فيض العليم … سورة هود الآية: 3


وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى

وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ

(3)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ُثمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} فابْتَدئوا باسْتِغْفاركم، ثمَّ تُوبوا بِتَرْكِ أَوْزارِكم، والتَنَقِّي عَنْ إِصرارِكُم. أيْ: اسْتَغْفِروا رَبَّكم مِنْ ذُنوبِكم التي فَعَلْتُموها ثُمَّ تُوبوا إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبٍ تَفْعَلونَها، ف “ثُمَّ” على حالها مِنَ التَراخي في الزمانِيِّ.

وقيل: الاستغفارُ هوَ التوبةُ بَلْ هوَ تَرْكُ المَعْصيَةِ والتوبةُ هيَ الرُجوعُ إلى الطاعَةِ ولَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُما بمَعْنىً ف “ثم” للتَراخي في الرُتْبَةِ، والمُرادُ بالتَوبَةِ الإخلاصُ فيها، والاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقينَ: الاسْتِغْفارُ هوَ التَوْبَةُ إلاَّ أنَّ المُرادَ بالتَوْبَةِ في جانِبِ المَعْطوفِ التَوَصُّلُ إلى المَطْلوبِ مَجازاً مِنْ إِطْلاقِ السَبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. و “ثُمَّ” على ظاهرِها وهيَ قرينةٌ على ذَلِكَ.

وأَصْلُ مَعنى الاستغفارِ طَلَبُ الغُفْرانِ، أيْ سَتْرُ النوبِ ومعنى التَوْبَةِ الرُجوعُ، فيُطْلَقُ الأوَّلُ عَلى طَلَبِ سَتْرِ الذَنْبِ مِنَ اللهِ تَعالى والعَفْوِ عنْهُ، ويطلقُ الثاني على النَدَمِ عَلَيْهِ مَعَ العَزْمِ على عَدَمِ العَوْدِ إلى الذنبِ فلا اتِّحادَ بَيْنَهُما، بَلْ ولا تَلازُمَ بينهما عَقْلاً، لكنِ اشْتُرِطَ شَرْعاً لِصِحَّةِ ذلِكَ الطَلَبِ وقبولِهِ النَدَمُ على الذَنْبِ مَعَ العَزْمِ على عَدَمِ العَوْدِ إِلَيْهِ، وجاءَ أَيْضاً استعمالُ الأوَّلِ في الثاني، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا ظاهر، وأَمَّا على ذاكَ فلأَنَّ الظاهِرَ أَنَّ المُرادَ مِنَ الاسْتِغْفارِ المَأْمورِ بِهِ الاسْتِغْفارُ المَسْبوقُ بالتَوْبَةِ بمَعنى النَدَمِ فَكَأَنَّهُ قيلَ: اسْتَغْفِروا رَبَّكم بَعْدَ التَوْبَةِ ثمَّ تُوبوا إليْهِ ولا شُبْهَةَ في ظُهُورِ احْتِياجِهِ إلى التَوْجيهِ حِينَئِذٍ، والقَلْبُ يَميلُ فيهِ إلى حَملِ الأَمْرِ الثاني على الإخلاصِ في التوبةِ والاسْتِمْرارِ عَلَيْها، والتَراخِي عَلَيْهِ يَجوزُ أَنْ يَكونَ رُتَبِيًّا ويجوزُ أَنْ يكونَ زَمانِيّاً كَما لا يَخْفى.

قولُهُ: {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إلى أجلٍ مسمَّى} يَعْني إِنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الاسْتِغْفارِ والتَوْبَةِ، وأَخْلَصْتُمُ العِبادَةَ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، بَسَطَ عَلَيْكم مِنَ الدُنيا وأَسْبابِ الرِزْقِ ما تَعيشونَ بِهِ في أَمْنٍ وسَعَةٍ وخيْرٍ، طيلةَ حياتكم، أيْ: يمتِّعُكم تَمْتيعاً حَسَناً، فقيلَ: هو طيبُ النَفْسِ وسَعَةُ الرِزْقِ، وقيلَ: هو الرضا بالمَيْسورِ، والصَبْرِ على المَقدورِ. وقيل: هو ترْكُ الخَلْقِ، والإقبالُ على الحَقِّ، وقيلَ: هو الحلالُ الكافي الذي لا كَدَّ فيه ولا طَلَبٍ، المُقْتَرِنُ بالصِّحَّةِ والعافِيَةِ. والحَسَنُ لإفادَةِ أَنَّها حَياةٌ طَيِّبَةٌ وهو هنا: هو الخالصُ مِنَ المُكَدِّراتِ والمُنَغِّصاتِ، الطويلُ بَقاؤهُ لِصَاحِبِهِ مدى حياتِه. والأجلُ المسمَّى: هوَ الموتُ الذي قَضاهُ اللهُ تَعالى، على عِبادِهِ جَمِيعاً، وقدَّرَهُ على جَميعِ مَخلوقاتِهِ، والمعنى: أَنَّهُ لا يَسْتَأْصِلُهم، كما اسْتَأْصَلَ مَنْ جَحَدوا رَبَّهم، وكذَّبوا نَبيَّهم فيمن كانَ قَبْلَهم مِنْ أَمَمِ.

وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وأَبو الشَيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “يُمَتِّعكُمْ مَتَاعاً حَسَناً” قال: فأَنْتُمْ في ذَلِكَ المَتَاعِ فَخُذوهُ بِطاعَةِ اللهِ ومعرفَةِ حَقِّهِ، فإنَّ اللهَ مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشاكِرينَ، وأَهلُ الشِكْرِ في مَزيدٍ مِنَ اللهِ سبحانه، وذَلِكَ قَضاؤهُ الذي قَضى.

قولُهُ: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} الفضلُ: هو إعطاءُ الخَيْرِ. وقد سُمِّيَ فَضْلاً لأنَّ الغالِبَ أَنَّ فاعِلَ الخيرِ إنّما يَفْعَلُهُ بما هوَ فاضِلٌ عَنْ حاجَتِهِ. وهذا فيما يَتَعَلَّقُ بالمَخْلوقِ، أَمَّا فيما يتعلَّقُ بالخالقُ ـ سبحانَهُ وتعالى، فإنَّهُ المُتَفَضِّلُ بكلِّ شيءٍ ولا حاجَةَ لَهُ في شَيْءٍ أبداً. وإنَّما يؤتيه لمن شاءَ من عباده بالقدرِ الذي يشاءُ تَكَرُّماً منه وجُوداً.

والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهذا التَفَضُّلُ هو المَتَاعُ الحَسَنِ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فيُعْلَمُ أَنّهُ إِعْطاءُ نَعيمِ الآخِرَةِ. فالفَضْلُ الأَوَلُ: العَمَلُ الصالِحُ، بِقَرينَةِ مُقابَلَتِهِ بِفَضْلِ اللهِ الغَنِيِّ عَنِ النَّاسِ. والفَضْلُ الثاني المُضافُ إلى ضَميرِ الجَلالَةِ: هوَ ثوابُ الآخِرَةِ، بِقَرينَةِ مُقابَلَتِهِ بمَتاعِ الدُنْيا. والمعنى: أنَّه ـ سبحانه، يُعطي فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في عَمَلِهِ. مكافأةً لَهُ، ولمَّا عَلَّقَ الإيتاءَ بالفَضْلَيْنِ عُلِمَ أَنَّ مِقْدارَ الجَزاءِ بُقَدَّرُ المَجْزي عَلَيْهِ، و لا يعلمُ ضَبْطَ ذَلك إلاَّ اللهُ تعالى، وهوَ سِرٌّ بَيْنَه وبينَ عبده.

قولُهُ: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} فإذا تولَّوا عن دُعائكَ لهم، وأَعْرَضُوا عَنْ طريقِ الحَقِّ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمنين، المُتَفَضِّلِينَ إخوانِهِمُ المُحْتاجينَ بِما زادَ عَنْ حاجَتِهِم، فَبَلِّغْهم ـ يا رسولَ اللهِ، خوفَكَ عَلَيْهِم وخَشْيَتِكَ مِنْ عَذابٍ أَليمٍ يطالُهُم يومَ القيامةِ. وقد نُكِّرَ “يوم” للتَهْويلِ، ووَصْفُهُ بالكِبَرِ زِيادَةٌ في التَهْويلِ عليهِم. والمُرادُ بالكِبَرِ الكِبَرُ المَعْنَوِيُّ، وهوَ شِدَّةُ ما يَقَعُ عليهم في ذلك اليومِ، مِنْ عذابٍ، فَوَصْفُ اليومِ بالكِبَرِ هوَ مِنَ المَجازِ العَقْليِّ.

قولُهُ تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} الواو: حرفُ عطفٍ، و “أنْ” حرفٌ ناصِبٌ، و “اسْتَغْفِروا فعلُ أمرٍ مَبْنِيٍّ على حذفِ النُونِ لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ فاعلُهُ، والألفُ فارقةٌ، و “ربَّ” مفعولٌ بهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، والكافُ في محلِّ جرٍّ بالإضافةِ، والميمُ عَلامَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ {أَنْ لَا تَعْبُدُوا} من الآية السابقة عطفَ جملةِ عِلَّةٍ عَلى جملةِ علِّةٍ مِثْلِها.

قولُهُ: {ثُمَّ تُوبُوا إليه} ثُمَّ: حرفُ عطف، وهوَ هُنَا على بابِهِ مِنَ التَراخي؛ لأنَّه يَسْتَغْفِرُ أَوّلاً، ثُمَّ يَتُوبُ ويَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ سبحانه، ويَتَجَرَّدُ مِنْ ذَلِكَ الذَنْبِ المُسْتَغْفَرِ مِنْهُ. وجملةُ: “تُوبُوا” مثلُ: “استغفروا” مَعْطوفةٌ عَليْها، فهيَ عِلَّةٌ ثالثةٌ. و “إِلَيْهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “توبوا“.

قولُهُ: {يُمَتِّعْكُمْ متاعاً حَسَناً} يُمَتِّعْكُمْ: فِعْلٌ مضارعٌ مجزومٌ بالشرط على أنَّهُ جوابُه، وفاعلُه ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُه “هو” يعودُ على اللهَ تعالى. ومفعولُهُ الكافُ والميم للجمع المذَكَّرِ، و “مَتَاعاً” مَنْصوبٌ على المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. نائبٌ عَنْ مَصْدَرِهِ الأَصْليِّ “تمتيع”، و “حَسَناً” صِفَةٌ لَهُ، وهذا مُرَتَّبٌ عَلى قولِهِ: “وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا” وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ لا محلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لأنَّها جوابُ الطَلَبِ. و “إِلَى أَجَلٍ” جارٌّ ومَجرورٌ متعلِّقٌ بِـ “يمتع“، و “مُسَمًّى” صِفَةٌ لِ “أَجَلٍ” ممجرورٌ مثله وعلامةُ جرِّهِ كسرةٌ مقدرة على آخره.

قولُهُ: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} الواو: للعطف، “يُؤْتِ” فعلٌ مُضارِعٌ مَعْطوفٌ على: “يُمَتِعْ” وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ “هو” يعود على “اللهَ”. وهذا مرتَّبٌ على قولِهِ: “ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ” كَما في الجُمَلِ. و “كُلَّ ذِي فَضْلٍكلَّ: مفعولٌ أَوَّل، وهم مُضافٌ، و “ذي” مضافٌ إليه أوَّل وهو مضافٌ أيضاً. و “فضلٍ” مضافٌ إليه مجرورٌ، و “فَضْلَهُ” مَفْعولٌ به ثانٍ, لأنَ آتى هُنَا بِمَعنى: أَعْطَى.

قولُهُ: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} الوَاوُ: استئنافيَّةٌ، و “إنْ” حَرْفُ شَرْطٍ. و “تَوَلَّوْا” فعلٌ مُضارِعٌ مَجْزومٌ بِـ “إن” الشَرْطِيَّةِ؛ وعلامة جزمهِ حذفُ النون من آخرهِ لأنَّه من الأفعالِ الخمسةِ فأَصْلُهُ “تَتَوَلَّون” بتاءيْنِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ فاعلُه. و “فَإِنِّي” الفاءُ رابطةٌ لِجَوابِ الشَرْطِ وُجُوبًا. و “إِنِّي” ناصِبٌ ناسخٌ والياءُ اسمُه، و “أَخَافُ” فعلٌ مُضارعٌ وفاعلُه ضَمِيرٌ مستترٌ وجوباً تقديرُ “أنا” يَعودُ على سيدنا محمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلّمَ. و “عَلَيْكُمْ” جارٌّ وجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “أخاف” والميمُ للجمع المذَكَّر. و “عَذَابَ” مَفْعولٌ بِهِ وهو مضافٌ، و “يَوْمٍ” مُضَافٌ إِلَيْهِ. و “كبَير” صِفَةٌ لِـ “يَوْمٍ“، وقيلَ: صِفَةٌ لـ “عَذَابَ” فهوَ مَنْصوبٌ، وإنَّما خُفِضَ عَلى الجِوارِ، كما في قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، بِجَرِّ خَرِبٍ، وهوَ صَفَةٌ لِ “جُحْرُ”. وجملةُ “أَخَافُ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَراً ل “إنَّ” وجملَةُ “إنَّ” في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ عَلى أنَّها جَوابٌ لِها، وجُمْلَةُ “إن” الشَرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

فيض العليم … سورة هود الآية: 2


فيض العليم … سورة هود الآية: 2
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
(2)

قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ} وَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لقد أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ، فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ، بِأَنْ لاَ تَعْبُدُوا إلهاً غَيْرَهُ، وَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. فتكونُ هَذَه الجملةُ تَفْسِيراً أَوْ بَيَاناً لآياتِه التي: “أُحْكِمَتْ” وَ “فُصِّلَتْ” بِأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ، أَوْ لِئَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ، وَأَنْ تَجْعَلُوا عِبَادَتَكُمْ لهَُ وَحْدَهُ، فلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ قولُهُ تَعالى “أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ” كلاماً منقطعاً عَمَّا قبلَهُ واراداً على لِسانِهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إغْراءً لَهُمْ بعبادتِهِ تعالى وحدَهُ، وَهَذَا مَا تَرَاهُ قَرِيبًا فِي قِصَصِ الرُّسُلِ الْمُفَصَّلَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ بَيْنَ طَرَفَيِ التَّوْحِيدِ السَّلْبِيِّ الذي هو عدمُ الإشراك به تعالى، وَالْإِيجَابِي الي هو عبادتُه سبحانه.
قولُه: {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} وَقُلْ لِلنَّاسِ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي نَذِيراً لكم مِنَ عَذَابٍ شديدٍ إِنْ أنتم خَالَفْتُمُ تعاليمَهَ، وعصيْتُمْ أَوامرَهُ، وَبَشِيراً لكم بِجزيلِ الثَّوَابِ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ فيما أمركم بهِ ونَهاكمْ عَنْه.
قولُهُ تعالى: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ}. فِي “أَنْ” أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. فتَكونُ “أَن”: مَصْدَرِيَةً. و “لا” ناهيةٌ، و “تَعْبُدُوا” فعلٌ وفاعلٌ مَجْزومٌ بِـ “لا” الناهيةِ. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْناءٍ مُفَرَغٍ. و “اللهَ” لفظُ الجلالةِ مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ النَصْبِ بـِ “أَن” المَصْدَرِيَّةِ، وجُمْلَةُ “أَن” المَصْدَرِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجرورٍ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحذوف، تقديرُهُ: فُصِّلَتْ آياتُهُ لِتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ تَعالى، أَوْ: فُصِّلَتْ بِتَرْكِ عِبادةِ غَيرِ اللهِ.
ويَجوزُ أَنْ تَكونَ “أَن” تَفْسيريَّةً؛ لأنَّ في تَفْصيلِ الكِتابِ مَعنى القولِ، فَكَأَنّهُ قيلَ: قالَ لا تَعْبُدوا إلاَّ اللهَ، أَوْ أَمَرَكم أَنْ لا تَعْبُدوا إلاَّ اللهَ. وهذا أَظْهَرُ الأَوْجُهِ الجارِيَةِ فيها؛ لأنَّهُ لا يحتاجُ إلى إضمارٍ. أوَ أَنَّهَا النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ; وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَوْضِعُهَا رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ: هِيَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا، فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا جَرًّا أَوْ نَصْبًاً عَلَى مَا تقدَّم مِنَ الْخِلَافِ. أوَ: أَنْ تَكُونَ “أَنْ” بِمَعْنَى: أَيْ، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ، “وَلَا تَعْبُدُوا” نَهْيٌ.
قولُه: {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} إِنَّنِي، إنَّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونسخ، والنونُ الثانية نُونُ الوِقايةِ؛ لأنَها تَقي حَرَكَةَ بِناءِ الحَرْفِ، والياءُ ضَميرُ المُتَكَلِّمِ في محلِّ نصبِ اسْمِها. و “لَكُمْ”: جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِقٌ بِكلٍّ مِنْ “نَذِيرٌ” وَ “بَشِيرٌ”، والميم للجمع المذكَّر، و “مِنْهُ” جارٌّ ومجْرورٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْهُما؛ لأنَّه صِفَةُ نَكِرَةٍ قُدِمَتْ عليها. و “نَذِيرٌ” خبرُ “إنَّ”. وَ “بَشِيرٌ” معطوفٌ عَليهِ، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَهَا. وَ “مِنْهُ”: أَيْ مِنَ اللهِ، وَالتَّقْدِيرُ: نَذِيرٌ كَائِنٌ مِنْهُ، فَلَمَّا قَدَّمَهُ صَارَ حَاًلاً. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَذِيرٍ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّنِي لَكُمْ نَذِيرٌ مِنْ أَجْلِ عَذَابِهِ.

فيض العليم … سورة هود، الآية: 1


الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

(1)

قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {الر} قيلَ: إِنَّها حُروفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ أَوائلِ الأسْماء، فمَعْناها: أَنَا اللهُ الرَحْمَنُ، وقيلَ: إنِّها اسْمٌ للسُورَةِ، وقيلَ: إِنَّها حَرْفُ تَنْبيهٍ، ك “أَلاَ”، وقيلَ مَعْناهُ: أَنَا اللهُ أَرَى. وقيلَ: إِنَّها إِشارَةٌ إلى اسْمٍ مِنْ أَسْمائِهِ تَعالى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ سبحانه، وقيلَ: هيَ إِقْسامٌ مِنْهُ تَعالى بِما هوَ مِنْ أُصُولِ اللغاتِ ومَبادي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، ومَباني أَسْمائِهِ الكريمة، والراجِحُ الأَسْلَمُ مِنَ الأَقْوالِ الجاريَةِ في أَمْثالِ هذِهِ، تَفويضُ عِلْمِها إلى اللهِ تَعالى. وتُقْرَأُ كَأَسْمائِها سَاكِنَةً فيُقالُ: (أَلِفْ لامّ راءْ).

قولُهُ: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} فهوَ كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ جُعِلَتْ آيَاتُهُ مُحْكَمَةَ النَّظْمِ، مُتْقَنَةَ البُنْيَانِ وَالتَّأْلِيفِ، وَاضِحَةَ المَعَانِي، وَجُعِلَتْ فُصُولاً مُتَفَرِّقَةً فِي سُوَرِهِ، وقد نُظِمَتْ نَظْماً رَصيفاً مُحْكَماً لا يَقَعُ فيهِ نَقْصٌ ولا خَلَلٍ، كالبناءِ المُحْكَمِ المَرصُوفِ. أيْ: أُتْقِنَتْ وأُجيدَتْ، وبهذِهِ الصِفَةِ كانَ القرآنُ في الأَزَل. أَوْ أَنَّ المَعْنى أَنَّها حُفِظَتْ مِنَ الفَسادِ والنَسْخِ.

قولُهُ: {ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ثُمَّ فُصِلَّتْ أَحْكَامُ آياته، وقد فُصِّلَ بِتَقْطِيعِهِ، وتَبْيينِ أَحْكامِهِ من أَوامِرَ ونواهي وتنزيلها على محمَّد نبيِّ اللهِ ورسولِهِ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، في أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَ “ثُمَّ” هنا على بابِها مِنَ التَراخي والتَرْتيبِ، ترتيبَ إخبارٍ؛ لا تَرْتيبَ وُقوعٍ في الزَمَانِ، فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتِيَّةٌ، والتَفْصيلُ إِنَّما هوَ بِحَسَبِ مَنْ يُفَصَّلُ لَهُ، والكِتابُ بِأَجْمَعِهِ مُحْكَمٌ ومُفَصَّلٌ، والإِحْكَامُ الذي هوَ ضِدُّ النَّسْخِ، والتَفْصيلُ الذي هوَ خلافُ الإِجْمالِ، إِنَّما يُقالانِ مَعَ ما ذَكَرناهُ باشْتِراكٍ. وروى الداووديُّ عَنِ الحَسَنِ ـ رضي اللهُ عنه: قَالَ: أُحْكِمَتْ بالأَمْرِ والنهْي، ثمَّ فُصِّلَتْ بالوَعْدِ والوَعيدِ، وعنْه: فُصِّلَتْ بالثوابِ والعقابِ. و “مِنْ لَدُنْ“: من عندَ. و “حَكِيمٍ” وَقَدْ أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ آلهٍ حَكِيمٍ يُقَدِّرُ حَاجَةَ العَبِيدِ، و “ خَبِيرٍ” خَبِيرٌ يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.

أخرجُ ابْنُ جريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأبو الشيخِ، عَنِ الحَسَنِ البصريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، في قولِهِ: “كتاب أحكمت آياته ثم فصلت” قال: أُحْكِمتْ بالأمرِ والنَهيِ، وفُصِّلتْ بالوَعْدِ والوَعيدِ. وأَخِرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ـ رِضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِهِ: “ثم فصلت” قال: فُسِّرَتْ. وأَخرَجَ ابْنُ جريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، في قولِهِ: “كتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثمَّ فُصِّلَتْ” قال: أَحْكَمَها اللهُ مِنَ الباطِلِ ثمَّ فَصَّلَها بِعِلْمِهِ، فبَيَّنَ: حلالَهُ وحرامَهُ، وطاعتَهُ ومَعْصِيَتَهُ، و “من لدن حكيم” يَعْني مِنْ عِنْدِ حَكيم.

قولُهُ تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} الر: إنْ كانَ مَسْرودًا على سَبيلِ التَعْديدِ كَمَا في سائِرِ فواتِحِ السُوَرِ، فلا مَحَلَّ لَهُ، وإِنْ كانَ اسْماً للسُورَةِ فهُوَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ تَقديرُهُ: هذا الآتي سُورَةُ “الر“، وعِلَّةُ بِنائِهِ شِبَهُهُ بالحَرْفِ شِبَهاً وَضْعيّاً. و “كِتَابٌ” يَكُونُ على هَذا الوَجْهِ خَبَراً لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أيْ: هذا كِتَابٌ، وكذا عَلى تقديرِ أَنَّ “الر” لا مَحَلَّ لَهُ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “الر” في محَلِّ نَصْبٍ بِتَقْديرِ فِعْلٍ مُناسِبٍ للمَقامِ، نحو: اذْكُرْ، أَوِ اقْرَأْ، فيَكونُ “كِتَابٌ” على هَذا الوَجْهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحذوفٍ، تَقْديرُهُ: هذَا كتابٌ، والإشارَةُ في المَبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، إمَّا أن تكونَ إلى بَعْضِ القُرآنِ، أَوْ إلى مَجْموعه، وتكونُ الجملةُ الاسميَّةِ مِنَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةً. و “أُحْكِمَتْ” فِعْلٌ مبنيٌّ للمجهولِ والتاءُ للتأنيث، و “آيَاتُهُ” نائبُ فاعلٍ، مضافٌ، والهاءُ مضافٌ إليه، والجملةُ الفعليَّةِ هذهِ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لـ “كِتَابٌ“.

والهمزةُ في “أُحْكِمَتْ” يَجوزُ أَنْ تَكونَ للنَقْلِ مِنْ “حَكُمَ” بِضَمِّ الكافِ، أَيْ: صارَ حَكيماً، بِمعنى جُعِلَتْ حَكيمَةً، كَقولِهِ تَعالى في سورة لُقمان: {تِلْكَ آيَاتُ الكِتابِ الحَكيمِ} الآية: 2. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ مِنْ قولِهم: (أَحْكَمْتُ الدابَّةَ) إذا وَضَعْتَ علَيْها الحَكَمَةَ (مَجَمَةَ اللِّجامِ) لِمَنْعِها مِنَ الجِماحِ كَما في قولِ جَريرٍ:

أبني حَنِيْفَةَ أَحْكِموا سُفَهاءَكمْ ……….. إني أخافُ عليكمُ أَنْ أَغْضبا

فيكونُ المَعْنى أَنَّها مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ. بالتحريف أو غيره كما تقدَّم في التفسير، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ لِغَيْرِ النَقْلِ، مِنَ الإِحْكامِ وهوَ الإِتْقانُ كالبِناءِ المُحْكَمِ المُرْصَفِ، والمَعْنى: أنَّها نُظِمَتْ نَظْماً رَصِيناً مُتْقَنَاً، وقد تقدَّمَ في التفسير أيضاً.

قولُهُ: {ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} ثمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ. وهي على بابِها مِنَ التَراخي، لأنَّها أُحْكِمَتْ، ثمَّ فُصِّلَتْ، بِحَسَبِ أَسْبابِ النُزُولِ. و “فُصِّلَتْ” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ للمجهولِ، والتاءُ للتأنيث، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مستترٌ جوازاً يعودُ على “آيَاتُهُ” والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَفْعِ عطْفاً على جُمْلَةِ “أُحْكِمَتْ” على كونِها صِفَةً لـ “كِتَابٌ“. و “مِنْ لَدُنْ” جارٌّ ومجرورٌ مُضَافٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “فُصِّلَتْ” أَوْ هوَ مِنْ بابِ التَنازُعِ، أَوْ صِفَةٌ ثانيةٌ لـ “كِتَابٌ“، أوْ خَبَرٌ ثانٍ للمُبْتَدَأِ المَحذوفِ. و “حَكِيمٍ” مضافٌ إليهِ، و “خَبِيرٍ” صفَةٌ له.

قرأ العامَّةُ: {فُصِّلَتْ} وقَرَأَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ والجَحْدَرِيُّ، وزَيْدُ ابْنُ عَلَيٍّ وابْنُ كثيرٍ ـ في روايةٍ، “فَصَلَتْ” بِفَتْحَتَيْنِ خَفيفِةَ العَيْنِ والمعنى: فَرَقَتْ، كقولِهِ تعالى في الآية: 249 من سورة القرةِ: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنودِ}، أيْ: فارَقَ. وفُسِّرَ أَيٍضاً بمَعنى: فَصَلَتُ بيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ وهوَ أَحْسَنُ. وقُرِئَ أَيضاً: “أحْكَمْتُ آياتِه ثمَّ فَصَّلْتُ” بإسْنادِ الفِعْلينِ إلى تاءِ المُتَكَلِّمِ ونَصْبِ “آياتِهِ” مَفعولاً بِها، أيْ: أَحْكَمْتُ آياتِهِ ثمَّ فَصَّلْتُها.

فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سُورَةُ هود


سُورَةُ هود

 

هِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وعددُ آياتها: مئةٌ وثلاثٌ وعِشْرونَ آيةً، وألفٌ وتِسْعُ مئةٍ وسبعٌ وأَربعون كَلِمَةً، وسَبعةُ آلافٍ وثمانُ مِئَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفاً. فِي عَدَدِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ عُدَّتْ آيَاتُهَا مِئَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي الْعَدَدِ الْمَدَنِيِّ الْأَخِيرِ. وَكَانَتْ آيَاتُهَا مَعْدُودَةً فِي الْمَدَنِيِّ الْأَوَّلِ مِئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي عَدَدِ أَهْلِ الشَّامِ.

قالَ ابْنُ عبّاسٍ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهد، وقتادة، وجابر بن زيد ـ رَضِيَ اللهُ عنهم: هذه السورة مكية كلها، وفي روايةٍ عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما، قال: هي مَكِيَّةٌ كُلُّها إلاَّ قولَه: {فَلَعَلَّكَ تاركٌ بعضَ ما يُوحى إليْكَ} الآية: 12. وقالَ مقاتل مثل لك. وقال البغويُّ هي مكيَّةٌ إلاَّ قولَه: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} الآية: 114. وَرُوِيَ ذَلِكَ أيضاً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَتَادَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ} الآية: 12، وَقَوْلُهُ: {أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ إِلَى قَوْلِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} الآية: 17. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ فِي بَعْضِ آيِهَا تَوَهُّمٌ لِاشْتِبَاهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي قِصَّةٍ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَئِذٍ كَمَا سيَأْتِي، عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ وَاضِحٌ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.

وقِيلَ نَزَلَ قوله: {أولئك يؤمنون به} فِي عَبْدِ اللهِ ابْنِ سَلَامٍ وأَصْحابِه، وقِيلَ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ، وقولُهُ: {إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ} نَزَلَتْ في نَبْهانَ التمار.

وقد سُمِّيَتْ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ، وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَالسُّنَّةِ: سُورَة هُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهَا اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ـ رضي الله عنهم، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ شِبْتَ؟ قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودُ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، سُورَةِ الْوَاقِعَةِ. وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ يَزِيدُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وأَخْرَجَ الحافظُ أَبو يَعْلى: عَنْ عِكْرِمة قالَ: قالَ أَبو بَكْرٍ ـ رضي اللهُ عنهما: سأَلْتُ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ما شَيَّبَكَ؟ قال: ((شيَّبَتْني هودٌ، والواقعة، وعَمَّ يَتساءلون، وإذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ)). مُسْنَد أَبي يَعلى: (1/102).

وأخرجً الطًبًرانيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليه وسَلَّمَ: ((شَيَّبَتْني هودٌ وأَخَواتُها: الواقعةُ، والحاقَّةُ، وإذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ)) وفي رواية: ((هود وأخواتها)). المُعْجَمُ الكَبيرُ: (6/183)، ورواهُ الدَارَقُطْني في العِلَلِ: (1/210) من طريق أحمد ابن طارق به.

وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ سُورَةِ” هُودٍ” قولُهُ تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ} هود: 112. عَلَى مَا سيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبَانَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ (هُودٍ) فَلَمَّا خَتَمْتُهَا قَالَ: ((يَا يَزِيدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَأَيْنَ الْبُكَاءُ)).

وهل اسمها مصروفٌ أم ممنوعٌ من الصرفِ قولان، فقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: يُقَالُ هَذِهِ هُودُ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، لِأَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ امْرَأَةً بِ “زَيْدٍ”. لَمْ تَصْرِفْ، وهو قولُ الخليلِ وسِيبَوَيْهِ.

وقال عيسى ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: هَذِهِ هُودٌ، بِالتَّنْوِينِ، عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وَكَذَا إِنْ سَمَّى امْرَأَةً بِ “زَيْدٍ”، لِأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ وَسَطُهُ خَفَّ فَصُرِفَ. فَإِنْ أَرَدْتَ الْحَذْفَ صَرَفْتَ عَلَى قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَقُلْتَ: هَذِهِ هُودٌ، وَأَنْتَ تُرِيدُ سُورَةَ هُودٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّكَ تَقُولُ هَذِهِ الرَّحْمَنُ، فَلَوْلَا أَنَّكَ تُرِيدُ: (هَذِهِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ) ما قلت: (هذِهِ).

وَسُمِّيَتُ بَاسِمِ هُودٍ لِتَكَرُّرِ اسْمِهِ فِيهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَلِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْهُ فِيهَا أَطْوَلُ مِمَّا حُكِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ عَادًا وُصِفُوا فِيهَا بِأَنَّهُمْ قَوْمُ هُودٍ، وذلك فِي قَوْلِهِ تعالى: {أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ} الآية: 60، وهو: هودُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ رَباحِ بْنِ الخلودِ بْنِ عادِ بْنِ عِوَصَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وقيلَ: هوَ هودُ بْنُ شالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحِ بْنِ عَمِّ أَبي عادٍ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَسْمِيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وَجْهٌ آخَرُ لِلتَّسْمِيَةِ يَنْطَبِقُ عَلَى هَذِهِ وَهُوَ تَمْيِيزُهَا مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ ذَوَاتِ الِافْتِتَاحِ بِ (الر).

وقد نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ يُونُسَ، وَقَبْلَ سُورَةِ يُوسُفَ. وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةَ وَالْخَمْسِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي أَثْنَاءِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ لِأَنَّ التَّحَدِّيَ فِيهَا وَقَعَ بِعَشْرِ سُوَرٍ وَفِي سُورَةِ يُونُسَ وَقَعَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.

أمّا أَغْرَاضُهَا: فقد ابْتَدَأَتْ بِالْإِيمَاءِ إِلَى التَّحَدِّي لِمُعَارَضَةِ الْقُرْآن بِمَا تومئ إِلَيْهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. ثمَّ بِالتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ. وَبِالنَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ ـ سبحانه وتَعَالَى. وَبِأَنَّ الرَّسُولَ- صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، نَذِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذَابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَبَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَتَاعٍ حَسَنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. وَإِثْبَاتِ الْحَشْرِ. وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى خَفَايَا النَّاسِ. وَأَنَّ اللهَ مُدَبِّرُ أُمُورِ كُلِّ حَيٍّ عَلَى الْأَرْضِ. وَخَلْقِ الْعَوَالِمِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. وَأَنَّ مَرْجِعَ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا خَلَقَهُمْ إِلَّا لِلْجَزَاءِ. وَتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَتِهِ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَمَا يَقْتَرِحُونَهُ مِنْ آيَاتٍ عَلَى وِفْقِ هَوَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} الآية: 12. وَأَنَّ حَسْبَهُمْ آيَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي تَحدّاهم بمعارضتِه، فعَجَزوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، فَتَبَيَّنَ خُذْلَانُهُمْ، فَهُمْ أَحِقَّاءُ بِالْخَسَارَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَضَرْبِ مَثَلٍ لِفَرِيقِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. وَذِكْرِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْبَائِدَةِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وَتَفْصِيلِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَوْمِ لُوطٍ، وَمَدْينَ، وَرِسَالَةِ مُوسَى، تَعْرِيضاً بِمَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَرِ وَمَا يَنْبَغِي مِنْهُ الْحَذَرُ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَهَا. وَأَنَّ فِي تِلْكَ الْأَنْبَاءِ عِظَةٌ لِلْمُتَّبِعِينَ بِسِيَرِهِمْ. وَأَنَّ مِلَاكَ ضَلَالِ الضَّالِّينَ عَدَمُ خَوْفِهِمْ عَذَابَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ صَائِرُونَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ.

وَانْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِتَفْصِيلِ حَادِثِ الطُّوفَانِ وَغَيْضِهِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِإينَاسِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَتِهِ بِاخْتِلَافِ قَوْمِ مُوسَى فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ، فَمَا عَلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَقِيمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللهُ، وَأَنْ لَا يَرْكَنُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاةِ وَالصَّبْرِ وَالْمُضِيِّ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الصَّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا هَلَاكَ مَعَ الصَّلَاحِ. وَقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ عِظَاتٌ وَعِبَرٌ وَالْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاة.

وبينَ هذِهِ السُورةِ وسابِقَتِها تَشَابُهٌ في مَواضعَ كَثيرةٍ، حَيْثُ احْتَوَتْ حِكايَةً لأَقْوالَ ومَواقِفَ تَعْجيزيَّةً عَديدَةً للكُفَّارِ ورُدوداً عليها، ومناقَشَةً لَها وإفحاماً لَهُم فيها.

وفيها سِلْسِلَةٌ طويلةٌ مِنْ قِصَصِ الأَنْبياء والأمَمِ البائدةِ تُذَكِّرُ بما كانَ مِنْ مَواقِفِ كُفَّارِ تلك الأُمَمِ مِنْ أَنْبِيائِهم، وما صاروا إليْهِ مِنْ سُوءِ المَصيرِ، وما صارَ إليه المُؤمنون منهم، مِنْ نَجاةٍ وحُسْنِ عُقْبى، تَثْبيتاً وتَطْميناً للنَبِيِّ محمَّدٍـ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وللمؤمنين، وإنْذاراً للكُافِرِين.

وفيها بيانٌ لحكمَتِهِ في خَلْقِهِ ـ تَبَاركتْ أَسْماؤهُ، وجلَّتْ حِكْمَتُه، التي اقْتَضَتْ أَنْ لا يَكون الناسُ أُمَّةً واحدةً، بَلْ أَمَماً وشعوباً ليَتَعارَفوا ويَتَمايزوا. وقد فَصَّلَ فيها ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، ما أَجْمَلَهُ في سابِقَتِها مِنْ قِصَصِ الرُسُلِ ـ عَليهِمُ السَّلامُ، وهي مُناسَبَة لها فى فاتِحَتِها وخاتِمَتِها وتَفْصيلِ الدَعْوَةِ في أَثنائها، فقد افْتُتِحَتا بِذِكْرِ القرآنِ بَعْدَ (الر)، وذِكْرِ رِسالَةِ النَبِيِّ المُبَلِّغِ عَنْ رَبِّهِ، وبَيانِ أَنَّ وظيفةَ الرَسول إنَّما هي التَبْشيرُ والإنْذارُ وفي أَثنائهما ذِكْرُ التَحَدِّي بالقرآنِ والرَدِّ على الذين زَعَموا أَنَّ الرَسُولَ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، قدْ افْتَراهُ، ومُحاجَّةُ المُشْركينَ في أُصُولِ الدّينِ، وخُتِمَتا بِخِطابِ النَّاسِ بالدَعْوَةِ إلى ما جاءَ بِهِ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثمَّ أَمْرُ الرَسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، في الأُولى بالصَبْرِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكافِرينَ، وفي الثانِيَةِ بِانْتِظارِ هَذا الحُكْمِ مِنْهُ تَعالى مَعَ الاسْتِقامَةِ على عِبادَتِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ. وعَلى الجُمْلَةِ فقدْ أُجْمِلَ في كٌلٍّ مِنْهُما ما فُصِّلَ في الأُخْرى مَعَ فَوائدَ انْفَرَدَتْ بها كلٌّ مِنهُما، فَقَدِ اتَّفَقَتا مَوْضُوعاً في الأَكْثرِ واخْتَلَفَتا نَظْماً وأَسْلوباً مِمَّا لا مَجَالَ للشَكِّ في أَنَّهما مِنْ كَلامِ الرَحْمن، الذي عَلَمَ الإنْسانَ البَيانَ. وفُصُولُ السُورَةِ مُتَرابِطَةٌ ممّا يُسَوِّغُ القولَ إنَّها نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً حتّى تَمَّتْ كَسابِقاتِها، والتَشابُهُ بَيْنَها وبيْنَ السُورةِ السابِقَةِ قدْ يَكونُ قَرينَةً على تَتابُعِهِما في النُزولِ. كما تقدَّمَ.

ومِنْ فَضائلِ هذِهِ السُورَةِ المُبارَكَةِ مَا أَسْنَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وأَبو داوودَ في “مَراسيلِهِ”، وأبو الشيخِ، وابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، والبَيْهَقِيُّ في “شُعَبِ الإيمان” عَنْ كَعْبٍ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ قَالَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اقْرَؤوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)).

وقالَ أَبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ في كتابِهِ “الناسِخُ والمَنْسُوخ”: سورَةُ هُودٍ فيها مِنَ المَنْسوخِ ثلاثُ آياتٍ: أُولاهُنَّ: قولُهُ تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآية: 15. نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الإسْراءِ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} الآية: 18. الآية الثانية: قولُهُ تَعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} الآية: 121. نُسِخَتْ بآيَةِ السَيْفِ. والآية: الثالثة: قولُهُ تَعالى: {وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} الآية: 122. مَنْسوخَةٌ بآيَةِ السَيْفِ أَيْضًا.

إلى المنصفين من أهل الدين


إلى المنصفين من أهل الدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الله تعالى في كتابه العزيز: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} الكهف: 21، فلو كانَ مُجَرَّدُ وُجُودِ القبْرِ في المَسْجِدِ، أو بالقرب منه، أمراً محظوراً شرعاً لما ذَكَرَهُ الهَُ في قرآنه، أوْ لَكانَ ذَكَرَهُ ثمَّ فنَّدَهُ وبيَّنَ خطأَه ونهى عنه وذَمَّهُ، وما كان اللهُْ ليترك ذلك دون بيانٍ، ومِنَ المَقْطوعِ بِهِ أَنَّ هؤلاءِ الفتيةُ هم رجالٌ مؤمنون صالحونَ ليس إلاَّ، وإنَّما اتُّخِذَ المسجدُ عليهم للتذكير بقصتهم ليعتبرَ الناسُ بها وليقتدوا بهم، وللإشادةِ بهم ورفع قدرهم بين الناس لحسنِ ما قدَّموا من إيمان وعملٍ صالح.
ولما قالَ النبيُّ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ: ((لَعَنَ الهَُ اليهود والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ)). أخرجه البخاريُّ، لم يكنْ يقصدُ ما فهمه بعض المتأخرين، من أنَّ مجرد وجود القبرِ في المسجد مروقٌ عن الدين وخروجٌ على تعاليمه، بدليلِ الآية المذكورة آنفاً، وبدليل أنَّ الصحابة رضوانُ اللهَ عليهم دفنوا جسد النبيِّ ـ صلَّى اللهَُ عليه وسَلَّمُ، في حجرة السيدةِ عائشةَ أُمِّ المؤمنين ـ رضِيَ اللهُ عنها وأرضاها، وهم مجتمعون لم يخرجْ عن ذلك أحدٌ ولم يعترضُ عليه أو يستنكره أحدٌّ.
ولو كان هذا خصوصيّةً لسيدنا رسول اللهَ لما دفنوا صاحبيه الصديق وعمر ـ رضي الله عنهما في جواره. فهل هؤلاء الذين يعترضونَ على وجود القبر في المسجد أتقى من الصحابة مجتمعين أو أعلم منهم بالدين أو أكثر فهماً لحديث رسول الله؟ أوْ أنَّ الحديثَ لم يَصِلَهم؟ وإذا كان كذلك فمن روى لهم هذا الحديثِ إذاً عن رسول اللهَ ـ صلى اللهُ عليه وسلم.
أمّا حديث ((لعنَ اللهّ …)) فقد بيَّنَ العلماءُ المَقْصِدَ مِنْهُ، كما فهمه الصحابةُ ـ رضوانُ اللهِ عليهم، وهو الذي درج عليه جمهور الأمَّةِ، منذ وفاة النبيِّ وحتى اليوم، وأقوالهم فيه قد تستعصي على الحصرِ وملَّخَّصها، ما ذكره الإمامُ ابنُ حجر الهيثمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر، بعد أن روى الحديث قال: (وَاِتِّخَاذُ الْقَبْرِ مَسْجِدًا مَعْنَاهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ) فهل في المسلمين من يُصلي على قبرِ أحدٍ أو إليه؟
فليَتَّقِ اللهَ الذين خَرَجوا على ما أَجْمَعَتْ عَليْه أُمَّةُ الإسلامِ مُنْذُ عهدِ الصحابَةِ وإلى هذا اليوم فإنَ في إثارةِ مثل هذه الأمور مفارقةٌ لجماعة المسلمين وتفريق لصفوفهم وشقٌّ لعصا طاعتهم، في وقت نحن أحوج مانكون لتمتين عرى الإسلامِ والتمسُّك بأهداب الدين لأننا ما عرفنا أنَّ أهلَ الشرك اجتمعوا على أهل الإيمان كما هم اليومُ، ولنَضَعْ نُصْبَ أَعْيُنِنا قولَه تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِين} التوبة: 36. فمن لم يتقِ اللهََ في نفسه وإخوانه لن يكون اللهَُ معه، ومن لم يكن اللهُْ معه، خسرَ الدنيا والآخرة، ويأتي قولُهُ تعالى في سورة الأنفال: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الآية: 46. ليوجّه لنا أوضح بيانٍ ولينذرنا ليس بفشلنا وحسب وإنما بكسرِ شوكتنا وتلاشي أثرنا. اللهم بصرنا بعاقبة أمرنا واجمع عليك شتات قلوبنا ووحد صفوفنا وانصرنا على من عادانا فأنت أكرم مسؤولٍ وأعظم مأمول، وصلِّ اللهم على سيدنا ومولانا وقائدنا سيد الأولين والآخرين وإمام المجاهدين والمتقين وحبيب ربِّ العالمين سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى بهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمن وحسبنا اللهُ ونعم الوكيل.

فيض العليم … سورة يونس الآية: 109


وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)

قولُهُ ـ جلَّ وعلا: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} مِنَ الحقِّ المذكورِ المتأكِّدِ اعْتِقاداً وعَمَلاً وتبليغاً على نهج التجددِ والاستمرارِ يوماً فيوماً، وفي التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه ـ عليه الصلاةُ والسَلامُ، بالوحي تَنْبيهٌ على ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَنائي
قولُه: {واصْبِرْ حتى يَحْكُمَ اللهُ} واصبرْ: على ما يَعْتريكَ من مصاعبَ في تَبْليغِهم، من تعنُّتٍ وتكذيبٍ وأَذىً، وما يعترضُ سبيلَكَ مِنْ مَشاقِّ، وما يَنْتابُكَ يا رسولَ اللهِ مِنْ حزنٍ بسببِ عدم استجابتهم لدعوتِكَ ولا تستعجلْ لَّهم “حتّى يَحْكُمَ اللهُ” لَكَ بهدايةِ مَنْ شاءَ منهم، أو بالأَمْرِ بِقِتالِهم والنَّصْرِ عَليهم.
قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لاطِّلاعِهِ على السرائرِ وما في الضمائرِ اطِّلاعَهُ على الظَواهِرِ. والْأَمْرُ بِالصَّبْرِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَفِي الْإِخْبَارِ بِأَنَّ اللهَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ إِيمَاءٌ بِأَنَّ اللهَ نَاصِرٌ رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ كَذَّبُوا وَعَانَدُوا. وَهَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ فِيهِ بَرَاعَةُ الْمَقْطَعِ.
قولُهُ تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} وَاتَّبِعْ: الواوُ: عاطف، و “اتَّبع” فِعْلُ أَمْرٍ مَعْطوفٌ على: “قُلْ” وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ وجوباً تقديرُهُ: “أنت” يعودُ على سيدنا محمَّدٍ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّم. و “مَا” مَوصولٌ بمعنى “الذي” أو نَكرةٌ مَوْصوفَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفعولٍ بِهِ. و “يُوحَى” فعلٌ مُضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائب فاعلِهِ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُ “هو” يَعودُ على “مَا”. و “إِلَيْكَ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لـ “مَا” أَوْ صِفّةٌ لَها.
قولُه: {واصْبِرْ حتى يَحْكُمَ اللهُ} واصبرْ: الوَاوُ: عاطفةٌ، و “اصْبِرْ” فعلُ أَمْرٍ مَعطوفٌ على: “اتَّبِعْ” وله نفسُ إعرابه. و “حَتَّى” حرفُ جَرٍّ وغايَةٍ. و “يَحْكُمَ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بِـ “أن” مُضْمَرَةٍ وُجوبًا بَعْدَ “حَتَّى” بمَعنى “إلى”، و “اللهُ” فاعلُهُ، والجملَةُ الفِعْلِيَّةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِـ “حَتَّى” بِمَعنى: “إلى” والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِ “اصبرْ” والتَقْديرُ: واصْبِرْ إلى حكمِ اللهِ تَعالى بَيْنَكَ وبَيْنَهم.
قولُهُ: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} الواو: حاليّةٌ، و “هو” ضميرٌ منفصلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ مُبْتَدَأٍ، و “خيرُ” خَبَرُهُ وهو مضافٌ، و “الحاكمين” جمع الحاكم، اسْمُ فاعِلٍ مِنْ حَكَمَ الثُلاثيِّ، وَزْنُهُ “فاعل”. مجرورٌ بالإضافة، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعٌ مذكَّرٌ سالمٌ، والنونُ عِوضاً عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هذه، في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ لفظِ الجَلالَةِ. وَهُيَ ثَنَاءٌ وَتَذْيِيلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ، أَيْ: وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ بَيْنَ كُلِّ خَصْمَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَفِي غَيْرِهَا، فَالتَّعْرِيفُ فِي الْحاكِمِينَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ. وخَيْرُ تَفْضِيلٌ، أَصْلُهُ أَخْيَرُ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَالْأَخْيَرِيَّةُ مِنَ الْحَاكِمِينَ أَخْيَرِيَّةُ وَفَاءِ الْإِنْصَافِ فِي إِعْطَاءِ الْحُقُوقِ. وَهِيَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مُعَاقَبَةِ الظَّالِمِ. وبين “يَحْكُمَ” و “الْحاكِمِينَ” جِنَاسُ اشْتِقاقٍ.

انتهتْ سورة يونس ـ عليه السلامُ، يوم الجمعةِ الواقعِ: 13/ من ذي القعدة، /1436ه. الموافق: 28/8/2015م. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين

فيض العليم … سورة يونس الآية: 108


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ

(108)

قولُهُ ـ جلَّ وعَلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} يأمُرُ الله تعالى نبيَّه محمَّداً ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أنْ يَتَوَجَّهَ لِلنَّاسِ جَميعاً على مَرِّ الدُهورِ وكَرِّ العصورِ، وفي المقدِّمَةِ أُولئكَ الكَفَرَةُ الفجرةُ، الذين بَلَغَتْهم دَلائلُ التَوحيدِ والنُبُوَّةِ والمَعادِ، وأَنْ ينذِرَهم بهذا الخطاب البلاغي، بأَنَّه إنَّما يُبَلِّغُهم ما أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ لَهمْ مِنَ الحَقِّ، وهوَ القرآنُ الكريمُ والشرْعُ القويمُ الذي جاءَهُ بِهِ الوحيُ السماويٌّ، وهو الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ. وَافْتِتَاحُ الخطابِ بِالنِّدَاءِ لِاسْتِيعَاءِ أسْمَاعِهِمْ لِأَهَمِّيَّةِ مَا سَيُقَالُ لَهُمْ.

قولُهُ: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} بَدَأَ الحقُّ ـ تبارك وتعالى، خِطابَ الناس بذكرَ المهتدين تشريفاً لهم، فَمَنْ اهْتَدَى بِهَدْيِ مولاهُ تَعالى وَاتَّبَعَ رسولَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وسارَ على نَهْجِهِ، فَإِنَّمَا يَعُودُ بالنَفْعِ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّ اللهَ وَضَعَ هذِهِ التَعاليمَ، لِيَنْتَفِعَ بها عِبادُهُ في الحياة الدُنيا وفي الآخِرَةِ، ولا غايَةَ أخرى لَهُ. أَمَّا هوَ سُبْحانَهُ فمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إليهُ نَفْعٌ أَوْ أن يَلْحَقَ بِهِ ضَرَرٌ، فالحاجةُ للنفعِ إنَّما تَكونُ عَنْ نَقْصٍ، واللهُ سبحانَهُ لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ الذي لا يَعْتَريهِ نَقْصٌ، والحاجة تعني الضعفَ أيضاً وهو القويُ على الإطلاق وكلُّ قوةٍ فهي منه مكتسبةٌ. والذي يَنْفَعُ غَيْرَهُ يَكونُ أَقٌوى مِنْه وأَقْدَرَ وهو ـ جَلَّ وعَزَّ، الأقوى فلا قَوِيَّ غيرُهُ، وهوَ المُقْتَدِرُ فلا قُدْرَةَ لأَحَدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ.  

قولُهُ: {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} وَمَنْ يضَلُّ عَنْ هذا الطريق القويمِ والصِراطِ المُسْتَقيمِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وحدَهُ. أمّا اللهُ ـ تبارك وتعالى، فإنَّه منزَّهٌ عن ذلك أيضاً فكما تنزَّه عن النفع، كلك فقد تنزَّه عن أنْ يصله ضرَرٌ، لأنَّ القُوَّةَ والاقْتِدارَ منه جميعاً.

قولُه: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} هِيَ حقيقة الرسالة التبليغُ عَنِ اللهُ تَعَالَى، فإنَّ الرَسُولَ غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِدَايَة مَنْ أُرْسِلَ إليهِمْ، بمعنى أن يخلقها فيهم أو يحملهم عليها، وَليس عليهم بِمُسَيْطِرٍ، وَإِنَّمَا الهَادِي هُوَ اللهُ، الذي يهدي من يشاءُ ويُضلُّ من يشاء، كما ينفعُ من يشاء ويضرُّ من يشاءُ فالأمرُ منه صادرٌ وإليه عائدٌ. وهكذا فإنَّنا نجد في هذه الآيةِ الكريمةِ متابعةً لمضمون ما سبقها وتأكيدٌ عليه وهي تميدٌ لختم هذه الاسورة الكريمة. وذكر ابْنُ عطيَّة في المحررِ الوجيز أنَّ “وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ” مَنْسوخَةٌ بالقِتالِ. وهو قولُ ابْنِ عباسٍ، ومقاتلِ بْنِ سليمان، والثعلبيِّ، والرازيِّ، وغيرُهم من أهل التفسير.

قولُهُ تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكم} قُلْ: فعلُ أَمْرٍ، وفاعلُهُ “أنت” ضميرٌ مستترٌ وجوباً يعودُ على سيدنا محمَّدٍ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذه الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. و “يَا” أداةُ نِداءٍ، و “أيُّ” مُنادى مبنيٌّ على الرفعِ في محلِّ نصبٍ على أَنَّه نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ. و “ها” للتَنْبيهِ، و “النَّاسُ” نَكِرَةٌ مَقْصودَةٌ مَبْنِيٌ على الضَمِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ، صِفَةً لِ “أيُّ”، أَوْ بَدَلاً منها، أو عَطْفَ بيانٍ لها، تبعها في الرَفْعِ لَفْظاٌ، وجُمْلَةُ النِداءِ في مَحَلِّ النَّصبِ بالقولِ لِ “قُلْ”. لا عملَ لها، و “قَدْ” للتحقيق، و “جَاءَكُمُ” فعلٌ ماضٍ والكافُ مَفْعولُهُ، والميمُ للجمعِ المذكَّر، و “الْحَقُّ” فاعلُهُ، و “مِنْ رَبِّكُمْ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ مُتَعَلِّقٌ بـ “جاء” أو حالٌ مِنَ “الْحَقُّ”، والكافُ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه، والميم للجمع المذكَّر، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذه في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ لا عمل لها كونَها جوابَ النِّداءِ.

قولُه: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فَمَنِ: الفاءُ: حرفُ عطْفٍ وتَفْصيلٍ، و “من” اسْمُ شَرْطٍ جازَمٍ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رَفْعٍ بالابْتِداء، وخبرُهُ جُمْلَةُ الشَرْطِ، أوِ الجوابُ، أو هُما معاً، و “اهْتَدَى” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّر على الألف المقصورة للتعذُّرِ في محلِّ جزمٍ بـِ “مَنْ” كَوْنَهُ فِعْلَ شَرْطٍ لَها، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُه “هو” يَعودُ على “مَنْ”. و “فَإِنَّمَا” الفاءُ: رابِطَةٌ لِجوابِ “من” الشَرْطيَّةِ. فهي واجبةُ الدخول، ويجوزُ أنْ تُعْرَبَ “منْ” اسماً موصولاً بمعنى “الذي” فيكون دخولُ الفاءِ عند لك جائزاً. و “إنما” أَداةُ حَصْرٍ ونَفْيٍ، وهي كافَّةٌ مكفوفةٌ عَنِ العَمَلِ. و “يَهْتَدِي” فعلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدَّرةٌ على آخره، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازاً تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى “مَنْ” أيضاً. و “لِنَفْسِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ متعلِّقٌ بِ “يهتدي”، والهاءُ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ، وجملةُ: “يَهْتَدِي” في مَحَلِّ الجَزْمِ بـ “مَنْ” الشَرْطِيَّةِ على كونِها جَوابًا لَها، وجملةُ “من” الشَرْطِيَّةِ مع فعلها وجوابها، في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ عطفاً على الجملَةِ من قولِهِ: “قَدْ جَاءَكُمُ”.

قولُهُ: {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} إعرابُها كإعراب سابِقَتِها تماماً.

قولُهُ: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} الواو: عاطفةٌ و “ما” هي الحجازِيَّةُ تعملُ عملَ ليس، ف “أَنَا” اسْمُها، أو تميميَّةٌ ف “أنا” مبتدأ. و “عَلَيْكُمْ” مُتَعَلِّقٌ بـِ “وكيل”. و “بِوَكِيلٍ” الباء حرف جرٍّ زائد و “وكيل” خبَرُ “ما” الحِجازَيِّةِ مَنْصوبٌ محلاًّ مجرورٌ لفظاً بحرف الجرِّ الزائد، أَوْ خبرُ المُبْتَدَأِ إذا أعربنا “ما” تميميةً، مرفوعٌ محلاً، مجرورٌ، لفظاً، وجملَةُ “ما” الحجازيَّةِ، أوْ المُبْتَدأُ وخبرُهُ في مَحَلِّ النَصْبِ بالقول عَطْفاً عَلى جملةِ “من” الشَرْطِيَّةِ. وثمَّةَ طباقٌ بين “اهْتَدى” وَ “ضَلَّ” وهو بابٌ منْ أبوابِ البديع.

فيض العليم … سورة يونس الآية: 107


 

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

(107)

قولُه ـ تعالى شأنُهُ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} حَقِيقَةُ الْمَسِّ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى جِسْمٍ لِاخْتِبَارِ مَلْمَسِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِصَابَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا. وفي هذه الجملة يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَنَفْيِ الضُّرِّ. فَيَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِهَذَا الْحَكَمِ.

قولُهُ: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} وَإِنْ يُرِدِ اللهُ أَحَداً بِخَيْرٍ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّ فَضْلَهُ وَيَمْنَعَهُ عَنْهُ، وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ: تَقْدِيرُهُ وَالْقَصْدُ إِلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَتَرَدَّدُ عِلْمُهُ فَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَعَلَهُ، فَإِطْلَاقُ الْإِرَادَةِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْإِصَابَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذلك: “يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِفالآيَةُ دالَّةٌ على أَنَّ الضُرَّ والخَيْرَ واقعانِ بقضاءِ اللهِ تَعالى وقَدرتِهِ، فيَدْخُلُ فيه الكُفْرُ والإيمانُ، والطاعةُ والعصيانُ، والثبورُ والسُرورُ، والآفاتُ والخيراتُ، والآلام واللذات، والجراحات والراحاتُ، فبَيَّنَ سبحانَهُ، أَنَّه إِنْ قَضَى لأَحَدٍ شَرّاً، فلا كاشِفَ لَهُ إلاَّ هوَ، وإنْ قَضى لأحَدٍ خَيْراً فلا رَادَّ لِفْضِلِهَ البَتَّةَ. والقَصْدُ إِبْطَالُ عَقِيدَةِ الشِرك بأَنَّ الْأَصْنَامَ شُفَعَاءٌ عِنْدَ اللهِ، فَلَمَّا أَبْطَلَتِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ أَنْ تَكُونَ الْأَصْنَامُ نَافِعَةً أَوْ ضَارَّةً، وَكَانَ إِسْنَادُ النَّفْعِ أَوِ الضُّرِّ أَكْثَرَ مَا يَقَعُ عَلَى مَعْنَى صُدُورِهِمَا مِنْ فَاعِلِهِمَا ابْتِدَاءً، وَلَا يَتَبَادَرُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ مَعْنَى الْوَسَاطَةِ فِي تَحْصِيلِهِمَا مِنْ فَاعِلٍ، عُقِّبَتْ جُمْلَةُ {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} السابقةِ، بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ إِرَادَةَ اللهِ النَّفْعَ أَوِ الضُّرَّ لِأَحَدٍ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ أَنْ يَصْرِفَها عَنْهَ، أَوْ يَتَعَرَّضَ فِيهَا إِلاَّ مَنْ جَعَلَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ بِشَفَاعَةٍ أو دُعَاءٍ. وَالْفَضْلُ: هُوَ الْخَيْرُ، وَلِذَلِكَ فَإِيقَاعُهُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ الْوَاصِلَ إِلَى النَّاسِ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وليس استحقاقاً لهم عليه ـ سبحانَه وتعالى، أو حقاً لهم عِنْدَهُ متوجِّبٌ أداؤهُ، بل هو محضُ جودٍ وكرم. وقد نُكِّرَ “ضُرّ” و “خير” لِلنَّوْعِيَّةِ الصَّالِحَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.

قولُه: {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} الْإِصَابَةُ: اتِّصَالُ شَيْءٍ بِآخَرَ وَوُرُودُهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ فِي مَعْنَى الْمَسِّ الْمُتَقَدِّمِ، والأَمْرُ كُلُّه للهِ تَعالى، فإذا فإذا أرادَ أَنْ يُصيبَ أحداً من خلقهِ بشيءٍ من ذلك فإنَّ إرادتَهُ نافذةٌ ومشِيئَتَهُ محقَّقةٌ.    

قولُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ شِرْكاً بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتُوبُ عَلَى التَّائِبِينَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِالنَّاسِ. وهذا يدُلُّ على قوَّةِ جانبِ الرَحْمَةِ.

وحاصلِ الكلام في هذه الآية أنَّهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، بَيَّنَ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بالخَلْقِ والإيجادِ والتَكْوينِ والإبداعِ، وأَنَّهُ لا مُوجِدَ سِواهُ، ولا معبودَ إلاّهُ، ثمَّ نَبَّهَ على أنَّ الخيرَ مُرادٌ بالذاتِ، والشَرَّ مُرادٌ بالعَرَضِ وتَحْتَ هذا البابِ أَسْرارٌ عَميقةٌ.

إذاً فقد قرَّرَ ـ سُبْحانَهُ وتَعالى، في آخِرِ هَذِهِ السُورَةِ المُباركةِ أَنَّ جميعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهِ، وأنَّ جميعَ الكائناتِ مُحتاجَةٌ إليْهِ، والعقولُ جميعُها والِهَةٌ فيهِ، والرَحْمَةُ والجودُ والوُجودُ فائضٌ مِنْه تعالى.

قولُهُ تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بضُرٍّ فلا كاشفَ له إلاَّ هو} الواو: استئنافية. و “إنْ” أداةُ شرطٍ. و “يَمْسَسْكَ” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بِـ “إن” على أنَّهُ فِعْلُ شِرْطٍ لها، والكافُ في محلِّ نصبِ مفعولٍ لهُ، و “اللهُ” فاعلُهُ، و “بِضُرّ” مُتَعَلِّقٌ بِهِ، و “فَلَا” الفاءُ رابِطَةٌ لجواب الشرطِ. و “لَا“: نافيَةٌ تَعْمَلُ عمَلَ إنَّ “كَاشِفَ” إسمُها مبني على الفتح في محلِ نَصْوبٍ بها. “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ رفعِ خبَرٍ لها. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثنْاءٍ مُفرَّغٍ، و “هُوَ” ضَميرٌ للمُفْرَدِ المُنَزَّهِ عَنِ الذُكورَةِ والأُنوثَةِ والغَيْبَةِ، مبنيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ في خبَرِ لا المَحْذوفِ، أو بدلاً مِنْ مَحَلِّ “لا” واسْمِها، وجُمْلَةُ “لا” في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ “إنْ” عَلى أنَّه جَوابٌ لها، وجُمْلَةُ “إن” الشَرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ،

قولُه: {وإنْ يردْكَ بخيرٍ فلا رادَّ لفضلِهِ} وَ “وإِنْ” “الواوُ: عاطفةٌ و “إن” أداةُ شَرْطٍ، و “يُرِدْ” مجزومٌ بـ “إن” الشَرطيَّةِ على أنَّه فِعْلُ الشرْطِ، والكافُ في محلِّ نصب مفعولٍ له، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ “هو” يَعودُ على اللهِ. و “بِخَيْرٍ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، “فَلَا” الفاءُ رابِطَةٌ لجواب الشرط. و “لا” نافيَةٌ تعمَلُ عملَ “إنَّ” و “راد” اسمُها مَنْصوبٌ بها، وهو اسمُ فاعلٍ مِنْ “رَدَّ” الثلاثيِّ، على وزنِ “فاعل” وقد أُدْغمَتِ عينُ فعلِهِ مَعَ لامِهِ فجاءَتْ عَيْنُهُ ساكِنَةً. و “لِفَضْلِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ متعلِّقٌ بِ خَبَرِ “لا” المحذوفِ جوازًا تَقْديرُهُ: فلا رادَّ لِفَضْلِهِ مُوْجودٌ، والهاءُ في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليْهِ، وجملةُ “لا” واسمُها وخبَرُها في مَحَلِّ جَزْمٍ جواباً ل “إنْ” الشرطيَّة، وجملةُ “إن” الشَرْطِيَةِ معطوفةٌ على مثيلتها جُمْلَةِ “إن” الأولى.

قولُهُ: {يُصِيبُ بِهِ مَنْ يشاءُ وهو الغفورُ الرحيمُ} يصيب: فعلٌ مُضارعٌ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه تقديرُهُ “هو” يَعودُ على “اللهُ“. و “بِهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. أو هو في محلِّ رفعِ فاعلٍ ل “يصيبُ“، و “مَن” اسمٌ مَوْصولٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ به. و “يَشَاءُ” فعلٌ مُضارعٌ وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ به تقديرُهُ “هو” يَعودُ على “اللهُ” ومفعولُ المَشيئَةِ مَحذوفٌ، تَقْديرُهُ يَشاءُهُ، وهوَ عائدٌ عَلى “مَن” المَوصولَةِ. و “مِنْ عِبَادِ” جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ في محلِّ نصب على الحالِ مِنْ الضَميرِ المَحذوفِ مِنْ “مَن” المَوْصُولَةِ، وجملةُ “يشاءُ” صِلَةِ “مَنْ” الموصولةِ، وجُمْلَةُ “يصيب” في محَلِ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ ضَميرِ “فضلِهِ“. و “هُوَ” مُبتدأٌ، و “الْغَفُورُ” خَبَرٌ أَوَلُ، و “الرَّحِيمُ” خبرٌ ثانٍ. والجُمَلَةُ الاسْمِيةُّ مُعْتَرِضَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com