فيض العليم …. سورة هود الآية: 7


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
(7)
قولُهُ ـ تَبَارَكَ وتَعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يُخْبِرُنا اللهُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِه، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: فِي “سِتَّةِ أَيَّامٍ” يَعْني: مِنْ أَيَّامِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مِنْ أَيَّامِ الدُنِيا. فالسَمَواتُ في يَوْمَيْنِ، والأَرْضُ في يَوْمَيْنِ، وما عَلَيْها مِنْ أَنْواعِ الحَيَواناتِ والنَبَاتاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ في يَوْمَيْنِ، كَما بَيَّنَ في سُورَةِ السَجْدَةِ، والمُرادُ بالأَيَّامِ الأَوْقاتُ، أَيْ: في سِتَّةِ أَوْقاتٍ، أَوْ مِقدارَ سِتَّةِ أيَّامٍ، فإنَّ اليَوْمَ في المُتَعارَفِ زَمانُ كَونِ الشَمْسِ فوقَ الأَرْضِ ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ حِينَ لا أَرْض ولا سَمَاء، وفي خَلْقِها مُتَدَرِّجاً مَعَ القُدْرَةِ التامَّةِ عَلى خَلْقِها دُفْعَةً واحِدَةً بِلَمْحِ البَصَرِ كَما قالَ في سُورةِ القَمَرِ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} الآيَةِ: 50. دَليلٌ عَلى أَنَّهُ قادِرٌ مُخْتَارٌ، وفيها حَثٌّ لَنا عَلى التَأَنّي في الأُمُورِ. وأَمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بالعَدَدِ المُعَيَّنِ فأَمْرٌ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَقْتَضِيهِ عَلاَّمُ الغُيوبِ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ، وإِيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَمَاواتِ لِمَا هُوَ المَشْهورُ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِها أَجْراماً مُخْتَلِفَةَ الطَبائِعِ ومُتَفاوِتةَ الآثارِ والأَحْكامِ. فَكَيْفَ يا أيُّها الجاحدونَ تُنْكِرونَ إِحاطَةَ عِلْمِهِ ـ جَلَّ وعَلا، بِكم، وتَسْتَخْفونَ مِنْهُ سُبْحانه؟ وأَنّى يَعْزُبُ ويَغيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مَعَ أَنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ كلَّ شَيْءٍ وأَبْدَعَهُ وأَظْهَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، العُلْويَّاتِ والسُفْلِيَّاتِ وهُما بِمَثابَةِ الآباءِ والأُمَّهاتِ والفَواعِلِ والقَوابِلِ لِنَشْأَتِكم وظُهورِكمْ، فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لِتُحيطُوا بالجِهاتِ كُلِّها. وإنَّما أَظْهَرها سُبْحانَهُ، وأَبْدَعَها على هذا المِثالِ لِيَبْلُوَكُمْ ويَخْتَبِرَكم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وقَبُولاً، وأَتَمُّ تَوَجُّهاً ورُجُوعاً إِلَيْهِ.
قولُهُ: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} وَكَانَ عَرْشُهُ، أَيْ: مَجْلاهُ ومَحَلُّ بُروزِهِ، وشَعْشَعَةِ تَجَلِّيّاتِهِ، قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى المَاءِ، قَبْلَ ظُهورِ هذِهِ المَظاهِرِ، أَيْ: “كَانَ عَرْشُهُ” مستوياً”عَلَى الْمَاءِ”، أَيْ عَلى الحياةِ المَحْضَةِ، الخالِيَةِ عَنْ التَغَيُّراتِ والانْقِلاباتِ المُتَوَهَّمَةِ فلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما حائلٌ، لا أَنَهُ كانَ مَوْضُوعًا على مَتْنِ المَاءِ، بَلْ هُوَ في مَكانِهِ الذي هو فيهِ الآنَ، وهُوَ ما فوقَ السَمَواتِ السَّبْعِ، وكان الماءُ في المَكانِ الذي هو فيه الآنَ، وهذا يَعْني تَقَدُّمَ خَلْقِ العرشِ والماءِ على السَمَواتِ والأَرْضِينَ.
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي “أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ” من صَحِيحِهِ عنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رضي اللهُ عنهُ مَرْفُوعاً، قالَ: ((كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ (اللوح المحفوظ) كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)). وَأَخرَجَهُ أَيْضاً فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِلَفْظِ: ((وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ)). وَفِيهَا: ((ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)).
وَأَخرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))، قَالَ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)) قَالَ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ((كَانَ اللهُ …)) إِلَخْ، إِنَّ الْمُرَادَ بِ “كَانَ” فِي الْأَوَّلِ: الْأَزَلِيَّةُ، وَفِي الثَّانِي: الْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ وَالْمَاءَ كَانَا مَبْدَأَ هَذَا الْعَالَمِ، أَيْ عَالِمِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وكَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ أَنَّ الْمَاءَ أَصْلُ مَادَّتِهِ، وَالْعَرْشَ مَرْكَزُ التَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ لَهُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى بَيَّنَ لَنَا فِي سُورَةِ (فُصِّلَتْ) أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ الْأَرْضَ مِنْ دُخَانٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ فِي حَالَتِهِ الْبُخَارِيَّةِ يَكُونُ دُخَانًا، أَوْ أَنَّ تِلْكَ الْمَادَّةَ الدُّخَانِيَّةَ مُعْظَمُهَا بُخَارٌ مَائِيٌّ. أَيْ: والعَرْشُ الذي هُوَ أَعْظَمُ المَخْلوقاتِ قدْ أَمْسَكَهُ اللهُ تَعالى فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ مِنْ غَيْرِ دِعامةٍ تَحْتَهُ، ولا عِلاقَةٍ فوقَهِ، وذلك يَدُلُّ على كمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى. وَعَرْشُ الرَّحْمَنِ عَالِمِ الغَيْبِ لاَ تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ، وَلاَ تَتَصَوَّرُهُ أَفْكَارُ البَشَرِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ إِدْرَاكَ كُنْهِ اسْتِوَائِهِ عَلَيْهِ. ويمكنُ أنْ يقالَ إنَّ المقصودَ بكونِ العرشِ، الذي يَعني فيما يَعني السَيْطَرَةَ والهيْمَنَةَ والتَحَكُّمَ، فوقَ الماءِ، الذي فيه تَكْمُنُ الحياةُ لقولِهِ تعالى في سورةِ الأنبياءِ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} الآية: 30.
وقال سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ـ رضي اللهُ عنه: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ـ سبحانِه وتعالى: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” عَلى أَيِّ شَيْءٍ كانَ الماءُ، قالَ: عَلى مَتْنِ الرِيحِ، تفسير ابن كثير: (4/ 307) وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 127) وأخرجه عبدُ الرَزاقِ في المُصَنَّفِ، والفِريابي، وابنُ جريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبو الشيخ، والحاكمُ وصَحَّحَهُ، وأخرجه البَيْهَقيُّ في الأسماءِ والصفاتِ. وقالَ وَهْبُ بْنْ مُنَبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إنَّ العرْشَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ السَماواتِ والأَرْضَ، ثُمَّ قَبَضَ اللهُ قَبْضَةً مِنْ صَفَاءِ الماءِ، ثُمَّ فَتَحَ القَبْضَةَ، فارْتَفَعَ دُخانٌ، ثُمَّ قَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، طِينَةً مِنَ الماءِ، فوَضَعَها مَكانَ البَيْتِ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ مِنْها، ثُمَّ خَلَقَ الأَقْواتَ في يَوْمَيْنِ، والسماواتَ في يَوْمِيْنِ، والأَرْضَ في يَوْمَيْنِ، ثمَّ فرَغَ آخِرَ الخَلْقِ في اليَوْمِ السابِعِ. تفسير (جامع البيان) للطبري تحقيق أحمد محمد شاكر: (15/ 250). قال بعضُ العلماءِ: وفي خَلْقِ جَميعِ الأَشْياءِ، وجَعْلِها عَلى الماءِ ما يَدُلُّ على كمالِ القدرة؛ لأنَّ البناءَ الضعيفَ إذا لم يَكُنْ لَهُ أساسٌ على أرض صُلبة لم يَثْبُتْ، فكيف بهذا الخلق العظيم، وهو العرش والسموات، والأرض على الماء! فهذا يدل على كمالِ قدرة اللهِ سبحانه وتعالى، وعظمتها.
وأخرج الْبُخَارِيُّ، وأَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخ فِي العَظَمَةِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْه، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْيمنِ: يَا رَسُول اللهِ أَخْبِرْنَا عَنْ أَوَلِ هَذَا الْأَمْرِ كَيفَ كَانَ؟. قَالَ: كَانَ اللهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ، وَكُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ذِكْرُ كُل ِّشَيْءٍ، وَخَلْقُ السَّمَوَات وَالْأَرْض؟. فَنَادَى مُنَاد: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ، فَانْطَلَقت فَإِذا هِيَ يُقْطَعُ دونهَا السَرابُ فوَ اللهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا.
وَأخرج أحمد، وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ ماجَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذرِ وَأَبُو الشَّيْخ فِي العَظَمَةِ، وَابْن مِرْدُوَيْه، وَالْبَيْهَقِيّ، فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَاتِ، عَن أَبي رَزينٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قبلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟. قَالَ: كَانَ فِي عَماءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَخلَقَ عَرْشَه عَلى المَاءِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ ،رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: العَماءُ: أَيْ لَيْسَ مَعَه شَيْءٌ.
وَأخرج مُسلمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسلم: ((إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقاديرَ الْخَلَائقِ قبلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ)).
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو الشَّيْخ فِي العَظَمَةِ، وَالْحَاكِم، وَابْن مِرْدُوَيْه، عَن بُرَيْدَة ـ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: دَخَلَ قومٌ على رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: جِئْنَا نُسَلِّمُ على رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ ونَسْأَلُ عَنْ بَدْءِ هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّم: ((كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ غَيرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ))، ثمَّ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: هَذِه نَاقَتك قَدْ ذَهَبَتْ فَخَرَجْتُ والسَرابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا فَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنّف، وَالْفِرْيَابِي، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذر، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ” على أَيِّ شَيْءٍ كَانَ قَالَ: عَلى مَتْنِ الرّيح.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبيعِ بْنِ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: كَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ فَلَمَّا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَسَمَ ذَلِكَ المَاءَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ صَفاءً تَحْتَ الْعَرْش وَهُوَ الْبَحْرُ الْمَسْجُورُ فَلَا تَقْطُرُ مِنْهُ قَطْرَةٌ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ فَيَنْزِلُ مِنْهُ مِثْلُ الطَلُّ فَتَنْبُتُ مِنْهُ الْأَجْسَامُ وَجَعَلَ النِّصْفَ الآخَرَ تَحْتَ الأَرْضِ السُّفْلى.
وعن أبي رُزَين العقيليِّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبلَ أن يَخْلُق خَلْقَه؟ قال: “كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وخَلَق عرشه على الماء” أخرجه الترمذي، وقال: قال أحمد: يريدُ بالعماء أَنَهُ ليسَ معهُ شيءٌ. قال أبو بكرٍ البَيْهَقيُّ في كتاب “الأسماء والصفاتِ” لَهُ: قولُه – صلى الله عليه وسلم: ((كانَ اللهُ ولم يَكُنْ شيءٌ قبلَه)) يَعني لا الماءَ ولا العرشَ، ولا غَيْرهُما، قوله: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” يَعني: وخَلَقَ الماءَ، وخلَقَ العرشَ على الماءِ، ثمَّ كتَبَ في الذِكْرِ كُلَّ شيءٍ، وقولُهُ: “في عماء”، العَماءُ بالمدِّ: السَحَابُ الرَقيقُ، ويُريدُ بِقولِهِ: “في عماء”؛ أي: فوقَ سَحابٍ مُدَبِّراً لَهُ، وعالياً عَلَيْهِ، وقوله: “وما فوْقَه هواء”؛ أيْ: ما فوق السَحابِ هواءٌ، وكذلك قولُهُ: “وما تحته هواء”؛ أيْ: ما تَحتَ السَّحابِ هواءٌ، وقالَ الأَزْهَريُّ: قالَ أبو عُبيْدٍ: إنَّما تَأَوَّلْنَا هذا الحديثَ على كلامِ العَرَبِ المَعْقولِ عَنْهُم وإلاَّ فلا نَدْري كيفَ كانَ ذلك العماءُ؟ قالَ الأزهريُّ: فنحنُ نُؤْمِنُ به ولا نكيِّفُ صِفَتَهُ.
قولُه: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وَقَدْ خَلَقَ اللهُ البَشَرَ وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَخْتَبِرَهُمْ (لِيَبْلُوَهُمْ) ، وَلِيَرَى أَيُّهُمْ سَيَكُونُ أَحْسَنَ عَمَلاً. وَلاَ يَكُونُ العَمَلُ حَسَناً إِلاَّ إِذَا كَانَ خَالِصاً للهِ، وَمًوَافِقاً لِلشَّرْعِ، وَمَتَى فَقَدَ العَمَلُ وَاحِداً مِنْ هَذِينِ الشَّرْطَيْنِ حَبطَ وَبَطَلَ. وَأخرج دَاوُودُ بْنُ المُحَبَّرِ فِي كتابِ الْعقل، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، فِي كتابِ التَّارِيخ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: تَلا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ “ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا” فَقلتُ: مَا مَعْنى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أَحْسَنُ عَقْلاً، ثمَّ قَالَ: وَأَحْسَنُكُمْ عقْلاً أَوْرَعُكمْ عَنْ مَحارِمِ اللهِ، وَأعْلَمُكُمْ بِطَاعَةِ اللهِ)). وَأخرج ابْنُ أبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلهِ تعالى: “ليَبْلُوكُمْ” قَالَ: ليختَبِرَكم، “أَيّكُم أحسن عملا” قَالَ: أَيّكُم أَتَمُّ عَقْلاً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَان ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا” قَالَ: أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا.
قولُهُ: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} وَإِذَا أَخْبَرْتَ يِا مُحَمَّدُ، هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ أَنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُمْ، بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، كَمَا بَدَأَ خَلْقَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَسَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لاَ يُصَدِّقُونَ مَا تَقُولُ مِنْ وُقُوعِ البَعْثِ، وَلاَ يُؤْمِنُ بِمَا تَقُولُ إلاَّ مَنْ سَحَرْتَهُ أَنْتَ، فَهُوَ الذِي يُتَابِعُكَ وَيُصَدِّقُ قَوْلَكَ هَذَا.
قولُهُ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ في ستَّة أيامٍ وكان عَرْشُهُ على الماءِ” الواو: استِئْنافيَّةٌ، و “هوَ” مُبْتَدَأٌ، و “الَّذِي” هذا المَوْصولُ خَبَرُ المبتدأِ، وجُمْلَةُ: “هو الذي” مُسْتَأْنَفَةٌ. و “خَلَقَ” فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ: “هو” يَعود على الموصول، و “السَّمَاوَاتِ” مفعولُهُ مَنْصوبٌ، وعلامَةُ نَصْبِه الكَسْرَةُ نِيابَةً عَنِ الفَتْحَةِ لأَنَّهُ جَمْعٌ مُؤنَّسٌ سالِمٌ. و “وَالْأَرْضَ” الواو: حرفُ عطفٍ، و “الأرضَ” عطفٌ على السماواتِ، وجملةُ “خلق” صِلَةُ المَوْصولِ، و “فِي سِتَّةِ” جارٌّ ومَجرورٌ مضافٌ، مُتَعلّقٌ بـ “خَلَقَ” و “أَيَّامٍ” مضافٌ إليْه. “وَكَانَ” الواوُ للعطفِ، و “كان” فعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، و “عَرْشُهُ” اسْمُها، و “عَلَى الْمَاءِ” جارٌّ ومجرورٌ في محلِّ نَصْبِ خَبَرٍ لِ “كانَ”، وجملةُ “كَانَ” معطوفةٌ على جُملةِ “خَلَقَ” على كونِها صِلَةَ الموصولِ.
قولُهُ: {لِيَبْلُوَكُمْ} اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وتَعْليلٍ: “يبلوكم” فِعْلٌ مضارعٌ، منصوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ جوازًا بعدَ لامِ كَيْ، والفاعلُ: ضميرٌ مستترٌ جوازاً تقديرُهُ: “هو” يعودُ على اللهِ، والمَصدرُ المُنْسَبِكُ مِنْ “أَنْ” المُضْمَرَةِ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جرٍّ بِ: لامُ التَعْليلِ: تقديرُهُ: لبلائكم، واخْتِبَارِكم، الجارُّ والمَجْرورُ مُتَعَلِّقٌ بـ “خَلَقَ”.
قولُهُ: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عملاً} أيُّ: مُبْتَدَأٌ مضافٌ، والكافُ مضافٌ إليه، والميمُ: علامة الجمع المذكَّر، و “أحسَنُ” خبرٌ، و “عَمَلًا” تَمْييزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ مَنْصوبٌ باسْمِ التَفْضيلِ “أحسن”، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ في مَحَلِّ النَصْبِ مَعمولَةٌ لـ “يبلوكم” عُلِّقَ عَنْها باسْمِ الاسْتِفْهامِ. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: فإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ تَعليقُ فِعْلِ البَلْوى؟ قُلتُ: لِما في الاخْتِبارِ مِنْ مَعْنَى العِلْمِ, لأنَّهُ طَريقٌ إليْهِ، فهُو مُلابِسٌ لَه.
قولُهُ: {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الموت} الواو: اسْتِئْنافِيَّةٌ، و “اللام” مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، والقَسَمُ محذوفٌ، و “إن” حَرْفُ شَرْطٍ، و “قُلْتَ” فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه، تاء الفاعلِ، وهذه الجملةُ في محلِّ الجَزْمِ بِـ “إن” عَلى كونِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لها، و “إِنَّكُمْ” إنَّ: ناصبٌ ناسخٌ والكافُ اسْمُهُ، والميمُ علامةُ جمع المذكَّر، و “مبعوثون” خَبَرُهُ مرفوعٌ، وعلامةُ رَفْعِهِ الواوُ لأنّهُ مِنَ الأَسْماءِ الخَمْسَةِ، والنونُ عوضاً عن التنوين في الاسمِ المفردِ، والجُملةُ في مَحَلِّ النَصْبِ بالقَوْلِ لِـ :”قُلْ”. و “مِنْ بَعْدِ” جارٌّ ومَجرورٌ مضافٌ، مُتَعَلِّقٌ بِ “مَبْعُوثُونَ”، وَ “الْمَوْتِ” مُضافٌ إِليْهِ.
قولُهُ: {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} لَيَقُولَنَّ: اللام: موطِّئةٌ للقَسَمِ مُؤكِّدة للام القسم الأولى، “يقولن” فعلٌ مضارعٌ مبني على الفتحِ في محل رفعٍ لاتّصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونونُ التوكيدِ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب، و “الذين” اسمٌ موصول مبني على السكون في محلّ رفع فاعل، والجملةُ جواب القسمِ لا محلَّ لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه جواب القسم تقديره، وإن قلت: إنكم مبعوثون يقول الذين كفروا، وجملة الشرط مع جوابه، وكذلك جملة القسم مع جوابه مستأنفة، و “كَفَرُوا” فعلٌ وفاعلُهُ واوُ الجماعة، وهذه الجملة صلةُ الموصولِ فلا محل لها أيضاً. و “إِنْ” نافيةٌ لا عملَ لها لانْتقاضِ نَفْيِها بـ “إلاّ”، و “إن” حرفُ نفي, و “ها” حرْف تَنْبيهٍ، و “ذا” اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، و “إلّا” أَداةُ حَصْرٍ، و “سِحْرٌ” خَبَرٌ مَرْفوعٌ، و “مبينٌ” نَعْتٌ ل “سحر” مَرْفوعٌ. وقرأَ الجُمهورُ: {قلتَ} بِفَتْحِ التاءِ. وقرَأَ عِيسى الثَقَفِيُّ: “ولئن قلتُ” بِضَمِّها.
وقرأ الجمهورُ: {سحرٌ}، وقرَأَ حَمْزَةُ والكِسائيُّ: “ساحر” يَعْنونَ محمَّداً ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلم.
 

Dexa un retruque

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Camudar )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Camudar )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Camudar )

Connecting to %s

Follow الشاعر عبد القادر الأسود on WordPress.com
%d bloggers like this: