فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 54


فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ
(54)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَبَبَ عَدَمِ تَقَبُّلِهِ نَفَقَاتِهِمْ أَمْرانِ: الأَوَّلُ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، ويترتَّبُ على ذلك أَنَّ أَعْمالهَم لَنْ تَكونَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما لأَغْراضٍ أُخْرى دُنيَويَّةٍ مِنْ جاهٍ وسُمْعَةٍ وغيرِِ ذَلِكَ مِنْ الأسَبابِِ، فكيفَ يَقْبَلُ اللهُ تَعالى شَيْئاً لمْ يُقَدَّمْ إليْهِ أَصْلاً؟ وإنَّما قُدِّمِ لِغَيْرِهِ، وهلْ تَقْبَلُ أَنْتَ شَيْئاً قُدِّمَ لِغَيرِكِ أَوْ تَدفعُ أجرَ عَمَلٍ هو في الأساس لِغَيرِكَ وليسَ لَكَ؟، فكيف بربِّ السموات والأرضِ ومن فيهِنَّ! واللهُ تعالى يَقولُ في الحديث القدسيِّ: (أنَا أغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمنْ عَمِلَ عملاً أشْرَكَ فِيهِ معي غَيْرِي، تَرَكْتُه وشِرْكَه) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وابْنُ ماجةَ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عبد الرحمن ابنِ صخرٍ الدَوْسِيِّ الأَزْدِيِّ اليَمانيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وقدْ تَقَدَّمَ في هذا الموضوعِ مزيدُ تفصيلٍ.
قولُهُ: {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} هو السبَبُ الثاني لعدم قبولِ أَعْمالِ هؤلاء المنافقين من صدقةٍ وصلاةٍ وغير ذلك. فهم لاَ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِي أَدَائِهَا، وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً فِي مَصَالِحِ الجِهَادِ وَغَيْرِهَا إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. وهذا يُفْسِدُ أَعْمالَهم لأنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، كما وردَ في الحديثِ الشَريفِ عَنْ سَيِّدِنا رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فيما أَخْرَجَ مُسْلمٌ عَنْ أبي هُريرَةَ أَيْضاً.
وأَداءُ العَمَلَ بِكَسَلٍ وكَراهيةٍ دليلُ النِفاقِ، فالمؤمِنُ يَحِبُّ ربَّهَ سبحانَه وتعالى، والمحِبُّ إذا كَلَّفَه مَنْ محبوبُهُ بِأَمْرٍ قامَ إليْهِ بِنَشاطٍ وأَدَّاهُ بِرَغْبَةٍ طيِّبَةً بِذلِكَ نَفْسُهُ، أَمَّا غيرُ المحبِّ فإنَّه على العكسِ. يكونُ الطلبُ عليه ثقيلاً وإذا قامَ به، كان ذلك بتكاسلٍ وتثاقلٍ وعلى كراهية مِنْهُ.
قولُهُ تعالى: {أَن تُقْبَلَ} المصدرُ المنسبكُ منه، هو مَفْعولٌ ثانٍ ل “منع”: إمَّا على تقديرِ إسقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: مِنْ أَنْ تُقْبَلَ، وإمَّا لِوُصولِ الفِعْلِ إليْهِ بِنَفْسِهِ، لأنَّك تَقول: مَنَعْتُ زَيْداً حَقَّهُ ومِنْ حَقِّهِ.
ويجوزُ أن يكونَ نصبُ على البدلِ مِنْ “هم” في “مَنْعَهم”، أيْ بَدَلَ اشتمالٍ. ولا حاجَةَ إلى هذا.
والظاهرُ أنَّ فاعِلَ “مَنَعَ” قولُهُ: “إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ” الجملة، أيْ: ما مَنَعَهم قبولَ نَفَقَتِهم إلاَّ كُفْرُهم. ويجوزُ إنْ يكونَ الفاعلَ ضَميرُ اللهِ تَعالى، أَي: وما مَنَعَهمُ اللهُ، ويكونُ “إلاَّ أَنَّهم” منصوباً على إسْقاطِ حرفِ الجَرِّ، أَي: لأنهم كفروا.
قولُهُ: {إِلاَّ وَهُمْ كُسالى}، جمْلَةُ “وهم كسالى” حالٌ مِنَ الواوِ في “يَأْتونَ”.
وقولُه: {إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} هذه الجملةُ حالٌ مِنَ الواوِ في “ينفقون”.
وقرأ الجمهورُ: {تُقبَلَ نفقاتُهم} بالمُثَنَّاتِ الفوقِيَّةِ، وقرَأَ حمزةُ والكِسائيُّ: “يُقْبَلَ” بالمثنَّاةِ التَحْتِيَّةِ، لأنَّ جمعَ غيرِ المؤنَّثِ الحَقيقيِّ يَجوزُ فيهِ التَذْكيرُ والتَأْنيثُ.
وقرأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كالأَخوينِ، إلاَّ أَنَّه أَفْرَدَ النَفَقَةَ. وقرَأَ الأعْرَجُ: “تُقْبلَ” بالتاءِ مِنْ فوق، و “نفقتُهم” بالإِفراد.
وقرَأَ السُّلَميُّ: “يَقبل” مَبْنَيَّاً للفاعلِ وهُوَ اللهُ تعالى. وقُرئَ: “نَقْبل” بِنونِ العَظمَةِ، و “نَفَقَتَهم” بالإِفراد.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 53


قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} أنْفِقوا: صِيغَتُه صِيغَةُ الأَمْرِ والمُرادُ البَيانُ عَنِ التَمَكُّنِ مِنَ الطاعةِ والمعْصِيَةِ كقولِهِ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، ومثلُهُ أيضاً قولُه بعد ذلك: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} سورةُ التوبة، الآية: 54. وقيلَ معناهُ الخَبرُ الذي يَدْخُلُ فيه “إنْ” الجزاءِ، والمعنى: قُلْ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتُرُوا نِفَاقَهُمْ بِإِنْفَاقِ المَالِ فِي الجِهَادِ وَغَيْرِهِ: مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ذَلِكَ. فإنَّ هذا الأمرَ معناهُ الشَرْطُ والجزاءُ لأنَّ اللهَ سبحانَه لا يَأْمُرُهم بما لا يَتَقَبَّلُهُ منهم.
قولُهُ: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ مُتَشَكِّكِينَ خَارِجِينَ عَنِ الإِيمَانِ، وَاللهُ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الأَعْمَالَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ. ومثلُه قولُه بعد ذلك: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} سورةُ التوبة، الآية: 80. وإنَّما اخْتِيرَ وَصْفُ الفاسقينَ دُونَ الكافِرينَ لأنَّهم يُظْهِرونَ الإسْلامَ ويُبْطِنونَ الكُفْرَ، فكانوا كالمائلينَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ. والمقصودُ مِنْ هذا تيئيسُهم مِنَ الانْتِفاعِ بما بَذَلوهُ مِْن أَمْوالهم، فلَعَلَّهم كانوا يَحْسَبونَ أَنَّ الإنْفاقَ في الغَزْوِ يَنْفَعُهم، وهذا مِنْ شَكِّهم في أَمْرِ الدينِ أساساً، فتَوَهموا أنهم يَعْمَلون أَعْمالاً قد يجدونها في الحَشْرِ على فَرَضِ ظُهورِ صِدْقِ الرَسُولِ. ويَبْقونَ على دِينِهم فلا يَتَعَرَّضونَ للمَهالِكِ في الغَزْوِ ولا للمَشاقِّ. إذ ورد أنهم قالوا للرسولِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، نحنُ نَعينُكم على الغَزْوِ بمالِنا، لكنَّهم اعْتَذَروا عَنِ مُشارَكَةِ المسلمين في الجهادِ بِأَنْفُسِهم، وقدَّموا لذلك الأعذارَ الكاذبة. فقد أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: إني إذا رَأَيْتُ النِساءَ لمْ أَصْبرْ حتى أُفْتَتَنَ، ولكنْ أُعينُكَ بمالي. قال: ففيهِ نَزَلَتْ: “قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم” قال: لِقَوْلِهِ أُعِينُكَ بمالي.
قولُه تَعالى: {أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكم} أَنفِقُوا: للتَسْوِيَةِ أَيْ: أَنْفِقُوا أَوْ لا تُنْفِقوا، كما دَلَّتْ عَلَيْهِ “أَوْ” وهو في مَعنى الخَبَرِ الشَرْطِيِّ لأنَّهُ في قوَّةِ أَنْ يُقالَ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكم إنْ أَنْفَقْتُم طَوْعاً أَوْ أَنْفَقْتُم كَرْها، و “طَوْعاً أَوْ كَرْهاً” مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ من الضمير في “أَنفِقُوا”، أيْ: طائعين أَوْ كارهين. وجملة: “لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكم” جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ.
وقوله: {إِنَّكُمْ} وما بعدَهُ جارٍ مَجْرى التَعْليلِ. لِنَفْيِ التَقَبُّلِ، ولِذلكَ وَقَعَتْ فيها “إنَّ” المُفيدةُ لمعنى فاءِ التَعليل.
قرأَ الجمهورُ: {كَرْهاً} بفتح الكافِ. وقرأَ الأَخَوانِ (حمزةُ والكسائيُّ) “كُرْهاً” بضمِّها وقد تَقَدَّمَ تَحقيقُ ذلك في سورةِ النساء.
وقال الشيخ أبو حيَّانَ الأندلُسيُّ هُنا: قرأَ الأعمشُ وابْنُ وَثَّابٍ: “كُرْهاً” بِضَمِّ الكافِ. وهذا يُوهِمُ أَنَّها لم تُقْرَأْ في السَبْعَةِ.
وقالَ الزَمخشريُّ: هُوْ أَمرٌ في معنى الخبرِ كَقولِهِ تعالى في سورة مريم: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} الآية: 75. ومعناه: لن يُتَقبَّلَ مِنْكم أبداً: أَنْفَقْتُم طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، ونحوُ ذلك قولُه تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} التوبة: 80. ومنه قولُ كثيِّرِ عَزَّةٍ:
أَسِيْئي بِنا أَوْ أَحْسِني لا مَلُومَةٌ …………… لدينا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
أَيْ: لا نَلومُكِ أَحْسَنْتِ إِلَيْنا أَوْ أَسَأْتِ. وفي معناه قولُ جَعْفَرَ بْنِ محمَّدٍ الصادِقُ ـ رُضْوانُ اللهِ عَلَيْهِ:
أخوك الذي إنْ قُمْتَ بالسيفِ عامداً ….. لتضربَهُ لم يَسْتَغِشَّك في الودِّ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هذا أَمْرٌ في ضِمْنِهِ جَزاءٌ، وهذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ أَمْرٍ مَعَهُ جَزاءٌ، والتَقْديرُ: إنْ تُنْفِقوا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكم، وأَمَّا إذا عَرِّيَ الأَمْرُ مِنَ الجَوابِ فليسَ يَصْحَبُهُ تَضَمُّنُ الشَرْطِ.
قالَ الشيخُ أبو حيّان: ويَقْدَحُ في هذا التَخْريجِ أَنَّ الأَمْرَ إذا كانَ فيهِ معنى الشَرْطِ كانَ الجَوابُ لَجَوابِ الشَرْطِ، فعَلى هذا يَقْتَضي أَنْ يَكونَ التَرْكيبُ: “لَنْ يُتَقَبَّلَ” بالفاءِ لأنَّ “لن” لا تَقَعُ جَواباً للشَرْطِ إلاَّ بالفاءِ فَكَذلِكَ ما ضُمِّنَ مَعناهُ، أَلا تَرى جَزْمَهُ الجَوابَ في نحوِ قولك: اقْصُدْ زَيْداً يُحْسِنْ إليكَ. وإنَّما أراد القاضي أَبو محمَّدٍ ابْنُ عطيَّةَ تَفسيرَ المَعنى، وإلاَّ فلا يَجْهَلُ مِثلَ هَذِهِ الواضِحاتِ. وأَيْضاً فلا يَلْزَمُ لأنْ يُعْطى الأَمرُ التَقْديريُّ حُكْمَ الشَيْءِ الظاهِرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 52


قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)
قولُهُ ـ سبحانهُ وتعالى: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ تَتَرَبَّصُونَ بِنَا، وَتَنْتَظِرُونَ أَنْ يَقَعَ لَنَا، إِلاَّ وَاحِدَةٌ مِنِ اثْنَتَيْنِ: وَكِلْتَاهُمَا خَيْرٌ لَنَا وَفِيهِمَا حَسَنَةٌ: شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ نصرٌ وظَفْرٌ؟.
أَخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ـ رَضي اللهُ عَنْهُ، قال: بَيْنَما النَبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، بالرَوْحاءِ إذْ هَبَطَ عَلَيْهِ أَعْرابي من شَرَفٍ فقالَ: مَنِ القومُ وأَيْنَ تُريدون؟ قالوا: نُريدُ بَدْراً مَعَ النَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ. قال: ما لي أَراكم بَذَّةً هَيْئَتُكم قَليلاً سِلاحُكُم؟ قالوا: نَنْتَظِرُ إحْدى الحُسْنَيَينِ، إمّا أَنْ نُقْتَلَ فالجَنَّةَ وإمَّا أَنْ نَغْلِبَ فيَجْمَعَهُما الله تعالى لَنا، الظَفَرَ والجَنَّةَ. قالَ: أَيْنَ نَبِيُّكم؟ قالوا: ها هو ذا. فجاءهُ فقالَ لَهُ: يا نَبيَّ اللهِ إنّي لَيْسَتْ مَعِي مَصْلَحَةٌ، آخُذُ مَصْلَحتي ثمَّ ألْحَقُ بِكَ؟ قال ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((اذْهَبْ إلى أَهْلِكَ فَخُذْ مَصْلَحَتَكَ)). فخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّم، يَوْمَ بَدْرٍ وخَرَجَ الرَجُلُ إلى أَهْلِهِ حتى فَرَغَ مِنْ حاجَتِهِ، ثمَّ لَحِقَ بهم بِبَدْرٍ، فدَخَلَ في الصَفِّ معهم، فاقْتَتَلَ الناسُ، فكانَ فِيمَنْ اسْتُشْهِدَ، فقامَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، بعدَ أَنِ انْتَصَرَ، فَمَرَّ بَين ظَهْرانيِ الشُهَداءِ، ومَعَهُ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فقال: ((ها يا عُمَرُ إنَّكَ تُحِبُّ الحديثَ، وإنَّ للشُهَداءِ سادةً وأَشْرافاً ومُلوكاً، وإنَّ هذا يا عُمَرُ مِنْهم)).
قولُهُ: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نَنْتَظِرُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَذَابُ اللهِ تعالى كما نَزَلَ بمَنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أَوْ أَنْ يُسَلِّطَنَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ فَنُذِيقَكُمْ بَأْسَنَا بالقَتْلِ والأَسْرِ والسَبْيِّ والإذْلالِ.
قولُهُ: {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} فانْتَظِروا إنَّا مَعَكُمْ مُنْتَظِرونَ.
قوله تعالى: {هلْ تربَّصونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى} إلاَّ: أَداةُ حَصْرٍ، “إحدى” مفعولٌ بِهِ.
قولُهُ: {ونحنُ نَتَرَبَّصُ} جملةٌ معطوفةٌ على مَقولِ القَوْلِ، والمَصْدَرُ المُنسَبِكِ مِنْ “أَنْ يُصيبَكم” مَفْعولٌ بِهِ لِ “نَتَرَبَّصُ”.
وقولُهُ: {فَتَرَبَّصُوا} جملةٌ مُستأنَفَةٌ. وكذلكَ جملةُ “إنَّا مَعَكم مُتَرَبِّصون” مُسْتَأْنَفَةٌ.
قَرَأَ العامَّةُ: {إحْدى} بهمزةِ القَطْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ “احدى” بِوَصْلِ أَلِفِ “إحدى” إجراءً لهمزةِ القَطْعِ مُجْرى همزةِ الوَصْلِ، ومِنْ ذلك قوْلُ أَبي الأَسْوَدِ الدُؤَليِّ:
يا با المغيرة رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ …………….. فَرَّجْتُه بالمكر مِنِّي والدَّهَا
وكذلكَ قولُ أَحَدِهم:
إنْ لم أُقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعا ……………… وفتخات في اليدين أربعا

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 51


قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
(51)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} الخطابُ للنبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ تشريفاً وللمُؤمِنِين باللهِ عامَّةً تَكْليفاً إلى قيامِ الساعَةِ. قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَصَائِبِ، وَتَسُوؤُهُم النِّعْمَةُ الَّتِي تُصْيبُ المُسْلِمِينَ: نَحْنُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَمَا قَدَرَهُ لَنَا سَيَأْتِينَا، وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَلاَ دَافِعٌ، فلَنْ يُصيبَنا مِنْ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئةٍ، نِعْمَةٍ أوْ مُصيبَةٍ، إلاَّ بِقَضاءٍ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدَرٍ مَكْتوبٍ في اللَّوْحِ المحفوظِ مِنْ قبلِ أَنْ نُخلَقَ في هذِهِ الحياةِ، ليس لنا ولا لأَحَدٍ مِنَ الخَليقَةِ، مجتمعةً أَوْ مُتَفَرِّقةً، رَدُّهُ ولا تَغييرُهُ ولا تبديلُهُ، ولا تقديمُه ولا تَأْخيرُهُ، وهذا من صُلْبِ عقيدةِ الإيمانِ التي يجبُ على المُسلمِ الإيمانُ بها بادئَ ذي بَدءٍ، وأَيُّ خَلَلٍ فيها أوْ نَقْصٍ، مُحْبِطٌ للعملِ مخرجٌ مِنَ المِلَّةِ. فقد جاء في الصَحيحِينِ مِنْ حديثِ المُغيرةَ بْنَ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّه سمع النبيَّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يقول: ((اللَّهمَّ لا مانِعَ لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ)). وعنْه أيضاً ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، كانَ يَقولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتوبَةٍ: ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ وهوَ على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ)). أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأَذانِ، بابِ: الذِكْرِ بَعْدَ الصَلاةِ: 2/325، وأخرجَهُ مُسْلِمٌ في المَساجِدِ، بابِ: اسْتِحْبابِ الذِكْرِ بَعْدَ الصَلاةِ بِرَقَمِ: (593) 1/415. وجاء في الحديثِ المشهورِ عنِ ابْنِ عبّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: كُنْتُ خَلْفَ النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ يوماً فقال: ((يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رَواهُ التِرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ. وفي رِوايَةِ غيرِ التِرْمِذِيِّ زِيادَةٌ: ((احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ . . .))، وفي آخرهِ: ((واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً)). قالَ الإمامُ النَوَوِيُّ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، ورحمَهُ: هَذا حَديثٌ عَظِيمُ الموقع.
قولُهُ: {هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وهو سُبْحانَهُ وتعالى، مولانا الذي يَرْعَى شُؤنَنا ويَتَولَّى جميعَ أَمْرِنا، وَنَحْنُ مُتَوَكّلُونَ عَلَى اللهِ، مُنيبونَ إلَيْهِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ، فَلاَ نَيْأَسُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَلاَ نَبْطَرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، وهو ـ سبحانَهُ وتَعالى، مَوْلى جميعِ المُؤمِنين، لا يُوالُونَ غَيرَهُ ولا يَتَّكِلونَ على أَحَدٍ سِواهُ، ولا يخافون إلاَّ اللهَ، فبهِ يؤمنون وعليه يتوكَّلون وإياه يعبدون وإليه يُنيبونَ وغضَبَهُ يتَّقون ورضاهً يطلبون، وهو الذي يحبُّون وفي رَحمتِهِ ومغفرتِه يَطْمَعونَ. وحَقُّ المؤمنين أنْ لا يَتَوَكَّلوا عَلى غَيرِ اللهِ، فلْيَفْعَلوا ما هُو حَقٌّ لهم.
وقالوا ثلاثةٌ تُوجِبُ للعَبْدِ الرَّاحَةَ مِنَ التَعَبِ، والسُكونَ إلى الرَبِّ، وتُذْهِبُ عَنْهُ حرارَةَ التَدْبيرِ والاخْتِيار، وظُلْمَةَ الأَكْدارِ والأَغيارِ: أَحَدُها: تحقيقُ العِلْمِ بِسَبْقِ القَضاءِ والقَدْرِ، حتى يَتَحَقَّقَ بِأَنَّ ما أَخْطأَهُ لمْ يَكُنْ لِيُصيبَهُ، وما أَصَابَهُ لم يكن لِيُخْطِئَهُ، قال تعالى: “قل لن يُصيبَنا إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا”، {وَإنْ يمْسَسْكَ اللهُ بضُرِّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ}، وقالَ الشاعرُ العبّاسيُّ عبدُ اللهِ بْنُ محمَّدِ بْنِ عُيَيْنَة لذي اليمين، طاهرِ بْنِ الحُسَيْنِ، أَكْبرِ أَعوانِ الخليفةِ المأْمونِ:
لمَا رَأَيْتُكَ قاعداً مُسْتَقْبَِلاً ………………. أَيْقَنْتُ أَنَّكَ للهُمومِ قَرينُ
فارْفِضْ بها وتَعَرَّ مِنْ أَثوابها …………… إنْ كانَ عِنْدَكَ للقَضاءِ يَقينُ
مالا يَكونُ فَلا يَكونُ بحيلَةٍ ……………. أَبَداً وما هُوَ كائنٌ سَيَكونُ
يَسْعى الذَكِيُّ فلا يَنالُ بِسَعْيِهِ ………….. حَظّاً و يحظَى عاجزٌ ومَهينُ
سَيَكونُ ما هُوَ كائنٌ في وقْتِهِ ………….. وأَخُو الجَهالَةِ مُتْعَبٌ محزونُ
وقد وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنا عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّه قالَ: سَبْعُ آياتٍ: مَنْ قَرَأَها أَوْ حمَلَها مَعَهُ؛ لَوِ انْطَبَقَتِ السَماءُ على الأَرْضِ؛ لجَعَلَ اللهُ لَهُ فَرَجاً ومخْرَجاً مِنْ أَمْرِهِ، فذَكَرَ هذِهِ الآيَةَ: “قلْ لَنْ يُصيبَنا …”، وقولَهُ في سَورة يُونُس: {وَإِن يَمسَسْك اللهُ بِضُرٍ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِه} الآية: 107. وآيَتَينِ في سُورَةِ هُودٍ: {وَما مِن دآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الآية: 6، و {إنّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ رَبَي وَرَبّكُم مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الآية: 56، وقولَهُ تعالى في سورة العنكبوت: {وكأَيَّن مّنِ دَآبَّةٍ لاَّ تَحمِلُ رِزقُها اللهُ يرزُقُها وَإِيَّاكمُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} الآية: 60، وقولَهُ في سورةِ فاطرٍ {مَّا يَفتَحِ اللهُ للِنَّاسِ مِن رَّحمَةٍ فَلاَ مُمسكَ لَهَا وَمَا يَمسِك فَلاَ مُرسِلَ لَهُ مِنْ بَعدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ} الآية: 2، وقولَهُ في سورة الزُمَر: {ولَئن سَأَلتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الآية: 38.
قولُهُ تعالى: {قلْ لَنْ يُصيبَنا إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا} ما: هي الموصولة في محلِّ رفعِ فاعلِ “يصيبنا”. و “إلاَّ” أداةُ حصر، و “لنا” اللامُ هنا مُفيدةٌ معنى الاخْتِصاصِ كأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يُصيَبنا إلاّ ما اخْتَصَّنا اللهُ بِهِ بإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ النُصْرَةِ عَليكم أَوِ الشَهادَةِ. أَلا تَرى إلى قولِهِ: “هُوَ مَوْلانَا” أيْ: الذي يَتَولاّنا ونَتَولاّهُ، كما قالَ تعالى في سورة محمد ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: {ذلك بِأَنَّ اللهَ مَولى الذين آمَنوا، وأَنَّ الكافرين لا مولى لهم} الآية: 11.
وقولهُ: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} الفاءُ تَدُلُّ على محذوفٍ مُفَرَّعٍ عليْهِ اقْتَضاهُ تَقديمِ المَعمولِ، أَيْ: على اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون.
ويجوزُ في هذِهِ الجملةِ أَنْ تَكونَ مَعْطوفَةً على جملَةِ {قُلْ لَنْ يصيبَنا} فهيَ خَبرٌ في معنى الأمْرِ مِنْ كلامِ اللهِ تَعالى، أيْ: قُلْ ذلك ولا تَتَوَكَّلوا إلاَّ على اللهِ دُونَ نُصْرَةِ هؤلاءِ، أَيْ: اعْتَمِدوا على فَضْلِهِ عَليكم. ويجوزُ أَنْ تَكونَ مَعْطوفةً على جملةِ: {لَنْ يُصِيبَنَا} أيْ: قلْ لهم ذلك. أو الفاءُ زائدةٌ، واللامُ لامُ الأَمْرِ الجازِمةُ وجملة “فلْيَتَوَكَّلْ” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محَلَّ لها.
قولُه: {هُوَ مَوْلاَنَا} هذه الجملَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أَوْ مُعْتَرِضَةٌ، أَيْ: لا يُصِيبُنا إلاَّ ما قَدَّرَهُ اللهُ لَنا.
قرأ الجمهور: {لن يُصِيبَنَا} نَصْباً بِ “لن”. وحكى أبو عُبَيْدَةَ أَنَّ مِنَ العَرَبِ مَنْ يجزِمُ بها. قالَ عَمْرو بْنُ شَقيقٍ: سمعْتُ (أَعْيُنَ) قاضي الرَيِّ يَقْرَأُ. لن يُصيبَنَّا “بِتَشديدِ النُونِ”، قالَ أَبُو حاتمٍ: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النونَ لا تَدْخُلُ مَعَ “لن”، ولو كانتْ لِطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ لجازَ، لأنَّها مَعَ “هَلْ”، قالَ اللهُ تَعالى في سورةِ الحجِّ: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} الآية:: 15، فأَبو حاتمٍ يَعْني أَنَّ المُضارِعَ يَجوزُ تَوْكيدُهُ بَعْدَ أَداةِ الاسْتِفْهامِ، وابْنُ مُصَرِّفٍ يَقْْرَأُ “هل” بَدَلَ “لَنْ”، وهي قراءَةُ ابْنِ مَسْعودٍ ـ رضي اللهً عنه. وبها قرأُ أيضاً طَلْحَةُ بْنُ مصرِّفٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه.
وقد اعتُذِرَ عَنْ هَذِهِ القِراءَةِ: فإنَّها حمَلَتْ “لن” على “لم” و “لا” النافِيَتَينِ، و “لم” و “لا” يجوزُ تَوْكيدُ الفِعْلِ المَنْفِيِّ بعدَهما. أَمَّا “لا” فقد تقدَّمَ تحقيقُ الكلامِ عَلَيها في الأَنْفال، وأمَّا “لم” فقدْ سُمِعَ ذَلِكَ وأَنْشَدوا لأبي الصَمَّاءِ، مُساوِر بْنِ هِنْدٍ العَبْسِيٍّ، يصف سِقاءَ لَبنٍ:
يَحْسَبُه الجاهل ما لم يَعْلما ……………… شيخاً على كرسيِّه مُعَمَّمَا
أراد “يَعْلَمَنْ” فأبدل الخفيفةَ ألفاً بعد فتحة كالتنوين. ونُسِبَ هذا البيتُ لأبي حيَّان الفَقْعَسِيِّ. وقد وجَّهَ الزَمَخْشَريُّ هذه القراءةَ بِأََنَّ وزنَها “يُفَيْعِل” وليس “يُفَعِّل” لأنَّهُ مِنْ بناتِ الواوِ لِقَوْلهم في الصَوابُ: صابَ يَصوبُ، ومَصَاوِب، في جمعِ مَصيبةٍ، فَحَقُّ “يُفَعِّلَ” مِنْهُ “يُصَوِّب”. أَلا تَرى إلى قولهم: صَوَّبَ رَأْيَهُ، إلاَّ أَنْ يَكونَ مِنْ لُغَةِ مَنْ يَقولُ: صابَ السَهْمُ يَصيبُ كَقولِ الكُمَيْتِ الأسديِّ:
واستبي الكاعِبَ العَقيلَةَ إذْ …………… أَسْهُمِيَ الصائِبات والصُّيُب
يَعني أَنَّ أَصْلَهُ صَوْيِب فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهما بالسُكونِ، فقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدغم فيها، وقد تقدَّمَ مثلُ ذلك في تحيَّزَ، بأنَّ أَصْلَهُ تَحَيْوَز. وأَمَّا إذا أَخَذْناهُ مِنْ لُغَةِ مَنْ يَقولُ: صابَ السَهْمُ يَصيبُ فهوَ مِنْ ذواتِ الياءِ فَوَزْنُهُ على هذِهِ اللَّغَةِ فَعَّلَ.

فيض العليم … سورة التوبة، الآية: 50


إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
(50)
قولُهُ ـ جلَّ وعلا: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} الْحَسَنَةُ: الْعَافِيَةُ وَالرَّخَاءُ وَالْغَنِيمَةُ، فالحديثُ ما زالَ عَنْ غَزْوَةِ تَبوكٍ، وما كانَ مِنْ أَمْرٍِ المُنافقين فيها، فإنَّ هَؤُلاَءِ المنافقين (جَدَّ وأَصحابَه)، تَسُوؤُهُمْ أَيَّةُ حَسَنَةٍ أَوْ نَصْرٍ أَوْ فَتْحٍ يُصِيبُهُ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ. فقَدْ أَخْرَجَ سُنَيْدُ، وابْنُ جَريرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي اللهُ عنهما: “إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم” يَقولُ: إنْ تُصِبْكَ في سَفَرِكَ هَذا لِغَزْوَةِ تَبُوكٍ “حَسَنَةٌ تَسُؤْهم” قال: الجَدُّ وأصحابُه.
قولُهُ: {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} وَإِذَا أَصَابَتِ الرَُّسولَ وَالمُؤْمِنِينَ مُصِيبَةٌ، أَوْ بلاءٌ وشِدَّةٌ، يَقُولُونَ قَدِ احْتَطْنَا لأَمْرِنَا، وَأَخَذْنَا حِذْرَنَا إِذْ تَخَلَّفْنَا عَنِ القِتَالِ، وَلَمْ نُلْقِ بَأَيْدِينَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، وكانوا يَبُثُّونَ الشائعاتِ السَيِّئَةَ عن النبيِّ وأصحابه المجاهدين في تبوك، مما كانوا يَتَمَّنونَه لهم ويحلَمونَ به مِنْ مَصير. فقد أخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَعَلَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِالْمَدِينَةَ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَارَ السُّوءِ، يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ جَهَدُوا فِي سَفَرِهِمْ وَهَلَكُوا، فَبَلَغَهُمْ تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ، وَعَافِيَةُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابِهِ فَسَاءَهُمْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: “إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ”.
وقُوبِلَتِ الحَسَنَةُ هُنا بالمُصيبةِ، ولم تُقابَلْ بالسَيِّئَةِ كَما قالَ سُبحانه في سورةِ آل عُمران: {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} الآية: 120. لأنَّ الخِطابَ هُنا للنَبيِّ ـ صَلى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وهُو هُناك للمُؤمنين، وفَرْقٌ بَينَ المُخاطَبَينِ، فإنَّ الشِدَّةَ لا تَزيدُهُ ـ صَلَّى اللهُ عليْه وسلَّم، إلاَّ ثَواباً، فإنَّهُ المَعْصُومُ في جميعِ أَحْوالِهِ.
قولُهُ: {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} وَيَتَوَلَّواْ: عنْ مجلِسِ الاجْتِماعِ والتَحَدُّثِ إلى أَهاليهم أوْ يُعرِضوا عن النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، وَيَنْقَلِبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ فَرِحِينَ بِمَا اجْتَنَبُوهُ مِنَ المَصَائِبِ، وَبِالشَّمَاتَةِ بِالنَّبِيَِّ وَالمُسْلِمِينَ.
قولُهُ تعالى: {ويتولَّوا وهم فرحون} جملة: “يتولَّوا” معطوفة على جملة “يقولوا”، وجملة: “وهم فرحون” في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِن الواوِ في : “يقولون” و “يتولوا” فإنَّ الفَرَحَ مُقارِنٌ للأمرَيْنِ مَعاً. وإنَّما لمْ يُؤْتَ بالشَرْطِيَّةِ الثانيةِ على طِرازِ الأُولى بِأَنْ يُقالَ: وإنْ تُصِبْكَ مُصيبةٌ تَسُرُرْهُم، بَلْ أُقيمَ ما يَدُلُّ على ذَلكَ مَقامَهُ مُبالَغةً في فَرْطِ سُرورِهم، مَعَ الإيذانِ بأَنهم في مَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ سُوءِ صَنيعِهم لاقْتِضاءِ المَقامِ ذلك.
وإيثارُ الجُمْلةِ الاسميَّةِ “هم فرحون” للدِلالة على دوام السرورِ، وإسنادُ المَساءةِ إلى الحَسَنَةِ والمَسَرَّة إلى أَنْفُسِهم دونَ المُصيبةِ، بأنْ يُقالَ: وإنْ تُصِبْكَ مُصيبةٌ تَسْرُرْهم للإيذانِ باختِلافِ حالَيْهم، حالتي عُروضِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ بأَنَّهم في الأُولى مُضْطرّون وفي الثانية مختارون.

فيض العليم …. سورة التوبة، الآية: 49


وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ
(49)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي} وَمِنَ المُنَافِقِينَ، مَنْ يَقُولُ لَكَ: ائْذَنْ لنا فِي القُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ، لأَنَّا قاعِدونَ أَذِنْتَ لَنا أَمْ لمْ تَأْذَنْ، فأْذَنْ لَنا لِئَلاَّ نَقَعَ في المَعْصِيَةِ. ولَعَلَّهم قالوا ذَلِكَ لِعِلمهم بِرِفْقِ النبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ، وهذا مِنْ أَكْبَرِ الوَقاحَةِ لأنَّ الإذْنَ في هذِهِ الحالَةِ ك لا إذْن.
وقيل هُوَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ المُنَافِقِينَ، قالَ ذلك لأَنَّهُ يخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُفْتَتنَ بِنِسَاءِ الرُّومِ (بَنِي الأَصْفَرِ)، إِذَا رَآهُنَّ. فقدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَردويْهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: “يَا جَدُّ، هَلْ لَكَ فِي جِلادِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ قَالَ جَدُّ: أَوَ تَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَإِنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّسَاءَ وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ أَنَا رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَرِ أَنْ أَفْتَتِنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا”. وأَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَبرانيُّ، وابنُ مَرْدَوَيْهِ، وأَبو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما مثلَه. وأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَويْهِ عَنِ السيدةِ عائشة ـ رضي اللهُ عنها، مثلَ ذلك. وأَخرَجَه ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأَبو الشَيْخِ، عنْ مجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، دونَ أنْ يسمّيَ أحداً.
وأَخْرَجَ ابْنُ اسْحَقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائلِ النبوّةِ مِنْ طَريقِهِ عِنْ عاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وعنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَلَّما كان يخرُجُ في وَجْهٍ مِنْ مَغازيهِ إلاَّ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُريدُ غيرَهُ، غيرَ أَنَّهُ في غَزْوَةِ تَبوكٍ قال: ((أَيُّها الناسُ إني أُريدُ الرُومَ فأعْلَمَهم، وذَلِكَ في زَمانِ البأْسِ وشِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ وجَدْبِ البِلادِ، وحينَ طابَتِ الثِمارُ، والناسُ يُحِبُّونَ المَقامَ في ثمارِهم وظلالهم، ويَكْرَهونَ الشُخوصَ عَنْها، فبَيْنَما رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ذاتِ يَوْمٍ في جِهازِهِ إذْ قالَ للجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ هلْ لَكَ في بَناتِ بَني الأَصْفَرِ؟ قال: يا رسولَ اللهِ لَقَدْ عَلِمَ قَوْمي أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدُّ عُجْباً بالنِساءِ مِني، وإني أَخافُ إنْ رَأَيْتُ نِساءَ بَني الأَصْفَرِ أَنْ يَفْتِنَّني، فَأْذَنْ لي يا رَسولَ اللهِ. فأَعْرَضَ عَنهُ رَسولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وقالَ: قدْ أَذِنْتُ. فأَنْزَلَ اللهُ: “ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا” يقولُ: ما وَقَعَ فيهِ مِنَ الفِتْنَةِ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَغْبَتِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم، أَعْظَمُ ممّا يَخافُ على نفسِه مِنْ فِتْنَةِ نِساءِ بَني الأَصْفَرِ.
قولُهُ: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} يَقُولُ تَعَالَى: لَقْدَ سَقَطَ هَؤُلاَءِ فِي فِتْنَةٍ أَعْظَمَ بِاعْتِذَارِهِمْ بِمَعَاذِيرَ كَاذِبَةٍ، وَبِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَبِالرَّغْبَةِ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ.
وَقَدْ جِيءَ بأَدَاةِ الاسْتِفْتَاحِ “أَلاَ” للتَنْبيهِ على ما بَعْدَها مِنْ عَجيبِ حالهمْ إذْ عامَلَهُم اللهُ بِنَقِيضِ مَقْصودِهم فهُمْ احْتَرَزوا عَنْ فِتْنَةٍ فوَقَعوا في الفِتْنَةِ. فالتَعريفُ في “الفِتَنْةِ” ليس تعريفَ العَهْدِ إذْ لا مَعْهودَ هُنَا، ولكنَّهُ تَعريفُ الجِنْسِ المُؤْذِنِ بِكَمالِ المُعَرَّفِ في جِنْسِهِ، أَيْ في الفِتْنَةِ العَظيمَةِ سَقَطوا، فأَيَّ وَجْهٍ فُرِضَ في المُرادِ مِنَ الفِتْنَةِ حينَ قالَ قائلُهم “وَلاَ تَفْتِنِّي” كانَ ما وَقَعَ فيهِ أَشَدَّ، فإنْ أَرَادَ فِتْنَةَ الدِينِ فَهو واقعٌ في أَعْظَمِ الفِتْنَةِ بالشِرْكِ والنِفاقِ، وإنْ أَرادَ فِتْنَةَ سُوءِ السُمْعَةِ بالتَخَلُّفِ فَقَدْ وَقَعَ في أَعْظَمَ بافْتِضاحِ أَمْرِ نِفاقِهِ، وإنْ أَرادَ فِتْنَةَ النَكَدِ بِفِراقِ الأَهْلِ والمالِ، فقد وَقَعَ في أَعْظَمِ نَكَدٍ بِكَوْنِهِ مَلْعوناً مَبْغُوضاً من الناسِ.
والسُقُوطُ مُسْتَعْمَلٌ هنا مجازاً في الكَوْنِ فَجْأَةً على وَجْهِ الاسْتِعارَةِ: فشُبِّهَ ذَلِكَ الكونُ بالسُقوطِ المفاجئ حالَ عَدَمِ التَهَيُّؤِ لَهُ، باعتِبارِ أَنهم وقعوا في الفِتْنَةِ في حالِ أَمْنِهم مِنَ الوُقوعِ فيها، فهُم كالساقِطِ في هُوَّة وهو يَظُنُّ أنَّهُ يمشي في طَريقٍ مسَهَّلٍ مُذَلَّلٍ.
قولُهُ: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَلاَ مَحِيصَ وَلاَ مَهْرَبَ، وَكَفَى بِهَا نَكَالاً وَوَبَالاً.
والمرادُ بإحاطَةِ جَهَنَّمَ بالكافرين عَدَمُ إفْلاتهم مِنْها، فالإحاطَةُ كِنايةٌ عَنْ عَدَمِ الإفْلاتِ. والمُرادُ بالكافرينَ: جميعُهم فيَشْمَلُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُمْ لِثُبوتِ كُفْرِهم بقولِهِ في الآيةِ الخامِسَةِ بَعدَ الأَرْبعينَ مِنْ هذِهِ السُورَةِ: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}.
وقد عُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَميرِهم إلى الإتْيانِ بالاسْمِ الظَاهِرِ في قولِهِ: “لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ” لإثباتِ إِحاطَةِ جَهَنَّمَ بهم بِطَريقٍ شَبيهٍ بالاسْتِدْلالِ، لأنَّ شمولَ الاسْمِ الكُلِيِّ لِبَعْضِ جُزْئيَّاتِهِ أَشْهَرُ أَنْواعِ الاسْتِدْلالِ.
قولُهُ تَعالى: {لا تَفْتِنِّي} فعلٌ مُضارِعٌ مجْزومٌ وعلامةُ جزمِه السكونُ على النونِ الأولى من المشدَّدةِ، والنُونُ الثانية للوقايةِ.
قولُهُ: {ألا في الفتنةِ سقطوا} ألا: حرفُ تَنْبيهٍ. وجملةُ “سقطوا” مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها.
قولُهُ: {وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطةٌ بالكافِرينَ} الواوُ عاطِفَةٌ، والجارُّ والمجرورُ “بالكافرين” مُتَعَلِّقٌ بخبرِ “إنَّ” أَيْ: “محيطةٌ”. وهذِهِ الجُملةُ قِيلَ إنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْضاً، وقيلَ هيَ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أَيْ: وقَعوا في الفِتْنَةِ المُفْضِيَةِ إلى الكُفْرِ. والكُفْرُ يَسْتَحِقُّ جَهَنَّمَ.
قرأَ الجمهورُ: {ولا تفتنّي} من “فَتَنَ” الثلاثيِّ، وقرأَ عيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وإسماعيلُ المَكِيُّ ـ فيما روى عنْهُ ابْنُ مجاهدٍ: “ولا تُفْتِنِّي” بِضَمِّ حَرْفِ المُضارعة مِنْ أَفْتَنَهُ رُباعيّاً. قالَ أَبو حاتم: “هي لغةُ تميم”. وقيلَ: أَفْتَنَهُ: أَدْخَلَه فيها. وقد جمعَ الشاعرُ أعشى همدان بين اللُّغتين فقال:
لئن فَتَنَتْني فهي بالأمس أَفْتَنَتْ ……. سَعيداً فأَمْسى قَدْ قَلا كُلَّ مُسْلِمِ
وبعده:
وأَلْقى مَفاتيحَ القِراءَةِ واشْتَرى ……… وصالَ الغواني بالكِتابِ المُنَمْنَمِ
وقولُه: {ومنهم مَنْ يَقُولُ ائذن} كقولِهِ في سورة الأعراف: {يَا صَالِحُ ائتنا} الآية: 77. مِنْ أَنَّه يجوزُ تحقيقُ الهمزةِ ويجوزُ إبدالُها واواً لِضِمِّ ما قَبْلَها، وإنْ كانتْ في كَلِمَةٍ أُخْرى. وهذِهِ الهَمْزَةُ هي فاءُ الكَلِمَةِ، وقد كانَ قبلَها همزةُ وَصْلٍ سَقَطتْ دَرْجاً. أي إذا دَخَلَتْ واوُ العطفِ أوْ فاؤهُ على هذِهِ اللفْظَةِ اشْتَدَّ اتِّصالُهما بها فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصلِ المحذوفةِ دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صُورةٌ فتكتب “فَأْذَنْ، وَأْذَنْ”، فهذه الأَلِفُ مِنْ صورةِ الهمزةِ التي هي فاءُ الكَلِمَةِ. وإذا دَخَلَتْ عَلَيْها “ثم”، كُتِبَتْ كذا: {ثُمَّ ائتوا}، فاعتدُّوا بهمزَةِ الوَصْلِ فرَسموا لها صورةً. وكأنَّ هذا الحُكمَ مع “ثم” يختَصُّ بهذه اللفظة، وإلاَّ فَغيرُها مما أوَّلُهُ همزةٌ تَسْقُطُ صُورَةُ همزةِ وَصْلِه خَطَّاً فيُكْتَبُ الأَمْرُ مِنَ الإِتْيانِ مَعَ “ثم” هكذا: “ثمَّ أْتُوا” وكان القياسُ على “ثمَّ ائْذَنْ”: “ثم ائتوا”. ومُتَعَلَّقُ الإِذْنِ القُعودُ، أَيْ: ائْذَنْ لي في القُعُودِ عَنِ العَدُوِّ ولا تَفْتِنِّي بخُروجي مَعَكَ.

فيض العليم … صورة التوبة، الآية: 47


ولَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
(47)
قولُهُ ـ تعالى جَدُّهُ: {ولَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أيْ: لو خَرَجوا في جَيْشِكم وفي جمعِكم. وقيلَ: “في” بمعنى “مع”، أَيْ: لو خَرَجوا مَعَكم. و “خَبَالاً” أَيْ: شَرّاً وَفَسَاداً، أَوْ عَجْزاً وَضَعْفاً، والخبالُ هو الفَسادُ في الرأيِ والتدبير.
يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِيِ هَذِهِ الآيَةِ أَسْبَابَ كَرَاهِيَتِهِ خُرُوجَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ إِلَى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِهِ ـ صلى الله عليه وسَلَّمَ، لأَنَّهُمْ لو خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لأَحْدَثوا فيهُمُ الضعفَ والاضْطِرَابَ بين صفوفهم، وذلك لأَنَّهُمْ جُبَنَاءُ مَخْذُولُونَ،
قولُهُ: {وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أيْ: ولأَسْرَعُوا بِالسَّعْيِ بَيْنَكُمْ بِالدَّسائسِ، وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ وَالوَقِيعَةِ، وَلسعوا بالنَّمِيمَةِ لإِفْسَادِ مَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنْ رَوَابِطِ الأُخُوَّةِ. يُقالُ: والإيضاعُ: الإسراع، فوَضَعَتِ الناقةُ تَضَعُ: أَسْرعت، وأَوْضَعْتُها، إذا جَعَلتُها تُسْرِعُ. ومنه أَوْضَعَ البعيرُ، أَيْ: أَسْرَعَ في سَيْرِهِ كما في قولِ امرُئِ القيس:
أَرانا مُوضِعينَ لأَِمْرِ غَيْبٍ …………….. ونُسْحَرُ بالطَعامِ وبالشرابِ
وقال دريد بن الصِّمَّةِ في يوم غزوة حنين، وكان يومئذٍ شيخاً كبيراً: منهوك الرجز
يا لَيْتَني فيها جَذَعْ ………………………….. أَخُبُّ فيها وأَضَعْ
والخِلالُ: جمعُ خَلَلٍ، وهُوَ الفُرْجَةُ بَينَ الشيئين، ويُسْتَعارُ في المعاني فيُقالُ: هذا أَمْرٌ فيه خَلَلٌ.
قولُهُ: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وَالسبُبُ في نجاحِهِم فيما يَرْمونَ إليْهِ وُجودُ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ، ويَتَأَثَّرُ بِهِمْ، مِنْ ضِعَافِ الإِيمَانِ، وَضِعَافِ العَزَائِمِ، بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى وُقُوعِ الشَّرِّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
قولُه: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} وَاللهُ يَعْلَمُ الظَّالِمِينَ، وَمَا يُبَيِّتُونَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ لَوْ خَرَجُوا مَعَهُمْ إِلَى الغَزَاةِ. وهذا تذييلٌ قُصِدَ منه إعلامُ المسلمين بأنَّ اللهَ يَعلمُ أَحوالَ المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر، وليتوسموا فيهم ما وسمهم القرآن به، وليعلموا أن الاستماع لهم هو ضرب من الظلم.
والظلم هنا الكفر والشرك لقولِه تعالى في سورة لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} الآية: 13.
وجاء في أَسْبابِ النُزولِ ما أخرج الشيخُ الواحِدِيُّ عَنِ السُدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رسول اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، لما خَرَجَ عَسْكَرُهُ على ثِنْيَةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ بْنِ سَلولٍ عَسْكَرُهُ على ذِي حده أَسْفَلَ مِنْ ثِنْيَةِ الوَداعِ ولم يَكُنْ بِأَقَلِّ العَسْكَريْن، فلَمَّا سارَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، تَخَلَّفَ عَنْهُ عبدُ اللهِ ابْنُ أُبيٍّ بمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ المُنافقين وأَهْلِ الرِيَبِ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى يُعَزِّي نَبِيَّهُ: “لَو خَرَجوا فيكُم مّا زادُوكُم إِلاَّ خبالاَ”.
قولُهُ تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} هذه الجُملةُ اسْتِئْنافٌ بيانيٌّ لجُمْلَةِ {كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} مِنَ الآيَةِ السابِقَةِ لِبَيانِ الحِكْمَةِ مِنْ كَراهِيَةِ اللهِ انْبِعاثَهم، وهيَ إرادةُ اللهِ سَلامَةَ المُسْلِمينَ مِنْ إضْرارِ وُجودِ هؤلاءِ المنافقينَ بَينَهم، لأَنَّهم كانوا يُضْمِرون للمسلِمين المَكْرَ بهم وخَديعتَهم فيما لو أنَّهم خَرَجوا للغَزْوِ مُرْغَمين.
وقولُهُ: {ما زادوكم إِلاَّ خَبَالاً} الكافُ مفعولٌ “زاد” الأوَّلُ والثاني محذوفٌ تقديرُه: شيئاً، و “خَبالاً” منصوبٌ على الاستثناءِ ب “إلاَّ”. وجَوَّزوا في هذا الاسْتِثْناءِ أَنْ يَكونَ مُتَّصِلاً وهُو مُفَرَّغٌ؛ لأََنَّ “زاد” يَتَعَدَّى لاثْنَينِ. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: المُسْتَثْنى مِنْهُ غيرُ مَذْكورٍ، فالاسْتِثْناءُ مِنْ أَعَمِّ العامِّ الذي هُوَ الشَيْءُ، فكانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلاً، فإنَّ الخَبالَ بَعْضُ أَعَمِّ العامِّ كَأَنَّهُ قِيلَ: ما زَادوكُم شَيْئاً إلاَّ خَبالاً. وجَوَّزُوا فِيهِ أَنْ يَكونَ مُنْقَطِعاً، والمَعْنى: ما زَادوكمْ قُوَّةً ولا شِدَّةً ولكنْ خَبالاً، وهذا يجيءُ على قولِ مَنْ قالَ إنَّه لمْ يَكُنْ في عَسْكرِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، خَبالٌ أبَداً. وفيهِ نَظرٌ؛ لأنَّهُ إذا لم يَكُنْ في العَسْكَرِ خبالٌ أَصْلاً فَكَيْفَ يُسْتَثنى شَيءٌ لمْ يَكُنْ ولم يُتَوَهَّمْ وُجودُهُ؟!
وقالَ بَعْضُهم: هو اسْتِثْناءٌ مَنْقَطِعٌ، أَيْ: ما زادوكم شَيْئاً، لكنْ خَبالاً يُحدِثُونَهُ في عَسْكَرِكم بخُروجِهم. قالَ ذَلكَ لِئلاَّ يَلْزَم أَنَّ الخَبالَ واقعٌ في عَسْكَرِ المُسلِمينَ، لكنَّ خُروجَهمْ يَزيدُ فيه. وفيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ المَفَرَّغَ لا يَكونُ مُنْقَطِعاً، ويمكنُ هُنا أَنْ يَكونَ مُتَّصِلاً؛ لأنَّ غَزْوَةَ تَبوكٍ خَرَجَ فيها كَثيرٌ مِنَ المُنافِقين، فحَصَلَ الخَبالُ، فَلو خَرَجَ هؤلاءِ القاعدون المُسْتَأْذنونَ في التَخَلُّفِ، لَزَادَ الخبالُ بوجودِهم.
قولُهُ: {لأوْضَعوا خِلاَلَكُمْ} مَفعولُ “أَوْضَعُوا” محذوفٌ، أَيْ: أَوْضَعوا رَكائبَهم لأَنَّ الراكِبَ أَسْرَعُ مِنَ الماشي. و “خلالَ” مَنْصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ المكانيَّةِ.
قولُهُ: {يَبْغُونَكُمُ الفتنة} الفِتْنَِةَ: مفغولٌ به ل “يبغونَ” والكافُ نَصْبٌ على نَزْعِ الخافِضِ، أَيْ: يَبْغونَ لَكم. والجُمْلَةُ في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ فاعِلِ “أََوْضَعوا”، أَيْ: لأَسْرَعوا فيما بَيْنَكم حالَ كونِهم باغينَ، أَيْ: طالِبينَ لَكُمُ الفِتْنةَ.
قولُهُ: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} التَقديرُ: لَوْ خَرَجوا إليْهِمْ فِيكم. أوْ إلى حيْثُ يُريدونَ. و “في” للظَرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، وتَعَلُّقها بالفِعْلِ مِنْ تَعَلُّقِ الظَرْفِ بِهِ. وجملةُ “وفيكم سماعون” في محلِّ نَصْبِ حالٍ مِنْ فاعِلِ “يبغونكم”. ويجوزُ أَنْ تَكونَ مُسْتَأْنَفَةً، والمعنى: أَنَّ فيكم مَنْ يَسْمَعُ لهم ويُصْغِي لقولِهم. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ المُرادُ: وفيكم جَواسيسُ مِنْهم يَسْمَعونَ لهم الأَخْبَارَ مِنْكم، فاللامُ على الأَوَّلِ للتَقْوِيَةِ لِكونِ العامِلِ فَرْعاً، وفي الثاني للتَعْليلِ، أيْ: لأَجْلِهم. وجملة: “يبغونكم”: حالٌ مِنْ فاعلِ “أَوْضَعُوا”.
ورُسِم في المُصْحَفِ “ولا أَوْضَعُوا خلالكم” بِأَلِفٍ بَعْدَ “لا”، قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: كانَتِ الفَتْحَةُ تُكْتَبُ أَلِفاً قَبْلَ الخَطِّ العَرَبيِّ، والخَطُّ العَرَبيُّ اخْتُرِعَ قريباً مِنْ نُزولِ القُرآنِ، وقد بَقِيَ مِنْ ذلك أَثَرٌ في الطِباعِ فَكَتَبوا صُورَةَ الهَمْزَةِ أَلِفاً وفَتْحَتَها أَلِفاً أُخْرى، ونحوه في سورة النملِ: {أَوْ لا أَذْبَحَنَّهُ} الآية: 21. يَعْني في زيادةِ أَلِفٍ بَعْدَ “لا”، وهذا لا يجوزُ القِراءَةُ بِهِ، ومَنْ قَرَأَهُ مُتَعَمِّداً يَكْفُرُ.
قرأ العامَّةُ: {ما زادَوكم إلاَّ خَبالاً} وقرأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ وقرأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ “ما زادَكم” أيْ: ما زادكم خروجهم.
وقرأَ العامَّةُ” {لأوضَعوا} وقد تقدَّمَ أنَّ معناها “لأسرعوا”، وقَرَأَ مجاهدٌ ومحمَّدُ بْنُ زَيْدٍ: “لأَوْفَضوا” والمعنى هُوَ الإِسراعُ أَيْضاً ومِنْه قولُهُ تعالى في سورةِ المعارج: {إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} الآية: 43، وقَرَأَ ابْنُ الزُبيرِ: “لأَرْفَضُوا” بالراءِ، والفاءُ والضادُ المُعْجَمَةُ مِنْ رَفَضَ رفضاً ورفضاناً، أَيْ: أَسْرَعَ أَيْضاً، ومن ذلك قولُ حَسَّان بْنِ ثابتٍ الأنصاريِّ ـ رضي اللهُ عنْه:
بزجاجةٍ رَفَضَتْ بما في جَوْفِها …….. رَفْضَ القَلوصِ بِرَاكِبٍ مُسْتَعْجِلِ

فيض العليم … صورة التوبة، الآية: 46


وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ
(46)
قولُهُ ـ سبحانَهُ وتعال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} أيْ: لَوُ أَنَّهُمٍ أَرَادُوا أن يَخرُجوا مَعَكَ للجِهَادِ في سبيلِ اللهِ، وَصَحَّتْ منهم نيَّةُ الخُرُوجِ مَعَكَ، لَكَانُوا تَأَهَّبُوا لَهُ مِنْ قبلُ، وَأَعَدُّوا له عُدَّةَ السفرِ والحَرْبَ، وبهذا يُكَذِّبُ اللهُ زَعْمَهم في أَنَّهم كانوا يريدون الغَزْوَ، ثمَّ عَرَضَتْ لهُمْ الأَعْذارَ فأتوا يستأذِنوا في القُعودِ لأنَّ عَدَمَ إعْدادِهمُ عِدَّةَ الجهادِ دَلَّ على عَدَمِ إرادتِهِمُ الخَروجَ إلى قتالِ العدوِّ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} وَلَكِنَّ اللهَ كَرِهَ نهوضَهم وخُرُوجَهُم مَعَكَ، وكراهيةُ اللهِ انْبِعاثَهم: رِفْقٌ بالمؤمنينَ. وإنَّما كَرِهَ اللهُ انبعاثَهم لِوقوعِ الفَشَلِ بِتَخاذُلِهم إذا كانوا في صفوف المؤمنين كَما فعل عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلولٍ، وأصحابهُ يومَ أُحُدٍ. والانْبِعاثُ: مِنْ بَعَثَهُ إذا أَرْسَلَهُ، وهو الانطلاقُ في الأَمْرِ، يُقال بَعَثْتُ البَعيرَ فانْبَعَثَ وبَعَثْتُهُ لأَمْرِ كذا فانْبَعَثَ، وبعثَهُ لأمْرِ كَذا أَيْ نَفَذَهُ فيه. وفي استعمالِ هذا المصدرِ ما يصوِّرُ بطءَ حركتِهم وثقلها، أَوْضَحَ تَصويرٍ، وهُم يحاولونَ النهوضَ بتثاقلٍ وتكاسُلٌ ويُعَبِّرُ عنْ حالِهم أَبْلَغَ تَعبيرٍ، وهو ما انفردَ به هذا القرآنُ العظيمُ. و “فَثَبَّطَهُمْ” أيْ: فَحَبَسَهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكُمْ وَعَوَّقَهُمْ وشلَّ حركتَهم، وَثَنَى عَزَائِمَهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وقد جاءَتْ هذه المفردةُ رصداً لحالهم في الحيرةِ والتردُّدِ المذكورِ في الآيةِ السابقةِ، ومتابعةً ل “انبعاثهم” فالمُتَرَدِّدُ يَكونُ ثقيلَ الحركة بطيء السرعةِ يقدِّمُ رجلاً ويؤخِّر أخرى، لذلك كانَ هذا الكتابُ الكريمُ مُعْجِزاً في كُلِّ لفظةٍ مِنْ أَلفاظِه، وفي كلِّ صورة من صورِه. والتَّثْبيطُ: هو التَّعْويق، فيُقالُ: ثَبَّطْتُ زَيْداً أَيْ: عُقْتُهُ عَمَّا يُريدُ، وهو مِنْ قولهم: ناقةٌ ثَبِْطَةٌ، أَيْ بَطِيئَةُ السَيْرِ. والمُرادُ بقولِهِ “اقعدوا” التَّخْليَةُ، وهوَ كِنايةٌ عَنْ تَباطُئِهم، وأَنَّهم تَشَبَّهوا بالنِساءِ أَوِ الصِبْيانِ والزَمْنى وذَوي الأَعْذارِ، وليس المُرادُ قُعوداً. وهو كَقولِ الحُطَيْئَةِ حين هْجا الزِبْرِقانَ بْنَ بَدْرٍ التميميِّ، مُناضِلاً عَنْ بَغيضِ بْنِ شَمَّاسٍ:
دَعِ المكارِم لا تَرْحَلْ لِّبُغْيَتها …….. واقعُدْ فإنَّك أَنْتَ الطاعِمُ الكاسِي
فحَبَسَهُ على ذلكَ أَميرُ المؤْمِنينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ. بعد أنْ أخذ مشورةَ حسّان بنِ ثابتٍ الفنيَّةَ في مُسْتَوى هذا الهجاءِ، فقالَ: (إنَّهَ سَلَحَ عَلَيْهِ) وإذاً فقد استحقَّ العقوبة لِوُقوعِهِ في عرضِ امرئٍ مسلمٍ، بل وصحابيٍّ جليلٍ، ومنها:
والله ما مَعْشرٌ لامُوا امْرأً جُنُباً ……… في آلِ لأْيِ بْنِ شَمَّاسٍ بأَكْياسِ
ما كان ذنبُ بَغِيضٍ لا أبالكُم …….. في بائسٍ جاءَ يَحْدُو آخِرَ الناسِ
لقد مَرَيْتُكُم لو أَنَّ دِرَّتَكم ……….. يوْماً يَجيءُ بها مَسْحِي وإِبْسَاسِي
وقدْ مَدَحْتُكُمُ عَمْداً لأُرْشِدَكم …… كَيْما يَكونُ لَكُمْ مَتْحِي وإِمراسِي
لمَّا بَدا ليَ مِنْكم غَيْبُ أَنْفُسِكم ……….. ولم يَكُنْ لجِراحي فيكُمُ آسِي
أَزْمعْتُ يَأْساً مُبِيناً مِنْ نَوَالِكُمُ ………. ولَنْ يُرَى طارِداً للحُرِّ كالْياسِ
إلى أَنْ يقولَ مخاطباً الزبرقان:
دَعِ المكارمَ لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِها …….. واقْعُدْ فإِنَّكَ أَنْتَ الطاعِمُ الكاسِي
مَن يَفْعَلِ الخَيرَ لا يَعْدَمْ جَوَازِيَه ……. لا يَذْهَبُ العُرْفُ بين اللهِ والناسِ
ما كانَ ذَنْبيَ أَنْ فَلَّتْ مَعَاوِلَكم ……. مِنْ آلِ لأْيٍ صَفَاةٌ أَصْلُها رَاسِي
قد ناضَلُوكَ فسَلُّوا من كنَائِنهم ……….. مجداً تَلِيداً ونَبْلاً غيرَ أَنْكاسِ
والزِبْرِقانُ: هو الحُصَينُ بْنُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَهْدَلَةَ التَميمي، وإنَّما قِيلَ لَهُ الزِبْرِقانُ لِحُسْنِهِ، والزِبْرِقانُ: القمرُ، وقيلَ: إنَّما قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لأنَّه لَبِسَ عِمامَةً مُزَبْرَقَةً بالزَعْفَران.
قولُه: {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} القُعُودُ؛ هنا: هو عبارة عَنِ التَخلُّفِ، فقد قِيلَ لَهُمْ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالْعَجَزَةِ وَالشُّيُوخِ. وهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكونَ حِكايةً عَنِ الله، أيْ: قالَ اللهُ لهم في سابِقِ قَضائِهِ: اقْعُدوا مَعَ القاعِدينَ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يكونَ حكايةً عَنْهم أنفسهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكونَ عِبارةً عَنْ إِذْنِ النبيِّ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ، لهم في القُعودِ، أَيْ: لمَّا كَرِهَ اللهُ خُروجَهم، يَسَّرَ أَنْ قُلْتَ لهم: اقْعُدوا مَعَ القاعدين.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ} عطفٌ على جملةِ {فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} مِنَ الآيَةِ التي قَبْلَها. وقيلَ هيَ جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قوله: {ولكن كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ} اسْتِدراكٌ على ما دَلَّ عليهِ شَرْطُ “وَلَوْ” مِنْ فَرْضِ إرادَتِهِمُ الخُروجَ، وهذا الاستدراكُ لتأْكيدِ انْتِفاءِ وُقوعِ إرادةِ الخروجِ بإثباتِ ضِدِّهِ، واسْتِعمالُ الاسْتِدْراكِ كذلكَ بَعدَ “وَلَوْ” استعمالٌ معروفٌ في كلام العربِ ومنه قولُ الغَطَمَّشِِ الضَبِّيِّ:
أَخِلاَّيَ لَوْ غَيْرُ الحِمَامِ أَصابَكُمْ … عَتَبْتُ وَلكِنْ ما عَلَى المَوْتِ مَعْتَبُ
وقبله:
إلَى اللهِ أشكُو لاَ إلى النّاسِ أنَّني … أرَى الأرْضَ تَبْقى وَالأَخِلاَّءُ تَذْهَبُ
ومن ذلك قولُ أُبيِّ بْنِ سُلْمِيِّ بْنِ رَبيعةَ الضَبِّيُّ يَصِفُ خَيْلاً:
فلو طارَ ذُو حافرٍ قبلَها …………………… لَطارَتْ ولكِنَّهُ لمْ يَطِرْ
وقبلهُ:
وَخَيْلٍ تَلاَفَيْتُ رَيْعانَها ………………….. بِعِجْلِزَةٍ جَمَزَى الْمُدَّخَرْ
سَبُوحٍ إذَا اعْتَرَضَتْ ِفي الْعِنَانِ ……………. مَرُوحٍ مُلَمْلَمَةٍ كَالحَجَر
العِجْلِزَةُ: العَريضَةُ مِنَ الخيلِ، والجَمْزى: السريعةٌ، من الجمزِ وهو نوعٌ من السيرِ أشدُّ منَ العَنَقِ.
إلاَّ أَنَّ اسْتِدْراكَ ضِدِّ الشَرْطِ في الآيَةِ كانَ بِذِكْرِ ما يُساوِي الضِدَّ: وهُوَ تَثْبيطُ اللهِ إيَّاهم، تَوْفيراً لِفائدَةِ الاسْتِدْراكَ بِبَيانِ سَبَبِ الأَمْرِ المُسْتَدْرَكِ، وجَعَلَ هَذا السَبَبَ مُفَرَّعاً على عِلَّتِهِ: وهيَ أَنَّ اللهَ كَرِهَ انْبِعاثَهم، فَصِيغَ الاسْتِدْراكُ بِذِكْرِ عِلَّتِهِ اهْتِماماً بها، وتَنْبيهاً على أَنَّ عَدَمَ خُروجِهم كانَ حِرْماناً لهم مِنَ اللهِ تعالى، وعِنايَةً بالمُسْلمين، فجاءَ الكلامُ نَسيجاً مفيداً بَديعاً.
وهذا الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمل؛ ولذلك قالَ الزمخشري: (فإنْ قُلْتَ: كيفَ مَوْقِعُ حَرْفِ الاسْتِدْراكِ؟ قُلْتُ: لمَّا كان قولُه: “وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج” مُعْطِياً نَفْيَ خُروجِهم واسْتِعدادَهم للغَزْوِ، قيلَ: ولكنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم، كأنَّهُ قيلَ: ما خَرَجوا ولكنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُروجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهم، كَما تَقولُ: ما أَحْسَنَ زَيْدٌ إليَّ ولكنْ أَسَاءَ إليّ). يَعني أَنَّ ظاهرَ الآيَةِ يَقْتَضي أَنَّ ما بَعْدَ “لكن” مُوافقٌ لما قبلَها، وقد تَقَرَّرَ فيها أَنَّها لا تَقَعُ إلاَّ بَينَ ضِدَّيْنِ أَوْ نَقيضَينِ أَوْ خِلافَينِ، على خِلافٍ في هذا الأَخيرِ فلِذلكَ احْتاجَ الأمرُ إلى الجَواب المذكورِ. وقالَ أَبو حيّان الأندلسيُّ: (وليسَتِ الآيةُ نَظيرَ هذا المِثالِ، يَعني: ما أَحْسَنَ زَيْدٌ إليَّ ولكنْ أَساءَ. لأنَّ المِثالَ واقعٌ فيهِ “لكن” بَينَ ضِدَّيْنِ، والآيةُ واقعٌ فيها “لكن” بين مُتَّفِقَينِ مِنْ جِهَةِ المَعنى). قلتُ: مُرَادُهم بالنَقيضينِ النَفْيُ والإِثباتُ لَفْظاً وإنْ كانا يَتَلاقيان في المعنى، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ اتِّفاقاً. وهذه الجملةُ “ولكنْ كَرِهَ اللهُ انبعاثَهم” مَعْطوفَةٌ على جملةِ “ولو أرادوا” فلا محلَّ لها.
قولُهُ: {وقيلَ اقعدوا} نائبُ الفاعِلِ هنا ضَميرُ المصْدَرِ، وقدْ بُنِيَ الفعلُ على ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ لإمْكانِ أَنْ يَتَعَدَّدَ القائلون.
قَرَأَ العامَّةُ: {عُدَّةً} بِضَمِّ العينِ وتاءِ التأنيثِ، وهيَ الزَّادُ والراحِلةُ وجميعُ ما يَحْتاج إليه المسافرُ. وقرأَ محمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَروان، وابْنُهُ مُعاوِيَةُ “عُدَّهُ” بضمِّ العينِ كذِلِك إلاَّ أَنَّهُما جعلا مَكانَ تاءِ التأنيثِ هاءَ ضَميرِ غائبٍ يعودُ على الخُروجِ. واختُلِف في تخريجِها فقيلَ: أَصلُها كقراءَةِ الجُمهورِ بِتاءِ التأنيثِ، ولكنَّهم يَحْذِفونَها للإِضافةِ كالتَنْوينِ. كما في قولِهِ تَعالى: {وَإِقَامَ الصلاةِ} سُورةِ النُورِ، الآية: 37، فحُذِفتْ تاءُ التَأْنيثِ مِنْ “إقامَةِ” لإضافَتِها إلى “الصَلاةِ”، ومِنْ ذلكَ قولُ زُهَيرِ بْنِ أَبي سُلْمَى:
إنَّ الخَلِيْطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا …. وأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمرِ الذي وَعدُوا
يُريدُ: عِدَّةَ الأَمْرِ. فلمَّا أَضافَ جعلَ الكِنايَةَ نائبةً عَنِ التاءِ فأَسْقَطَها؛ وذلك لأنَّ العُدَّ بِغيرِ تاءٍ، ولا تقديرِها هُوَ الشيءُ الذي يَخْرُجُ في الوَجْهِ. وقال أَبو حاتمٍ: هوَ جمعُ عُدَّةٍ، كَ “بُرٍّ” جمع “بُرّةٍ”، و “دُرٍّ” جمع “دُرَّة”، والوَجْهُ فيهِ عُدَدٍ، ولكنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ. وقرأَ زَرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أَبَانَ: “عِدَّهُ” بِكَسْرِ العَينِ مُضافةً إلى هاءِ الكِنايَةِ. وهوَ اسْمٌ لِما يُعَدُّ ك “الذِّبْحِ” للمُعَدِّ للذَبْحِ، و “القِتْلْ” للمُعَدِّ للقتلِ. وقُرِئَ أَيْضاً “عِدَّةً” بِكَسْرِ العين وتاءِ التَأْنيثِ، مُشْتَقَّاً مِنَ العَدَدِ والمُرادُ عِدَّةٌ مِنَ الزَادِ والسِلاحِ.

Previous Older Entries

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com