فيض العليم …. سورة الأنفال الآية 52


كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(52)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} متابعةٌ للخطابِ السابِقِ، فهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، إِنَّمَا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَهُ قَبْلَهُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فالدَأْبُ العادةُ المُسْتَمِرَّةُ، ومِنْهُ قولُ الشاعر خِراشِ ْبنِ زُهيرٍ العامرِيِّ:
وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت …… هوازن وارفضت سليم وعامر
ومنه كذلك قولُ امرئ القيس:
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها …………. وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ
وهو مأخوذٌ مِنْ دَأَبَ عَلى العَمَلِ إذا لَزِمَهُ، ومِنْهُ قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، لِصاحِبِ الجَمَلِ الذي هَشَّ إليْهِ وأَقْبَلَ نَحْوَهُ وقدْ ذَلَّ ودَمَعَتْ عَيْناهُ: ((إنَّهُ شَكا إليّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدْئِبُه)). أَخْرَجَ هذا الحديثَ الإمامُ أَحمد في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِِ بْنِ جَعْفَر ـ رضي اللهُ عنهم جميعاً، ونَصُّ الحديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، فَدَخَلَ يَوْمًا حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ قَدْ أَتَاهُ فَجَرْجَرَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، قَالَ بَهْزٌ وَعَفَّانُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ. فَقَالَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ؟)) فَجَاءَ فَتًى مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((أَمَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَهَا اللهُ، إِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُه)). مُسْنَدُ الصَحابة في الكُتُبِ التِسْعَةِ: (47/324). قالَ شُعيبُ الأرنؤوط: هو صحيحٌ على شرطِ مسلم. والمُرادُ من قولِه: “كَدَأْبِ آلِ فرعونَ” أَيْ: كَشَأْنِ آلِ فِرْعَونَ الذي استمروا عليه، ممَّا فَعَلُوا وفُعِلَ بهم مِنْ أَخْذٍ. فهُمْ المشهورون بِقَباحَةِ الأَعْمالِ وفَظاعَةِ العَذابِ والنَكالِ. وعن جابرِ بْنِ زيدٍ، وعامرٍ الشَعْبيِّ، ومجاهد، وعطاء ـ رضي اللهُ عنهم جميعاً: أَنَّ مَعنى “كدأبِ آل فرعون”: كَسَنَنِ آلِ فِرْعَوْن.
قولُهُ: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} تفسير لدأبهم والمعنى، أنَّهم استمروا بالكفر والعصيان، واستمرَّ عليهم العذاب والهوان، وسنَفْعَلُ بِهِؤلاءِ مَا كَانَ مِنْ دَأْبِنَا وَعَادَتِنَا أَنْ نَفْعَلَهُ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الذِينَ سَبَقُوهُمْ، كقوم فرعون وغيرهم من الأمم الكافرة، فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وَاللهُ قويٌّ لا حدودَ لقوَّتِ، قادرٌ على ما يشاءُ فإذا كُفِرَ بِهِ بعد إرسالِهِ الرُسُلَ يبيّنونَ للخلقِ ويدلونهم ويرشدونهم إلى الطريق القويم، فإنَّه يعاقبُ المصرَّ على كفره ومعصيته بأشَدِّ العِقَابِ وهو القويُّ على ذلك والقادرُ عليه.
قوله تعالى: {كدأب} خبرٌ عَنْ مُضْمَرٍ، أَيْ: دَأْبُ هؤلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وهو عَمَلُهُم وطَريقَتُهم، التي دَأَبوا فيها، أَي: داموا عليها.
قولُهُ: {كفروا بآيات اللهِ} جملةٌ تَفْسيريَّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافاً نَحْويّاً أوْ بَيانِيّاً، أَوْ هِيَ في مَحَلٍّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
قولُهُ: {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} الفاءُ لِبيانِ كَوْنِ الدَأْبِ مِنْ لَوَازِمِ جِناياتِهم وتَبِعاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها. وهذِهِ الجملةُ هِيَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ “كَفَروا بآياتِ اللهِ”.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} جملةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمونِ ما قَبْلَها مِنَ الأَخْذِ.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 51


ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ
(51)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} وَهذا العَذابُ الذي مِنْهُ ضَرْبُ الوَجْهِ والقَفا، أَوِ القُبُلِ والدُبُرِ، وغيرُهُ مِنْ أَلْوانِ العذابِ التي لا يَعْلَمُها إلاَّ اللهُ تَعالى ـ نَعُوذُ بِرِضاهُ مِنْ غَضَبِهِ، وبِعَفْوِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وما أنْتم فيه من ذلٍّ وهوانٍ وصغارٍ، إنَّما هُوَ بِسَبَبِ ما قدَّمْتمْ مِنْ كفرٍ وما ارْتَكَبْتُمْ مِنْ عصيانٍ لمولاكم العظيم. وهو مِنْ حديثِ المَلاَئِكَةُ مَعَ الكُفَّارِ وَهُمْ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا العَذَابُ الذِي يَنْزِلُ بِكُمْ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَمَا عَمِلْتُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا، وخُصَّتِ الأَيْدي بالذِكْرِ، للدَّلالَةِ على التَمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ وإرادَتِهِ، وأَنَّ أَكْثَرَ الأَفْعالِ يَكونُ عَنْ طَريقِ البَطْشِ بالأَيدي. ولأنَّ نِسْبَةَ الفِعلِ إلى اليَدِ تُفيدُ الالْتِصاقَ بِهِ، والاتِّصالَ بِذاتهِ.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍٍ لِلْعَبِيدِ} فإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الحَكَمُ العَدْلُ الذِي لاَ يَكونُ مِنْهُ ظُلْمٌ أَبَداً. فالظلمُ ممّا هُوَ مُسْتَحيلٌ في حَقِّ الأُلوهِيَّةِ. لأنَّ دافعَ الظلمِ إنما يكونُ لجلبِ نفعٍ له أو دفع ضررٍ عنه، وهو ـ سبحانه وتعالى، مُنَزَّهٌ عنهما. لأنَّهما يَعْنيانِ وجودَ نقصٍ فيمن يحتاجُ لجَلْبِ النَفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَرَرِ. وفي صَحيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنْ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ((يا عبادي إني حَرَّمْتُ الظُلمَ على نفسي، وجعلتُه بينَكم مُحَرَّماً، فلا تَظالَمُوا، يا عبادي إنَّما هي أعمالُكم أُحْصيها لكم، فمَنْ وَجَدَ خيراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غيرَ ذَلك فلا يَلومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ)) والحديث طويل نفيس.
وسِرُّ التَعبيرُ بصيغةِ المبالغةِ “ظَلاَّمٍ”، مَعَ أَنَّ نفيَ المَصْدَرِ (الظُلْمِ) أَبْلَغُ، فنَفْيُ الكَثْرَةِ لا يَنْفي أَصَلَه. أَنَّ “ظلاّم” جمعُ حالاتٍ منِ الظُلْمِ ونفيُ الكَثْرَةِ، نَفْيٌ لِكُلِّ حالَةٍ منها. فإذا انْتَفى الكثيرُ، انْتَفى القليل، لأن الذي يَظْلِمُ إنما يفعلُ ذلك للانتِفاعِ بِهِ، فإذا تَرَكَ كَثيرَهُ، مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَفْعُ والضَرُّ، كان بقَليلِهِ أَزْهَد.
قولُهُ تعالى: {ذلك بما قدَّمت أيديكم} اسْمُ الإشارة “ذلك” مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جملَةُ “بما قدَّمت أيديكم”، و “بما” جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ. والباءُ للسَبَبِيَّةِ. وتقديمُ الأَيْدي مجازٌ عَنِ الكَسْب والفِعْلِ.
قولُهُ: {وَأَنَّ الله} عَطْفٌ على “ما” الموصولة المجرورة بالباءِ، أيْ: ذلك بِسَببِ تقديمِ أَيديكم، وبِسَبَبِ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبيدِ، وقيلَ: “وَأَنَّ الله” خبرٌ لِمُبْتَدأٍ محذوفٍ.
قولُهُ: {ليس بظلام للعبيد} ليس فعلٌ ناسخٌ ناقصٌ مِنْ أَخَواتِ “كان” واسمها ضميرُ الحق تعالى، و “بظلامٍ” مجرورٌ بالباء لَفْظاً منصوبٌ محلاًّ على أنّه خبرُ “ليس” و “للعبيد” جارٌّ ومجَرورٌ متعلِّقٌ بالخبر، وهذه الجملةُ بِناءُ مُبالَغَةٍ. والباءُ في خَبَرِ لَيْسَ زائدةٌ. وهذه الجملةُ اعْتِراضٌ تَذييليٌّ مُقَرِّرٌ مَضْمونَ ما قَبْلَهُ. أيْ: ذلك الذي نَزَلَ بِكُمْ سَبَبُهُ ما قدمتْهُ أيدكم، والأمرُ أَنَّ اللهَ تعالى، ليس بمعذِّبٍ لِعبيدِهِ مِنْ غيرِ ذَنْبٍ جَنَوْهُ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ مَعطوفاً على “ما” المجرورةِ بالباءِ. أي: ذلكَ بِسَبَبِ ما قدَّمَتْهُ أيديكم وأَنَّ اللهَ ليسَ بِظَلاّمٍ للعَبيدِ كما تقدَّم.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية: 50


وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
(50)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} هذا خِطابٌ للنبيِّ ـ صَلى الله عليه وسَلَّمَ، ويَشمَلَ كُلَّ مَنْ هو أَهْلٌ للخِطابِ، والمعنى: لَوْ أنَّكَ عَايَنْتَ الكُفَّارَ حِينَ تَأْتِيهم المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، إِذاً لَرَأَيْتَ أَمْراً فظيعاً عَظِيماً، وعايَنْتَ مَنْظَراً مخيفاً مرعباً، وشاهدتَ ما تَقْشَعِرُّ الجلودُ مِنْ هَوْلِهِ. والمُرادُ بالذين كَفروا: كُلُّ كافِرٍ، وقيلَ المُرادُ هنا قَتْلى غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكينَ لأنَّ الآية وَرَدَتْ في سِياقِ الحديثِ عَنْ غزوةِ بدرٍ وأَحداثِها. لكنْ وإنْ كانَ سَبَبُ هذا السِياقِ غَزْوَةُ بَدْرٍ، فإنَّه من المعلوم أنَّ ذلك العذابَ هو في حَقِّ كُلِّ كافرٍ بآياتٍ وأَحاديثَ كَثيرةٍ. ولم يُخَصِّصْهُ اللهُ هنا لأَهْلِ بَدْرٍ حيثُ قالَ: “وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ..”. فالآيةُ تشمَلُهم وغيرَهم من المشركين الذين يموتونَ على الشرك باللهِ تعالى.
قولُهُ: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} إِذْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ إِذَا أَقْدَمُوا، وَيَضْرِبُونَ أَدْبَارَهُمْ إذا وَلَّوا، وذَكَرَ الوُجوهَ والأَدْبارَ للتَعميمِ، أيْ: يَضْرِبونَ جميعَ أَجْسادِهم. فالأَدْبارُ: جمعُ دُبُرٍ، وهو ما دَبُرَ مِنَ الإنْسانِ. كما أنَّ الوُجوهَ كِنايةٌ عَمَّا أَقْبَلَ مِنَه، وهو كما تقولُِ العَرَبُ: ضَرَبْتُهُ على الظَهْرِ والبَطْنِ، كِنايةً عَمَّا أَقْبَلَ وما أَدْبَرَ، أيْ ضَرَبْتُهُ في جميعِ جَسَدِهِ. ودُبُرُ كلِّ شيءٍ ودُبْرُهُ: آخرُهُ ونهايتُهُ. قال الكُميْتُ:
أَعهدَكَ من أولَى الشَّبيبَةِ تطْلُبُ ……… على دُبُرٍ هيهات شَأْوٌ مُغَرِّبُ
وقولُهُ تعالى في سورة ق: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْه وأَدْبارَ السُّجودِ} أي: أَواخِرَ الصّلواتِ. وإدبارُ النجوم غيابُها، قالَ في سُورةِ الطُورِ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم} الآية: 49. أي: وقتَ غِيابها، وإدبارُ الليلِ ذَهابُهُ وتوليه وانقشاعُ ظُلمتِه. قال تعالى في سورة المدثّر: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَر} الآية: 33. وقالََ جمُهُورُ المُفَسِّرين: يُريدُ بقولِه: “أدبارهم” أَسْتاهَهَم، ولكنَّ اللهََ كَريمٌ فَكَنَّى عنها بالأدبارِ ولم يُصَرِّحْ. وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ: أَرادَ ظُهورَهُم وما أَدْبَرَ مِنْهم، ومَعنى هذا أَنَّ المَلائكةَ كانتْ تَضْرِبُ وُجوهَهم في حالِ الإقْبالِ، وتَلْحَقُهم فَتَضْرِبُ أَدْبارَهُم في حالِ الإدْبارِ. وروَى الحَسَنُ أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رَسُولَ اللهِ رَأَيتُ في ظَهْرِ أَبي جَهْلٍ مِثْلَ الشِراكِ، فقالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهَِ وسلَّمَ: ((ذَلِكَ ضَرْبُ الملائكَةِ))، وقد عَبَّرَ بِجَميعِ الملائكَةِ ومَلَكُ الموتِ واحِدٌ، لأنَّ لِمَلَكِ الموتِ أَعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ على ذَلكَ، فإنَّهم يَضْرِبونَ ما أَقْبَلَ مِنْ هؤلاءِ الكَفَرَةَ وما أَدْبَرَ، لإِعراضِهم عَنِ الحَقِّ، وإيثارِهِمْ الغيَّ على الرُشْدِ.
قولُهُ: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} وَيَقُولُونَ لَهُمْ “ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ”، و”الذوق” مُسْتَعْمَلٌ هنا في مُطْلَقِ الإحساسِ، وإضافةُ العَذابِ إلى الحريقِ: مِنْ إضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، لِبيانِ النَوْعِ، أَيْ: عَذاباً هُوَ الحريقُ، فهِيَ إِضافةٌ بَيانِيَةٌ. والمُرادُ بالحَريقِ جَهَنَّمُ، فَلَعَلَّ اللهَ عَجَّلَ بأَرْواحِ هَؤلاءِ المُشْرِكينَ إلى النارِ قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ. وذلك العذابُ هُوَ بِسَبَبِ كُفْرِهمْ وَسُوءِ أَعْمَالِهمْ. وقيلَ كانوا يَقولون للكُفَّارِ حينئذٍ هذا اللفظَ فحَذَفَ يَقولونَ اخْتِصاراً. وقيلَ معناهُ: وحالهم يومَ القيامَةِ أَنْ يُقالَ لهم هذا. وَتَشْمَلُ هذِهِ العُقوبَةُ جميعَ الكافرينَ أَيْضاً، حَالَ مُوَافَاةِ المَلاَئِكَةِ لهم وَهُمْ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَنُفُوسُهُمْ تَرْفُضُ الخُرُوجَ، لِما تَعْلَمُهُ مِمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ شُرورٍ وَآثِام فِي الدُّنْيا، ولِما تَعْلَمُهُ مِمَّا يَنْتَظِرُهَا مِنْ عَذَابِ اللهِ الشَّدِيدِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي سورة الأَنْعامِ: {وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ، أَخْرِجوا أَنْفُسَكُمُ} الآية: 93.
قولُهُ تَعالى: {ولو ترى} المُضارِعُ هُنا بمعنى الماضي لأنَّ “لَوْ” الامتناعية تَرُدُّ المُضارِعَ ماضِياً، كما أَنَّ إِنْ تَرُدُّ الماضيَ مُضارِعاً، أَيْ: ولو رَأَيْتَ “إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكةُ” .. الخ لرَأَيْتَ أَمْراً فَظيعاً، ولا بُدَّ مِنْ حملِ مَعنى المُضِيِّ هُنا عَلى الفَرَضِ والتَقْديرِ، ولَيْسَ المعنى على حقيقةِ المُضِيِّ، و “إذ” ظَرْفُ ل “ترى” والمَفعولُ محذوفٌ، أَيْ: ولَوْ تَرَى الكَفَرَةَ، أَوْ حالَهُمْ حِينَئِذٍ، و “الملائكة” فاعلُ “يتوفى”، والموصولُ “الذين” مفعولُهُ. وقد قُدِّمَ المَفعولُ للاهْتِمامِ بِهِ، ولمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ لأَنَّ الفاعلَ غَيرُ حَقيقيِّ التَأْنيثِ، وقد حَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَهُما.
قوله: {وَذُوقُواْ} مَنْصوبٌ بإضْمارِ قَوْلِ الملائكةِ، أَيْ: يَضْرِبونَهم ويَقولونَ لهم: “ذوقوا”. وقيلَ: الواوُ في “يَضْربون” للمؤمنين، أَيْ: يَضْربونَهُم حَالَ القتالِ، وحالَ تَوَفَّى أَرواحَِهُمُ المَلائكةُ. وجملة “يضربون” حالٌ مِنَ “الملائكة”، وجوابُ الشَرْطِ محذوفٌ تقديرُهُ: “لرأيت أمرًا عظيمًا”.
وجملة: “وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ” مَعطوفَةٌ على جملةِ: “يَضْرِبُونَ” بِتَقْديرِ القَوْلِ، فهي في محلِّ نصبٍ بالقولِ، لأنَّ هذِهِ الجُمْلَةَ لا مَوْقِعَ لها مَعَ التي قَبْلَها، إلاَّ أَنْ تَكونَ مِنْ قولِ الملائكَةِ، أَيْ: ويَقولونَ: “ذوقوا عذابَ الحريق”.
قَرأَ الجمهورُ {يَتَوفّى} بياءِ الغَيْبَةِ، والأظهرُ فيه أنها لموافَقةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الفاعلَ هو “الملائكة” وإنما ذُكِّر للفصْلِ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. أو أنَّ الفاعلَ ضَميرُ اللهِ تَعالى لِتَقَدُّم ذِكْرِه، و “الملائكةُ” مُبْتَدَأٌ وجملة “يَضْربون” خَبرُهُ. وهذِه الجملةِ حينئذٍ إمّا أَنَّها حالٌ مِنَ المَفعولِ. أو هي استئنافيَّةٌ جواباً لسؤالٍ مُقَدَّرٍ، وعلى هذا فيُوقَفُ على “الذين كفروا” بخلافِ الوَجهينِ قَبْلَهُ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَجْهَ الحالِ بِعَدَمِ الواوِ، ولَيْسَ بِضَعيفٍ لِكَثْرَةِ مَجيءِ الجُمْلَةِ الحاليَّةِ مُشْتَمِلَةً على ضَميرِ ذي الحالِ خاليةً مِنْ واوٍ نَظْماً ونَثْراً. وعلى كونِ “الملائكة” فاعلاً يَكونُ “يَضْربون” جملةً حاليَّةً سَواءً قُرِئَ بالتَأْنيثِ أَمْ بالتَذكيرِ. وجَوابُ “لو” محذوفٌ للدَلالةِ عَلَيْه، أَيْ: لَرَأَيْتَ أَمْراً عَظيماً، وقد تقدَّم. وقَرَأَ ابْنُ عامرٍ والأَعرَجُ “تتوفَّى” بتاءِ التأنيثِ في “تَتوفَّى” لِتأْنيثِ الجماعةِ.

فيض العليم …. سورة الأنفال، الآية: 49


إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(49)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} واذْكروا “إذْ يقول المنافقون” مِنْ أَهْلِ المدينةِ. لِما أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ تعالى: “إذ يقول المنافقون” قال: وهُمْ يَومَئِذٍ في المسلمين. وأَخْرَجَ عَبْدُ الرزَّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ الحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، في قولِهِ تعالى: “إذْ يَقولُ المُنافقون والذين في قلوبهم مَرَضٌ” قال: هُمْ قومٌ لم يَشْهَدوا القِتالَ يومَ بَدْرٍ فَسُمّوا مُنافِقين.
أوْ هُمْ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ كانوا أَسْلَموا وبَقُوا بِمَكَّةَ، فخَرجوا يَومَ بَدْرٍ مَعَ الكُفَّارِ، مِنْهُمْ: قيسُ بْنُ الوَليدِ بْنِ المُغيرة، وأَبو القيس بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغيرةِ، والحارثُ بْنُ رَبيعةَ بْنُ الأَسْوَدِ، وعلي بْنُ أُميَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذلك لَمَّا اقْتَرَبَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَحَظَ هؤلاءِ قِلَّةَ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، اسْتَخَفُّوا بِهِمْ، وَظَنَّوا أَنَّهُمْ هَازِمُوهُمْ لاَ مَحَالَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوا عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ مَعْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ. فَنَسَبوا إقدامَ المسلمين مَعَ قِلَّةِ عدَدِهِم على مُنازَلَةِ المُشْرِكِينَ وهمْ كَثْرَةٌ إلى اغْتِرارِ المسلمين بِدينِهم أَنَّ اللهَ ناصرُهم بِبركَةِ إيمانهم به وبرسولِهِ، فأَدْخَلوا أَنْفُسَهم فيما لا طاقةَ لهمْ بِهِ، فخَرَجوا وهُم ثَلاثمئةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رجلاً إلى زُهاءَ أَلْفٍ. وهذه في رأيهم جرأةٌ في غير محلها وتهوُّرٌ في غير موضعه. فقدْ أَخْرَجَ عبدُ الرَزّاقِ، وابْنُ المُنذِرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: هُمْ قَوْمٌ كانوا أَقَرّوا بالإِسْلامِ وهُمْ بِمَكَّةَ، ثمَّ خَرَجوا مَعَ المُشْرِكينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فلمّا رَأَوْا المُسْلِمين قالوا: “غَرَّ هَؤلاءِ دينُهم”. وأَخْرَجَ كذلك ابْنُ المُنْذِرِ، وأَبو الشَيْخِ، عَنِ الشَعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثلَه. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ إسْحَقَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قَوْلِه: “إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض” قال: هُمُ الفِئَةُ الذين خَرَجوا مَعَ قُرَيْشٍ، حبَسَهم آباؤهم، فخَرَجوا وَهُمْ عَلى الارْتِيابِ، فلمَّا رَأَوا قِلَّةَ أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالوا: “غَرَّ هؤلاءِ دينُهم” حين قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ عَدَدِهِم وكَثْرَةِ عَدوِّهم، وهُمْ فِئَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُسَمَّوْنَ خَمْسَة: قَيْسُ بْنُ الوَليدِ بْنِ المُغيرَةِ، وأَبو قَيْسٍ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغيرَةِ المَخْزومِيَّانِ، والحارِثُ بْنُ زَمعَةَ، وعليُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وبناءً على ما تقدَّم فالآيةُ تَشْمَلُ الفريقين، فيكون المقصودُ بالمنافقين الذين لم يشاركوا رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم، من منافقي أهلِ المدينة، ويكونُ المقصودُ بالذين في قلوبهم مرضٌ هم الذين كانوا على ارتيابٍ من أمرهم، الذين ذكروا من أهلِ مكة، ويكون كلٌّ مِنَ الفريقين قد قالَ: “غرَّ هؤلاء دينُهم”.
والقولُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ على حَقيقتِهِ ومجازِهِ، الشاملِ لحديثِ النَفْسِ، لأنَّ المُنافقينَ يَقولونَ ذَلك بأَلسِنَتِهم، وأَمَّا الذين في قلوبِهم مَرَضٌ وهُمْ طائفةُ غيرِ المُنافِقين، بَلْ هُمْ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِنْ قُلوبِهم. فيَقولونَهُ في أَنْفُسِهم لِما لَهم مِنَ الشَكِّ في صِدْقِ وَعْدِ النَبِيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، لأنَّهم غيرُ مُوالين للمُنافِقين، ويَجوزُ أَنْ يَتَحَدَّثوا بِهِ بينَ جَماعَتِهم.
و “المرضُ” هُنا مجازٌ في اخْتِلالِ الاعْتِقادِ، شُبِّهَ بالمَرَضِ بِوَجْهِ سُوءِ عاقِبَتِهِ عَلَيْهِم. وقدْ تَقَدَّمَ بيانُه مفصَّلاً عند قولِهِ تَعالى في سورة البقرةِ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} الآية: 10.
والغُرورُ: إيقاعُ النفسِ في المَضَرَّةِ بتوهُّمِ المَنْفَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بيانُهُ عندَ قولِهِ تَعالى في سورة آل عمران: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} الآية: 196. وعند قولِهِ في سورة الأنعام: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} الآية: 112.
قولُه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وَلكنَّهم نَسُوا لضعف إيمانهم أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وإنما هو من الله يهبُه لمن يشاء، فَإِنَّ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ، وَيُسَلِّمُ أَمْرَهُ إِلَيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ الْتَجَأَ إِلَى جَانِبٍ عَزِيزٍ مَنيعٍ لاَ يُضَامُ. وَاللهُ حَكِيمٌ يَعْرِفُ وَضْعَ الأمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَيَنْصُرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ. ولذلك أَجابهم الحَقَّ تَعالى بقولِهِ: “ومَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِ فإنَّ اللهَ عَزيزٌ” أي: غالبٌ لا يَذِلُّ مَنْ اسْتَجارَ بِهِ ولا يهون، وإنْ قَلَّ رجالُهُ أو ضَعُفَ سِلاحُه، “حكيمٌ” يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ القاصرُ، ويِعْجزُ عَنْ دَرْكِهِ الفَهْمُ السقيمُ. والإشارةُ في هذه الآيةِ المباركة: أنْ إذا عَظُمَ اليقينُ في قُلوبِ أَهْلِ التُقَى أَقْدَموا على أُمورٍ عِظامٍ، تَسْتَغْرِبُ العادةُ إدْراكَها، أَوْ يَغْلِبُ العَطَبُ فيها، فيَقولُ المُنافِقونَ والذينَ في قُلوبِهم مَرَضٌ: غَرَّ هؤلاءِ طَريقَتُهم، ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فإنَّ اللهَ عَزيزٌ لا يُغلبُ، ولا يُغلَبْ مَنِ انْتَسَبَ إليْهِ، وتَوَكَّلَ في أُمورِهِ عَلَيْهِ، حَكيمٌ فلا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ شَيْءٌ، أَوْ عَزيزٌ لا يُذَلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ، ولا يَضيعُ مَنْ لاذَ بِهِ، والْتَجَأَ إلى ذِمارِهِ، حكيمٌ لا يُقَصِّرُ عَنْ تَدْبيرِ مَنِ تَوَكَّلَ عَلى تَدبيرهِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ في القُرآنِ مِنَ التَوْحيدِ هُوَ تَنْبيهٌ عَلى قَطْعِ المُلاحَظَةِ عَنِ الأَغْيارِ، والتَوَكُّلِ عَلى الواحِدِ القَهَّار.
قولُهُ تَعالى: {إذ يقولُ} إذ: بَدَلٌ مِنْ “إذ” في الآية السابقة، والعامل فيها إمَّا “زَيَّن”، وإمَّا “نكص”، وإمَّا “شديد العقاب”، وإمَّا “اذكروا”.
وقولُه: {غرَّ هؤلاءِ دينَهم} هؤلاءِ: اسْمُ إشارةٍ، مَفعولٌ بِهِ، للفاعلِ المؤخَّرِ “دينُهم”. والجملة في محلِّ َنْصْبٍ بالقولِ. وإطلاقُ الغُرورِ ههُنا مجازٌ، وإسْنادُهُ إلى الدينِ حَقيقةٌ عَقْلِيَّةٌ.
وقولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِ فإنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ} الواو: عاطفة، “مَن” اسْمُ شَرْطٍ مُبْتَدَأٌ، وجملةُ “يتوكل” خبرُه، وجملةُ الشَرْطِ مُسْتَأْنَفَةٌ. و “على اللهِ” جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بِ “يتوكَّل” والفاء واقعة في جواب الشرط، و “إنَّ” حرفٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، و “اللهَ” اسمها، و “عزيزٌ” خبرُه، و “حكيمٌ” خبرٌ ثانٍ. وجملة “إنَّ الله عزيزٌ حكيم” جوابُ الشرطِ وجَزاؤهُ. باعتبارِ لازِمِهِ وهُوَ عِزَّةُ المُتَوَكِّلِ على اللهِ ونجاته مِنْ ضيقِ أَمْرِهِ، فهُوَ كنايةٌ عَنِ الجَوابِ، وهذا مِنْ وُجُوهِ البَيانِ وهُوَ كَثيرُ الوُقوعِ في القَرآنِ الكريم، وعليه قولُ زُهَيرٍ ابْنُ أبي سُلمى مِنْ قصيدة له يمدَحُ فيها هَرَمَ بْنَ سِنانٍ بالسماحة والنَدى والكَرَمِ:
قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرِمٍ …………. والسَّائِلُونَ إلى أَبْوَابِهِ طُرُقَا
مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاّتِهِ هَرَماً ……… يَلْقَ السَمَاحَةَ فيهِ والنَدَى خُلُقا
أي ينل من كرمه ولا يتخلف ذلك عنه في حال من الأحوال. قالَ أمير المؤمنين عُمَرُ ابنُ الخطّابِ ـ رضي اللهُ عنه، لابْنِ زُهَيْرٍ يوماً: ما فَعَلَتِ الحُلَلُ التي كَساها هَرَمٌ أَباك؟ قال: أَبْلاها الدَهْرُ. قال: لَكنَّ الحُلَلَ التي كَساها أَبوكَ هَرَماً لمْ يُبْلِها الدَهْرُ. ومن ذلك قولُ الرَبيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ:
مَنْ كانَ مَسْروراً بِمَقْتَلِ مَالكٍ ………….. فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ
يَجِدِ النِساءَ حَواسِراً يَنْدُبْنَهُ ……………… باللَّيْلِ قبلَ تَبَلُّجِ الأَسْفارِ
أيْ: مَنْ كانَ مَسْروراً بِمَقْتَلِهِ فَسُرورُهُ لا يَدومُ إلاَّ بَعْضَ يَوْمٍ ثمَّ يُحْزِنُهُ أَخْذُ الثَأْرَِ إمَّا مِنْ ذلكَ المَسْرورِ، إنْ كان هُوَ القاتَلَ أَوْ مِنْ أَحَدِ قَوْمِهِ وذلكَ يُحْزِنُ قومَهُ.
وقولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} مَعْطوفٌ على قولِهِ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية: 48. السابقة، لأنَّها مِنْ جُمْلَةِ الأَخبارِ المَسوقَةِ لِبَيانِ عِنايَةِ اللهِ تَعالى بالمُسْلِمينَ، وللامْتِنانِ عَليهم، فالمُناسَبَةُ بَيْنَها وبين الجُملةِ التي قبلَها: أَنَّها كالْعِلَّةِ لِخَيْبَةِ ظُنونِ المُشْرِكين ونُصَرائهم.

فيض العليم …. سورة الأنفال، الآية: 48


وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(48)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إِذْ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَعْمَالَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ، وَإِذْ حَسَّنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاؤُوا لَهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ. و “التَزيين” إظْهارُ الشَيْءِ زَيْناً، أَي: حَسَناً. أَمّا الذي زَيَّنَهُ لهم فيُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ قد زيَّنَ لهم شِرْكَهم. ويحتَمَلُ أنَّهُ زَيَّنَ لهم قِتالَ رَسُولِ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم.
ويُحتَمَلُ أَنَّهُ زَيَّنَ لهم قوَّتَهم حتى اعْتَمَدوا عليها. ورأَى بعضُهم أَنَّ التَزيِينَ في هذِهِ الآيةِ وما بعدَها هوَ بالوَسْوَسَةِ. وهذا قولٌ ضَعيفٌ يَرُدُّهُ قولُهُ تعالى بعدَ ذلك: “وإنِّي جارٌ لَكُمْ” لأنَّ هذا القولَ لَيْسَ ممّا يُلْقى بالوَسْوَسَةِ، والجُمْهُورُ على أَنَّ إبْليسَ جاءَ كُفَّارَ قُريْشٍ حَقيقَةً بِصُورَةِ سُراقةَ بْنِ مالكٍ، على رَأْسِ جيشٍ مِنْ جُنْدِهِ، ومَعَهم رايةٌ. ففِي َالسيرةِ النبويةِ الشريفةِ لابْنِ هِشامٍ أَنَّهُ جاءَهَمُ بِمَكَّةَ، وفي غَيرِها مِنَ السِيَرِ والمراجعِ أَنَّهُ جاءَهمْ وهُمْ في طَريقِهم إلى بَدْرٍ، وقدْ لَحِقَهم خَوْفٌ مِنْ بَني بَكْرٍ وكِنانَةَ لِحُروبٍ كانتْ بَيْنَهُم، ولقتلهم واحداً منهم، فجاءهم إبْليسُ في صُورَةِ سُراقةَ بْنِ مالِكٍ، الذي كان معروفاً عندهم، فهوَ سَيِّدٌ مِنْ سادات كِنانَةَ، فقالَ لهم: “إني جار لَكُمْ”، ولَنْ تخافوا مِنْ قَوْمي، وهم لكم أَعوانٌ على مَقْصِدِكُم، ولَنْ يَغْلِبَكم أَحَدٌ، فسُرّوا عِنْدَ ذلكَ وتشجَّعوا على المَضَيِّ إلى حتوفهم، لينفذ فيهم قضاءُ الله وقدَرُهُ.
قولُه: {وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} وَأَطْمَعَهُمْ بِأنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، نظراً لكثرة عددهم وما يحشدون مِنْ عدَّةٍ وأسبابِ القوَّةٍ، فلا قِبلَ للمسلمينَ بحربهم، وَأَنَّهُمْ لاَ غَالِبَ لَهُمْ اليومَ مِنَ النَّاسِ جميعاً، فهُم جيشٌ قوِيٌّ، بكلِّ المقاييس، ولذلك فسيكونُ النصرُ حَليفَهم لأنَّهم ـ علاوة عن كثرةِ عَدَدِهم وقوَّةِ عدَّتهم، يُدافعونَ عَنْ دِينِهم، دِينِ آبائهم وأَجْدادِهم، دين العربِ كلهم الذي تدينُ بِهِ وهو (بزعمهم) دين أبيهم إبراهيم ـ عليه السلامُ.
قولُهُ: {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} وَطَمْأَنَهُمْ إلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا فِي دِيَارِهِمْ أَثْنَاءَ غَيْبَتِهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، من قبلِ كنانة أو غيرها لأَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ وَمُجِيرٌ، وَمُعِينٌ لهم وَنَصِيرٌ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَردوَيْهَِ، والبَيْهَقِيُّ في الدلائلِ، عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: جاءَ إٍبْليسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَيْاطينِ ومَعَهُ رايةٌ، في صُوَرِ رِجالٍ مِنْ بَني مُدلجٍ في صُورِةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانيِّ، فقالَ الشَيْطانُ: “لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم” وأَقْبَلَ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَلامُ، على إبْلِيسَ، وكانتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ، فلمَّا رَأَى إبليسُ جِبْريلَ ـ عليه السلامُ، انْتَزَعَ يَدَهُ من يدِ الرجُلِ، ووَلَّى مُدْبِراً هُوَ وشِيعَتُهُ، فقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةَ إنَّكَ جارٌ لَنَا؟! فقال إبليس: “إني أرى ما لا ترون” وذلك حِينَ رَأَى الملائكةَ ـ عليهم السلامُ: “إني أخافُ اللهَ واللهُ شديدُ العِقاب”. ورُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ وَهْبٍ، أَوْ الحارثَ بْنَ هِشامٍ، قالَ لَهُ حين وَلَّى أَيْنَ سُراقةُ؟ فَلَمْ يَلْوِ عَدُوُّ اللهِ، فَذَهَبَ وَوَقَعَتِ الهزيمةُ، فتُحُدِّثَ بعدَ ذلك أَنَّ سُراقَةَ بْنَ مالكٍ قد فَرَّ بالنّاسِ، فَبَلَغَه ذلكَ سُراقَةَ، فأَتى مَكَّةَ، فقالَ لهم: واللهِ ما عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُم حَتى بَلَغَتْني هَزيمتُكم، ولا رَأَيْتُكم، ولا كُنْتُ مَعَكَم.
وأَخْرَجَ الطَبرانيُّ، وأَبو نُعيمٍ في الدَلائلِ، عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافعٍ الأَنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قال: لمَّا رأى إبليسُ ما يَفْعَلُ المَلائِكَةُ بالمُشْرِكينَ، يَومَ بَدْرٍ، أَشْفَقَ أَنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إليْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ ابْنُ هِشامٍ، أخو أبي جهل، وهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فوَكَزَ في صَدْرِ الحارِثِ فأَلْقاهُ، ثمَّ خَرَجَ هارِباً حتى أَلْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، فرَفَعَ يَدَيْهِ فقال: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ نَظِرَتَكَ إيَّايَ.
قولُهُ: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وَرَأَى الشَّيْطَانُ مَلاَئِكَةَ اللهَ يَحْمُونَ المُسْلِمِينَ، وَلَّى هَارِباً، فنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ها هنا أَيْ: بَطلَ كَيْدُهُ وذَهَبَ ما خَيَّلَهُ، وقيلَ رَجَعَ القَهْقَرَى وَوَلَّى مُدْبِراً.
وقالَ بعضُهم: هذا أصلُه، إلاَّ أَنَّهُ قدْ اتُّسِِعَ فيه حتى استُعْمل في كلِّ رُجُوعٍ وإنْ لمْ يَكُنْ قََهْقَرى، قال زُهَيرُ بْنُ أَبي سُلْمَى:
هم يضربون حَبِيْكَ البَيْضِ إذ لَحِقُوا
لا يَنْكُصُون، إذا ما اسْتُرْحِموا رَحِموا
حَبيكُ البَيْضِ: طَرائقُ حَديدِهِ. و “البَيْضُ” جمعُ “بَيْضَةٍ”، وهي الخوذَةُ، مِنْ سِلاحِ المحاربِ. تُشبهُ بيضةَ النعام، والبيتُ منْ قَصيدةٍ له في هَرَمِ بْنِ سِنان، وهي مِنْ جِيادِ شِعْرِهِ. قال:
وما نفعَ المُسْتَأْخِرينَ نُكوصُهُمْ ……… ولا ضَرَّ أَهْلَ السابقاتِ التَقَدُّمُ
وقال المؤرِّج: النُّكوص: الرجوعُ بِلُغَةِ سُلَيْم. قالَ الشاعرُ:
ليس النكوصُ على الأَعْقابِ مَكْرُمَةً ….. إن المكارمَ إقدامٌ على الأَسَلِ
فهذا إنما يُريدُ بِهِ مُطْلَقَ الرُجوعِ لأنَّه كِنايةٌ عَنِ الفِرارِ، وفيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ غَاِلبَ الفِرارِ في القِتالِ إنَّما هُوَ ـ كَما ذُكِر، رُجُوعُ القَهْقَرى.
قولُهُ: {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وَقَالَ لأَوْلِيَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ: إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ يَرَوْنَ، إِنَّهَ يَرَى المَلاَئِكَةَ يِنْصُرُونَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسَطْوَّتِهِ، مَا لاَ يَعْلَمُهُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخَافُ اللهَ، وَيَعْرِفُ أَنَّهَ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ.
فقد جاءَ في مُوطَّأِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ كَريزٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، قال: ((ما رَأَى الشَيْطانُ نَفْسَهُ يوماً هُو فِيهِ أَصْغَرَ، ولا أَدْحَرَ، ولا أَغْيَظَ مِنْه في يَومِ عَرَفَةَ، وما ذاك إلاَّ لِما رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَحْمَةِ، وتجاوُزِ اللهِ عَنِ الذُنوبِ العِظامِ، إلاَّ ما رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ)). قيلَ: وَما رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يا رسولَ الله؟ قال: ((أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبريلَ يَزَعُ الملائكة)). وأَخْرَجَهُ الطبريُّ كذلك في تفسيره بلفظٍ قريبٍ. وقولُهُ يزع الملائكةَ، يعني: يُرتِّبُهم ويُسَوّيهم ويَصُفُّهمْ للحرْبِ.
قولُهُ تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ} إذْ: مَنْصوبٌ بمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، بِطَريق التَلْوينِ، أَيْ: اذْكُرْ وَقْتَ تزيين الشيطان، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قولُهُ: {وقال لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس} قال: يجوزُ أَنْ يَكونَ عَطْفاً على “زَيَّنَ”، ويجوزُ أَنْ تَكونَ الواوُ للحالِ، و “قد” مضمرةٌ بعد الواوِ عِنْدَ مَنْ يَشْترطْ ذلك. و “لكم” خبر “لا” فيتعلَّق بمحذوف، أو صفتُه. و “اليوم” منصوبٌ بما تعلَّق به الخبر. ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ “لكم” أو الظرفُ مُتَعَلِّقاً بِ “غالب” لأنَّه يَكونُ مُطوَّلاً، ومتى كان مُطَوَّلاً أُعْرِبَ نَصْباً. و “مِنَ الناس” بيانٌ لجنسِ الغالِبِ. وقيلَ: هُو حالٌ من الضمير في “لكم” لتضمُّنه معنى الاستقرار. ومنع أبو البقاء أن يكون “من الناس” حالاً من الضمير في “غالب” قال: لأنَّ اسْمَ “لا” إذا عَمِلَ فيما بَعدَهُ أُعْرِب. والأَمْرُ كذلك.
قولُهُ: {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} يجوزُ في هذه الجملةِ أنْ تَكونََ مَعْطوفةً على قولِهِ :لا غالبَ لكم” فيكون قد عَطَفَ جملةً مَنْفِيَّةً على أُخرى منفيةٍ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ الواوُ للحالِ. وأَلِفُ “جارٌ” مِنْ واوٍ لِقَولهم “تجاوروا” وقد تقدَّمَ تحقيقُه.
و {لكم} مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ لأنَّهُ صِفَةٌ ل “جار”، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ “جار” لما فيه من معنى الفِعل.
قولُهُ: {فلَمّا تراءَتِ الفِئتانِ نَكَص على عقبيه} جوابُ “لمَّا” و “على عَقِبيْه” حال: إمَّا مؤكدةٌ عند مَنْ يَخُصُّه بالقهقرى، أو مؤسَّسةٌ عند مَنْ يَسْتعمله في مطلق الرجوع. وجملة “فلما تراءت الفئتان” معطوفة على المستأنفة: “إذ زين”.
وقولُهُ: {إني أرى} جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ في محَلِّ نَصْبٍ.

فيض العليم …. سورة الأنفال : الآية: 47


ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
(47)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا} يَتَضمَّنُ الطعن على المشركين بطريق تنبيه المسلمين وتحذيرهم من أن يسلكوا طريقهم ويتصفوا بصفاتهم، بعد أنْ أمرهم بطاعة الله ورسوله والثبات في ساحة المعركة، والإكثار من ذكره تبار وتعالى. ومما بكَّت الله به كفرة قريش أَنهم خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بَطَراً وطُغْيَاناً، وَفَخْراً وَأشَراً، بِمَا أوتُوا مِنَ النَّعْمَةِ، لأنَّ أبا سفيان كان قد أرسل إليهم يعلمهم بنجاةِ القافلةِ، فارتأى العقلاء منهم العودةَ إلى مكَّة لكن كبراءَهم وطُغاتهم، وعلى رَأسِهم أبو جهل، أَخْزاهُ اللهُ، أَصَرَّوا على الخروجِ إلى ماءِ بَدْرٍ والإقامةِ هناك، ونحرِ الجزورِ، وشرب الخمور، وعزفِ القِيانِ، وضَرْبِ الدُفوفِ حتى يَسْمَعَ أَهْلُ الحِجازِ وكلِّ العَرَبِ، بمسيرهم وتحدِّيهم للرَسولِ وأَصْحابِهِ، فتزدادُ هَيْبَتُهم في العَرَبِ، فَلا يجرُؤُ أَحَدٌ عَلى الإيمان بمُحَمَّدٍ وتصديقِ رِسالَتِهِ.
أخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في قولِهِ تَعالى: “ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} يَعني المُشْرِكين الذين قاتلوا رسولَ اللهِِ ـ صَلى اللهُ عَليْهِ وسلَّمَ، يومَ بَدْرٍ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القرَظِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: لما خَرَجَتْ قُريشٌ مِنْ مَكَّةَ إلى بَدْرٍ، خَرَجوا بالقِيانِ والدُفوفِ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى: “ولا تكونوا كالذين خرجوا من دِيارِهِم بَطَراً” الآية. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مجاهدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: “ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً” قال: أَبو جَهْلٍ وأَصْحابُه يَوْمَ بَدْرٍ. وعلى هذا إجماعُ المفسرين.
قولُهُ: {وَرِئَاءَ النَّاسِ} وكان خُروجُهم مِنْ مَكَّةَ إلى بَدْرٍ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لِيُعْجَبُوا بِهِمْ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالغِنَى وَالقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ .. فإنَّهم لمَّا ورَدَوا الجَحْفَةَ بَعَثَ الحَقَّافُ الكِنانيُّ إلى أبي جهلٍ ـ وكانَ صَديقاً لهُ، بهدايا مَعَ ابْنٍ لَهُ، فلمَّا أَتاهُ قال: إنَّ أَبي يُنْعِمُكَ صَباحاً ويَقول لك إنْ شِئْتَ أَنْ أُمِدَّكَ بالرجالِ أَمْدَدْتُكَ، وإنْ شِئْتَ أَنْ أَزْحَفَ إليكَ بِمَنْ مَعي مِنْ قَرابَتي فَعَلْتُ، فقالَ أَبو جَهْلٍ: قُلْ لأَبيكَ جَزاكَ اللهُ والرحم خيراً، إنْ كُنَّا نُقاتِلُ اللهَ كَما يَزْعُمُ مَحَمَّدٌ فَوَاللهِ مَا لَنا باللهِ مِنْ طاقَةٍ، وإنْ كُنَّا نُقاتِلُ النَّاسَ، فوالله إِنَّ بِنا عَلى النَّاسِ لَقُوَّةٌ، واللهِ ما نَرْجِعُ عَنْ قِتالِ محمَّدٍ حتى نَرِدَ بَدْراً فَنَشْرَبَ فيها الخُمورَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، فإنَّ بَدْراً مَوْسِمٌ مِنْ مَواسِمِ العَرَبِ، وسُوقٌ مِنْ أَسْواقِهم، حتى تَسْمَعَ العَرَبُ بهذِه الواقعةِ. فساقاهمُ اللهَ كؤوسَ المنايا بدلاً من كؤوس الخمر، وناحت عليهمُ النوائحُ عوضاً عن عزف القيان، وسمعت العربُ بخزيهم وذلهم.
أَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ عَنْ قَتادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في هذه الآيَةِ قولَه: كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الذين قاتلوا نَبِيَّ اللهِ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّمَ، يومَ بَدرٍ خَرجوا ولهم بَغْيٌ وفَخْرٌ، وقد قيلَ لهم يومئذٍ: ارْجِعوا فقدِ انْطَلَقَتْ عِيرُكُمْ وقدَ ظَفرتم، فقالوا: لا واللهِ حتَّى يَتَحَدَّثَ أَهْلُ الحِجازِ بِمَسيرِنا وعَدَدِنا، وذُكِرَ لَنا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ قالَ يَومِئِذٍ: ((اللَّهًمَّ إنَّ قُريشاً قد أَقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائها لِتُجادِلَ رَسُولَكَ)).
قولُهُ: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} وَهُمْ إِنَّمَا يَقْصِدُونَ بِخُرُوجِهِم الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ سبحانه، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَالحَدَّ مِنْ انْتِشَارِهِ. بتَحَدِّيهم لِرَسُولِ اللهِ وصَحابَتِهِ الكرام، وإظهارِ قُوَّتهم وشَكيمَتِهم، حتى يخافَهُمُ الناسُ، لا سِيَّما العربُ في شِبْهِ الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةَ كلِّها، لأنَّ قريشاً كانوا سَدَنَةَ الكَعْبَةِ التي يُقدِّسُها جميعُ العَرَبِ، ويحجُّون إليْها، فلا يجرُؤُ أحدٌ منهم على الإيمانِ بُمحَمَّدٍ واتِّباعِ دِينِه.
قولُه: {وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وَاللهُ مُحِيطٌ بهم وبِأَعْمَالِهِمْ، وما يكيدون ويدبّرون، لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وهو ـ سبحانَه وتعالى، الذي يستدرجهم، وهو الذي يُدبِّرُ لهم لِيُهلكَهم، ويُذلَّهم في الدنيا، وَسَوْفَ يُجَازِيهِمْ فِي الآخِرَةِ، بكفرِهم وطُغيانهم وفُجورِهم وفسوقهم وسُوءِ عَمَلِهم.
قولُهُ تعالى: {بَطَراً وَرِئَاءَ الناسِ} مَصْدرانِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ فاعلِ “خَرَجوا” أَيْ: خَرَجُوا بَطِرين ومُرائين. أَوْ هما مَنصوبان على المفعولِ لأجلِهْ، و “رئاء” مصدرٌ مُضافٌ لمفعولِه. “وَيَصُدُّونَ” فعلٌ مضارع من الأفعال الخمسة حذف مفعولُه للدلالة عليه، أو تَناسيهِ. وقيلَ هوَ عَطْفٌ على “بَطَراً” و “رَئاءً” في الوجهين المتقدِّمين. لأنَّهُ مُؤوَّل بالحالِ، أَيْ: بَطرِين ومُرائين وصادِّين الناسَ، أوْ أَنْ يَكونَ قولُهُ: “بَطَراً وَرِئَاء” بمنزِلَةِ يَبْطرون ويُراؤونَ. لكنَّ عطفَ الفعل على الاسم أو العكس غيرُ مستملحٍ لأنَّه تارةً يُقامُ الفِعْلُ مَقامَ الاسْمِ، وأُخرى يُقامُ الاسْمُ مَقامَ الفَعْلِ، لِيَصِحَّ كونُ الكَلِمَةِ مَعْطوفَةً على جِنْسِها، لذلك فالأفضلُ أَنْ يَكونَ “وَيَصُدُّونَ” اسْتَئنَافاً. لأنَّ الاسْمَ كما قال الجرجانيٌّ يَدُلُّ على التَمكينِ والاسْتِمرارِ، ومثالُهُ في الاسْمِ قولُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: {وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} الآية: 18. وذلك يَقْتَضي كونَ تِلْكَ الحالةِ ثابتةً راسخةً. والفعلُ يدلُّ على التَجَدُّدِ والحُدوثِ، كما هو في قولِهِ تَعالى في سُورة يونُس ـ عليه السلامُ: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السَماءِ والأرض} يونس: 31. فإنَّ ذلك يَدُلُّ على أَنَه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة. وقد كان أبو جهل ورهطُهُ وشِيعَتُه مجبولين على البَطَرِ والمُفاخَرَة والعُجْبِ، وأَمَّا صَدُّهم عَنْ سبيلِ اللهِ فإنَّما حَصَلَ في الزمان الذي ادَّعى محمَّدٌ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ النبوَّةَ. ولهذا السَبَبَ ذُكِرَ البَطَرُ والرئاءُ بِصيغَةِ الاسْم، وذُكِرَ الصَدُّ عَنْ سَبيلِ اللهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ واللهُ أَعْلَمُ.

فيض العليم … سورة الأنفال الآية: 46


وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
(46)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ تَعَالَى فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ المُشْرِكِينَ، وَبِالإِخْلاَصِ لَهُ، وَبِبَذْلِ الجُهْدِ فِي القِتَالِ، وَبِذِكْرِ اللهِ كَثِيراً لِتَطْمَئِنَّ النُّفُوسُ وَتَهْدَأَ، وَيُزَايلَهَا الخَوْفُ وَالتَّرَدُّدُ وَالقَلَقُ، كَمَا أمَرَهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِ، إِنْجَاحاً لِلْخُطَّةِ العَامَّةِ لِلْجَيْشِ فِي المَعْرَكَةِ. وأَطيعوا اللهَ ورسولَهُ في كُلِّ ما تَأتونَ وما تَذَرونَ، وكلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ؛ فإنَّ الطاعةَ مِفتاحُ الخيراتِ كُلِّها، ومَبْعَثُ المَسَرَّاتِ.
قولُه: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} أَمَرَهُمْ بِتَجَنُّبِ النزَاعِ، وَالاخْتَلافِ، لأنَّ فِي التَّنَازُعِ وَالاخْتِلاَفِ الفَشَلَ وَالخُذْلاَنَ وَضَيَاعَ مَا حَقَّقَهُ المُسْلِمُونَ فِي المَعْرَكَةِ. فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِ اللهِ: “وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ”، قَالَ: الْفَشَلُ: الضَّعْفُ عَنْ جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَالانْكِسَارِ لَهُمْ، ذَلِكَ الْفَشَلُ”.
قولُه: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} تَذْهَبَ رِيحُكُمْ: تَتَلاشَى قُوَّتُكُمْ، وتَدولُ دَوْلَتُكُم. شَبَّهَ النَصْرَ والدَوْلةَ بهُبوبِ الريحِ؛ مِنْ حيثُ إنَّها تَمْشي على مُرادِها، لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّها، وقيلَ: المُرادُ بها الرِّيحُ حَقيقَةٍ، فإنَّ النُصْرَةَ لا تَكونُ إلاَّ بِريحٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مِنْ ناحِيَةِ المَنْصورِ تَذْهَبُ إلى ناحِيَةِ المخْذُولِ. وفي الصَحيح عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نُصِرتُ بالصَّبَا، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ)). هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أخرَجَهُ البُخاريُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ شُعْبَة. وعَنْ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ ـ رضي اللهُ عنهما، أَنَّ المُرادَ بها ريحُ النَصْرِ، وقالا: لمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلاَّ بِريحٍ يَبْعَثُها اللهُ تَعالى تَضْرِبُ وُجوهَ العَدُوِّ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قولِهِ: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” قال: يقولُ: لا تَخْتَلِفوا فَتَجْبُنوا ويَذْهَبُ نَصْرُكم. وأَخْرَجَ الفِريابيّ وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “وتذهب ريحكم” قال: نَصَرَكُمْ، وقدْ ذَهَبَ رِيحُ أَصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حينَ نَازَعوهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ: “وَتَذْهَبَ ريحُكم” قال: الرِيحُ النَصْرِ، لم يَكُنْ نَصْرٌ قَطُ إلاَّ بِريحٍ يَبْعَثُها اللهُ، تَضْرِبُ وُجوهَ العَدُوَّ، وإذا كانَ كذَلِكَ لم يَكُنْ لهم قُوام. وأَخْرجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنِ النُعْمانِ بْنِ مُقْرِنٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قال: شَهِدْتُ مَعَ رسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فكانَ إذا لمْ يُقاتِلْ أَوَّلَ النَهارَ، انْتَظَرَ حتَّى تَميلَ الشَمْسُ، وتَهُبَّ الرِياحُ.
وعَلى هذا تَكونُ الريحُ عَلى حَقيقَتِها. ومِنْ كلامِِهِم: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ. إذا دَالَتْ لَهُ الدَوْلَةُ، وجَرَى أَمْرُهُ على ما يُريدُ. وقيلَ، الريحُ: الهيبةُ قال الشاعر عَبيدٌ بْنُ الأَبْرَصِ:
كما حميناكَ يومَ النَعْبِ مِنْ شُطَبٍ .. والفَضْلُ للقَوْمِ مِنْ ريحٍ ومِنْ عَدَدِ
وقال سُلَيْكُ بْنُ السَلَكَةِ:
يا صَاحِبَيَّ ألاَ لاَ حيَّ بالوادي …………… إلاّ عبيدٌ قعودٌ بين أَذْوادِ
هَلْ تَنْظُرانِ قليلاً رَيْثَ غَفْلَتِهم ………. أَوْ تَعْدُوان فإنَّ الريحَ للعادي
وقال آخرُ:
قد عَوَّدَتْهمْ ظُباهمْ أن يكونَ لهم ….. ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين لَقُوا
وقالَ الإمامُ الشافعيُّ ـ رَضِيَ اللهُُ عنه:
إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها ………………. فإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكونُ
وإِن دَرَّتْ نياقُكَ فاحتلبْها ………….. فما تَدري الفَصيلُ لمنْ يَكونُ
ولا تَغْفَلْ عَنِ الإحْسانِ فيها ……….. فما تَدْري السُكُونُ مَتى يَكونُ
ويَقولونَ: رَكَدَتْ رِياحُهُ إذا وَلَّتْ عَنْهُ وأَدْبَرَ أَمْرُهُ. قالَ الحريريُّ، في مقاماتِهِ: (قَدْ جَرى بِبَعضِ أَنديَةِ الأَدَبِ الذي رَكَدَتْ في هذا العَصْرِ رِيحُهُ). ومن المعلومِ أنَّ الريحَ قد كانتْ منْ أهم عوامل هزيمة المشركين يومَ الخندق إذِ سَلَّطها الله عليهم فاقتلعت خيامهم وأثافيهم وكفأت قدورهم فَوَلًّوا مدبرين منهزمين، ونصر اللهُ الإسلامَ والمسلمين.
قولُهُ: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ثُمَّ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتِزَامِ الصَّبْرِ، لأنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. بالإمْدادِ والإعانةِ ومَا يُفْهَمُ مِنْ كَلِمَةِ “مع” مِنْ أَصالتِهم بناءً على المَشْهورِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهم المباشِرونَ للصَبْرِ، فَهُمْ مَتْبوعونَ مِنْ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ. جاء في الصحيحين، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبي أَوْفى ـ رضي اللهُ عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أَنَّهُ انْتَظَرَ في بَعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فيها العَدُوَّ حتى إذا مالَتِ الشَمْسُ قامَ فيهم فقال: ((يا أَيُّها الناسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، واسْأَلوا اللهَ العافِيَةَ، فإذا لَقِيتُموهُم فاصْبِروا، واعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تحتَ ظِلالِ السُيوفِ)). ثمَّ قامَ النبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ وقال: ((اللَّهُمَّ، مُنْزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السَحابِ، وهازِمَ الأَحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وانْصُرْنا عليهم)).
قولُهُ تعالى: {فَتَفْشَلُواْ} نصبٌ على جوابِ النَهْيِ. أوْ جَزْمٌ عَطْفاً عَلى فعلِ النَهيِ قبلَهُ، وقد تقدَّم تحقيقهما في “وتَخُونوا” قبل ذلك. ويدلُّ على الثاني قراءةُ عيسى ابن عُمَر “ويَذْهَبُ” بياءِ الغَيبَةِ وجَزْمِهِ. ونَقل أَبو البقاءِ قراءةَ الجَزْمِ ولم يُقَيِّدها بياءِ الغيبةِ. وقَرأ أبو حيوة وأبان وعصمة “ويَذْهَبَ” بياءِ الغيبةِ ونَصبِه. وقرأ الحسن: فَتَفْشِلوا بكسر الشين. قال أبو حاتم: هذا غيرُ معروف. وقال غيرُهُ: إنها لغةٌ ثانية.

فيض العليم … سورة الأنفال، الآية” 45


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(45)
قولُهُ ـ جلَّ جلالُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} هو خطابٌ للمؤمنين بياء النداء تنبيهاً على أهميَّةِ مضمونه ووُجوبِ الاعْتِناءِ بِهِ، و “لَقيتُمْ” أَيْ: قابَلَتُم وواجهتم، ويغلب استعمالِهِ في لِقاءِ القتالِ وهُو المُرادُ هُنا. والفِئَةُ، أَيْ: الجماعة. فهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ بمعنى الرُجوعِ، لأنَّ بَعضَهم يَرْجِعُ إلى بَعْضٍ. وأَصْلُها فِئْوَةٌ، وهيَ مِنْ فَأوْتُ أَيْ جمعْتُ، و “الفئةُ” أيضاً الجَماعةُ أَصلُها فِئوةٌ وهي مِنْ فَأوْتُ أَيْ جمعْتُ، والمُرادُ بها هُنا: جماعَةُ المُقاتِلينَ مِنَ الكافِرينَ وأَشْباهِهم. ولم يصف اللهُ سُبْحانَهُ هذه الفئةَ وجاء بها نَكرةً لِظُهورِ أَنَّ المؤمنينَ لا يُحارِِبونَ إلاَّ الكُفَّارَ، وقيل: لِيَشْمَلَ بإطلاقِهِ لها البُغاةَ. ولا يُنافي هذا المعنى خُصوصُ سَبَبِ النُزولِ. وقولُه: “فاثْبُتوا” أيْ: لِقِتالهم وأَغْلِظوا عَليهم في النِزالِ، ولا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ. ففي هذه الآيةِ المباركة يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، إذا ما فُرِضَتْ عليهم ولم يكن لهم مندوحة عنها. فقد أَخْرَجَ عَبْدُ الرَزَّاقِ في مُصَنَّفِهِ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، والطَبرانيُّ، وابْنُ مَردَويْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوَّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا، فَإِذَا جَلَبُوا وَصَيَّحُوا، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ)). وهذا من جملةِ الأدبِ الذي ربّى عليه أصحابَهُ، فما كان ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ صخّاباً في شيءٍ.
وأخرجَ عبدُ الرَزَّاقِ عَنْ يَحيى بْنِ أَبي كثيرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، قال: ((لا تَتَمَنّوا لِقاءَ العَدُوِّ فإنَّكم لا تَدْرونَ لَعَلَّكم سَتُبْلَوْنَ بِهِمْ وَسَلُوا اللهَ العافيَةَ، فإذا جاؤوكم يَبْرُقونَ ويَرْجُفونَ ويَصيحونَ، فالأرْضَ الأَرْضَ جُلوساً ثمَّ قُولوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّهم، نَواصِينا ونَواصِيهم بِيَدِكَ، وإنَّما تَقْتُلُهم أَنْتَ، فإذا دَنَوْا مِنْكم، فَثُوروا إِلَيْهم، واعْلَموا أَنَّ الجَنَّةَ تحتَ البارِقَةِ.
وقالَ ابْنُ عبّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: يُكْرَهُ التَلَثُّمُ عِنْدَ القِتالِ. ولهذا ـ واللهُ أَعْلَمُ، كانَ يَتَسَنَّنُ المُرابِطُونَ بِطَرْحِهِ عِنْدَ القِتالِ، عَلى ضنانَتِهم بِهِ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ بْنِ رباحٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: وَجَبَ الإنْصاتُ والذِكْرُ عِنْدَ الرَّجْفِ، ثمَّ تَلا: “واذكروا الله كثيراً”. وأَخرجَ ابْنُ عَساكر عَنْ عَطاء بْنِ أَبي مُسْلِمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: لمَّا وَدَّعَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، عبدَ اللهِ بْنَ رَواحَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ ابْنُ رَواحَةَ: يا رَسولَ اللهِ مُرْني بِشَيْءٍ أَحْفَظُهُ عَنْكَ؟ قالَ: ((إنَّكَ قادمٌ غَداً بَلَداً السُجُودُ بِهِ قَليلٌ فَأَكْثِرِ السُجودَ)). قالَ: زِدْني. قالَ: ((اذْكُرِ اللهَ فإنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلى ما تَطْلُبُ)). قال: زِدْني. قال: ((يا بْنَ رَواحَةَ فَلا تَعْجِزَنْ إِنْ أَسَأْتَ عَشْراً أَنْ تُحْسِنْ واحدَةً)). فقالَ بْنُ رَواحَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لا أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ بعدَها. وأَخْرَجَ الحاكَمُ، وصَحَّحَهُ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ الأنْصاري الساعدي ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((ثِنْتانِ لا تُرَدَّان، الدعاءُ عِنْدَ النِداءِ، وعندَ البأسِ حينَ يَلْحَمُ بعضُهم بَعضاً)).
وأَخرجَ الحاكمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أَبي مُوسى الأشعريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كانَ يَكْرَهُ الصَوْتَ عِنْدَ القِتالَ)).
وأَخرَجَ ابْنُ أَبي شَيبَةَ والحاكمُ عَنْ قيس بْنِ عبَّادٍ القيسيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، قالَ: كانَ أَصحابُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، يَكْرَهونَ الصَوْتَ عِندَ القتالِ. وعنه أيضاً أَخرجَ ابْنُ أَبي شيبةَ، قال: كانَ أَصْحابُ محمَّد ـ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَوْتِ عِندَ ثلاثٍ: عندَ القِتالِ، وعندَ القُرآنِ، وعندَ الجَنائزِ.
وأخرج أيضاً عنِ الحَسَنِ البصريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَبيَّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كانَ يَكْرَهُ رَفعَ الصَوْتِ عندَ ثلاثٍ. عندَ الجَنازَةِ، وإذا التَقى الزَحْفانِ، وعندَ قراءةِ القرآنِ. وهذا أَمرٌ منه سبحانَه، بما فيهِ سببُ النَصْرِ والعِزِّة.
قولُهُ: {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} وعليكم مع الثبات أن تذكروا اللهَ في تلك الحال سِرَّاً داعين له، مُسْتَظْهِرين بِذِكْرِهِ على عدوِّكم، متوَجِّهين لِنَصْرِهِ، مُعْتَمِدين على حولِه وقوَّتِه، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوالِ وشدائدِ الأهوالِ؛ إذْ لا يَذكُر اللهَ تعالى في ذلك الحالِ إلاّ الأبطالُ مِنَ الرِجالِ. يَأمُرُهُمْ سبحانه بِذِكِرِهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِتَقْوَى قُلُوبُهُمْ، وَتَثْبُتَ نُفُوسُهُمْ، ويُخلصوا له جهادَهم، فإنَّ ذكرَ اللهِ يُقَوِّي الصِلَةَ بِهِ سُبحانَه، ويِطْرُدُ وِسْواسَ الشياطين، لقولِه ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((الشَّيطانُ جَاثِمٌ على قَلْبِ ابنِ آدَمَ، فإذا ذكرَ اللهَ خَنَسَ وإذا غَفَلَ وَسْوَسَ)) جامع الأصول في أحاديث الرسول: (2/446) فلا تَعودُ تُوَسْوِسُ لَهُ بالنفاق والرياءِ في جِهادِهِ طلباً لِشُهْرَةٍ أوْ سُمْعَةٍ أَوْ ذكرٍ حَسَنٍ عند الناس، أو مصبٍ أو شيء من حطام الدنيا الزائل، وهذا كلُّه مما يحبط العَمَلَ، ويبطلُ ثَوابَ اللهِ ورِضْوانَه، بَلْ يُورِدُ جَهنَّمَ، والعياذُ بالله، وقد تَقَدَّمَ غَيرَ مَرَّةٍ حديثُ أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنه في الصحيحِ، ومَنْهُ: ((إنَّ أَوَّلَ الناسِ يُقضي فيهِ يومُ القيامَةِ ثلاثةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فأُتِيَ بِهِ، فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فعَرَفَها، فقالَ: ما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ في سَبيلِكَ حتّى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، إنَّما أَرَدْتَ أَنْ يُقالَ فُلانٌ جَريءٌ، فَقَدْ قِيلَ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْحَبُ على وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ..)). وَهَذَانِ (الثباتُ وذكرُ اللهِ) مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الفَوْزِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَسْبَابِ الفَوْزِ بِالفَلاَحِ وَبِرِضْوَانِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. وذِكْرُهُ ـ جَلَّ شَأْنُهُ، في مِثْلِ ذلِكَ المَوْطِنِ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ مَحَبَّتِهِ ـ جَلَّ وعَلا، أَلا تَرَى أنَّ مَنْ أَحَبَّ مخلوقاً فكان صادقاً في محبَّتِهِ كيف لا يني عن ذكره في أشدِِّ الظروف وأحلك الساعات؟ فهذا عنترةُ العَبْسِيُّ يِذْكُرُ محبوبَتَهُ عَبْلَةَ في مِثْلِ هَذِهِ الساعاتِ العَصيبَةِ قائلاً:
ولقد ذَكَرْتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ ……. مِنِّي وبِيضُ الهِنْدِ تَشْرَبُ مِنْ دَمِي
فوَدِدْتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأنَّها ………….. لمََعَتْ كَبارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ
وهذا الذِكْرُ المطلوبُ في الثَباتِ أَمامَ العُدوِّ في ساحِ القِتالِ هُوَ الذِكْرُ الخَفِيُّ البَعيدُ أَيْضاً عَنِ الرِياءِ وحُبِّ السُمعَةِ، لأنَّ رَفْعَ الأَصْواتِ في مَواطِنِ القِتالِ مَكروهٌ، إلاَّ إذا كانَ مِنَ الجَميعِ عِنْدَ الحَمْلَةِ على العدوِّ فَهو حَسَنٌ لأنَّه يَفُتُّ في عَضُدِ العَدُوِّ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ رباحٍ ـ رَضِيَ اللهُُ عنهُم، قَالَ: “وَجَبَ الإِنْصَاتُ وَالذِّكْرُ عِنْدَ الزَّحْفِ، ثُمَّ تَلا قولَهُ تعالى: “إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا”، قُلْتُ: يَجْهَرُونَ بِالذِّكْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ”. (السائلُ ابنُ جُرَيْجٍ والمسؤولُ عَطاءُ بْنَُ رَباح). وأخرج أيضاً عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ ـ رضي اللهُ عنه، قَالَ: “مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، وَلَوْلا ذَلِكَ مَا أَمَرَ النَّاسَ بِالصَّلاةِ وَالْقِتَالِ، أَلا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ النَّاسَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْقِتَالِ؟ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٍ فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
وأَخْرَجَ أَبو نعيمٍ في الحليَةِ عَن أَبي جعفرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: أَشَدُّ الأَعْمالِ ثَلاثةٌ: ذِكْرُ اللهِ على كُلِّ حالٍ، وإنْصافُكَ مِنْ نَفْسِكَ، ومُواساةُ الأَخِ في المالِ. وأخرجَه الديلمي وابنُ أبي شيبةَ مرفوعاً، وفي روايةٍ (أسدّ) بدلاً من أشدّ.
وأخرج أبو نعيم الأصبهاني مرفوعاً عنْ عليٍّ ـ رضي اللهُ عنه، بلفظ: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ((أَشَدُّ الأعمالِ ثلاثة: ذكرُ اللهُ على كُلِّ حالٍ، وإِنْصافُ الناسِ بعضُهُم مِنْ بَعْضٍ، ومُواساةُ الإخوان))، أخبارُ أَصبهان: (2/456)
قولُه: {لَعَلَّكم تُفلِحون} أيْ: تَظفرون بالنصر على عدوِّكم وبعظيم النوالِ. وفيهِ تَنْبيهٌ على أَنَّ العَبْدَ يَنْبَغي أَلاَّ يُشْغَلَ بشيءٍ أبداً عنْ ذكرِ اللهِ تعالى، ولو كان جهاد العدوِّ، وعليه أَنْ يَلْتَجِئَ إِلى ربِّهِ عِندَ الشدائدِ، وأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ بِكليَّتِهِ، في أَحوالِهِ كلِّها، واثقاً بأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْه في جميعِ الأَحْوالِ. و “تفلحون” تَنالونَ بُغْيَتِكم وتَبْلُغونَ آمالِكُمْ، قالَ لَبيد:
أَفْلِحْ بما شِئْتَ فقدْ يُبْلَغُ بالضَّـ ……….. ـعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَريبُ
قولُهُ تَعالى: {إذا لََقيتم فئةً فاثْبُتُوا} جملةُ الشَرْطِ “إذا لقيتم فئة” جوابُ النداءِ مُسْتَأْنَفَةُ، وجملة “لقيتم” في محلِّ جَرٍّ بإضافتها إلى “إذا”. وجملةُ: “فاثبُتوا” جوابُ الشرط.
وقولُهُ” {واذكروا اللهَ كثيراً لعلّكم تفلحون} جملة: “اذكروا” عطف على جملة جواب الشرط “اثبتوا” و “كثيرا” نائب مفعول مطلق. وجملة “لعلكم تفلحون” مستأنفةٌ لا محل لها.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com