فيض العليم …. سورة يوسف، الآية: 93
 
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي} وذَلِكَ أَنَّ يوسُفَ ـ عليْهِ السلامُ، سَأَلَهم: ما فَعَلَ أبي بَعْدي؟ قالوا: لَمَّا فارَقَهُ بِنْيامينُ، عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ. فقال لهم: “اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فأَلْقوهُ عَلى وَجْهِ أَبي، يَأْتِ بَصيرًا”، كما كانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. واخْتَلَفَ المفسِّرونَ في القميصِ ما هوَ، فقال بعضُهم: هو القميصُ الذي كانَ عَلَيْهِ حِينَئذٍ، وهذا هو الظاهرُ، فلَعَلَّهُ قد جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلَامَةً لِأَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ ما زالَ عَلى قَيْدِ الحَيَاةِ. وأَبْعَدَ مَنْ قالَ: هوَ القَميصُ الذي قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، وإنَّما أَرْسَلَهُ إلى أَبيهِ لِيَعْلَمَ أبوهُ يعقوبُ أَنَّهُ قد عَصَمَهُ اللهُ مِنَ الفاحِشَةِ.
وأخرج الواحِدِيُّ في تَفسيرِهِ (البَسيط) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، أنَّهُ قالَ: ((أَمَّا قولُهُ: “اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي”، فإنَّ نُمْرودَ الجَبَّارَ لَمَّا أَلْقى إِبْراهيمَ في النَّارِ، نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْريلُ بِقميصٍ مِنْ الجَنَّةِ وطِنْفِسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَأَلْبَسَهُ القَميصَ وأَقْعَدَهُ عَلي الطِّنْفِسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَكَسَا إِبْراهيمُ ذَلِكَ القَميصَ إِسْحاقَ، وكَسَاهُ إِسْحَاقُ يَعْقوبَ، وكَسَاهُ يَعْقوبُ يُوسُفَ، فجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وعَلَّقَها في عُنْقُهِ، وأُلْقِيَ في الجُبِّ والقَميصُ في عُنِقِهِ”، فذَلِكَ قولُهُ: “اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا” الآية. ورُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قريبٌ مِنْ هذا.
وأَخْرَجَ أَبو الشَّيْخِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا خَيْرَ الْبَشَرِ. فَقَالَ: ((ذَاكَ يُوسُفُ صِدِّيقُ اللهِ ابْنُ يَعْقُوبَ، إِسْرَائِيلُ اللهِ ابْنُ اسْحاقَ ذَبيحُ اللهِ، ابْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ، إِنَّ اللهَ كَسَا إِبْرَاهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَسَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ، فَكَسَاهُ اسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأَخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ فِي قَصَبَةِ حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، وَلَو عَلِمَ إِخْوَتُهُ إِذْ أَلْقوهُ فِي الْجُبِّ لأَخَذوهُ، فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ ـ وَكَانَ بَينَ رُؤْيَاهُ وتَعبيرِها أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَرَ البَشِيرَ أَنْ يُبَشِّرَهُ مِنْ ثَمَانِ مَرَاحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقَالَ: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدونَ} فَلَمَّا أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ ارْتَدَّ بَصيرًا وَلَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى عاهَةٍ مِنْ عاهاتِ الدُّنْيَا إِلَّا أَبْرَأَها بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى)). تفسيرُ ابنِ أبي حاتمٍ: (7/2196).
وقال مجاهدٌ ـ رضي اللهُ عنه: أَمَرَهُ جِبْريلُ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيْهِ بِقَميصِكِ، فإنَّ رِيحَ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلَى مُبْتَلًى ولا سَقيمٍ إِلَّا صَحَّ وعُوفِيَ. انْظُرْ تَفْسيرَ الثَّعْلَبِيِّ: (7/109أ)، والبَغَوِيّ: (4/275)، والقُرطُبيّ: (9/258).
وقالَ الحَسَنُ البَصْريُّ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ: لولا أَنَّ اللهَ أَعْلَمَهُ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ. انْظُرْ تَفْسيرَ القُرْطُبيِّ: (9/259).
قالُوا: ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ إِلْقاءَ قَميصِهِ عَلَى وَجْهِ أَبيهِ يَكونُ سَبَبًا لإبْصارِهِ، وزَوالِ العَمَى عَنْ عَيْنَيْهِ، فأرسل إليه بقميص له، وقال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} انظر تفسيرَ الإمامِ الرّازيِّ: (18/206). حَصَلَ ذلك لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْوَحْيِ فَبَشَّرَهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ. وذلك بقَصْدِ تَعْجِيلِ الْمَسَرَّةِ لَهُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَعَلَ إِرْسَالَ قَمِيصِهِ عَلَامَةً عَلَى صِدْقِ إِخْوَتِهِ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ إِلَى أَبِيهِمْ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِجَلْبِهِ فَإِنَّ قُمْصَانَ الْمُلُوكِ وَالْكُبَرَاءِ تُنْسَجُ خِصِّيصًا لهم، وَلَا تُوجَدُ أَمْثَالُهَا عِنْدَ عامَّةِ النَّاسِ، وَكَانَ الْمُلُوكُ يَخْلَعُونَهَا عَلَى خَاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِرْسَالَ قَمِيصِهِ عَلَامَةً لِأَبِيهِ عَلَى صِدْقِ إِخْوَتِهِ أَنَّهُمْ جَاءُوا مِنْ عِنْدِه بِخَبَرِ صِدْقٍ.
وقيل: فاخْتَلفوا فيما بينَهم، فقالَ كلُّ واحِدٍ منهم: أَنَا أَذْهَبُ بِهِ، فقالَ يُوسُفُ: يَذْهَبُ بِهِ الذي ذَهَبَ بِقَميصيَ الأَوَّل. فقالَ يَهُوذا: أَنَا ذَهَبْتُ بالقَميصِ الأَوَّل وهوَ مُلَطَّخٌ بالدَمِ، وأَنا الذي أَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ الذِّئبَ قد أَكَلَكَ، وأَنَا أَذْهَبُ اليومَ بهذا القَميصِ، وأُخبرُهُ أَنَّكَ حَيٌّ وأَنَا الذي أُفْرِحُهُ اليومَ كما أَحْزَنْتُهُ بالأمسِ. فأَمَرَ لَهم يوسُفُ بالرَّواحِلِ والدّوابِّ والهدايا، فحمَّلوها وتَوَجَّهوا نَحْوَ أرضِ كَنْعَانَ.
قولُهُ: {يَأْتِ بَصِيرًا} قال ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: يُريدُ بَصيرًا ويَذْهبُ البياضُ الذي عَلى عَيْنَيْهِ، انْظُرْ تَفْسيرَ الإمامِ الفَخْرِ الرازي: (18/206)، وتفسير البَغَويِّ: (4/274). وقال السُدِّيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَعُدْ بَصيرًا. انظرْ تفسير الطبريِّ: (13/57)، وقالَ الفَرَّاءُ في معاني القرآنِ: (2/55): يرجعُ بَصيرًا، وقيلَ: أرادَ: يَأْتِني بَصيرًا. انْظُرْ تَفسيرَ الثعلبيِّ: (7/109أ). والمعنى واحدٌ.
قولُهُ: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أيْ: ارْجِعُوا إِلَيَّ بأَبيكم وبجميعِ نِسائكمْ وذَراريكمْ ومَوَاليكمْ وكانوا نحوًا من سبعينَ بحسْبِ ما نقلهُ الإمامُ الرازيُّ في تفسيرِهِ: (18/207)، والإمامُ ابنُ الجوزيُّ في تفسيرِهِ زادُ المَسيرِ: (4/283). عنِ الإمامِ الكلبيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وقالَ مَسْروقٌ ـ رضي اللهُ عنهُ: دَخَلَ أَهْلُ يُوسُفَ مِصْرَ وهُمْ ثَلاثةٌ وتَسْعونَ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ. انظر تفسير الرازي: (18/207)، والقرطبي: (9/259). وروِيَ مثلُ ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه، فقد أَخرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنُهُ قَولَهُ: كَانَ أَهْلُهُ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِم فَأتَوا مِصْرَ ثَلَاثَة وَتِسْعينَ إنْسَانًا، رِجَالُهمْ أَنْبيَاءُ وَنِسَاؤُهُمْ صِدِّيقاتٌ، وَاللهِ مَا خَرجُوا مَعَ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى بَلَغُوا سِتَّمِئَةِ أَلْفٍ وَسَبْعينَ أَلْفًا.
وَقريبٌ من هذا ما أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ: خَرَجَ يَعْقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِمِصْرَ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعينَ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، فَخَرجُوا مِنْهَا مَعَ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهُمْ سِتُّمِئَةِ أَلْفٍ.
قولُهُ تعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا} اذْهَبُوا: فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حذف النونِ من آخرِهِ لأنَّ مضارعَهُ منَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ رفعِ فاعلِهِ والألفُ الفارقةُ. و “بِقَمِيصِي” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ إِمَّا للمُصاحَبَةِ، أَيْ: اذْهَبُوا مَصْحوبينَ بقميصي، فتكون للحال فتتعلَّقَ بمحذوفٍ، أَوْ للمُلابِسَةِ، أي: اذهبوا مُلْتَبِسينَ بِهِ، أَيْ حَالٌ مِنْ ضميرِ الفاعِلِ في “اذهبوا”. أَوْ للتَّعْدِيَةِ، أي: اذْهَبُوا بقَمِيصي، عَلَى أَنَّهُ مَفْعولٌ بِهِ، و “قميصي” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّه الكسرةُ المقدَّرةُ على الياءِ، و “هَذَا” بَدَلٌ مِنْ “قميصي”، أوْ نعْتٌ لَهُ أَوْ بَيَانٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بـ “قَالَ”.
قولُهُ: {فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي} الفَاءُ: للعطفِ، و “أَلْقوهُ” فعلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ لأَنَّ مُضارِعَهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والجملةُ معطوفٌ عَلَى “اذْهَبُوا” على كونِها في محلِّ النَّصبِ مقولَ القَوْلِ. و “عَلَى” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِـ “أَلْقُوهُ” و “وَجْهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ، و “أَبِي” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ وعلامةُ جرِّهِ الكسْرةُ المقدَّرةُ على ما قبلِ ياءِ المتكلِّمِ، وهو مضافٌ أيضًا، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ مُتَّصلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {يَأْتِ بَصِيرًا} يَأْتِ: فِعْلٌ مُضارِعٌ مَجْزومٌ بالطّلَبِ السَّابِقِ، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ حرفِ العِلَّةِ من آخِرِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تَقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى يَعقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “بَصِيرًا” منصوبٌ على الحالِ مِنْ فاعِلِ الضميرِ في “يَأْتِ”، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ على كونِها مقولَ القولِ لـ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “أْتُونِي” فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ من آخرِهِ لأنَّ مُضارِعَهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعٍ فاعِلٌ، والنونُ للوِقايَةِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النصبِ مفعولٌ به، والجملةُ مَعطوفةٌ عَلَى “ألقوهُ” على كونِها في محلِّ النَّصبِ بالقولِ. و “بِأَهْلِكُمْ” الباء: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ “أتوني” أَوْ بحالٍ مِنْ واوِ فاعِلِهِ. و “أَهلِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وهو مُضاف، و “كم” ضميرُ المُخَاطَبينَ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. و “أَجْمَعِينَ” تَوْكِيدٌ لـِ “أهلكم”، مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ، وقدْ أُكِّدَ بِها دَوْنَ (كُلّ)، ويَجوزُ أَنْ تَكُونَ نصبًا على الحالِ منهم، وعلامةُ النَّصْبِ الياءُ لأنَّهُ ملحقٌ بجمعِ المُذَكَرِ السَّالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ.


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 92
 
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: لاَ عَتَبَ عَلَيْكُمْ اليَوْمَ وَلاَ لَوْمَ، فِيمَا فَعَلْتُمْ بِي وَبِأَخِي، والتَّثْرِيبُ التَّوْبِيخُ وَالتعْنيفُ واللومُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فيما رَوَى الأئمَّةُ منْ حديث أبي هريرةَ وزَيْدِ بْنِ خالدٍ ـ رضي اللهُ عنهما: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَِ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ))، أَيْ وَلَا يُعَيِّرْهَا بِالزِّنَا. أَخرجَهُ البُخَارِيُّ: (2119)، كتاب: البيوع، وهذا النَصُّ لهُ، ومُسْلِمٌ: (1703/30)، كتاب: الحدود، كما أَخرجَهُ كلٌّ مِنَ الطَيَالِسِيِّ، وعبدِ الرّزَّاقِ، وأَحْمَد، وأَبو دَاود، والنَّسائيِّ، وابْنِ ماجِه، وغيرُهم. وَأَخرجَ أَبُو الشَّيْخ عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا اسْتَفْتَحَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَكَّةَ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: مَاذَا تَقولُونَ وماذا تَظُنُّونَ؟. قَالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَريمٍ. فَقَالَ: ((لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفِرِ اللهُ لَكمْ)). وَأَخرج ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: ((يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَاذَا تَظُنُّونَ مَاذَا تَقُولُونَ؟)) قَالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا ونَقولُ خَيْرًا: ابْنُ عَمٍّ كَريمٍ قدْ قَدَرْتَ، قَالَ: ((فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفَ: “لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ”. وَأَخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ الكبرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سَرَّحَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْخَيْلِ، وَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ)). قَالَ: ((اسْلُكُوا هَذَا الطَّرِيقَ فَلَا يُشْرِفَنَّ لَكُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَمْتُمُوهُ)). فَنَادَى مُنَادٍ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ دَخَلَ دَارًا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ)). وَعَمَدَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغُصَّ بِهِمْ، وَطَافَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَخَذَ بِجَنْبَيِ الْبَابِ فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الْإِسْلَامِ، زَادَ فِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: ثُمَّ أَتَى الْكَعْبَةَ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ فَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ وَمَا تَظُنُّونَ؟)) قَالُوا: نَقُولُ: ابْنُ أَخٍ وَابْنُ عَمٍّ حَلِيمٌ رَحِيمٌ. قَالَ: وَقَالُوا ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. قَالَ: فَخَرَجُوا كَأَنَّمَا نُشِرُوا مِنَ الْقُبُورِ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وأخرجه ابنُ أَبي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِه: (14/487 برقم (18750)، وأَحْمَدُ: (2/207) و (2/179، 212 ـ 213)، و (2/187)، وأَخْرَجَهُ أيضًا البيهقيُّ في “دلائل النبوة”: (5/86) وأبو يَعْلى برقم (5762). ورواه الطبراني ورجاله ثقات”. وأَخْرَجَهُ التِرْمِذِيُّ في الفَرائِضِ: (2114). و “اليومَ” مَوْضوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كأنَّهُ أُريدَ بَعْدَ اليَوْمِ، كَما قالتْ عجوزٌ لمَّا ماتَ الحجّاجُ:
الْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَغْبِطُنَا ………….. وَالْيَوْمَ نَتْبَعُ مَنْ كَانُوْا لَنَا تَبَعَا
فإذا كان ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ لإخوتِهِ “لا تثريبَ عليكمُ اليومَ” وهُوَ مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَكيف بِسَائِرِ الْأَيَّامَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنِّي حَكَمْتُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِأَنْ لَا تَثْرِيبَ عَلَيكم، فقَوْلُهُ: “لَا تَثْرِيبَ” نَفْيٌ لِلْمَاهِيَّةِ وَهذا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ جَمِيعِ أَفْرَادِها، فَأَفادَ النَّفْيَ في كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: الْيَوْمَ حَكَمْتُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْمُتَنَاوِلِ كُلَّ الْأَوْقَاتِ.
وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الشَّحْمُ الَّذِي هُوَ غَاشِيَةُ الْكِرْشِ. وَمَعْنَاهُ إِزَالَةُ الثَّرْبِ وإذابَتُهُ مِنْ شدَّةِ اللَّوْمِ والتَّعْنيفِ، يَعْنِي: أَنَّ اللَّومَ العَنيفَ قدْ أَذابَ الشَّحْمَ مِنْ لَحْمِهِ، كَمَا أَنَّ التَّجْلِيدَ إِزَالَةُ الْجِلْدِ.
قولُهُ: {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} دَعَا لَهُمْ أخوهم يوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَظُلْمَهُمْ، وَأَنْ يَسْتُرَهَا عَلَيْهِمْ، قالَ ذَلِكَ تَصْفِيَةً للنُّفوسِ مِمَّا شابَها.
قولُهُ: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} تقريرٌ لحقيقةٍ هي أَنَّ أَيَّ رَحْمَةٍ في العالَمِ، أَوْ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ إِنَّما هِيَ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ رَحْمَتِهِ ـ سبحانَهُ، فَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، وَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} قَالَ: فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “لَا” نافيةٌ للجنسِ تعملُ عملَ “إنَّ”. و “تَثْرِيبَ” مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ النَّصْبِ اسْمُها. و “عَلَيْكُمُ” على: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخبرِ “لَا” تقديرُهُ (موجودٌ أو مستقرٌّ)، وضَميرُ المُخاطَبينَ “كم”. متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “الْيَوْمَ” ظَرْفُ زَمانٍ مَنْصوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرِ “لَا”، أَيْ: لا تَثْريبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليومَ. ويَجوزُ أَنْ يكونَ “اليومَ” خَبَرَ “لا” و “عليكم” مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ بِهِ هَذا الظَّرْفُ. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ “عليكم” صفةً لاسْمِ “لا”، و “اليوم” خَبَرُها أَيْضًا، ولا يَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ كُلٌّ مِنَ الظّرْفِ والجارِّ بِ “تَثْريب” لأَنَّهُ يَصيرُ مُطَوَّلًا شَبيهًا بالمُضافِ، ومَتَى كانَ كَذَلِكَ أُعْرِبَ ونُوِّنَ نحوَ: (لا خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ عِنْدَكَ) ويَزيدُ عَلَيْهِ الظّرْفُ: بِأَنَهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بالمَوْصولِ ومَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ وهوَ “عليكم” لأَنَّهُ: إِمَّا خَبَرٌ وإمَّا صِفَةٌ. وجَوَّزَ الزّمخشَرِيُّ أَنْ يَكونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِ “تَثْريب” أَوْ بالمُقَدَّرِ في “عليكم” مِنْ مَعْنَى الاسْتِقْرارِ، أَوْ بِـ “يَغْفر”، فَجَعْلُهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بـ “تَثْريب”. وقدْ أَجْرَى بَعْضُهمُ الاسْمَ العامِلَ مُجْرَى المُضافِ لِشِبَهِهِ بِهِ فَيُنْزَعُ ما فيهِ مِنْ تَنْوينٍ أَوْ نُونٍ، وقد جَعَلَ أبو عليٍّ الفارِسِيُّ مِنْ ذَلك قولُ ابْنِ الدُّميْنَةِ:
أَراني ولا كُفْرانَ للهِ أيَّةً …………….. لنفسي، لقد طالَبْتُ غيرَ مُنِيْلِ
فأيَّةً مَصْدَر أَويْتُ لَهُ إذا رَحِمْتُهُ رَقَقْت ورَفَقْتُ بِهِ، منصوبٌ بكُفْران، أي: لا أكفرُ اللهَ رَحْمةً لِنَفسي. ولا يجوزُ أنْ تُنْصَبَ “أيَّةً” ب (أَوَيْت) مُضْمَرًا؛ لِئَلَّا يَلْزمَ الفصلُ بين مَفْعولَيْ “أرى” بجملَتَيْنِ: أَيْ بِ “لا” وما في حَيِّزها، وبـ (أَوَيْتُ) المُقَدَّرَةِ. ومِنْهُ ما جاءَ في الحديثِ الشريف: ((لا صَمْتَ يومٌ إِلى الليلِ)) بِرَفعِ (يومٌ) عَلَى أَنَّهُ مَرْفوعٌ بالمَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفعلٍ مَبْنِيٍّ للمَفْعولِ. وجُمْلَةُ “لَا” في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لـ “قَالَ”.
قولُهُ: {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} يَغْفِرُ: فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ به. و “لَكُمْ” اللامُ حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِهِ، وضَميرُ المُخاطَبينَ “كم”. متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى كَونِها مَقولَ القولِ لـ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الواوُ: حرفُ عطْفٍ. هو: ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، و “أَرْحَمُ” خَبَرُ المبتدأِ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ و “الرَّاحِمِينَ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السّالمُ، والنونُ عِوضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ لـ “قَالَ”.
وَقَفَ أَكْثَرُ القُرّاءِ على: {اليومَ} وابْتَدَؤوا بـ “يَغْفِرُ الله لَكُمْ”، ووقفَ بعضُهم على “عليكم” وابْتَدَأَ: “اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ”.


فيض العليم، سورة يوسف، الآية: 91
 
قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)
 
قولُهُ ـ تَعالى شأْنُهُ: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا} أَيْ: لقد فضَّلكَ اللهُ عَلَيْنا بالعِلْمِ والحِلْمِ والعَقْلِ والفَضْلِ والحُسْنِ والمُلْكِ، فآثَرَهُ إِيثارًا: فضَّلَهُ تفضيلًا، تَقولُ: فلانٌ أَثيرٌ عِنْدي، أَوْ ذُو أَثَرَةٍ عِنْدي، إِذا كانَ ذا خُصوصِيَّةٍ عِنْدَكَ، تُؤْثِرُهُ بِصِلَتِكَ وفَضْلِكَ. وأَصْلُهُ مِنَ الأَثَر، وهوَ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ. واسْتَأْثَرَ فلانٌ بِكَذا، أَي: اخْتَصَّ بهِ نفسَهُ، فقد جاءَ في الحديثِ الشريفِ أنَّهُ ـ صلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال: ((سَتَكونُ بَعْدي أَثَرَةٌ))، أَيْ: سيَسْتَأْثِرُ بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ. ويقالُ أيضًا: اسْتَأْثَرَ اللهُ بِفلانٍ إذا اصْطَفاه، ومن ذلك قولُ الراجزِ أبي خالد القَنَاني:
والله أَسْماك سُمًا مُبارَكًا ……………………… آثَرَكَ اللهُ بِهِ إِيثارَكا
وَهذا أَنَّهُمْ عَرَفُوا مقامَهُ ومَرْتَبَتَهُ عنْدَ ربِّهِ، فصِيغَةُ الْيَمِينِ “تاللهِ” مُسْتَعْمَلَةٌ فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ، وَهِيَ عِلْمُهُم ويَقِينُهُمْ بِأَنَّ مَا وصَلَ إليهِ وما نَالَهُ وما هو فيهِ هُوَ تَفْضِيلٌ لَهُ مِنَ اللهِ.
قولُهُ: {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أَيْ: مُخْطِئينَ، مُذْنِبينَ، مجرمين، آثمينَ في أَمْرِكَ، وما فعَلْنَاهُ مَعَكَ، وَقَدْ أَكَّدُوا ذَلِكَ بِ “إِنَّ” واللامِ المُزَحْلَقَةِ. إِذًا لَقَدْ نَفَعَتْ فِيهِمُ الْمَوْعِظَةُ فاعْتَرَفوا بِجَرِيمَتِهم واعتذروا لأَخيهم، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي اعْتَذَرُوا مِنْهُ هُوَ إِقْدَامُهُمْ عَلَى إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ وَبَيْعِهِ وَتَبْعِيدِهِ عَنِ الْبَيْتِ وَالْأَبِ، وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ ـ مِنْ أَئمَّةِ المُعْتَزِلَةِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَذِرُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا يَكُونُ ذَنْبًا فَلَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَذَرُوا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ أَخْطَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُظْهِرُوا لِأَبِيهِمْ مَا فَعَلُوهُ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ حَيٌّ وَأَنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ وَفيه ضَعْفٌ لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ أَقْدَمُوا عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ فِي زَمَنِ الصِّبَا لِأَنَّهُ مِنَ الْبَعِيدِ فِي مِثْلِ يَعْقُوبَ أَنْ يَبْعَثَ جَمْعًا مِنَ الصِّبْيَانِ غَيْرِ الْبَالِغِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ رَجُلًا عَاقِلًا يَمْنَعُهُمْ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي.
وَ “خاطِئينَ” جَمُعُ خَاطِئٍ، وهوَ مُرْتَكِبُ الْخَطِيئَةِ، أَيِ الْجَرِيمَةِ، والخاطئُ هو المُصِرُّ على ارْتِكابِها، عن سابقِ إِصْرارٍ ومَعْرِفَةٍ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا} قَالُوا: فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بِواوِ الجماعَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والأَلفُ هي الفارقةُ، والجُملةُ الفعليَّةُ هذِهِ مُستَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ. و “تَاللَّهِ” التاءُ: حرفُ جرٍّ للقَسَمِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفٍ وُجوبًا تقديرُه نُقْسِمُ، والجملة المَحْذوفَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”، ولفظُ الجَلالَةِ “اللهِ” مَجْرورٌ بِتَاءِ القَسَمِ. و “لَقَدْ” اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “قد” حَرْفٌ للتَحْقيقِ. و “آثَرَكَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النصبِ مَفعولٌ بهِ ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعلُهُ مرفوعٌ. و “عَلَيْنَا” حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، و “نا” ضميرُ المتكلمينَ المتَّصلُ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولَ القولِ لِ “قَالُوا” عَلى كَوْنِها جَوابَ القَسَمِ.
قولُهُ: {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} الواو: عاطفةٌ. و “إنْ” حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، وهي مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقيلَةِ، واسمُها ضَميرُ الشَّأْنِ. و “كُنَّا” فعلٌ ماضٍ ناقصٌ و “نا” ضميرُ المتكلِّمين المُتَّصِلُ مبنيٌّ على السكونِ في محلّ ِالرفعِ اسْمُهُ، و “لَخَاطِئِينَ” اللامُ: هي المُزَحْلَقَةُ، حَرفُ ابْتِداءٍ، و “خَاطِئِينَ” خبرُهُ منصوبٌ به وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمع المذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، وجملةُ “كان” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “إنْ” المُخَفَّفَةِ، وجُمْلَةُ “إنْ” المُخَفَّفَةِ مَعْطوفةٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ.


قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

(90)

قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} قَالُوا لَهُ ذلك بِتَعَجُّبٍ مِمَّا بَلَغَهُ أَمْرُهُ مِنْ عُلُوِّ المَنْزِلَةِ فِي بلادِ مِصْرَ كلِّها وعِنْدَ مَلِكِها، وقولُهم ذَلِكَ كان عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ: أَأَنْتَ يُوسُفَ وَقَدْ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ؟.

ويجوزُ أَنْ يكونَ سَبَبُ تَعَجُّبِهُمْ هُو أنَّهم يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَعْرِفُهُمْ وَيَكْتُمُ نَفْسَهُ، وقيلَ: قالوا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدوا مِنْ أَنَّهُ يوسُفُ، مؤكِّدينَ قولَهم بـ “إنَّ”، وباللامِ المُزحلقةِ، وبِضميرِ “أَنْتَ”.

وَإِنَّمَا كَاشَفَهُمْ بِشخصِهِ وحالِه الْآنَ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى حَالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلَابَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ إِلَى السُّكْنَى بِأَرْضِ وِلَايَتِهِ، وَقد كَانَ ذَلِكَ مُتَوَقِّفًا عَلَى أَشْيَاءَ لَعَلَّهَا لَمْ تَتَهَيَّأْ إِلَّا حِينَئِذٍ، إذْ صَارَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جِدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وَفِي الْإِصْحَاحِ (45) مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ حِينَئِذٍ لِإِخْوَتِهِ: (وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ). وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلِكَ الَّذِي أَطْلَقَ سراحَ يُوسُفَ مِنَ السِّجْنِ وَجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وَخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ، فصارَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عندَ ذلكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ لِلْمَلِكِ الشَّابِّ، وَأَصْبحَ يَتَصَرَّفُ في المَلِكِ كَمَا يُرِيدُ، فَغدى الْوَضعُ مُناسبًا لِجَلْبِ أَبيهِ وإخوتِهِ إِلَى مِصْرَ.

وَلَا تُعْرَفُ أَسْمَاءُ مُلُوكِ مِصْرَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ الْمَمْلَكَةَ أَيَّامَئِذٍ كَانَتْ مُنْقَسِمَةً إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ: واحدةٌ مُلُوكُهَا مِنَ الْقِبْطِ، وَهُمُ الْمُلُوك الَّذين يَقْسِمُهُمُ مُؤَرِّخُو الْغربِ إِلَى الْعَائِلَاتِ: الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ، وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَبَعْضِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ. وَأُخرى مُلُوكُهَا مِنَ الْهُكْسُوسِ، ويُسَمَّوْنَ: الْعَمَالِقَةَ أَوِ الرُّعَاةَ وَهُمْ من العَرَبِ. وَقد دَامَ هَذَا الِانْقِسَامُ خَمْسَمِئَةِ سَنَةٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سنةً، مِنْ سَنَةِ: (2214) قَبْلَ ميلادِ السيِّدِ الْمَسِيحِ إِلَى سَنَةِ (1703) قَبْلَهُ. وعليه فإنَّ قَوْلَهمْ: “إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ” يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِنْ كَلَامِهِ ثُمَّ مِنْ مَلَامِحِهِ ثُمَّ مِنْ تَفَهُّمِ قَوْلِ أَبِيهِمْ لَهُمْ: {وأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} إِذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيُّ مِنْ كَلَامِهِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.

قولُهُ: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا} قَالَ: أَنَا يُوسُفُ وَهَذا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِالاجْتِمَاعِ بَعْدَ طُولِ افْتِرَاقٍ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَنِي، وَرَفَعَ شَأْنِي بعد ضَعَةٍ وإِهْمَالٍ، وَقَوْلُهُ: “وَهذا أَخِي” خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ جَمْعِ اللهِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ طُولِ الْفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ “قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا” بَيَانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ جُمْلَةِ “وَهذا أَخِي”. وقد أَظْهَرَ اسْمَهُ فقال: “أنا يوسف” تَعْظيمًا وفظيعًا لِمَا وَقَعَ بِهِ مِنْ ظُلْمِ إِخْوَتِهِ فكَأَنَّما قالَ: أنَا المَظلومُ المُسْتَحَلُّ مِنْهُ ما حُرِّمَ، المُرادُ قَتْلُهُ، وقالَ “أَخِي” ويعني بنيامينَ، وهو أَخوهم أَيضًا لأَنَّهُ أقربُ إليهِ منهم فقد كانَ لَهُ أَخًا شقيقًا مِنْ أُمَّهِ وَأَبِيهِ، بَيْنَما كانُوا هُمْ مِنْ أُمٍّ أُخرى.

قولُهُ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وَهُوَ تَعَالَى لاَ يُضِيعُ أَجْر امْرِئٍ اتَّقَاهُ وَصَبَرَ وَأَحْسَنَ العَمَلَ. وهذه الجملةُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ “مَنَّ اللهُ عَلَيْنا”، فَإنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ اتَّقَى اللهَ ربَّهُ وَصَبَرَ، وَكذلك بِنْيَامِينُ فَقد كَانَ تَقِيًّا للهِ تعالى. وقد أَرَادَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَعْلِيمَهُمْ وَسَائِلَ التَّعَرُّضِ إِلَى نِعَمِ اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّهُمْ عَلَى التَّقْوَى وَالتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ، وفيها أيضًا تَعْرِيضٌ بِهم لأَنَّهُمْ لَمْ يَتَّقُوا اللهَ تعالى فِيهِ وَفِي أَخِيهِ بنيامينَ، وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى إِيثَارِ أَبِيهِمْ إِيَّاهُمَا عَلَيْهِمْ، فدفعَهم ذلك إلى محاولةِ قتلِ أخيهم، وخيانةِ أمانةِ أبيهم، فعرّضوهُ لأقسى الألمِ وأشدِّ الكربِ.

وَهَذَا مِنْ أَفَانِينِ الْخَطَابَةِ، وذلك بأَنْ يَغْتَنِمَ الْوَاعِظُ الْفُرْصَةَ السانِحَةَ لِإِلْقَاءِ الْمَوْعِظَةِ، كَتَأَثُّرِ السَّامِعِ وَانْفِعَالِهِ وَظُهُورِ شَوَاهِدِ صِدْقِ الْوَاعِظِ فِي مَوْعِظَتِهِ.

وَبِذِكْرُ “الْمُحْسِنِينَ” فقد وَضْعٌ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، إِذْ كانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَهُمْ. لكنَّه عَدَلَ عَنِ الضميرِ إِلَى “الْمُحْسِنِينَ” لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَلِلتَّعْمِيمِ فِي الْحُكْمِ لِيَكُونَ كَالتَّذْيِيلِ، وَيَدْخُلَ فِي عُمُومِهِ هُوَ وَأَخُوهُ. وجاءَ هَذَا فِي مَقَامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَإِظْهَارُ الْمَوْعِظَةِ، وهو سَائِغٌ لِلْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ، ويشبِهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ـ عليه صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ: ((إِنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ)) جزءٌ مِنْ حَديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، الذي أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صحيحِهِ: (2926)، والحاكمُ في مستدركِهِ: (4/288). وأخرج ابن أبي حاتم عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْحَاسِدَ لَا يَضُرُّ بِحَسَدِهِ وَإِنَّ الْمَحْسُودَ إِذَا صَبَرَ نَجَّاهُ تَصَبُّرُهُ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

قولُهُ تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، والألفُ الفارقةُ. و “أَإِنَّكَ” الهَمْزَةُ: للاسْتِفْهامِ التَّقْريرِيِّ. و “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ اسْمُهُ. و “لَأَنْتَ” اللامُ” هي المُزَحْلَقةُ للتوكيدِ، حرفُ ابْتِداءٍ. و “أنتَ” ضميرُ فصْلٍ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و “يوسفُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، ولمْ يُنَوَّنْ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بالعَلَميَّةِ والعُجْمةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “أنتَ” ضَميرَ فِصْلٍ و “يوسُفُ” خَبُرُها، ولا يَجُوزُ أَنْ يَكونَ “أنتَ” تَوْكيدًا لاسْمِ “إنَّ”، لأَنَّ هذِهِ اللامَ لا تَدْخُلُ عَلى توكيدٍ. وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالُوا”.

قولُهُ: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى “يُوسُفُ”، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “أَنَا” مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ، و “يُوسُفُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسْميَّةُ هذهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “وَهَذَا” الواوُ: للعَطْفِ، و “هذا” الهاءُ: للتنبيهِ، و “ذا” اسْمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتِداءِ، و “أَخِي” خبرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على ما قبلِ ياءِ المتكلِّمِ، وهو مُضافٌ، والياءُ: ضميرُ المُتَكَلِّمِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجملةُ في محلِّ النَّصبِ ب “قالَ” عَطْفًا عَلَى جملةِ قولِهِ “أَنَا يُوسُفُ”. و “قَدْ” للتحقيقِ و “مَنَّ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ. و “عَلَيْنَا” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب “مَنَّ”، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمين مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.

قولُهُ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} إِنَّهُ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و “مَنْ” اسْمُ شَرْطٍ جازِمٌ في مَحَلِّ الرّفعِ مُبْتَدَأٌ، وخبرُهُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ أَوِ الجَوابُ. و “يَتَّقِ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بِـ “مَنْ” عَلى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَها، وعلامةُ جَزْمِهِ حذفُ حرفِ العلَّةِ من آخرِهِ، وفيهِ إِعْلالٌ بالحَذْفِ لِمُنَاسَبَةِ الجَزْمِ حَيْثُ حُذِفَ مِنْهُ لامُ الكَلِمَةِ وأَصْلُهُ يَتَّقي، وَزْنُهُ “يَفْتَعِ” وفيهِ إِعْلالٌ بالقَلْبِ وإِبْدالٌ، أَمَّا القَلْبُ فهُوَ قَلْبُ الواوِ التي هِيَ فاءُ الفِعلِ تاءً، وماضِيهِ المَجرَّدُ “وَقَى”، وماضيهِ المَزيدُ اتَّقَى، وأَصْلُهُ اوْتَقى، قُلِبَتْ الواوُ تاءً لِمَجيئِها قَبْلَ تاءِ الافْتِعالِ، وهذا القَلْبُ مُطَّرِدٌ في كُلِّ فِعْلٍ فاؤهُ واوٌ أَوْ ياءٌ إِذا جاءَتَا قَبْلَ تاءِ الافْتِعالِ تُقْلَبانِ تَاءً وَتُدْغَمانِ مَعَ تاءِ الافْتِعالِ، وفي اسْمَيْ الفاعِلِ والمَفْعولِ مِنْهُ، أَمَّا الإعْلالُ فهوَ الإعْلالُ بالحَذْفِ، أَصْلُهُ تَتَّقِيُونَ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الياءِ فَنُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى القافِ فالْتَقَى ساكِنانِ هُما الياءُ والواوُ فَحُذِفَتِ الياءُ تَخَلُّصًا مِنِ الْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَأْصْبَحَ تَتَّقُونَ وَزْنُهُ “تَفْتَعُونَ”.

قولُهُ: {فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ وُجُوبًا. و “إنَّ” حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ منصوبٌ بهِ. و “لَا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يُضِيعُ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يعودُ عَلى “الله” جلَّ جلالُهُ، و “أَجْرَ” مَفْعُولٌ بهِ منصوبٌ، وهو مضافٌ، و “الْمُحْسِنِينَ” مضافٌ إليهِ مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالمُ، والنُّونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجملةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الرّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ عَلى كَوْنِها جَوابًا لَهَا، والرابِطُ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وبَيْنَ جَوابِها؛ إِمَّا العمومُ في “الْمُحْسِنِينَ”، وإِمَّا الضَّميرُ المَحْذوفُ؛ أَيْ: المُحْسنينَ مِنْهم، وإِمَّا لِقيامِ (أل) مَقامَهُ، والأَصْلُ مُحْسِنَهم، فَقامَتْ (أل) مَقامَ ذَلِكَ الضَّميرِ، وجُمْلَةُ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.

قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: “أَوَ أَنْتَ يُوسُفُ”، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِن: “إنَّك لأنتَ يُوسُفُ”. وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ هِيَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْظَامِ.

قرَأَ العامَّةُ: {يَتَّقِ} بحذْفِ الياءِ وَصْلًا وَوَقْفًا، وقرأَ قُنْبُلٌ “يَتَّقي” بإثباتِها فيهِما. أَمَّا قراءةُ الجماعة فواضِحَةٌ لأَنَّه مَجْزومٌ على كونِهِ فعلَ الشرطِ و “مَنْ” شرطيَّةٌ. وأَمَّا قراءةُ قنبلٍ فاخْتُلِفَ فيها عَلى قَوْلَيْنِ، أَجْوَدُهُما: أَنَّ إِثباتَ حرفِ العِلَّةِ في الحَرَكَةِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، وأَنْشَدوا عَليْهِ قولَ قِيْسِ ابْنِ زُهَيْرٍ:

أَلَمْ يَأْتيكَ والأَنْباءُ تَنْمي …………………. بما لاقَتْ لَبونُ بَني زِيادِ

وقول الإمامِ أَبي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ التَّميميِّ:

هَجَوْت زَبَّانَ ثم جِئْتَ مُعْتَذِراً …….. مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ

وقولُ العَجَّاجِ واسْمُه: عَبْدُ اللهِ بْنُ رُؤْبَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ كَنيفِ بْنِ عُمَيْرَةَ:

إذا العجوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ …………………. ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ

ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ، وإِنَّما تَبِعَها حرفُ العِلَّةِ في الحَذْفِ تَفْرِقةً بَيْنَ المَرْفوعِ والمَجزومِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الجازِمَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَجْزومٌ، وعَدَمَهُ يُبَيَّنُ أنَّهُ غَيْرُ مَجْزومٍ. وقد أُجيبَ بِأَنَّه في بِعْضِ الصُّوَرِ يُلْبِسُ فاطَّرَدَ الحَذْفُ، وبَيانُهُ أَنَّكَ إِذا قُلْتَ: زُرْني أُعْطيكَ. بِثُبوتِ الياءِ احْتَمَلَ أَنْ يَكونَ (أُعْطيك) جَزَاءً لِزِيارَتِهِ، وأَنْ يَكونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، فإذا قلْتَ: (أُعْطِكَ) بِحَذْفِها تَعَيَّنَ أَنْ يَكونَ جَزاءً لَهُ، فَقَدْ وَقَعَ اللَّبْسُ بِثُبوتِ حَرْفِ العِلَّةِ وفُقِدَ بِحَذْفِهِ، فيُقالُ: حَرْفُ العِلَّةِ يُحْذَفُ عِنْدَ الجازِمِ لا بِهِ. ومَذْهَبُ ابْنِ السَّرّاجِ أَنَّ الجازِمَ أَثَّرَ في نَفْسِ الحَرْفِ فحَذَفَهُ. والثاني: أَنَّهُ مَرْفوعٌ غَيْرُ مَجزومٍ، و “مَنْ” مَوْصولةٌ والجملةُ الفِعْليَّةُ صِلَتُها، فلِذَلِكَ لَمْ يَحْذِفْ لامَهُ. واعْتُرِضَ عَلَى هَذا بِأَنَّهُ قَد عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزومٌ وهوَ قولُه: “ويَصْبِرْ” فإنَّ قُنْبُلًا لَمْ يَقْرأْهُ إِلَّا سَاكِنَ الرَّاءِ. وأُجيبَ عَنْ ذَلكَ بِأَنَّ التَّسْكينَ لِتَوالي الحَرَكاتِ. وإِنْ كانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَقراءَةِ أَبي عَمْرٍو في سورةِ آلِ عمرانَ: {يَنصُرْكُمُ} الآية: 160، وكقراءَتِهِ في سورةِ البَقَرةِ: {يَأْمُرُكُمْ} الآية: 67. وأُجيبَ عن ذلك أَيْضًا بِأَنَّهُ جُزِمَ عَلى التَوَهُّمِ، يَعْنِي لَمَّا كانتْ “مَنْ” الموصولةُ تُشْبِهُ “مَنْ” الشَّرْطِيَّةَ. وهَذِهِ عِبَارةٌ فيها غَلَطٌ عَلَى القُرْآنِ فيَنْبَغي أَنْ يُقالَ: فيها مُراعاةٌ للشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ، ولا يُقالَ للتَوَهُّم. وأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ سُكِّنَ للوَقْفِ ثمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مُجْرَى الوَقْفِ. وأُجيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ إنَّما جُزِمَ حَمْلًا ل “مَنْ” المَوصولةِ عَلى “مَنْ” الشَّرْطِيَّةِ؛ لأنَّها مِثْلُها في المَعْنَى ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِها. وعَلَيْهِ فقد يُقالُ: يَجوزُ أَنْ تَكونَ “مَنْ” شَرْطِيَّةً، وإِنَّما ثَبَتَتِ الياءُ، ولم تَجْزِمْ “مَنْ” لِشبَهها بِ “مَنْ” المَوْصولةِ، ثمَّ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا الشّبَهُ في قولِهِ “ويَصْبِرْ” فلِذلِكَ جَزَمَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العامِلَ لَمْ يؤثِّرْ فيما بعدَه، ويَليهِ ويُؤَثِّرْ فيما هو بعيدٌ مِنْه.

 


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 89
 
قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} قالَ لهم ذلكَ على سبيلِ الاسْتِفْهامِ التوبيخيِّ التَقْريعِيِّ. ورُوِيَ أَنَّهم لَمَّا قَالُوا ما تَقَدَّمَ ذكرُهُ في الآيةِ السابِقَةِ وسَمِعَهُ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَلامُ، أَدْرَكتُهُ الرِّقَّةُ، فَقَالَ لَهُم: هَلْ عَلِمْتُم مَا صَنَعْتُم بِيُوسُفَ وأَخِيهِ، أيْ منَ التَّفْرِيق بَينَهُمَا، وَلم يَذْكُرْ مَا فَعَلُوا بِأَبيهم يَعْقُوبَ ـ عليْهِ السَّلامُ، تعظيمًا لَهُ ولِحِشْمَتِهِ.
واخْتَلَفَ المفسِّرون في السببِ الذي حَمَلَ يُوسُفَ عَلى هَذا القَوْلِ، أخرجَ ابْنُ أَبي حاتم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَولُهُ: فَذُكِرَ لِي ـ وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَأَفاضَ دَمْعُهُ بَاكِيًا، ثُمَّ بَاحَ لَهُمْ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ مِنْهُمْ قَالَ: “هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ”. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ حَكَى لِإِخْوَتِهِ أَنَّ مَالِكَ بْنَ ذُعْرٍ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ غُلَامًا فِي بِئْرٍ مِنْ حَالِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، فابْتَعْتُهُ بِكَذَا وكَذَا دِرْهَمًا، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَحْنُ بِعْنَا ذَلِكَ الغُلامَ منه، فَغَاظَ يُوسُفَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَوَلَّى يَهُوذَا وَهُوَ يَقُولُ كَانَ يَعْقُوبُ يَحْزَنُ وَيَبْكِي لِفَقْدِ وَاحِدٍ مِنَّا حَتَّى كُفَّ بَصَرُهُ، فَكَيْفَ إِذَا أَتَاهُ قَتْلُ بَنِيهِ كُلِّهِمْ؟ ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَابْعَثْ بِأَمْتِعَتِنَا إِلَى أَبِينَا فَإِنَّهُ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ حِينَ رَحِمَهُمْ وَبَكَى، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ. وَقِيلَ: قَالَهُ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ أَبِيهِ الذي كتب إِلَيْهِ فَلَمْ يَتَمَالَكِ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ بما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ؟ وَقِيلَ: مُذْنِبُونَ عاصون. وقال الحسنُ البَصريُّ: إذْ أَنتم شُبَّانٌ وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشَّبَابِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأَخيهِ، وما كانَ مِنْهم ضَرَرٌ إِلى أَخيهِ، وَلا هُمْ سَعَوْا فِي حَبْسِهِ؟ قِيلَ: عندما اسْتُخرجَ الصاعُ من رحلِهِ قَالُوا لَهُ: مَا رَأَيْنَا مِنْكُمْ يَا بَنِي رَاحِيلَ خَيْرًا. وَقِيلَ: كَانُوا يُؤْذُونَهُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِ يُوسُفَ لَأنَّهما كَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ.
قولُهُ: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} إِذْ أَنْتُم عاصونَ لِرَبِّكم آثِمونَ، وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: إِذْ أَنْتُم صِبْيَان، وَرويَ عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رضي اللهُ عنهُ: إِذْ أَنْتُم شُبَّان وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشُبَّان. وقيلَ: إنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا تَبَسَّم فَرَأَوْا ثناياهُ مَنْظومًا كَاللُّؤْلُؤِ فَعَرَفوهُ وَقَالُوا:{أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ} وَقيلَ: بلْ قَالُوهُ على التَّوَهُّم، فإنَّهم لم يَكُونُوا قد تَيَقَّنوا مِنْ ذلك بعدُ.
قولُهُ تَعَالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} قَالَ: فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “هَلْ” للاسْتِفهامِ التوبيخي. و “عَلِمْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ، والتاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المذكَّرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “مَا” اسْمٌ مَوْصولٌ، أَوْ نَكِرةٌ موصوفةٌ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بِهِ؛ لأنَّهُ بِمَعْنَى عَرَفَ. و “فَعَلْتُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضمير رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ وهيَ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ الرفعِ فاعِلٌ بهِ، والميمُ للجمعِ المذكرِ. و “بِيُوسُفَ” الباءُ: حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، و “يوسُفَ” اسْمٌ مجرورٌ بحرفِ الجرِّ وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّه ممنوعٌ منَ الصرفِ بالعلميَّةِ والعُجْمةِ. و “وَأَخِيهِ” الواو: للعطفِ، و “أَخيهِ” مُعْطوفٌ عَلَى “يوسفَ” مجرورٌ مثلَهُ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ من الأسماءِ الخمسةِ، وهو مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ صِلَةٌ لـِ “مَا”، أَوْ صِفَةٌ لَها، والعائدُ أوِ الرابطُ مَحذوفٌ والتقديرُ: ما فعلتُموهُ.
قولُهُ: {إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} إِذْ: ظَرْفٌ لِمَا للزمن المَاضَي مُتُعُلَّقٌ بِـ “فَعَلْتُمْ”، و “أَنْتُمْ” في محلِّ الرفعِ بالابتِداء، و “جَاهِلُونَ” خبرُهُ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لآنَّهُ جعُ المُذكَّرِ السّالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، وهذه الجملةُ مَحَلِّ الجَرِّ بإضافةِ “إِذْ” إليها.


فيض العليم …. سورةُ يوسُف، الآية: 88
 
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
(88)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} أي: فذَهَبُ أَبناءُ يعقوبَ ـ عليه السَّلامُ، فدَخَلوا بَلَدَ مِصْرَ كَمَا أَمَرَهمْ أَبوهمْ، ودَخَلوا عَلَى يُوسُفَ ـ عليه السَّلامُ، فلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ خاطبوه قائلين: يا أَيُّها العَزيزُ .. . وإنَّما لم يُذْكَرْ ذلك إيجازًا وإِيذانًا بِمُسارَعَتِهم إلى مَا أَمَرَهم بِهِ أبوهم، وإِشعارًا بِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِهِ وبيانِهِ.
قولُهُ: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} أَهْلَنا: تَشْمَلُ هذه الكلمةُ الأَزْواجَ والأَوْلادَ وغيرَهم. و “الضُرُّ” أَيْ: الهُزَالُ الشَّديدُ مِنَ الجُوعِ. وفي بضاعتهم أَقاويلُ، فقد رَوَى الطّبَرِيُّ: (13/50)، وأَبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبُو الشَّيْخِ، عن ابنِ عبّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهُما، أَنَّها كانتْ زُيوفًا لا تُنْفَقُ في ثَمِنِ الطَّعامِ، هذا قولُهُ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ وباذانَ، وفي رِوَايَةِ عَطاءٍ فَسَّرَ كَيْفَ كانَتِ الدّراهِمُ فقالَ: وذَلِكَ أَنَّ دَرَاهِمَ مِصْرَ كانَتْ يُضْرَبُ فيها صُورَةُ يُوسُفَ، والتي جاؤوا بِها لَيْسَتْ فيها صُورَةُ يُوسُفَ، فَهِيَ أَدْنى لا تَجُوزُ مَجَازَ تِلْكَ، وهذا قولُ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رضي اللهُ عنهُ، أَيضًا كما ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ: (13/51) بسنده عنْهُ. وروى الطّبَرِيُّ في تفسيرِهِ: (13/52)، وعبدُ الرّزاقِ الصَّنْعانيُّ في مُصَنَّفهِ: (2/328) عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قولَهُ: يَسيرَةٍ، وروى الطَبَرِيُّ في التفسير: (13/52)، وابْنُ عَطِيَّةَ: (8/62)، وابْنُ أَبي حاتم: (7/2192)، والبَغَوِيُّ: (4/272)، عنِ الحَسَنُ البَصْريِّ وعبدِ اللهِ بْنِ الحارثِ والكلبيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهم: أنَّ المعنى: قليلة. وقيلَ غيرُ ذلكَ، واللهُ أَعْلَمُ. و “مُزْجاةٍ” إِزْجاءُ الشَّيْءِ سَوْقُهُ ودَفْعُهُ لِضَعْفٍ فيه، وهو مِنْ قولِكَ: أَزْجَيْتُهُ، إِذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والريحُ تُزْجِي السَّحابَ: أي تَسُوقُهُ إلى حيثُ يأمُرُها اللهُ ربُّها منَ الأرضِ، ومِنْ ذلك قولُ حاتمٍ الطَّائيِّ:
لِيَبْكِ عَلَى مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ ……….. وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلَا
ضيفٌ مُدَفَّعٌ، أي: تَدَافَعَهُ النَّاسُ فلَمْ يُضَيِّفوهُ. ومِنْهُ قولُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
الوَاهبُ المِئَةِ الهِجَانِ وعَبْدِها ………….. عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَها أَطْفَالَها
وقولُ عَدِيِّ بْنِ الرقاع:
تزجي أغَنّ كأنَّ إِبرَة رَوقِهِ ……………. قلمٌ أَصابَ مِنَ الدّواةِ مَدادَها
وفُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ: أَيْ يَدْفَعُ الزّمانَ بالقَليلِ، وعليه قولُ الراجز:
تَزَجَّ مِنْ دُنْياكَ بالبَلاغِ ……………………. وباكِرِ المِعْدَةَ بالدِّباغِ
بِكَسْرَةٍ لَيِّنَةِ المِضاغِ ……………….. بالمِلْحِ أَوْ ما خَفَّ مِنْ صِباغِ
والمَعْنَى إنَّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِها. وقد قدَّموا رِقَّةَ حالِهم ولم يَبْدَؤوا بِما أَمَرَهم بِهِ أَبوهم مِنَ التَّحَسُّسِ عنْ رِيحِ يوسُفَ وأَخِيهِ بِنْيامينَ اسْتِجْلابًا للرّأْفةِ والشَّفَقَةِ، ولِيَبْعَثوا فيهِ الحنُوَّ ورِقَّةَ القَلْبِ.
قولُهُ: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} اختُلِفَ في معنى قولِهم: “وتَصَدَّقْ عَلَيْنَا” فقالَ ابْنُ جُريجٍ ـ رضي اللهُ عنهُ: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أَخينا إلينا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنَاهُ تَجَوَّزَ عَنَّا واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تَصَدَّقْ عَلَيْنا يا ابْنَ عَفَّانَ واحْتَسِبْ ……… وأْمُرْ عَلَيْنا الأَشْعَرِيَّ لَيَالِيا
وقالَ الحَسَنُ البَصْريُّ، والسُّدِّيُّ، وسَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، المَعنى: تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِما بَيْنَ الجِيادِ والرَّدِيئَةِ، وذَلِكَ لأنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلَى جَميعِ الأَنْبِياءِ. وروى ابْنُ جَريرٍ عنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِياءِ قبْلَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فقالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تعالى: “فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ”. وقالَ مُجاهِدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ تُحَرَّمِ الصَّدَقَةُ إِلَّا عَلى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحدَهُ. هذا وقد كَرِهَ بعضُهم للرَّجُلِ أَنْ يَقولَ في دُعائهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَليَّ، لأَنَّ الصَدَقَةَ إنَّما تكونُ ممَّنْ يَبْتَغي الثوابَ وأفعالُ اللهِ تعالى منزَّهةٌ عن العلَّةِ فهو غنيٌّ عن العالمين. فقد روى ابْنُ جَريرٍ عن مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَقولَ الرَّجُلُ في دُعائهِ: اللّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ؟ فقالَ: نَعَمْ، إِنَّما الصَدَقَةُ لِمَنْ يَبْتَغي الثَّوابَ. وَسَمِعَ الْحَسَنُ البَصْريُّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، فَقَالَ له: يَا هَذَا! إِنَّ اللهَ لَا يَتَصَدَّقُ إِنَّمَا يَتَصَدَّقُ مَنْ يَبْتَغِي الثَّوَابَ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} قُلْ: اللّهمَّ أَعْطِني وتَفَضَّلْ عَلَيَّ. قالوا: وهَذَا القولُ مَرْدودٌ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدٌ ومُسْلمٌ وأَصْحابُ السُنَنِ مِنْ حَديثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: عَجِبْتُ لِلنَّاسِ وَقَصْرِهُمُ الصَّلاَةَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وَقَدْ ذَهَبَ هَذَا؟ فَقَالَ عُمَرْ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ تَعَالى بِها عَلَيْكُمْ فاقْبَلوا صَدَقَتَهُ)). أخرجهُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ: (1/25(174) ومسلم في صحيحِه: (2/143(1519). فإنَّ الحديثَ نصٌّ صريحٌ على أَنَّهُ ـ سُبحانَهُ، متصدِّقٌ على عبادِهِ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} أَي: فِي الْآخِرَةِ، وهَذَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى دينِهم ـ فيما يعتقدونَ، لذلِكَ فإِنَّهم لَمْ يَقُولُوا: يَجْزِيكَ اللهُ بِصَدَقَتِكَ، وإنَّما قَالُوا لَفْظًا يُوهِمُ ذلك، وَفِي الْحَدِيثِ الشريف: ((إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ)). أخرجه البُخاريُّ في الأدبِ المفردِ: (857) وابْنُ عَدِّيٍ، والبَيْهَقِيُّ وغيرُهم عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رضي اللهُ عنه. وقد الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْكَيَّالِ الْوَزَّانِ وَالْعَدَّادِ وَغَيْرِهمْ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ عِدَّةً مَعْلُومَةً مِنْ طَعَامِهِ، وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ عَلَيْهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزَهَا وَيُمَيِّزَ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ حَقِّهِ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مُعَيَّنًا ـ صُبْرَةً، أَوْ مَا لَا حَقَّ تَوْفِيَةٍ فِيهِ، فَخَلَّى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَمَا جَرَى عَلَى الْمَبِيعِ فَهُوَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ إِلَّا بَعْدَ التَّوْفِيَةِ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْهُ قبلَ التَوْفِيَةِ. وكذلِكَ أُجْرَةُ النَّقْدِ فَهي عَلَى الْبَائِعِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ الدَّافِعَ لِمالِهِ يَقُولُ: إِنَّهَا طَيِّبَةٌ، فَأَنْتَ الَّذِي تَدَّعِي الرَّدَاءَةَ فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفْعَ يَقَعُ لَهُ فَصَارَ الْأَجْرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ طَائِعًا، أَلَا تَرَى أَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ يَدَهُ، وَيُصَالِحَ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْمُقْتَصُّ ذَلِكَ مِنْهُ، فَأَجْرُ الْقَطَّاعِ عَلَى الْمُقْتَصِّ. وَمَشْهُورُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهَا عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ كَالْبَائِعِ.
قولُهُ تَعَالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} الفاءُ: عاطفةٌ عَلى محذوفٍ تقديرُهُ: فَخَرَجوا، فدخلوا مِصْرَ، فَلَمَّا دَخَلوا عَلى يُوسُفَ. أَوْ هي استِئنافيَّةٌ و “لمَّا” ظَرْفُ زمانٍ بِمعنى (حين) مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ، مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الظرفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِ “قالوا”، وهو مضافٌ. وجُمْلَةُ “لمّا” مُسْتَأنَفةٌ لا محلَّ لها منَ الإعراب، أو معطوفةٌ على الجُمْلَةِ المَحْذوفةِ. و “دَخَلُوا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ وهو ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ فارقةٌ. و “عَلَيْهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. والجملةُ في محلِّ الجرِّ فإضافةِ “لمَّا” إليها.
قولُهُ: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} قَالُوا: مثل “دخلوا”، والجُمْلَةُ جَوَابُ “لمَّا” فلا مَحَلَّ لها منَ الإعرابِ. و “يَا” أداةُ نِداءٍ. “أيُّ” مُنَادى نَكِرَةٌ مَقصودَةٌ مبني على الضمِّ في محلِّ النَّصبِ بالنداءِ. و الهاء: للتنبيهِ فهي حرفٌ زائدٌ تَعْويضًا عَمَّا فاتَ مِنَ الإضافَةِ. و “الْعَزِيزُ” صِفَةٌ لـِ “أيُّ”، وجُمْلَةُ النِّداءِ هذه في مَحلِّ النَّصبِ بِ “قَالُوا”.
قولُهُ: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} مَسَّ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ مَفعولٌ به. و “وَأَهْلَنَا” حرفُ عطفٍ و “أهلَ” مَنصوبٌ عَطْفًا عَلى ضَميرِ المَفْعولِ، وهو مُضافٌ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بإضافةِ “أهلَ” إِليهِ. و “الضُّرُّ” فاعلٌ مرفوعٌ، والجُمْلةُ الفِعليَّةُ هذِهِ في مَحلِّ النَّصْبِ بِ {قال} على كونِها جوابَ النِّداءِ.
قولُهُ: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} وَجِئْنَا: حرفُ عطفٍ، وفعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ ب “نا” الجماعة، وهو ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعلٌ، وهذه الجملةُ معطوفَةٌ على جملةِ قولِهِ: “مَسَّنَا” في محلِّ النصبِ بالقولِ. و “بِبِضَاعَةٍ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ متعلق بـ “جئنا” و “بضاعةٍ” مَجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “مُزْجَاةٍ” صِفَةٌ لِـ “بضاعةٍ” مجرورةٌ مثلها.
قولُهُ: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} الفاءُ: عاطفة. و “أَوْفِ” فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على حذفِ حرفِ العلةِ من آخرِهِ وهي الياءُ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “لَنَا” اللامُ: حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “الْكَيْلَ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفة على جملةِ قولِهِ: “جِئْنَا” على كونِها في محلِّ النَّصبِ بالقولِ. و “وَتَصَدَّقْ” فعلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يعودُ عَلى يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ. و “عَلَيْنَا” على: حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، و “نا” ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجملةُ في محلِّ النَّصبِ عطفًا على جملةِ قولِهِ: “أوفِ” على كونِها في محلِّ النصبِ بالقولِ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} إِنَّ: حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهَ” اسْمُهُ منصوبٌ به. و “يَجْزِي” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخرهِ لثقلِ ظهورِها على الياءِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على اللهِ تعالى، و “الْمُتَصَدِّقِينَ” مفعولٌ به منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عن التنوين في الاسمِ المفردِ، والجملةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا لِ “إِنَّ”، وجُملةُ “إِنَّ” في محَلِّ النَّصبِ بِ {قال} عَلَى كونِها مَسُوقَةً لِتَعْليلِ ما قبلها.


فيض العليم … سورة يوسُف، الآية: 87

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
(87)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} يَحَثَّ يَعُقُوبُ ـ عليه السلامُ، بَنِيهِ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى مِصْرَ لِتَقَصِّي أَخْبَارِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، والتَّحَسُّسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالْحَواسِّ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وهوَ مِنْ وُقوعِ الحِسِّ عَلَيْهِ؛ فَكَأَنَّما قالَ لهمْ: اذْهَبوا فانْظُروا إِلَيْهِ وإِلى أَخِيهِ؛ وإذا حَمَلْنَا قولَهُ هذا عَلى أَنَّهُ إنَّما طَلَبَ البَحْثَ والاسْتِخْبَارَ عَنْهُما، فهوَ إِنْ احْتُمِلَ في يُوسُفَ لأنَّهم كانوا لا يعلمونَ مكانَ وجودِهُ، فلا يُحْتَمَلُ في أَخِيهِ بِنْيامينَ لأنَّهم كانوا يعلمون مكانَ وجودِه وأَين هوَ، إذًا فقد أَمَرَهم بِذَلِكَ أَمَرَ تَعْريضٍ لا أَمْرَ تَصْريحٍ.
أخرج ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: بَلغنِي أَنَّ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَكَثَ أَرْبَعَةً وَعِشْرينَ عَامًا لَا يَدْرِي أَحَيٌّ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَمْ مَيِّتٌ حَتَّى تمَثَّلَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِإِلَهِ يَعْقُوبَ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا. فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ: “يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ” فَخَرجُوا إِلَى مِصْرَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجِدوا كلَامًا أَرَقَّ مِنْ كَلَامٍ اسْتَقْبلُوهُ بِهِ: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وأَهْلَنَا الضُّرُّ}.
ويُقَالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْ فُلَانٍ وَلَا يُقالُ تحَسَّسْتُ مِنْهُ، أَمَّا هُنَا فَقَدْ قِيلَ “مِنْ يُوسُفَ” لِأَنَّهُ أَقَامَ “مِنْ” مَقَامَ “عَنْ”، ولأَنَّ “مِنْ” هذِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكونَ لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمَعْنَى: تَحَسَّسُوا خَبَرًا مِنْ أَخْبَارِ يُوسُفَ، أَوْ تحسَّسوا شيئًا أَيَّ شيءٍ مِنْهُ، فَاسْتُعْمِلَتْ “مِنْ” هُنَا لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّبْعِيضِ.
قولُهُ: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ} أَمَرَهُمْ بِالتَّلَطُّفِ فِي البَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُمَا، وَبِعدمِ اليَأْسِ وَقَطْعِ الأَمَلِ والرَجَاءِ مِنَ اللهِ فِيمَا يَرُومُونَ إليهِ وَيَقْصِدُونَهُ. وَالرَّوْحُ ـ بِفَتْحِ الرَّاءِ: النَّفَسُ ـ بِفَتْحِ الْفَاءِ، اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الْكَرْبِ لِأَنَّ الْكَرْبَ وَالْهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا الْغَمُّ، وَضِيقُ النَّفَسِ والصَّدْرِ، كَذَلِك يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ وَالتَّرَوُّحُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، وَمِنْهُ اسْتِعَارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إِذَا زَالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ. والرَّوْحُ مَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَسِيمِ الْهَوَاءِ فَيَسْكُنُ إِلَيْهِ، قالَ الأَصْمَعِيُّ: وَتَرْكِيبُ الرَّاءِ وَالْوَاوِ وَالْحَاءِ يُفِيدُ الحَرَكةَ والاهتِزازَ، فكُلَّ ما يَهْتَزُّ الإنسانُ لَهُ وَيَلْتَذُّ بِوُجُودِهِ فَهُوَ رَوْحٌ. وقرئَ: مِنْ رُوحِ اللهِ بِالضَّمِّ، أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَرَجِهِ وَتَنْفِيسِهِ الكَرْبَ عنْ عِبَادِهِ. قَالَ عبدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضيَ اللهُ تعالى عَنْهُما: “لَا تَيْأسُوا مِنْ رَوْحِ الله” يُرِيدُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ فَرَجِ الله، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ. وَأَخرَجَ عبدُ الرَّزَّاق، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَن قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ” قَالَ: مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَأخرج ابْنُ جريرٍ عَنِ الضَّحَّاك ـ رَضِي اللهُ عَنهُ، مثلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: “وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رُوحِ اللهِ” قَالَ: مِنْ فَرَجِ اللهِ، يُفَرِّجْ عَنْكُم الْغم الَّذِي أَنْتُم فِيهِ
قولُهُ: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الرَّجَاءَ مِنَ اللهِ، وَلاَ يَقْنَطُ وَيَيْأَسُ مِنْ رُوحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمَ الكَافِرُونَ، وهذه الجملةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْيَأْسِ، فَمَوْقِعُ “إِنَّ” التَّعْلِيلُ. وَالْمَعْنَى: لَا تَيْأَسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ الْبُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَهَا اللِّقَاءُ عَادَةً. فَإِنَّ اللهَ إِذَا شَاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأَ لَهَا أَسْبَابَهَا، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ وَاسِعُ الْقُدْرَةِ لَا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَقُّهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي سَبَبِهِ وَيَعْتَمِدَ عَلَى اللهِ فِي تَيْسِيرِهِ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ بِاللهِ فَهُمْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْأُمُورِ الْغَالِبَةِ فِي الْعَادَةِ وَيُنْكِرُونَ غَيْرَهَا. وَلَا يَحْصُلُ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ الْإِنْسَانُ أَنَّ الْإِلَهَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْكَمَالِ، أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، أَوْ لَيْسَ بِكَرِيمٍ، بَلْ بَخِيلٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يُوجِبُ الْكُفْرَ، والْيَأْسُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، ولذلك فإنَّ الْيَأْسَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ كَافِرًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ الله عَلَى خَيْرٍ يَرْجُوهُ فِي الْبَلَاءِ وَيَحْمَدُهُ فِي الرَّخَاءِ.
قولُهُ تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} يا: أداةُ نِداءٍ. بَنِيَّ: مَنْصوبٌ بالنِّداءِ مُضافٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الياءُ المُدْغَمَةُ في ياءِ المُتَكَلِّمِ؛ لأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السَّالِمِ، أَصْلُهُ: يا بنين لي، فحُذِفَتِ النُّونُ للإضافَةِ، وحُذِفَتِ اللَّامُ للتَّخْفيفِ، والياءُ الثانيةُ ضميرُ المتكلِّمِ المتَّصلةُ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ هَذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ {قَالَ} منَ الجملةِ السابقةِ. و “اذْهَبُوا” فِعْلُ أمرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأنَّ مُضارعَهُ مِنَ الأفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والألفُ هي الفارقةُ، والجُملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ {قَالَ} منَ الجملةِ السابقةِ، على كونِها جوابَ النِّداءِ. و “فَتَحَسَّسُوا” الفاءُ: حرفُ عَطْفٍ. و “تَحَسَّسُوا” فِعْلُ مثل “اذهبوا” مَعْطوفٌ عَليهِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “اذهبوا”، و “يُوسُفَ” اسْمٌ مجرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ وعلامةُ جرِّهِ الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ لأنَّهُ ممنوعٌ منَ الصَّرفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. و “وَأَخِيهِ” الواوُ للعطفِ، و “أخي” مَعْطوفٌ على “يُوسُفَ” مجرورٌ مثلُهُ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ، وهو مُضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ.
قولُهُ: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ} الواوُ: للعطفِ، و “لَا” ناهيةٌ جازمةٌ، و “تَيْأَسُوا” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بِـ “لا” النَّاهِيَةِ، وعلامةُ جزمِهِ حذفُ النونِ من آخرِهِ لأَنَّه مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والألفُ الفارقةُ، والجملةُ في محلِّ النَّصبِ عطْفًا عَلى جملةِ قَولِهِ: “فَتَحَسَّسُوا” على كونِها مقولَ القولِ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “تَيْأَسُوا”، و “رَوْحِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” اسمٌ مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} إِنَّهُ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهُ بالفعلِ للتوكيد، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “لَا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يَيْأَسُ” فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ. و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ، و “رَوْحِ” مجرورٌ بحرْفِ الجَرِّ مُضافٌ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” اسمٌ مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “إِلَّا” أَداةُ حَصْرِ، أَوْ أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَّغٍ. و “الْقَوْمُ” فاعِلٌ مرفوعٌ. و “الْكَافِرُونَ” صِفَةٌ ل “القومُ”، مرفوعٌ مثلَهُ وعلامةُ الرفعِ الواو لأنَّهُ جمعُ المذكَّرِ السالمُ، والنونُ علامةُ التنوينِ في الاسْمِ المفردِ، وهذه الجملةُ الفِعليّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرًا ل “إنَّ” وجملةُ “إنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ {قَالَ} مَسوقةٌ لِتَعليلِ ما قَبْلَها.
قرَأَ العامّةُ: {تَحَسَّسُوا} بالحاءِ، وقرِئَ “تَجَسَّسوا” بالجيم.
وقرَأ العامَّةُ: {وَلاَ تَيْأَسُواْ}. وقَرَأَ الأَعْرَجُ “لا تِيْئَسوا” بكسر التاءِ، وقرأت فرقة “تَأْيَسوا”.
وقرأ العامَّةُ: {رَوْح اللهِ} بالفتح، وقرأ الحسن وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزيزِ وقَتادَةُ ـ رضي اللهُ عنهم: “روحِ اللهِ” بِضَمِّ الرَّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكأَنَّ معنى هذه القراءة: لا تَيْئَسوا مِنْ حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللهِ الذي وَهَبَهُ، فإنَّ مَنْ بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجَى، ومِنْه قولُ الشاعرِ أَرْطَأةَ بْنِ سُهَيَّةَ المُرِّيِّ، مِنْ غَطفان:
على الدَّهْرِ فاعْتَبْ إِنَّهُ غيرُ مُعْتبٍ…وفي غيرِ مَنْ قَدْ وارَتِ الأَرْضُ فاطْمَعِ
وكان قد ماتَ له ولدٌ، فأقام على قبرِهِ حَوْلًا يَأْتِيهِ كُلَّ غَداةٍ فَيَقولُ: يا عَمْرُو، إِنْ أَقَمْتُ حَتَّى أُمْسي هَلْ أَنْتَ رائحٌ مَعِي؟ ويَأْتيهِ عِنْدَ المَسَاءِ فَيَقولُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ يَنْصَرِفُ. فلَمَّا انتهى الحولُ تمثلَ قولَ لبيدِ بْنِ ربيعةَ:
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما … ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
ثمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وهوَ يَقولُ:
وَقَفْتُ عَلى قَبْرِ ابْنِ لَيْلَى فَلَمْ يَكُنْ … وُقوفي عَلَيْهِ غَيْرَ مَبْكًى ومَجْزَعِ
هلْ أَنْتَ ابْنَ لَيْلَى إِنْ نَظَرْتُكَ رائحٌ … مَعَ القَوْمِ أَوْ غَادٍ غَدَاةَ غَدٍ مَعِي؟
فلَو كانَ لُبِّي شاهدًا مَا أَصَابَني ……… شَهيقٌ عَلَى قَبْرٍ بِأَحْجارِ أَجْرعِ
فمَا كُنْتُ إِلَّا والِهًا بعدَ زَفْرةٍ ………. على شَجْوِها بَعْدِ الحَنينِ المُرْجّعِ
مَتَى لا تَجِدْهُ تَنْصَرِفْ لِطَياتِها …….. مِنَ الأَرْضِ أَوْ تَرْجِعْ لِإِلْفٍ فَتَرْتَعِ
عَلى الدَّهْرِ فاعْتَبْ إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتبٍ…وفي غَيْرِ مَنْ قَدْ وارَتِ الأَرْضُ فاطْمَعَ
ومنْهُ قولُ عُبيدِ بْنِ الأَبْرَصِ:
وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوْبُ …………………… وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ
وقرأ أُبَيُّ بْنُ كعبٍ ـ رَضي اللهُ عنه: “مِنْ رَّحْمَةِ اللهِ” وقرأ أيضًا: “مِنْ عِنْدِ اللهِ”.
وقرَأَ عبدُ اللهِ بْنُ مسعودٍ ـ رضيَ اللهُ عنه: {مِن فَضْلِ الله} وكلُّ ذلكَ تفسيرٌ لا تِلاوةٌ.
وقال أبو البَقاءِ العُكْبُريُّ: الجمهورُ على فتح الراء، وهو مصدرٌ في معنى الرَّحمةِ، إلَّا أنَّ استعمالَ الفعلِ مِنْهُ قليلٌ، وإنَّما يُسْتَعمل بالزيادة مِثل أَراحَ ورَوَّحَ، ويُقْرَأُ بِضَمِّ الرَّاءِ وهي لغةٌ فيه. وقيلَ: هوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْل الشِّرْب والشُّرْب.


فيضُ العليم … سورة يوسُف، الآية: 86
 
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} الْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبُثَّهُ أَيْ يُظْهِرَهُ، قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، بَثِّي: هَمِّي. وقالَ الْحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رضي اللهُ عنه، بَثِّي: حَاجَتِي. فإنَّهُ ـ عليهِ السَّلامُ، قدْ شَكَا إِلَى اللهِ، لأَنَّ مَنْ شَكَا إِلَى اللهِ وَصَلَ، ولَمْ يَشْكُ مِنَ اللهِ، فإنَّ مَنْ شَكَا مِنَ اللهِ انْفَصَلَ. وحَقِيقَةُ الْبَثِّ مَا يَرِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يُخْفِيَهَا. وَهُوَ مِنْ بَثَّ الشيْءَ إِذا فَرَّقَهُ، فتَسْمِيَةُ ذِكْرِ الْمُصِيبَةِ بَثًّا مِنَ المَجَازِ، ومن ذلك قَولُ ذُو الرُّمَّةِ:
وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي ………….. فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
وَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أُبِثُّهُ ……………….. تُكَلِّمُنِي أَحْجَارُهُ وَمَلَاعِبُهُ
والمرادُ ب (أَسقيهِ) هنا: أَدْعُو لَهُ بالسُّقْيَا.
قولُهُ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: أَعْلَمُ مِنَ اللهِ أَنَّه كائنٌ مَا لا تَعْلَمونَ: بأَنكم سَتَسْجُدُونَ ليوسُفَ وأَنَا مَعَكمُ. وإِنَّمَا كانَ يَعْلمُ ذَلِكَ مِنْ تَأْويلِ رُؤيا يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، حينَ رَأَى في المَنَامِ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقمرَ له ساجدينَ، أَنَّ ذَلِكَ سَيَكونُ. ويُقالُ: إنَّ يَعقوبَ رَأَى مَلَكَ المَوْتِ في المَنَامِ، وسَأَلَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ قُرَّةِ عَيْني يُوسُفَ؟ قالَ: لا، ولكنْ هوَ في الدُّنْيا حَيٌّ، فَلذِلِكَ قالَ: أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. فقد أخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في التَّفسيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهما، فِي قَوْلِهِ: “أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” يَقُولُ أَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ وَأَنِّي مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَقُولُ: أَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ، وَأَنِّي سَوْفَ أَسْجُدُ لَهُ. وقال قتادةُ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ إِحْسَانِ اللهِ تَعَالَى إِلَيَّ مَا يُوجِبُ حُسْنَ ظَنِّي بِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ المعنى: أَعْلَمُ أَنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ وَلَدُهُ بِسِيرَةِ الْمَلِكِ وَعَدْلِهِ وَخَلْقِهِ وَقَوْلِهِ أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ أَنَّهُ وَلَدَهُ يُوسُف فَطَمِعَ بكرمِ اللهِ أنْ يكونَ هوَ وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُوسُفُ. وَقَالَ: لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ صِدِّيقٌ إِلَّا نُبِّيٌ. وَقِيلَ المرادُ: أَعْلَمُ مِنْ إِجَابَةِ اللهِ تعالى دُعاءِ المُضطرِّينَ مَا لا تَعْلَمونَ. وقيلَ إنَّ قولَ يَعقوبَ ـ عليهِ السَّلامُ: “أَعْلَمُ مِنَ اللهِ” أَيْ: أَنْتَفِعُ بِعِلْمِي ما لا تَنْتَفِعُونَ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يعقوبَ ـ عليه السَّلامُ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “إِنَّمَا” كافة ومكفوفة تفيدُ الحَصْرَ. و “أَشْكُو” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ المُقَدَّرَةُ عَلَى آخِرِهِ لِثِقَلِ ظهورِها على الواوِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ “أَنَا” يَعودُ عَلى يَعْقوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، و “بَثِّي” مَصْدَرٌ سَمَاعيٌّ لِفِعْلِ بَثَّ يَبُثُّ مِنْ بابَيْ ضَرَبَ ونَصَرَ، ووزنُهُ (فَعَلَ) بِفَتْحِ الفاءِ، أَيْ أَذاعَ ونَشَرَ، وهو مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعَلامَةُ نَصْبِهِ الفَتْحَةُ المُقَدَّرَةُ عَلى ما قبلَ ياءِ المُتَكَلِّمِ لانْشِغالِ المَحَلِّ بالحَرَكَةِ المُناسِبَةِ لَهَا، وهوَ مُضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و “وَحُزْنِي” حرفُ عطفٍ ومعطوفٌ عَلَى “بَثِّي” ولهُ مثلُ إعرابِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصبِ بِـ “قَالَ”. و “إِلَى” حرفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بِـ “أَشْكُو” ولفظ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بحرف الجرِّ.
قولُهُ: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، و “أَعْلَمُ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديره “أنا” يعودُ على يعقوبَ ـ عليهِ السلامُ. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بهِ، “مَا” مَوْصولَةٌ، أَوْ مَوصوفةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ بِهِ لِـ “أعلم”؛ لأنَّهُ بِمَعْنَى عَرَفَ. و “لَا” نافيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، و “تَعْلَمُونَ” فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصب والجازمِ، وعلامةُ رفعهِ ثباتُ النونِ في آخره لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والجملةُ صِلَةُ “مَا” إذا أعربتْ موصولةً، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصبِ إذا أعربتْ نكرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرّابطُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: ما لا تَعْلَمونَهُ، وجُمْلَةُ “أعلمُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ “أَشْكُو”.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com