فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 60


وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
(60)
قولُهُ ـ تَعالى شأنُه: {وأَعِدّوا لهم ما اسْتطعتمْ من قوَُّةٍ ومِنْ رِباطِ الخيلِ} يَأْمُرُ اللهُ تَعالى في هذِه الآيةِ الكريمةِ الجميعَ باِلاسْتِعْدَادِ لِحَرْبِ الكُفَّارِ وَدَفْعِ عُدْوَانِهم، بإِعْدَادِ آلاتِ الحربِ ومُسْتَلْزَماتها، وذلك حِفاظاً على الأَنْفُسِ والأموالِ، وَالحَقِّ، وَالفَضِيلَةِ، والعقيدةِ، حَسَبَ الطَّاقَةِ، وَالاسْتِطَاعَةِ، وذلك بَعْدَ أَنْ أَمَرَهم بِنَبْذِ عهدِ مَنْ يخشَوْنَ غَدرَهُ مِنَ الأَعْداءِ الذين بينَهم وبينَ المُسلمين مُعاهَدَةُ صُلْحٍ أَوْ عَدَمِ اعْتِداءٍ، إذا أَحَسُّوا مِنْهم الاسْتِعْدادَ لِنَقْضِ هذِه المُعاهَدَةِ، أَوْ عَلِموا بِعَْزمَهم على الرُجوعِِ عن عَهدِهم والنُكْثَ فيه، ومباغَتَةِ المسلمين، فأَمَرَ المسلمين ـ والحالةُ هذِهِ، أَنْ يُعلِمُوهُم بِنَبْذِ العَهْدِ أَوّلاً وأَلاَّ يُفاجئونَهم بالحَرْبِِ والإغارَةِ عَليهم، وقدْ فَصّلْنا في ذلك في الآيةِ السابقة بما فيه الكفايةُ.
وأَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَولِهِ في الآيةِ” 59 السابقة: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا}، الذي يُفيدُ تَوهيناً لِشَأْنِ المُشْرَكين. لذلك جاءت هذه الآية: “وأَعِدُّوا” ممَّا يُفيدُ الاحْتِراسَ بالاسْتِعْدادِ لهم لِئَلاَّ يَحْسَبَ المُسْلمونَ أَنَّ المُشْرِكينَ قدْ صارُوا في مُكْنَتِهم، ويَلْزَمُ مِنْ ذلك الاحْتِراسِ أَنَّ الاستعدادَ لهمْ هُوَ سَبَبُ جعلِ اللهِ المشركين لا يُعْجِزونَ اللهَ ورَسُولَهُ، لأنَّ اللهَ هَيَّأَ أَسْبابَ اسْتِئْصالِهم ظاهِرَها وباطِنَها.
ولا شَكَّ في أَنَّ المُخاطَبَ الأَوَّلَ في هذِهِ الآيةِ الكريمةِ هُوَ الرَسُولُ محمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لأَنَّ الدِفاعَ عَنِ الدِّينِ وحمايَةَ المُؤمِنين بِهِ هُوَ مِنْ وظائفهِ ومن أُولى مَهامِّهِ، بِقَدْرِ ما هو خِطابٌ للمُؤمنينَ كافَّةً لأَنَّ المأْمورَ بِهِ هو مِنْ واجباتِ الأُمَّةِ كلِّها. فالخِطابُ لجماعَةِ المُسْلِمين ووُلاةِ الأُمورِ مِنهم في المقامِ الأوَّلِ، لأنَّ ما يُرادُ مِنَ الجَماعَةِ إنَّما يَقومُ بِتَنْفيذِهِ وُلاةُ الأَمْرِ الذين هُمْ وُكَلاءُ الأُمَّةِ على مَصالِحِها.
لذلك يأْمرُ اللهُ تعالى المُسْلمينَ بإعْدادِِِ أَنْفُسِهم للحربِ والأَخْذِ بأَسْبابِ القُوَّةِِ لِقِتَالِ الأَعْداءِ الذين نُبِذَ إليهم عَهْدُهم، أَوْ غيرِهم مِنَ الكُفَّارِ الذين يُتَوَقَّعُ مِنْهم العُدوانُ في أَيِّ وَقْتٍ. ولَوْ شاءَ تعالى لَهَزَمَهمْ بحَفْنَةٍ مِنْ تُرابٍ، كَما نَصَرَ رَسُولَهُ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّّم. ولكنَّهُ أَرادَ
أَنْ يَبْتَلِيَ بعضَ الناسِ بِبَعضٍ بِعِلْمِهِ السابِقِ وقَضائهِ النافِذِ.
والإعدادُ: التَهْيِئَةُ والإحْضارُ، ودَخَلَ في “مَا اسْتَطَعْتُمْ” كلُّ ما يَدْخُلُ تحتَ قُدْرَةِ الناسِ اتخاذُهُ مِنَ العُدَّةِ. وفي الآيةِ إشارتان إلى أَمْرَيْنِ على جانِبٍ كبيرٍ مِنَ الأَهميَّةِ، يَجْدُرُ بِنا أَنْ نَتَنَبَّهَ إليْهِما، وأَنْ نَقِفَ معَهُما مَلِيّاً، لأنّهُما مِنْ صُلْبِ عَقيدةِ الإيمانِ باللهِ تعالى، وهاتانِ الإشارتانِ هما:
الأُولى: في قولِهِ ـ تَبارَكَ وتَعالى: “ما استطعتم” ولم يَقُلْ ما يُكافِئُ قوَّةَ عَدوِّكم أَوْ يَزيدُ. وهذا مُرْتَبِطٌ أَوْثَقَ ارْتِباطٍ بالعَقيدةِ، لأَنَّ عَقيدَتَنا تَنُصُّ جَلِيّاً بأَنَّ نَتائجَ الأُمورِ كلِّها بِيَدِ اللهِ تَعالى، وليستْ بِيَدِ أَحَدٍ سِواهُ، هذا أوَّلاً. وثانياً: إِنَّ التَأْثيرَ الحَقيقيَّ والفِعْلَ النافِذَ هُو لِقُوََّةِ اللهِ تَعالى، وليسَ لما نُعِدُ مِنْ وسائلِ القُوَّةٍ. وإنَّما هُو ما اقْتََضَتْهُ حِكْمَةُ اللهِ تعالى أَنْ يُعلَّقَ المسبَّباتِ على الأَسْبابِ. أمَّا النتائِجُ فكُلُّها بِيَدِهِ سُبْحانَهُ، وهذِهِ عَقيدَتُنا التي يَفْرِضُها إيمِانُنا بهِ ـ جَلَّ وعَلا. أَمّا الإعدادُ والاسْتِعدادُ فإنَّما هُوَ تَنفيذٌ لأمْرِ اللهِ وَحَسْبُ، ولا اعْتِمادَ لنا عَليهِ ولا اعتدادَ بِهِ، فالاعْتِمادُ والاعْتِدادُ والتَوَكُّلُ، إنّما هو عليه سبحانه، أوّلاً وآخِراً، وإنّما نُعِدُّ القُوَّةَ تَنفيذاً لأَمرِهِ تعالى وحسْبُ، وهذا يَنْسَحِبُ على كلِّ شؤونِنا في الحياةِ. وهذا الاعتقادُ يَتْرُكُ في نَفْسِ المؤمِنِ راحةً وطُمَأْنينَةً لا حُدودَ لها، ولا تَسْتَطيعُ قُوَّةُ العَدُوِّ ـ مَهْما بَلَغَتْ، أَنْ تَنْفُذَ إليْها، أَوْ أنْ تَنالََ مِنْها، أَوْ تُؤثِّرَ فيها.
الثانية: في قولِهِ ـ عَزَّ شأنُهُ: “تُرْهِبونََ”، ولم يَقُلْ تَغْلِبونَ، أَوْ تَنْتَصِرون، إنَّما قالَ قبلَ ذَلكَ في الآيِةِ العاشِرَةِ مِنْ هذِهِ السُورَةِ: {وما النَصرُ إلاَّ مِنْ عَِنْدِ اللهِ} فَتَأَكَّدَ ما سَبَقَ بَيانُهُ والتَنْبيهُ عَليْهِ في الإشارِةِ الأُولى، وفيه أَنَّ الغايةَ مِنْ إعْدادِ القُوَّةِ إشاعةُ الرَهْبَةِ في نَفْسِ العَدُوِّ، حتّى لا يُقْدِمَ على العُدْوانِ، وفيه تَثْبيطٌ لِهِمَّتِهِ وتَأثيرٌ على مَعْنَوِيّاتِهِ، وهذا من غاياتِ الحَرْبِ النََفْسيَّةِ في الجيوشِ الحديثةِ، فلا يَسْتَطيعُ الاسْتِفادةَ مِنْ جميعِ قُواهُ وكُلَّ طاقاتِهِ في القتالِ.
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مجازاً على شِدَّةِ تَأْثيرِ شَيْءٍ ذِي أَثَرِ، وتُطْلَقُ أَيْضاً على سَبَبِ شِدَّةِ التَأْثير. وَكُلُّ ما تُعِدُّهُ لِصَديقِكَ مِنْ خَيرٍ أَوْ لِعَدوِّكَ مِنْ شَرٍّ فَهُوَ داخلٌ في عِدَّتِكَ. وقوَّةُ الجَيشِ شِدَّةُ وَقْعِهِ على العَدُوِّ، وقوَّتُه أَيضاُ سِلاحُهُ وعَتَادُهُ، وهوَ المُرادُ هُنا، فهوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ بِأمرينِ. فاتِّخاذُ السُيوفِ والرِماحِ والأَقْواسِ والنِبالِ مِنَ القُوَّةِ في جُيوشِ العُصورِ الماضيةِ، واتِّخاذُ الدَباباتِ والمَدافِعِ والطائراتِ والصَواريخِ وغيرِ ذلك مما يحقَِّقُ قوَّةَ الدفعِ مِنْ قُوَّةِ الجيوشِ في هذا العصرِ. وبهذا الاعْتِبارِ يُفَسَّرُ ما رَوى الإمامُان مُسْلِمٌ، والتِرْمِذِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامرٍ ـ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، قَرَأَ هَذِه الآيَةَ على المِنْبَرِ ثمَّ قالَ: ((أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، قالها ثلاثاً)) فقدَ أَخْرَجَ مُسْلِم في صَحيحِه و البَيْهَقِيِّ في السُنَنِ الكُبرى عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلمَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُُ)). ورَواهُ الإمامُ أَحمد، وأَبو داوود، وابْنُ ماجَة، والتِرمذِيُّ وزادَ: ((أَلاَ إنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ لَكُمُ الأَرْضَ وسَتُكْفَوْنَ المَؤنَةَ فلا يَعْجزَنَّ أَحَدُكم أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)). والمرادُ أنَّ أَكْمَلُ أُسُسِ القُوَّة وأشَدَّها تأثيراً على العدوِّ آلةُ الرَمْيِ، وهي في ذلك العَصْرِ رَمْيُ السهامِ. وليسَ المُرادُ حَصْرَ القُوَّةِ في آلَةِ الرَمْيِ المعروفَةِ آنَذاكَ عندما قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: (والقُوَّةُ هَهُنا السِلاحُ والقِسِيُّ). لأنها كانتْ الأَكْثر فَتْكاً في ذلكَ العَصْرِ، أمّا اليومَ فلا أثرَ لها مع ما اخترع من سلاحٍ وما استحدث من وسائلَ للدفاع. فالواجبُ إذاً اتِّخاذُ الأَقوى بَينَ الأَسْلِحَةِ في كُلِّ عَصْرٍ، على قَدْرِ الاسْتِطاعَةِ.
وفي إعْدادِ النَفْسِ والمجتَمَعِ والتَدَرُّبِ عليهِ ثَوابٌ عَظيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، فقد جاءَ في سُنَنِ التِرْمِذِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةً الْجَنَّةَ، صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ)). وأَخْرَجَ عَبْدُ الرَزَّاقِ في المُصَنَّفِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ، عَنْ التابعيِّ حَرام بْنِ مُعاويةَ الأنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: كَتَبَ إلينا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ـ رضيَ الله عنه: (أَنْ لا يُجاوِرَنَّكم خِنْزيرٌ، ولا يُرْفَع فيكم صَليبٌ، ولا تَأْكُلوا على مائدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ، وأَدِّبوا الخيلَ، وامْشُوا بَينَ الفِرْقَتَيْنِ.
وأَخْرَجَ البَزَّارُ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنْ أَبي هُريرةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: خرَجَ النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وقومٌ مِنْ أَسْلَمَ، يَرْمُونَ، فقالَ: ((ارْمُوا بَني اسْماعيلَ فإنَّ أَباكُم كانَ رامياً، ارْموا، وأَنا مَعَ ابْنِ الأَدْرَعِ)). فأَمْسَكَ القَوْمُ فَسَأَلَهم؟ فقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ. قال: ((ارْمُوا وأَنا مَعَكُمْ كُلِّكُم)). وأَخْرَجَهُ الإمامان الجليلانِ أَحمدُ بْنُ حنبل، والبُخاريُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، على قوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَناضَلونَ في السُوقِ فقال: ((ارْموا يا بَني اسمعيلَ فإنَّ أَباكُمْ كانَ رامياً، ارْموا وأَنَا مَعَ بَني فُلان)) (لأحدِ الفَريقيْنِ) فَأَمْسَكوا بَأَيْديهم، فَقالَ: ارْمُوا …! قالوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيفَ نَرْمي وأَنْتَ مَعَ بَني فُلانٍ؟ قالَ: ((ارْمُوا وأَنَا مَعَكم كُلِّكم)). وأَخْرَجَه أيضاً الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّد بْنِ إياسٍ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبيهِ عن جَدِّهِ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسَلَّم، مَرَّ على ناسٍ يِنْتَضِلونَ فقالَ: ((حَسَنٌ اللَّهُمَّ، (مَرَّتين أَوْ ثَلاثاً)، ارْموا وأَنَا مَعَ ابْنِ الأَدْرَعِ. فأَمْسَكَ القومُ قال: ارْموا وأَنا مَعَكم جميعاً، فلقدْ رَمُوا عامَّةَ يومِهم ذَلِكَ ثمَّ تَفَرَّقوا على السَواءِ ما نَضَلَ بَعْضُهم بعضاً)). وَقَالَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((ارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَلأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا. كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ. فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)). حَسَنٌ صَحيحٌ، أخرجه الترمذيُّ في سُننهِ. ومَعنى هَذا واللهُ أَعْلَمُ: أَنَّ كلَّ ما يَتَلَهَّى بِهِ الرَجُلُ ممَّا لا يُفيدُ في عاجِلِ ولا في آجِلِ فهوَ باطِلٌ، والإعْراضُ عَنْهُ أَوْلى.
وأَخرجَ أَبو الشَيْخِ، وابْنُ مَردويَهِ، عَنِ ابْنِ عباسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، في قولِهِ: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة” قال: الرَّميَ والسيوفَ والسِلاحَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحقَ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ عَبَّادٍ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ الزُبَيرِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ: “وأَعِدّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ” قالَ: أَمَرَهُمْ بإعْدادِ الخَيْلِ. وأَخْرَجَ أَبو الشَيخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمانِ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولهِ تعالى: “وأَعِدّوا لهم ما استطعتم مِنْ قوّة ومِنْ رباط الخيل” قال: القوّةُ ذُكورُ الخَيْلِ، والرِباطُ الإِناثُ. وكذلك قال مجاهدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثله فيما أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عنْهُ. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عنْ سعيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ ـ رَضِيَ اللهُ عنُْه، في الآيَةِ قال: القُوَّةُ الفَرَسُ إلى السَهْمِ فما دُونَهُ.
وقد عَدَّ العُلَماءُ تَعَلُّمَ الفُروسِيَّةِ والدُرْبَةَ على اسْتِخدامِ الأََسْلِحَةِ فَرْضَ كِفايَةٍ، إذْ عَلى الأُمَّةِ أَنْ يَكونَ فيها ما يَكْفِي للذَوْدِ عَنْ حِياضِها والرِباطِ عَلى ثُغورِها، شأنُهُ في ذَلِكَ شَأْنَ كُلِّ ما هُوَ ضَرورِيٌّ لِبَقاءِ الأُمَّةِ قَوِيَّةً عَزيزةً كَريمةً، كَتَعَلُّمِ العُلومِ النافِعَةِ والحِرَفِ والصِناعاتِ التي تحتاجُها الأُمَّةُ، فإذا قامَ بكلِّ شَأْنٍ مِنْ هذِهِ الشُؤونِ الضَرورِيَّةِ ما يَكْفي الأُمَّةَ، ويَسُدُّ حاجتَها إليهِ، ارْتَفَعَ الإثمُ عَنِ الجَميعِ وإلاَّ فالأُمَّةُ آثِمَةٌ كلُّها.
وعَطْفُ “رِبَاطِ الْخَيْلِ” على “الْقُوَّةَ” مِنْ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، للاهْتِمامِ بِذلِكَ الخاصَّ. و “الرباط” صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ أُتِيَ بها هُنا للمُبالَغَةِ لِتَدُلَّ على قَصْدِ الكَثْرَةِ مِنْ رَبْطِ الخَيْلِ للغَزْوِ، أَيْ احْتِباسِها ورَبْطِها انتظاراً للغَزْوِ عَلَيْها، كَقولِ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: ((مَنِ ارْتَبَطَ فَرَساً في سبيلِ اللهِ كانَ رَوْثُها وبَوْلُها حَسناتٍ لَهْ” الحديث. ويُقالُ: رَبَطَ الفَرَسَ إذا شَدَّهُ في مَكانِ حِفْظِهِ، وقد سَمّوا المَكانَ الذي تُرْتَبَطُ فيهِ الخَيْلُ رِباطاً، لأنَّهم كانوا يَحْرُسونَ الثُغورَ المَخُوفَةَ راكبينَ على أَفْراسِهم، كما وصَفَ ذلكَ لَبيدُ حين قالَ:
وَلَقَدْ حَمَيْتُ الحيَّ تَحْمِلُ شِكَّتي …… فُرُطٌ وِشاحي إِنْ رَكِبْتُ زِمامَها
إِلى أَنْ قالَ:
حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر ………… وأجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلامها
أَسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنيفَةٍ ………. جَرْداءَ يحْصَرُ دونها جُرَّامها
ثمَّ أُطْلِق الرِباطُ على محرسِ الثَغْرِ البَحْرِيِّ. و “رِباطُ الخَيْلِ” جمعُ رَبْطٍ، كَكِلابٍ وكَلْبٍ، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ “رِباط” مَصْدراً مِنْ رَبَطَ، كَصَاحَ صِياحاً. ورِباطُ الخَيْلِ ومَرْبَطُها ومَرابِطُها: ارْتِباطُها في مُواجَهَةِ العَدوِّ. وجماعَتُهُ رُبُطٌ، ومِنْهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
أَمَرَ الإلهُ بِرَبْطِهَا لعَدُوِّهِ ……………… في الحَرْبِ إنَّ اللهَ خَيْرُ مُوفِّقِ
هذا البَيْتُ لِلصَحابيِّ الجَليلِ كَعْبٍ بْنِ مالِكٍ ـ رَضِيََ اللهُ عَنْهُ، شاعِرِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، مِنْ قَصيدَةٍ لَهُ قالها في غزوةِ الأحزابِ، أو الخندقِ، ومنها:
مَنْ سَرَّه ضَرْبٌ يُرَعْبِِلُ بَعْضُهُ ………… بَعْضاً كَمَعْمَعَةِ الأَباءِ المُحْرَقِ
دَرِبوا بِضَرْبِ المُعْلَمين فَأَسْلَموا ……. مُهَجاتِ أَنْفُسِهمْ لِرَبِّ المَشْرِقِ
نَصِلُ السُيوفَ إذا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا ………. قِدْماً ونُلْحِقُها إذا لمْ تَلْحَقِ
ونُعِدُّ للأعْداءِ كُلَّ مُقَلصٍ ……………. ورْدٍ ومَحْجولِ القَوائمِ أَبْلَقِ
إلى أَنْ يَقولَ:
أَمَرَ الإلهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ ……………… في الحَرْبِ إنَّ اللهَ خَيرُ مُوَفِّقِ
ونُطيعُ أَمْرَ نَبِيِّنا ونُجيبُهُ ……………….. وإذا دَعا لِكَريهَةٍ لمْ نُسْبَقِ
رَعْبَلَهُ: قَطَعَهُ. والمَعْمَعَةُ: صَوْتُ الحريقِ يَنْشِبُ في القَصَبِ ونحوِهِ، وصَوْتُ الأَبْطالِ في الحَربِ. وقالَ مَكْحولُ بْنُ عَبْدِ اللهِ:
تَلومُ عَلى رَبْطِ الجِيادِ وحَبْسِها ……….. وأَوْصى بها اللهُ النَبِيَّ مُحَمَّدا
ورِباطُ الخيلِ فَضْلٌ عَظيمٌ ومَنْزِلَةٌ شَريفَةٌ. فقد رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قالَ لابْنِ سِيرينَ: إنَّ فلاناً أَوْصَى بِثُلِثِ مالِهِ للحُصونِ، فقال: هِيَ للخَيْلِ؛ أَلَمْ تَسْمَعْ قولَ الشاعرِ:
ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى ….. أَنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى
البَيْتُ للأَسْعَرِ الجُعَفِيِّ وبَعْدَهُ:
يخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الغُبارِ عَوابِساً …….. كَأَصابِعِ المَقْرورِ أَقْعى واصْطَلى
واسْمُ الأَسْعَرِ: هُوَ مَرْثَدُ بْنِ الحارثِ ولُقِّبَ الأَسْعَرَ لِقَوْلِهِ:
فلا يَدْعُني قومي لِسَعْدِ بْنِ مالِكٍ …….. إذا أَنَا لم أُسْعِرْ عَلَيْهم وأَثْقُبِ
وقالوا: رِباطُ الخَيْلِ: الإناثِ، كما تقدَّمَ لأَنَّها أَوْلى ما يُرْبَطُ لِتَناسُلِها ونَمَائها. ورُوِيَ أَنَّ خالدَ بْنَ الوَليدِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كانَ لا يَرْكَبُ في القِتالِ إلاَّ الإناثَ، لِقِلَّةِ صَهيلِها. ورُوِيَ أنَّ الصَّحابةَ ـ رضوانُ الله عليهم، كانوا يَسْتَحِبُّونَ ذُكورَ الخَيْلِ عِنْدَ الصُفوفِ، وإناثَ الخيلِ عندَ الشَتاتِ والغارات. والخيلُ خيرٌ وبركة ويمنٌ لقوله ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ فيما أخْرَجَ الإمامُ مُسْلمٌ وغيرُه عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ)). صحيح مسلم: (9/444).
وأَخْرَجَ البُخاريُّ، والنَسائيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبيهقيُّ، عنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، عَنِ النَبيِّ ـ صَلَّى الله عليه وسلّم، قال: ((مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً، وتَصْدِيقاً بوعدِهِ، فإنَّ شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ، وبَوْلَهُ في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). شعب الإيمان للبيهقيِّ: (4/45) ورواهُ البخاريُّ في الصحيح عَنْ عَليٍّ بْنِ حَفْصٍ عَنِ عبدِ اللهِ ابْنِ المبارك.
وأخرجَ أَحمدُ، والنَسائيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عنْ أَبي ذَرٍّ الغفاريِّ ـ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَبيِّ ـ صَلّى اللهُ عليه وسلّم، قال: ((ما مِنْ فَرَسٍ عَرَبيٍّ إلاَّ يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ سَحَرٍ بِدَعْوَتينِ، يَقولُ: اللَّهُمَّ كَما خَوَّلْتَني مَنْ خَوَّلْتَني مِنْ بَني آدمَ فاجْعَلْني مِنْ أَحَبِّ مالِهِ وأَهْلِهِ إلَيْهِ)).
وأَخْرَجَ أَبو عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أَصابَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، فَرَساً مِنْ جَدس، (وجديس حيِّ مِنَ اليَمَنِ واسمُ قبيلةٍ من قبائله انْقَرَضَتْ)، فأَعْطاهُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصارِ وقال: ((إذا نَزَلْتَ فأنْزِلْ قَريباً مِني فإنّي أُسارُّ إلى صَهيلِهِ))، ففَقَدَهُ لَيْلَةً فَسَأَلَ عَنْهُ فقال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّا خَصَيْناهُ. فقالَ: ((مَثَّلْتَ بِهِ))، يَقولُها ثلاثاً، ((الخيلُ معقودٌ في نَواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامة، أَعْرافُها ادْفاؤها، وأَذْنابُها مَذابُّها، الْتَمِسوا نَسْلَها وباهُوا بِصَهيلِها المُشْركين)).
والرِّباطُ مِنَ الخَيلِ: الخَمْسُ فما فوقَها، وكان لِعُروَةَ البارِقِيِّ سَبْعونَ فَرَساً مُعَدَّة للجِهادِ. والمُسْتَحَبُّ مِنْها الإناثُ، قالَهُ عِكْرِمَةٌٌ وجماعَةٌ. وهو صَحيحٌ، فإنَّ الأنْثى بَطْنُها كَنْزٌ وظَهْرُها عِزٌّ. قالوا وفرَسُ جِبريلَ كانَ أُنْثى. وروى أئمَّةُ الحديثِ عَنْ أَبي هريرةَ ـ رَضيَ اللهُ عنْهم جميعاً، أَنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، قال: ((الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ؛ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذلِكمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ثَلاثًا)). السُنَنُ الكبرى للبَيْهَقيِّ: (10/15) ورواهً البُخارِيُّ في الصَحيحِ عَنِ القَعْنَبيِّ، وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَم.
وأًجْوَدُ الخيلِ أَعْظَمُها أَجْراً وأَكثرُها نَفعاً. وقد سُئلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وسلَّم: أَيُّ الرِقابِ أَفضلُ؟ فقالَ: ((أَغْلاها ثمناً وأَنْفَسُها عندَ أَهْلِها). وروى النَسائيُّ عَنْ أَبي وَهْبٍ الجُشَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ـ صَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((تَسَمّوا بأسماءِ الأنْبياءِ، وأَحَبُّ الأسماءِ إلى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، عبدُ اللهِ، وعَبْدُ الرَحمنِ، وارْتَبِطُوا الخيلَ وامْسَحُوا بِنَواصِيها وأَكْفالِها، وقَلِّدوها، ولا تُقَلِّدوها الأوتارَ، وعَليكم بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ محَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ محجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّل)).
ـ والأوتارُ: جمعُ وِتْرٍ (بالكسر) وهوَ الدَمُ. والمعنى: لا تَطْلُبوا عَلَيْها الأَوْتارَ التي وُتِرْتم بها في الجاهلَيَّة. وقيلَ: جمعُ وَتَرِ القَوْسِ فإنَّهم كانوا يُعلِّقونها بأَعْناقِ الدوابِّ لِدَفْعِ العَينِ.
ـ الكُمَيْتٌ، بالتصغير: هو الذي لونُه بَينَ السَوادِ والحُمْرَةِ يَسْتَوي فيه المُذكَّرُ والمؤنث.
ـ الأغرُّ: الذي في وجْهِهِ بَياضٌ.
ـ المُحَجَّلُ: الذي في قوائمِهِ بَياضٌ.
وعَنْ أَبي قَتادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، قال: ((خيرُ الخيلِ الأدْهِمُ، الأقرحُ، الأرثم، ثمَّ الأقرَحُ المُحَجَّلُ طَلْقُ اليَمينِ، فإنْ لم يَكُنْ أَدْهَم فكُمَيْتٍ على هذِهِ الشِيَةِ)). ورواهُ الدارِمِيُّ أيضاً عن أبي قَتادةَ ـ رضي اللهُ عنه، أَنَّ رَجُلاً قال: يا رَسولَ اللهِ، إنّي أُريدُ أَنْ أَشْتَرِيَ فَرَساً، فأَيّها أَشْتَري؟ قال: ((اشْتَرِ أَدْهَمَ أَرْثَمَ)).
ـ الأرثم: الذي أَنْفُهُ أَبْيَضٌ وَشَفَتُهُ العُليا بيضاء.
ـ الأقْرَح: هو ما كانَ في جَبْهَتِهِ قُرْحةٌ، وهي بياضٌ يَسيرٌ في وجْهِ الفَرَسِ دونَ الغِرِّةِ.
ـ محجَّلٌ طَلْقَ اليَدِ اليُمنى: أي أنَّه ليس في يَدِه اليُمْنى بَياضٌ.
ورويَ أنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، كان يَكْرَهُ الشِكالَ مِنَ الخَيْلِ. خَرَّجَهُ مسلم عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والشِكالُ: أَنْ يَكونَ الفَرَسُ في رِجْلِه اليُمنى بَياضٌ وفي يَدِهِ اليُسْرى، أَوْ في يَدِهِ اليُمنى ورِجْلِهِ اليُسْرى. ويُذْكَرُ أَنَّ الفَرَسَ الذي قُتِلَ عَلَيْهِ سيدُنا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، كانَ أَشْكَلَ.
وقد خُصَّ الخيلُ والرَمْيُ بالذِكْرِ مَعَ أَنَّ قولَهُ: “وأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ” كانَ كافِياً لأنَّ الخيلَ التي عُقِدَ الخيرُ في نواصِيها، لمَّا كانتْ أَصْلَ الحُروبِ وَأْوْزارَها أَيْ: أَثقالَها مِنْ آلةِ حَرْبٍ وسِلاحٍ وغيرِهِ. ولمّا كانتْ أَقْوَى القُوَّةِ وأَشَدَّ العُدَّةِ وحُصونَ الفُرسانِ، وبها يُجالُ في الميدان، فقد خَصها بالذكر تَشريفاً، وأَقْسَمَ بِغُبارِها تَكريماً. فقال في سورةِ العاديات: {والعاديات ضَبْحاً} الآية: 1.
ولمَا كانتِ السِهامُ مِنْ أَنْجَعِ ما يُتَعاطَى في الحُروبِ والنِكايَةِ في العَدُوِّ، وأَقربها تَناوُلاً للأرواحِ، فقد خَصَّها رسولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بالذِكْرِ لها، والتَنْبيهِ عَلَيْها. ونَظيرُ هذا في التَنْزيلِ، قولُه في سورة البقرةِ: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} الآية: 98. فخصَّ بالذكرِ جِبريلَ وميكالَ ـ عليهما السلامُ، مع أنّهما مَشْمُولين بِقولِه (ومَلائكته)، وقد نبِّه على هذا في موضِعِ هناك، لكن في الإعادة إفادة، ومِثْلُهُ كَثيرٌ.
وقد اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلماءِ المالكيَّةِ بهذِهِ الآيةِ على جَوازِ وَقْفِ الخَيلِ والسِلاحِ، واتخاذِ الخَزائنِ والخُزَّانِ لها عُدَّةً للأعْداءِ. وكَرِهَ أَبو حنيفةَ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، وقفَ الحيوانِ كالخيلِ والإبِلِ لأنَّه مِنْ شِعارِ الجاهِلِيَّةِ، وصحّحهُ الشافِعِيُّ ـ رَضيَ اللهُ عنه. لهذِهِ الآيةِ، ولحديثِ ابْنِ عُمَرَ في الفَرَسِ الذي حملَ عَلَيْهِ في سَبيلِ اللهِ وقولِهِ عَليْهِ الصلاةُ والسلامُ، في حقِّ خالدٍ: (وأَمَّا خالد فإنَّكم تَظلمونَ خالداً، فإنَّهُ قد احْتَبَسَ أَدْراعَهُ وأَعْتاده في سبيلِ اللهِ)). الحديث متفقٌ عليه عن أبي هريرة. و أَعْتاده: آلات الحربِ مِنَ السِلاحِ والدَوابِّ وغيرِ ذلك. وما روي أن امرأة جعلت بعيراً في سبيل الله، فأَرادَ زَوْجُها الحَجَّ، فَسَأَلْتْ رسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فقالَ: ((ادْفعِيهِ إليهِ لِيَحُجَّ عَلَيْهِ فإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبيلِ اللهِ)). ولأنَّهُ مالٌ يُنْتَفَعُ بِهِ في وَجْهِ قُرْبَةٍ، فجازَ أَنْ يُوقَفَ كالرِباعِ.
قولُهُ: {تُرْهِبونَ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم} تخيفون به أعداءكم مِنَ يهودَ وقريشٍ وكُفَّارِ العَرَبَ. وإرْهابُ غيرِكَ جعلُهُ راهباً، أيْ خائفاً، فإنَّ العَدُوَّ إذَا عَلِمَ استِعدادَ عَدُوِّهِ لِقِتالِهِ خافَهُ، ولم يَجْرُؤْ عَلَيْهِ، فكانَ ذَلكَ أَمناً للمُسْلِمين مِنْ أَنْ يَغْزُوَهم أَعْداؤهم.
قولُه: {وآخرين من دونهم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال السُدِّيُّ: همُ الفُرْسُ والرُومُ. وقيل بأَنّهم قبائلُ مِنَ العَرَبِ كانوا يَنْتَظِرونَ ما تَنْكَشِفُ عَنْهُ عاقِبَةُ المُشْرِكينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ حَرْبِهم مَعَ المُسْلِمينَ، فقدْ كانَ ذلكَ دَأْبُ كَثيرٍ مِنَ القبائلِ كَما وَرَدَ في السِيرةِ، ولذلك ذُكِرَ “مِنْ دونِهم” بمعنى: مِنْ جِهاتٍ أُخْرى، لأَنَّ أَصْلَ “دون” أَنَّها للمَكانِ المُخالِفِ، وهذا أَوْلى مِنْ حَمْلِهِ على مُطْلَقِ المُغايَرَةِ التي هِيَ مِنْ إطلاقاتِ كَلِمَةِ “دون” لأَنَّ ذلك المعنى قَدْ أَغْنى عَنْهُ وَصْفُهم ب “آخرين”. وقِيلَ: المُرادُ بِذلِكَ كُلُّ مَنْ لا تَعْرِفُ عَداوَتَهُ. وقيلَ الأَفْضَلُ أَلاَّ يُقالَ فيهم شَيْءٌ، لأَنَّ اللهَ سُبْحانَهُ قالَ: “وآخرينَ مِنْ دُونِهم لا تَعْلَمونَهمُ اللهُ يَعْلَمُهم”، فكَيْفَ يَدَّعي أَحَدٌ عِلْماً بِهِمْ، إلاَّ أَنْ يَصِحَّ حَديثٌ جاءَ في ذلكَ عَنْ سِيِّدنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقيلَ: هُمُ الجِنُّ. أخذَ به الطبريُ، ورويَ عَنِ ابْنِ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم، فِي قَوْلِهِ: “وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ}، قَالَ: ((هَمُ الْجِنُّ))، وقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَخْبِلُ وَاحِدًا فِي دَارٍ فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ)). إتحافُ الخِيَرَةِ المَهَرَةِ، بِزَوائدِ المَسانِيدِ العَشَرَةِ لأَحمد بْنِ أَبي بَكْرٍ البُوصيري: (5/109). ومُسْنَدُ الحارِثِ، وذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَر العَسقلانيُّ في المَطالِبِ العَليَّةِ. والعتيق الجوادُ الأصيلُ الكريمُ، وإنَّما سُمِّيَ عَتيقاً لأَنَّهُ قدْ تَخَلَّصَ مِنَ الهَجانَةِ. ورُوِيَ: أَنَّ الجِنَّ لا تَقْرَبُ داراً فيها فَرَسٌ، وأَنَّها تَنْفُرُ مِنْ صَهيلِ الخيلِ.
قولُهُ: {وما تُنْفِقوا مِنْ شَيءٍ في سبيل الله في سبيل الله} أي: تتصدقوا به، أَوْ تُنْفِقوهُ على أنفُسِكُمْ أَوْ خَيْلِكم، فَسَبيلُ اللهِ هُوَ الجهادُ لإعلاءِ كَلِمَتِهِ.
قولُهُ: {يُوَفَّ إِليكم} في الآخِرَةِ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها إلى سَبْعِمِئةِ ضِعْفٍ، إلى أَضْعافٍ كَثيرَةٍ. والتَوْفيةُ: أَداءُ الحقِّ كاملاً. جعل الله ذلك الإنفاق كالقَرْضِ لهُ سبحانه، وجعلَ على الإنْفاقِ جزاءٌ، فسَمَّي جَزاءَهُ تَوْفِيَةً على طريقةِ الاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وتَدُلُّ التَوْفِيَةُ على أَنَّهُ يَشْمَلُ الأَجْرَ في الدُنيا مَعَ أَجْرِ الآخرَةِ، وتكونُ التَوفِيَةُ على قَدْرِ الإنْفاقِ.
قولُهُ: {وأنتم لا تظلمونْ} الظُلمُ: هنا مُسْتَعْمَلٌ في النَقْصِ مِنَ الحَقِّ، لأنَّ نَقْصَ الحَقِّ ظُلْمٌ، وتَسْمِيةُ النَقْصِ مِنَ الحَقِّ ظُلْماً حقيقةٌ.
قولُهُ تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم مِنْ قوَّةٍ}الواوُ: عاطفةٌ و “أَعِدُّوا” فِعْلُ أَمْرٍ وفاعلُهُ، ومَفعولُهُ الاسْمُ المَوصولٌ “ما”، و “لهم” عائدٌ على الذين يُنْبَذُ إليهم العَهْدُ، أَوْ على الذين لا يُعجزون، على تأويلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذلك، أو على جميع الكُفَّارِ المأمور بحربِهم بحسْب ما تقدَّمَ من تأولٍ، و “مِنْ قُوَّةٍ” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بحالٍ مِنَ المَوْصُولِ. أو من العائدِ عليه، إذِ التَقديرُ ما استطعتُموهُ حالَ كونِهِ بَعضَ القُوَّةِ، ويجوزُ أَنْ تَكونَ “مِن” لِبيانِ الجِنْسِ. وجملةُ “أعدوا” عطفٌ على ما قبلَهَ.
قولُهُ: {ترهبون بِهِ عدوَّ اللهِ وعدوَّكم وآخرين} ترهبون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لآنّه من الأفعال الخمسة، وفاعلُه (أنتم)، و “بِهِ” جارٌّ ومجرورٌ يَعودُ إلى الإِعداد المأخوذ من قولِهِ “وَأََعِدُّواْ”. و “عَدُوَّ” مفعولُ بهُ وهو مضافٌ و “اللهِ” مضافٌ إليه، وجملةُ: “ترهبون” في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ فاعلِ “أعدوا”، أيْ: حَصِّلوا لهم هذا حالَ كَوْنِكم مُرْهِبين، ويجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ مَفْعولِهِ وهوَ الموصولُ، أيْ: أَعِدُّوهُ مُرْهَباً بِهِ، وجازَ نِسْبَتُهُ لِكُلٍّ مِنْهُا لأَنَّ في الجُمْلَةِ ضَميرَيْهِما، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ مِنْ “به” على “ما” الموصولةِ. أَمَّا إذا أَعَدْناهُ على الإِعْدادِ المَدْلولِ عَلَيْهِ ب “أَعِدُّوا”، أَوْ على الرِّباطِ، أَوْ على القُوَّةِ بِتَأْويلِ الحَوْلِ فَلا يَتَأَتَّى مَجيئُها مِنَ الموصولِ. وقيلَ: يَجوزُ أَنْ يَكونَ حالاً مِنْ الضَميرِ في “لهم”، وكيف يَصِحُّ جَعْلُه حالاً مِنَ الضميرِ في “لهم” ولا رابطَ بينَهُما؟ ولا يَصِحُّ تَقديرُ ضَميرٍ في جملةِ: “تُرْهبون” لأَخْذِهِ مَعمولاً له. و “وآخرين”: اسْمٌ مَعْطوفٌ على “عدوَّكم”، والجارّ “من دونهم” مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل “آخرين”. وجملة “لا تعلمونهم” نَعْتٌ ثانٍ ل “آخرين”، وجملة “الله يعلمهم” نعتٌ ثالثٌ.
وقوله: {وما تنفقوا من شيء} الواو مُسْتَأْنِفَةٌ، “ما” شَرْطِيَّةٌ مَفْعولٌ بِهِ، والفِعْلُ مجزومٌ، وعلامةُ جزمِه حذفُ النونِ لأنَّه من الأفعال الخمسةِ، و “من شيء” جارٌّ ومجرورٌ متعلق بِنَعْتٍ لـ “ما”، و “في سبيل” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِنَعْتٍ ل “شيء”، وجملةُ “وأنتم لا تظلمون” في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ الضَميرِ في “إليكم”.
قرأ العامَّةُ: {تُرهبون} وقرَأَ الحَسَنُ ويَعقوبُ، ورَواها ابْنُ عَقيلٍ عنِ أَبي عَمرٍو “تُرَهِّبون” مُضَعَّفاً، فعدَّاهُ بالتَضعيفِ كما عدَّاهُ العامَّةُ بالهمزةِ حين جعلوا ماضيه “أَرْهَبَ”، والمفعولُ الثاني على كِلْتا القراءتين محذوفٌ لأنَّ الفعلَ قَبْلَ النَقْلِ بالهَمْزةِ أوِ بالتَضْعيفِ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ نحو: رَهَّبْتُ كذا، أو رهِبتُ فلاناً، والتَقديرُ: تُرَهِّبونَ عَدُوَّ اللهِ قِتالَكمْ أَوْ لِقاءَكم. وقالَ أَبو حاتمٍ أَنَّ أَبا عَمْرٍو نَقَلَ قراءةَ الحَسَنِ بِياءِ الغَيْبَةِ وتخفيفِ “يُرْهبون” وهي قراءةٌ واضِحَةٌ، فإنَّ الضَميرَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلى مَنْ يَرْجِعُ إليْهِ ضَميرُ “لهم”، فإنَّهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وَراءَهُم.
وقرأ العامَّةُ: {ومِنْ رِباطِ الخيلِِ}، وقرأَ الحسنُ، وأَبو حَيَوَةَ، ومالكُ بْنُ دينارٍ “ومِنْ رُبُطِ” بِضَمَّتَينِ، ورويَ عنِ الحَسَنِ أَيْضاً أنَّه قرأ “رُبْط” بِضَمٍّ وسُكونٍ، وذلك نحو كتابٍ وكُتُبٍ.
وقرأَ العامَّةُ: {عَدْوَّ الله} بالإِضافَةِ، وقَرَأَهُ السُلَميُّ “عدوّاً” مُنَوَّناً، و “لله” بلامِ الجَرِّ، وهُوَ مُفرَدٌ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ فمَعناهُ أَعْداءٌ لله. قالوا: وإنَّما جَعَله نكرةً بمعنى العامَّة، لأنَّها نَكِرَةٌ أَيْضاً لمْ تَتَعرَّفْ بالإِضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسْم َالفاعِلِ بمَعنى الحالِ أَوِ الاسْتِقْبالِ، ولا يَتَعَرَّفُ ذلك وإنْ أُضيفَ إلى المعارِفِ، أَمَّا “وعدوَّكم” فيَجوزُ أَنْ يَكونَ كذلكَ نَكِرَةً، ويجوزُ أَنْ يَتَعَرَّفَ لأنَّهُ قَدْ أُعيدَ ذِكْرُهُ، ومثلُه: رأيتُ صاحِباً لَكم، فقالَ لي صاحبُكم. يَعني أَنَّ “عدوَّاً” يجوزُ أَنْ يُلْمَحَ فيه الوَصْفُ فلا يَتَعَرَّفُ وأَنْ لا يُلْمَحَ فيَتَعَرَّفَ.

فيض العليم …. سورة الأنفال، الآية: 59


وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
(59)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} أَيْ: لا يَظُنَّنََّ الذينَ كَفَروا مِنْ مُشْرِكي مَكَّةَ الذين أَفْلَتَوا مِنْ الموتِ في وَقْعَةِ بَدْرٍ أنَّهم نَجَوا مِنَ العِقابِ، فإنَّهم في قَبْضَةِ اللهِ تعالى، وسَيَكونُ لهُم يَومٌ يَنالونَ فيهِ ما يَسْتَحِقّونَ مِنْ عُقوبَةٍ عَلى كُفْرِهم وحَرْبهم للهِ ولِِرَسُولِهِ والمُؤمِنين، وما اقْتَرَفَتْ أَيْديهم مِنْ جَرائمَ، إذا لم يُؤْمِنوا ويَتُوبوا ويَرْجِعوا إِلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفيهِ تَسْلِيَةٌ للنَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما أَبْداهُ أَعْداؤهُ مِنَ الخِيانَةِ لَهُ، كاليَهودِ، والمُنافقين، وغيرِهم منَ المُشركين الذين نَجَوْا يَوْمَ بَدَرٍ. وفي الآيةِ طَمْأَنَةٌ لَهُ وللمُسلِمينَ بِأَنَّهم سَيُنْصَرونَ على أَعْدائهم، ويَأْتونَ على بَقِيَّتِهم، وهو تَهْديدٌ لأَعْداءِ اللهِ ووعيدٌ لهم بِأَنَّ اللهَ سَيُمَكِّنُ المسلمين مِنْهُم. فالمَقْصودُ مِنَ الآيَةِ الكريمةِ قَطْعُ أَطْماعِ الكافرين في النَجاةِ، وإقْناطِهم مِنَ الخلاصِ. ومنْ لمْ يُصِبْهُ منهم عذابُ الدُنْيا، فَسَوفَ يُصيبُه عذابُ الآخرَةِ، ولا مَفَرَّ لَهُ مِنْ ذَلك ما دامَ قدِ اسْتَحِبَّ الكُفرَ على الإِيمان. أَمَّا المؤمنون فلهم مِنَ اللهِ تعالى، التأييدُ والنَصْرُ وحُسْنُ العاقبَةِ.
والسَبْقُ هنا مُسْتَعارٌ للنَجاةِ ممَّنْ يَطْلُبُ، والتَفَلُّتِ مِنْ سُلْطَتِهِ. كما هو قولُهُ تَعالى في سُورةِ العَنكبوتِ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} الآية: 4. ومنه قولُ الشاعرِ مُرَّةَ بْنِ عَدَّاءٍ الفَقْعَسيِّ:
كأنَّكَ لم تُسْبَقْ مِنَ الدَهْرِ مَرَّةً …. إذا أَنْتَ أَدْرَكْتَ الذي كُنْتَ تَطْلُبُ
أَيْ: كأَنَّكَ لم يَفُتْكَ ما فاتَكَ إذا أَدْرَكْتَهُ بَعْدَ ذلكَ، ولذلكَ قُوبِلَ السَبْقُ هُنا بِقولِهِ تَعالى: “إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ”،
قولُهُ: {إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} أَيْ: هُمْ وإنْ ظَهَرَتْ نَجاتُهم الآنَ، فإن هيَ إلاَّ نَجاةٌ موقتةٌ، ولن يُعْجِزوا اللهَ، ولن يَعْجِزَ المُسْلِمونَ عن أخذهم بجريرة أعمالهم بإذنِ اللهِ تعالى، لأَنَّ اللهََ معَهمْ ولَسَوْفَ يُمَكّنَهم مِنْهم، ولَنْ يَكونوا كما قالَ الشاعِرُ إياسُ بْنُ قُبَيْصَةَ الطائيِّ حين هَرَبَ مِنْ كِسْرى:
أَلمْ تَرَ أَنَّ الأَرْضَ رَحْبٌ فَسيحَةٌ ……… فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِنْ بِقاعِها
فالمخلوقُ يمكنُ أَنْ تُفلِتَ مِنْ بطشِهِ، أَمّا الخالقَ ـ جَلَّ وعَلا، فأينَ المَهْرَبُ مِنْهُ والأَرْضُ جميعاً قَبْضَتُهُ والسَمواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينِه؟!.
وفي هذا البيتِ ذَكَّرَ الشاعرُ “رَحْبٌ” عَلى مُراعاةِ المَكانِ، ثمَّ أنَّثَ: (فَسيحةٌ) على مُراعاةِ اللَّفْظِ.
قولُهُ تَعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} الواوُ استئنافيَّة، “لا” ناهية، و “يَحْسَبَنَّ” فعلٌ مُضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بنون التوكيد الثقيلة في محَلِّ جَزْمٍ، وهو من أفعال الظنِّ فيتعدى لمفعولين، و “الذين كفروا” فاعلُهُ، ومَفْعولُهُ الأَوَّلُ محذوفٌ تَقْديرُهُ: “أَنفُسَهم”، وجملة “سبقوا” مَفعولُهُ الثاني. والجملة مُسْتأَنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
وقولُهُ: “إنهم لا يعجزون” إنَّ: واسمُها وخبرها، والجملةً مستأنفة أيضاً لا محل لها.
قرأَ الجمهورُ: {تحسبنَّ} بتاءِ الخطابِ، وقرأ ابْنُ عامرٍ، وحمزة، وحفصٌ عنْ عاصِمٍ: “يَحْسَبَنَّ” بياء الغيبةِ هُنا، وفي سورة النُورِ عندَ قولِهِ {لا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا مُعْجِزين في الأرضِ} كذلك خَلا حَفْصاً. وفي قراءةِ الغَيْبةِ تخريجاتٌ كثيرةٌ سَبَقَ نَظائرُها في أَواخِرِ سورة آلِ عُمران. منها: أَنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى ضميرٍ يُفَسِّرُهُ السِياقُ تَقديرُهُ: ولا يَحْسَبَنَّ هُو أَيْ الرَسُولُ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أوْ قَبيلُ المؤمنين، أوِ حاسِبٌ، أوْ يَكونُ الضَميرُ عائداً على مَنْ خَلْفَهم. فيجوزُ عَلى هَذِهِ الأَقوالِ أَنْ يَكونَ “الذين كفروا” مَفعولاً أَوَّلَ، وجملة “سبقوا” في محلِّ نَصْبٍ مَفعولاً ثانياً.
وقيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى “الذين كفروا” والمفعولُ الأوَّلُ محْذوفٌ تقديرُهُ: أنفسَهُم والثاني جملة “سبقوا”، كما تَقَدَّمَ، وقُدِّر أيضاً: ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الذينَ كفروا سبقوا، فيكونُ المفعولُ الأوَّلُ الهاءُ من “هم” وجملة “سَبَقوا” في محلِّ الثاني. وقدَّر قومٌ: ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنْ سَبَقوا ف “أنْ” محذوفةٌ، وهي وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين، فقد حُذِفَتْ “أنْ” الموصولَةُ وبَقِيَتْ صِلَتُها كما هو قولُهُ تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} الآية: 24، أي: أنْ يُريكم. ومنه قَوْلُهم: تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَراهُ. ومن ذلك قولُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
أَلا أيُّهذا الزاجري أَحضرُ الوَغى..وأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي
ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ عَبْدُ اللهِ ابْنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه، “أنهم سبقوا”. وقال قومٌ: بل “سَبَقوا” في محلِّ نصبٍ على الحال، والسادُّ مَسَدَّ المفعولين “أنهم لا يعجزون” في قراءة مَنْ قرأ بِفَتْح “أنهم” وهو ابْنُ عامرٍ، والتقدير: ولا يحسبنَّ الذين كفروا سابقين أَنهم لا يعجزون، وعليه تكون “لا” مَزيدةً لِيَصِحَّ المعنى.
وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ أي : لا تَحْسبَنَّ يا محمدُ أو يا سامعُ ، و « الذين كفروا » مفعولٌ أولُ ، والثاني « سبقوا » ، وكان قد تقدَّم في آل عمران وجهٌ : أنه يجوز أن يكون الفاعلُ الموصولَ ، وإنما أتى بتاءِ التأنيث لأنه بمعنى القوم كقوله : { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [ الشعراء : 105 ] ، وتقدَّمَ لك فيه بحثٌ وهو عائدٌ ههنا .
وأمَّا قراءةُ الباقين في النور ففيها ما ذُكِر ههنا إلا الوجهَ الذي فيه تقديرُ « أنْ » الموصولة لتعذُّرِ ذلك ، ولكن يَخْلُفُه وجهٌ آخر لا يتأتى ههنا : وهو أن يكون « الذين كفروا » فاعلاً ، و « مُعْجزين » مفعول أول و « في الأرض » الثاني . أي : لا تَحْسَبوا أحداً يعجز الله في الأرض أي بقوته . وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ على ما قدَّمته لك .
وقرأ الأعمش : « ولا يَحْسَبَ الذين كفروا » بفتح الباء . وتخريجها أن الفعلَ مؤكَّد بنون التوكيد الخفيفة ، فَحَذَفَها لالتقاء الساكنين ، كما يُحْذَفُ له التنوين فهو كقول الآخر :
2435 لا تُهينَ الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ … كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعهْ
أي : لا تهينَنَّ . ونقل بعضهم : « ولا تحسَبِ الذين » من غير توكيدٍ البتة . وهذه القراءةُ بكسرِ الباء على أصل التقاء الساكنين .
قولهم : { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } قرأ ابن عامر بالفتح ، والباقون بالكسر . فالفتح : إمَّا على حَذْفِ لام العلة ، أي : لأنهم . واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر . ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليل للنهي أي : لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون ، أي : لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون ، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان .
وقال أبو البقاء : « إنه متعلقٌ بتحسب : / إمَّا مفعولٌ أو بدلٌ من » سَبَقوا « ، وعلى كلا الوجهين تكون » لا « زائدةً . وهو ضعيفٌ لوجهين : أحدهما : زيادة لا ، والثاني : أن مفعول » حَسِب « إذا كان جملةً وكان مفعولاً ثانياً كانت » إنَّ « فيه مكسورة لأنه موضعُ ابتداء وخبر » .
قوله : { لاَ يُعْجِزُونَ } العامَّةُ بنون واحدة خفيفةٍ مفتوحةٍ وهي نونُ الرفع . وقرأ ابن محيصن « يُعْجِزوني » بنونٍ واحدةٍ بعدها ياء المتكلم ، وهي نون الوقاية أو نون الرفع . وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك في سورة الأنعام في { أتحاجواني } . قال الزجاج : « الاختيارُ الفتحُ في النون ، ويجوز كسرُها على أن المعنى : لا يُعْجزونني ، وتُحْذف النونُ الأولى لاجتماع النونين كما قال عمر بن أبي ربيعة :
2436 تراه كالثَّغام يُعَلُّ مِسْكاً … يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني
وقال متمم بن نويرة :
2437 ولقد عِلِمْتِ ولا محالةَ أنني … للحادثات فهل تَرَيْني أجزعُ
قال الأخفش في هذا البيت : » فهذا يجوز على الاضطرار « .
وقرأ ابن محيصن أيضاً « يُعْجِزونِّ » بنون مشددة مكسورةٍ ، أدغم نونَ الرفع في نون الوقاية وحذف ياء الإِضافة مُجْتزِئاً عنها بالكسرة . وعنه أيضاً فتحُ العين وتشديدُ الجيم وكسر النون ، مِنْ « عَجَّز » مشدَّداً . قال أبو جعفر : « وهذا خطأٌ من وجهين أحدهما : أن معنى عجَّزه ضعَّفه وضعَّف أمره ، والآخر : كان يجب أن يكون بنونين » قلت : أمَّا تخطئة النحاسِ له فخطأٌ ، لأن الإِتيان بالنونين ليس بواجب ، بل هو جائز ، وقد قرئ به في مواضع في المتواتر سيأتي بعضُها . وأما عجَّز بالتشديد فليس معناه مقتصراً على ما ذكر بل نَقَل غيرُه من أهل اللغة أن معناه نسبتي إلى العجز ، وأن معناه بَطَّأ وثبَّط ، والقراءة معناها لائقٌ بأحد المعنيين . وقرأ طلحة بكسر النونِ خفيفةً .
وقرأ الجمهور: {إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} بكسرِ همزَةِ “إِنَّهُمْ” على الاستئنافِ البيانيِّ جواباً عَنْ سُؤالٍ تُثيرُهُ جملةُ: “وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا” وقَرَأَ ابْنُ عامرٍ “أَنَّهُمْ” بِفَتْحِها على حَذْفِ لامِ التَعْليلِ فالجُمْلةُ في تأويلِ مَصْدَرِ هُوَ عِلَّةُ للنَهْيِ، أَيْ: لأنهم لا يَعْجِزون. وقَدْ حُذِف مَفعولُ “يُعْجِزُونَ” لِظُهورِ المَقْصودِ.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 58


وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ
(58)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} وَإِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ عَاهَدْتَهُمْ، خِيَانَةً وَنَقْضاً لِلْعَهْدِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّكَ نَقَضْتَ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ لاَ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَتَسْتَوِي أَنْتَ وَإِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ بِدُونِ خِدَاعٍ وَلاَ اسْتِخْفَاءٍ. فقدِ ابْتَدَأَ ـ تَبارَكَ وتَعالى في هذِهِ الآيةِ بِأَمْرِ نبيِّهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، بما يَصْنَعُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ خيانَةً إلى سالِفِ الدَهْرِ تعليماً لأمَّتِهِ، وهذه الآية هي فيمن يُسْتَقْبَلُ حالُهُ مِنْ سائِرِ النّاسِ، إذا كان بين المسلمين وبينَ أحدٍ عهدٌ وبدت للمسلمين منهم بوادِرُ شَرٍّ، وخافَوا الخِيانَة من هؤلاءِ المعاهدين، فحينئذٍ يَجِبُ على المسلمين أن يَنْبُذُوا إليهِم عهدهم أوَّلاً، فإنْ جدَّدوا الْتَزَامَهم بالْسَلْمِ ونفاذِ العهدِ كفّوا عنهم وإلاّ حاربوهم.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِهِ تعالى: “وإما تخافن من قوم خيانة ..” الآية. قال: مَنْ عاهَدَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنْ خِفْتَ أَنْ يَخْتَانُوكَ ويَغْدُروا فَتَأْتِيهم، فانْبُذْ إليهم على سَواءٍ.
هذا إذا لمْ تَنْقَضِ مُدَّةُ العَهْدِ، أَوْ لمْ يْظْهَرْ نقضُهم لهُ ظُهوراً مَقْطوعاً بِهِ، أَمَّا إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أَوِ اسْتَفاضَ النَقْضُ منهم، وعَلِمَهُ النَاسُ، كما كانَ مِنْ قُرَيْشٍ حينَ نَقَضَتْ صُلْحَ الحَدَيْبِيَةِ بينها وبين المسلمين بمُعاونَتِها حُلفاءَها بني كنانةَ، على حلفاءِ المُسلمين بني خُزاعةَ علناً على رؤوسِ الأَشهْادِ. وإذا فَعَلَ المُعاهِدُ ذَلكَ يَكونُ قد أَعْلَنَ نقضهُ للعهد، فلا حاجةَ عندَها إلى ما ذُكِرَ منَ النبذِ على سواء وإعلامه. وهذا ما فَعَلَهُ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، حين فَتَحَ مَكَّةَ مِنْ غَيرِ نَبْذٍ، ولم يُعْلِمْهُمْ لأَنَّهم كانوا قد نَقَضُوا العَهْدَ عَلانِيَةً بمُعاوَنَتِهم بَني كِنانةَ على قَتْلِ خُزاعَةَ حُلفاءَ النبيِِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فقد كان في معاهدةِ الصلح بين الفريقين: أنَّ من أرادَ الدخولَ في حلفِ النبيِّ فلّهُ ذلك، ومَنْ أرادَ الدخولَ في حلف قريشٍ فله ذلك، فدخلت كنانةُ في حلفِ قريشٍ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في حِلْفِ النَبيِّ، ومَنِ اعْتَدى على حَليفِكَ فَقَدِ اعْتَدَى عَلَيْكَ.
وقد رُتِّبَ نَبْذُ العَهْدِ على خَوْفِ الخيانَةِ، دُونَ وُقوعِها: لأنَّ شُؤونَ السياسةَ والحَرْبِيَّةَ تجري على حَسَبِ مخايل الأمورِ وتقديرِ الأحوالِ والتوقُّعاتِ، ولا يُنْتَظَرُ تحقُّقُها ووقوعُها. لأنَّ الترَيُّثَ والانتظارَ فيه تعريضُ الأُمَّةِ للخَطَرِ، وتوريطُها فيما لا تُحمدُ عقباه، فليستِ السياسَةُ كالقَضَاءِ، لا يكونُ إلاَّ عن تبصُّرٍ وبيانٍ لا شبهةَ فيه.
ولُهُ: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} أمّا أنْ تفاجئَ عدوكَ الذي بينك وبينَهُ عهدٌ على الصلحِ دون أن تعلمَه بأنَّك في حلِّ من عهده فإنَّ ذلك يُعدُّ عند اللهِ خيانةً واللهُ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الخِيَانَةُ مُوَجَّهَةً لِلْكُفَّارِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَويْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبَ الإيمانِ عَنْ سليم بْنِ عامرٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، قالَ: كان بين مُعاوِيَةَ ـ رضيَ اللهُ عنه، وبينَ الرّومِ عَهْدٌ، وكان يَسيرُ حَتى يَكونَ قَريباً مِنْ أَرْضِهم، فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أَغَارَ عَلَيْهِم، فجاءَهُ عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ السُلَمِيُّ ـ رضي اللهُ عنه، فقالَ: اللهُ أَكْبَرُ وَفاءٌ لا غَدْرَ، سمعتُ رَسُولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَقولُ ((مَنْ كانَ بَيْنَهُ وبَينَ قومٍ عَهْدٌ فلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحِلَّها حتى يَنْقَضيَ أَمْرُها أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهم عَلى سَواءٍ)). قالَ: فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ بالجُيوشِ. ورواهُ الطَيالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ، وأَخْرَجَهُ كذلك أبو داوودَ، والنَسائيُّ، وابْنُ حبّانَ في صحيحِه مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ، وأحمد في مسنده، وأخرجه أيضاً التِرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحيحٌ.
ورَوى الإِمامُ أَحمد عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ انْتَهى إلى حِصْنٍ أوْ مَدينةٍ فقال لأَصْحابِهِ: دَعُوني أَدْعوهم كَما رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدْعوهم، فقال: إنَّما كُنْتُ رَجُلاً مِنْكم فَهَداني اللهُ إلى الإِسلامِ؛ فإنْ أَسْلَمْتُم فَلَكُمْ ما لَنا وعَلَيْكم ما عَلَيْنا، وإنْ أَنْتُم أَبَيْتم، فأَدّوا الجِزْيَةَ وأَنْتم صاغِرونَ فإنْ أَبيتُم نابَذْناكُم على سَواءٍ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائنين، يَفْعَلُ ذلك بِهم ثلاثةَ أَيّامٍ، فلَمّا كانَ اليومُ الرابعُ غَدا النّاسُ إليها فَفَتَحوها بِعَوْنِ الله”.
وأَخرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ ميمونَ بْنِ مَهرانٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاثٌ، المُسْلِمُ وَالكَافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ فُوُفَّ بِعَهْدِهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، فَإِنَّمَا العَهْدُ للهِ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحمٌ فَصِلْهَا، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً. وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً)).
وأَصْلُ معنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أَنَّ أَصْلَ الوفاءِ التَمامُ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنً في ضِدِّ الوَفاءِ لأنَّ مَنْ خانَ أحداً في شيءٍ فقدْ أدخلَ عليهِ النُقْصانَ فِيهِ”. واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتمامِ بالعَهْدِ، لأنَّكَ إذا أنجزتَ ما عاهدتَ عليه فقدْ أتممتَ العهدَ. والإيمانُ والطاعةُ للهِ ورَسولِهِ عَهْدٌ بين المؤمِنِ وبَينَ اللهِ ورَسولِهِ، ولذلك فإنَّ المعصيةَ لله وللرسولِ خيانةٌ للعهد الذي أخذه اللهُ عليك في عالم الذرِّ، والمؤمن بشهادتهِ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ يكونُ قد جدَّدَ هذا العهدَ مَعَ اللهِ، ولذلكَ عُدَّتِ المَعْصِيَةُ خِيَانَةً، لا سِيَّما الخَفيَّة مِنْها.
وأَخرج الإمامُ مُسلِمٌ عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ـ رضي اللهُ عنه، قال، قالَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: {لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القيامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلاَ ولاَ غادَرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ أَمِيرِ عامَّةٍ). صحيحُ مُسْلِمٍ، كتابُ الجهادِ، بابُ تحريمِ الغَدْرِ رقم/16/ ص /اه/. وأخرجَه أبو يعلى أيضاً. وإنَّما كانَ الغدرُ في حَقِّ الإمامَِ أَعْظَمَ وأَفْحَشَ مِنْهُ في غيرِهِ لما في ذلِكَ مِنَ المَفْسَدَةِ.
قولُهُ تَعالى: {وإمّا تخافنَّ من قومٍ خيانةً} الواوُ: عاطفةٌ، و “إمّا تخافنَّ” كَسابِقَتِها {إمّا تثقفنَّ} وقدٍ تَقَدَّمَ إعْرابُها، وَمَوْقِعُ “إن” فيهِ مَوْقِعُ التَعليلِ للأمْرِ بِرَدِّ عَهْدِهم عليهم، ونَبْذِهِ إليهم، فهي مُغْنِيَةٌ غَناءَ فاءِ التَفْريعِ كما قالَ عَبْدُ القاهِرِ الجُرجانيُّ، وهو مِنْ نُكَتِ الإعْجازِ. وهذا النظمُ مِنْ مُعْجزِ ما جاءَ في القُرآنِ على اخْتِصارِهِ وَكَثْرَةِ مَعانيه، ممَّا لا يُوجَدُ له في الكَلامِ مَثيلٌ.
و “مِنْ قَوْمً” جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ ب “تَخَافَنَّ”، ومجيءُ “قَوْمٍ” نَكِرَةً في سِياقِ الشَرْطِ يُفيدُ العُمومَ، أَيْ: كُلَّ قَوْمٍ تَخافُ مِنْهم خِيانَةً، فانبِذْ إليهم عهدَهم.
وقولُهُ: {فانْبِذ إِلَيْهِمْ} فِعْلُ أمرٍ جَوابُ الشَرْطِ، فاعلُه أنتَ ومفعولُهُ محذوفٌ، والتَقْديرُ: انْبِذْ إليهم عُهودَهم. والجارُّ متعلِّقٌ بالفعلِ. وعُدِّيَ “انبذ” ب “إلى” لِتَضْمينِهِ مَعْنى ارْدُدْ إليهم عهدَهم، وهو في الأصلِ بمعنى: اطْرَحْ.
قولُهُ: {على سواء} حالٌ إمَّا: مِن الفاعِلِ، أَيْ: انْبِذْها وأَنْتَ على طِريقٍ قَصْدٍ، أَيْ: كائناً على عَدْلٍ فلا تَبْغَتْهُمْ بالقِتَالِ، بَلْ أَعْلِمْهم بِهِ، وإمَّا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعولِ مَعاً، أَيْ: كائنين على اسْتِواءٍ في العِلْمِ أَوْ في العَداوَةِ. ويجوزُ أنْ يعرَبَ صفةً لِمَصْدَرٍ محْذوفٍ، والتقديرُ: فانبذْ إليهم نَبْذاً عَلى سَواءٍ. و “عَلَى” هنا للاسْتِعْلاءِ المجازيِّ فهيَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ مَدْخُولَها ممَّا شَأْنُهُ أَنْ يُعْتَلى عَلَيْهِ. و “سَوَاءٍ” وَصْفٌ بمَعنى مُسْتَوٍ، كَما تَقَدَّمَ في قولَهَ تَعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} في سورة البقرة، الآية: 6. وإنَّما يَصْلُحُ للاسْتِواءِ مَعَ مَعْنى “على” الطَريقُ، فَعُلِمَ أَنَّ “سَوَاءٍ” وَصْفٌ لِمَوْصوفٍ محذوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَصْفُهُ، كَما في قولِهِ تَعالى: {عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ} سورة القمر، الآية: 13، أَيْ سَفينَةٍ ذاتِ أَلْواحٍ. ومِنْه قولُ نابِغَةِ بَني ذُبيانَ:
وَإِنّي لأَلقى مِن ذَوي الضِغْنِ مِنهُمُ ….. بِلا عَثْرَةٍ، والنَفْسُ لا بُدَّ عاثرةْ
كَما لَقِيَتْ ذاتُ الصَفا مِنْ حَليفِها..وَما اِنفَكَّتِ الأَمْثالُ في الناسِِ سائِرَهْ
ف “ذاتُ الصفا”: أَيْ الحيَّةُ ذاتُ الصَفا. والبَيْتانِ مِنْ قَصيدَةٍ للشاعِرِ يَتَحَدَّثُ فيها عَنْ قِصَّةِ الحَيَّةِ مَعَ الراعي الذي كان يعزف لها على القصبِ كلَّ يومٍ فتعطيه ليرةً ذهبيةً، ثمَّ خانَها ابنُهُ وضربها فَقَطَعَ ذَيْلَها فلَسَعَتْهُ فمات، وهي أُسْطُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ في كُتُبِ الأَدَبِ، نَظَمَها الشاعِرُ النابِغَةُ في قصيدةٍ له يُعاتِبُ بها بَني مُرَّةَ على خيانتهم عهدَه.
قولُهُ: {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين} يُحتَمَلُ أَنْ تَكونَ هذه الجملةُ تعليلاً مَعْنَوياً للأمْرِ بِنَبْذِ العَهْدِ. ويُحتمَلُ أَنْ تَكونَ مُسْتَأْنَفَةً سِيْقَتْ لِذَمِّ مَنْ خانَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَقَضَ عَهْدَهُ. وهي تَذييلٌ لما اقْتَضَتْهُ جملةُ: “وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً” تصريحاً واسْتِلْزاماً.
قَرَأَ العامَّةُ: {على سَواءٍ} بِفَتْحِ السِينِ. وقرأ زيدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِِها، وهيَ لُغةٌ تَقَدَّمَ التَنْبيهُ عليها أَوَّلََ سورة البَقَرَةِ.

فيض العليم …. سورة الأنفال، الآية: 55


إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
(55)
قولُه ـ تباركت أسماؤه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بَعدَ أنْ شَرَحَ ـ سبحانهُ، في الآيات السابقةِ أَحوالَ المُهْلَكين مِنْ شِرارِ الكَفَرةِ، شَرَع هنا في بَيانِ أَحْوالِ الباقين مِنْهُمْ وتَفْصيلِ أَحْكامِهم، و “الدَوابُّ” كلُّ ما يَدُبُّ على الأَرْضِ، جمعٌ مفردُه: دابَّةٌ. قال تعالى في سورة النور: {والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} الآية: 45. وإطلاقُ الدابَّةِ على الإِنْسانِ حقيقيٌّ، لأنَّها تُطلَقُ على كلِّ حَيَوانٍ ولو أَدَمِيّاً. فالدابَّةُ كُلُّ حَيوانٍ في الأرضِ مميِّزاً وغَيرَ مميزٍ. وشَرَّ هذه المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، منزلةً عِنْدَ اللهِ فِي مقتضى حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ، هُمُ الكَافِرُونَ. وفي وصفِهم بأنَّهمْ شَرُّ الدَوابِّ لا شَرّ النّاسِ، إِشعارٌ بأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَمّا يَتَحَلّى بِهِ النّاسُ مِنْ تَعَقُّلٍ وتَدَبُّرٍ للأُمورِ، لأنَّ لَفْظَ الدَوابِّ ـ وإنْ كانَ يُطْلَقُ على الناسِ، إلاَّ أَنَّه عِندَ إطْلاقِهِ يُلْقى في مخيِّلةِ السامعِ ظِلاً خاصّاً يجعلها تَتَّجِهُ إلى الدَوَابِّ التي لا عقلَ لها. والإنسانَ هوَ الوحيدُ مِنْ بَيْنِ المَخْلُوقات التي تدبُّ على هذه الأرض، الذي لَهُ ما ليسَ لها من عقلٍ يُبَصِّرُها الأُمورَ وعَواقِبَها، وإنَّما تُحَرِّكُها غَرائزُها. وهؤلاءِ الكُفَّارُ قَدْ عَمِلوا بما تُمْليهِ عَليهِمْ غَرائِزُهم، وتَرَكوا العقل الذي أكرمهم الله به جانباً، قلم يستعملوه في مجالِ اسْتِجْلاءِ حقائقِ الكونِ والتَبَصُّرِ في عَواقبِ الأمورِ، بَلْ اسْتَعْملوهُ في ابْتِداعِ أَنْواعِ الأَذى، واسْتِجلاء دروبِ الشِرْك وحُجَجِ سلوكها. لذلك كانوا شرَّ هذِهِ الدَوابِّ وأَسْوَأَ تِلْكَ المَخْلوقاتِ التي لا تعقل. ونظيرُ هذه الآيةِ ما سبق في هذه السورة من قوله: {إنَّ شرَّ الدوابِّ عندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} الأنفال: 22.
قولُهُ: {فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} فهم لا يؤمنون رغم أنهم أُوتوا العقلَ الذي يوصلهم إلى ذلك، فلم يستعملوا عقولهم في معرفة الحقائق الإيمانية والتوصُّلِ إلى معرفة الله تعالى وعبادته وهي الوظيفةُ الأساسيةُ التي خلقَ اللهُ العقل من أجلها، بَلْ بالعَكْسِ فقد وَقَفَتْ نَزَواتُهم وغرائزُهُمُ الحَيَوانيَّةُ وشَهواتُهم في الطريق القويم لهذا العَقْلِ فحجبته عنه، ووَجَّهَتْهُ إلى غيرِ ما خُلِقَ لَهُ. ولذلك وَصَفَهم أَيْضاً في سُورةِ الفُرقانِ فقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ} الآيةُ: 44. فحَكَمَ عليهم بِأَنَّ الأَنْعامَ أَهْدى سبيلاً مِنْهم، لأنَّها، وإنْ كانت تتحركُ بدوافعَ غَريزيَّةٍ إلاَّ أَنَّها، بِفِطْرَتِها، مُقرَّةٌ لله تعالى بالربوبيَّةِ مسَبِّحةٌ لَهُ، قال تعالى في سورةِ الإسراءِ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الآية: 44.
وجاءَ في سَبَبِ نُزولِ هذِهِ الآيةِ الكَريمَةِ ما أَخْرَجَه أَبو الشَيْخِ عنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: نَزَلَتْ: “إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الذين كفروا فهم لا يؤمنون” في سِتَةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهودِ مِنْهُم ابْنُ تابوت.
قولُهُ تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الظرف “عند” متعلِّقٌ ب “شَرَّ”، و “الذين” خبرُ “إنَّ” و “شرَّ” اسمُها، وجملة “كفروا” لا محَلَّ لها.
قولُهُ: {فهم لا يؤمنون} الفاءُ للتَنْبيهُ، و “هم” مبتدأٌ خبرُهُ “لا يؤمنون” وجملَةٌ ” فهم لا يؤمنون ” مَعْطوفَةٌ على جُمْلَةِ الصِلَةِ.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 56


الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} هُمُ اليَهودُ بنو إسرائيلَ الذِينَ مِنْ شأنِهم نَقْضُ العُهودُ، وهذا دَيْدَنُهم مُذْ عُرفوا، فَلا عهدَّ لهم ولا مِيثاقَ، هُمْ مَعَ العَهْدِ والميثاقِ طالما كانوا ضعفاءَ غيرُ قادرينَ على نقضِهِ وكانَ في العهدِ مصلحةٌ لهم، فإذا آنَسُوا مِنْ نَفْسِهم قُوَّةً، ورأوا أنْ لا مصلحةَ لهم بالعهدِ نَقَضُوه، ولا عَجَبَ! فمَنْ كان هذا شأنه مع عهودِ اللهِ ليس بِدْعاًً إذا ما استخفَّ بعهدِه لغيرِهِ، وقد وصفهم ربُّهم بهذا في سورة البقرة فقال: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} الآية: 100. فهم يَعْبُدون مَصالِحَهَم ولا يعبدونَ ربَّهم ومولاهم، وهذا دَيْدَنُهم. فكانوا كُلَّمَا عَاهُدُوا عَهْداً نَقَضُوهُ، وَكُلَّمَا أَكَّدُوه بِالأَيْمَانِ نَكَثُوهُ، وَهُمْ لاَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللهِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَامِ ارْتَكَبُوهُ.
قولُهُ: {وهم لا يتقون} شُؤْمَ الغَدْرِ وعاقبتَه وتَبِعاتِهِ وما يجُرُّهُ عليهم في الدنيا مِنْ وَيْلاتٍ التي كان منها القتلُ والسبيُ، وْلا يخافونَ اللهَ ونُصْرَتَهُ للمُؤمنين عليهم وتَسْلِيطَهُ، وهذا عاجلُ العقوبةِ، أمّا آجلُها فسَيَكونُ أَدهى وأَمرّ، لأَنَّ نَارَ حِقْدِهِمْ أَعْمَتْهُم عَنْ رُؤْيَةِ ما فيهِ مَصْلَحَتُهم الحقيقيَّةِ في الدُنيا والآخِرَةِ.
وقد نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، هُمْ بَنُوا قُرَيْظةَ وزَعِيمِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأَََشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طَوَاغِيتِ الكُفْرِ وَالكُرْهِ لِلإِسْلاَمِ ونبيِّه. وَكَانَ الرَّسُولُ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، حِينَ هِاجَرَ إلَى المَدِينَةِ، عَقَدَ مَعَ اليَهُودِ عُقُوداً، أَمَّنَهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَدِينِهِمْ، على ألاّ يتعرضوا للمسلمين بأَذَى ولا يعينُ عِليهم عدواً، فَنَقَضُوا هَذِهِ العُهُودَ، وَتَآمَرُوا عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ. فأَعانوا المُشْرِكين بالسِلاحِ يومَ أُحُدٍ، وقالوا: نَسِينا، ثمَّ عاهَدَهم ثانيةً فَنَكَثوا وتَآمَروا عليه مع مشركي قريش يومَ الخَندقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ في مَلأٍ مِنْ قومِهِ إلى مَكَّةَ، فحالَفُوا المُشْرِكين عَلى حَرْبِِهِ ـ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ، ، فخَرَجَ إليهم النبيُّ وصَحْبُهُ، فقَتَلَوا مُقاتِلَتَهم وسَبوا ذَراريهم.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِهِ تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم} قال: هم يهودُ بني قُرَيْظَةَ الذين مالؤوا على مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أَعْداءَهُ يومَ غزوة الخندقِ. وكانوا قد أعانوهم على المسلمين بالسلاح يومَ غزوة أحدٍ كما تقدَّم.
قولُهُ تَعالى: {الذين عَاهَدْتَّ منهم} مَرْفوعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ المَوْصولِ قَبْلَهُ، أوْ عَلى النَعْتِ لَهُ، أَوْ على عَطْفِ البَيانِ، أَوِ مرفوعٌ على الابْتِداءِ، وخبرُهُ قَوْلُهُ: {فإمَّا تَثْقَفَنَّ} بمعنى: مَنْ تَعاهِدُ مِنْهم، أَيْ مِنَ الكُفارِ، ثمَّ يَنْقُضونَ عَهْدَهُمْ، فإنْ ظَفِرْتَ بِهِمْ فاصْنَعْ كيْتَ وكَيْتَ، فَدَخَلَتِ الفاءُ في الخَبرِ لِشِبَهِ المُبْتَدَأِ بالشَرْطِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصوباً على الذَمِّ. و يجوزُ أَنْ يَكونَ “منهم” حالاً مِنْ عائدِ المَوصولِ المحذوفِ والتقديرُ: الذين عاهدتَهم كائنين مِنهم، فإنَّ “مِنْ” للتَبْعيضِ. وفيها ثلاثةُ أَقوالٍ أُخرى، فقيلَ: هيَ بمَعنى “مَع”. وقيلَ: الكلامُ محمولٌ على مَعْناه، أَيْ: الذين أَخَذْتَ مِنْهُمُ العَهْدَ. وقيل: “من” زائدةٌ، أي: عاهَدْتَهم. لكنَّ هذِهِ الأَقْوالُ الثَلاثةُ ضَعيفَةٌ والأَوَّلُ أَصَحُّ.

فيض العليم …. سورة الأنفال الآية: 57


فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
(57)
قوله ـ تعالى شأنُه: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} يأمُرُ اللهُ تعالى رسولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنْ يُؤدِّبَ الكُفّارَ جميعاً بِمَنْ يَقَعُ في قَبْضَتِهِ مِنْهُمْ، وأَنْ يُخَوِّفَ الجَميعَ بِمَنْ يَظْفَرُ بِهِ، حتى يَعْتَبَرُوا ويَرْتَدِعوا ويَرْجِعوا عَنْ كُفْرِهم، ويَكُفوا عَنْ عدائهم لِدينِ الإِسْلامِ ونَبِيِّهِ وإيذاءِ المسلمين، وذلك بما يَرَوْنَه أَوْ يَسْمَعونَ بِهِ مِنْ نَكالٍ حَلَّ بِغَيرِهِم، وهِيَ في الحقيقةِ الغايَةُ مِنِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ وسيلةً، واتخاذ الشدَّة سبيلاً، حيثُ لا تَنْفَعُ الحُجَّةُ والبرهانُ لا يجدي المَنْطِقُ. فالمَقصودُ مِنَ التَنْكيلِ بهم، زَجْرُ مَنْ سِواهم، ولأجْلِ ذلك شُرِعَتِ العُقوباتُ، ولأَجْلِهِ أَمَرَ الصِدِّيقُ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، بالتَنْكيلِ بِأَهْلِ الرِدَّةِ، الذين خرجوا في وجه المسلمين بعد آنْ آمَنوا كبني حنيفةَ وغيرهم. وهذا قَريبٌ في الغايَةِ مَنْ قولِِهِ بعدَ ذلك في هذه السورةِ المباركة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُم} الآية: 60. فالإسلامُ دينُ الهُدى والمَحجَّةِ، دِينُ العَقلِ والمَنْطِقِ، وليسَ دِينَ القَتْلِ وإِزْهاقِ الأَرْواحِ والأنفُسِ، والاعْتِداءِ على الحُرِّيّاتِ والمُمْتَلَكاتِ، وإنَّما شَرَعَ الجهادَ واسْتِخْدامَ القُوَّةِ للرَدْعِ والتَخْويفِ حِفاظاً على هَذِهِ المُقَدَّساتِ. ولذلكَ عِنْدَما جاءَ جِِبْريلُ ومَعَهُ المَلَكُ الموكَّلُ بالجِبالِ ـ عَليهِما السَّلامُ، إلى الرسولِ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّم، مُرْسَلَينِ مِنْ ربِّ العِزَّةِ فاطِرِ الأََرْض والسماواتِ لِيكونا تحتَ تَصَرُّفِ نبيِّه فيما إذا أَحَبَّ أَنْ يَنْتَقم مِنَ الذين كَذََّبوهُ، وآذوهُ وعذَّبوه، لم يَطلبْ مِنْهُما ذَلِكَ، وإنَّما طَلَبَ إمْهالَ هَؤلاءِ المشركين لَعَلَّهم أنْ يَتُوبوا إلى اللهِ تعالى، أَوْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ مِنْ أَصْلابهم وذَراريهم مَنْ يُوَحِّدُ مولاهُ، ويعبُدُهُ ويَهتدي بهداه، فيَنْتََفِعُ ويَنْفَعُ بِهِ اللهُ. وقَدْ كانَ ما أمّلَهُ ورَجَاه، فإنَّ هذِهِ الأَجْيالَ من أبناء أولئكَ الذين كذَبوه وعذَّبوه، قدِ اهْتَدَتْ إلى الحقِّ فنجَتْ مِنْ عذابِ اللهِِ تَعالى، ثمَّ حملتهُ رسالةً طافت بها على العالمِِ كُلِّهِ فَنَفَعَ اللهُ بهم الكَثيرينَ، واهتدى خلقٌ كثيرٌ إلى على أَيديهم إلى هذا الدين. ولو أنَّه ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، دعا عليهم وانتقم منهم، لما انتشر نور الإسلامِ فعمَّ أصقاع الأرض، فسبحانَ منْ أرسله رحمةً للعالمين، صلواتُ الله وسلامُهُ عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم واهْتَدَى بهَدْيِهم إلى يومِ الدين.
أخرج البخاريُّ وغيرُهُ من أئمّةِ الحديث، عَنْ أُمِّ المؤمنين السيدةِ عائشةَ الصدّيقةِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها وأَرْضاها: أَنّها قالتْ للنَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِِبْني إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إِلاَّ وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ (1)، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ ـ عليه السلامُ، فَنَادَاني، فَقَالَ: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ بمَا شِئْتَ، فإنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. (2) فَقَالَ النبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)). متَّفَقٌ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ: البُخارِيُّ: 4/139 (3231)، ومسلم: 5/181 (1795) (111).
(1) قَرْنُ الثَعالِبِ: اسمُ لمكانٍ يَقَعُ على مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، ـ حرسَها اللهُ، وهو مِِيقاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، ويُسَمَّى أَيْضاً قَرْنَ المَنازِلِ.
(2) الأخْشَبين: مثنّى أَخْشَبٍ، والأخشبُ هو كُلُّ جَبَلٍ خَشِنٍ غَلِيظِ الحِجَارَةِ.
و “تَثْقَفَنَّهم” تُدْرِكُهم، أو تَتَمَكَّنُ مِنْهم، أَوْ تَأْخُذُهم بِسُرْعَةٍ، أو تَظْفرُ منهم بالمطلوب، وكُلُّ هذه المعاني مناسبةٌ هنا. والثِقافُ في اللُّغَةِ ما تُشَدُّ بِهِ القَنَاةُ ونحوُها، ومِنْهُ قوْلُ الشَاعِر الطَريفِ العَنْبَريِّ:
إنَّ قَناتي لَنَبْعٌ ما يُؤَيِّسُها …………… عَضُّ الثَقافِ ولا دُهْنٌ ولا نَارُ
وقال النابغةُ الذُبْيانيُّ:
تدعو قُعَيْناً وقَدْ عَضَّ الحديدُ بها …… عَضَّ الثِقافِ على صُمِّ الأَنابيبِ
قولُهُ: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أيْ: فَرِّقْهُم عَنَّكَ وخَوِّفهم منكَ، حتى لا يجتمعوا على حربِكَ وحَرْبِ دِينِك. والتَشْريدُ في اللُّغةِ: الطَرْدُ والتَفْريقُ والتهجيرُ القَسْرِيُّ والتَخْويفُ والتَسْميعُ، وكلُّ هذه المَعاني لائقةٌ بهذه الآيَةِ. وممَّا جاءَ مِنَ التَشْريدِ بمَعْنى التَسْميعِ قولُ شاعرٍ مِنْ هُذَيْلٍ:
أُطَوِّفُ بالأَباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ ……………… مَخَافَةَ أَن يُشَرِّدَ بي حَكِيمُ
فيشرِّدُ بي أَيْ: يُسَمِّع بي، ويَفْضَحُني. وحَكِيم: رَجُلٌ مِنْ بَني سُلَيْمٍ، كانَتْ قُرَيشٌ قد وَلَّتْهُ الأَخْذَ على أَيدِي السُّفَهَاءِ وعهدتْ له بذلك. وأَخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَوْلُهُ: “فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”، يَقُولُ: نَكِّلْ بِهِمْ”. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، مِثْلُ ذَلِكَ. وأخرج كذلك عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ: “فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”، يَقُولُ: أَنْذِرْ بِهِمْ”. وأخرج أيضاً عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنه: “فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”، يَقُولُ: عِظْ بِهِمْ. أَخرَجَ عن ابْنِ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ، “فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”، قَالَ: أَخِفْهُمْ بِهِمْ، كَمَا تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ. وأخرج عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، “فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ”، يَقُولُ: نَكِّلْ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ، يَعْنِي: الْعَرَبَ كُلَّهَا.
قولُه: {لعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} لعلَّ خوفَ أنْ يحلَّ بهم ما حلَّ بهؤلاء يكونُ حاضراً دائماً في ذاكرتهم، ما ثلاً أمامَ أعينهم، فلا يجرؤونَ على خيانتك والغدر بك وبالمؤمنين.
قولُهُ تعالى: {فإمَّا تثقفنَّهم في الحربِ} فإمَّا: الفاءُ عَاطفةٌ، “إما” مُؤَلَّفَة مِنْ “إنْ” الشَرْطِيَّةِ، و “ما” الزائدة، و “تثقفنَّهم” فعلٌ مُضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بِنُونِ التوكيدِ في محَلِّ جَزْمٍ، وفاعله أنتَ، ومفعولُهُ الهاءُ، والميم لجمع المذكَّر. والجُمْلةُ مَعْطوفَةٌ على قولِهِ تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدوابِّ}، الآية: 55. من هذه السورة. و “في الحرب” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب “تثقفنَّهم”.
قولُهُ: {فشرِّدْ بهم مَنْ خلفهم} الفاء رابطة لجَوابِ الشرطِ: “شرِّدْ”، و “بهم” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ “شَرِّدْ” و “مَن” اسم موصولٌ في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، “خلفَهم” ظَرْفُ مكانٍ مُتَعَلِّقٌ بالصِلَةِ المُقَدَّرِةِ بَعْدَ الاسْمِ المَوصولِ.
قولُهُ: {لعلَّهم يَذَّكَّرون} لعلَّهم: حرف ناسخ مشبَّه بالفعلِ واسمه، و جملة “يَذَّكَّرون” خبرُه. و “لعلَّ” واسمُها وخبرها مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها.
وقد جاءَ الشَرْطُ بِحَرْفِ “إنَّ” مَزيدَةً بعدَها “ما” لإفادَةِ تَأكيدِ وُقوعِ الشَرْطِ، وبذلك تَنْسَلِخُ “إنَّ” عَنِ الإشعارِ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقوعِ الشَرْطِ، وزِيدَ التَأكيدُ باجْتِلابِ نُونِ التَوكيدِ. وفي “شَرْحِ الرضي على الحاجبية”، عن بعض النحاة: لا يجيء “إما” إلاَّ بِنُونِ التَأْكيدِ بَعْدَهُ كَقولِهِ تعالى في سورة مريم: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} الآية: 26. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قولِهِ: “فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ” دَخَلَتِ النُونُ مَعَ “إما”: إمَّا للتَأْكيدِ أَوْ للفَرْقِ بَيْنَها وبين “إما” التي هِيَ حرفُ انْفِصالٍ في قولِكَ: جاءني إمَّا زَيْدٌ وإمَّا عَمْرٌو.
فإن” حرف شرط يدل على ارتباط جملتين بعضهم ببعض ، و “ما” حرف زائد للدلالة على تأكيد هذا الارتباط في كل حال من الأحوال. و مثالُه من الشعر قولُ البُحتري:
وإذا ما جفيت كنت حريا ……….. أن أرى غير مصبح حيث أمسي
وقولُ البارودي في وصف بعض مظاهر شيخوخته من ضعف بصره و ثقل سمعه:
لا أرى الشيء حين يسنح إلا …………… كخيال كأنني في ضباب
و إذا ما دعيت حرت كأني ……….. أسمع الصوت من وراء حجاب
فما قد زيدت بعد “إذا” في المثالين السابقين لتأكيد معنى هذا الظرف.
و مثاله من سائر الكلام: “غضبت من غير ما جُرمٍ” أيْ: مِنْ غيرِ جُرْمٍ، و “جِئتُ لأمرٍ مَا” ف “ما” زائدةٌ للتَأَكيدِ، والمعنى على النفي “ما جئت إلاَّ لأمر”.
و “لا” تزاد مؤكدة ملغاة نحو قوله تعالى: {لئلاّ يَعلم أهل الكتاب ألا يَقدرون على شيءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ}. ف “لا” زائدة، والمعنى {ليعلم أهلُ الكتاب …}، ونحو قولِهِ تَعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم} ف “لا” زائدة، والمعنى فأُقسِمُ بمواقع النجوم.
و “من” قد تزاد توكيداً لِعُمومِ ما بعدَها في نحو “ما جاءنا من أحدٍ” فإذاً أَحداً صِيغةُ عُمومٍ، بمعنى ما جاني أيُّ أَحَدٍ. و لا تكون “من” زائدة للعموم إلا إذا تقدَّمَها نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ أوِ اسْتِفْهامٌ ب “هل”، فالنَفيُ نحو قولِهِ تَعالى: {وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها} وقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} والنهى نحو “لا تُهْمِلْ مِنْ غِذاءِ عقلِكَ” والاستفهام، نحو قولِهِ تعالى: {هل تَرَى مِنْ فُطُور؟} ونحوَ هل مِنْ شاعِرٍ بَيْنَكم؟، و “من” هذه التي تزيد توكيداً لعمومِ ما بَعْدَهَا نَفْياً كانَ أوْ نَهْياً أوِ اسْتِفهاماً يكون الاسْمُ الواقع بعدَها إمَّا فاعلاً أَوْ مفعولاً أوْ مُبْتَدَأً كما في الأمثلة السابقة.
وقال البصريّونَ دَخَلَتْ النونُ توكيداً لمّا دَخَلَتْ “ما”. وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَدْخُلُ النُون الثَقيلةُ والخفيفةُ مَعَ “إِمَّا” في المجازاةِ للفَرْقِ بَينَ المُجازاةِ والتَخْييرِ.
قولُهُ: {فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهم} الباءُ للسَبَبِيَّةِ، “مَنْ خَلْفَهم” مفعولُ “شَرِّدْ”. والضَميران في “لعلهم يَذَّكَّرون” الظاهِرُ عَوْدُهُما على “مَنْ خَلْفَهم”، أَيْ: إذا رَأَوا ما حَلَّ بالناقِضين تَذَكَّروا. وقيلَ: يَعودان على المُنْقِضين، وليس لَهُ معنى طائلٌ.
قَرَأَ العامَّةُ {فشرّد} بالدّالِ المُهْمَلَةِ. وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه، بالذّالِ المُعْجَمَةِ. قال الشيخُ أَبو حَيَّان الأَنْدَلُسِيُّ: وكذا هي في مُصْحَفِ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. لكِنَّ المعلومَ أَنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أَحْدَثَهُما فيما بعدُ يحيى بْنُ يَعْمُرَ، فَكَيْفَ يُوْجَدُ ذلك في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعودٍ؟ إلاَّ أَنْ يَكونَ المقصود أَنَّه قد أُخِذَ ذَلكَ عَنْهُ قِراءَةً بالسَمَاعِ! وهو كذَلِكَ. وهَذِه المادَّةُ (الشين والراءُ والذالُ المُعْجَمَةُ) مُهْمَلَةٌ في لُغْةِ العرب. وفي هذِه القراءةِ أَوْجُهٌ أحدُها: أَنَّ الذالَ بَدَلٌ مِنْ مُجاوِرَتِها الدَّال، كما في قولهم: لَحْمٌ خَراديلٌ، وخَراذيلٌ. كما في قولِ كعبٍ بْنِ زهير:
يَعْدُو فيَلْحَمُ ضِرْغامَيْنِ عَيْشُهُما …….. لَحْمٌ مِنَ القومِ مَعْفُورٌ خَراذِيلُ
المَعْفورُ المُترَّبُ المُعَفَّرُ بالترابِ، والخراذيلُ: المصروع، أيْ صيدٌ مصروعٌ معفَّرٌ بالتراب.
الثاني: أَنَّه مقلوبٌ مِنْ شَذَرَ في قولِهم: تَفَرَّقوا شَذَرَ مَذَرَ، ومِنْهُ الشَّذْرُ المُلْتَقَطُ مِنَ المَعْدِنِ لِتَفَرُّقِهِ، قال امرؤُ القيس:
غرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمة …………… يُحَلَّيْنَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا
الثالث: أَنَّهُ مِنْ (شَذَرَ في مقالِهِ) إذا أَكْثَرَ فِيهِ وفرَّقَهُ لأنَّ المرء إذا أكثر القولَ فلا بُدَّ أنْ يتناولَ موضوعاتٍ شتّى. والشَرذُ: بالذالِ: التَنْكِيلُ، وبالدالِ التفريقُ، فَهذِهِ المادةُ ثابِتَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ.
وقرأ العامَّةُ: {مَنْ خلفهم} بفتح الميم. وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه، وأَبو حَيَوَةَ: “مِنْ خلفِهم” بكسرها، جاراً ومجروراً. والمفعولُ على هذِهِ القِراءةِ محذوفٌ، أَيْ: فَشَرِّدْ أَمْثالَهم مِنَ الأَعْداءِ أَوْ ناساً يَعْمَلُون بِعَمَلِهم.

فيض العليم …. سورة الأنفال، الآية: 54


كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ
(54)
قولُهُ ـ سبحانه وتعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ودأبُ هؤلاءِ (كفَّارُ قُريْشٍ) في الكُفْرِِ والتَكْذيبِ والاسْتِمرارِ عَلى ذَلِكَ، كدأْبِ قومِ فِرْعَوْنَ والأقُوامِ الأُخُرى الذينَ سَبقوهم، وحالُ هؤلاءِ كَحالِ أُولئك. ولم يُبَيِّنْ هُنا سبحانَه، مَنْ هُمْ هؤلاءِ الذين مِنْ قبلِهم، وما هي ذُنوبُهم التي أَخَذَهُم اللهُ بها. إنّما بَيَّنَ ذلك في مَواضِعَ أُخَرَ فذَكرَ قومَ نُوحٍ، وقَومَ هُودٍ، وقومَ صالحٍ، وقومَ لُوطٍ، وقوْمَ شُعَيْبٍ؛ وذكَرَ ذُنوبَهم التي أُخِذَوا بسبَبِها وهِيَ الكُفْرُ باللهِ، وتَكْذيبُ المرسلين، وهي السِمَةُ المشتركةُ بينَهم جميعاً، ثمَّ كَانَ لكلٍّ مِنْهم مَعصيتُهُ، فثمودُ عقروا الناقةَ، وأَتى قومُ لُوطٍ الفاحِشَةَ، و قومُ شُعَيْبٍ طفَّفَوا المِكْيالَ والمِيزانَ، إلى غيرِ ذلك ممّا جاءَ مُفَصَّلاً في مواضِعِه بآياتٍ كَثيرَةٍ. ولَقدْ كَرَّرَ هُنا قَضِيَّةَ آلِ فِرْعونَ، فكانَتِ المَرَّةُ الأُوْلى لِبيانِ كُفْرِهم فأَخَذَهمُ اللهُ بالعذابِ، أَمَّا الثانيَةُ فَهِيَ أَنَّ حالَ هؤلاءِ في تغييرِ النِعَمِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم. فالأوَّلُ للعادَةِ في التكذيبِ، والثاني للعادة في التَغييرِ. والأوَّلُ دَأْبٌ في أَنهم هَلَكوا لمَّا كَفَروا، وهذا دَأْبٌ في أَنْ اللهَ لمْ يُغيرْ نعمتَه عليهم حتى غَيَّروها هُم، والأَوَّلُ مُتَضَمِّنٌ ذِكْرَ إجْرامِهم، والثاني متضمِّنٌ ذِكْرَ إغْراقهم، وفي الأَوَّلى ما يَنْزِلُ بهم حالَ الموتِ مِنْ عقوبةٍ، وفي الثانيةِ ما يَحُلُّ بهم في الآخرة مِنْ عَذابٍ، وجاء في الأولى بآيات الله إشارةً إلى إنكارِ ذِكْر دلائلِ الإِلهيَّة. وجاء في الثانية بآياتِ ربِّهم إشارةً إلى إنكارهم مَنْ رَبَّاهم وأَحْسَنَ إليهم. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ الضَميرُ في “كفروا” في الآيةِ السابقةِ عائداً على قريش، وأنْ يكون الضميرُ هنا في “كذَّبوا” عائداً على آلِ فِرْعَوْنَ ومَنْ ذُكِرَ مَعَهم. وآلُ فرعونَ هم من اتبعوه على دينه من أقباطِ مصرَ فأهلكهمُ الله معه غرقاً في البحر، وقد تقدّم ذكرُ قصَّتهم في اسورَةِ الأعرافِ مفصّلة من الآية: 103 حتى الآية: 137.
قولُهُ: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} وكما أَنَّ دَأْبَ هؤلاءِ الكُفّارِ في إنكارهِم آياتِ اللهِ وتَغييرِ نِعَمِهِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعونَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم، فإنَّ دَأْبَهم أيْضاً الاسْتِمْرارُ على تكذيبِ رسولِ اللهِ، مِثْلَ آلِ فِرعوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم، ومِنْ ثمَّ كان الشبَهُ بَينَهُم في الكُفْرِ بالآياتِ وجُحودِ الرسالات، وفي الاسْتِمْرارِ على ذلك. لهذا أَخَذَ اللهُ الجميعَ بِذُنوبهم: أُولئكَ الأمم السابقة أخذهم بالصَواعِقِ والرياحِ ونحوِها، وآل فرعون بالغَرَقِ، وهؤلاءِ بالقتل والأسرِ وتجريعهم كأسَ ذُلِّ الهزيمةِ، وهم المحاربون الأشداء، فقد كانت الهزيمة عند العربي أَشَدُّ ما يبتلى به، فهي عار يُلاحِقُهُ طَوالَ حَياتِهِ، ويستمرُّ في ذرِّيَّته، فيُعيَّرونَ بها بعد مماته. ولذلك عاقبهم اللهُ بها، وكلُّ تِلكَ الأُمَمِ كانَتْ ظَالِمَةً، فاسْتَحَقّ الجميعُ ما نَزَلَ بهم مِنْ عقابٍ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ورسالاته وحاربوا رُسُلَهُ والمؤمنين بهم، فأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَجَرَائِمِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ وَآيَاتِهِ.
قولُهُ: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} وكلُّ أُولئك الكَفَرَةِ كانوا ظالمين لأنفسهم أوَّلاً بأنْ أَوْرَدوها مَوارِدَ الهَلاك وعذّبوها بأنْ أبعدوها عن مولاها، وعرضوها لسخطه، وظلموا المؤمنين باللهِ ورُسُلِهِ حين عذبوهم وآذوهم وحاربوهم وحاولوا منعهم مِنَ الإيمانِ بربهم وسلوكِ سبيل محبته ورضوانه. وجزاءُ الظالمِ أَنْ يُعاقَبَ على ظُلْمِهِ، فكان ما كان جزاءً وِفاقاً لهم من ربهم ـ سبحانه وتعالى.
قولُهُ تَعالى: {كدأب آلِ فرعونَ والذين من قبلهم كذّبوا} كدأبِ: جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بخبرٍ محذوفٍ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، والتقديرُ “دَأْبُ هؤلاءِ كائنٌ كَدَأْبِ آلِ فرعونَ”. وهي جملةٌ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وجملةُ “كذَّبوا” تفسيرٌ للدَأْبِ، لا محَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وكُلٌّ كانوا} جملةٌ مَعطوفةٌ على الجملة الاسْتِئْنافِيَّةِ “دأبهم كدأْب” فلا محلَّ لها من الإعراب كذلك.
قولُهُ: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} كُلٌّ” نُوِّنَ للتَعْويضِ عَنِ المُضافِ إليْهِ، أي: وكلُّ المذكورين، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهِم. وجُمِعَ الضَميرُ في “كانوا” وجُمِعَ في “ظالمين” مُراعاةً لمعنى “كُلٌّ”؛ لأنَّ “كلّ” مَتى قُطِعَتْ عَنِ الإِضافَةِ جازَ مُراعاةُ لَفْظِها تَارَةً ومَعناها أَخْرى، وإنَّما اخْتِيرَ ضميرُ الجمعِ هُنا مُراعاةً للمَعنى لأَجْلِ الفَواصِلِ، فلو رُوعِيَ اللفظُ فَقيلَ مَثلاً: وكلٌّ كانَ ظالماً لم تتَّفِقْ الفَواصِلُ، فإنَّ الفاصلةَ التي قَبْلَها هي “عَليم” وبعدَها “يؤمنون” فجاءتْ هنا “ظالمين” متَّسقةً مع ما قبلها وما بعدها مما يشكِّلُ جَرْساً يَشُدُّ السامِعَ وتَسْتَسيغُهُ أذنُه وتَرْتاحُ إليه نَفْسُهُ، وهذِهِ إحْدى مِيزاتِ هذا الكتابِ الكَريم.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 53


ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(53)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} يُخْبِرُ اللهَ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ فِي أُمُورِ العِبَادِ، وَأَنَّهَ تَعَالَى لاَ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ. وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ قُرَيْشاً بِكُفْرِهَا بنِعَمِ اللهِ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فَكَذَّبَهُ الكُفَّارُ مِنْهُمْ وَأَخْرَجُوهُ وَحَارَبُوهُ كَمَا أَخَذَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ. فذلك العذابُ الذي حَلَّ بهم، إنَّما كان بِسَبَبِ كُفْرِهم و ذُنوبهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يَغيرُ نِعْمَةً أَنْعَمَها على قومٍ من عباده ويُبَدِّلها بالنِّقْمَةِ إلاَّ إذا غَيَّروا هم ما بِأَنْفسُهم، أي: حتى يُبَدِّلوا ما بِأَنْفُسِهم، مِن ْحالِ الشُكْرِ إلى حالِ الكُفْرِ، أَوْ مِنْ حالِ الطاعةِ إلى حالِ المَعصيَةِ، كَما غيَّرتْ قريشٌ حالهم: مِنْ صِلَةِ الرَحِمِ، والكَفِّ عَنِ التَعَرُّضِ للرسولِ ومَنْ تَبِعَهُ بالعداوةِ الإيذاءِ، والتوقُّف عن السَعْيِ في إراقَةِ دمائهم، والتكذيبِ بالآياتِ اللهِ والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أَحْدَثوهُ بَعْدَ البِعْثَةِ. لقد كَذّبوا رَسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأخْرَجوهُ منْ ديارِهِ وبلده مكَّة، وحارَبوهُ وأصحابه ـ رضي اللهُ عنهم، وسَلَبوهم أَمْوالَهم، فَفَعَلَ اللهُ بهم كَما فَعَلَ بالأُمَمِ مِنْ قَبْلِهم، وسُنّةُ الله في خلقه أنْ لا يُغَيِّرَ نِعمةً أَنْعَمَها على قَوْمٍ، كَنِعْمَةِ الأمْنِ والرَخاءِ والعافيةِ، حتى يُغَيِّروا ما بَأَنْفُسِهم.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وأنَّ اللهَ “سميعٌ” لما يَقولونَ سرِّه وعلنه “عليم” بما يَفعلونَ من منكرات وما يدبرون من مؤامرات. وفيه وعيدٌ لهم وتهديدٌ، لأنه إذا كان يسمع ما يقولون ويعلم ما يفعلون فهو سبحانه لا بدَّ معاقبهم.
قوله تعالى: {ذلك بِأَنَّ اللهَ} ذلك: مبتدأٌ وخبرُهُ جملة: “أَنَّ” الحرف الناسخ المشبَّه بالفعلِ واسمها “اللهَ” وخبرُها، أَيْضاً كنظيرِهِ السابق، أيْ: ذلكَ العَذابُ، أَوِ الانْتِقامُ، كائنٌ أو حاصلٌ بِسَبَبِ أَنَّ اللهَ. فالباء للسببيَّةِ والجملة تعليلية. أَوْ هُوَ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبرٍ لمبْتِدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: الأَمْرُ ذلك.
وقوله: {لمْ يَكُ مُغَيِّراً} يَكُ: جَزْمٌ بِ “لم” وجزْمُهِ بحذفِ النُون، والأَصْلُ “يكون” فإذا دَخَلَتْ “لم” حُذِفَتِ الواوُ فأَصْبَحَتْ “لمْ يَكُنْ”، ثمَّ قالوا: “لمْ يَكُ” فكأنَّهم قَصَدوا التَخْفيفَ فَتَوَهَّمُوا دُخُولَ “لم” على “يَكُنْ” أيضاً فحُذِفَتْ النُونُ للجَزَمِ، وحَسُنَ ذَلِكَ فِيها لِمُشابَهَتِها حُروفَ اللينِ في أَنَّها مِنَ الزوائدِ التي تُحْذَفُ للجَزْمِ، فلذلك حُذِفَتْ هذه النونُ هنا، كما قالوا في “أُبالي”: “لمْ أُبالِ”، فحذفوا الياءَ، ثمَّ قالوا: “لمْ أُبَلْ” فتَوَهَّموا دُخولَ “لم” على “أُبالِ” أيضاً فحذفوا منها الألفَ أيضاً.
وقولُهُ: {وأنَّ الله سميعٌ} الجمهورُ على فتح “أنَّ” نَسَقاً على “أنَّ” التي قبلَها، أيْ: وسَبَبٌ أَنَّ اللهَ سميعٌ عليمٌ. ويُقْرأُ بِكَسْرِها على الاسْتِئناف.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com