الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 118


وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)
 
قولُهُ ـ تَعَالَى شأْنُهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} وقد حرَّمنا على الذين هادوا خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ أُمَمِ الأَوَّلينَ. والهَوْدُ في اللُّغَةِ: التَّوْبَةُ، وهو مِنْ هادَ يَهُودُ هوْدًا، إِذا تابَ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ ذَنْبِهِ، ورَجَعَ عَنْ غيِّهِ. وتَهَوَّدَ أَيضًا: تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الحَقِّ فَهُوَ هَائدٌ، وقَوْمٌ هُودٌ، مِثْلُ: بازِلٍ وبُزْلٍ، وفي التَنْزيلِ قوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَعْرافِ: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الآيَةَ: 156، أَيْ تُبْنَا إِلَيْكَ، وَقالَ تَعَالى مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {إِنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هادُوا} الآية: 62، أَيْ تَهَوَّدُوا يُقالُ: هَادَ وتَهَوَّدَ إِذا دَخَلَ فِي اليَهُودِيَّةِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
سِوَى رُبَعٍ لم يَأْتِ فيها مَخافةً ……………. ولا رَهَقًا مِنْ عابِدٍ مُتَهَوِّدِ
المُتَهَوِّدُ: المُتَقَرِّبُ، والمُتَهَوِّدُ أَيْضًا: المُتَوَصِّلُ بِهَوادةٍ إِليْهِ. وأَيضًا التَّهَوُّدُ: التَوْبَةُ والعَمَلُ الصَّالِحُ، والهَوادَةُ: الحُرْمَةُ والسَبَبُ. وهادَ: إِذا رَجَعَ مِنْ خَيْرٍ إِلى شَرٍّ، أَوْ مِنْ شَرٍّ إِلى خَيْرٍ، وهادَ: إِذا عَقَلَ، ويَهُودُ اسْمٌ للقَبيلَةِ أَيضًا، قالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ يُؤَنَّبُ الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْداسٍ السُّلَمِيَّ فِي مَدْحِهِ قُرَيْظَةَ وبُكائِهِ عَلَيْهِمْ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ مَدْحَهُ الْأَنْصَارَ ـ رُضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، كَانَ أَوْلَى بِهِ:
أُولئِكَ أَوْلى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحةٍ …………. إِذا أَنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ
وقالَ الشاعِرُ الجاهِلِيُّ الأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ النَهْشَلِيُّ:
فَرَّتْ يهودُ وأَسْلَمَتْ جيرانُها ………… صَمِّي لِمَا فَعَلتْ يَهُودُ صَمَامِ
وقِيلَ إِنَّما اسْمُ هَذِهِ القَبيلَةِ يَهُوذ فَعُرِّبَ بِقَلْبِ الذالِ دالًا، وأَدْخَلوا الأَلِفَ واللامَ فِيها عَلَى إِرادَةِ النَسَبِ فقالوا: اليَهودُ، يُريدونَ اليَهُودِيِّينَ، وهادُوا: دَخَلُوا في اليهوديةِ، قالَ تَعَالى مِنْ سُورةِ الأَنْعامِ: {وَعَلَى الذينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُر} الآية: 146، قالَ الفَرَّاءُ المَعْنَى دَخَلوا فِي اليَهُوديَّةِ. وفي قولِهِ تَعَالى مِنْ سُورةِ : {وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} الآية: 111، قالَ يُريدُ يَهُودًا فَحَذَفَ الياءَ الزائدَةَ، وَرَجَعَ إِلى الفِعْلِ مِنْ اليَهودِيَّةِ وفي قراءَةِ أُبيٍّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ: {إِلَّا مَنْ كانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا} قالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ هُودًا جَمْعًا واحِدُهُ هائِدٌ، مِثْلُ حائِلٍ وعائطٍ مِنَ النُّوقِ والجَمْعُ حُولٌ وَعُوطٌ، وَجَمْعُ اليَهودِيِّ يَهُودٌ، كَمَا يُقالُ في المَجُوسِيِّ مَجُوسٌ، وفي العَجَمِيِّ عُجْمٌ، وفي العَرَبِيِّ عُرْبٌ، والهُودُ: اليَهُودُ، هادُوا يَهُودُونَ هَوْدًا، وَسُمِّيَتِ اليَهُودُ اشْتِقاقًا مِنْ هادُوا، أَيْ: تابُوا، وأَرادوا باليَهُودِ اليَهُودِيِّينَ، ولكنَّهم حَذَفوا ياءَ الإِضافَةِ كَمَا قالوا: زِنْجِيٌّ وَزِنْجٌ، وإِنَّما عُرِّفَ عَلى هَذَا الحَدِّ فَجُمِعَ عَلى قِياسِ شَعيرَةٍ وشَعِيرٍ ثمَّ عُرِّفَ الجَمْعُ بِالأَلِفِ واللامِ، ولولا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الأَلِفِ واللامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُؤَنَّثٌ، فَجَرَى فِي كلامِهِمْ مَجْرَى القَبيلَةِ، ولَمْ يُجْعَلْ كالحَيِّ، وهَوَّدَ الرَّجُلَ: حَوَّلَهُ إِلى مِلَّةِ يَهُودَ، قالَ سِيبَوَيْهِ، وفي الحديثِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، حَتَّى يَكونَ أَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أَوْ يُنَصِّرانِهِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُما يُعَلِّمانِهِ دِينَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصَارَى، ويُدْخِلانِهِ فِيهِ، والتَّهْوِيدُ أَنْ يُصَيَّرَ الإِنْسانُ يَهُودِيًّا، فهَادَ وَتَهَوَّدَ إِذا صَارَ يَهودِيًّا، والهَوادَةُ: اللِّينُ، وَمَا يُرْجَى بِهِ الصَلاحُ بَيْنَ القَوْمِ، وفي الحَديثِ: ((لا تَأْخُذُهُ في اللهِ هَوادَةٌ)). أَيْ: لا يَسْكُنُ عِنْدَ حَدِّ اللهِ، ولا يُحابي أَحَدًا فِيهِ، والهَوادةُ السُّكونُ والرُّخْصةُ والمُحاباةُ، وفي حديثِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أُتِيَ بِشارِبٍ فَقَالَ: لأَبْعَثَنَّكَ إِلى رَجُلٍ لا تأْخُذُهُ فيكَ هَوادَةٌ، والتَّهْوِيدُ، والتَّهْوادُ، والتَّهَوُّدُ، الإِبْطاءُ في السَّيْرِ، واللِّينُ، والتَّرَفُّقُ. والتَّهْوِيدُ المَشْيُ الرُّوَيْدُ، مِثْلُ الدَّبِيبِ ونَحْوِهِ، وأَصْلُهُ مِنَ الهَوادةِ، والتَّهْوِيدُ: السَّيْرُ الرَّفِيقُ، وَفي حَديثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ: إِذا مُتُّ، فَخَرَجْتُمْ بي، فأَسْرِعُوا المَشْيَ، ولا تُهَوِّدُوا، كَمَا تُهَوِّدُ اليهودُ والنَّصَارَى، وفي حَديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ: إِذا كُنْتَ في الجَدْبِ فأَسْرِعِ السَّيْرَ، ولا تُهَوِّدْ، أَيْ: لا تَفْتُرْ. قالَ: وكَذَلِكَ التَّهْوِيدُ في المَنْطِقِ، وهوَ السَّاكِنُ، يُقالُ: غِناءٌ مُهَوِّدٌ، وقالَ الرَّاعِي النُمَيْري يَصِفُ ناقَةً:
وخُودٌ مِنَ اللاَّئي تَسَمَّعْنَ بالضُّحى …… قَرِيضَ الرُّدافَى بالغِناءِ المُهَوِّدِ
قولُهُ: وخُودٌ، الواوُ هنا أَصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِواوِ العَطْفِ، وهُوَ مِنْ وَخَدَ يَخِدُ، إِذا أَسْرَعَ، وهَوَّدَ الرَّجُلُ: إِذا سَكَنَ، وهَوَّدَ: إِذا غَنَّى، وهَوَّدَ: إِذا اعْتَمَدَ عَلَى السَّيْرِ، قالَ ذو الرُّمَّةِ مرتجزًا:
سَيْرًا يُراخِي مُنَّةَ الجَلِيدِ ………………….. ذَا قُحَمٍ وَلَيْسَ بالتَّهْوِيدِ
أَيْ: لَيْسَ بالسَّيْرِ اللَّيِّنِ، والتهوِيدُ أَيْضًا: النَّوْمُ، وتَهْوِيدُ الشَّرابِ: إِسْكارُهُ، وهَوَّدَهُ الشَّرابُ: إِذا فَتَّرَهُ فأَنامَهُ، قالَ الأَخْطَلُ:
ودافَعَ عَنِّي يَوْمَ جِلَّقَ غَمْزُهُ ……….. وصَمَّاءُ تُنْسِيني الشَّرابَ المُهَوِّدا
والهَوادَةُ: الصُّلْحُ، والمَيْلُ: والتَهْوِيدُ، والتَّهْوادُ: الصَّوْتُ الضَّعيفُ اللَّيِّنُ الفاتِرُ، والتَهْوِيدُ: هَدْهَدةُ الرِّيحِ في الرَّمْلِ، ولِينُ صَوْتِها فيه، والتَّهْوِيدُ: تَجاوُبُ الجِنِّ، وذَلِكَ لِلِينِ أَصْواتِها وَضَعْفِها، قالَ الراعي النميريِّ:
يُجاوِبُ البُومَ تَهْوِيدُ العَزِيفِ بِهِ …………… كَمَا يَحِنُّ لِغَيْثٍ جِلَّةٌ خُورُ
والتَهْوِيدُ التَرْجِيعُ بالصَّوْتِ في لِينٍ، والهَوادَةُ: الرُّخْصَةُ، وَهْوَ مِنْ ذَلِكَ لأَنَّ الأَخْذَ بِها أَلْيَنُ مِنَ الأَخْذِ بالشِدَّةِ، والمُهاوَدَةُ: المُوادَعَةُ، والمُهاوَدةُ: المُصالَحَةُ، والمُمايَلةُ. والمُهَوِّدُ: المُطْرِبُ المُلْهِي. والهَوَدَةُ، بالتحريك: أَصْلُ السَّنامِ. والهَوَدةُ: مُجْتَمَعُ السَّنَامِ، والجَمْعُ: هَوَدٌ. وقالَ: كُومٌ عَلَيْها هَوَدٌ أَنْضَادُ، وَتُسَكَّنُ الواوُ فَيُقالُ: هَوْدَةٌ. وَهُودٌ: اسْمٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ تعالى ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَنْصَرِفُ فَتَقولُ هَذِهِ هُودٌ، إِذا أَردْتَ سُورَةَ هُودٍ، وإِنْ جَعَلْتَ هُودًا اسْمَ السُّورَةِ لَمْ تَصْرِفْهُ وَكَذلِكَ نُوحٌ ونُونٌ. وقدْ يُجْمَعُ يَهودُ عَلى يُهْدَانٍ بِضَمٍّ فَسُكونٍ، قال حَسَّانُ بْنُ ثابتٍ ـ رَضِي اللهُ عُنْهُ يَهْجُو الضَّحَّاكَ ابْنَ خَلِيفَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ وكان أَبو الضَّحَّاكِ مُنَافِقًا:
أَتُحِبُّ يُهْدَانَ الحِجَازِ وَدِينَهُمْ ………. عَبْدَ الحِمَارِ ولا تُحِبُّ مُحَمَّدَا
قولُهُ: {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} مِنْ قَبْلُ: أَيْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: {وَعَلَى الذينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآيَة: 146.
فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَعَلى الَّذينَ هادوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: فِي سُورَة الْأَنْعَامِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَعَلى الَّذينَ هادوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ” قَالَ: مَا قَصَّ اللهُ ذِكْرَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ حَيْثُ يَقُولُ: {وَعَلى الَّذينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّا لَصَادِقونَ) الآيَة: 146، مِنْ سُورةِ الْأَنْعَامِ.
ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقدَّرَ الكلامُ: مِنْ قَبْلِ تَحْريمِ مَا حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِكَ “مِنْ قبلُ”، وَهُوَ أَوْلَى. وَيَجوزُ أَنْ يَكونَ الكلامُ مِنْ بابِ التَنَازُعِ، وكانَ اليهودُ يَقولونَ: لَسْنَا أَوَّلَ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ هذِهِ الأَشياءُ، وإِنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإِبْراهيمَ. وَمَنْ بَعْدَهُمَا حَتَّى انْتَهَى التَحْرِيمُ إِلَيْنَا، فَرَدَّ اللهُ فِرْيَتَهم، وهذا واضِحٌ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ النِّساءِ: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} الآيةَ: 160.
قولُهُ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أَيْ: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ التَحْرِيمِ وَلكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. مِنْ حِيْثُ أَنَّهم فَعَلُوا مَا عُوقِبُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ التحريم. وَفِيهِ تَنْبيهٌ عَلَى أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهم فِي التَحْريمِ، وَأَنَّهُ قدْ يَكونُ التحريمُ عقوبةً، وقد يكونُ بسببِ الضَرَرِ يكون للعقوبة.
قولُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} الوَاوُ: ، و “عَلَى” حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَرَّمْنَا” الآتي، و “الَّذِينَ” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. وجُمْلَةُ “هَادُوا” صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.
قولُهُ: {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} حَرَّمْنَا: فِعلٌ ماضٍ مَبْنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٌ هو “نا” المُعَظِّمِ نفسهُ ـ سبحانَهُ وتَعالى، و “نا” التعظيمِ هذِهِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، و “مَا” اسمٌ مَوْصولٌ مَبْنيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ النَّصْبِ على المفعوليَّةِ، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وَ “قَصَصْنَا” مِثْلُ “حَرَّمْنَا” لَهُ نَفْسُ الإِعْرابِ. وَ “عَلَيْكَ” عَلَى: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قَصَصْنَا”، وكافُ الخِطابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجرِّ، و “مِنْ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “حَرَّمْنَا” أَوْ بِـ “قَصَصْنَا”، و “قَبْلُ” اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ وَهوَ مُضافٌ، إِلى مُضَافٍ إِلَيْهِ مُقَدَّرٍ، أَيْ: ومِنْ قَبْلِ تَحْريمِنا عَلَى أَهْلِ مِلَّتِكَ. وَجُمْلَةُ “قَصَصْنا عَلَيْكَ” صِلَةٌ لِـ “مَا” لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصِبِ، والعائدُ أَوِ الرّابِطُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ.
قولُهُ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} الوَاوُ: اسْتِئنافيَّةٌ، و “مَا” نَافيةٌ، و “ظَلَمْنَا” مَثْلُ “حَرَّمْنَا” و “هم”، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ على المَفْعُولِيَّةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الواوُ: عَاطِفَةٌ، و “لكنْ” حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ. و “كَانُوا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الرَفعِ اسْمُ “كان”، والأَلِفُ فارقةٌ. و “أَنْفُسَهُمْ” مَفْعُولٌ بِهِ لِمَا بَعْدَهُ مَنْصوبٌ مُضافٌ. والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ علامةُ جمعِ المُذَكَّرِ وَ “يَظْلِمُونَ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ وَالجَازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعةِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعِلُهُ، والجملةُ خَبَرُ “كَانُوا” في مَحَلِّ النَّصْبِ. والجُمْلَةُ الاسْتِدْراكِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلةِ قَوْلِهِ: “وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ” عَلى كَوْنِها مُسْتَأْنَفةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ.
Advertisements

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 55


وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (55)


قوْلُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} جِيءَ بِصِيغَةِ التَفْضِيلِ: “أَعْلَمُ” عَلَى وَزْنِ (أَفْعَل) للمُبَالَغَةِ فِي العِلْمِ، أَيْ: فَإِنَّ رَبَّكَ ـ يَا مُحَمَّدُ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أَعْلَمُ بِمَرَاتِبِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فِي الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَّةِ، وإِنَّ عِلْمَهُ ـ تَعَالَى، غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكُمْ، وَلَا عَلَى أَحْوَالِكُمْ، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، وَجَميعِ ذَوَاتِ الأَرْضِينَ والسَمَوَاتِ، فَيَعْلَمُ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَلِهَذَا فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، وَآتَى مُوسَى التَّوْرَاةَ، وَدَاوُدَ الزَّبُورَ، وَعِيسَى الْإِنْجِيلَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعًا، فَلَيسَ بالبَعيدِ أَنْ يُؤْتِيَ مُحَمَّدًا ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، الْقُرْآنَ، وَلَيْسَ بالبَعِيدِ ـ أَيْضًا، أَنْ يُفَضِّلَهُ عَلَى الْخَلْقِ أَجَمِعينَ.قولُهُ: {وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ} وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ: 253، مِنْ سُورةِ البَقَرَة: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}، وَهُوَ تَفْضِيلُ اللهِ أَعْلَمُ بِأَسْبَابِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ” قَالَ: اتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ مُوسَى تَكْليمًا، وَجَعَلَ عِيسَى كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ ورُوحِهِ، وَآتَى سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَآتَى دَاوُدَ زَبُورًا، وَغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ” قَالَ: كَلَّمَ اللهُ مُوسَى، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا ـ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، إِلَى النَّاس كَافَّةً. وَهَذَا لاَ يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ حَديثِ أَبي هُريرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: ((لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ))، صَحيحُ البُخارِيِّ، بِرَقَم: (3414)، وصَحيحُ مُسْلِمٌ، بِرَقَم: (2373). قالَ الإِمامُ النَوَوِيُّ في شَرْحِهِ لِصَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ ـ رَحمَهُمَا اللهُ تَعَالَى مُعَقِّبًا عَلى هَذَا الحَديثِ: جَوَابُهُ مِنْ خَمْسَة أَوْجُهُ: أَحَدُها: أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ. وَالثَّانِي: قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُول. وَالرَّابِعُ: إِنَّمَا هوَ نَهْيٌ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة وَالْفِتْنَة، كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سَبَبِ الْحَدِيثِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ، فَلَا تَفَاضُلَ فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل بِالْخَصَائِصِ، وَفَضَائِلَ أُخْرَى، وَلَا بُدَّ مِنْ اِعْتِقَادِ التَّفْضِيل، لِمَا تَقَدَّمَ في الآيَتَيْنِ الكَريمَتَيْنِ. فَالمَقْصُودُ هُنَا التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِي وَالعَصَبِيَّةِ، لاَ بِمُقْتَضَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَكِنْ إِذَا قَامَ الدَلِيلُ عَلَى شِيءٍ مَّا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وهُمْ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدُ هُمْ أَفضَلُ المُرْسَلِينَ، وأَنَّ سيدَنا مُحَمَّدًا هُوَ أَفضَلُهُمْ أَجَمَعِينَ ـ تَحِيَّاتُ رَبِّي وصَلَواتُهُ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الدِّينِ. قولُهُ: {وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا} وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَتَى نبيَّهُ دَاوُدَ ـ عَليْهِ السَّلامُ، زَبُورًا، وَ بِهِ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يُفَضِّلَهُ بِالمُلْكِ. والزَّبُورُ: هُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَحْمِيدُ الْخَالِقِ ـ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، وَتَمْجِيدُهُ، وفيهِ أَيْضًا مَوَاعِظُ للمُؤْمِنينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا” قَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَّمَهُ دَاوُدَ، وتَحْميدٌ أَوْ تَمْجيدٌ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ فِيهِ حَلَالٌ، وَلَا حَرَامٌ، وَلَا فَرَائِضُ، وَلَا حُدُودٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الزَّبُورُ ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ، وَدُعَاءٌ وتَسْبيحٌ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِرْدُوَيْهِ، قَالَ: فِي زَبُورُ آلِ دَاوُدَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: طُوبَى لِرَجُلٍ لَا يَسْلُكُ سَبِيلَ الْخَطَّائِينَ. وطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِ الظَّالِمِينَ. وطُوبَى لِمَنْ لَمْ يُجَالِسْ البَطَّالِينْ. وَأَخْرَجَ الإمامُ أَحْمَدُ أيضًا فِي الزُّهْدِ عَنْ وَهْبِ ابْنِ مُنَبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: فِي أَوَّلِ شَيْءٍ مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: طُوبَى لِرَجُلٍ لَا يَسْلُكُ طَرِيقَ الْخَطَّائِينَ، وَلَمْ يُجَالِسِ البَطَّالِينَ، ويَسْتَقِيمُ عَلى عِبَادَةِ رَبِّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ نَابِتَةٍ عَلَى سَاقِيَةٍ، لَا يَزَال فِيهَا المَاءُ، يَفْضُلُ ثَمَرُهَا فِي زَمَانِ الثِّمَارِ، وَلَا تَزَالُ خَضْراءَ فِي غَيْرِ زَمَانِ الثِّمَارِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أيضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ زَبُورِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَسَاقَطَتِ الْقُرَى، وأَبْطَلَ ذِكْرُهم، وَأَنَا دَائِمَ الدَّهْرِ مَقْعَدُ كُرْسِيٍّ للْقَضَاءِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ وَهْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتابِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: بِعِزَّتِي وَجَلَالِي، إِنَّهُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَني بالمُحَارَبَةِ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أُرِيدُ، تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِ الْمُؤْمِنِ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَسُوءَهُ. قَالَ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابٍ آخَرَ: إنَّ اللهَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَقُولُ: كَفَانِي لِعَبْدِي مَالًا، إِذَا كَانَ عَبْدِي فِي طَاعَتِي، أَعْطَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَنِي، واسْتَجَبْتُ لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْعُوَنِي، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتِي تَرْفُقُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابٍ آخَرَ: إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: بِعِزَّتي إِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِي وَإِنْ كادَتْهُ السَّمَوَاتُ بِمَنْ فِيهِنَّ والأَرْضُونَ بِمَنَ فِيهِنَّ، فَإِنِّي أَجْعَلُ لَهُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ مَخْرَجًا، وَمَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِي فَإِنِّي أَقْطَعُ يَدَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ السَّمَاءِ، وَأَخْسِفُ بِهِ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأَرْضَ، فَأَجْعَلَهُ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ أَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ. وَأَخْرَجَ مُعَمَّرُ بْنُ أَبي عَمْرٍو الأَزْدِيُّ في جامِعِهِ، وأَحْمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وابْنُ أَبي شَيْبةَ في مُصَنَّفِهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُشْتَغَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يَصْدُقُونَهُ عُيُوبَهُ، وينْصَحُونَهُ فِي نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لذَّتِهَا مِمَّا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ لِهَذِهِ السَّاعَاتِ، واسْتِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ، وَفَضْلٌ وَبُلْغَةٌ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: تَزوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بزَمَانِهِ، مُمْسِكًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ”. جامِعُ مُعَمَّرِ بْنِ راشِدٍ: (11/22). وَأَخْرَجَ هنادُ بْنِ السَّرِيِّ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وابْنُ أَبي شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الرَّبَعِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: وَجَدْتُ فَاتِحَةَ الزَّبُورِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: زَبُورُ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ رَأْسَ الْحِكْمَةِ خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَيُّوبٍ الفَلَسْطِينِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَكْتُوب فِي مَزَامِيرِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَتَدْرِي لِمَنْ أَغْفِرُ؟ قَالَ: لِمَنْ يَا رَبُّ؟ قَالَ: لِلَّذي إِذا أَذْنَبَ ذَنْبًا ارْتَعَدَتْ لِذَلِكَ مَفَاصِلُهُ فَذَلِكَ الَّذِي آمُرُ مَلائِكَتِي أَنْ لَا يَكْتُبُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْبِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ: بَطَلَتِ الْأَمَانَةُ وَالرَّجُلُ مَعَ صَاحِبِهِ بِشَفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ يُهْلِكُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ شَفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ”. قَالَ: وَمَكْتُوبٌ فِي الزَّبُورِ بِنَارِ الْمُنَافِقِ، تَحْتَرِقُ الْمَدِينَةُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ في ذَمِّ ذِي الوَجْهَيْنِ وَاللِّسَانَيْنِ: (ص: 110)، وأَخْرَجَهُ أَيْضًا الخَرَائِطِيُّ فِي مَسَاوِئِ الأَخْلاقِ. وَأَخْرَجَ إِسْحاق الخَتْلِيُّ في الديباجِ: (ص: 29)، وأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ في مُسْنَدِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي الزَّبُورِ مَكْتُوبًا ـ وَهِيَ فِي الزَّبُورِ الأَوَّلِ: طُوبَى لِمَنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَ الأَئِمَّةِ، وَلَمْ يُجَالِسِ الْخَطَّائِينَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي زَهْوِ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَلَكِنْ هَمُّهُ ذَنْبُهُ، أَوْثَقَتْهُ وَإِيَّاهَا، يَتَعَلَّمُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي شَاطِئِ المَاءِ، تُؤْتِي ثَمَرَهَا فِي حِينِهَا، وَلا يَتَنَاثَرُ مِنْ وَرَقِهَا شَيْءٌ؛ وَكُلُّ عَمَلِهِ تَامٌّ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ عَمَلِ المُنَافِقِ. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِر الْأُصُولِ، والأصْبهانيُّ في حِلْيَةِ الأَوْلِياءِ وَطَبَقَاتِ الأَصْفِيَاءِ: (4/46). عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَمِّي وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي رَحِمَكَ اللهُ عَنْ زَبُورِ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ: “نَعَمْ، وَجَدْتُ فِي آخِرِهِ ثَلَاثِينَ سَطْرًا: يَا دَاوُدُ، اسْمَعْ مِنِّي، الْحَقَّ أَقُولُ، مَنْ لَقِيَنِي وَهُوَ يُحِبُّنِي أَدْخَلْتُهُ جَنَّتِي، يَا دَاوُدُ اسْمَعْ مِنِّي وَالْحَقَّ أَقُولُ، مَنْ لَقِيَنِي وَهُوَ يَخَافُ عَذَابِي لَمْ أُعَذِّبْهُ، يَا دَاوُدُ، اسْمَعْ مِنِّي وَالْحَقَّ أَقُولُ، مَنْ لَقِيَنِي وَهُوَ مُسْتَحْيِ مِنْ مَعَاصِيهِ أَنْسَيْتُ الْحَفَظَةَ ذُنُوبَهُ، يَا دَاوُدُ، اسْمَعْ مِنِّي وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَوْ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي عَمِلَ حَشْوَ الدُّنْيَا ذَنُوبًا مَغَارِبَهَا وَمَشَارِقَهَا ثُمَّ نَدِمَ حَلْبَ شَاةٍ وَاسْتَغْفَرَنِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَعَلِمْتُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا، أَلْقَيْتُهَا عَنْهُ أَسْرَعَ مِنْ هُبُوطِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، يَا دَاوُدُ، اسْمَعْ مِنِّي وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَتَانِي بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ حَكَّمْتُهُ فِي جَنَّتِي. قَالَ دَاوُدُ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِمَنْ عَرَفَكَ أَنْ يَقْطَعَ رَجَاءَهُ مِنْكَ. قَالَ: يَا دَاوُدُ، إِنَّمَا يَكْفِي أَوْلِيَائِي الْيَسِيرُ مِنَ الْعَمَلِ، كَمَا يَكْفِي الطَّعَامَ الْقَلِيلُ مِنَ الْمِلْحِ، يَا دَاوُدُ، هَلْ تَدْرِي مَتَى أَتَوَلَّاهُمْ؟ إِذَا طَهَّرُوا قُلُوبَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَنَزَعُوا مِنْ قُلُوبِهِمُ الشَّكَّ، وَعَلِمُوا أَنَّ لِيَ جَنَّةً وَنَارًا، وَأَنِّي أُحْيِي وَأُمِيتُ، وَأَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنِّي لَمْ أَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، فَإِنْ تَوَفَّيْتُهُمْ بِيَسِيرٍ مِنَ الْعَمَلِ وَهُمْ يُوقِنُونَ بِذَلِكَ، جَعَلْتُهُ عَظِيمًا عِنْدَهُمْ، هَلْ تَدْرِي يَا دَاوُدُ مَنْ أَسْرَعُ مَرًّا عَلَى الصِّرَاطِ؟ الَّذِينَ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِي، وَأَلْسِنَتَهُمْ رَطْبَةٌ مِنْ ذِكْرِي، هَلْ تَدْرِي يَا دَاوُدُ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً عِنْدِي؟ الَّذِي هُوَ بِمَا أَعْطَى أَشَدُّ فَرَحًا بِمَا حَبَسَ، هَلْ تَدْرِي يَا دَاوُدُ أَيُّ الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ؟ الَّذِينَ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِي وَبِقِسْمَتِي، وَيَحْمَدُونَنِي عَلَى مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَعَاشِ، هَلْ تَدْرِي يَا دَاوُدُ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُطِيلَ حَيَاتَهُ؟ الَّذِي إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، فَإِنِّي أَكْرَهُ لَهُ الْمَوْتَ كَمَا يَكْرَهُهُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَلَابُدَّ مِنْهُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسُرَّهُ فِي دَارٍ سِوَى هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّ نَعِيمَهَا فِيهَا بَلَاءٌ، وَرَخَاءَهَا فِيهَا شِدَّةٌ، فِيهَا عَدُوٌّ لَا يَأْلُوهُمْ بِهَا خَبَالًا، يَجْرِي مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَجَّلْتُ أَوْلِيَائِي إِلَى الْجَنَّةِ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا مَاتَ آدَمُ وَلَا أَوْلَادُهُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، إِنِّي أَدْرِي مَا تَقُولُ فِي نَفْسِكَ يَا دَاوُدُ، تَقُولُ قَطَعْتَ عَنْهُمْ عِبَادَتَكَ، أَمَا تَعْلَمُ يَا دَاوُدُ أَنِّي أُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى عَثْرَةٍ يَعْثَرُهَا، فَكَيْفَ إِذَا ذَاقَ الْمَوْتَ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ، وَتَرَى جَسَدَهُ الطَّيِّبَ بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى، إِنَّمَا أَحْبِسُهُ طُولَ مَا أَحْبِسُهُ لَأُعْظِمَ لَهُ الْأَجْرَ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ دَاوُدُ: لَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَمَّيْتَ نَفْسَكَ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. إِلَهِي، فَمَا جَزَاءُ مَنْ يُعَزِّي الْحَزِينَ عَلَى الْمَصَائِبِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ أُلْبِسَهُ رِدَاءَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ لَا أَنْزِعُهُ عَنْهُ أَبَدًا. قَالَ: إِلَهِي، فَمَا جَزَاءُ مَنْ يُشَيِّعُ الْجَنَائِزَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ تُشَيِّعَهُ مَلَائِكَتِي يَوْمَ يَمُوتُ، وَأُصَلِّيَ عَلَى رُوحِهِ فِي الْأَرْوَاحِ. قَالَ: إِلَهِي، فَمَا جَزَاءُ مُسَاعِدِ الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ أُظِلَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي. قَالَ: إِلَهِي، فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَبْكِي مِنْ خَشْيَتِكَ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ أُحَرِّمَ وَجْهَهُ عَلَى النَّارِ”. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ: (7/63) عَنْ، مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: “كَانَ فِي زَبُورِ دَاوُدَ مَكْتُوبًا: إِنِّي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَأَيُّمَا قَوْمٍ كَانُوا عَلَى طَاعَةٍ جَعَلْتُ الْمُلُوكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وَأَيُّمَا قَوْمٍ كَانُوا عَلَى مَعْصِيَةٍ جَعَلْتُ الْمُلُوكَ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، لَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبَبِ الْمُلُوكِ، وَلَا تَتُوبُوا إِلَيْهِمْ، تُوبُوا إِلَيَّ أَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ”. وَقَدْ خُصَّ دَاوُدُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّهُ لمَّا ذَكَرَ ـ تَعَالَى، أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: “وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا” فالمَعْنَى أَنَّهُ بِالرَّغمِ مِنْ أَنَّ دَاوُدَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَانَ مَلِكًا عَظِيمًا، فَإِنَّ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ مَا آتَاهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَذَكَرَ مَا آتَاهُ مِنَ الْكِتَابِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّفْضِيلِ المَذْكورِ قَبْلَ ذَلِكَ، هُوَ التَّفْضِيلُ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ لَا بِالْمَالِ والمُلْكِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى كَتَبَ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الْأُمَمِ فقَالَ مِنْ سُورَةِ الْأَنْبِيَاء: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ} الآيةَ: 105، وَهْمُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُمَّتُهُ. ثُمَّ إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ مَا كَانُوا أَهْلَ نَظَرٍ وَجَدَلٍ بَلْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى الْيَهُودِ فِي اسْتِخْرَاجِ الشُّبُهَاتِ، وَكانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسَى وَلَا كِتَابَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ فَنَقَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ كَلَامَهُمْ بِإِنْزَالِ الزَّبُورِ عَلَى دَاوُدَ. وَفِي تَنْكيرِ كلمةِ “زَبُورًا” هُنَا دَليلٌ عَلَى تَعْظِيمِ حَالِهِ، لِأَنَّ الزَّبُورَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَزْبُورِ، أَيْ المَكْتُوبِ، فَكَانَ مَعْنَاهُ الْكِتَابَ، فَكَانَ مَعْنَى التَّنْكِيرِ أَنَّهُ كَامِلٌ فِي كَوْنِهِ كِتَابًا. والزَّبْرُ: الكلامُ. والزَّبْرُ ـ أَيْضًا: الكِتابُةُ. يُقَالُ: زَبَرَ الكِتَابَ يَزبُرُهُ ويَزْبِرُهُ زَبْرًا: إِذا كَتَبَه. وزَبَرْتُ الكِتَابَ: أَتْقَنْتُ كِتِابَتَهُ. قالَ أعرابيٌّ: لا أَعرِف تَزْبِرَتي، أَيْ: كِتابَتِي وخَطِّي. والزَّبْرُ: الانْتِهارُ، فيُقَالُ: زَبَره عَنِ الأَمْرِ زَبْرًا: إذا انْتَهَرَهُ. وفي الحَدِيثِ الشريفِ: ((إِذَا رَدَدْتَ عَلَى السّائلِ ثَلاثًا فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَزْبُرَهُ)). أَيْ: تَنْتَهِرَهُ وتُغِلِظَ لَهُ فِي القَوْلِ والرَّدِّ. والزَّبْر: الزَّجْر والمَنْعُ والنَّهْىُ. يقالُ: زَبَرَهُ عَنِ الأمْرِ زَبْرًا، إذا نَهَاهُ ومَنَعَهُ، وهوَ مَجَازٌ لأَنَّ مَنْ زَبَرْتَهُ عَنِ الغَيِّ فَقَدْ أَحْكَمْتَهُ كَزَبْرِ البِئْرِ بِالطَّيِّ، ويَزْبُرُ بالضَّمّ ويَزْبِرُ بالكَسْرِ. والزِّبْرُ بِكَسْرِ الزايِ: المَكْتوبُ جمعُهُ: زُبُورٌ، بالضَّمِّ، كقِدْرٍ وقُدُورٍ. ومِنْهُ قَرَأَ حَمْزَةُ: “وآتَيْنَا دَاوُودَ زُبُورًا”. وورَدَ في الأَثَرِ عَنْ أَبي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ دَعَا في مَرَضِهِ بِدَوَاةٍ وَمِزْبَرٍ فَكَتَبَ اسْمَ الخَلِيفَةِ بَعْدَهُ” والمِزْبَرُ كَ “مِنْبَرٍ” القَلَمُ لأَنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ. والزَّبُورُ بِالفَتْحِ: الكِتَابُ بِمَعْنَى المَزْبُورِ، ويُجْمَعُ على “زُبُرٍ” بضَمَّتَيْن، كَ “رَسُول” و “رُسُل” قالَ لَبِيدُ بْنُ ربيعةَ: وجَلا السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّها …………… زُبُرٌ تَخُدُّ مُتُونَهَا أَقَلامُهاوكُلُّ كِتَاب زَبُورٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى المتقدِّمِ مِنْ سُورَةِ البقرةِ: {ولَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعِد الذِّكْرِ}، قالَ أَبو هُرَيْرَةَ، الزَّبُورُ: مَا أُنْزِلَ عَلَى دَاوُوَدَ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ: مِنْ بَعْدِ التَّوْراةِ. وَسُمِّيَ كِتَابُ دَاودَ زَبُورًا لِأَنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَسْطُورًا. والزَّبُورُ: الكِتَابُ المَسْطُورُ. وقِيلَ: الزَّبُورُ “فَعُولٌ” بمَعْنَى “مَفْعُول” كأَنَّهُ زُبِرَ، أَيِ كُتِبَ. والزُّبْرَةُ: القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ مِنَ الحَدِيدِ والجَمْعُ “زُبَرٌ” كَ “صُرَد” و “زُبُرٌ” بِضَمَّتَيْن. قالَ تَعَالَى منْ سورةِ الكَهْفِ على لسانِ ذي القرنينِ: {آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ} الآيةَ: 96، أَي: آتُوني القِطَعَ الكَبيرةَ مِنْهُ. وقالَ مِنْ سُورَةِ المُؤمنون: {فتَقَطَّعُوا أمْرَهُم بَيْنَهُم زُبُرًا}، الآية: 53، أَيْ: قِطَعًا.قوْلُهُ تَعَالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} الواوُ: للعَطْفِ، وَ “رَبُّكَ” مرفوعٌ بالابتداءِ، مضافٌ، وكافُ الخِطَابِ ضميرٌ متَّصِلٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِ. وَ “أَعْلَمُ” خَبَرُهُ مَرْفوعٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} مِنَ الآيَةِ السَّابقةِ، عَلى كونِها مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. وَ “بِمَنْ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَعْلَمُ” وهو الأَظْهَرُ كما تَعَلَّقَتْ الباءُ بِـ “أَعْلَمُ” من الجُملةِ قَبْلَهَا، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَخْصِيصُ عِلْمِهِ بِمَنْ في السَمَاواتِ وَالأَرْضِ فَقَطْ. وقالَ أَبو عليٍّ الفارِسِيُّ: يَجوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِـ “يَعْلَمُ” مُقَدَّرًا مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَخْصِيصُ عِلْمِهِ بِمَنْ في السَّمَاواتِ والأَرْضِ، وَهُوَ وَهْمٌ، لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ نَفْيُ الحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ. وَهَذا هوَ الذي يَقولُهُ الأُصُولِيُّونَ: إِنَّهُ مَفْهُومُ اللقَبِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ الدَّقَاقُ فِي طائِفَةٍ قليلَةٍ، و “مَنْ” اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ. و “فِي” حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِصِلَةٍ “مَنْ”، و “السَّماواتِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و “الْأَرْضِ” مَعْطُوفٌ عَلَى “السَّماواتِ” مجرورٌ مِثْلَهَا. قولُهُ: {وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ} وَلَقَدْ: الواوُ: اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَاللامُ: هِيَ المُوَطِّئَةُ للقَسَمِ، و “قد” للتَحْقِيقِ. و “فَضَّلْنا” فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هوَ “نَا” المُعظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبحانَهُ وتَعَالى، و “نا” التَّعْظيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ. و “بَعْضَ” مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، مُضافٌ. و “النَّبِيِّينَ” مَجرورٌ بالإضافةِ إلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالمُ. والجُمْلَةُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذوفٍ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، وَجُمْلَةُ القَسَمِ مُسْتَأْنَفَةٌ فلا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ أَيْضًا. وَ “عَلى” جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “فَضَّلْنا”، و “بَعْضٍ” مَجْرُورٌ بحرفِ الجَرِّ. قولُهُ: {وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا} الوَاوُ: للعطْفِ، وَ “آتَيْنا” مثلُ “فَضَّلْنا” معطوفٌ علَيْهِ. و “داوُدَ” مَفْعولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ، و “زَبُورًا” مفعولُهُ الثاني منصوبٌ أَيْضًا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “فَضَّلْنا” عَلَى كَوْنِها جَوابًا لِقَسَمٍ مَحْذوفٍ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. قرأَ الجمهورُ: {زَبورًا} بفتْحِ الزايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ: “زُبُورًا” بِضَمِّها، وقدْ تقدَّمَ تَوْجيهُ ذَلِكَ في مَبْحَثِ التَفْسِيرِ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 54


رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54)


قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} خاطَبَهمُ اللهُ تَعَالَى بـ “رَبُّكُمْ” فَجَاءَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِلَفْظِ “الرَّبِّ” مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الذي يَشْمَلُ الرَّسُولَ الكريمَ ـ عَلَيْهِ أَفضَلُ الصَّلاةِ وأَتَمُّ التَسْلِيمِ تَذْكِيرًا بِأَنَّ الِاصْطِفَاءَ لِلْخَيْرِ هو مِنَ شَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَدْبِيرُ شُؤونِ مَرْبُوبِيهِ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِمْ، لِيَكُونَ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: “أَعْلَمُ بِكُمْ” وَقْعٌ بَدِيعٌ، بِإِيقَاعِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الَّذِي الرَّبُّ هُوَ الأَعْلَمُ بِدَخَائِلِ النُّفُوسِ وَقَابِلِيَّتِهَا لِلِاصْطِفَاءِ. والمَعْنَى: إِنَّ رَبَّكُمْ ـ يا أَيُّهَا النَّاسُ، هُوَ العَلِيمُ بِكُمْ، فَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ وَمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا. فَعَاقِبَةُ النَّاسِ مَجْهُولَةٌ بالنسْبةِ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ. إِذًا فَقَدْ أَغْلَقَ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، عَلَى العَبْدِ طَريقَ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ العَوَاقِبَ مُشْتَبِهَةً عَلَى أَرْبَابِهَا، لِيَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِرَبِّهِ بِالكُلِّيَّةِ. وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} الآيَتَان: (47 و 48). فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْطَوِي عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ نَجْوَاهُمْ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّصْمِيمِ عَلَى الْعِنَادِ. وَكانَ ذَلِكَ يَسُوءُ النَّبِيَّ ـ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ، وَيُحْزِنُهُ أَنْ لَا يَهْتَدُوا، فَوَجَّهَ هَذَا الْكَلَامَ إِلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ. وَتَعْقِيبُهُ ـ جَلَّ وعَلا، بِقَوْلِهِ “وَمَا أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا” هُوَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.قَوْلُهُ: {إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} كِنَايَةٌ عَنْ مَشِيئَةِ هَدْيِهِ إِيَّاهُمُ، الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ، أَوْ مَشِيئَةِ تَرْكِهِمْ وَشَأْنَهُمْ. أَيْ: فَإِنَّهُ ـ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ رَحِمَكُمْ بِتَوفِيقِكُمْ إِلَى الإِنَابَةِ إِلَيْهِ ـ يا أَيُّها النَّاسُ، وإِلَى طَريقِ طَاعَتِهِ ورُضْوَانِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ بِصَرْفِكُمْ عَنِ الإِيمَانِ وَالهُدَى، فَمُتُّمْ عَلَى شِرْكِكُمْ، وَصِرْتُمْ إِلَى النَّارِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “رَبُّكُم أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ” قَالَ: فَتُؤْمِنُوا، “وَإِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ” فَتَمُوتُوا عَلَى الشِّرْكِ كَمَا أَنْتُمْ. وَإِعَادَةُ شَرْطِ الْمَشِيئَةِ “إِنْ يَشَأْ” فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ لِتَأْكِيدِ تَسَلُّطِ الْمَشِيئَةِ عَلَى الْحَالَتَيْنِ. وَقد قَدَّمَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الحَديثَ عَنِ الرَّحْمَةِ عَلَى الحَديثِ عنِ العَذَابِ، تَقْوِيةً للأَمَلِ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، وَجَزيلِ عَطَائِهِ، وعَظِيمِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ. قولُهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} بَيَانٌ منْهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، بِأَنَّ الْهِدَايَةَ وَالضَّلَالَ هُمَا مِنْ جَعْلِ اللهِ ـ تَعَالَى، وخلْقِهِ، وَأَنَّ النَبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَيْرُ مَسْؤُولٍ عَنِ اسْتِمْرَارِ مَنِ اسْتَمَرَّ فِي الضَّلَالَةِ. وفي ذَلِكَ إِزَالَةٌ لِلْحَرَجِ عَنْهُ ـ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَّلامُ، فِيمَا يَجِدُهُ مِنْ عَدَمِ اهْتِدَاءِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إَلَى اللهِ ـ تَعَالَى، وبقائهم عَلَى ضَلَالِهم. أَيْ: لَمْ نُرْسِلْكَ يَا مُحَمَّدُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكِيلًا عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ مُبَشِرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ، وَحِسَابُ النَّاسِ عَلَى اللهِ تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ. فإنَّ الْوَكِيلَ عَلَى الشَّيْءِ: هُوَ الْمَسْئُولُ بِهِ. وَقُدِّمَ الجارُّ والمجرورُ “عَلَيْهِمْ” عَلَى مُتَعَلِّقِهِ “وكيلًا” لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَلِرِعَايَةِ الفَوَاصِلِ.قوْلُهُ تَعَالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} رَبُّكُمْ: مَرْفُوعٌ بِالابْتِداءِ، مُضَافٌ، وكافُ الخِطابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِ، والميمُ عَلامَةُ الجَمْعِ المُذَكَّرِ. وَ “أَعْلَمُ” خَبَرُهُ مَرْفُوعٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. و “بِكُمْ” الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “أَعْلَمُ” وكافُ الخِطابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والمِيمُ عَلامَةُ الجَمْعِ المُذَكَّرِ. قوْلُهُ: {إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} إِنْ: حَرْفُ شَرْطٍ جَازِمٌ، وَ “يَشَأْ” فِعْلُ شَرْطِ “إِنْ” مَجْزُومٌ بِهَا، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوَازًا تَقْديرُهُ (هُوَ) يَعُودُ عَلَى “رَبُّكم” ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى. وَ “يَرْحَمْكُمْ” جَوَابُ شَرْطِ “إِنْ” مَجْزُومٌ بها، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فِيهِ جوازًا تقديرُهُ (هُوَ) يَعُودُ عَلَى الرَّبِّ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، وكافُ الخِطابِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والمِيمُ عَلامَةُ الجَمْعِ المُذَكَّرِ. وَالجُمْلَةُ الشَرْطِيَّةُ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. قَوْلُهُ: {أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} أَوْ: حَرْفُ عَطْفٍ وَتَفْصِيلٌ. وَجُمْلَةُ “إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ” مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ” الشَرْطِيَّةِ الأُولَى ولها نَفْسُ إِعْرابِها. قوْلُهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} الوَاوُ: عَاطِفَةٌ، و “مَا” نَافِيَةٌ. و “أَرْسَلْناكَ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ هو “نَا” المُعظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهُ، و “نَا” التَعْظِيمِ هذِهِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ في محلِّ الرَّفْعِ فَاعِلُهُ، وكافُ الخِطابِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لا محلَّ لها مِنَ الإِعْرَابِ. وَ “عَلَيْهِمْ” عَلَى: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “وَكِيلًا”، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجَرِّ بحرفِ الجَرِّ، والمِيمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. و “وَكِيلًا” مَنْصُوبٌ عَلى الحَالِ مِنَ الكافِ فِي “أَرْسَلْناكَ” أَيْ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ حَالَةَ كَوْنِكَ مَوْكولًا إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فَتُحاوِلُ هِدَايَتَهُمْ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 53


وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)


قوْلُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} عِبَادِي: الْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنِ اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ. وَ “يَقُولُوا” جَزْمٌ بلَامِ الأَمْرِ المحَذْوفِةِ، وَهُوَ وَارِدٌ كَثِيرًا بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ، وَيَجوزُ أَنْ نَجْعَلَ “يَقُولُوا” جَوَابًا مَنْصُوبًا فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، مَعَ حَذْفِ مَفْعُولِ الْقَوْلِ لِدَلَالَةِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ: قُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يَقُولُوا ذَلِكَ. فَيَكُونُ كِنَايَةً عَلَى أَنَّ الِامْتِثَالَ شَأْنُهُمْ فَإِذَا أُمِرُوا امْتَثَلُوا. وَ “الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”: يَهْدِيكُمُ اللهُ، يَرْحَمُكُمُ اللهُ، أَيْ بِالْإِيمَانِ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنِ الْحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” قَالَ: لَا يَقُولُ لَلمُشْرِكِ مِثْلَ مَا يَقُولُ بَلْ يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” قَالَ: يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَةِ. فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا سَبَقَ مِنْ حِكَايَةِ أَقْوَالِ الْمُشْركينَ تُنْبِئُ عَنْ ضَلَالِ اعْتِقَادِ نَقْلِ الْكَلَام إِلَى أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقُولُوا أَقْوَالًا تُعْرِبُ عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ وَعَنْ نُفُوسٍ زَكِيَّةٍ. وَأُوتُوا فِي ذَلِكَ كَلِمَةً جَامِعَةً وَهِيَ أَنْ يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. والَّتِي هِيَ أَحْسَنُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ “يَقُولُوا”. تَقْدِيرُهُ: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَقَالَةً وَاحِدَةً. وَاسْمُ التَّفْضِيلِ “أَحْسَنُ” مُسْتَعْمَلٌ فِي قُوَّةِ الْحُسْنِ. أَيْ الَّتِي هِيَ بَالِغَةٌ الْغَايَةَ فِي الْحُسْنِ. أَيْ: وَقُلْ يَا رَسُولَ اللهِ، لِعِبَادِي المُؤْمِنينَ بِي أَنْ يَقُولُواْ أَحْسَنَ الكلامِ في حِوارِهم مَعَ المُشْركينَ لِتَفَادي إِغْضَابِهم وإِثَارَةِ العِنَادِ وَتَمَادي الفَسَادِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآيَةَ: 46. وقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ النَّحْلِ: {وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآيةَ: 125، أَيْ بِالْمُجَادَلَاتِ الَّتِي هِيَ بَالِغَةُ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ، فَإِنَّ الْمُجَادَلَةَ لَا تَكُونُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَهُ بِأَعْمَالٍ تُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟)) قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: ((كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)). أخرجَهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ بْنُ حنبلٍ في مُسْنَدِهِ: (5/236، رقم: 22413) وَالتِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالنِّسَائِيُّ في سُنَنِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ في سُنَنِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَبَرِيُّ فِي تَفْسَيرِهِ: (10/240).قوْلُهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} هُوَ تَعْليلٌ لِلأَمْرِ السَّابِقِ بِمُحَاوَرَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِ الَّتي هِيَ أَحْسَنُ، حَتَّى لا يُفْسِدَ الشَّيْطانُ بَيْنَهم، وَيَهيِّجَ الشَرَّ والمِراءَ بَيْنَهُمْ، ويُغْرِيَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ، فَيَقَعَ بَيْنَهُمُ الشِّاقاقُ، ويَسْتَشْرِيَ الخِلافُ، وتَقَعَ الحَرْبُ. وَالنَّزْغُ في الأَصْلِ: هُوَ الطَّعْنُ السَّرِيعُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الْإِفْسَادِ السَّرِيعِ الْأَثَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: نَزْغُ الشَّيْطَانِ: تَحْريشُهُ. وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُشِيرَنَّ أَحَدُكُم إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحْدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ نَارْ. و “بَيْنَهُمْ” أَيْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الذينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ تَحْقِيقًا لِمَقْصِدِ الشَّرْعِ الحَكيمِ بِبَثِّ روحِ الْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالضَميرُ فِي “بينَهم” عَائِدٌ إِلَى قولِهِ “عِبَادِي”، لأَنَّ الْمَعْنَى هوَ تَحْذِيرُ المُؤْمنينَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.قولُهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} هُوَ تَعْلِيلٌ لِنَزْغِ الشَّيْطانِ وَبَيَانٌ لِسَبَبِهِ، فإِنَّهُ عَدُوٌّ قَديمٌ بَيِّنُ العَدَاوَةِ، دَلَّ عَلَيْهِ “كَانَ” الَّتِي تُفِيدُ بِأَنَّ صِفَةَ الْعَدَاوَةِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي خِلْقَتِهِ قَدْ جُبِلَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ عَدَاوَتُهُ لِلْإِنْسَانِ مُقَرَّرَةٌ مُسْتقِرَّةٌ مُنْذُ نَشْأَةِ أَبِيهِ آدَمَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّهُ يُسَوِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغْلِظُوا عَلَى الْكُفَّارِ بِوَهْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ نَصْرٌ لِلدِّينِ لِيُوقِعَهُمْ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنَّ أَعْظَمَ كَيْدِ الشَّيْطَانِ أَنْ يُوقِعَ الْمُؤْمِنَ فِي الشَّرِّ وَهُوَ يُوهِمُهُ أَنَّهُ إنَّما يَعْمَلُ الخَيْرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: “إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا” قَالَ: عادوهُ فَإِنَّهُ يَحِقُّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَداوَتُهُ، وعَدَاوَتُهُ أَنْ تَعاديهِ بِطَاعَةِ اللهِ.وَالْمَقْصِدُ الْأَهَمُّ لأسمى مِنْ هَذَا التَّأْدِيبِ الإِلَهِيِّ، هو تَأْدِيبُ الْأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي مُعَامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بِإِلَانَةِ الْقَوْلِ وحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ فيما بَيْنَهم، لِأَنَّ الْقَوْلَ يَنُمُّ عَنِ الْمَقَاصِدِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: “إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ”. ثُمَّ تَأْدِيبُهُمْ فِي مُجَادَلَتِهِمُ الْمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ اجْتِنَابًا لِمَا تُثِيرُهُ الْمُشَادَّةُ وَالْغِلْظَةُ مِنِ ازْدِيَادِ مُكَابَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَتَصَلُّبِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِك يُعَدُّ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قَالَ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ فُصِّلَتْ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} الآيةَ: 34. وَيَوْمَئِذٍ كانَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَكَّةَ قَلِيلي العِدَدِ والعُدَّةِ، فصَرَفَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ضُرَّ أَعْدَائِهِمْ بِتَصَارِيفِ لُطْفِهِ وتأْييدِهِ وتَسْديدِهِ، لِيَكُونُوا آمِنِينَ فِيها، وجاءَ الأَمْرُ لَهُمْ بِهذا التَأْدِيبِ السَّامِي كيْ لَا يَكُونُوا سَبَبًا فِي إِفْسَادِ تِلْكَ الْحَالَةِ.وفي أَسْبَابِ النُّزولِ للواحِدِيِّ أَخْرَجَ عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: كانَ المُشْرِكونَ يُؤْذونَ أَصْحَابَ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِمَكَّةَ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ، وَقالوا: يا رَسُولَ اللهِ، ائْذَن لَّنَا فِي قِتَالِهمْ، فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَسَلَّمَ: ((لَمْ أُؤْمَرْ فِيهِمْ بِشَيْءٍ))، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. أَسْبابُ النُّزولِ للواحديِّ: (ص: 495). ورَوَى أَيْضًا: أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَتَمَ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَشَتَمَهُ عُمَرُ، وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَكَادَ أَنْ يُثِيرَ فِتْنَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ المُباركةُ. وَأَيًّا كَانَ سَبَبُ نُزُولِها فَالْأَمْرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَقُولُوا الَّتِي أَحْسَنُ مُطْلَقًا ودونَ قيدٍ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أحوالِهمْ، فهو منهجٌ لهم في الحياةِ، وسِمَةٌ مِنْ سِمَاتِهم، لِمَا تقدَّمَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى فِي الآيَةَ: 34، مِنْ سُورَةِ فُصِّلَتْ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. قوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْ لِعِبَادِي} الواوُ: عَاطِفَةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَ “قُلْ” فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَا سَبَقَ مِنَ الأَوَامِرِ، لِيَسْتَكْمِلَ التَعَالِيمَ التي بِهَا اسْتِقامةُ أُمُورِهم، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإِعْرَابِ. و “لِعِبادِي” اللامُ حرفُ جَرِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “قُلْ”، وَ “عِبادِي” مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ مُضافٌ، ويَاءُ المُتَكَلِّمِ ضَمِيرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. قولُهُ: {يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يَقُولُوا: فِعْلٌ مُضَارِعٌ بِمَعْنَى يَذْكُرُوا مَجْزُومٌ بِالطَلَبِ السَّابِقِ، وعَلامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ من آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمْسَةِ، وَواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ للتَفْريقِ. و “الَّتِي” اسْمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ النَّصْبِ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ عَلَى كَوْنِهَا صِفَةً للمَوْصُوفِ المَحْذُوفِ، والتَقْديرُ: يَقُولُوا الكَلِمَةَ التي هِيَ أَحْسَنُ، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ: الكَلِمَةُ اللُّغَوِيَّةِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: (وكَلِمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ). و “هِيَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتْحِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتداءِ. و “أَحْسَنُ” خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسميَّةُ هِذِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ “التي” لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. قولُهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} إِنَّ: حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ لإِفادَةِ التَوْكيدِ، و “الشَّيْطانَ” اسْمُهُ منصوبٌ بِهِ. و “يَنْزَغُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “الشَّيْطانَ” لَعَنَهُ اللهُ. و “بَيْنَهُمْ” منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ الاعتباريَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَنْزَغُ” وَهُوَ مُضَافٌ، والهاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإِضَافَةِ إِلَيْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنَّ”. وَجُمْلَةُ “إِنَّ” مع اسْمِها وخبرِها مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَهَا، ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بَيْنَ المُفَسَّرِ وَالمُفَسِّرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} وَقَعَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ “التي هِيَ أَحْسَنُ” وبَيَانًا لَهَا.قولُهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} إِنَّ الشَّيْطانَ: نَاصِبٌ واسْمُهُ، تقدَّمَ إعرابُ مثلِهِ في الجملةِ التي قبلَها. و “كانَ” فِعْلٌ مَاضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، واسْمُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فِيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى “الشَّيْطانَ” أَخْزَاهُ اللهُ. و “لِلْإِنْسانِ” حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “عَدُوًّا” و “الْإِنْسانِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. و “عَدُوًّا” خَبَرُ “كانَ” منصوبٌ. و “مُبِينًا” صِفَةٌ لِـ “عَدُوًّا” منصوبةٌ مثلُهُ. وَجُمْلَةُ “كانَ” فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ “إِنَّ”، وجُمْلَةُ “إِنَّ” مِنِ اسْمِها وخبرِها مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: “يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ”، لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعرابِ.قرَأَ العامَّةُ: {يَنْزَغُ} بفتْحِ الزايِ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ “يَنْزِغ” بِكَسْرِها، قالَ الزَمَخْشَرِيُّ في تفسيرِهِ (الكشَّاف): وهُمَا لُغَتَانِ، كَ “يَعْرِشُونَ” وَ “يَعْرُشُونَ”. وقالَ الشَّيْخُ أبو حيَّان الأَنْدَلُسِيُّ في تفسيرِهِ (البَحرِ المُحيط): وَلَوْ مَثَّلَ بـ “يَنْطَح” و “يَنْطِح” كَأَنَّهُ يَعْني مِنْ حَيْثُ إِنَّ لامَ كُلٍّ مِنْهُمُا حَرْفُ حَلْقٍ، وَلَيْسَ بِطَائلٍ

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 52


يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52)


قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} أَيْ: يَوْمَ يَدْعُوكُمُ اللهُ تَعَالى مِنْ قُبُورِكُمْ إِلَى المَوْقِفِ للحِسَابِ والجَزَاءِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَكونَ أَجسادُهمْ قدْ بَلِيَتْ، وأَصْبَحتْ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَدْ تَحَلَّلَتْ إِلى عَنَاصِرِها الأَرْبَعَةِ التي سَبَقَ ذِكْرُها، وامْتَزَجَتْ فِيها، وهذِهِ العَنَاصِرُ هيَ المَاءُ والهَوَاءُ والنَّارُ والتُّرابُ. فالدُّعاءُ المَقْصُودُ: هوَ النِّدَاءُ إِلَى الْمَحْشَرِ بِكَلَامٍ يَسْمَعُهُ جَميعُ الْخَلْقِ، يَدْعُوهُمُ اللهُ تَعَالَى فيهِ بالخُرُوجِ. وَقِيلَ: بِالصَّيْحَةِ الَّتِي يَسْمَعُونَهَا، فَتَكُونُ دَاعِيَةً لَهُمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ فِي أَرْضِ الْقِيَامَةِ. والُدُعَاءُ إنَّما يكونُ بالأَسْمَاءِ، كلٌّ يُدْعَى باسْمِهِ، فقد قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: ورُوِّينَا فِي سُنَنِ أبِي دَاوُدَ؛ بإسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنْ أَبي الدَرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، عَنِ النَبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ)). وَأَخْرَجَهُ الإمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: (5/194)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: (213)، وأَبُو دَاوُدَ: (2/705، حديث رقم: 4948)، والدارِمِيُّ: (2/294)، وابْنُ حِبَّانَ: (5818)، والبَيْهَقِيُّ: (9/306)، وأَبو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ: (5/152)، والبَغَوَيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: (6/382).ويَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الدُّعَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ دُعَاءُ اللهِ النَّاسَ بِوِساطَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَسُوقُونَ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ بِإِحْيَائِهِمْ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَسْتَلْزِمُ إِحْيَاءَ الْمَدْعُوِّ، وَحُصُولَ حُضُورِهِ، فَهُوَ مَجَازٌ فِي الْإِحْيَاءِ وَالتَّسْخِيرِ لِحُضُورِ الْحِسَابِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِئْنَافُ خِطَابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ “يَوْمَ” بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: اذْكُرُوا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ. قولُهُ: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} الِاسْتِجَابَةُ مُوَافَقَةُ الدَاعِي فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ؛ وَهِيَ الإِجَابِةُ، إِلَّا أَنَّ الاسْتِجابَةَ تَقْتَضِي طَلَبَ المُوَافَقَةِ، فَهِيَ أَوْكَدُ مِنَ الإِجابَةِ، وهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِمُطَاوَعَةِ مَعْنَى “يَدْعُوكُمْ”، أَيْ: فَتَحْيَوْنَ وَتَمْثُلُونَ أَمَامَ رَبِّكمْ لِلْحِسَابِ. أَيْ: يَدْعُوكُمْ اللهُ وَأَنْتُمْ عِظَامٌ وَرُفَاتٌ، وَلَيْسَ لِلْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ إِدْرَاكٌ وَاسْتِمَاعٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ اسْتِجَابَةٌ لِأَنَّهَا فَرْعُ السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِحْضَارِ، وَسُرْعَةُ الِانْبِعَاثِ وَالْحُضُورِ لِلْحِسَابِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ ذَلِكَ كَحُصُولِ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَةِ وَالاسْتِجَابَةِ لَهَا فِي أَنَّهُ لَا مُعَالَجَةَ فِي حُصُولِهِ وتَحْصِيلِهِ، وَلَا بُطْءَ فِي زَمَانِهِ وَلَا تَرَيُّثَ. وَ “بِحَمْدِهِ” أَيْ بِاسْتِحْقَاقِهِ الحَمْدَ عَلَى الأَحْيَاءِ. وَعَلَى هَذَا فالْحَمْدُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ: تَسْتَجِيبُونَ حَامِدِينَ اللهَ ـ تَعَالَى، عَلَى مَا مَنَحَكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَعَلَى مَا أَعَدَّ لَكُمْ مِمَّا سَتُشَاهِدُونَ حِينَ انْبِعَاثِكُمْ مِنْ قُبُورِكِمْ مِنْ دَلَائِلِ الْكَرَامَةِ وَالْإِقْبَالِ. وَقِيلَ المُرَادُ مِنْ “بِحَمْدِهِ” أَيْ: وَالْحَمْدُ للهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ:فَإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ …………… لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فَتَسْتَجيبونَ بِحَمْدِهِ” قَالَ: يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ.وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “فَتَسْتَجيبونَ بِحَمْدِهِ” أَيْ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ، و “تَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا” أَيْ: فِي الدُّنْيَا تَحَاقَرَتِ الْأَعْمَارُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَلَّتْ حِينَ عَايَنُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيق عَلِيِّ بنِ طلحةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ” قَالَ بِأَمْرِهِ. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهم، وَلَا فِي مَنْشَرَهِمْ وَكَأَنِّي بِأَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنْ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْشَةٌ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا فِي الْقُبُورِ، وَلَا فِي الْحَشْرِ، كَأَنِّي بِأَهْل لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ رُؤوسَهمْ مِنَ التُّرَابِ، يَقُولُونَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ.وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي التَّارِيخِ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ حَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْكَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، أَنَّكَ قُلْتَ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي مَنْشَرِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤوسِهم، وَيَقُولُونَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، فَقَالَ: صَدَقَ الْحِمَّانِيُّ.وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: “بِحَمْدِهِ” لِلْمُلَابَسَةِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْحَالِ، أَيْ حَامِدِينَ لَهُ، فَهُمْ إِذَا بُعِثُوا خُلِقَ فِيهِمْ إِدْرَاكُ الْحَقَائِقِ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ ـ جَلَّ وعَلَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ “بِحَمْدِهِ” بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّقْدِيرُ: انْطِقْ بِحَمْدِهِ، فهو كَمَا يُقَالُ: بِاسْمِ اللهِ، أَيِ: أَبْتَدِئُ باسْمِ اللهِ، كَمَا تقولُ لِلْمُعَرِّسِ: بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، أَيِ: احْمَدِ اللهَ تَعَالى عَلَى ظُهُورِ صِدْقِ مَا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، فَيَكُونُ بِنَاءً عَلى ذَلِكَ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ.قولُهُ: {وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} هُوَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “فَتَسْتَجِيبُونَ”، أَيْ: وَتَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ مَا لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا. كَمَا قَالَ تَعَالى مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: {قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ * قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الآياتِ: (112 ـ 114)، فَسُؤَالُ الْمَوْلَى لَهُمْ حِينَ يَبْعَثُهم عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في عَالَمِ البَرْزَخِ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِهُم مِنْ حَالِهِمْ، كيفَ عَادوا إِلى الحياةِ مِنْ بعد الموتِ وفَنَاءِ أَجْسادِهم وتَلاشِيهَا، وقَالَ أَيضًا في الآيةَ: 259، مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَة متحَدِّثًا عنْ العُزَيْرِ حينَ مرَّ بقريةٍ قد مَاتَ أَهْلُها، وتَهدَّمَتْ أَركانها وتَبَعْثَرَتْ أَجْزَاؤها، فَقَالَ مُتَعَجِّبًا مِنْ قُدْرَةِ اللهِ عَلى إحياءِ أهلها منْ جديدٍ وإِعادتها إلى حيويَّتها ونشاطها ونضارتها التي كانت عليها: {أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها}، {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، قَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عامٍ}. فَالْمُرَادُ ـ إِذًا: التَّعْجِيبُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَفي هَذَا التَّعْجِيبِ تَنْدِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَتَأْيِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ باللهِ تعالى وقدرتِهِ عَلى الإحياءِ والبَعْثِ مِنْ جَديدٍ مَرَّةً أُخْرَى. وَالْمُرَادُ هُنَا: أَنَّهُمْ ظَنُّوا ظَنًّا خَاطِئًا، وَهُوَ مَحَلُّ التَّعْجِيبِ منْهم ومِنْ جَهْلِهم ومَحْدودِيَّةِ فَهْمِهِم، وضِيقِ تَفْكيرهِم. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: 114، مِنْ سُورةِ المُؤْمِنُونَ: {قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَهْمَا طَالَتْ مُدَّةُ مكوثِهمْ في عالَمِ الفناءِ، فَهُيَ قَلِيلةٌ يَسيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَيَّامِ اللهِ ـ تَبَارَكَ وتَعَالى، قالَ تعالى مِنْ سُورةِ الحَجِّ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون} الآيةِ: 47. قولُهُ تَعَالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} يَوْمَ: مَنْصُوبٌ عَلى الظَرْفِيَّةِ الزمانيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذوفٍ تَقْدَيرُهُ عِنْدَ العُكبُريِّ أَبي البَقَاءِ وَغَيْرِهِ: اذْكُرُوا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِـ “يَكُونَ” مِنَ الجملةِ السابقةِ، وهَذَا عِنْدَ مَنْ يُجيز إِعْماَلَ الأفعالِ النَّاقِصَةِ في الظُرُوفِ، وإِذَا جَعَلْناها تامَّةً فَهُوَ مَعْمُولٌ لَهَا عِنْدَ الجَميعِ. ويجوزُ أَنْ يعرَبَ بَدَلًا مِنْ “قريبًا” مِنَ الآيةِ التي قبلَها، وذَلِكَ إِذَا أَعْرَبْنا “قريبًا” ظَرْفَ زَمَانٍ كَمَا تَقَدَّمَ هناكَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصوبًا بِضَميرِ المَصْدرِ الذي هوَ اسْمُ “يَكونَ”، أَيْ: عَسَى أَنْ يَكونَ العَوْدُ يَوْمَ يَدْعوكم. وَقَدْ مَنَعَهُ أَبُو البَقَاءِ لعُكْبُرِيُّ، قال: لَأَنَّ الضَميرَ لَا يَعْمَلُ، يَعْنِي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأَمَّا الكوفِيُونَ فَيُعْمِلُونَ ضَميرَ المَصْدَرِ كَمُظْهِرِه فَيَقُولونَ: مُروري بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وَهُوَ بِعَمْرٍو قَبيحٌ. وهو عِنْدَهم مُتَعَلِّق بـ “هوَ” لأَنَّه ضَميرُ المُرُورِ، وأَنْشَدُوا عليهِ قَوْلَ زُهَيْرِ بْنِ أبي سُلْمَى: ومَا الحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمْ …….. ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرَجَّمِفـ “هُوَ” في البيتِ هي ضَميرُ المَصْدَرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الجَارُّ بَعْدَهُ، والبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلونَهُ. ويَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يكونَ “يومَ” مَنْصُوبًا بالبَعْثِ المُقَدَّرِ. وَ “يَدْعُوكُمْ” فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ الضَمَّةُ المُقدَّرةُ عَلَى آخِرِهِ لِثِقَلِ ظُهُورِهَا عَلى الواوِ. وفاعِلِهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى اللهِ ـ تَعَالَى، وكافُ الخِطابِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ عَلَى الضمِّ في محلِّ النَّصْبِ، مفْعُولٌ بِهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإِضافةِ إِلَيْهِ، لِـ “يَوْمَ”. قولُهُ: {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} الفَاءُ: عَاطِفَةٌ، و “تَسْتَجِيبُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجَازمِ، وعلامَةُ رَفعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “يَدْعُوكُمْ” على كونِها في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ. و “بِحَمْدِهِ” الباءُ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِحالٍ مِنَ الواوِ فِي “تَسْتَجِيبُونَ”، أَيْ: فَتَستجيبونَ حَالَ كَوْنِكُمْ حامِدينَ للهِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وجَوَّزَ العُكبُريُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ “يَدْعُوكُمْ” وَفِيهِ قَلَقٌ. وَ “حَمْدِهِ” مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ. قولُهُ: {وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} الواوُ: حَالِيَّةٌ،، و “تَظُنُّونَ” مثلُ “تَسْتَجِيبونَ”، وَالجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ فَاعِلِ “تستجيبون”، أَيْ: حَالَةَ كَوْنِكُمْ ظَانِّينَ. و “إِنْ” نَافِيَةٌ مُعَلِّقَةٌ للظَّنِّ عَنِ العَمَلِ فَيما بَعْدَهَا. وَقَلَّ مَنْ يَذْكُرُ “إِنْ” النّافِيَةَ، فِي أَدَوَاتِ تَعْليقِ هَذَا البابِ. و “لَبِثْتُمْ” فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الرفعِ بالفاعليَّةِ. و “إِلَّا” أَداةُ اسْتِثْنَاءٍ مُفَرَّغٍ. و “قَلِيلًا” مَنْصُوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ، مُتَعَلَّقٌ بِـ “لَبِثْتُمْ” لأَنَّهُ صِفَةٌ لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إِلَّا زَمَانًا قَلِيلًا، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ؛ لأَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ لَبْثًا قَلِيلًا، وجُمْلَةُ “إِنْ لَبِثْتُمْ” في مَحَلِّ النَّصْبِ سَادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيِّ الظَنِّ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 51


أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)


قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أَوْ خَلْقًا: والمَعْنَى: أَوْ كُونُوا أَيَّ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقاتِ، أَيْ: أَوْ كونوا خَلْقًا آخَرَ مِمَّا يُعَظِّمُ فِي نُفُوسِكُمْ عَنْ قَبُولِهِ الْحَيَاةَ الثانيةَ، وَيَسْتَحِيلُ عِنْدَكُمْ عَلَى اللهِ بعثُهُ وإِحْيَاؤُهُ، مِثْلَ الحجارةِ والْفُولَاذِ وَالنُّحَاسِ وغيرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في رِوَايَةِ عَطَاءْ عنْهُ: يَعْنِي المَوْتَ. أَخْرَجَهُ الطَبَرِيُّ: (15/98)، مِنْ طَريقِ العَوْفِيِّ، والحَاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ: (2/362)، وصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مِنْ طَريقِ مُجَاهِدٍ، وأَوْرَدَهُ السُيُوطِيُّ في (الدُرِّ المَنْثُورِ): (4/339)، وزادَ نِسْبَتَهُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ. وَهُوَ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وَالحَسَنِ البصْريِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وسٌفْيَانَ، وَأَبي صَالِحٍ، وابْنِ عُمَرَ، والكَلْبِيُّ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جميعًا، فقد قَالوا: لَيْسَ شَيْءٌ أَكْبَرَ ـ فِي صُدورِ بَنِي آدَمَ، مِنَ المَوْتِ، يَقُولُ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ نفسَهُ، لَأَمَاتَكُمُ اللهُ ثُمَّ أَحْيَاكُمْ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: (2/379)، بِنَحْوِهِ عَنِ الكَلْبِيِّ، وأخرجَهُ أَيضًا ابْنُ أَبي شَيْبَةَ: (7/134)، بِنَحْوِهِ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَالطَبَرِيُّ: (15/98)، بِنَحْوِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ سعيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم. وَرُويَ أَيضًا عَنْ أَبي صَالِحٍ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُما قالَا: المَوْتُ. وأخرجَه أَبو الشَّيْخِ فِي “العَظَمَةِ” (ص: 212)، مُخْتَصَرًا عَنِ الحَسَنِ، وَوَرَدَ في “مَعَاني القُرْآنِ” لَأبي جَعْفَر النَّحَّاسِ: (4/163)، مُخْتَصَرًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وَعِكٍرِمَةَ، وأَبي صَالِحٍ، ووردَ في تَفسيرِ السَمَرْقَنْدِيِّ: (2/272)، بِنَحْوِهِ عَنِ الكَلْبِيِّ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، وفي تفسيرِ هُودٍ الهَوَّارِيِّ: (2/424)، بِنَحْوِهِ عَنِ الحَسَنِ، وأَوْرَدَهُ الثَعْلَبِيُّ في تفسيرهِ: (7/110 ب) مُخْتَصَرًا عَنْ مُجَاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وغيرِهم.وقالَ الكَلْبِيُّ: قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ لَوْ كُنَّا المَوْتَ، مَنْ يُمِيتُنَا؟. فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قولَهَ: “أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ” يَعْنِي المَوْتَ. و “مِمَّا يَكْبُرُ” أَيْ مِمَّا يَعْظُمُ، عِظَمًا مَجَازِيًّا، يِعْنِيَ الْقَوَّةَ فِي الصِفَةِ والنَوْعِ. أَيْ: مِمَّا تَعُدُّونَهُ قَوِيًّا عَظِيمًا شَديدًا لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَتَبَدَّلُ. وَالصُّدُورُ هُنَا: الْعُقُولُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمَرْدُودُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ مِنَ الآيةِ: 49، السَّابِقَةِ: {أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، وَالتَّقْدِيرُ: كُونُوا أَشْيَاءَ أَبْعَدَ عَنْ قَبُولِ الْحَيَاةِ مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ.قولُهُ: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} اسْتِفْهَامٌ تَهَكُّمِيٌّ. وتَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً} مِنَ الآيَةِ التي قَبْلَها. أَيْ: قُلْ لَهُمْ ذَلِكَ، “فَسَيَقُولُونَ لَكَ: مَنْ يُعِيدُنَا”. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجَوَابِ بِالتَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ بَعْدَ الْجَوَابِ بِالْمَنْعِ، فَقد نَفَوْا إِمْكَانَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى أَوَّلًا، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ ثانيًا، لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْمَنْعِ فِي مُعَارَضَةِ الدَّعْوَى. وَجُعِلَ سُؤَالُهُمْ هُنَا عَنِ الْمُعِيدِ لَا عَنْ أَصْلِ الْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْمُعِيدِ أَدْخَلُ فِي الِاسْتِحَالَةِ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ أَصْلِ الْإِعَادَةِ. قولُهُ: {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أَمَرَ اللهُ تعالى نَبِيَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، بِأَنْ يُجِيبَهُمْ عَمَّا يَقُولُونَهُ جَوَابَ تَعْيِينٍ لِمَنْ يُعِيدُهُمْ إِبْطَالًا لِلَازِمِ التَّهَكُّمِ، وَهُوَ الِاسْتِحَالَةُ فِي نَظَرِهِمْ، بِقَوْلِهِ: “قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ”، إِجْرَاءٌ لِظَاهِرِ اسْتِفْهَامِهِمْ عَلَى أَصْلِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ، وذلكَ عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْلُوبِ القرآنيِّ الْحَكِيمِ في زِيَادَةِ الْمُحَاجَّةِ، كَما قَالَ مِنْ سُورةِ الشُعَراءِ فِي مُحَاجَّةِ سيِّدِنا مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِفِرْعَوْنَ: {قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} الآيتانِ: (25 ـ 26). وَقد جِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اسْمًا مَوْصُولًا “الذي” لِقَصْدِ مَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الَّذِي فَطَرَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ الروم: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} الآيةَ: 27، فَإِنَّهُ ـ لِقُدْرَتِهِ الَّتِي بِهَا ابْتَدَأَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَكُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً.قولُهُ: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} أَي: فَسَيَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ، ويُحَرِّكونَها اسْتِهْزاءً بِمَا تقولُ لأَنَّ قلوبَهم مَخْتُومٌ عَلَيْها بِالكُفْرِ فلا تفقَهُ كثيرًا ممَّا تَقُولُ. يُقَالُ: أَنْغَضَ فُلانٌ رَأْسَهُ، يُنْغِضُها إِنْغاضًا، فهوَ مُنْغِضٌ، وذَلِكَ إِذَا حَرَّكها إِلَى فَوْقُ، وَإِلَى أَسْفَلَ، ومنهُ قَولُ الشَّاعِرِ الرَّاجِزِ:أَنَغَضَ نحوي رأْسَهُ وأَقْنَعا ………………… كأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أَطْمَعاومنْهُ أَيضًا قولُ رُؤْبةَ بْنِ العَجَّاجِ:قُلْتُ لَهَا صِلِي فَقَالَتِ مِضِّ ……………. وحَرَّكَتْ لِي رَأْسَهَا بالنَّغْضِ والنِغْضُ، والنَغْضُ: بِكَسْرِ النُونِ وفَتْحِها، الظَلِيمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ كثيرًا ما يُحَرِّكُ رَأْسَهُ، وَإِذَا أُخْبِرَ الرجُلُ خَبَرًا فَهَزَّ رَأْسَهُ وحَرَّكَها إِنْكارًا لِهذا الخَبَرِ، وهُزْءًا بِهِ فَقَدْ أَنْغَضَ. وعليهِ قَوْلُ ذُي الرُّمَّةِ:ظَعائِنُ لم يَسْكُنَّ أَكْنافَ قَرْيَةٍ ………. بِسِيْفٍ وَلَمْ تَنْغُضْ بِهِنَّ القَنَاطِرُأَيْ: لَمْ تُحَرَّكْ، وأَمَّا نَغَضَ ثُلاثِيًّا، يَنْغَضُ ويَنْغُضُ بالفَتْحِ وَالضَمِّ، فبِمَعْنَى تَحَرَّكَ، لا يَتَعَدَّى، يُقَالُ: نَغَضَتْ سِنَّهُ، تَنْغُضُ نَغْضًا، ونُغوضًا، أَيْ: تَحَرَّكتْ. ومِنْ ذلكَ قولُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ الشَّاعِرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رواحَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:وَنَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنَانُهَاوَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: “فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤوسَهُمْ”، قَالَ: يُحَرِّكُونَ رُؤوسَهُمُ اسْتِهْزَاءً بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.وَأَخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: “فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤوسَهُمْ”. قَالَ: يُحَرِّكونَ رُؤُوسَهُمُ اسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَم. أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَهُوَ يَقُولُ: أَتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الْفِجَارِ وَقَدْ تَرَى ……… خُيُولًا عَلَيْهَا كَالْأُسُودِ ضَوَارِيَاقوْلُهُ: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ} مَتَى هُوَ: اسْتِفْهَامٌ تَهَكُّمِيٌّ أَيْضًا، وَالضَمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْعَوْدِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِم: “يُعِيدُنَا” كَما هوَ في قَوْلِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَة: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى} الآيةَ: 8. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: “وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ” قَالَ: الْإِعَادَةُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.قولُهُ: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} عَسَى: مِنْ أَفعالِ الترَجِّي، وَالْمَعْنَى: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هذا البعْثُ قَرِيبًا. وهو أَمْرٌ مِنَ اللهِ ـ تَعَالى، لِرَسُولِهِ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ، بِأَنْ يُجِيبَهُمْ جَوَابًا حَقًّا إِبْطَالًا لِلَازِمِ تَهَكُّمِهم، كَمَا تَقَدَّمَ نَظيرُهُ المَذْكورُ آنِفًا. وقَدْ جَاءَ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.قولُهُ تَعَالى: {أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أَوْ: حَرْفُ عَطْفٍ للتَنْويعِ، وَ “خَلْقًا” مَعْطوفٌ عَلَى “حِجارَةً”، مَنْصُوبٌ مِثْلُهُ. و “مِمَّا” مِنْ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِـ “خَلْقًا”، وَ “مَا” اسْمٌ مَوْصُولٌ، أَوْ هِيَ نَكِرةٌ مَوْصُوفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ. وَ “يَكْبُرُ” فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هُوَ) يَعُودُ عَلى “مَا”. و “فِي” حَرْفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ “يَكْبُرُ”، و “صُدُورِكُمْ” مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ، وكافُ الخِطَابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ صِلَةُ “ما” لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ إِنْ كانَتْ “ما” مَوْصُولَةً، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجرِّ إِنْ كانتْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. قولُهُ: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} الفاءُ: للعَطْفِ، والسينُ: حَرْفُ اسْتِقْبالٍ للتسويفِ، و “يَقُولونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجَازمِ، وعلامَةُ رَفعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: “قُلْ” على كونِها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيَانِيًّا لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. وَ “مَنْ” اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، وَ “يُعِيدُنَا” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجَازِمِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ جَوَازًا تَقْديرُهُ (هُوَ) يعودُ عَلَى “مَن”، و “نَا” ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ النَّصْبِ مفعولٌ بِهِ والجملةُ في محلِّ الرفعِ خَبَرُ المَبْتَدَأِ، وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مقولُ القولِ لـ “يَقُولونَ”.قولُهُ: {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} قُلِ: فِعْلٌ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وحرِّكَ بالكَسْرِ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تَقْديرُهُ (أنتَ) يَعُودُ عَلَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ عليْهِ صلواتُ اللهُ وسَلامُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وَ “الَّذِي” اسْمٌ مَوْصُولٌ مبنيٌّ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذوفٌ، والتَقْديرُ: الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُعيدُكم، وَهَذا التَقْديرُ فِيهِ مُطابَقَةٌ بَيْنَ السُّؤالِ والجَوابِ. أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: هوَ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. أَوْ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: يُعيدُكم الذي فَطَرَكُمْ، وَلِهَذَا صُرِّحَ بِالفِعْلِ فِي نَظِيرِهِ عِنْدَ قولِهِ تعالى مِنْ سُورَةِ الزُخْرُفِ: {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزيزُ العَليمُ} الآيةَ: 9. وَ “أَوَّلَ” منصوبٌ عَلى الظَرْفِيَّةِ الزَمَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ “فَطَرَكم”، وهو مُضافٌ، و “مَرَّةٍ” مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. وَالجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولٌ لـ “قُلِ”. و “فَطَرَكُمْ” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى الاسمِ المَوْصُولِ “الَّذِي”، وكافُ الخِطابِ ضَمِيرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ بالمَفْعُوليَّةِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ واقعةٌ صِلَةَ الاسْمِ المَوْصُولِ لا محلَّ لها مِنَ الإِعْرابِ. قولُهُ: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} الفاءُ: للعَطْفِ، وَالسِينُ: حَرْفُ اسْتِقْبالٍ وتَسْويفٍ، و “يُنْغِضُونَ” مِثْلُ “يَقُولونَ”. و “إِلَيْكَ” إِلى: حَرْفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “يُنْغِضُونَ”، وكافُ الخِطَابِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و “رُؤُوسَهُمْ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “قُلِ”. قولُهُ: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ} الوَاوُ: حرفُ عطفٍ، وَ “يَقُولُونَ” مِثْلُ “يَقُولُونَ” الأُوْلى مَعْطُوفَةٌ عَلى “يُنْغِضُونَ”. و “مَتى” اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مبنيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزَمَانِيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ. و “هُوَ” ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقولٌ لِـ “يقولون”. قولُهُ: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} قُلْ: فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ وجوبًا تقديرُهُ (أنت) يَعُودُ عَلى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وَ “عَسى” فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ أَفْعَالِ الرَّجَاءِ، تَرْفَعُ الاسْمَ، وَتَنْصِبُ الخَبَرَ، واسْمُهَا ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيها، تَقْديرُهُ (هُوَ) يعودُ عَلَى البَعْثِ والحَشْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمَا بِقُوَّةِ الكَلامِ، أَوْ لِتَضَمُّنِهِ فِي قوْلِهِ “مَبْعوثون”، وَ “أَنْ” حَرْفٌ ناصِبٌ، مَصْدَريٌّ، وَ “يَكونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ ناقِصٌ مَنْصُوبٌ بِـ “أَنْ” واسْمُ “يكونَ” ضَمِيرُ البَعْثِ، وخبرُها “قريبًا”، والجُمْلَةُ خَبَرُ “عَسَى” فِي محلِّ النَّصِبِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكونَ التامَّةَ مُسْنَدَةً إِلَى “أَنَّ” وَمَا فِي حَيِّزِهَا. ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ “قريبًا” ظَرْفٌ، أَيْ: زَمَانًا قَريبًا، وَعَلى هَذَا فـ “يَكونَ” فعلٌ تَامٌّ، أَيْ: عَسَى أَنْ يَقَعَ العَوْدُ فِي زَمَانٍ قَريبٍ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 50


قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)


قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} يُخْبِرُ ـ سُبْحَانَهُ، أَنَّهُ لا يَسْتَعْصي عَلَيْهِ شيْءٌ مُمْكِنٌ لأَنَّ قُدْرَتَهُ أَزَلِيَّةٌ عَامَّةُ التَعَلُّقِ بِجَمِيعِ المُمْكِنَاتِ، فقَالَ تَعَالى في الإِجَابَةِ علَى مَا اسْتَشْكَلُوهُ فِي الآيةِ: 49، السَّابِقَةِ بِقَوْلِهِم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جديدًا}: “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” وَذَلِكَ تَقْريبًا لِمَا اسْتَبْعَدوهُ مِنْ إِعَادَتِهم إِلَى الحَيَاةِ مِنْ جَديدٍ فَقَوْلُهُ: “كُونُوا” معناهُ قُلْ لَهُمْ، يَا رَسولَ اللهِ: تَحَوَّلوا ـ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تتحوَّلوا، إِلى هَذِهِ الأَشْياءِ المُمْتَنِعَةِ الصَّعْبَةِ التَأَتِّي، فَلَا بُدَّ مِنْ بَعْثِكمْ. فَهُوَ ـ إِذًا، رَدٌّ عَلَى قولِهِمْ {كُنَّا}، وهُوَ مِنْ بِابِ المُشَاكَلَةِ وَالمُقَابَلَةِ بِالجِنْسِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَهَنَ الْجِسْمِ مُسَاوٍ لِصَلَابَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى تَكْيِيفِهِ كَيْفَ يَشَاءُ. ومَضموْنُهُ التَحَدِّي لَهُمْ، والاسْتِهَانَةُ بِهِمْ، كَمَا هُوَ قَوْلُ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ: {أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ} الآيَةَ: 80، منْ سُورةِ يُونُس ـ عَلَى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. لأَنَّهُمْ اسْتَبْعَدُوا إِرْجَاعَ الْحَيَاةِ إِلَى أَجْسَامٍ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا، وَانْخَرَمَ هَيْكَلُهَا، وَصَارَتْ واهِنَةً ضَعِيفَةً، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ أَقْوَى الْأَجْسَامِ لَأُعِيدَتْ لَهَا الْحَيَاةُ، إِنَّكُمْ لَمَبْعُوثُونَ، سَوَاءٌ كُنْتُمْ عِظَامًا وَرُفَاتًا أَوْ كُنْتُمْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا.قولُهُ تَعَالَى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} قُلْ: فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضِميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنت) يَعُودُ عَلَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صَلَواتُ رَبِّي عليْهِ وَسَلامُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ استِئنافًا بَيَانِيًّا لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ. و “كُونُوا” فِعْلُ أَمْرٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى حذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السكونِ في محلِّ الرفعِ اسْمُهُ. وَ “حِجارَةً” خَبَرُهُ مَنْصُوبٌ بِهِ. “أَوْ” حرفُ عَطْفٍ للتنويعِ والتخيير. وَ “حَدِيدًا” معطوفٌ عَلى “حِجارَةً” منصوبٌ مثلُهُ. وجملةُ “كُونُوا” فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولُ القَوْلِ لِـ “قُلْ”.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 49


وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)


قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} أَيْ: لَمَّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ الْقُرْآنَ الكَريمَ مِنْ سيِّدِنا رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَسَمِعُوا بِأَمْرِ الْبَعْثِ مِنْ جديدٍ، والحَيَاةِ بَعْدَ الموتِ، قَالُوا ـ وَهُمْ يَتَنَاجَوْنَ فيما بَيْنَهُم: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُورًا لَمَا قَالَ هَذَا. وَالْعِظَامُ: جَمْعُ عَظْمٍ، وَهُوَ مَا مِنْهُ تَرْكِيبُ جَسَدِ الإِنْسَانِ وَالدَّوَابِّ. وَمَعْنَى “كُنَّا عِظامًا” أَنَّهُمْ صاروا عِظَامًا عاريَةً لَا لَحْمَ عَلَيْهَا.وَالرُّفَاتُ: مَا تَكَسَّرَ وَبَلِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، كَالْفُتَاتِ، وَالْحُطَامِ، وَالرُّضَاضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: الرُّفَاتُ الْغُبَارُ. أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ. وَأَخَرَجَ ثلاثتُهمْ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الرُّفاتُ: التُّرَابُ. نَقُولُ: رُفِتَ الشَّيْءُ رَفْتًا، أَيْ حُطِّمَ، فَهُوَ مَرْفُوتٌ. والرُّفاتُ مَا بُولِغَ فِي دَقِّهِ وَتَفْتِيتِهِ، والرَّفْتُ كَسْرُ الشَّيْءِ بِيَدِكَ، تَقُولُ: رَفَتُّهُ أَرْفِتُهُ بِالْكَسْرِ كَمَا يُرْفَتُ الْمَدَرُ وَالْعَظْمُ الْبَالِي، وَالرُّفَاتُ الْأَجْزَاءُ الْمُتَفَتِّتَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُكْسَرُ. ويُقَالُ: رَفَتَ عِظَامَ الْجَزُورِ رَفْتًا إِذَا كَسَرَهَا. ويُقالُ للتِّبْنِ: الرُّفَتُ لِأَنَّهُ دُقَاقُ الزَّرْعِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: رَفَتَ رَفْتًا، فَهُوَ مَرْفُوتٌ نَحْوَ حَطَمَ حَطْمًا، فَهُوَ مَحْطُومٌ، والاسْمُ منهُ الرُّفاتُ والحُطامُ، ويُقالُ: رَفَتَ الشَّيْءَ، يَرْفِتُهُ بِالكَسْرِ، أَيْ: كَسَرَهُ. وما كانَ وَزْنُهُ “فُعَال” غَلَبَ مَجِيئُهُ فِي المُتَفْرِّقِ كالحُطامِ، والدُّقاقِ، والفُتَاتِ.قولُهُ: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} اسْتِفْهامٌ المُرادُ بِهِ الجَحْدُ والإِنْكَارُ. وَالْبَعْثُ: الْإِرْسَالُ. وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، لِأَنَّ الْمَيِّتَ يُشْبِهُ الْمَاكِثَ فِي عَدَمِ مُبَارَحَةِ مَكَانِهِ. وَ “خَلْقًا جَديدًا” بَعْثًا مِنْ جَدِيدٍ. لَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَى الكُفَّارِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ جَفَّتْ أَعْضَاؤُهُ، وَتَنَاثَرَتْ، وَتَفَرَّقَتْ فِي الْعَالَمِ، فَاخْتَلَطَ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ سَائِرُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ. وجِسْمُ الإِنْسَانِ متشَكِّلٌ مِنَ ذاتِ العَنَاصِرِ الأَرْبَعَةِ التي يَتَشَكَّلُ مِنْهَا العَالَمُ، فَأَمَّا الْأَجْزَاءُ الْمَائِيَّةُ فِي بَدَنِهِ فَتَخْتَلِطُ بِمِيَاهِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ التُّرَابِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِتُرَابِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ الْهَوَائِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِهَوَاءِ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ النَّارِيَّةُ فَتَخْتَلِطُ بِنَارِ الْعَالَمِ. وَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ ـ عِنْدَهُمْ، اجْتِمَاعُهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَعَوْدُ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا مَرَّةً أُخْرَى. فقدْ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللهَ خالِقُهم، وأَنْكرُوا قُدْرَتَهُ عَلَى إِعَادَتِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، وَلَكِنْ كَمَا جَازَ أَنْ يُوجِدَهُمْ أَوَّلًا وَهُمْ في حيِّزِ العَدَمِ، حَيْثُ لم يَكُنْ لَّهُمْ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، ولَكِنَّهم كانُوا في مُتَنَاوَلِ القُدْرَةِ، ومُتَعَلَّقِ الإِرَادَةِ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ صَاحِبِ القُدْرَةِ والإِرادَةِ، وفي إِمكانِهِ وصَلاحِيَتِهِ أَنْ يُعِيدَهُمْ إِلَى الوُجُودِ مَرَّةً أُخْرَى. لَقَدِ اسْتَبْعَدَ هَؤُلاءِ البَعْثَ عَنِ المَوْتَى؛ لأَنَّهم غَفِلُوا في بِدَايَةِ الوُجُودِ وَبِدَايَةِ خَلْقِ الإِنْسانِ، فهَذَا الْإِشْكَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَدْحِ فِي كَمَالِ عِلْمِ اللهِ ـ تَعَالى، وَفِي كَمَالِ قُدْرَتِهِ ـ سُبحانَهُ. وَإِذَا سَلَّمْنَا كَوْنَهُ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ وَإِنِ اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْعَالَمِ إِلَّا أَنَّهَا مُتَمَايِزَةٌ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى. وَلَمَّا سَلَّمْنَا كَوْنَهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، كَانَ قَادِرًا عَلَى إِعَادَةِ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ وَالْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِأَعْيَانِهَا، فَثَبَتَ أَنَّا مَتَى سَلَّمْنَا بِكَمَالِ عِلْمِ اللهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، زَالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ.قولُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} الواوُ: للاسْتِئنافِ، أَوْ للعطْفِ، وَ “قالُوا” فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بِوَاوِ الجَمَاعَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ مَعْطٌوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {ضَرَبُوا} مِنَ الآيَةِ التي قبْلَها، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً “قالُوا” مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقولُونَ} الآيةَ: 42، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. بِاعْتِبَارِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: {كَمَا تَقُولُونَ} لِقَصْدِ اسْتِئْصَالِ ضَلَالَةٍ أُخْرَى مِنْ ضَلَالَاتِهِمْ بِالْحُجَّةِ الدَّامِغَةِ، بَعْدَ اسْتِئْصَالِ الَّتِي قَبْلَهَا بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ بِقَوْلِهِ: {قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ} الْآيَةَ، وَمَا بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الِاعْتِرَاضِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} الآيَةَ: 47، السَّابِقَةِ، الَّتِي مَضْمُونُهَا مَظْرُوفٌ لِلنَّجْوَى، فَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مِمَّا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَجْهَرُونَ بِإِعْلَانِهِ وَيَعُدُّونَهُ حُجَّتَهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ. وَ “أَإِذا” الهَمْزَةُ: للاسْتِفْهامِ الإِنْكارِيِّ الاسْتِبْعادِيِّ، لاسْتِبْعادِ مَا يَتَسَاءَلُونَ عَنْهُ، و “إِذا” ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ مُجَرَّدٌ عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قولُهُ: “مَبعوثون”. وَ “كُنَّا” فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بـ “نَا” المُعظِمِ نفسَهُ ـ سُبحانَهُ وتَعَالَى، وَ “نَا” التَعْظِيمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ اسْمُ “كان”. و “عِظامًا” خَبَرُهُ منصوبٌ بِهِ. و “رُفاتًا” مَعْطُوفٌ عَلَى “عِظامًا” منصوبٌ مثلُهُ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافَةِ “إِذا” إليها والتقديرُ: أَنُبْعَثُ وَقْتَ كَوْنِنَا عِظامًا وَرُفاتًا، والجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ بـ “قالُوا”، ولا يَجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ “إِذا” بِـ “مَبْعُوثونَ” لأَنَّ مَا بَعْدَ إِنْ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَها، وكَذَا مَا بَعْدَ الاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَهُ، وَقَدْ اجْتَمَعَا هُنا، ويَجُوزُ أَنْ تَكونَ “إِذا” شَرْطِيَّةً، والجَوَابُ حِينَئِذٍ الفِعْلُ الذي تَعَلَّقَتْ بِهِ “إذا”. قولُهُ: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} أَإِنَّا: الهَمْزَةُ للاسْتِفْهامِ، الإِنْكارِيِّ الاسْتِبْعادِيِّ، و “إِنَّا” إنَّ: حرفٌ نَاصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفِعْلِ للتَوْكِيدِ، و “نَا” ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصِبِ اسْمُهُ. و “لَمَبْعُوثُونَ” اللامُ المُزَحْلَقَةُ للتوكيدِ (حَرْفُ ابْتِداءٍ). خَبَرُ “إنَّ” مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السَّالمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ. و “خَلْقًا” يَجُوزُ فِيهِ وَجْهانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى الفِعْلِ لَا مِنْ لَفْظِهِ، أَيْ: نُبْعَثُ بَعْثًا جَديدًا. والثاني: أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الحَالِ، مِنَ الضَميرِ المُسْتَكِنِّ فِي “مَبْعُوثونَ” وَذُكِرَ الْحَالُ لِتَصْوِيرِ اسْتِحَالَةِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْفَنَاءِ لِأَنَّ الْبَعْثَ هُوَ الْإِحْيَاءُ، فَإِحْيَاءُ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ مُحَالٌ عِنْدَهُمْ، وَكَوْنُهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا أَدْخَلُ فِي الِاسْتِحَالَةِ. و “جَدِيدًا” صِفَتُهُ، وَلَكِنَّهُ عَلى تَأْويلِهِ بِالمُشْتَقِّ؛ أَيْ: مَخْلوقِينَ.

الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الإسراء، الآية: 48


انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)


قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} التَّعْبِيرُ بِـ “انْظُرْ” إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْوُضُوحِ أَنْ يَكُونَ مَنْظُورًا. وَ “كَيْفَ” الِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّعْجِيبِ مِنْ حَالَةِ تَمْثِيلِهم للنَّبِيِّ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وتَشْبيهِهِ بِالْمَسْحُورِ وَنَحْوِهِ. عَجَّبَهُ مِنْ صُنْعِهِمْ، كَيْفَ يَقُولُونَ تَارَةً سَاحِرٌ، وَتَارَةً مَجْنُونٌ، وَتَارَةً شَاعِرٌ. وَ “ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ” أَيْ: بَيَّنُوا لَكَ الأَشْبَاهَ؛ فَمَثَّلُوكَ بِالشَّاعِرِ مرَّةً، والسَّاحِرِ مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ بِالكاهِنِ والمَجْنُونِ والمُعَلَّمِ. وَأَصْلُ الضَرْبِ وَضْعُ الشَّيْءِ وَتَثْبِيتُهُ، فيَقولُنَ: ضَرَبَ خَيْمَةً، أَيْ: أَقامَها وثبَّتَ عمادَها وأَوْتَادَهَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى صَوْغِ الشَّيْءِ عَلَى حَجْمٍ مَخْصُوصٍ، فيُقَالُ: ضَرَبَ الدَنَانِيرَ، أَيْ صكَّها، وَالضَرْبُ مُسْتَعَارٌ هُنَا لِلْإِبْرَازِ، وَالْبَيَانِ، تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الْمُبْرَزِ الْمُبَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمُثْبَتِ. و “لَكَ” اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ، أَيْ ضَرَبُوا الْأَمْثَالَ لِأَجْلِكَ، أَيْ لِأَجْلِ تَمْثِيلِكَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَسْحُورَ فِي الآيَةِ الأُولى بِمَعْنَى المَخْدوعِ؛ لأَنَّهمْ لَوْ أَرادُوا رَجُلًا ذَا رِئَةٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبُوهُ، وَلَكِنَّهمْ لَمَّا أَرادُوا رَجُلًا مَخْدُوعًا ـ كَأَنَّهُ بِالخَديعَةِ سُحِرَ، كانَ مَثَلًا ضَرَبوهُ وتَشْبيهًا شَبَّهُوهُ. “الغَريبِ” لابْنِ قُتَيْبَةَ: (1/257).قولُهُ: {فَضَلُّوا} الفاءُ: للتفريعِ، فقَدْ فُرِّعَ ضَلَالُهُمْ عَلَى ضَرْبِ أَمْثَالِهِمْ، لِأَنَّ مَا ضَرَبُوهُ مِنَ الْأَمْثَالِ كُلُّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ وَإِيغالٌ فِي الْكُفْرِ. فَالْمُرَادُ تَفْرِيعُ ضَلَالِهِمُ الْخَاصِّ بِبُطْلَانِ تِلْكَ الْأَمْثَالِ، أَيْ فَظَهَرَ ضَلَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، فهوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورةِ القمَر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا} الْآيةَ: 9. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالضَّلَالِ هُنَا أَصْلُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْحَيْرَةُ فِي الطَّرِيقِ وَعَدَمُ الِاهْتِدَاءِ، أَيْ ضَرَبُوا لَكَ أَشْبَاهًا كَثِيرَةً لِأَنَّهُمْ تَحَيَّرُوا فِيمَا يَعْتَذِرُونَ بِهِ عَنْ شَأْنِكِ الْعَظِيمِ. فُضَّلُواْ عَنِ الحَقِّ وجانبوا الصوابَ فِي جَميعِ ذَلِكَ.قولُهُ: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} أَيْ: لاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا، إِلَى إِفْسادِ أَمْرِكَ، وإِطْفَاءِ نُورِكَ، والطَعْنِ في صدقِكَ، فَيَتَهافَتُونَ، ويَخْبِطُونَ في حَيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ لا يَعْرِفُونَ سَبِيلًا إِلى الرَّشَادِ، ولا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً فِي صَدِّ النَّاسِ عَنْكَ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما: يُريدُ سَبيلَ الهُدَى. وَقَالَ مُجاهِدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: “سبيلًا” مَخْرَجًا، تَفْسيرُ مُجاهِدٍ: (1/363)، وَتفسيرُ الطَبَرِيِّ: (15/97). وهوَ تَفْرِيعٌ عَلَى ضَلالِهم، أَيْ: فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا لِتَوَغُّلِهِمْ فِي الْحَيْرَةِ فِي ضَرْبِ تِلْكَ الْأَمْثَالِ. وَالسَّبِيلُ، أَيْ: الطَّرِيقُ، وَاسْتِطَاعَتُهُ، يَعْنِي: اسْتِطَاعَةُ الاهتداءِ إِلَيْهِ، والظَّفَرِ بِهِ، والسَّيْرِ عَلَيْهِ. وقدْ نَزَلَتْ والتي قبلَها في الوَليدِ بْنِ المُغيرَةِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ كُفَّارِ قريشٍ، كما تقدَّمَ بيانُهُ هناكَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ. قوْلُهُ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} انْظُرْ: فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يَعُودُ عَلَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. وَ “كَيْفَ” اسْمُ اسْتِفْهامٍ تَعَجُّبِيٍّ، مبنيٌّ على الفتْحِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ، والعامِلُ فِيهِ “ضَرَبُوا”، وَهِيَ مُعَلِّقَةٌ لِـ “انْظُرْ” للعَمَلِ فِي لَفْظِ مَا بَعْدَهَا. و “ضَرَبُوا” فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ عَلَى الضَمِّ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو واوُ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والألِفُ للتفريقِ. و “لَكَ” اللامُ حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ “ضَرَبُوا”، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرْفِ الجَرِّ. وَ “الْأَمْثالَ” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ سَادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولِ “انْظُرْ”. قولُهُ: {فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} الفاءُ: عَاطِفَةٌ، و “ضَلُّوا” فعل، وفاعل مثلُ “ضَرَبُوا” معطوف عليهِ. و “فَلا” الفاءُ: عَاطِفَةٌ، و “لا” نافيَةٌ. و “يَسْتَطِيعُونَ” فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجَازمِ، وعلامَةُ رَفعِهِ ثَباتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. وَ “سَبِيلًا” مَفْعُولٌ بِهِ منصوبٌ، بِتَضْمِينِ “يَسْتَطِيعُونَ” مَعْنَى: “يعرفون”، أَوْ “يَجِدونَ”. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ “ضَلُّوا” لأَنَّ العاطِفَ مُرَتِّبٌ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com