أيْ: تَرَكناهم لأجْلِ نِسْيانِهم لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا. “نسوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضَمِّ لاتصالهِ بواو الجماعة، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ والألفُ للتفريق، “لقاءَ” مفعولٌ به منصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ على آخره وهو مضافٌ. “يومهميوم: مضافٌ إليه مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ، وهو مُضافٌ أيضاً إلى “ه” وهي ضميرٌ متّصلٌ في محلِّ جرٍّ بإضافة “يوم” إليها، والميمُ علامة التذكير، والمَصْدَرُ المُؤوَّلُ “ما نسوا” في مَحَلِّ جَرٍّ بالكافِ مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفِ مَفْعولٍ مُطْلقٍ تقديرُه “نسياناً”. ويَجوزُ أنْ يكونَ “يومهم” متَّسَعاً فيه، فأُضيفَ المَصْدَرُ إليْهِ، كما يُضافُ إلى المَفعولِ بِهِ. ويجوزُ أنْ يَكونَ المَفعولُ مَحْذوفاً، والإِضافةُ إلى ظَرْفِ الحَدَثِ، أيْ: لقاءَ العذابِ في يَومِهم. “هذا” الهاءُ للتنبيه، و”ذا” اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ جَرٍّ صفةً لـ “يوم” أو بدلاً مِنْهُ، أو عطفَ بيانٍ له. جملَةُ “نَسُوا” صلةُ الموصول الحرفي “ما” لا محلَّ لها.

قولُهُ: {وما كانوا بآياتِنا يجحدون} و: حرفُ عطفٍ، “ما” تقدَّمَ إعرابُها، “كانواكان: فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ من النواسخ ـ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعة، والواو: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ اسْمِ كان، والألفٌ فارقةٌ. “بآيات” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “يجحدون“و “آياتِ” مضافٌ، و”نا” ضَميرُ العَظَمَةِ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْه. وجملةُ “كانوا” صلةُ الموصولِ الحرفي الثاني “ما” لا محلَّ لها مِنَ الإعراب.

قولُهُ: {يجحدون} فعلٌ مُضارعٌ مَرفوعٌ، وعلامةُ رفعِه ثبوتُ النون في آخرِه لأنّهُ مِنَ الأَسْماءِ الخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. وجملةُ: “يجحدون” في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرِ كان. والمصدرُ المُؤوَّلُ من “ما كانوا” في مَحَلِّ جَرِّ مَعْطوفٍ على المَصْدَرِ المُؤوَّلِ الأَوَّلِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 50


وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.

(50)

قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ … } يُخبِرُنا اللهُ ـ جلَّ وعَلا ـ في هذه الآيةِ المباركة عَنْ ذِلَّةِ أهلِ النارِ ـ أَعاذَنا اللهُ مِنْها. فإذا اسْتَقَرَّ أهلُ الجَنَّةِ في الجِنَّةِ وأَهْلُ النَّارِ في النَّارِ، ولَاقى أهل النارِ مِنْ شِدَّةِ العَطَشِ والجُوعِ ما لا قِبَلَ لهم بتحمُّلِهِ، عُقوبَةً لَهمْ مِنَ اللهِ على ما سَلَفَ مِنْهم في الدُنيا مِنْ كُفْرٍ ومعاصٍ، تذكَّروا أنَّ لهم أقاربَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ، فسألوا اللهَ رؤيتَهم فسَمَحَ لَهمْ بِذلكُ، فرأوا ما هُمْ فيهِ مِنْ نَعيمٍ، وما عندَهم مِنْ نُعمياتٍ، فاسْتَغاثَوا بهم، مِنْ شِدَّة ما يعانونَه مِنْ أَلَمِ الجُوعِ والعطش، وقد رأوا ما عندَ أَهلِ الجَنَّةِ مِنْ وَفْرَةِ الأطايبِ من أَصْنافِ الطَعامِ، وسأَلوهم بما كان بينَهم مِنْ أَواصِرِ القُرْبى أنْ يُعطوهُم شيئاً ممَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عليهم مِنْ طعامٍ وشرابٍ، فَسَألوا أَقْرباءهم مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ما اعْتادوا عليه في الدُنيا مِنْ طَلَبٍ للطعامِ والشرابِ، وأنْ يُفيضوا عليهم منهما، أي يَصُبّوا، أوْ يُوَسِّعوا عليهم، فالإفاضةُ التوسِعَةُ أوِ الصَبُّ ـ وظاهرُ الآيةِ أنَّ الجَنَّةَ فوقَ النَّارِ، فالصبُّ يَقْتَضي ذَلك، لكنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، لا يَمْلِكونَ حُرِّيَّةَ التَصَرُّفِ بِهذِهِ النِعَمِ، إلاَّ بإذنٍ من المنعم ـ سبحانَه وتعالى.

رُويَ عنْ عبدِ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ـ أنَّ قال: لَمّا صارَ أَصْحابُ الأَعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أَهْلُ النَّارِ في الفَرَجِ، فقالوا: يا رَبَّنا إنَّ لَنا قَراباتٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فأْذَنْ لَنا حَتَّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فيَأذَنُ لَهُم، فيَنظرون إلى قرابَتِهم في الجَنَّةِ وما هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعيمِ، فيَعْرِفونَهم، ويَنْظُرُ أَهْلُ الجَنَّةِ إلى قَرابَتِهِم مِنْ أَهْلِ النارِ، فلم يَعْرِفوهم لِسَوادِ وُجوهِهم، فيُنادونَهم ـ أيْ أَصحابُ النَّارِ أَصْحابَ الجَنَّةِ ـ بِأَسْمائهم، فيُنادي الرجلُ أَباهُ وأَخاهُ فيَقولُ: قَدِ احْتَرَقتُ، أَفِضْ عَلَيَّ مِنَ الماءِ. فيُقالُ لَهُمْ: أَجيبوهُم، فيُجيبُونَهم: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ”. يَعْني أنَّ طعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها محرَّمٌ عليكم. وهذا الجوابُ يُفيدُ الحِرمانَ مطلَقاً. وفَي الآية بَيانٌ بأَنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَإِنْ كَانَ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ، وبهذا رَدَّ مُوسى الكاظِمُ ـ رضيَ اللهُ تَعالى عنه ـ على هارون الرشيد ـ فيما يُروى ـ من أَنَّه أَنْكرَ أَكْلَ أَهْلِ المَحْشَرِ، مُحْتَجّاً بأنَّ ما هُمْ فيهِ أَقْوى مانِعٍ لَهم عَنْ ذلك. ولمَّا كان همُّ أهلِ النارِ في الدنيا تَلبيةَ شَهَواتُهم إلى اللذيذِ مِنَ الطَعامِ والشُرْبِ، لذلك عَذَّبِهُم اللهُ في الآخرةِ بشِدَّةِ الجُوعِ والعَطَشِ، والحِرمانِ منْهُما. فهو قَهْرُ الرُّبوبِيَّةِ وعِزُّ الأَحَدِيَّةِ، وأَنَّهُ فَعَّالٌ لِما يُريدُ. والتحريمُ هُنا يعني الحِرْمانَ، فهو مُسْتَعملٌ في لازِمِهِ لانْقطاعِ التَكليفِ حينئذٍ، وليس بِمَعْنى التَحْريمِ المُعْروفِ شَرْعاً على ما هو شائعٌ، لأنَّ الدارَ ليستْ بِدارِ تَكْليفٍ. فهو مِنَ المَنْعُ كقولِ الشاعر:

حرامٌ على عينيَّ أن تُطْعَما الكَرى ……..وَأَنْ تُرْقَآ حَتَّى أُلَاقِيْكِ يَا هِنْدُ

واخْتَلَفَ العلماءُ في أَنَّ هذا السؤالَ هل كانَ مَعَ رجاءِ الحُصولِ أَوْ مَعَ اليأسِ مِنْهُ حيثُ عَرَفوا دَوامَ ما هُمْ فيهِ وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بِعْضٌ. وفِي هذهِ الآيَةِ الكَريمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْمَاءُ، أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَهْلِ النَّارِ حِينَ اسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ: “أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ”. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ سَعْدًا بْنَ عبادةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (الْمَاءُ). وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَفَرَ بِئْرًا فَقَالَ: (هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ). وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ، قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ). وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَسْقِيَ عَنْهَا الْمَاءَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فَعَلَيْهِ بِسَقْيِ الْمَاءِ. وَقَدْ غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَقَى رَجُلًا مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا وَأَحْيَاهُ.

رَوى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذ كَلْبٌ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)). قالوا: يا رسولَ اللهُ، أَلَنا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ قَالَ: ((فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)). وَعَكْسُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رضي اللهُ عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)). وَفِي حَدِيثِ السيدةِ عَائِشَةِ ـ رضي اللهُ عنها وعن أبيها وأرضاهما ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا)). خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ. ومَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ، وَأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: “إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ” أنَّ لَا حَقَّ لَكُمْ فِيهَا. فقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أيضاً. كما أنَّ الإمامَ الْبُخَارِيَّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قد بوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ) وَأَدْخَلَ فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ)). قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا خِلَافَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ أَحَقُّ بِمَائِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ: ((لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي)).

قولُه تعالى: {ونادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ} و: استئنافيّةٌ، “نادى أصحاب الجنّة أصحابَ النار أَنْ” إعرابُها كإعرابِ مثيلتها في االآية: 44. من هذه السورة.أفيضوا” فعلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على حذْفِ النون لأنَّ جمعٌ مذكرٌ سالمٌ، وواوُ الجماعة ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. “علينا” على: حرفُجَرٍّ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرِّ بحرفِ الجرِّ، مُتَعَلِّقٌ بـ “أفيضوا“. “من الماء” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتعلِّقٌ بـ “أفيضوا“. إمَّا على حذف مفعولٍ، أيْ: شَيْئاً مِنَ الماءِ فهيَ تَبْعيضيَّةٌ، طَلَبوا مِنْهمُ البَعْضَ اليَسيرَ، وإمَّا على تَضمينِ “أفيضوا” معنى ما يَتَعدَّى بـ “مِنْ” أيْ: أَنْعِموا مِنْه بالفَيْضِ. وجملَةُ: “نادى..” استئنافيَّةٌ، وجملة: “أفيضوا” تفسيريَّةٌ، فلا محلَّ لهما من الإعراب.

قولُهُ: {أو ممّا رزقكمُ اللهُ} أو: هنا على بابِها مِنِ اقْتِضائها لأَحَدِ الشَيْئَيْنِ: إمَّا تَخْييراً، أوْ إباحةً، أوْ غيرَ ذلك، وقال: “حَرَّمهما” فأُعيدَ الضميرُ مَثنَّى، وكان مِنْ حَقِّه أنْ يَعودَ مُفرَداً، لأنَّ المَعنى: حَرَّم كُلاً مُنْهُما. وقيلَ إنَّ “أو” بمَعنى الواو فهي حرف عطفً وعَوْدُ الضَميرِ واضحٌ عَلَيْهِ. ومن” حَرْفُ جَرٍّ “ما” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعلِّقٍ بـ “أفيضوا“، و”ممّا”: ما: يَجوزُ أَنْ تَكونَ مَوْصولةً اسِمِيَّةً، وهو الظاهر، والعائد محذوفٌ، أيْ: أَوْ مِنَ الذي رَزَقَكُموهُ اللهُ، ويَجوزُ أنْ تَكونَ مَصْدَرِيَّةً، وفيه مجازان: أَحَدُهُما: أَنَّهم طَلَبوا مِنْهم إفاضةَ نَفْسِ الرِزْقِ مُبالَغَةً في ذلك. والثاني: أَنْ يُرادَ بالمَصْدَرِ اسْمُ المَفعولِ، كقولِهِ في سورةِ البقرة: {كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله} الآية: 60. في أَحَدِ وجْهَيْهِ. ويَجوزُ أنْ يُرادَ: أَوْ أَلْقُوا عَلَيْنا مِنْ ما رَزَقكُمُ اللهُ مَنَ الطَعامِ والفاكِهَةِ كَقولِ الشاعر (يقالُ هو ذو الرمّة) يَصِفُ فرسَه:

عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ………………….. حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا

فهذا باتِّفاقِ عُلماءِ النحوِ ـ وغيرِهم ـ دليلُ جَوازِ تَغايُرِ المَعْطوفِ والمَعطوفِ عليْهِ في العامِلِ. قالَ الشيخُ أبو حيّان التوحيدي، وقوله: وألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، يحتمل وجهين، أحدُهُما أَنْ يكون قولُهُ: “أفيضوا” ضُمِّن معنى “ألقوا” علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيَصِحَّ العَطفُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ أَضْمَرَ فِعْلاً بَعدَ “أو” يَصِلُ إلى “ممّا رزقكم الله” وهو “ألقوا”، وهُما مَذْهبانِ للنُحاةِ فيما عُطِفَ على شيءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفعلُ لا يَصِلُ إليْهِ، والصحيح منهما التَضمينُ لا الإِضْمارُ. وهو كما قال، فإنَّ العلَفَ لا يُسْنَدُ إلى الماء. فقولُهُ إمَّا بالتَضمينِ أيْ فَغَذَّيتُها، ومثلُه قولُ الراعي النميري:

إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ……………. وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا

وقولُ عبدِ اللهِ بْنِ الزَّبْعَرى:

يا ليت زوجَك قد غدا ……………………… متقلِّدا سيفاً ورُمْحا

وقوله تعالى في سورة الحشرِ: {والذين تَبَوَّءُوا الدارَ والإيمان} الآية: 9. وقد مضى من هذا جملةٌ صالحة. وزعم بعضهم أن قوله: {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} عامٌّ يندرج فيه الماء المتقدم، وهو بعيدٌ أو متعذَّرٌ للعطف بأو. ورزقكمرزقَ: فعلٌ ماضٍ، مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ، والكاف ضَمير متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ به، والميمُ للمذكَّر. “الله” لَفْظُ الجَلالَةِ فاعلٌ مَرْفُوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمّةُ الظاهرةُ على آخره. وهذه الجملة صلةُ الموصولِ “ما” فلا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {قالوا} فعلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ والجملةُ استئنافٌ بيانيٌّ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

قولُهُ: {إنَّ اللهَ حرَّمَهُما على الكافرين} إنّ: حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ، من النواسخ. “اللهَ” لَفْظُ الجَلالَةِ اسْمُها مَنصوبٌ بها. و”حرّم” فعلٌ ماضٍ، و”هما” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِ نصبِ مفعولٍ بِهِ، والفاعِلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ جوازاً تقديرُهُ “هو” يعودُ على اللهِ. “على الكافرين” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعلِّقٌ بـ “حَرَّمَهُما”، وعلامَةُ الجَرِّ الياءُ، لأنَّه جمع مذكَّرٌ سالمٌ؟، والنون عوضاً عن التنوين في الاسمِ المُفردِ. جملةُ: “حرّمهما” في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَراً لـ “إنّ“، وجملة: “إنَّ اللهَ حَرَّمَهُما” في محلِّ نَصْبٍ مَقولَ القَوْلِ.

ا

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 49


أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

(49)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ} إِشَارَةٌ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاءِ، كَبِلَالٍ وَسَلْمَانَ وَخَبَّابٍ وَغَيْرِهِمْ، فهم المشارُ إليهم بهؤلاء. أمَّا “أقسمتم” فقالوا أنَّ الذين أَقْسَمَوا هُمْ أَهْلُ النَّارِ، أَقسَموا أَنَّ أَصحابَ الأَعْرافِ لا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ، وإنَّما يَدْخلونَ النَّارَ، فتَقولُ لَهُمُ المَلائكةُ: “أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ”، وهذا القَسَم منهم يُحتَمَل أَنْ يَكونَ جرى في الدنيا، لأنَّ هؤلاءِ الكفّارُ كانوا يُقْسِمون بأَنَّ هؤلاءِ الفقراءَ مِنْ أَصْحابِ رسول اللهِ ـ صَلى اللهُ عليْهِ وعلى آلِهِ وصَحْبِه ـ لا يَدْخلون الجَنَّةَ، وهو كقولِ اللهِ تعالى على لسانِهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}، لأنَّهم هم الذينَ نَالوا كُلَّ خَيْرٍ في الدُنيا ـ يَعنون أنفسهم ـ وبالتالي فهم مَنْ يَنالُ خيرَ الآخرةِ، غُروراً منهم أوقعهم فيه شيطانُهم، وعُجْبُهم بأنْفُسِهم، وهو كما لَبّسَ الشَيطانُ على اليَهودِ بِأنَّهم أَبْناءُ اللهِ وأَحباؤه لِيَتَمادَوْا في غيِّهم، ولِيَزدادوا ضلالاً على ضلالهم. ويُحتَمَلُ أَنْ يَكونَ قولُه: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ” هو خطابٌ لأهلِ الجَنَّةِ قبلَ أَنْ يَدخُلوها، و”أَقْسَمْتُمْ” فِي الدُّنْيَا. “لَا يَنالُهُمُ اللهُ” فِي الْآخِرَةِ. “بِرَحْمَةٍ”؟ وفيهِ توَبيخٌ للكُفارِ، لِيَزْدادوا غَمًّا وَحَسْرَةً.

وقال بعضُهم: إنَّ في قَولِهِ تعالى: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ” دَلالةٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ هم مَلَائِكَةٌ أَوْ أَنْبِيَاءُ، لأنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى. وقالَ الحَسَنُ إنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ هُمُ الْمُذْنِبِونَ وقد كَانَ آخِرَ قَوْلِهِمْ لِأَصْحَابِ النَّارِ {وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}، وَقال ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُما ـ إنَّ قولَهُ: “أَهؤُلاءِ الَّذِينَ” إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، هو مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى لِأَهْلِ النَّارِ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وقيل: هوَ مِنْ كَلامِ المَلائكةِ الْمُوَكَّلِينَ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَحْلِفُونَ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ مَعَهُمُ النَّارَ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ”. وقال أبو بكرٍ ابْنُ الأنباريِّ: “إنَّ قولَه: “أَهؤلاءِ الذين أَقْسَمْتم لا يَنالُهُمُ اللهُ برحمةٍ” مِنْ كلامِ أَصحابِ الأَعرافِ. وقولُهُ: “ادْخُلوا” مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، وذلك على إضْمارِ قولٍ، أي: فقالَ لَهُمُ اللهُ: ادْخُلوهُ، ونَظيرُهُ قولُهُ سُبحانَه: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} سورةُ الشُعَراءِ: 35. فهذا مِنْ كلامِ المَلأِ، وقولُه: {فماذا تأمرون} مِنْ كلامِ فِرْعون، أيْ: فقال: {فماذا تَأمرون}.

وقوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} قيل: هذا تَمامُ كلامِ أَصْحابِ الأَعْرافِ، أيْ: قالوا للمُسْلِمين ادْخُلوا الجَنَّةَ، فقد انْتَفى عَنكمُ الخَوْفُ والحُزْنُ بَعْدَ الدُخول. قال حاتمٌ الأَصَمُّ: يَكونُ الحُزنُ في فَوْتِ كُلِّ مَحبوبِ، ويكونُ الخَوفُ في نيلِ كُلِّ مكروهٍ؛ كقَوْل نبيِّ اللهِ يَعقوبَ ـ عليه السلامُ: {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأَنْتُم عَنْه غافلون} سورة يوسف، الآية: 13. فذَكَرَ الحُزْنَ عِندَ فَوْتِ مَحْبُوبِهِ، وذكرَ الخوفَ عندَ حصولِ المَكْروهِ، ولكنْ عِنْدنا، الحُزنُ إنَّما يَكونُ بِفَوْتِ المَوْجُودِ مِنَ المَحْبوبِ، والخَوفُ بما سَيُصيبُهُ مِنْ المَكْروهِ.

قولُهُ تعالى: {أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ} الهمزة: للاسْتِفْهامِ، “ها” حرفُ تَنْبيهٍ، “أُولاءِ” اسْمُ إشارةٍ مَبْنِيٍّ على الكسرِ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ. “الذين” اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ على الفتح في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ للمبتدأ “أولاء”. وهذه الجملةُ استئنافيَّةٌ في حيِّز القول السابق، فليس لها محلٌّ منَ الإعراب.ويَجوزُ أَنْ تَكونَ في مَحلِّ نصبٍ بالقولِ المُتَقدِّمِ أي قالوا: ما أَغنى، وقالوا: “أَهؤلاءِ الذين”.

قولُهُ: {أقسمتم} أقسم: فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ. والتاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والميم، للمذكَّرِ. وجملةُ “أقسمتم” من الفعل والفاعلِ، صلةُ الموصول “الذين” لا مَحَلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {لا ينالُهُمُ اللهُ برحمةٍ} لا: حَرْفُ نَفْيٍ، “ينال” فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِه الضمَّةُ الظاهرةُ، والهاء: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مَفعولٍ به، والميمُ: للمذكَّر. “الله” لَفْظُ الجَلالَةِ فاعلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ. “برحمة” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “يَنالُ” ، وهذه الجملةُ واقعةٌ جوابَ القَسَمِ فلا محلَّ لها من الإعرابِ كذلك.

قولُهُ: {ادخُلوا الجنَّةَ} ادخلوا: فعلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على حذْفِ حَرْفِ النونِ لأنّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والألف فارقةٌ. “الجنّةَ” مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِهِ الفتحةُ الظاهرةُ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبِ مقولِ قوْلٍ مُقدّرٍ. أيْ: قال اللهُ لَهُم: ادْخُلوا الجَنَّةَ … وجملة «القول المقدرّة في محلِّ رَفْعِ خبرٍ ثانٍ لاسْمِ الإشارةِ، أيْ: هؤلاءِ قالَ اللهُ لَهم …

قولُهُ: {لا خوفٌ عليكم} لا: حرفُ نَفْيٍ مُهْمَلٍ، “خوفٌ” مُبْتَدَأٌ مَرْفوعٌ، وقد جاءَ المُبتَدأُ نَكِرَةً لأنَّهُ اعْتَمَدَ على نَفْيٍ. أوْ أنَّ “لا” عاملٌ عَمَلَ “ليس”، و”خوف” اسْمُهُ، و”عليكم” جارٌّ ومجرورٌ، مثل “عنكم” مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفِ خَبَرٍ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبِ حالٍ مِنْ فاعِلِ “ادخلوا”، أي: أَدْخِلوا أَنْفُسَكم غيرَ خائفين، أو في محلِّ نَصْبٍ بِقولٍ مُقَدَّرٍ، وذلك القولُ مَنصوبٌ على الحالِ، أيْ: مقولاً لهم لا خَوْف.

قولُهُ: {ولا أنتم تحزنون} و: عاطفةٌ، “لا” زائدةٌ لِتَأْكيدِ النَفْيِ، “أنتم” ضميرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، “تحزنون” مثل تستكبرون.

وقرأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرينَ: “أَدْخِلوا الجَنَّةَ” أَمْراً مِنْ أَدْخَلَ وفيها تأويلان، أَحَدُهُما: أَنَّ المَأْمورَ بالإِدْخالِ الملائكةُ، أيْ: أَدْخِلوا يا ملائكةُ هَؤلاءِ. ثمَّ خَاطَبَ البَشَرَ بَعدَ خِطابِ المَلائكةِ فقالَ: “لا خوفٌ عليكم”. والثاني: أَنَّ المأمورَ بذلكَ هُمْ أَهْلُ الأَعْرافِ، والتَقديرُ: أَدْخِلوا أَنْفُسَكم، فحذفَ المَفعولَ في الوَجْهيْن. ومِثلُ هذِه القِراءةِ هُنا قولُهُ تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} سورة غافر، الآية: 46. إلاَّ أَنَّ المفعولَ هُناكَ مُصَرَّحٌ بِهِ في إحْدى القِراءتيْن. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ: “دَخَلُوا الْجَنَّةَ” بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ “أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ” بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 48


وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.

(48)

قَوْلُهُ ـ تَعَالَى شأنُه: {وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ} النداءُ إنما يكونُ للبُعدِ بين المتخاطبين، وهو هنا تَقْرِيعٌ من أَهْلِ الْأَعْرَافِ وتبكيتٌ لِرِجَالٍ مِنْ صَنَادِيدِ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَالسِّيمَا هُنَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُشَخِّصَاتِ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَشْخَاصُ، وَلَيْسَتِ السِّيمَا الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا أَهْلُ النَّارِ كُلُّهُم من سوادِ وُجوهِهم وزُرْقَةِ عيونِهم. ويُمْكِنُ أنْ تَكونَ معرفَتُهم بِهم مِنْ علاماتٍ لَهمْ وآثارَ مِنَ الحياةِ الدُنْيا لأنَّهم يَقولون لهم: “ما أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ”، فلو لَمْ يَعرفوهم بآثارِ كانتْ لهم في الدنيا، لم يَكونوا يُؤنِّبونَهم بجمعِ الأموالِ والاسْتِكْبارِ في الدنيا، ولا يقال ذلك للفقراءِ، إنَّما يُقالُ للأغنياءِ؛ لأنَّهم هُمُ الذين جمَعوا الأَمْوالَ، وهُمُ الذين اسْتَكْبَروا على خَلْقِ اللهِ. وكرَّرَ ذِكْرَهم هنا ـ وكان يكفي الإضْمارُ ـ لِزيادَةِ التَقريرِ. و”ألـ” هنا لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} سورة الْأَعْرَافِ، الآية: 46. وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنَا رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجَالُ يُنَادِيهِمْ جَمِيعُ مَنْ كَانَ عَلَى الْأَعْرَافِ، وَلَا أَنْ يَعْرِفَهُمْ بِسِيمَاهُمْ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الْأَعْرَافِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُصُورِ وَالْأُمَمِ، فَالْمَقْصُودُ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ هُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} كأنَّه قِيلَ: وَنَادَى أُولَئِكَ الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالًا. وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ هُنَا بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، إِذْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ. وَنَادَوْا رِجَالًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّدَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مَا يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمَائِرِ إِلَيْهِ وَقَعَ الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ دَفْعًا لِلِالْتِبَاسِ. وقيل: لم يَكْتَفِ بالإضْمارِ للفَرْقِ بَيْنَ المُرادِ مُنْهُم هُنا، والمُرادِ مِنْهُم فيما تَقَدَّمَ فإنَّ المُنادى هُناكَ الكُلُّ، أمَّا هُنا فالمُنادى البَعضُ، لقولِه تعالى: “رجالاً يعرفونهم بسيماهم” مِنْ رُؤساءِ الكَفَرَةِ، كأبي جَهْلٍ، والوَليدِ بْنِ المُغيرةِ، والعاصِ بْنِ وائلٍ حينَ رَأوْهم بيْن أَصْحابِ النَّارِ، فعَرَفُوهُمْ بِسيماهم، أيْ بعلاماتِهم في الآخرة التي تقدّمَ ذكرُها، أو بِصُورِهم التي كانوا يَعرفونَهُم بها في الدُنيا، أو بِعَلامَاتِهم الدالَّةِ على سُوءِ حالِهِم يَومَئِذٍ، وعلى رئاسَتِهم في الدنيا. بينَما شَمَلَ قولُهُ: {أَصْحابَ النارِ} في الآيةِ السابِقَةِ، جَميعَ مَنْ في النَّارِ. وكان إِطْلاقُ “أَصْحاب الأَعْرافِ” على أُولئكَ الرِّجالِ بِناءً على أَنَّ مَآلَهم إلى الجَنَّةُ.

قولُهُ: {قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} هو استفهامٌ لتَقْريعِ الكُفَّارِ وتَوبيخِهم، أَيْ يقولون لهم: ما أَغْنى عنْكم جَمْعُكم لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَارُكُمْ فيها عَنِ الْإِيمَانِ؟. ويَجوزُ أَنْ يُرادَ النَفْيُ أَيْ ما كَفاكُم ما أَنْتم فيه “جَمْعُكُمْ” أي أَتْباعُكم وأَشياعُكم، أوْ جَمْعُكُمُ المالَ، الذي كنتم تَسْتَكْثرونَهُ، وتُكاثرون بِهِ، “وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ” أيْ واسْتِكْبارُكم المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبولِ الحَقِّ، أو أنَّ المقصودَ اسْتِكْبارُهم أصنامَهم واعتقادُهم عِظَمَها وكِبَرَها، أيْ ما أَغْنى عَنْكم جَمْعُكم المالَ والأتباعَ، وأَصنامُكم التي كَنْتُمْ تَعْتَقِدونَ كِبَرَها وعِظَمَها. أوْ استكبارُكم على الخلقِ، وهوَ الأَنْسَبُ بِما بَعْدَهُ.

قولُهُ تعالى: {ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً} و: استئنافيَّة، “نادى أَصْحابُ الأَعْراف ِرِجالاً) مِثل: {نادى أصحابُ الجَنَّةَ أَصْحابَ} من الآية (44) في هذِه السورة. وجملةُ “نادى أصحابُ الأعراف” استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ.

قولُهُ: {يعرفونهم بسيماهم} مثل: {يعرفون كلّا بسيماهم} في الآية: (46). من هذه السورة. وجملةً “يعرفونهم” في مَحَلِّ نَصْبِ نَعْتٍ لـ “رجالا”، أوْ في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنْ أَصْحابِ الأَعْرافِ.

قولُهُ: {قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} قالوا: تقدم إعرابُها في الآية السابقة (47)، “ما” يَجوزُ أَنْ تَكونَ اسْتِفهامِيَّةً للتوبيخ والتقريع وهو الظاهِرُ، وقد تقدَّمَ الإشارةُ إليْه، أو هي حرفُ نَفْيٍ، “أغنى” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ، “عن” حَرْفُ جَرٍّ، و”كم” الكاف ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “أغنى”، والميم علامةُ التذكير، “جمعُ” فاعلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ على العين، و”كم” الكافُ ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرٍّ بإضافة “جمعُ” إليه. والميم للمذكر. “وما”الواو: عاطفةٌ، و”ما” حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، ليُنْسَقَ مَصْدَرٌ على مِثْلِهِ، أيْ: ما أَغْنى عَنْكم جمعُكم وكَوْنُكم مُسْتَكْبِرين. “كنتم” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ ـ ناسخٌ ـ مَبْنِيٌّ على السُكونِ، و”ت” التاء: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ اسْمٍ لـ “كان”، والميم علامةُ التذكير. “تستكبرون” فعلٌ مضارعٌ مرفوع وعلامةُ رفعه ثبوتُ النون في آخره لأنَّه من الأفعال الخمسة، والواوُ الدالَّةُ على الجماعة ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ. والمَصْدَرُ المُؤوّلُ من “ما كنتم تستكبرون” في مَحَلِّ رَفْعِ مَعْطوفٍ على المَصْدَرِ الصَريحِ جَمْعُكم. وجملة: “قالوا” في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الفاعِلِ “أصحابُ”. وجملةُ “ما أَغْنى جمعُكم” في محلِّ نَصْبِ مَقولِ القولِ. وجُملةُ: “كنتم تستكبرون” صلة الموصول الحرفيّ “ما” لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابُ. وجُملةُ “تستكبرون” في مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرِ كُنْتم.

قرأَ العامَّةُ: “تستكبرون”، وقُرئَ “تستكثرون” بتاء مثلَّثةٍ مِنِ الكَثْرَةِ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 47


وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

(47)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ} إنَّما يَصْرِفُ أَبْصارَهمُ اليومَ تَقديراً عَلَيْهِم عَظيمَ المِنَّةِ التي بِها نَجاتُهم، وما لاطَفَهم بِهِ مِنَ الإيواءِ والحِفْظِ. وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ، أَيْ جِهَةَ اللِّقَاءِ وَهِيَ جِهَةُ الْمُقَابَلَةِ. يَعني وإذا صُرِفَتْ أَبْصارُ أَصْحابِ الأَعْرافِ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّار أي مُواجَهَتَهم وحِيالَهمـ لا عَنْ قَصْدٍ مِنْهم، لأنَّ المَكروهَ لا يَنْظُرُ إليْهِ الإنسانُ قَصْداً في العادة ـ فنَظَروا إليهم وإلى سَوادِ وُجوهِ أصحاب النارِ وما هُمْ فيهِ مِنَ العَذابِ قالُوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يَعْني الذين ظَلَموا أَنْفُسَهم بالشِرْكِ، وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما: إنَّ أَصحابَ الأَعْرافِ إذا نَظَروا لأَهْلِ النَّارِ وعَرَفوهم قالوا: “رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمين” والمَعنى أَنَّ أَصْحابَ الأَعْرافِ إذا نَظَروا إلى أَهْلِ النَّارِ وما هُمْ فيهِ مِنَ العَذابِ تَضَرَّعوا إلى اللهِ ـ تعالى ـ وسَأَلوهُ أَنْ لا يَجْعَلَهم منهم.

قولُهُ: {قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أَيْ أنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ سَأَلُوا اللهَ أَلَّا يَجْعَلَهُمْ مَعَهُمْ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُمْ مَعَهُمْ، فَيكونُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّذَلُّلِ، وهو كَقُولِ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا} وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للهِ. عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ لَذَّةٌ. وفي وَصْفِهم بالظُلْمِ دون ما هُمْ عَلَيْهِ حِينَئذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الذي هو المُوجِبُ للدُعاءِ إشْعارٌ بأنَّ المَحذورَ عندَهم ليس نفس العذاب فقط، بلْ ما يُؤدي إليه مِنَ الظُلْمِ. وفي الآيةِ على ما قيل إشارةٌ إلى أَنَّه ـ سُبحانَه ـ لا يَجِبُ عليهِ شيءٌ ـ وَزَعَمَ بعضُهم أَنَّهُ ليس المقصودُ فيها الدُعاءُ بَلْ مُجَرَّدُ اسِتِعْظامِ حالِ الظالمين.

قولُهُ تعالى: {وإذا صُرِفَتْ أبصارُهم تلقاءَ أصحابِ النَّارِ} و:الواوُ حرفُ عَطفٍ، “إذا” ظَرْفٌ للزَمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَرْطِ في مَحَلِّ نَصْبٍ مُتَعَلِّقٌ بالجوابِ “قالوا”، “صُرِفَتْ” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمَجْهول، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمٌّ الظاهرُ، والتاءُ للتَأنيث. “أبصارُ” نائبُ فاعلٍ مَرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، و”هم” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِ مُضافٍ إليه. “تلقاءَ” ظَرْفُ مَكانٍ، مَنْصوبٌ متعلّق بـ “صُرِفتْ” وَلَمْ يَأْتِ مَصْدَرٌ عَلَى تِفْعَالٍ غَيْرَ: تِلْقَاءٌ وَتِبْيَانٌ وزلزال. وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ، مِثْلَ تَسْيَارٍ وَتَهْمَامٍ وَتَذْكَارٍ وتَرداد وتَكرار. وَأَمَّا الِاسْمُ بِالْكَسْرِ فِيهِ فَكَثِيرٌ، مِثْلَ تِقْصَارٍ وَتِمْثَالٍ وتِمْساحٍ. وقد اسْتُخْدِمَ ظَرْفاً، وهو مصدرٌ في الأصلِ، ثمَّ جُعِل دالاً على المَكانِ، أيْ: على جِهَةِ اللِّقاءِ والمُقابَلَةِ، وقد يُسْتَعْمَلُ مَصْدَراً. وجمعُه تلاقِيّ، لأنَّ تِلْقاءَ وزنه تِفْعال ك “تِمثال”، وتِمثال وبابُه يُجمَعُ على تَفاعيل، فالتقتِ الياءُ الزائدةُ مع الياءِ التي هي لامُ الكَلِمَةِ فأُدغِمتْ فصارت تَلاقِيَّ. و”أصحاب” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ أيضاً. “النارِ” مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ. وجُملَةُ “صُرِفَتْ” في مَحَلِّ جَرِّ بإضافةِ “إذا” الشرطيَّةِ إليهِ.

قولُهُ: {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} قالوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بِواوِ الجَماعَةِ، وهِيَ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعلِهِ، “ربّ” مُنَادى مُضافٌ مَنْصوبٌ حُذِفَتْ مِنْهُ أَداةُ النِداءِ، و”نا” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. “لا” حَرْفُ نَهْيٍ وجزِمٍ، “تجعل” فعلٌ مُضارعٌ للدُعاء مَجزومٌ، و”نا” ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِهِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجوباً تَقديرُهُ “أَنْتَ”. “مع” ظَرْفُ مَكانٍ مضافٌ مَنْصوبٌ مُتَعلِّقٌ بـ “تجعل”. و”القوم” مُضافٌ إليْهِ مَجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ الظاهرةُ. و”الظالمين” صفةُ “القوم” مجرورةٌ وعلامَةُ الجَرِّ الياءُ لأنَّه جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ والنونُ عِوَضاً عن التنوين في الاسمِ المُفردِ. وجُملةُ “قالوا” واقعةٌ جوابَ شَرْطٍ غيرِ جازِمٍ لا مَحَلَّ لَها من الإعراب. وجُملةُ “ربّنا لا تجعلنا” في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقولَ القَوْلِ. وجملةُ “لا تجعلنا” جوابُ النداءِ فلا مَحلَّ لَها من الإعرابِ. ويمكنُ أنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً به.

وقد تقدَّم خلافُ القُرَّاءِ في نَحوِ “تلقاءَ أصحابِ” بالنسبة إلى إسقاطِ إحدى الهمزتين أوْ إثباتِها أوْ تَسْهيلِها في أَوائلِ البَقَرَةِ. ويجوز عندَ السبعةِ إثباتُ هَمْزَةِ “تلقاءَ” وهمزة “أصحاب” وحَذفُ الأولى وإثبات الثانية.

وقرأَ الأَعْمَشُ: “وإذا قُلِبَتْ” وهي مخالفةٌ للسَوَادِ الأعظمِ من القرَّاءِ، كقراءةِ: {لم يدخلوها وهم ساخطون} أو {وهم طامِعُون} على أنَّ هذِهِ أَقْرَبُ.

 

فيض العليم … سورة الأعراف، الآية: 46


وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ

(46)

قولُهُ ـ جَلَّ شأنُهُ: {وَبَيْنَهُما حِجابٌ} أَيْ بَيْنَ النَّارِ وَالْجَنَّةِ ـ لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُمَا ـ أو بين الفريقين: فريقِ الجَنَّةِ، وفريقِ السَعيرِ، والحجابُ: الحاجزُ، أَوِ السُوْرُ. وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي الآيةِ /13/ من سورةِ الحديد، بقَوْلِهِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ}. وهو الأعرافُ الذي قالَ اللهُ ـ تعالى ـ فيه: “وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ”. وقد ذَكَرَ تَعَالَى في الآيةِ السابقةِ خطَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لأَهْلِ النَّارِ، فنَبَّهَ في هذه الآيةِ، إلى أَنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حِجَابًا، وَهُوَ الْحَاجِزُ الْمَانِعُ مِنْ وُصُولِ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ. فقد روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ بسنَدِهِ عن السُّدِّيِّ: أنَّ “وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ” هو السُّورُ وَهُوَ الْأَعْرَافُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَعْرَافُ حِجَابٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ سُورٌ لَهُ بَابٌ. وذلك الحجابُ الذي بينَهُما حَصَلَ مِنَ الحِجابِ السَابِقِ الذي كان بين الفريقين في الحياة الدنيا؛ فلمَّا حُجِبُوا في الابتداءِ في سابقِ القِسْمَةِ عمَّا خُصَّ بِهَ المُؤمنون مِنَ القُرْبَةِ والزُلْفَةِ حُجِبوا في الانْتِهاءِ عَمَّا خُصَّ بِه السُعَداءُ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ. وأَيُّ حِجابٍ! إنَّه حجابٌ سَبَقَ بِهِ الحُكْمُ، لا يُرفَعُ بِحيلةٍ ولا تَنْفَعُ مَعَهُ وَسيلةٌ.

قولُهُ: {وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ} أَيْ عَلَى أَعْرَافِ السُّورِ، وَهِيَ شُرَفُهُ. وَمِنْهُ عُرْفُ الْفَرَسِ وَعُرْفُ الدِّيكِ. وَالْأَعْرَافُ جَمْعُ عُرْفٍ، وَكُلُّ مُرْتَفَعٍ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسَمَّى عُرْفًا، وَإِنَّمَا قيل لِعُرْفِ الديكِ عُرْفاً لارْتِفاعِهِ. كأنَّه عُرِفَ بارْتِفاعِهِ دونَ الأشياءِ المُنْخَفِضَةِ فإنَّها مجهولةٌ غالباً، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبي الصَّلْتِ:

وآخرون على الأعراف قد طَمِعوا …… في جنة حَفَّها الرمَّانُ والخَضِرُ

ومثله أيضاً قوله :

كلُّ كِنازِ لَحْمِه نيافِ …………….. كالجبلِ المُوْفِي على الأعرافِ

وقال الشماخ :

فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنها ………… رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكز

وعنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رضي الله عنهما: هو سُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ إِنَّمَا سُمِّيَ الْأَعْرَافُ أَعْرَافًا لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَعْرِفُونَ النَّاسَ، ورَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ أيضاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ تعالى عنهما ـ أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِه أيضاً أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: سَأَلْتُ الْكِسَائِيَّ عَنْ وَاحِدِ الْأَعْرَافِ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. فَقَالَ: نَعَمْ وَاللهِ، وَاحِدَهُ يَعْنِي، وَجَمَاعَتُهُ أَعْرَافٌ، يَا غُلَامُ، هَاتِ الْقِرْطَاسَ، فَكَتَبَهُ. وَهذا كلامٌ قد خرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ، فهو كَمَا قَالَ تعالى في سورةِ النور: {رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ} الآية: 37. فامْتَدَحَهم بِذلِكَ وأَثْنى عليهم. هؤلاءِ الأشرافُ خُصُّوا بأنوارِ البَصائرِ اليومَ فأشْرَفوا على مقاديرِ الخَلْقِ بِأَسْرارِهم، ويُشرِفون غَداً على مَقاماتِ الكُلِّ وطَبَقاتِ الجَميعِ بِأبْصارِهِم. ويُقالُ يَعرِفونَهم غَداً بِسيماهُمُ التي وَجدوهم عليها في دُنياهم؛ فأَقْوامٌ مَوْسومونَ بأنوارِ القُرْبِ، وآخرون مَوْسومون بأنوارِ الرَدِّ والحَجْبِ. و”رجال” يُفيدُ أَنَّهم لَيْسوا ملائكةً؛ لأنَّ الملائكةَ لَا يُعَبَّرُ عَنْهم بِرجالٍ، فليسوا ذُكوراً ولا إناثاً.

وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فذكروا عَشَرَةَ أَقْوَالٍ: فقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُبَيْرٍ ـ رضي اللهُ عنهم: هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ. وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ (فِي آخِرِ الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ) حَدِيثٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤابةٍ (بيضةُ القَمْلَةِ) دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مثقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النّارَ)). قيل: يا رسولَ اللهِ، فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ: ((أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ)). وأَخْرَجهُ أَبو الشَيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِر.

قولُهُ: {لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ هُمْ فُضَلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاءِ، فَرَغُوا مِنْ شَغْلِ أنفسهم، وتفرغوا لِمُطالَعَةِ حالَ النّاسِ، فإذا رَأَوْا أَصْحَابَ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللهِ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى النَّارِ، فَإِنَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ كُلَّ شيءٍ، وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ. فَإِذَا رَأَوْا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ يَرْجُونَ لَهُمْ دُخُولَهَا. وَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ الْمُسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ خَرَجُوا عُصَاةً لِآبَائِهِمْ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَنَّهُ تَعَادَلَ عُقُوقُهُمْ وَاسْتِشْهَادُهُمْ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما ـ فِي قولهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ: “وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ” قَالَ: الْأَعْرَافُ مَوْضِعٌ عَالٍ عَلَى الصِّرَاطِ، عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَحَمْزَةُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرُ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَيَاضِ الْوُجُوهِ وَمُبْغِضِيهِمْ بِسَوَادِ الْوُجُوهِ، وقاله الضحاكُ كذلك. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّهُمْ عُدُولُ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَهُمْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّحَّاسُ، وَقَالَ: وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ، فَهُمْ عَلَى السُّورِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وأخرجَ البيهَقِيُّ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وابنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبو الشيخ، والطَبرانيُّ، وغيرُهم أَّنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ سُئلَ عنْ أَصحابِ الأَعرافِ فقال: ((هُمْ أُناسٌ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ بمَعْصِيَةِ آبائِهم فمَنَعَهم مِنْ دُخولِ الجَنَّةِ مَعصيةُ آبائهم، ومَنَعَهم مِنْ دُخولِ النَّارِ قتلُهم في سبيلِ الله)). وقيلَ: هُمْ أُناسٌ رَضِيَ عَنْهُم أَحَدُ أَبَوَيْهم دونَ الآخَرِ. وقال الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم قومٌ كان فيهم عَجَبٌ. وقال مُسلم بْنُ يَسار: هُم قومٌ كان عليهم دَيْنٌ، وقيلَ: هُمْ أَهْلُ الفَترةِ، وقيلَ: هم أَوْلادُ المُشركين، وفي روايةٍ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أَنَّهم أَوْلادُ الزِنا، وعنْهُ أَيضاً أَنَّهم مَساكينُ أَهْلِ الجَنة. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُمْ قَوْمُ أَنْبِيَاءَ. وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ صَغَائِرُ لَمْ تُكَفَّرْ عَنْهُمْ بِالْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ كَبَائِرُ فَيُحْبَسُونَ عَنِ الْجَنَّةِ لِيَنَالَهُمْ بِذَلِكَ غَمٌّ فَيَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ صَغَائِرِهِمْ. وَتَمَنَّى سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُمْ مُذْنِبُونَ. وَقِيلَ: هُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُمْ مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِهَذَا السُّورِ، يُمَيِّزُونَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، ذَكَرَهُ أَبُو مِجْلَزٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَا يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ رِجَالٌ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ ذُكُورٌ وَلَيْسُوا بِإِنَاثٍ، فَلَا يَبْعُدُ إِيقَاعُ لَفْظِ الرِّجَالِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أُوقِعَ عَلَى الْجِنِّ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ} فَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ يَعْرِفُونَ المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم، فيبشرون المؤمنين فبدخولهم الْجَنَّةَ وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ فَيَطْمَعُونَ فِيهَا. وَإِذَا رَأَوْا أَهْلَ النَّارِ دَعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاللَّازِمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَأَخَّرُ دُخُولُهُمْ وَيَقَعُ لَهُمْ مَا وُصِفَ مِنَ الاعتبارِ في الفريقين. أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ، وَهِيَ بَيَاضُ الْوُجُوهِ وَحُسْنُهَا فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَوَادُهَا وَقُبْحُهَا فِي أَهْلِ النَّارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ حَيِّزِ هَؤُلَاءِ وحَيِّزِ هؤلاءِ.فَوُقِفَ عَنِ التَّعْيِينِ لِاضْطِرَابِ الْأَثَرِ وَالتَّفْصِيلِ، وَاللهُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ عَلِيمٌ. ثُمَّ قِيلَ: الْأَعْرَافُ جَمْعُ عُرْفٍ وَهُوَ كُلُّ عَالٍ مُرْتَفِعٍ، لِأَنَّهُ بِظُهُورِهِ أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْخَفِضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما: الأعرافُ شُرَفُ الصِّرَاطِ. وَقِيلَ: هُوَ جَبَلُ أُحُدٍ يُوضَعُ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَذَكَرَ الزَّهْرَاوِيُّ حَدِيثًا أَنَّ رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). وَذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: (( إِنَّ أُحُدًا عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ)). وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أَيْ نَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ. “أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ” أَيْ قَالُوا لَهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. سَلِمُوا اليومَ عَنِ النُكْرَةِ والجُحودِ، وأُكْرِمُوا بالعِرفانِ والتَوحيدِ، وسَلِموا غَداً مِنْ فُنون الوَعيدِ، وسَعِدُوا بِلَطائِفِ المَزيدِ. وتحقَّقوا أَنَّهم بَلَغوا مِنَ الرُّتَبِ ما لَمْ يَسْمُ إليه طرْفُ تَأْميلِهم، ولَمْ يُحِطْ بتفصيلِهِ كُنْهُ عُقولِهم. وَقِيلَ: الْمَعْنَى سَلِمْتُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ. لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يطعمون أَيْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، أَيْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْدُ. “وَهُمْ يَطْمَعُونَ” عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَعْنَى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا. لأنهم من أهل لا إله إلا اللهُ فهم لم يَدْخُلوا الجَنَّةَ بَعْدُ، ولكنّهم يَطمعون بِدُخولَها لَعِلْمِهم أنَّ كلَّ مَنْ قالَ: “لا إله إلاَّ اللهُ محمّدٌ رسولُ اللهِ” دَخَلَ الجَنَّةَ، كما أَخْبَرَ الصادقُ المَصْدوقُ ـ صلى الله عليه وعلى آلِ بيتِه وصحبه وسلَّم. وقد قالوها في الدنيا، لذلك فهم يطمعون بأنْ يَدْخُلوها اليومَ بِفَضْلِ اللهِ وعَفْوِهِ. وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ طَمِعَ بِمَعْنَى عَلِمَ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، فالطمعُ هُنا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ على بابِهِ، ويحتمَلُ أَنْ يَكونَ بِمَعْنى اليَقين، لِقولِه تعالى حكايةً عن إبراهيم ـ عليه الصلاةُ والسّلامُ ـ في سورة الشعراء: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لي خطيئتي يومَ الدين} الآية: 82. وطمعُهُ ـ عليْه السلامُ ـ يقينٌ بالله تبارك وتعالى. ومِنْ ذلك قولُ الشاعر:

وإني لأطمعُ أنَّ الإِلهَ ………………….. قديرٌ بحسْنِ يَقيني يَقيني

وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، أَيْ قَالَ لَهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بَعْدُ وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَارِّينَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ.

وقال بعضُهم: جملةُ “لم يدخلوها” مِنْ كلامِ أَصْحابِ الجَنَّةِ، وجُملةُ قولِهِ: “وهُم يَطْمَعون” مِنْ كلامِ الملائكةِ. قال عطاءٌ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهم: إنَّ أَصحابَ الأَعْرافِ يُنادُون أَصحابَ الجَنَّةِ بالسلامِ، فيردُّون عليهم السَّلامَ، فيقولُ أَصْحابُ الجَنَّةِ للخَزَنَةِ: ما لأَصْحابِنا على أَعْرافِ الجَنَّةِ لم يَدْخُلوها؟ فيَقولُ لهمُ الملائكةُ جواباً لهم “وهم يطمعون”، وهذا يَبْعُدُ صِحَّتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ لا يُلائمُ فَصاحَةَ القُرآنِ.

وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: “سَلامٌ عَلَيْكُمْ”. وَعَلَى قَوْلِهِ: “لَمْ يَدْخُلُوها”. ثُمَّ يَبْتَدِئُ “وَهُمْ يَطْمَعُونَ” عَلَى مَعْنَى وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِهَا. أو لَمْ يَدْخُلْهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَارُّونَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ طَامِعِينَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا غَيْرَ طَامِعِينَ فِي دُخُولِهَا، فَلَا يُوقَفُ على “لَمْ يَدْخُلُوها”.

قوله تعالى: {وبينَهُما حجابٌ} و: اسْتِئْنافيَّةٌ، “بين” ظَرْفُ مَكانٍ،

مفعولٌ فيه، مَنْصوبٌ، مُتَعَلِّقٌ بخبَرٍ مُقَدَّمٍ، وهو مضافٌ، و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْه، و”ما” للتَثنيةِ. “حجاب” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمَّةُ الظاهرةُ على آخرهِ. وهذه الجملةُ الاسميَّةُ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {وعلى الأعراف رجالٌ} و: عاطفةٌ، “على الأعرافِ” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقدَّمٍ. و”رجالٌ” مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، مرفوعٌ، وعلامةُ رفعه الضمُّ الظاهرُ. وهذه الجملة الاسميَّةُ معطوفةٍ على سابقتها فلا محلَّ لها من الإعرابِ كذلك.

قولُه: {يعرفون كلّاً بِسيماهم} يعرفون: فعلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ بثبوتِ النون لأنَّه من الأفعالِ الخمسة، وفاعلُه الواوُ الدالَّةُ على الجماعة المتصلة به. “كلّاً”مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامَةُ نصبِهِ الفتحُ الظاهرُ على آخره، “بسيما” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “يعرفون” وعلامةُ الجَرِّ الكَسْرَةُ المُقَدَّرَةُ على الألِفِ للتعذُّرِ وهو مضافٌ. و”ه” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه. وهذه الجملة في محلِّ رفعٍ نعتاً لـ “رجال”.

قولُهُ: {ونادَوْا أصحابَ الجَنَّةِ} و: عاطِفَةٌ، “نادوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ المُقَدَّرِ على الأَلِفِ المَحذوفةِ لالْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وفاعلُه واو الجماعةِ المتصلةُ به، والألفُ للتفريق بين واو الجماعة والواو التي هي من أصل الكلمة. “أصحاب” مفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِه الفتحةُ الظاهرةُ، وهو مضافٌ، “الجنّة” مُضافٌ إليْهِ مَجْرورٌ، وعلامةُ جرِّه الكسرةُ الظاهرةُ على آخره. وهذه الجملةُ إمّا معطوفةٌ على جملة “نادوا” فهي في محلِّ رفعٍ أو هي استئنافٌ لا محلَّ لها من الإعراب.

قولُهُ: {أنْ سَلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} أَنْ سَلامٌ: مِثْلُ “أنْ لَعنةُ” في الآية: (44)، من هذِهِ السُورةِ، وجازَ بالابْتِداءُ بالنَكِرَةِ لأنَّها دالَّةٌ على عُمومٍ ففيها مَعْنى الدُعاءِ. “على” حرفُ جَرٍّ، و”ك” ضميرٌ متَّصلٌ في مَحَلِّ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفِ خبرٍ للمُبْتَدَأِ سَلامٌ، و”م” الميم علامة المذكر، “لم” حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ وقَلْبٍ، “يدخلوا” مُضارعٌ مَجْزومٌ وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النون لأنَّهُ من الأفعال الخمسةِ وواوُ الجماعةِ ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ و”ها” ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نصبِ مفعولٍ بِه. و”وهم” الواوُ: استئنافيّةٌ “هم” ضميرٌ مُبْتَدَأٌ و”يطمعون” مثل يعرفون. وفي محلِّ هذه الجملة من الإعرابِأَوْجُهٌ، أَحَدُها: أنَّها حالٌ مِنْ فاعلِ “نادوا“، أيْ: نادى أَهْلُ الأَعْرافِ حالَ كونِهم غَيْرَ داخلينَ الجَنَّةِ. وقولُهُ “وهم يطمعون” يُحْتَمَلُ أنْ يكون حالاً مِنْ فاعلِ “يَدْخلُوها” وإذ ذاك ثمَّةَ اعتبارانِ، الأوَّلُ: أَنْ يكونَ المعنى: لَمْ يَدْخُلوها طامعينَ في دُخولِها، بلْ دَخَلوها على يَأْسٍ مِنْ دُخولِها. والثاني: أنَّ المعنى: لمْ يَدْخُلوها حالَ كونِهم طامعينَ، أيْ: لم يَدخلوا بَعْدُ، وهم في وقتِ عدمِ الدُخولِ طامعونَ بدخولها، وقد تقدَّم. ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ مُستَأْنَفَاً، أَخْبَرَ عنهم بأنَّهم طامعون في الدخولِ.الوجهُ الثاني: أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ مَفعولِ “نادوا” أي: نادَوهم حالَ كونِهم غيرَ داخلين. وقولُهُ: “وهم يَطْمَعون” على ما تقدَّمَ آنِفاً. والوجْهُ الثالث: أنْ تَكونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ صفةً لِرِجالٍ قالَهُ الزَمَخْشَرَيُّ. وفيهِ ضَعْفٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ فَصَلَ فيهِ بَيْنَ المَوصوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ: “ونادَوا” وليستْ جُمْلةَ اعْتِراضٍ. ووجهٌ رابعٌ: أَنَّها لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإِعْرابِ لأنَّها جوابُ سائلٍ سَأَلَ عَنْ أَصْحابِ الأَعرافِ فقال: ما صُنِعَ بهم؟ فقيل: لم يَدخُلوها وهم يَطْمَعونَ في دُخُولِها.

 
 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.