فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 38
 
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ (38)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ذَكَرَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، آبَاءَهُ تَعْلِيمًا بِفَضْلِهِمْ، وَإِظْهَارًا لِسَابِقِيَّةِ الصَّلَاحِ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِنْ آبَائِهِ، وَقَدْ عَقَلَهُ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ ثُمَّ تَأَيَّدَ بِمَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ الْعِظَامِيُّ وَالشَّرَفُ الْعِصَامِيُّ. ولَعَلَّ مُرَادَهُ من اتِّباعِهِ مِلَّةَ آبائهِ، أنَّهُ إنَّما اتَّبعهم بالتَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ. ولَعَلَّهُ كَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ أَبيهِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فإنَّهُ لَمَّا ادَّعَى يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، النُّبُوَّةَ وَتَحَدَّى بِالْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ، قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَجَدَّ أَبِيهِ كَانُوا ـ عليهِ السلامُ، أَنْبِيَاءَ اللهِ وَرُسُلَهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى ادَّعَى حِرْفَةَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنْهُ. وَأَرَادَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ آبَائِهِ اتِّبَاعَهَا فِي أُصُولِهَا قَبْلَ أَن يعْطَى النُبُوَّةَ إِذَا كَانَ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى آبَائِهِ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَالِاقْتِصَادِ أَوْ أَنَّ نُبُوءَتَهُ كَانَتْ بِوَحْيٍ مِثْلَ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى آبَائِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 13، مِنْ سُورَةِ الشُّورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} إِلَى قَوْلِهِ: {أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. وَذِكْرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْحَقِّ يَزِيدُ دَلِيلَ الْحَقِّ تَمَكُّنًا، وَذِكْرُ ضِدِّهِمْ فِي الْبَاطِلِ لِقَصْدِ عَدَمِ الْحُجَّةِ بِهِمْ بِمُجَرَّدِهِمْ. كَمَا فِي قَوْلِهِ الْآتِي: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ} الآية: 40، مِنْ هَذِهِ السُورَةِ المُبَارَكَةِ. وَأَيْضًا فَكَمَا أَنَّ دَرَجَةَ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ وَلَدُهُمْ عَظَّمُوهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فكانَ انْقيادُهم لَهُ أَتَمَّ، وَتَأَثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلَامِهِ أَكْمَلَ. أخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تَفْسيرِهِ: (7/2145)، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّه سَمِعَ أَبَا الأَحْوَصِ، يَقُولُ: فَاخَرَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ الْفَزَارِيُّ رَجُلًا فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الأَشْيَاخِ الْكِرَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ).
قولُهُ: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ} هذِهِ الجُمْلَةُ فِي قُوَّةِ الْبَيَانِ لِمَا اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ “وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي” مِنْ كَوْنِ التَّوْحِيدِ سَجِيَّةً لهم فعُرِفَ بهِ أَسْلافُهُ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَقد عَرَّفَهُمْ بِهَا هُنَا لِنَفْسِهِ. وَلَا يَخْفَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْجُحُودِ مِنْ مُبَالَغَةِ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ} الآية: 79، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى في سُورَةِ المائدَةِ: {قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} الآية: 116. و “مِنْ” في قولِهِ: “مِنْ شَيْءٍ” مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وَقد أُدْخِلَتْ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالنَّفْيِ. وقَالَ “مِنْ شَيْءٍ” لأَنَّ أَصْنَافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ النَّارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ وَالطَّبِيعَةَ، ومنهم مَنْ يُشْرِكَ مَعَ اللهِ غيرَهُ في العبادةِ.
قولُهُ: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} ذلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِشْرَاكِ، وَحُصُولَ الْإِيمَانِ مِنَ اللهِ تعالى. وقد أُتيَ بهذه الجملةِ زِيَادَةً فِي الِاسْتِئْنَافِ وَالْبَيَانِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِ دِينِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُ فَضْلٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَفِي حَقِّ النَّاسِ، فَقَوْلُهُ: “وَعَلَى النَّاسِ” أَيِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالْجُمْلَةِ.
وأخرج ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تفسيره: (7/2145) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قَوْلُ يُوسُفُ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا” يَقُولُ: أَنْ بَعَثَنَا أَنْبِيَاءَ. وقَوْلُهُ: “وَعَلَى النَّاسِ” أَنْ بَعَثَنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أبي حاتمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ. عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، قَوْلَهُ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ” قالَ: وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى خَلْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ، أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يَقُولُ: يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي، وَ يَا رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} بَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ. وأتى بالاستدراك هنا لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ حَالَ الْمُخَاطَبِينَ فِي إِشْرَاكِهِمْ حَالُ مَنْ يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللهِ، لِأَنَّ إِرْسَالَ الْهُدَاةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ النَّاسُ فِيهَا فَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ خَيْرٌ وَإِنْقَاذٌ لَهُمْ مِنَ الِانْحِطَاطِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ الْعقلِ وَالنَّظَرِ. ولَوْ فَطِنَ النّاسُ لَشَكَرُوا الأَنْبِياءَ والرُّسُلَ عَلَى المِنْهَجِ الذي بَلَّغُوهُ عَنِ اللهِ؛ لأَنَّهُ يَهْديهمْ إلى حُسْنِ إِدارَةِ الدُّنْيا، وفوقَ ذَلِكَ يَهْديهم إلى الجَنَّةِ.
قولُهُ تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} الواوُ للعطف، و “اتَّبَعْتُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ. و “مِلَّةَ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ مضافٌ، و “آبَائِي” مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرورٌ، ومُضَافٌ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجملة الفعليَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عطفًا عَلى جُمْلَةِ {تركتُ} مِنَ الآيةِ التي قبلها عَلى كونِها خَبَرًا لِـ “إنَّ”. و “إِبْرَاهِيمَ” بَدَلٌ مِنْ “آبَائِي” بَدَلَ تَفْصيلٍ مِنْ مُجْمَلٍ، وعلامَةُ جَرِّهِ الفَتْحَةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ لأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرفِ بالعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ويَجُوزُ أَنْ يُعرَبَ عَطْفَ بَيَانٍ لِ “آبائي”، أَوْ مَنْصوبًا عَلَى المَدْحِ، أي: أَمْدَحُ “إِبراهيمَ” أَوْ أخُصُّ بالذِكْرِ “إبراهيم”. و “إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ” مَعْطُوفانِ عَلى “إِبْرَاهِيمَ” ـ عليهِمُ السلامُ.
قولُهُ: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ} مَا: نافيَةٌ. و “كَانَ” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ. و “لَنَا” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ “كانِ” المحذوفِ المُقَدَمِ عَلى اسْمِها و “نا” ضميرُ المُتَكَلِّمينَ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بهِ. و “أَنْ” حرفُ نَصْبٍ مصدريٌّ، و “نُشْرِكَ” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ به، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُه “نحنُ” يَعُودُ عَلَى يُوسُفَ وآبائهِ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. و “بِاللهِ” حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِـ “نُشْرِكَ” ولفظُ الجلالةِ اسمٌ مجرورٌ بِهِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ زائدٌ، و “شَيْءٍ” مجرورٌ لفظًا بحرفِ الجرِّ الزائدِ، منصوبٌ محلًا على أَنَّهُ مَفْعولٌ بهِ ل “نُشْرِكَ”، وجُمْلَةُ “نُشْرِكَ” في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَرْفوعٍ عَلَى كونِهِ اسْمَ “كَانَ” والتقديرُ: ما كان إِشْراكُنَا باللهِ شَيْئًا كائنًا لَنَا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى كَوْنِها مَقولًا لِـ “قَالَ”.
قولُهُ: {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} ذا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ، واللامُ للبُعدِ والكافُ للخطابِ. و “مِنْ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بخَبَرِ المُبْتَدَأِ، و “فَضْلِ” مجرورٌ به ولفظُ الجلالةِ “اللهِ” مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى كَوْنِها مقولًا لـِ “قَالَ” أيضًا. و “عَلَيْنَا} جارٌ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ “مِنْ فَضْلِ اللهِ” على أنَّهُ خبرُ المُبْتَدَأِ. و “عَلَى النَّاسِ” جارٌ ومجرورٌ معطوفٌ عَلَى “عَلَيْنَا”.
قولُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} وَلَكِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشبَّهٌ بالفِعلِ للاسْتِدْراكِ، و “أكثرَ” اسْمُهُ منصوبٌ بهِ. و “لا” نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و “يَشْكُرونَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وجُمْلَةُ “يَشْكُرُونَ” في محلِّ رفعِ خَبَرِ “لكنَّ” وجملةُ “لكنَّ” من اسمِها وخَبَرِها، معطوفةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ” عَلَى كَوْنِها مَقُولًا لـِ “قَالَ”.
قرَأَ الجمهورُ: {آبائيَ} بفتْحِ الياءِ، وسَكَّنَها الكُوفِيُّونَ، ورُوِيَ تَسكينُها عَنْ أَبَي عَمْرٍو بْنِ العلاءِ أَيْضًا.


 
 
فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 37
 
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)
 
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} مَحْمُولٌ عَلَى الْيَقَظَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمَا أَيُّ طَعَامٍ هُوَ، وَأَيُّ لَوْنٍ هُوَ، وَكَمْ هُوَ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَاقِبَتُهُ؟ أَيْ إِذَا أَكَلَهُ الْإِنْسَانُ فَهُوَ يُفِيدُ الصِّحَّةَ أَوِ السَّقَمَ، كقول نبيِّ اللهِ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ، وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} سورةُ آلِ عُمْرانَ: 49. وإنَّمَا قَدَّمَ هَذَا لَيَعْلَمَا ما خَصَّهُ الله تعالى مِنْ النُّبُوَّةِ وَلِيُقْبِلَا إلَى طَاعَةِ اللهِ. وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيمَا بَيْنَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ زَمَانًا فَلَمْ يَحْكِ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ الدُّعَاءِ إلَى اللهِ وَكَانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ مِنْهُمْ فِي الِاسْتِمَاعِ وَالْقَبُولِ فَلَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ عَارِفِينَ بِإِحْسَانِهِ أَمَلَ مِنْهُمْ الْقَبُولَ وَالِاسْتِمَاعَ فَقَالَ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خيرٌ أَمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارِ} الْآيَةَ: 39، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى في الآية: 125، من سورةِ النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والموعظة الحسنة}. وَتَرَقَّبْ وَقْتَ الِاسْتِمَاعِ وَالْقَبُولِ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى سَبِيلِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَإِنَّمَا حَكَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا لِنَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ.
قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، المُرادُ: لا يَأْتيكُما طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في اليَقَظَةِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ قَبَلَ أَنْ يَصِلَكُما، لأنه كان يخبر بما غاب مثل عيسى ـ عليهِ السَّلامُ. وقالَ السُّدِّيُّ ـ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ، المَعْنَى: لا يَأْتِيكُمُا طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في النَّومِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْويلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما في اليَقَظَةِ. وقال ابْنُ جُرَيْجٍ فيما أخرج أَبُو عبيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَنه: كانَ مِنْ عادةِ المَلِكِ إذا أَرادَ قَتْلَ إِنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْروفًا وأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَكَرِهَ يُوسُفُ تَعْبيرَ رُؤْيا السُّوْءِ قَبْلَ الإياسِ مِنْ صاحِبِها لِئَلَّا يُخَوَّفَهُ بِهَا فَوَعَدَهُ بِتَأْويلِها عِنْدَ وُصُولِ الطَّعامِ إِلَيْهِ، فلمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ عَبَّرَها. ولذلك رَوَى ابْنُ سِيرينَ عَنْ أَبي هُريرَةَ ـ رضي اللهُ عنهما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((مَنْ رَأَى رُؤْيا فَلا يَقُصَّها إِلَّا عَلَى حَبيبٍ أَوْ لَبيبٍ)) أخرجه الإمامُ الطحاوي في (مُشْكِلِ الآثارِ): (2/181، بترقيم الشاملة آليا) عن أَبي رزين العَقيلي ـ رَضيَ اللهُ عنه. فلَعَلَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا فِيهِ وَقَبِلَا قَوْلَهُ: فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا مَا دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِمُهِمَّاتِ الدُّنْيَا، أَوْ لَعَلَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ فِي أَنْ يُدْخِلَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا يَسْتَوْجِبَ العقابَ الشَّديدَ. وقد أَرَادَ بِهَذَا الْجَواب مُلَازِمَةَ الْحَدِيثِ مَعَهُ، ليَدْعوَهمَا إِلَى الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، مَعَ الْوَعْدِ بِأَنَّهُ يَعْبُرُ لَهُمَا رُؤْيَاهُمَا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَجَعَلَ لِذَلِكَ وَقْتًا مَعْلُومًا لَهُمْ، وَهُوَ وَقْتُ إِحْضَارِ الطَعَامِ للْمَسَاجِينِ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ فِي السِّجْنِ ما يُوَقِّتُونَ بِهِ، بِسَبَبِ انْطِبَاقِ الْأَبْوَابِ وَإِحَاطَةِ الْجُدْرَانِ وحيلولَةِ ذلك بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ. وَيَظْهِرُ أَنَّ مَوْعِدَ الإِتْيَانِ بالطَّعَامِ كان قريبًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما مِنْ تَعْجِيلِهِ لَهُمَا تَأْوِيلَ رُؤْيَاهُمَا وَأَنَّهُ لَا يَتَرَيَّثُ فِي ذَلِكَ.
قولُهُ: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ، لِأَنَّ وَعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السَّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وَعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا هَذَا الْعِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ تَخَلُّصًا إِلَى دَعْوَتِهِمَا لِلْإِيمَانِ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ الْقِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ.
وَقَوْلُهُ: “مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي” إِيذَانٌ بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ عُلُومًا أُخْرَى، وَهِيَ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالْأَمَانَةِ كَمَا قَالَ بعدَ ذلك في الآية: 55، من هذه السورة المباركة: {اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.
قولُهُ: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} زيادَةٌ فِي الِاسْتِئنَافِ الْبَيَانِيِّ أو تعليلٌ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللهَ عَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ وَعُلُومًا أُخْرَى مِمَّا يُثِيرُ السُّؤَالَ عَنْ سبَبِ وهبِهِ هذا العلمَ ووَسِيلَةِ ذلكَ، فَأَخْبَرَ بِأَنَّ سَبَبَ عِنَايَةِ اللهِ بِهِ أَنَّهُ انْفَرَدَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تعالى وَتَرَكِ مِلَّةَ أَهْلِ مِصْرَ، فَاخْتارَهُ اللهُ. وَالْمِلَّةُ: الدِّينُ، وَأَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ مَا يَشْمَلُ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ وَالْقِبْطَ الَّذِينَ شَبَّ بَيْنَهُمْ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بعد ذلك في الآية: 39، من هذه السُورَةِ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها}، أَوْ أَرَادَ الْكَنْعَانِيِّينَ خَاصَّةً، وَهُمُ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ تَعْرِيضًا بِالْقِبْطِ الَّذِينَ مَاثَلُوهُمْ فِي الْإِشْرَاكِ. وَأَرَادَ بِهَذَا أَنْ لَا يُوَاجِهَهُمْ بِالتَّشْنِيعِ اسْتِنْزَالًا لِطَائِرِ نُفُورِهِمْ مِنْ مَوْعِظَتِهِ. وَالتَّرْكُ: عَدَمُ الْأَخْذِ لِلشَّيْءِ مَعَ إِمْكَانِهِ. وَذَكَرَ آبَاءَهُ تَنويهًا بِفَضْلِهِمْ، وَإِظْهَارًا لِسَابِقِيَّةِ الصَّلَاحِ فِيهِ، وَأَنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِنْ آبَائِهِ، وَقَدْ عَقَلَهُ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ ثُمَّ تَأَيَّدَ بِمَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ الْعِظَامِيُّ وَالشَّرَفُ الْعِصَامِيُّ. وَلذَلِك قَالَ ـ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَّلامُ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْرَمِ النَّاسِ: قال: ((يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيم نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ)). إرشاد الساري لِشَرْحِ صَحيحِ البُخاري للقَسْطَلانيِّ: (5/372). عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِثْلَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ فِي النُّبُوَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ غَيْرَ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنُّبُوَّةِ أَكْمَلَهَا وَهُوَ الرِّسَالَةُ.
قولُهُ تعالى: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهر، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ على يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجملة مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّلها مِنَ الإعراب. و “لا” نافيَةٌ ل عملَ لها. و “يَأْتِيكُمَا” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ وعلامةُ رفعِهِ الضمَةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ للثقلِ، ووالكافُ للخطاب، والميمُ للمذكَّرِ وألفُ التثنيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مَفعولٌ به، و “طَعَامٌ” فاعلُهُ مرفوعٌ به، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قَالَ”. و “تُرْزَقَانِهِ” فِعْلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخِرِهِ، وألِفُ الإثنينِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ نائبُ فاعلٍ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ بهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةٌ لـِ “طَعَامٌ”.
قولُهُ: {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} إلَّا: أداة استثناء مفرغٍ، مِنْ أَعَمِّ الأَحْوالِ، أَوْ أَداةُ حَصْرٍ. و “نَبَّأْتُكُمَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والكافُ للخطابِ والميمُ للمذكَّرِ وأَلِفُ التثنيةِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ بهِ. و “بِتَأْوِيلِهِ” الباءُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ “نبّأَ”، و “تأويلِ” مجرورٌ بهِ مضافٌ، والهاءُ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافَةِ المُسْتَثْنَى المحذوفِ، والتَّقديرُ: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ في حالٍ مِنَ الأَحْوالِ إِلَّا في حالِ إنْبائي إيّاكما بِتَأْويلِهِ. أَوْ أَنَّها في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، وساغَ ذَلِكَ مِنَ النَّكِرَةِ لِتَخَصُّصِهَا بالوَصْف. أو تَكونَ في محلِّ رَفْعٍ نَعْتًا ثانيًا ل “طعامٌ”، والتقدير: لا يأتيكما طعامٌ مرزوقٌ إلَّا حالَ كَوْنِهِ مُنَبِّئًا بِتَأْويلِهِ أَوْ مُنَبَّأً بِتَأْويلِهِ. و “قَبْلَ” مَنْصوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِ “نَبَّأْتُكُمَا”، ويَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ “تَأْويلِهِ”، أَيْ: نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْويلِهِ الواقِعِ قَبْلَ إِتْيانِهِ. و “أَنْ” حرفٌ ناصِبٌ، و “يَأْتِيَكُمَا” فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ ب “أنْ” والكافُ للخطابِ، والميمُ للمُذَكَّرِ، وأَلِفُ التَثْنِيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جَوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى الطَّعامِ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بإضافَةِ الظَّرْفِ إِلَيْهِ، تَقْديرُهُ: قَبْلَ إِتْيانِهِ إِيَّاكُمَا، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ “نَبَّأْتُكُمَا”.
قولُه: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} ذَا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ مُبْتَدَأٌ، مضافٌ، واللامُ للبُعْدِ، والكافُ للخطابِ والميمُ للمُذكَّرِ، وألِفُ التَثْنِيَةِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “مِمَّا” مِنْ: حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ للمُبْتَدَأِ، و “ما” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في مَحلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ أوْ هِيَ نَكِرةٌ موصوفةٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و “عَلَّمَنِي” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ الأَوَّلِ والمفعول الثاني محذوف تقديره: مِمّا علَّمنِيهُ رَبِّي، والنونُ للوقايةِ، و “رَبِّي” فاعِلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ مقدَّرةٌ على آخرهِ لانْشِغالِ المحلِّ بما يُنَاسِبُ حَرَكَةَ الياءِ، وهو مضافٌ وياءُ المُتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ. والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” الموصولةِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا إنْ أُعربتْ نَكِرةً موصوفةً، والعائدُ، أَوِ الرَّابِطُ الضَّمِيرُ المَحْذوفُ.
قولُهُ: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إِنِّي: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعل للتأكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسمِ “إنَّ”. و “تَرَكْتُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ، هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ. و “مِلَّةَ” مَفْعولٌ بهِ منصوبٌ، وهو مضافٌ، و “قَوْمٍ” مضافٌ إِلَيْهِ مجرورٌ، وجملةُ “تَرَكْتُ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى كَوْنِها مَقُولَ “قَالَ” فلا محلَّ لها من الإعراب أخبر بذلك عن نفسه. ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ تَعليلًا لِقَوْلِهِ: “ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي”، أَيْ: تَرْكي عبادةَ غَيْرِ اللهِ سَبَبٌ لِتَعْلِيمِهِ إِيَّايَ ذَلِكَ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا مَحلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و “لَا” نافيةٌ لا عملَ لها، و “يُؤْمِنُونَ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ من الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ. و “بِاللهِ” الباءُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِهِ ولفظُ الجلالةِ، “اللهِ” اسمٌ مجرورٌ بهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ صَفَةً لـِ “قَوْمٍ”.
قولُهُ: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} الوَاوُ: للعطفِ، و “هُمْ” ضميرُ الغائبينَ مُبْتَدَأٌ في محلِّ الرفعِ. و “بِالْآخِرَةِ” جارٌّ متعلِّقٌ بِـ “كَافِرُونَ” ومجرورٌ بِهِ. و “هُمْ” الثاني تَأْكيدٌ للأَوَّلِ. و “كَافِرُونَ” خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عطوفًا عَلى جُمْلَةِ “لَا يُؤْمِنُونَ” عَلَى كونِها صَفَةً لـِ “قَوْمٍ”.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 36
 
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
 
قولُهُ ـ تَبَارَكَتْ أَسْماؤُهُ: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} ثمَّةَ محذوفٌ هَهُنَا، تَقْدِيرُهُ: (فلَمَّا حَبَسُوهُ) فاخْتُصِرَ إيجازًا وهي بَلاغَةٌ قُرآنِيَّةٌ نَوَّهْنَا بها غَيْرَ مرَّةٍ. وَقد حُذِفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ” عَلَيْهِ. وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ بِهِ. والفَتَيان، قِيلَ: هُمَا غُلَامَانِ كَانَا لِلْمَلِكِ الْأَكْبَرِ الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ شروان العَمْلِيقيِّ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ، أَحَدُهُمَا خَبَّازُهُ وَصَاحِبُ طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقِيهِ وَصَاحِبُ شَرَابِهِ، غَضِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمَا فَحَبَسَهُمَا. وَالسَّبَبُ فِي ذلكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَرَادُوا الْمَكْرَ بِالْمَلِكِ وَاغْتِيَالَهُ فَضَمَّنُوا لِهَذَيْنَ مَالًا لِيَسُمَّا الْمَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَأَجَابَاهُمْ ثُمَّ إِنَّ السَّاقِيَ نَكَلَ عَنْهُ، وَقَبِلَ الْخَبَّازُ الرِّشْوَةَ فَسَمَّ الطعامَ، فلَمَّا أَحْضَرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ السَّاقِي: لَا تَأْكُلْ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ، وَقَالَ الْخَبَّازُ: لَا تَشْرَبْ فَإِنَّ الشَّرَابَ مَسْمُومٌ، فَقَالَ الْمَلِكُ للسَّاقي: اشْرَبْ منه فشَرِبَ فلمْ يَضُرَّهُ، وقالَ للخَبَّازِ: كُلْ مِنَ الطَعَامِ، فَأَبَى، فَجَرَّبَ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى دَابَّةٍ فَأَكَلَتْهُ فَهَلَكَتْ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِهِمَا. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ” قَالَ: أَحدُهُمَا خَازِنُ الْمَلِكِ عَلى طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقيهِ عَلى شَرَابِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ مثلَهُ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّه قَالَ فِي قَوْلِهِ ـ تباركَ وتعال: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ” قَالَ: غُلامانِ كَانَا للْمَلِكِ الْأَكْبَرِ: (الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ) كَانَ أَحدُهُمَا عَلَى شَرَابِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى بَعْضِ أَمِرِهِ، فِي سَخْطَةٍ سَخِطَها عَلَيْهِمَا، اسْمُ أَحَدِهِمَا (مُجْلِبٌ) وَالْآخَرِ (نَبْوا) الَّذِي كَانَ عَلى الشَّرَاب، فَلَمَّا رأَيَاهُ قَالَا: يَا فَتى وَاللهِ لَقَدْ أَحْبَبْنَاك حِينَ رَأَيْنَاكَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَقَ: فَحَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ لَهُمَا حِينَ قَالَا لَهُ ذَلِك: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ أَنْ لَا تُحِبَّانِي، فوَ اللهِ مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا دَخَلَ عَليَّ مِنْ حُبِّهِ بَلَاءٌ، قدْ أَحَبَّتْني عَمَّتي فَدَخَلَ عَليَّ مِنْ حُبِّها بَلَاءٌ، ثمَّ أَحَبَّنِي أَبي فَدَخَلَ عَليَّ بِحُبِّهِ بَلَاءٌ، ثمَّ أَحَبَّتْني زَوْجَةُ صَاحِبي فَدَخَلَ عَليَّ بِمَحَبَّتِها إيَّايَ بلَاءٌ، فَلَا تُحِبَّاني بَارَكَ اللهُ فِيكُما، فأَبَيَا إِلَّا حُبَّهُ وإلْفَهُ حَيْثُ كَانَ، وَجَعَلَ يُعْجِبُهُمَا مَا يَرَيانِ مِنْ فَهْمِهِ وعَقْلِهِ. وَقدْ كَانَا رَأَيَا حِينَ أُدْخِلَا السِّجْنَ رُؤْيا، رَأَى (مُجْلِب) أَنَّ فَوقَ رَأْسِهِ خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، وَرَأَى (نَبْوا) أَنَّهُ يَعْصُرُ خَمْرًا، فاسْتَفْتَيَاهُ فِيهَا وَقَالا لَهُ “نَبِّئْنا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ” إِنْ فَعَلْتَ. فَقَالَ لَهُمُا: {لَا يَأْتيكُما طَعَامٌ تُرْزَقانِهِ} يَقُولُ فِي نَوْمِكُمُا {إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْويلِهِ قبْلَ أَنْ يَأْتيكُما} ثمَّ دَعَاهُما إِلَى اللهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: {يَا صَاحِبي السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ} أَيْ: خَيْرٌ أَنْ تَعبُدوا إِلَهًا وَاحِدًا أَمْ آلِهَةً مُتَفَرِّقَةً لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا. ثمَّ قَالَ لِ “مُجْلِبٍ”: أَمَّا أَنْتَ فَتُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ. وَقَالَ لِ “نَبوا” أَمَّا أَنْتَ فَتُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ، ويَرْضَى عَنْك صَاحبُكَ {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}.
قولُهُ: {قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} لَعَلَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لاحَظَ عَلاماتِ الحُزْنِ عَلَى وَجْهَيْهِما، فسَأَلَهُمَا عَنْ حُزْنِهِمَا وَغَمِّهِمَا، فَقالا لَهُ: إِنَّا رَأَيْنَا فِي الْمَنَامِ هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَقَدْ أَظْهَرَ مَعْرِفَتَهُ بِأُمُورٍ مِنْهَا تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا فَعِنْدَ ذَلِكَ قَصَّ كلٌّ مِنْهُمَا عَلَيْهِ رُؤياهُ. ويجوزُ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي أُعَبِّرُ الْأَحْلَامَ، وَكَانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مِنْ فُنُونِ عُلَمَائِهِمْ فَلِذَلِكَ أَيَّدَ اللهُ بِهِ نبيَّهُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَيْنَهُمْ. وفِي ذلك إِظْهَارٌ لمُعْجِزَةِ النُّبُوَّةِ، وَتَمْهِيدٌ لِدَعْوَةِ الرِّسَالَةِ. فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ للآخَرِ: هَلُمَّ فَلْنَخْتَبِرْ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ بِرُؤْيَا نَخْتَرِعُهَا لَهُ فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: ما كانَا رَأَيَا شَيْئًا وإنَّما أَرادا اخْتِبَارَ عِلْمِهِ. قالَ أَحَدُهُما، وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، أَيْ: عِنَبًا سَمَّى الْعِنَبَ خَمْرًا بِاسْمِ ما يؤولُ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْبُخُ الْآجُرَّ، أَيْ: يَطْبُخُ اللَّبِنَ لِلْآجُرِّ. وَقِيلَ: الْخَمْرُ الْعِنَبُ بِلُغَةِ عَمَّانَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أَعْصُرُ خَمْرًا” قَالَ: عِنَبًا. وَأخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِم عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا” يَقُولُ: أَعْصُرُ عِنَبًا وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ “عُمان” يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أَعْصُرُ خَمْرًا” قَالَ: عِنَبًا. وَأخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِم عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا” يَقُولُ: أَعْصُرُ عِنَبًا وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ “عُمان” يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ كأني في بُسْتَانٍ، فإذا أَنَا بِأَصْلٍ عَلَيها ثلاثَةُ عَنَاقِيدَ مِنْ عِنَبٍ فَجَنَيْتُهَا وَكَانَ كَأْسَ الْمَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُهَا فِيهِ وَسَقَيْتُ الْمَلِكَ فَشَرِبَهُ.
قولُهُ: {وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} أَيْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلَاثَ سِلالٍ فيها الخُبْزُ والأَلْوانُ مِنَ الأَطْعِمَةِ، وسِبَاعُ الطَّيْرِ يَنْهَشْنَ ويَنْهَبْنَ مِنْهُ.
قولُهُ: {نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ، أَخْبِرْنَا بِتَفْسِيرِهِ وتَعْبيرِهِ، وما يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا. وقد عَلَّلُوا سُؤَالَهُمْ عَنْ أَمْرٍ يَهُمُّهُمْ وَيَعْنِيهِمْ دُونَهُ، بِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ـ بِمُقْتَضَى غَرِيزَتِهِمْ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْخَيْرَ وَالنَّفْعَ لِلنَّاسِ، وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ خَاصَّةٌ وَلَا هَوًى، وَقِيلَ: “مِنَ الْمُحْسِنِينَ” لِتَأْوِيلِ الرُّؤَى، وَمَا قَالَا هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَيَا مِنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ مَعَ أَهْلِ السِّجْنِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِ وُجُوهَهُمَا، وَعَلَّقَ بِهِ أَمَلَهُمَا. وقيلَ “إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ” أَيِ: الْعَالِمِينِ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَالْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَرُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، مَا كَانَ إِحْسَانُهُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا مَرِضَ إِنْسَانٌ فِي السِّجْنِ عَادَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ بالتعَهُّدِ، وَإِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ وَسَّعَ لَهُ وإذا احْتَاجَ إلى شَيْءٍ جَمَعَ لَهُ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِلصَّلَاةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ وَجَدَ فِيهِ قوما قد اشْتَدَّ بَلَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَطَالَ حُزْنُهم، فَجَعَلَ يُسَلِّيهم وجَعَلَ يَقولُ: أَبْشِرُوا وَاصْبِرُوا تُؤْجَرُوا، فَيَقُولُونَ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ يَا فَتَى مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَخُلُقَكَ وَحَدِيثَكَ، لَقَدْ بُورِكَ لَنَا فِي جِوَارِكَ فَمَنْ أَنْتَ يَا فَتَى؟ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَن مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “نَبِّئْنا بِتَأْويلِهِ” قَالَ: عِبَارَتِهِ.
قولُهُ تَعَالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} الواوُ: عاطفةٌ. و “دَخَلَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهرِ. و “مَعَهُ” مَنْصوبٌ عَلى الظَّرْفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُضافٌ، والهاءُ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ مضافٌ إِلَيْهِ. و “السِّجْنَ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ. و “فَتَيَانِ” فاعِلٌ مَرْفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الأَلِفُ لأنَّهُ مثنّى والنونُ عوضٌ عن التنوين في الاسمِ المُفْرَدِ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى مَحْذوفٍ، والتقديرُ: فَسَجَنُوهُ، ودَخَل مَعَهُ السِّجْنَ.
قولُهُ: {قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِر، و “أَحَدُهُمَا” فاعِلٌ مرفوعٌ مضافٌ و “هما” ضميرُ المُثنّى الغائبِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، ولا يَجوزُ أَنْ يَكونَ حَالًا؛ لأنَّهُما لَمْ يَقولا ذَلِكَ حالَ الدُخُولِ. وليس جائزًا أَنْ تَكونَ مُقَدَّرَةً؛ لأَنَّ الدُخولَ لا يَؤُولُ إلى الرُؤْيا. و “إِنِّي” حرفُ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “أَرَانِي” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وعلامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لِتَعَذُّرِ ظهورِها عَلَى الأَلِفِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ نصبِ مفعولِهِ الأَوَّلِ، والنوُنُ للوِقايَةِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ، “أنا” يَعودُ عَلَى “أَحَدُهُمَا”. و “أَعْصِرُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعله ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى “أَحَدُهُمَا”، و “خَمْرًا” مفعولٌ بهِ منصوبٌ، وجُمْلَةُ “أَعْصِرُ” الفعليَّةُ هذه في محلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ ثانٍ لِـ “أَرَى” الحُلْمِيَّةِ، و “أراني” هُنَا مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعولَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهم إِجْراءً للحُلُميَّة مَجْرَى العِلْمِيَّة، أوْ في محلِّ النصبِ على الحالِ عند مَنْ مَنَعَ. وقد جَرَتْ “أرى” الحُلُمية مَجْرى العِلْميَّةِ أَيْضًا في اتِّحادِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَميريْنِ مُتَّصِلَيْنِ، ومِنْهُ الآيةُ الكريمَةُ هذه؛ فإنَّ الفاعلَ والمفعولَ مُتَّحِدان في المعنى؛ إذْ هُمَا للمُتَكَلِّمِ، وهُمَا ضَميرانِ مُتَّصِلانِ. ومِثْلُهُ قولُكَ: (رَأَيْتُكَ في المَنَامِ قائِمًا) و (زيدٌ رآهُ قائمًا)، ولا يَجُوزُ ذَلك في غَيْرِ مَا تقدَّمَ ذِكْرُهُ. وإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ عَلى هذِهِ الرؤيةِ الحُلُمِيَّة تعدَّتْ لِثالثٍ، وقدْ تَقَدَّم هذا في الآية: 43 من سورةِ الأنفال عِنْدَ قولِهِ تَعَالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} و {ولَوْ أَراكَهُمُ كَثْيرًا}. وجُمْلَةُ “أَرَانِي” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} الواو: للعطفِ، وَ “قَالَ” تقدم إعرابُهُ. و “الْآخَرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ به. و “إِنِّي أَرَانِي” تقدَّمَ إعرابُهما أيضًا. و “أَحْمِلُ” فعلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلَى “الآخر”. و “فَوْقَ” منصوبٌ على الظرفيَّةِ متعلِّقٌ ب “أحملُ” وهو مُضافٌ، ويَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذوفِ حالٍ مِنْ “خُبْزًا” لأَنَّه في الأَصْلِ صَفَةٌ لَهُ. و “رأسي” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ مُضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضَميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و “خُبْزًا” مَفعُولٌ بِهِ لِـ “أَحْمِلُ” منصوبٌ. و “تَأْكُلُ” فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، و “الطيرُ” فاعِلُهُ مرفوعٌ. و “مِنْهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُمْلَةُ “تَأْكُلُ” صِفَةٌ لِـ “خُبْزًا” في محلِّ النَّصبِ، ولكنَّها صِفَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وجُمْلَةُ “أَحْمِلُ” في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ ثانٍ لـِ “أَرَانِي”، وجُمْلَةُ “أَرَانِي” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنِّي”، وجُملةُ “إِنِّي” في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”.
قولُهُ: {نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} نَبِّئْنَا” فِعْلُ أمرٍ مبنيٌّ على السكونِ، وضميرُ المُتكلِّمين “نا” متصِلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولِهِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه وُجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ عَلى يُوسُفَ عليه السلامُ. و “بِتَأْوِيلِهِ” حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِ “نبِّئْ”، ومجرورٌ بجرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ جرِّ مُضافٍ إليه، والجُمْلةُ مُستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. و “إِنَّا” إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفِعلِ، للتوكيد، و “نا” ضميرُ جماعةِ المتكلِّمينَ متَّصِلٌ به في محلِّ نصبِ اسْمِهِ. و “نَرَاكَ” فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الألِفِ، والكافُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولٍ به، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ “نحنُ” يَعودُ عَلَى الفَتَيَيِنِ. و “مِنَ الْمُحْسِنِينَ” جارٌّ متعلقٌ ب “نرى” ومَجرورٌ به وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالمُ والنونُ عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المُفْرَدِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ به ثانٍ ل “نرى”، أَوْ حالٌ مِنَ الكافِ، في محلِّ النَّصبِ أيضًا، وجُمْلَةُ “نَرَاكَ” في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إنَّ”، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَها.
وقَرَاءةُ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنهما، “أَعْصِر عِنَبًا” لا تَدُلُّ على التَرادُفِ لإِرادَتِها التَفْسيرَ لا التِلاوَةَ، وهذا كَمَا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ “فوقَ رَأْسِي ثَريدًا” فإنَّهُ أَراد التَفْسيرَ فَقَطْ.

فتَّانةُ زحلة


زحلاوية أرسلت لي رسالة صوتيَّةً تسأل عني وعن سبب غيابي الطويل عن زحلة فأجبتها

لَأَنْتِ وزَحْلَةُ أُمُّ الجَمَالْ
خيالٌ لَذيذٌ ومَسْرَى خَيَالْ

وحلمٌ يلاعب مني الفؤادَ
وبَدْرٌ وعِطرٌ وخمْرٌ حلالْ

جلالٌ هَوَاكِ جَمَالٌ رُؤاكِ
وزحلَ وأنتِ دلالٌ دلالْ

أَنيكولُ صَوْتُكَ أَحْيا رَميمي
فأَيُّ صباحٍ وأَيَّةُ حالْ

فيا ليتَ أنِي .. ويا ليت أني ..
ويا ليتَ أَني .. ، خَيَالِيَ طَالْ


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 35
 
ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
 
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} ثمَّ بَدَا للعَزيزِ وأهلِ مشورتِهِ، وقيلَ المُرادُ بِ: “بَدَا لَهم” العزيزُ وحده، لكِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ باسْمِهِ ويُقْصَدْ بِعَيْنِهِ، وهذا نَظيرُ قولِهِ تعالى في الآيةِ: 173، منْ سُورَةِ آل عُمران: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}، وقد قِيلَ: إِنَّ قائلَ ذَلِكَ كانَ واحِدًا. وَهَذَا الْقَرَارُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مَالِكَةً لِقِيَادِ زَوْجِهَا كبيرِ الْوزَراءِ.
و “بَدَا” هُنَا مِنَ “الْبَدَاءِ” (بِالْفَتْحِ) لَا مِنَ “الْبُدُوِّ” الْمُطْلَقِ، أَيْ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا مِنْ قَبْلُ، كما هي في كَلِمَةٍ بَلِيغَةٍ لسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا) أَيْ: فَمَا عَدَاكَ وَصَرَفَكَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ مِمَّا بَدَا لَكَ الْآنَ وَكَانَ خَفِيًّا عَنْكَ قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ بِـ “ثُمَّ” الَّتِي تُفِيدُ الِانْتِقَالَ مِمَّا كَانُوا فِيهِ إِلَى طَوْرٍ جَدِيدٍ بَعْدَ التَّشَاوُرِ وَالتَّرَوِّي فِي الْأَمْرِ.
و “الْآياتِ” هي عَلاماتُ الصِّدقِ وأَماراتُ العِصْمَةِ والعَفافِ. أَمَّا المُرادُ بِ “الآياتِ” فهو مَا شَهِدُوهُ وَاخْتَبَرُوهُ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ إِنْسَانٌ غَيْرُ الْأَنَاسِيِّ الَّتِي عَرَفُوهَا فِي عَقِيدَتِهِ وَإِيمَانِهِ وَأَخْلَاقِهِ، مِنْ عِفَّةٍ وَنَزَاهَةٍ وَاحْتِقَارٍ لِلشَّهَوَاتِ وَالزِّينَةِ وَالتَرَفِ الْمُتَّبَعِ فِي قُصُورِ حَضَارَتِهم، وَمِنْ عِنَايَةِ رَبِّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ بِهِ كَمَا يُؤْمِنُ وَيَعْتَقِدُ، فَمِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ: أَنْ تُفْتَنَ سَيِّدَتُهُ فِي مُرَاوَدَتِهِ، وَلَمْ يَحْدُثْ أَدْنَى تَأْثِيرٍ فِي جَذْبِ خُلَسَاتِ نَظَرِهِ، وَلَا فِي خَفَقَاتِ قَلْبِهِ، بَلْ ظَلَّ مُعْرِضًا عَنْهَا مُتَجَاهِلًا لَهَا، حَتَّى إِذَا مَا صَارَحَتْهُ بِكَلِمَةِ هَيْتَ لَكَ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَاسْتَعَاذَ بِرَبِّهِ، رَبِّ آبَائِهِ الَّذِينَ يَفْتَخِرُ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ، وَعَيَّرَهَا بِالْخِيَانَةِ لِزَوْجِهَا. وَمِنْهَا: ما شَهِدَ به شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا، وهُوَ الجَدِيرُ بِالدِّفَاعِ عَنْهَا، بِمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي اتِّهَامِهَا إِيَّاهُ بِإِرَادَةِ السُّوءِ بِهَا، وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ مُرَاوَدَتِهَا إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ. فقد أَخرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالى: “ثمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ” قَالَ: مَا سَأَلَني عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الْآيَاتِ: قَدُّ الْقَمِيصِ، وأَثَرُها فِي جَسَدِهِ وَأَثَرُ السِّكينِ. وَأخرج ابْن أبي شيبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: مِنَ الْآيَاتِ: شَقٌّ فِي الْقَمِيصِ وخَمْشٌ فِي الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَ ابْنْ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “ثمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَات” قَالَ: قَدُّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فِي قَوْلِهِ: “مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ” قَالَ: مِنَ الْآيَاتِ كَلَامُ الصَّبِيِّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الْآيَاتُ جَزُّهُنَّ أَيْدِيَهنَّ وقَدُّ الْقَمِيصِ.
وهَذِهِ الْآيَاتُ تُثْبِتُ جميعها لهم أَنَّ بَقَاءَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ بَيْنَ رَبَّتِهَا وَصَدِيقَاتِهَا مَثَارُ فِتْنَةٍ لِلنِّسَاءِ لَا تُدْرَكُ غَايَتُهَا، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ وَالصَّوَابَ فِي أَمْرِهَا هُوَ تَنْفِيذُ رَأْيِهَا فِي سِجْنِهِ، فإنَّ مَا بَدَا لَهُمْ بَعْدَ مَا تَحَقَّقَتْ بَرَاءَةُ يوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، بِمَا رَأَوْا مِنْ آياتٍ هو أَشَدُّ عَجَبًا مَمّا كانَ مِنْهم قَبْلَ ذَلِكَ.
قولُهُ: {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} حتَّى حِينٍ: أَيْ إلى انقطاعِ اللائِمَةِ، وَإِنَّمَا قرَّروا سَجْنَهُ حِينَ شَاعَتِ الْقَالَةُ عَنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ عَقِبَ انْصِرَافِ النِّسْوَةِ، لِأَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَشِيعَ بَرَاءَةُ يُوسُفَ بعدَ انْصِرافِهِنَّ مِنْ عِنْدِها، فَأرادَتْ التَغْطِيَةَ على الموضوعِ بِسَجْنِهِ، حَتَّى يَظْهَرَ فِي صُورَةِ مَنْ أرَادَ بِها السُّوءَ، هذا مِنْ جِهَةٍ، ولِتَطْوِيعِهِ علَّهُ يسايِرُها ويُنَفِّذُ رغباتها مِنْ جِهَةٍ ثانيةٍ، فقَالَتِ للعَزِيزِ: إِنْ أَنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النَّاسُ.
وَأخرَج أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ ذُو رَأْي مِنْهُم للعَزيزِ إِنَّكَ مَتَى تَرَكْتَ هَذَا العَبْدَ يَعْتَذِرُ إِلَى النَّاسِ ويَقُصُّ عَلَيْهِم أَمْرَهُ، وامْرأَتُكَ فِي بَيْتِهَا لَا تَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ، عَذَروهُ وفَضَحُوا أَهْلَكَ فَأَمَرَ بِهِ فَسُجِنَ.
وأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَمَّا أَوَّل مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِمَا كَانَ مِنْ هَمِّهِ بِهَا. وَأَمَّا الثَّانيَةُ، فلِقَوْلِهِ: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} الآية: 42، من هذه السورة المُباركة، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فعُوقِبَ بِطُولِ الْحَبْسِ. وَأمَّا الثَّالِثَةُ فلأنَّهُ نَادَى في إخْوتِه: {أَيَّتُها العِيرُ إِنَّكُم لَسارِقونَ} الآية: 70 من هذه السورة، فَاسْتقْبَلَ حينها فِي وَجْهِهِ: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} الآية: 77. مِنْ ذاتِ السُّورَةِ.
قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} ثُمَّ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَرْتيبٍ كَمَا هُوَ شَأْنُهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ. و “بَدَا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتح المقدَّر على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِهِ على الأَلِفِ، وفي فاعلِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَحْسَنُها: أَنَّهُ ضَميرٌ يَعودُ على “السَّجْنِ” بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ: ظَهَرَ لهم حَبْسُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لَفْظَةُ “السِّجن” في قراءَةِ العامَّةِ، وهوَ بِطَريقِ اللازِمِ، ولَفْظُ “السَّجن” في قراءةِ مَنْ فَتَحَ السِينِ. والثاني: أَّنَّ الفاعلَ ضميرُ المَصْدَرِ المَفْهومُ مِنَ الفِعْلِ “بدا” أَيْ: بَدا لَهُمْ بَدَاءٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الشاعرُ محمدُ بْنُ بَشيرٍ الخارِجِيِّ بِهِ في قولِهِ:
لَعلَك والموعودُ حَقٌّ وفَاؤهٌ ………… بَدا لك في تلك القَلوصِ بداءُ
فقد أسند الفِعلَ إلى المصدر. والثالث: أَنَّ الفاعلَ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أَيْ: بَدَا لَهمْ رَأْيٌ. والرابعُ: أَنَّ نَفْسَ الجُمْلِةِ مِنْ “لَيَسْجُنُنَّه” هي الفاعِلُ، وهَذا مِنْ أُصُولِ الكُوفِيِّينَ. و “لَهُمْ” جارٌّ ومَجْرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “مِنْ بَعْدِ” جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَيْضًا، وجُمْلَةُ “بَدَا” مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذوفَةٍ، والتقديرُ: تَشَاوَرُوا في شَأْنِ يُوسُفَ، ثمَّ بَدا لَهُمُ السِّجْنُ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ. و “مَا” مَصْدَرِيَّةٌ. و “رَأَوُا” فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ المُقَدَّرِ عَلى الأَلِفِ المَحْذوفَةِ لالْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ. والواوُ الدالَّةُ عل الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكون في محل رفع فاعلِهِ والألفُ الفارقةُ، و “الآياتِ” مفعولٌ به منصوبٌ وعلامةُ نصبِهِ الكسرةُ نيابةً عَنِ الفتحةِ لأنَّهُ جمع المؤنَّسِ السالمُ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٌ بإضافَةِ الظَرْفِ إِلَيْهِ، تَقْديرُهُ: مِنْ بعدِ رُؤيَتِهِمُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ.
قولُهُ: {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} اللامُ: هي المُوَطِّئَةٌ لِلقَسَمِ، والقَسَمُ مُضْمَرٌ. و “يَسْجُنُنَّهُ” فعلٌ مُضرِعٌ مَرْفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخرِهِ وقد حُذِفَتْ لِمَجيءِ نونِ التوكيدِ الثقيلةِ بعدَها كراهةَ تَوالي الأَمْثالِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلِهِ، وقد حُذِفَتْ لِمَجيءِ نُونِ التَوْكِيدِ الثَّقيلَةُ بعدها فهي مُشَدَّدَةٌ والأولى منها ساكنة فحُذفتِ الواوُ لاْلْتِقاءِ السَّاكِنَيْنِ. والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ مفعولِهِ، و “حَتَّى” حَرْفُ جَرٍّ غايَةٌ لِمَا قَبْلَهُ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَسْجُنُونَ”، و “حِينٍ” مَجْرورٌ بِهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ جوابُ القَسَمِ المَحْذوفِ، وجملةُ القَسَمِ المُضْمَرِ في مَحَلَّ النَّصْبِ بِقَولٍ مَحْذوفٍ والتَقْديرُ: ثُمَّ بَدا لهمُ السَّجْنُ حَالَةَ كونَهم قائلينَ: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتِّى حِينٍ.
وقرَأَ الحَسَنُ “لَتَسْجُنُنَّه” بِتَاءِ الخَطَابِ، وفيهِ تَأْويلانِ، أَحَدُهُما: أَنْ يَكونَ خاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا بِذَلِكَ. والثاني: أَنْ يَكونَ خُوطِبَ بِهِ العَزيزُ تَعْظيمًا لَهُ.
وقَرَأَ ابْنُ مَسْعودٍ “عَتَّى” بإبْدالِ حاءِ “حتى” عَيْنًا وأَقْرَأَ بِهَا غيرَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أميرَ المؤمنين عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: “إنَّ هذا القُرآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُريْشٍ، فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَتِهم”. فقد أَخْرَجَ ابْنْ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ (الْوَقْفِ والابْتِداءِ) والخَطيبُ البغداديُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخطّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، رَجُلًا يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ {عَتَّى حِين} فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذَا الْحَرْفَ؟ قَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عُمَرُ: “لَيَسْجُنُّنَّهُ حَتَّى حِينٍ” ثمَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: سَلامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ فَجَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا مُبِينًا، وأَنْزَلَهُ بِلُغَةِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِذا أَتَاكَ كِتَابي هَذَا فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَلَا تُقْرِئْهُمْ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 34
 
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} استجاب لهُ ربُّه بحَسَبِ دُعائِهِ، وثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ. وَ “اسْتَجَابَ” مُبَالَغَةٌ فِي “أَجَابَ”، كَمَا تَقَدَّمَ بيانُهُ في الآية: 32، عند قَوْلِهٍ: {فَاسْتَعْصَمَ}. وَصَرْفُ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ معناهُ صَرْفُ أَثَرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ ثَبَّتَهُ عَلَى الْعِصْمَةِ فَلَمْ يَنْخَدِعْ لِكَيْدِهَا، وَلَا لِكَيْدِ خَلَائِلِهَا فِي أَضْيَقِ الْأَوْقَاتِ.
لقَدْ حَصَلَ ليُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَمِيعُ الْأَسْبَابِ الْمُرَغِّبَةِ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّمَتُّعِ بِالْمَنْكُوحِ وَالْمَطْعُومِ، وَحَصَلَ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا جَمِيعُ الْأَسْبَابِ الْمُنَفِّرَةِ، وَقَدْ قَوِيَتِ الدَّوَاعِي فِي الْفِعْلِ وَضَعُفَتِ الدَّوَاعِي فِي التَّرْكِ، فَطَلَبَ مِنَ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَنْ يُحْدِثَ فِي قَلْبِهِ أَنْوَاعًا مِنَ الدَّوَاعِي الْمُعَارِضَةِ النَّافِيَةِ لِدَوَاعِي الْمَعْصِيَةِ إِذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْمُعَارِضُ لَحَصَلَ الْمُرَجِّحُ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ خَالِيًا عَمَّا يُعَارِضُهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ وُقُوعَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَائِهِ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ، إِذْ كَفَّتِ المَرْأَةُ عَنْ مُلاَحَقَتِهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالفَاحِشَةِ، وَعَصَمَهُ اللهُ مِنْهُنَّ.
قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَاللهُ تَعَالَى سَمِيعٌ لِمَنْ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، مُخْلِصًا لَهُ الدُّعَاءَ، جَامِعًا بَيْنَ مَقَامَيِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَعَطْفُ جُمْلَةِ فَاسْتَجابَ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللهَ عَجَّلَ إِجَابَةَ دُعَائِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ في الآية: 33، السابقة: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ}. فَالسَّمْعُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِجَابَةِ الْمَطْلُوبِ، كما يُقَالُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. “عَلِيمٌ” بِصِدْقِ إِيمَانِهِ وإخلاصِهِ في دُعائه ورجائهِ وتوجُّهِ قلبِهِ، خبيرٌ بِمَا يُصْلِحُ أَحْوَالَ عَبْدِهُ. وَتَأْكِيدُهُ بِ “إنَّ” وبضَمِيرِ الْفَصْلِ “هو” لِتَحْقِيقِ ذَلِك الْمَعْنى. وَجُمْلَةُ: “إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” فِي مَوْضِعِ الْعلَّة لِ “فَاسْتَجابَ” الْمَعْطُوفِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، أَيْ أَجَابَ دُعَاءَهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ لِأَنَّهُ سَرِيعُ الْإِجَابَةِ وَعَلِيمٌ بِالضَّمَائِرِ الْخَالِصَةِ. وفِيهِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ رَبَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ عِنَايَتِهِ بِتَرْبِيَتِهِ، أَقْصَرَ زَمَنٍ يَهْتَمُّ فِيهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ، وَمُؤَيِّدٌ لِقَوْلِهِ في الآية: 21 السابقةِ: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}.
أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عَلَى يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ عَرَفَتْهُ وَقَالَتْ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَيَّرَ العَبيدَ بِطَاعَتِهِ مُلُوكًا. وَجَعَلَ الْمُلُوكَ بِمَعْصِيَتِهِ عَبيدا.
قولُهُ تَعَالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} الفاءُ: حَرْفُ عطفٍ وتَفْريغٍ وتعقيبٍ. و “استجابَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ الظاهِرِ. و “لَهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “رَبُّهُ” فاعلُهُ مرفوعٌ به مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. والجملةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {قال} منَ الآيةِ السابقةِ على كونِها مُسْتَأْنَفَةً فلا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “فَصَرَفَ” الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ وتَفْريعٍ. و “صَرَفَ” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعُودُ على اللهِ تعالى. و “عَنْهُ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. و “كَيْدَهُنَّ” مَفْعولُهُ منصوبٌ بِهِ مُضافٌ، وضميرُ جماعةِ الغائباتِ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليه، والجملة معطوفةٌ على جُملَةِ “استجابَ” المعطوفةِ على جملةِ {قال} المُسْتَأْنَفَةِ فلا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إِنَّهُ: حرفٌ نَاصِبٌ ناسخٌ مُشبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نَصْبِ اسْمِها. و “هُوَ” ضَميرُ فَصْلٍ للتوكيدِ. و “السَّمِيعُ” مرفوعٌ خبَرًا أَوَّلَ لِ “إنَّ”. و “الْعَلِيمُ” مرفوعٌ خَبَرًا ثانيًا لهُ، وجُمْلَةُ “إنَّ” مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ ما قَبْلَهَا فلا محلَّ لها من الإعرابِ.
 


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 33
 
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ. (33)
 
قولُهُ ـ تَعَالى شأْنَّهُ: {قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} أيْ: رَبِّ، إنَّ دخولَ السِّجْنُ أَسْهَلُ عَلَيَّ وأَهْوَنُ مِنَ الاسْتِجَابَةِ إِلَى مَا يَطْلُبْنَهُ مِنِّي مِنْ فِعِلِ الفَاحِشَةِ والْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَتِكَ. فقد اسْتَعَاذَ يُوسُفُ ـ عليهِ السلامُ، بِاللهِ مِنْ شَرِهِنَّ، وَمِنْ كَيْدِهِنَّ. وفيهِ دَلالَةٌ أَنَّهُ قدْ كانَ مِنْهُنَّ مِنَ المُراوَدَةِ ودَعْوتِهِنَّ لهُ إلى أَنْفُسِهِنَّ ما كانَ مِنِ امْرَأَةِ العَزيزِ مِنَ المُراوَدَةِ والدُّعوةِ إلى نَفْسِها؛ حيثُ قالَ: “رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ”، وقالَ بعْدَ ذلك في الآيةِ: 51: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}، وكذلك قولُ امْرَأَةِ العَزيزِ في الآيةِ: 32 السابِقَةِ: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أَيْ: كُنْتُنَّ لُمْتُنَّني فيهِ أَنْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ وأَنْتُنَّ قد رَاوَدْتُنَّهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: طَلَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ منهنَّ أَنْ تَخْلُوَ بِهِ لِلنَّصِيحَةِ فِي امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، بقَصْدِ أَنْ تَعْذِلَهُ فِي حَقِّهَا، وَتَأْمُرَهُ بِمُسَاعَدَتِهَا، لَعَلَّهُ يستجِيب دعوتَها، فَصَارَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ منهنَّ تَخْلُو بِهِ فَتَقُولُ: يَا يُوسُفُ! اقْضِ لِي حَاجَتِي فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ سَيِّدَتِكَ، فتَدْعُوهُ لِنَفْسِهَا وَتُرَاوِدُهُ عن نفسِهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَانَتْ وَاحِدَةً فَصِرْنَ جَمَاعَةً.
وَقِيلَ: المُرادُ كَيْدُ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِيمَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ الْفَاحِشَةِ، وَكَنَّى عَنْهَا بِخِطَابِ الْجَمْعِ إِمَّا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهَا فِي الْخِطَابِ، وَإِمَّا لِيَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ إِلَى التَّعْرِيضِ والتلميحِ، أوَ الْكَيْدِ الِاحْتِيَالِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتِ الْحَرْبُ كَيْدًا لِاحْتِيَالِ النَّاسِ فِيهَا، قَالَ عُمَرُ بْنُ لَجَأٍ:
تَرَاءَتْ كَيْ تَكِيدَكَ أُمُّ بِشْرٍ ………………….. وَكَيْدٌ بِالتَّبَرُّجِ مَا تَكِيدُ
وَقيلَ فِي الآيةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّسْوَةَ اشْتَرَكْنَ مَعَ امْرَأَةِ العَزِيزِ فِي تَهْدِيدِ يُوسُفَ وَتَخْوِيفِهِ مِنْ عَاقِبَةِ إِصْرَارِهِ عَلَى الامْتِنَاعِ عَنْهَا، ورَغَبْنَّهُ فِي مُسَايَرَتِهَا، وَالاسْتِجَابَةِ لَهَا. وَذلك لمَّا قَالَتْ امرأةُ العزيزِ: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} الآية: 32، السابقة. أيْ: أَنَّهُنَّ لَمَّا سَمِعْنَ هَذَا التَّهْدِيدَ اجْتَمَعْنَ عَلَى يُوسُفَ، وَقُلْنَ لَا صالِحَ لَكَ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِهَا، وَإِلَّا سُجِنْتَ ووَقَعْتَ فِي الصَّغَارِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ عَلى يوسُفَ أَنْوَاعٌ مِنَ الْوَسْوَسَةِ، أَحَدُهَا: كوَنُ زَلِيخَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ. وَثَّانِيها: أَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَثَرْوَةٍ، وَكَانَتْ عَلَى عَزْمٍ أَنْ تَبْذُلَ الْكُلَّ لِيُوسُفَ إذا ما أجابها إلى مَا طلَبَتْهُ منه. وَثَالِثُها: أَنَّ النِّسْوَةَ اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَتْ تُرَغِّبُهُ وَتُخَوِّفُهُ بِأُسلوبٍ، وَمَكْرُ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ شَدِيدٌ، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ خَائِفًا مِنْ شَرِّهَا وَإِقْدَامِهَا عَلَى قَتْلِهِ وَإِهْلَاكِهِ. فَقد اجْتَمَعَ ليُوسُفَ كلُّ أَساليبِ التَّرْغِيبِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا، وَالتَّرهيبِ مِنْ مُخَالَفَتِهَا.
وقيلَ لمَّا طَلَبْنَ مِنْهُ أَيْضًا ما طَلَبَتْهُ مِنْهُ امْرَأَةُ العَزيزِ، كلُّهُنَّ أَوْ بعضٌ مِنْهنَّ، خَافَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ تُؤَثِّرَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْقَوِيَّةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ، وَإنَّ ما لَدَيْهِ مِنْ قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ وَطَّاقَةٍ إِنْسَانِيَّةَ لَا تَفِي بِحُصُولِ هَذِهِ الْعِصْمَةِ الْقَوِيَّةِ، فَعِنْدَ هَذَا الْتَجَأَ إِلَى الله تَعَالَى وَقَالَ: “رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ”.
والسِّجْنُ فِي غَايَةِ الْمَكْرُوهِ، وَمَا دَعَوْنَهُ إِلَيْهِ فِي غَايَةِ الْمَرغوبِ، لَكنَّه ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَحَبَّ الْمَشَقَّةَ وفضَّلَها على اللَّذَّةِ واخْتَارَهَا عَلَيْها لأَنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ كَانَتْ تَسْتَعْقِبُ آلَامًا عَظِيمَةً، كالذَّمُّ فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ السِّجْنِ كَانَ يَسْتَعْقِبُ سَعَادَاتٍ عَظِيمَةً، وَهِيَ الْمَدْحَ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابَ الدَّائِمَ فِي الْآخِرَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: “السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ”.
وإِنَّما وَقَعَ في السِّجْنِ؛ لأَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ السِّجْنَ فاسْتُجيبَ لَهُ في ذَلِكَ. وحُكِيَ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا قَالَ: “السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ” أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: (يَا يُوسُفُ! أَنْتَ حَبَسْتَ نَفْسَكَ حَيْثُ قُلْتَ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَلَوْ قُلْتَ الْعَافِيَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ لَعُوفِيتَ). ونُقِلَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قولَهُ: “رَبِّ السِّجْنُ أَحَبّ إِلَىَّ ممّا يَدْعُونَني إِلَيْه” قال: ((رَحِمَ اللهُ أَخِي يُوسُفَ هَلَّا سَأَلَ اللهَ العَفْوَ والعافيَة)).
قولُهُ: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أَيْ: إِنْ وَكَّلْتَنِي يَا رَبُّ إِلَى نَفْسِي فَلَيْسَ لِي مِنْهَا قُدْرَةٌ، وَلاَ أَمْلِكُ لَهَا ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلَّا بِحَوْلِكِ وَقُوَّتِكَ، فَإِنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، وَتَعْصِمُنِي مِنَ الفَاحِشَةِ، أَسْتَجِبْ لَهُنَّ، وَأَكُنْ بِذَلِكَ مِنَ الجَّاهِلِينَ الذِي تَسْتَخِفُّهُمُ الشَّهَوَاتُ، فَيَجْنَحُونَ إِلَى ارْتِكَابِ المُوبِقَاتِ، وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ.
قولُه: {أَصْبُ إليهنَّ} مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا مَالَ وَاشْتَاقَ صَبْوًا وَصَبْوَةً، قَالَ زيدُ بْنُ ضَبَّةَ:
إِلَى هِنْدَ صَبَا قَلْبِي ………………………….. وَهِنْدُ مِثْلُهَا يُصْبِي
وَالصِّبَا ريحٌ تَهُبُّ عَلَى بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ مَشْرِقٍ، فتَصْبُو إِلَيْهَا النُّفُوسَ لِطِيبِ نَسِيمِهَا وَرَوْحِهَا، حَتَّى إِنَّ تَغَزُّلَ شُعَرَائِهِمْ بِهَا لَيُضَاهِي تَغَزُّلَهُمْ بِعَشِيقَاتِهِمْ رِقَّةً وَصَبَابَةً، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اقْتَرَفَا وَامْتَزَجَا كَقَوْلِ الشاعر الدمشقي أَحمدِ بْنِ مُحمَّدٍ التَّغْلِبِيِّ المُتَوَفَّى سَنَةَ: /497/ للهجرةِ، المعروفِ بابْنِ الخيَّاطِ:
خُذَا مِنْ صِبَا نَجْدٍ أَمَانًا لِقَلْبِهِ …………….. فَقَدْ كَادَ رَيَّاهَا يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وهوَ مَطْلِعُ قَصيدةٍ لَطيفةٍ لهُ منها:
وَإِيَّاكُمَا ذَاكَ النَّسِيمَ فَإِنَّهُ ………….. إِذَا هَبَّ كَانَ الْوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ
خليليَّ لَوْ أَحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما ………. مَحَلَّ الهَوَى مِنْ مُغْرَمِ القلبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرَ والذِكْرَى تَشُوقُ وذُو الهَوَى …… يَتُوقُ وَمَنْ يَعْلَقْ بِهِ الحُبُّ يُصْبِهِ
غَرَامٌ عَلَى يَأْسِ الهَوَى ورَجائهِ ………… وشَوْقٌ عَلَى بُعْدِ المَزارِ وقُرْبِهِ
وفي الرَّكْبِ مَطْوِيُّ الضُّلوعِ عَلَى جَوًى ….. مَتَى يَدْعُهُ داعي الغَرامِ يُلَبِّهِ
إذا خَطَرَتْ مِنْ جانِبِ الرَّمْلِ نَفْحَةٌ ……. تَضَمَّنَ مِنْها داؤهُ دونَ صَحْبِهِ
قولهُ: {وأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أَيْ مِنْ صِنْفِ السُّفَهَاءِ الذين يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْجُهَّالِ، أَيْ مِمَّنْ يَرْتَكِبُون الْإِثْمَ وَيَسْتَحِقُّون الذَّمَّ، الَّذِينَ تَسْتَخِفُّهُمْ أَهْوَاءُ النَّفْسِ فَيَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ منهم، وَهِيَ ممَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ والْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، فَإِنْ لَمْ تَلْطُفْ بِي فِي اجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ وَقَعْتُ فِيهَا.
وَقد دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَمْتَنِعُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعَوْنِهِ سبحانَهُ، كما دَلَّ أَيْضًا عَلَى قُبْحِ الْجَهْلِ وَذَمِّ صَاحِبِهِ. وَهَو نَصٌّ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَا صَبَا إِلَيْهِنَّ، وَلَا أَحَبَّ أَنْ يَعِيشَ مَعَهُنَّ، وقد الْتَجَأَ إلى اللهِ ربِّهِ فصرف عنه كيدهنَّ فلم يَصْبُ إليهِنَّ.
قولُهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوازًا تَقْديرُهُ “هو” يَعودُ عَلى يُوسُفَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “رَبِّ” مُنَادى مُضافٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّداءِ، مَنْصوبٌ وعلامَةُ نَصْبِهِ فتحةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى ما قبلِ ياءِ المتكلِّمِ المحذوفةِ للتَّخْفيفِ. والياءُ المَحْذوفَةُ ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ مُضافٌ إِلَيْهِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ “قَالَ”. و “السِّجْنُ” مَرفوعٌ بالابتداءِ، و “أَحَبُّ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وليْسَتْ “أحبُّ” هُنَا على بابِها مِنَ التَفْضيلِ لأَنَّه لَمْ يُحِبَّ ما يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ قَطُّ، وإنَّما هَما أَمرانِ أحلاهما مرُّ، وكان عليه أنْ يختارَ فآثَرَ أهونَ الشَّرينِ عَلى الآخَرِ. والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بالقولِ عَلى كَوْنِها جَوابَ النِّداءِ. و “إِلَيَّ” جارٌّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَحَبُّ” وياء المتكلِّمِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. و “مِمَّا” مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَحَبُّ” أَيْضًا و ” و “ما” اسمٌ مَوْصُولٌ، مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. أو هي نَكِرةٌ موصوفةٌ. و “يَدْعُونَنِي” فعلٌ مضارعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى سُّكونٍ مقدَّرٍ على الواوِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو نونُ النِّسْوَةِ، وهي ضميرٌ مبنيٌّ على الفتحِ في مَحلِّ رَفْعِ فاعلِهِ، والنونُ الثانيةُ للوقايَةِ، وياءُ المتكلِّم ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ. و “إِلَيْهِ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “يدعون”، وهوَ العائدُ عَلَى “ما” المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِـ “ما” الموصولة فلا محلَّ لها من الإعراب، أَوْ صِفَةٌ لَها في محلِّ الجرِّ إنْ أُعْرِبَتْ نَكِرةً مَوْصوفَةً.
قولُهُ: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} الواو: عاطفة. “إلَّا” هي “إِنْ” حَرْفُ شَرْطٍ جازِمٌ مَبْنِيٌّ بِسُكونٍ على النُّونِ المُدْغَمَةِ في لامِ “لا” النافيَةِ. و “تَصْرِفْ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزومٌ بِـ “إنْ” الشَّرْطِيَّةِ كَوْنَها فِعْلَ شَرْطٍ لها، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “أنت” يَعودُ على اللهِ تعالى. و “عَنِّي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِـ “تَصْرِفْ”. وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. “كَيْدَهُنَّ” مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ وهو مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ جرِّ مضافٍ إليهِ، والنونُ للنِّسْوَةِ. و “أَصْبُ” فعلٌ مُضَارِعٌ مَجْزومٌ بِـ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ جَوابًا لَهَا، وعَلامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ العِلَّةِ منْ آخرهِ ، وهو الواو فإنَّه في الأصلِ “أصبو”. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ على يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، و “إِلَيْهِنَّ” جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بِهِ، ونونُ جماعةِ النساءِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا عَلى جُمْلَةِ قولِهِ: “السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ” عَلى كَوْنِها مَقولَ “قَالَ”. و “وَأَكُنْ” الواوُ للعطفِ و “أَكُنْ” فعلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ معطوفٌ عَلَى “أَصْبُ” وحذِفَتْ واوُهُ لالتقاءِ الساكنين فإنَّ أَصْلَهَ “أَكونُ” فلمَّا سَكَنَتِ النونُ للجزمِ بالشرطِ تعذّر النطقُ بِساكِنَيْنِ فحذفَتِ الواوُ، واسْمُ الفعل الناقص “كان” ضَميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا تقديرُهُ “أنا” يَعودُ عَلى يُوسُفَ أيضًا. و “مِنَ” حرفُ جرٍّ متَعلِّقٌ بخبرِ “كان” المُقدَّرِ، و “الْجَاهِلِينَ”. مجرورٌ ب “من” وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالِمُ، والنونُ عِوضًا عن التنوين في الاسمِ المفرَدِ.
قرَأَ العامَّةُ: {رَبِّ السِّجْنُ} بكسْرِ الباءِ لأَنَّهُ مُضافٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، اجْتُزِئَ عَنْها بالكَسْرَةِ وهيَ الفُصْحى. و “السِّجْنُ” بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ “أحبُّ” كما تقدَّمَ في الإعرابِ. والسِّجْنُ الحَبْسُ، والمَعْنَى: دُخولُ السِّجْنِ، كما تقدَّمَ في التفسيرِ. وقرَأَ بَعْضُهم: “رَبُّ” بِضَمِّ الباءِ وجَرِّ النُّونِ عَلَى أَنَّ “رَبُّ” مُبْتَدَأٌ و “السجنِ” خفضٌ بالإِضافَةِ، و “أَحَبُّ” خَبَرُهُ أيضًا، والمَعْنَى: مُلاقاةُ صاحِبِ السِّجْنِ ومُقاسَاةُ عذابِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ أَنَّ أميرَ المؤمنينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَرَأَ: “السَّجْنُ” بِفَتْحِ السِّينِ وَحُكِيَ عَنْ طارق مولاهُ وابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وزيدِ بْنِ عَلِيٍّ والزُّهْرِيِّ وابْنِ هُرْمُز وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ، وَيَعْقُوبَ أَنّهم قرؤوا بها جميعًا، وَهُوَ مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا. أَيْ: الحَبْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وقرأَ العامَّةُ: {أَصْبُ} بِتَخْفيفِ الباءِ مِنْ “صَبا يَصْبو” أيْ: رَقَّ شَوْقُهُ. والصَّبْوَةُ: المَيْلُ إلى الهَوَى، ومِنْهُ “الصَّبا” لأَنَّ النُّفوسَ تَصْبو إِلَيْها أَيْ: تَميلُ، لِطِيبِ نَسيمِها ورَوْحِها، يُقالُ: صَبَا يَصْبُو صَباءً وصُبُوًّا، وصَبِيَ يَصْبَى صَبًا، والصِّبا بالكَسْرِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ.


فيض العليم … سورة يوسف، الآية: 32
 
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ. (32)
 
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} فلَمَّا بُهِتَ النِّسْوَةُ بالنَّظَرِ إِلى يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَهَبَتْ عُقولُهُنَّ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أَيْديَهُنَّ، قالَتْ: “فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ” أَيْ: حِينَئِذٍ قَالَتْ لَهُنَّ مَا يُعْلَمُ شَرْحُهُ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، لِمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ مِنْ إِيجَازٍ وَإِجْمَالٍ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مَا رَأَيْتُنَّ بِأَعْيُنِكُنَّ، وَمَا أَكْبَرْتُنَّ فِي أَنْفُسِكُنَّ، وَمَا فَعَلْتُنَّ بِأَيْدِيكُنَّ، وَمَا قُلْتُنَّ بِأَلْسِنَتِكُنَّ، فَذَلِكُنَّ هُوَ الْأَمْرُ الْبَعِيدُ الْغَايَةِ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، وَأَسْرَفْتُنَّ فِي عَذْلِي عَلَيْهِ، قَالَتْ امْرَأَةُ العَزِيزِ ذلك لِلنِّسْوَةِ دِفاعًا عَنْ نَفْسِهَا، فهَذَا هُوَ الغُلاَمُ الذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ لأَنَّنِي شُغِفْتُ بِهِ حُبًّا، أَيْ عَيَّرْتُنَّنَي إِذِ افْتُتِنْتُ بِهِ، وقد رَبَأْتُنَّ بِمَحَلِّي منَ العزيزِ وبِنِسْبَتي إليْهِ ووَضَعْتُنَّ من قَدْرِهِ بأَنَّهُ مِنَ المَمَاليكِ حينَ قُلْتُنَّ “فَتَاها” أَيْ: عبدَها الكَنعاني، وقُلْتُنَّ فِيَّ وفِيهِ ما قُلْتُنَّ. فَمَا هُوَ عِبْرَانِيٌّ أَوْ كَنْعَانِيٌّ مَمْلُوكٌ، وَخَادِمٌ صُعْلُوكٌ، قَدْ شَغَفَ مَوْلَاتَهُ الْمَالِكَةَ لِرِقِّهِ حُبًّا وَغَرَامًا، فَهِيَ تُرَاوِدُهُ عَنْ نَفْسِهِ ضَلَالًا مِنْهَا وَهَيَامًا، بَلْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ، هُوَ مَلَكٌ رُوحَانِيٌّ، تَجَلَّى فِي شَكْلٍ إِنْسَانِيٍّ، أُوتِيَ مِنْ رَوْعَةِ الْجَمَالِ مَا خَلَبَ أَلْبَابَكُنَّ فِي الْوَهْلَةِ الْأُولَى مِنْ ظُهُورِهِ لَكُنَّ، فَمَا قَوْلُكُنَّ فِي أَمْرِي مَعَهُ وَافْتِتَانِي بِهِ، وَإِنَّمَا تَرَعْرَعَ فِي دَارِي، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى بَيْنَ سَمْعِي وَبَصَرِي، فَأَنَا أُشَاهِدُهُ فِي قُعُودِهِ وَقِيَامِهِ، وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ، وَأَخْلُو بِهِ فِي لَيْلِي وَنَهَارِي، فَأَرَاهُ بَشَرًا سَوِيًّا، إِنْسِيًّا لَا جِنِّيًّا، وَجَسَدًا لَا مَلَكًا رُوحَانِيًّا، فَأَتَرَاءَى لَهُ فِي زِينَتِي، وَأَعْرِضُ عَلَى نَظَرِهِ مَا ظَهَرَ وَمَا خَفِيَ مِنْ مَحَاسِنِي، فَيُعْرِضُ عَنْهَا احْتِقَارًا، فَأَتَصَبَّاهُ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ كَلَامٍ عَذْبٍ يَخْلُبُ اللُّبَّ، وَلِينِ قَوْلٍ وَخُشُوعِ صَوْتٍ يُرَقِّقُ الْقَلْبَ، فَلَا يَصْبُو إِلَيَّ، وَأَمُدُّ عَيْنَيَّ إِلَى مَحَاسِنِهِ فِيهِمَا كُلُّ مَا يُكِنُّهُ قَلْبِي مِنْ صَبَابَةٍ وَشَوْقٍ وَخَلَاعَةٍ، مَعَ فُتُورِ جَفْنٍ، وَانْكِسَارِ طَرْفٍ، وَطُولِ تَرْنِيقٍ وَتَحْدِيقٍ، فَلَا يَرْفَعُ إِلَيَّ طَرْفًا، وَلَا يَمِيلُ نَحْوِي عَطْفًا، بَلْ تَتَجَلَّى فِيهِ الرُّوحُ الْمَلَكِيَّةُ بِأَظْهَرِ مَجَالِيهَا، وَالْعِبَادَةُ الْإِلَهِيَّةِ بِأَكْمَلِ مَعَانِيهَا، أَمِثْلُ هَذَا الْمَلَكِ الْقَاهِرِ يُسَمَّى عَبْدًا طَائِعًا؟!.
وَهَا قَدْ رَأَيْتُنَّ جَمَالَهُ بِأَعْيُنِكُنَّ، وَعايَنْتُنَّ بَهَاءَهُ، وقد عَلِمْتُنَّ مَنْ هوَ فمَا قولُكن فِينا؟ وكَيْفَ لاَ يَتَعَلَّقُ قَلْبِي بِهِ وَمِثْلُ هَذَا الجَمَالِ خَلِيقٌ بِأَنْ يُفْتَتَنَ بِهِ. واللَّوْمِ في اللُّغَةِ الوَصْفُ بالقَبيحِ، ونَقيضُهُ الحَمْدُ، أيْ: الثَّنَاءُ بالحَسَنِ. فالْخِطَابُ للنِّسْوَةِ، والإشارةُ إلى يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ الأَنْباريِّ: أَشَارَتْ بِذلِكَ إِلى يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ المَجْلِسِ.
قولُهُ: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} حَسْبَمَا قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ. لقد باحَتْ لَهُنَّ إذًا بِبَقِيَّةِ سِرِّها، واعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا رَاوَدَتْهُ فِعْلًا عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ أَبَى وامْتَنَعَ امْتِنَاعًا شَدِيدًا، وذلك بَعدَمَا أَقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأَوْضَحَتْ لَهُنَّ عُذْرَها وَقَدْ أَصَابَهُنَّ مِنْ قِبَلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما أَصَابَها.
قولُهُ: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} أي: أُقْسِمُ لَكُنَّ آكَدَ الْأَيْمَانِ، وَلِتَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ الْأُذُنَانِ، إنْ لم يَفْعَلْ ما آمُرُ بِهِ فيما سَيَأْتي مَا لَم يَفْعَلْه فيما مَضَى، قَالَتْ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ إِرْهَابًا لَهُ. وذلكَ بَعْدَ أَنِ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ أَوَّلًا بِما كُنَّ يَسْمَعْنْهُ مِنْ مُراوَدَتِها لَهُ، وأَكَّدَتْهُ إِظْهارًا لابْتِهاجِها بِذَلِكَ، زادتْ عَلَيْهِ أَنَّها مُصِرَّةُ على ما تريدُهُ مِنْهُ، مُسْتَمِرَّةٌ عَلى مَا كانَتْ عَلَيْهِ، غيرُ مَصروفَةٍ عَنْهُ بِلَوْمِ عَذولٍ، ولا بِإِعْراضِ حَبيبٍ.
قولُهُ: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} وفي مَعْرِضِ إصْرارِها عَلَى تَنْفيذِ رَغْبَتِها تِلْكَ أَكَّدَتْ أَمامَ النِّسْوَةِ بأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ، وَيَخْضَعْ لأَرَادَتِهَا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَجِبْ لِرَغْبَتِهَا، فَإِنَّهُ سَيُسْجَنُ وَسَيَكُونُ مِنَ المَنْبُوذِينَ المُسْتَكِينِينَ الأَذِلَّاءِ. وقد عَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها لَيوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، عَنْ نَفْسِهِ بالأَمْرِ إِظْهارًا لِجَرَيانِ حُكومَتِها عَلَيْهِ، واقْتِضَاءً للامتِثالِ بِأَمْرِها. وآثَرَتْ بِنَاءَ الفِعْلِ للمَفْعُولِ جَرْيًا عَلَى رَسْمِ المُلُوكِ، أَوْ إِيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لأَمْرِها كَأَنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ.
قولُهُ تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} قَالَتْ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، والتاءُ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعل. وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستتِرٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هي” يَعودُ عَلَى “زُلَيْخا”، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و “فَذَلِكُنَّ” الْفَاءُ: هي الْفَصِيحَةُ، أَيْ: إِذا كَانَ هَذَا كَمَا زَعَمْتُنَّ مَلَكًا فَهُوَ الَّذِي بَلَغَكُنَّ خَبَرُهُ فَلُمْتُنَّنِي فِيهِ. و “ذلكن” ذا: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، واللامُ للبعدِ، والكاف للخطابِّ والنونُ للنِّسْوَةِ. و “الَّذِي” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ خبرُ المبتدَأِ. و “لُمْتُنَّنِي” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو نونُ النِسّْوَةِ، ونونُ النِّسْوَةِ: ضميرٌّ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌّ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ والنونُ للوقاية. و “فِيهِ” فِي: حَرْفُ جَرٍّ لِلتَّعْلِيلِ، كما هو في قولِهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ)) أي بسبَبِ هُرَّةٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالفعلِ “لُمْتُنَّنِي”. وَهُنَالِكَ والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بهِ، وثمَّةَ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فِي شَأْنِهِ أَوْ فِي مَحَبَّتِهِ. وهوَ العائدُ عَلَى المَوْصولِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وجُمْلَة “ذا الذي” الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، بالقوْل لِجَوابِ إِذا المُقَدَّرَةِ، وجُمْلَةُ إذَا المُقَدَّرَةِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولُ “قَالَتْ”. وقد أَشَارَتْ إِلَيْهِ إِشارَةَ البَعيدِ وإِنْ كانَ قريبًا أَوْ حاضِرًا تَعْظيمًا لَهُ ورَفْعًا مِنْه لِتُظْهِرَ عُذْرَها في شَغَفها به. وقد جَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ يَكونَ في اسمِ الإشارةِ “ذلك” إِشارةٌ إلى حُبِّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، والضَّميرُ في “فِيهِ” عائدٌ عَلَى الحُبِّ، فَيَكونُ “ذلك” إِشارةً إلى غائبٍ. ويَعني بالغائبِ البَعيدَ، وإِلَّا فالإِشارَةُ لا تَكُونُ إِلَّا لِحاضِرٍ مُطْلَقًا.
قولُهُ: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} الواوُ: عاطِفَةٌ. واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “قد” حَرْفُ تَحْقيقٍ. و “رَاوَدْتُهُ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌ على السكون لاتِّصالِهِ بضمير رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعلِ، وتاءُ الفاعِلِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ نصبِ مفعولِهِ. و “عَنْ نَفْسِهِ” حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بالفعلِ “راودْتُ”، و “نفسِهِ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والجُملةُ الفعليَّةُ جوابٌ للقَسَمِ المَحْذوفِ، وجملةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا على جملةِ قولِهِ: “فَذَلِكُنَّ”. و “فَاسْتَعْصَمَ” الفاءُ: عاطفةٌ. و “اسْتَعْصَمَ” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ: “هو” يَعودُ على يوسُفَ ـ عليه السلامُ، والجملةُ معطوفة على جملة “رَاوَدْتُ” على كونِها في محلِّ النَّصبِ. وَ “اسْتَعْصَمَ” مُبَالَغَةٌ فِي عَصَمَ نَفْسَهُ، ويدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظِ الشديدِ، كأنه في عِصْمةٍ وهو يجتهدُ في الاستزادةِ منها، ونحو: استمسك واستوسع الفَتْقُ، استجمع الرأيَ، واستفحل الخطبُ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، مِثْلَ: اسْتَمْسَكَ وَاسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ وَاسْتَجَابَ. وقيلَ إنّها ليست على بابها مِن الطلب، بل استفعل هنا بمعنى افتعل، فاستعصم واعتصم واحد.
قولُهُ: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} الواوُ: عاطفة. واللام: موطئة للقسم. و “إنْ” حرف شرط جازم. و “لَمْ” حرف نفي وجزم، و “يَفْعَلْ” فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ ب “لم”، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ “هو” يعودُ على يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهذِهِ الجُملَةُ الفعليَّةُ في محلِّ الجَزْمِ بـ “إنْ” الشرطيَّةِ على أنَّها فعلُ شرطٍ لها. و “مَا” مَوْصولَةٌ، أَو نَكرةٌ موصوفةٌ مبنيَّةٌ على السكونِ في محل النَّصبِ مفعولٌ بهِ. و “آمُرُهُ” فِعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازمِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ “أَنَا” يَعودُ عَلى “زُلَيْخا”، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصلٌ به في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ بهِ، وهذِهِ الجٌملةُ الفعليَّةُ صِلَةٌ لـ “ما” فلا محلَّ لها، أَوْ صِفَةٌ لَها في محلِّ النصْبِّ، وجوابُ الشَّرْطِ محذوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ والتقديرُ: ولَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ يُسْجَنُ، وجُمْلَة الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وَجَوابِهِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعراب. ويجوزُ أنْ تكونَ “ما” مصدريَّةً. والهاءُ في “آمُرُه” تَحْتَملُ العَوْدُ عَلَى “ما” المَوْصولَةِ إذا جَعَلْناها بِمَعنى “الذي”. أو تَعودُ عَلَى يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ. ولم يُجَوِّزِ الزَّمَخْشَريُّ عَوْدَها على يُوسُفَ إِلَّا إذا جُعِلَتْ “ما” مَصْدَرِيَّةً، فإنَّه قال: فإنْ قلتَ: الضَّميرُ في “آمُرُهُ” راجعٌ إلى المَوْصولِ أَمْ إلى يُوسُفَ؟ قلتُ: بَلْ إلى المَوْصولِ والمَعْنَى: ما آمُرُ بِهِ فَحَذَفَ الجارَّ كَمَا في قولِهِ: (أَمَرْتُكَ الخيرَ). ويجوزُ أَنْ تُجْعَلَ “ما” مَصْدَرِيَّةً فَيَعودُ عَلى يُوسُفَ، ومَعْنَاهُ: ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَمْري إيَّاهُ، أَيْ: مُوْجِبَ أَمْرِي ومُقْتَضاهُ. وعَلى هذا فالمَفْعُولُ الأَوَّلُ مَحْذوفٌ تقديرُهُ: ما آمُرُهُ بِهِ وهوَ ضَميرُ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ. وَحُذِفَ عَائِدُ صِلَةِ “مَا آمُرُهُ” وَهُوَ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِالْبَاءِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ك: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ.
قولُهُ: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} اللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ مُؤَكِّدَةٌ للأُولى. و “يسجنن” فعلٌ مُضارِعٌ مُغَيَّرُ الصِيغَةِ أو نقولُ مبنيٌّ للمجهولِ، في محلِّ الرَّفع، مبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بِنُونِ التَّوْكيدِ الثَّقيلَةِ، ونائِبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ “هو” يَعودُ عَلَى يُوسُفَ ـ عليهِ السلامُ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عطْفًا على جُمْلَةِ القَسَمِ الأَوَّلِ، عَلَى كَونِهِ مَقولًا لِـ “قالت”. و “وَلَيَكُونًا” الواوُ: عاطِفَةٌ. واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و “يكونًا” فعلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، لاتِّصالِهِ بِنُونِ التَوْكِيدِ الخَفيفَةِ المُنْقَلِبَةِ أَلِفًا للتَّخْفيفِ، واسْمُ “يكون” ضَميرٌ مستترٌ جوازًا تقديرُه “هو” يعودُ على يُوسُفَ. و “مِنَ” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبرِها، و “الصَّاغِرِينَ” مَجْرورٌ بِهِ وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسمِ المُفْرَدِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ القَسَمِ في قولِهِ: “لَيُسْجَنَنَّ”.
قرَأَ العامَّةُ: {وليكونًا} بِتَخْفيفِ نُونِ “ولَيَكونَنْ”، ويَقِفون عَلَيْها بالأَلِفِ إِجْراءً لَهَا مُجْرَى التَنْوينِ، ولِذَلِكَ يَحْذفونَها بَعْدَ ضَمَّةٍ أَوْ كَسْرَةٍ نَحْوَ: (هلْ تَقومونَ) و (هَلْ تَقومينَ) في: (هلْ تَقُومُن) و (هَلْ تَقومِن)، والنونُ المَوْجودَةُ في الوَقْفِ نُونُ الرَّفْعِ رَجَعُوا بِها عِنْدَ عَدَمِ مَا يَقْتَضي حَذْفَها. وقَرَأَتْ فِرْقَةٌ بِتَشْديدِهَا، وفيها مُخالَفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ لِكَتْبِها فيهِ أَلِفًا، لأَنَّ الوَقْفَ عَلَيْها كَذلِكَ كَقَوْلِ الأَعْشَى:
وَذَا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَقْربَنَّه ……… ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللهَ فاعْبُدا
أي: فاعبدَنْ فَأَبْدَلها أَلفًا، وهو أَحَدُ الأَقوالِ في قولِ امْرِئِ القَيْسِ:
(قِفا نَبْكِ …) وأجرى الوَصْلَ مُجْرَى الوقفِ. وكَانَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَقِفَانِ عَلَى وَلَيَكُونًا بِالْأَلِفِ، وكذلك قولُهُ تعالى في سُورةِ العَلَقِ: {لَنَسْفَعًا بالناصِيَةِ} الآية: 15.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com