RSS

المرأة في الغزل الصوفي

15 يوليو

المرأة في الغزل الصوفي

للشاعر:

عبد القادر الأسود

المقدمة:

بسم الله الذي لا إله سواه وله الحمد حمداً يحبّه ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنّ سيدنا محمداً رسول الله وعبده وحبيبه وصفيُّه ومصطفاه ، وعلى كل عبد له منيب و بحبّه أواه ، وأمّا بعد .

لطالما تطلّعتُ إلى جلاء حقيقةٍ مَنَّ الله عليّ بفهمِها عن أهلِها الذين مَنَّ عليَّ بصحبتهم والانتظام في سِلْكِهم ، وأَكرمني بمحبّتهم وتذوق شرابهم ، فعرَفتُ منذ عام /1964/المربي الكبير الشيخ عبد القادر عيسى ، تغمّده الله برحمته وجزاه عنّي خيرَ ما جازى شيخاً عن مريده ، وقد كان خليفةَ الوَليِّ العارفِ بالله السيد محمَّد الهاشمي ـ رضي الله عنهما ـ في حلب ، وكنتُ حينَها في السادسة عشرة من عمْري ، فتربّيتُ على يديْه ، ورأيتُ الكثير من كراماته ، على عادة أهل الله في تثبيت قلب المريد أول الطريق ليثق بهم ، لأن الثقةَ بالطبيبِ لازمةٌ للانتفاع به .

ثم أنهيت دراستي ، ودُعيتُ لأداءِ خدمةِ العلم ، وشاءت العنايةُ الإلهيّةُ أن تكون خدمتي في دمشق ، وأنْ أسكنَ في حيِّ السيد الهاشمي شيخ شيخي ـ رحمة الله عليهمَا ـ وكان يسكن في ذلك الحيُّ (المهاجرين) كوكبةٌ من مريدي الشيخ الذين كانوا قد آثروا جوارَه فانتفعتُ بهم ، لاسيّما خليفته في دمشق العارف الكبير المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري،  الذي أفدتُ الكثيرَ من علومه ومعارفه، وأدخلني الخُلوة، كلُّ ذلك كان بترتيب الحكيم العليم وتدبيره، ولم  يكن لي فيه أيّةُ إرادةٍ ولا كَسْبٍ، وكان الشيخُ عبدُ الرحمن شاعراً ومُنشداً إضافة إلى علومِه الجَمّة، التي أخذها عن مشايخه ، وبخاصة السيد الهاشمي ، وهذا ما جعلني أُحبُّه أكثر ، وجَعلني منه أقربَ ، فأَغدقَ عليَّ ما قسمَهُ اللهُ تعالى لي من علوم القوم وأذواقهم وأحوالهم .

ونظراً لشغفي بالشعر والإنشاد، كنتُ أقرأ أشعارَ السادةِ الصوفيّة وغزلهم، والشروح لها والدراسات والتعليقات عليها، فلا أجدُ في هذه االدراسات والشروح ما يتّفقُ معَ ما أخذتُه عِلماً وذوقاً عن العالم العارف الشاعر الصوفي الشيخ عبد الرحمن ـ تغمده الله برحمته ـ وأتحدّث في ذلك مع بعض إخواني وأصحابي ثمَّ عزمتُ على أن أُحرّرَ هذا الفهم في رسالةٍ وجيزةٍ تعميمَاً للفائدة ، حتّى لا أَدخُلَ فيمَن كَتَمَ عِلمَاً عندَه، ولمّا شَرَعتُ في ذلك، وجدتُ من الخير أنْ أبدأ بالحديث عن القومِ وطريقِهم في محبّة الله، ثم نَظَرِهم إلى خلق الله، ولمّا أخذتُ أُقلّبُ صفحاتِ المراجِع والمصادِرِ، وقفتُ على الكثير مما هو مُشوّقٌ ومُفيدٌ من قَصصِ الُمحبّين والعُشّاقِ ، فأحببتُ أنْ أَنقُلَ بعضَهُ إلى إخوتي القراء، وما كان نقلي لهذه القصص نقلاً حرفيّاً، إنّما حذفتُ منها ما لا يتفق والغاية المتوخّاة، وأضفتُ وهذّبتُ وصحّحتُ ما فيها من أخطاءَ نحْويّةٍ أو إملائيّةٍ أو لُغَويّةٍ ـ ما استطعتُ إلى ذلك، سبيلاً ـ وأشرتُ إلى مسائلَ في النحوِ واللّغةِ ما قدّرتُ نفعَه في قِصّةِ عشقِ السيّدَةِ زُليخا لسيدنا يوسف عليهما السلام خاصة، مما استفدتُهُ من المراجع التي أشرتُ إليها .

ثمّ بدا لي أن أضيف باباً أضمِّنُه مختاراتٍ شعريَّةٍ لبعضٍ من كبارِ رجالِ التصوّف، مع ترجمةٍ مختصرَةٍ لكلٍّ منهم، تعريفاً به وبمكانته العلميّة والأدبيّة. فأصبح الكتاب مقسّماً على ستة أبواب: بابٌ للتعريف بالتصوّف، وبابٌ للاطلاع على نظرةِ الصوفيّين إلى الوُجود ـ كلِّ الوُجود ـ وبابٌ للتعرُّفِ على نظرةِ الصوفيّين إلى المرأةِ، كواحدٍ من مكوّناتِ هذا الوُجود، وكيف نظر إليها الشرعُ الإسلامي، وما بيّنه من أحكامِ معامَلتِها وعشقِها، منْ قِبَلِ العامّةِ، ومن قِبَلِ رجال التَصوّف، وبابٌ لباقةٍ منَ الغَزَلِ الصوفيِّ . وبذلك أصبح الكتابُ ـ كمَا أراه ـ ممتعاً ومفيداً، وضّحَ للناسِ الكثيرَ مما جهِلَهُ منهمُ الكثيرُ .

وقد بدأتْ رحلةُ هذا الكتاب في ربيع عام /2007/م عندما طَلبتْ منّي جمعيّةُ العاديّات بإدلب محاضرةً، فأعطيتُ هذا العنوان {المرأةُ في الغزلِ الصوفيِّ} وأَعددتُ فيه بحثاً موجَزاً يَصلُح للمُحاضرة، لكنّ وعكةً صِحيّةً أَلمّتْ بي ـ حينها ـ فاعتذرتُ . ثمّ دُعيت بُعيْد ذلك إلى مدينة أَنطاكيّةَ للمشاركة في مهرجان أدبي ـ وكنت وقتئذٍ رئيساً لفَرع اتحاد الكتاب العرب بإدلب ـ فشاركتُ بقصيدةٍ لفتت نظرَ السيدةِ الشاعرةِ الدكتورة: بهيّة كوسال، عميد كلّية الآداب في جامعة غازي عنتاب، لما فيها من أبعاد للفكر الصوفيُّ، حيث جرى حوارٌ بيني وبينها ، وعَرَضَتُ عليها نَصَّ الُمحاضرةِ إيّاها ـ وكانت معي على جهاز الحاسوب ـ فأعجبتْ بها أَيّما إعجابٍ، ودَعَتْني إلى النزول ضيفاً على جامعة غازي عنتاب لإلقاء محاضرتي تلك في كليَّة الآداب التي هي عميدُها، فأجبتُ دعوتَها وحاضرتُ بحضورها وحضورِ رئيس الجامعةِ ولفيفٍ من أساتيذ الجامعة وطلابها، وجرى بعدها حوارٌ قيّمٌ . منحتُ ـ بعدها ـ شهادة تقديريَّةً من إدارة الجامعة ، نظراً لجِدَّةِ المَوضوع، وحداثة الطرح، وعظيم الجهد . الأمر الذي شجّعني على متابعة بحثي، حتى ظهرَ هذا الكتاب بهذه الحلّة القشيبة. وأظنُّ أنّ كلّ مَنْ يتصفّحُهُ سوف يحبّه، ولن يستغني عنه أبداً .

راجياً جزيلَ ثوابِهِ سبحانَه ، ودعوةً مخلصةً من أخٍ كريمٍ ـ بظَهْرِ الغيبِ ـ أَوْ أُختٍ كريمةٍ، عسى أنْ يكون لي ذلك خيراً جارياً ـ وعَمَلاً مستَمِرَّ الأجرِ والمَثوبة، بمنّه تعالى وكرمِهِ وجودِه. ولا أدّعي في ذلك عصمَةً ولا كمالاً فإنّ العصمَةَ للأنبياء ـ عليهم السلام ـ وإنَّ الكمالَ لله وحدَه ـ جلَّ وعلا ـ فما من عملٍ لمخلوقٍ يخلو من نقصٍ أو عيبٍ ، حيث لا يُتصوّرُ أنْ يَصدُرَ  كمالٌ عن ناقص البتّة , كما لا يُتصوّر أنْ يَصدُر نقصٌ عن كمالٍ، ورحم اللهُ المتنبي؛ حيث قال:

ولم أرَ في عيوب النَّاس عيباً                                كنقص القادرين على التَّمامِ

وصلى الله على سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

زحلة : 25 / ربيع الثاني /1430هـ  ـ 21 / نيسان / 2009 م

                                                                                                        عبد القادر الأسود

تمهيد :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تجلّى على من أَحَبَّ من خلقِهِ بخاصَّة العبوديَّةِ له ، وفتح لهم أبواب الفهمِ عنه ، والتلقّي منه ، وسَلَكَ بهم سُبُلَ الهِداية إليه ، وأَكرمَهم بدِلالةِ خَلْقِه عليه ، والنظرِ في عالمَيْ مَلكوتِه ومُلْكِه ، ليعرفوه في جميعِ تجليّاتِهِ بأسمائه وصفاته ، وقَدَّسَ قلوبَهم بأنوارِ ذاتِه.

والصلاةُ والسلامُ الأتمّان الأكمَلان على، أكملِ خلقِهِ، وصَفْوَةِ أنبيائه ورُسُلِهِ، إمامِ المتّقين ووليِّ المؤمنين وحبيبِ رَبِّ العالمين، وعلى جميعِ إخوانِهِ من النبيّين والمرسلين، وآلِ كلٍّ وصحبِ كلٍّ  أجمعين، وبعد.

ثَمَّةَ طائفةٌ من المؤمنين، والعلماءِ العاملين، يُسَمَّوْنَ بالصُوفيّين، اصْطَفَتْهُمُ الذاتُ العليّةُ إلى حضرةِ قدسِها، وأَسْبَلَتْ عليهم جَلابيبَ محبَّتِها، وأَسْبَغَتْ عليهم رِداءَ مَعرِفتِها، وأَسَرَتْ قلوبَهم بجمالِها، ومَنَّتْهم بوِصالهِا, فتَعَلَّقتْ بها أفئدتُهم, وانْغمَستْ في بحارِ أنَوارِها أرواحُهم, وانْطَمَسَتْ في مجالي ظُهورِها ذَواتُهم، وماتتْ فيها نفوسُهم، وانْشَغَلتْ بدَقائق أَسرارِها أَفكارُهم، واشْتَعَلَتْ بالشوقِ إليها قلوبهم، وسكنت إليها جَوارِحُهم، وحارتْ في مَعْناها عُقولُهم. إنْ نَظَروا فإليْها، وإنْ سَكَتوا فبِها، وإنْ حَدَّثوا فعنْها. وقد تَرْجَمَتْ أحوالَهم ألسنتُهم وأقلامُهم. ونَظَر الناسُ في كلامِهم فقَصُرتْ عنْه أَفهامُهم، وعَجَزتْ عنَ بلوغ مراميه مَداركُهم، لِبُعْدِهم عنهم، فكان الناسُ فيهم على طريقين:تأوَّلَ لهمُ الصالحون، واعْتَرَضَ عليهم المُرْتابون.

وكنتُ فيمن أَكْرمَهُ اللهُ بمعَرفِتِهم وصُحبتِهم، والأخذِ عنهم، وشُربِ فضَلاتِ كؤوسِهم، فسَكِرْتُ بشَذا خمرَتِهم، وتَعلّقتْ روحي بهم، وتَشَوَّفَتْ نَفْسي إلى مغانيهِمُ، واسْتَشْرَفَ عَقلي ولُبّي مَعانيهِمُ، فإليك ـ عزيزي القارئ ـ الفصلَ في قَضِيَّةٍ شَغَلَتِ الكثيرين ممن قرؤوا أَشعارَهم، واسْتَمَعَوا إلى غَزَلِهم .

واللهُ الموفّقُ إلى صالح الأعمال ، فهو القصد وعليه التُكْلان. ربّنا افتحْ بيننا وبين قومِنا بالحقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين .

اللّهمَّ عَلِّمْنا ما ينفعُنا، وانفعْنا بما عَلَّمتَنا، إنّك على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، ربَّنا عليك توكلْنا وإليك أنَبْنا وإليكَ المصيرْ.

الثالث من ذي الحجة 1429هـ

  عبد القادر الأسود

أبواب الكتاب:

1                  ــ  لمحة عن التصوّف .

2                  ــ نظرة الصوفيّين إلى الكون .

3                  ــ الحبُّ عند الصوفيين .

4                  ــ  نظرة الصوفيين إلى المرأة .

5                  ــ من قصص المحبّين.

6                  ــ مختارات من الغزل الصوفيّ .

الباب الأول:

لمحة عن التصوّف الإسلامي

 

التصوُّف: هو الركنُ الثالث من الدين الإسلاميِّ الحنيف {الإحسان}، لأنَّ أَرْكانَ الدين الإسلاميِّ ثلاثةٌ، بإجماعِ الأُمَّةِ، لما وَرَدَ في الحديثِ الشريفِ، الذي أخرجه الإمامُ البخاريُّ والإمامُ مسلم ـ رحمهما الله ـ في صحيحيهما، وهما أصدقُ الكتب نصّاً، وأصحُّها روايةً ـ بعد كتاب الله، جلّ في علاه ـ  وقد أخرجه الإمام مسلم  في كتاب الإيمان من صحيحِهِ، عن سيدنا عمرَ بنِ الخطابِ ـ رضي اللهُ عنه ـ  وأخرجه كذلك الإمامُ البخاري، في كتاب الإيمان من صحيحه ـ  وهذه روايته ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ  قال: ((كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم ـ بارزاً يوماً للناس، فأتاه رجلٌ فقال: ما الإيمان ؟ قال: الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ، وبلقائه، وبرسلِه، وأن تؤمن بالبعث . قال: ما الإسلامُ ؟ قال: الإسلامُ أن تعبُدَ الله ولا تُشرِكَ به، وتقيمَ الصلاةَ، وتُؤتيَ الزكاةَ المفروضةَ، وتصومََ رمضان . قالَ: ما الإحسانُ؟ قالَ: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ، فإن لم تكن تراهُ ـ سبحانه وتعالى ـ فإنَّه يراك. قال: متى الساعةُ؟ قال: ما المسئولُ عنها بأَعلمَ من السائلِ، وسأخْبرُك عن أشراطِها: إذا وََلََدَتِ الأََمََةُ ربّتها، وإذا تطاوَلَ رُعاةُ الإبِِلِِ البَهْمِ في البُنيانِ، في خمسٍ لا يعلَمُهُنَّ إلاّ اللهُ, ثمَّ تلا النبيُّ ـ صلى الله عليه وآلِه وسلّم ـ : {إنَّ اللهَ عندَه عِلمُ الساعةِ..}ـ الآية ـ ثمَّ أَدْبرَ {السائل}، فقالَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ : رُدُّوهُ، فلم يَرَوْا شيئاً، فقال: ((هذاَ جبريلُ أتى يُعلِّمُ الناسَ دينَهم )). (1)

فالدين ـ إذاً ـ بنصّ الحديثِ الصحيحِ السابقِ، إيمانٌ وإسلامٌ وإحسانٌ، والإحسانُ مراقبةُ المرءِ للهِ ـ عَزَّ وجلَّ ـ في عاداتِه وعباداتِه، وفي جميعِ أحوالِه، وتقديمُهُ الإخلاصََ للهِ ـ تعالى ـ في أعمالِهِ، وفي جميع حَرَكاتِهِ وسَكناتِهِ .

يقول العلاّمةُ الحافظُ، أبوعبد الله، محمد صِدّيق الغِماريُّ ـ رحمه الله ـ وقد سُئلَ عن أوّل مَنْ أَسّسَ التصوُّفَ، وهل هو بوحيٍ سماويٍّ؟ فأجاب:

((أمّا أوَّلُ من أسَّسَ الطريقةَ، فلْتَعلمْ أنَّ الطريقةَ

أسّسها الوحيُ السماويُّ، في جملةِ ما أَسّسَ من الدين  المحمّديِّ، إذ هو ـ بلا شكٍّ ـ مَقامُ الإحسانِ الذي هو أَحَدُ أَركانِ الدينِ الثلاثةِ التـي جعلها النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلّم ـ بعد ما بيّنَها واحداً واحداً ـ ديناً، بقوله: ((هذا جبريلُ أتاكم يعلّمُكم دينَكم )) وهي الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ .

فالإسلامُ طاعةٌ وعِبادةٌ، والإيمانُ نُورٌ وعقيدةٌ، والإحسانُ مَقامُ مُراقبةٍ ومُشاهدة، إلى أنْ يقول: فمن أَخَلَّ بهذا المقـام الإحسان الذي هو الطريقةُ، فدينُه ناقصٌ ـ بلا شكٍّ  ـ لتركِهِ رُكْناً من أركانِهِ.

فغايةُ ما تدعوا إليهِ الطريقةُ، وتُشيرُ إليْه، هو مَقامُ الإحسـانِ، بعد تَصحيحِ الإسلامِ والإيمانِ)) . (2)

وقد جاء في الحديثِ الذي رَواهُ البَزَّارُ ـ كما رَواهُ الطَبَرانيُّ في الجامعِ الكبيرِ ـ من حديث ِسيّدنا أَنسٍ بنِ مالكَ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ سيِّدَنا رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ سألَ الصحابيَّ الجَليلَ، سيِّدَنا حارثَةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ فقال: ((كيف أصبحتَ يا حارثةَ ؟)) فقال حارثةُ: أصبحتُ مؤمناً حقّاً يا رسول الله، قال رسولُ الله: ((اُنْظرْ ما تَقولُ فإنَّ لكلِّ أَمْرٍ حقيقةٌ، ما حقيقةُ إيمانك ؟)) فقال حارثةُ: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأنّي أَنظرُ إلى عرشِ ربّي بارزاً ، وكأَنّي أَنظُرُ إلى أهلِ الجنَّةِ في الجنّةِ يَتزاوَرونَ، وإلى أهلِ النارِ في النارِ يَتعاوُون، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ : ((عَرَفْتَ فالْزَمْ، عَرَفْتَ فالْزَم )) ـ وفي رواية كررها ثلاثاً ـ هذا هو التصوُّف الحقُّ، وهذه غايتُه .

وقد جاء في كتاب اللُّمَع لأبي نصرٍ السَراج، الذي حقّقهُ إمامُ الأزهرِ الشريفِ، الدكتورُ عبـدُ الحليمِ محمود ـ رحمه الله ـ ما نَصُّه: ((الصوفيّةُ أرْبابُ أَحوالٍ وسلوكٍ، منها الاعتراضُ لِسلوكِ سُبُلِ الأَولياء، والنزولُ في منازِلِ الأَصفياء)).

 ويقول إمام الطائفتين ـ أهل الحقيقة وأهل الشريعة ـ الجُنيدُ ـ رضي الله عنه ـ ، في حَدِّ التصوّفِ: ((أَن تكونَ مع اللهِ بِلا عَلاقةٍ)) وقيل: ((هو العِصْمَةُ

عن رؤيةِ الكَوْن)) . (3)

وقال أبو فيروزٍ الكَرْخِيُّ، المتوفى سنة /200/ للهجرة النبويّة ـ وهو من {الطبقة الأولى من رجال التصوُّفِ}ـ في حَدِّ التصوِّفِ، بأنّ التصوُّفَ: ((هو الأخـذُ بالحقائقِ، واليأسُ مما في يَدِ الخلائق)) . (4)

كما قال رُوَيْمٌ بنُ أحمدَ البغداديُّ المتوفّى سنة /303/ هـ ـ وهو من الطبقةِ الثانية ـ : ((إنّه، أي التصوُّفُ، اسْتِرْسالُ النفسِ مع اللهِ ـ تعالى ـ على ما يُريد)) . (5)

أمّا أبو محمد الحريري المتوفّى سنة /311/ هـ ـ وهو من الطبقة الثالثة ـ فقد عَرّفَ التصوُّفَ بقوله: ((هو الدخولُ في كلِّ خُلُقٍ سَنـيٍّ ، والخروجُ من كلِّ خُلُقٍ دَنيٍّ)) . (6)

وقال بعضهم: ((التصوُّفُ كلُّه أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق، زاد عليك بالتصوُّف)) . (7) ذلك لأنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  يقول: ((إنّما بُعِثْتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ))، والصوفي الحَقُّ هو مََن جعلَّ همَّه اتّباعََ رَسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ في جميعِ أَقوالِهِ وأفعالِهِ وأَحوالِهِ، والتخلُّقَ بأخلاقه .

ويقول أبو بكرٍ الشِبْليُّ ـ وهو من الطبقة الرابعة ـ المتوفى سنة /334/ للهجرة: ((التصوُّفُ هو الجلوسُ مع اللهِ بِِلا هََمٍّ)) . (8)

ويقولُ إمامُ الطريقةِ الشاذليّة الشيخُ أبو الحسن الشاذِليُّ ـ رضي الله عنه ـ : ((التصوُّف تدريبُ النفس على العبوديَّة، ورَدُّها لأحكامِ الرُبوبيّة)).(9)

وقال الشِبْليُّ أيضاً: ((الصوفيُّ مُنْقَطِعٌ عن الخلقِ، متَّصلٌ بالحقِّ، لقولِهِ ـ تعالى ـ : ((واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسي)). (10)

أمّا مََنْ هو الصوفيُّ، فقد قال أبو تُرابٍ النَخْشَبيُّ/245/ هـ  ـ وهو من الطبقة الأولى ـ في تعريفه:((الصوفـيُّ لا يكدٍّرُهُ شيءٌ ، ويَصفو به كلُّ شيءٍ)). (11) ومن الطبقة الثانية، يقول أبو الحَسَنِ النُورِيُّ /295/ هـ  بأَنَّ مِِن وَصْفِ الصوفيِّ: ((السكونُ عندَ العَدَمِ والإيثارُ عند الوُجودِ)). (12) ومن الطبقة الثالثة يقول الحلاّجُ /309/ هـ : ((الصوفي وَحْدانيُّ الذاتِ، لا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، ولا يَقْبَلُ أَحَداً)). (13) ومن الطبقة الرابعة، يقول السرّاج /378/ هـ في صِفةِ الصوفيَّةِ: ((الصوفيّةُ همُ العلماءُ بأحكامِ اللهِ، العاملون بما علَّمَهُمُ اللهُ، المتحقّقون بما اسْتَعْمَلَهُمُ له اللهُ، الواجدون بما تحقَّقوا، الفانون بما وَجَدوا)) . (14)

مما تقدّم يتبين لنا: أنَّ التصوّف هو لُبُّ الدين الإسلاميِّ الحنيف وروحُه على مُقتضى الشريعة السمحة والمِلّة الحنيفيّة، وأنَّ المتصوّفين هم العاملون بظاهر الشريعة، المتحقّقون ببواطنها وغاياتها، وأنّهم ـ في ذلك كلِّه ـ مقتدون بمن نزلت عليه هذه الشريعة، سيّدِ الوجود، محمد بن عبد الله ـ عليه الصلاة والسلام

ـ . ولذلك فقد عََدَّ الإمامُ الشعرانيُّ ـ رضي الله عنه ـ مُنكِرََ طريقِ القومِ كافراً من حيثُ لا يشعُرُ، لأنّهُ إنّما يَكْفُرُ بِشرْعِ ربّهِ الذي نَزَلَ على عبدِهِ ـ عليه أفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام ـ  يقول في كتابه {لواقح لأنوار القدسيّةِ في بيان العهود المحمّدية} ما نصُّه: ((وإيّاك أن تقول بأنَّ طريق الصوفيَّة لم يأتِ بها كتابٌ ولا سُنَّةٌ فإنَّه كفرٌ، فإنَّها كلَّها أخلاقٌ محمّديّةٌ سَداها ولُحمَتُها منها)). (15)

وقد فصّل في ذلك العلاّمة، العارف بالله، الشيخ عبد الغنـي النابلسي ـ طيّب الله ثراه ـ في رسالة له سمّاها (أنوارُ السلوك) فقال: ((اِعلم أنَّ هذه الشريعةَ المحمّديَّةَ، والمِلَّة الإسلاميّةَ، ليست كغيرها من الشرائعِ المتقدِّمة المنسوخةِ ـ الآن ـ والمِلَلِ المعهودةِ عند أهلِ الباطل، فإنَّ الشرائعَ المُتقدِّمةَ، كانت الأنبياءُ ـ عليهمُ السلامُ ـ إذا جاؤوا بها إلى أُمَمِهم، يكون المتّبِعُ لها منهم طوائفَ قليلين، وجماعاتٍ ـ  بالنسبةِ إلى هذه الأمّةِ ـ ليسوا بالأكثرين الأَجَلّين، فغايةُ ما يتقرَّرُ عندَهم ـ بعد الإيمان بأنبيائهم ـ أحكامُ الشرائعِ الظاهرةِ والأعمالِ المنوطةِ بالعوام، من الاعتقادات الإجماليّة، والأعمال البدنيّة، والحِكَمِ المتعلِّقةِ بالأخلاقِ والأحوالِ القلبيّةِ، وهذا غايةُ ما يكونُ، دون الأسرارِ الربّانيَّة، والحقائقِ العِرفانيّة التي اختُصّ بحَوْزِها أولياءُ هذه الأمَّةِ، وتوجّهت إليها بواطنُ السالكين بالنيّةِ الخالصةِ، وصدْقِ الهمَّةِ، فيكونُ أفضلُ الرجالِ بينهم ـ أي بين الأمم المُتقدّمة ـ من يعملُ بالظواهرِ من الطاعات، ويترقّى إلى الاتِّصافِ بحُسنِ الأخلاق القلبيَّةِ. والنادرُ القليلُ جدّاً من يتحقّقُ ببعضَ الحقائقِ الإلهيّةِ ، والتجلّيات الربّانيَّةِ، وأما هذه الشريعةِ المحمّديّة، والملّةِ الإسلاميّةِ، فإنّها ـ ولله الحمدُ والمنّة ـ عظيمةُ المقدار، شريفةُ الآثارِ، ناسخةٌ لجميع الشرائع الماضيةِ، لتضمّنها لها مع زياداتٍ كثيرةٍ وفضائلَ جَمَّةٍ ..)) إلى أنْ يقول: ((وقد أخذت الصوفيَّةُ السالكون على منهجِ الأعمال الصالحة والتقوى، علومَ الطريقةِ المحمّديّةِ، وقرّروا الأخلاقَ القلبيّةَ، والأحوالَ الإنسانيّةَ .. ثمّ يتابع: وأخذ المحقّقون العارفون بالله ـ تعالى ـ على التحقيق والكشفِ والعيان ـ بحسبِ الاستعداد الوَهْبـيِّ ـ علومَهم ومعارفَهم وحقائقَهم من بواطن أسرارِ الشريعةِ المحمّديّة، وإشاراتِ الكتابِ والسُنّةِ، ونشروها في هذه الأمّةِ)). (16)

وقيل: بأنَّ التصوّف من الصفاءِ وتَزْكيَةِ النفسِ، وإفْرادِ القلبِ لله ـ تعالى ـ يقول أبو الفتحِ البَسْتيُّ ـ رحمه الله ـ :

تَنازعَ الناسُ في الصوفيِّ واختلفوا      وظَنَّــــهُ البعضُ مُشْتَقّاً من الصوفِ

ولست أمنحُ هـذا الاِسمَ غير فتى       صَفا فصُوفيَ حتّى سُمِّيَ الصُوفي   (17)

جاء في كتاب البرهان المؤيَّد،أنّ  السيد أحمد الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ قال: ((التصوف الإعراض عن غير الله، وعدم شغل الفكر بذات الله، والتوكل على الله، وإلقاء زمام الحال في باب التفويض، وانتظار فتح باب الكرم، والاعتماد على فضل الله، والخوف من الله في كل الأوقات، وحسن الظن به في جميع الحالات)). (18)

يقول شيخُنا، المُربي الكبيرُ، والعارِفُ بالله، الشيخ: عبد القادر عيسى ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابِهِ حَقائق عن التصوّف ما نَصُّه: ((ونحن إذْ نَدْعو إلى التَصوُّفِ، إنّما نَقصد به تَزْكيةَ النفوسِ، وصَفاءَ القلوب، وإصلاحَ الأخلاقِ، والوصولَ إلى مَرْتَبَةِ الإحسان)). (19)

ويقول الإمامُ الصاويُّ ـ رحمه الله ـ : ((فَأَهْلُ الشُّكْرِ صَفْوَةُ اللَّهِ تَعَالَى))، اصْطَفَاهُمْ، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ كَدَرِ الْقَلْبِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: صُوفِيَّةٌ: مِنْ صَفَا يَصْفُو إذَا خَلَُصَ، أَوْ مِنْ صُوفِيَ: إذَا صَافَاهُ غَيْرُهُ، أَوْ نِسْبَةً لِلبْسِ الصُّوفِ؛ لأَنَّهُ شَأْنُهُمْ تَبَاعُداً عَنْ التَّرَفُّهِ، وَقَالَ أَبُو العبّاسِ الْمُرْسِيُّ: الصُّوفِيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفٍ أَرْبَعَةٍ، فَالصَّادُ صَبْرُهُ وَصِدْقُهُ وَصَفَاؤُهُ وَالْوَاوُ وَجْدُهُ وَوُدُّهُ وَوَفَاؤُهُ، وَالْفَاءُ فَقْدُهُ وَفَقْرُهُ وَفَناؤُهُ، وَالْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ، إذَا تَكَمَّلَ نُسِبَ إلَى حَضْرَةِ مَوْلاهُ، وَقَالَ عَليٌّ الخوّاص ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ : لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لا يَكُونُ الصُّوفِيُّ صُوفِيًّا حَتَّى لا يَكْتُبَ عَلَيْهِ كَاتِبُ الشِّمَالِ شَيْئًا عِشْرِينَ سَنَةً، وليس المقصود أَنْ لا يَحْصُلَ مِنْهُ ذَنْبٌ، بَلْ المقصود، أنّه كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الإِمْهَالِ: أَيْ أَنَّهُ لا قَرَارَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ)). (20)

وقد ظهرتْ، فيما بعد عهدِ النبوَّةِ، تَسْمِياتٌ كثيرةٌ اقتضَتْها الحاجةُ وفَرَضَها التطوُّرُ والاختصاصُ، ولم يعترض عليها أحد، كالفُقهاء: وهمُ المُختَصُّونَ باسْتِنباطِ أَحكامِ الشريعةِ مِن مَصادِرِها المعروفة، والمفسِّرين: وهم الذين تَخَصّصوا بعلمِ تفسير القرآن، والمحدِّثين: الذين تَفرَّغوا لجمعِ حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وتصنيفه وحفظِه بإسنادِهِ، وتدوينِهِ، وبيانِ صحيحِه مِن ضعيفِهِ، وما هو موضوعٌ كَذِباً وافْتِراءً على سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ـ وكعِلْمِ النحوِ، وعلمِ البَلاغةِ، وعلم العَروضِ، وغيرِ ذلك من علومٍ مُسْتَحْدَثَةِ الأسماءِ، وكلُّها مِن أَصْلِ الشَريعةِ والدينِ، فهل يُعْقَلُ أَنْ نَقولَ بأنَّ عِلْمَ الحديثِ ـ مثلاً ـ هو علمٌ دَخيلٌ على المِلَّةِ والدينِ؟ أو هل يجوز أنْ نَقولَ: إنَّ الرسولَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكنْ فصيحاً بليغاً، وأَنَّ صحابَتَهُ ـ رضوانُ الله عليهم ـ لم يكونوا على دِرايَةٍ بهذهِ العلومِ، لمِجَرَّدِ كَوْنِ هذهِ الأسماء مُستحدثة؟ أوْ هل يَُسَوَّغُ لنا القولُ: بأنَّ امْرُؤَ القَيْسِ، وسِواه مِن شُعَراءِ العربِيَّةِ في الجاهليَّةِ، لم يكونوا على دِرايةٍ بالشِعْرِ، لأَنَّ عِلْمَ العَروضِ لم يَكنْ مَعروفاً في عصرِهم، وهُمُ الذين اسْتُنبطَ عِلْمُ العَروضِ من أَشعارِهم؟، المُهمُّ هو المُسَمَّياتُ وليس الأسماء.

وإذا دقّقتَ في التاريخِ الإسلاميِّ، وجَدْتَ مُعْظَمَ أهلِهِ، من مَشاهيرِ الرجالِ في كلِّ مجَالٍ، هُمْ مِن المُتَصَوِّفَةِ، سواءً أكان ذلك في مَيادينَ العِلمِ والزُهدِ والتَقوى، أوْ في مجالِ الجهادِ والتضحيةِ بالغالي والنفيس في سبيلِ اللهِ، ابتغاءً لمَرْضاتِهِ ـ سبحانَه ـ سواءً بقول الحقِّ والدعوة إليه، أو في ميادين القتال لإعلاء كلمة الله والذود عن حياض الدين والمقدّسات .

وتاريخُنا القديمُ الأوسطُ والحديثُ حافلٌ بهؤلاء الأبطال، الذين قارعوا الغزو الاستعماريَّ لبلادنا، من أمثال العزّ بن عبد السلام، والأمير شكيب أرسلان الدمشقي، في مقاومة الغزوَ الصليبيَّ، والأمير عبد القادر الجزائري، في مقاومة الاستعمار الفرنسيَّ، وعمر المختار، في مقاوم الاستعمار الإيطاليّ، وصلاح الدين الأيوبي، الذي شجّع المدارس الصوفيّة لتربية النشء على قيم الدين الإسلامي الحنيف، وأعدَّ منه الجيش الذي حرّرَ به القدسَ الشريفَ، وقضى على الحملة الصليبيّة، وطردَ الغزاةَ من بلادنا. والشيخ سعيد البرهانيّ، الذي خرج إلى ميسلون في جيش البطل يوسف العظمة، لمُلاقاة الجيش الفرنسي الغازي لبلادنا، كما شارك شيخُنا، الشيخ عبد الرحمن الشاغوريّ، في الثورة السوريَّة ضد الاحتلال الفرنسي لبلادنا العزيزة، وهؤلاء ـ كلُّهم ـ من كبار رجال التصوف ـ رحمةُ الله عليهم جميعاً ـ .

ولو أردنا تَعداد أسماءِ الصوفيّين في ميادين الجهاد والبطولة، لقصّرَ القلمُ، ولضاقت الصفحات، وما ثورةُ السادة النقشبنديَّة اليوم في العراق ضد المحتل الأمريكي، إلاّ صفحةٌ ناصعة البياض في تاريخ الحركات الصوفيّة.

أما فيما يتعلق بالمكانة العلمية لرجال التصوف، فقد أوضحها الداعية الإسلامي المعروف، الحبيب بن علي الجفري، بقوله: ((وتشكيكُ البعض في الصوفيَّة لن نسكت عنه.. لأنّ هذا يجنـي على الأمّة بأكملها, فتحويل صورة التصوف في أذهان الناس، على أنّه باطل وضلال وشرك وكفر، خطّةٌ يهوديّة تُبَثُّ بيننا .. لأنَّ هذا الكلام معناه عدم الثقة بالقرآن والسنة, ولِمَ؟ لأنّ جميع أسانيدنا ـ نحن أهلَ الإسلام ـ في رواية الكتاب والسنة مليئة بأئمة التصوف, لا يستطيع أحد، بل يعجز أن يروي سنداً صحيحاً في إجازة قراءة من القراءات السبع أو العشر للقرآن الكريم، إلا وفي أثناء السند إمام من أئمّة التصوّف .. فإن كانوا ضُلاّلاً مشركين أهلَ سوءٍ، إذاً فرواياتنا للقرآن مشكوكٌ فيها)). (21)

وعن صلاحهم وتقواهم، وتخلقهم باخلاق سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هاهو حجّةُ الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ يُبدي رأيه في السادة الصوفيَّين ـ رضي الله عنهم ـ بعد أن خَبرهم عن قربٍ، وعَرََفهم عن كثبٍ، وهو حجةُ الإسلام، الذي ذاد عن حياض الشريعة، وبيّن خطلَ الفرق الضالّة الكثيرة، التي ظهرت في زمانه، وحذّر من زيغها وضلالها، وهو إمام المدرسة النظاميّة، التـي كانت تخرِّج علماءَ الأمَّةِ وفقهاءَ الشريعةِ الإسلاميَّة، والدعاةَ الذين يبيّنون للناس طريقَ الحقِّ، والذي كان إذا جلس للدرس، حضر مجلسَه أربعُ مئةٍ كلُّهم علماء، بالإضافةِ إلى كبار رجالِ الحِكْم، يقول: ((.. إنّي علِمتُ يَقيناً أَنَّ الصُوفيَّةَ، همُ السالكونَ لِطريقِ اللهِ ـ سبحانَه وتعالى ـ خاصّةً .. وأَنَّ سيرتََهم أَحسنُ السِيَرِ وأنّ طَريقََهم أَصوبُ الطُرُقِ … وأنَّ أَخلاقَهم أَزْكى الأَخْلاقِ …، بل لو جُمِعَ عَقْلُ العُقلاءِ ، وحِكمةُ الحُكَماءِ …، وعِلمُ الواقفين على أسرارِ الشَرْعِ مِن العلماءِ، لِيُغَيِّروا شَيئاً مِن سِيرَتِهم وأخلاقِهم، ويُبَدِّلوه بما هو خَيرٌ منه …، لم يجدوا إليه سبيلاً …، فإنَّ جميع حَرَكاتِهم وسَكناتِهم، في ظاهِرِهم وباطنِهم، مُقْتَبَسةٌ مِن نُورِ مِشْكاةِ النُبوَّةِ ..، وليس وراءَ نورِ النبوّةِ على وجهِ الأرضِ، نورٌ يُستضاءُ بِهِ. وبالجُملةِ ماذا يقولُ القائلون في طريقَةٍ أَوَّلُ شُروطِها تَطهيرُ القلبِ بالكُلِّيَّة عَمّا سِوى اللهِ ـ سبحانَه وتَعالى ـ .. ومِفتاحُها الجَاري مِنْها مَجْرَى التحريمِ في الصلاة ..، اسْتِغْراقُ القَلْبِ بالكُلِّيَةِ بذكرِ اللهِ ـ سبحانَه وتعالى ـ وآخرُها الفَناءُ بالكُلِّيَةِ التامَّةِ في اللهِ ؟)). (22)

ورحم الله سيدي الغوث أبو مدين، الذي يصفهم بقوله:

قومٌ  كرامُ السجايا حيث ما جلسـوا               يبقى المكانُ على آثارهـــــم عَطِرا

 يُهدي التصوفُ من أخلاقهم طرقـــاً             حُسْنُ التــــــآلف منهم راقني نَظَرا

ورحم اللهُ القائلَ فيهم :

لله قومٌ إذا حلّوا بمنزلــــــــــــةٍ                 حلَّ السرورُ وسار الجودُ إنْ ساروا

تحيا بهم كلُّ أرضٍ ينزلون بهـا                 كأنَّهم في بقاع الأرضِ أمطـــــــــارُ

وتشتهي العينُ منهم منظراً حسناً               كأنّهم في عيون الناس أقمــــارُ

لا غيّب الله عنّا وجهكم أبـــــــداً               يا من لكم في الحشا والقلب تَذكارُ

ونختم هذا الباب بشهادة لواحدٍ من كبار مثقفيِّ هذا العصر، المفكر الإسلامي النابه، والصِحافيِّ اللاّمع، صديقنا الأستاذ محمد الراشد ـ حفظه الله ـ إذ يقول في كتابه {وحدة الجود من الغزاليّ إلى ابن عربيّ} ما نصُّهُ: ((الصفاءُ مِن الإنسان كالشُعاعِ من الشمسِ، وكالأَريجِ مِن العِطْرِ، وكالبَراءةِ من الطُفولةِ، لذا؛ كنتُ وما زِلْتُ أُصِرُّ، وبِضَرْب مِن الحَزْمِ والتأْكيدِ، بأنَّ التَصَوُّفَ صفاءٌ في القلبِ، وسُموٌّ في الشُعورِ .. أمّا لِبسُ الصوفِ، وتَرقيعُ الثيابِ، والزهدُ المتَعَسِّفُ، والرُكونُ، والخمولُ والكَسَلُ في الزوايا .. ذلك كلُّهُ ليس مِن الصُوفِيَّةِ في شيءٍ)). (23) ونحن نُثَنّي على قولِ الأُسْتاذِ الراشِدِ ، ونقولُ بقولِه، ونَشُدُّ على يَدِهِ، فالتصوُّفُ ـ برأينا ـ إيمانٌ وعلمٌ وعملٌ وحَسْب .

                                                                 مصادر الباب الأوّل:

1ـ جواهرُ البخاري بشرح  الإمام القسطلاّني: ص53 – 55

2ـ حقائق عن التصوّف: ص22 – 23 الشيخ عبد القادر عيسى

3ـ إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة: ص/4 / .

4ـ الرسالة القُشَيْرِيَّة: ص/126/ .

5ـ المصدر السابق .

6ـ المصدر السابق .

7ـ حقائق عن التصوّف: ص/ 14 / .

8 ـ المصدر السابق ، نفس الصفحة .

9 ــ المصدر السابق ، نفس الصفحة.

10 ــ إيقاظ الهمم: ص/5/ .

11 ــ الرسالة القشيرية: ص/128/.

12 ــ المصدر السابق .

13 ــ المصدر السابق .

14 ــ المصدر السابق .

15 ــ كتاب أشرف الوسائل في تحقيق أدقّ المسائل ــ للسيد محمّد أبو الهدى الصيّادي ــ ص 259 .

16 ــ المصدر السابق ــ ص 260ــ 262 .

17 ــ حقائق عن التصوّف ــ ص/16/  .

18 ــ البرهان المؤيد – (ج 1 / ص 130)

19 ــ حقائق عن التصوّف ــ ص/18/ .

20 ــ حاشية الصاوي على الشرح الصغير – (ج 11 / ص 231)

21 ـ معالم السلوك للمرأة المسلمة ) للشيخ الحبيب  الحبيب علي الجفري ــ ص/69 /

22 ـ المضنون  الصغير ــ ص 25 .

23 ـ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي للأستاذ محمد الراشد ــ ص23.


الباب الثاني :

نظرة السادة الصوفية إلى الكون

اِسْتَمَدَّ السادةُ الصوفيّون نَظرتَهم إلى الكونِ من الشرعِ الحنيفِ، فهو {أي الكون} ما خُلِقَ إلاّ لِتَظْهَرَ عليه تجليّاتُ الخالقِ ـ سبحانَه ـ ولِتَظهرَ فيه أَسرارُ حِكمَتِه وبَديعُ صَنعتِه، وإلاّ فليس له أَيَّةُ قيمةٍ بذاتِه، فظهورُ الحقِّ فيه عِلَّةُ وجودِه، وهو قائمٌ بقيّوميَّتِه ـ سبحانَه وتعالى ـ مستمرٌّ بمدَدِهِ.

يقول ـ جلّ مِن قائلٍ ـ في كتابه العزيز: ((هو الأولُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ)). (1) فإذا كان الحقُّ ـ سبحانه ـ هو الظاهرُ وهو الباطنُ وهو الأوّلُ وهو الآخر، فهل ثمَّة وجودٌ ـ على الحقيقةِ ـ لشيءٍ معه أو قبله أو بعده؟ وهل بعد الأوّلِ والآخِرِ والظاهرِ والباطنِ من شيءٍ؟ وماذا بعد الحقِّ إلاّ الضلال؟ إذاً فالكونُ، بما فيه، مجَازيُّ الوُجودِ حادثٌ زائل .

يقول العارف بالله أحمدُ بن عجيبة، شارح الحكم العطائيّة لابن عطاء الله السكندري، في شرحه لحكمة ابن عطاء التي يقول فيها: ((الكونُ كلُّه ظُلمةٌ وإنّما أناره ظهورُ الحقّ فيه)): {الكون من حيث كونِيَّتِه وظهورِ حِسِّهِ، كلُّه ظلمةٌ لأنّهُ حِجابٌ لمن وَقَفَ معَ ظاهرِهِ عنْ شُهودِ رَبِّه}. (2)

ويقول الشيخ الجليل السيد عبد الكر يم الجيلي، وهو حفيدُ الشيخ السيد عبد القادر الجيلاني ـ رضي الله عنهما ـ : ((الحمد لمن قام بحقِّ حمدِهِ اسمُ اللهِ، فتَجلّى في كلِّ كمالٍ اسْتَحقَّهُ واسْتوفاه، حقيقةِ الوُجودِ المطلقِ .. مَحْتِدِ العالَمِ الظاهرِ على صورةِ آدمَ .. روحِ صُوَرِ المخترَعاتِ، الموجودِ بكمالهِ ـ من غيرِ حُلولٍ ـ في كلِّ ذرَّةٍ، اللائحُ جمالُ وجهِهِ في كلِّ غُرَّةٍ .. بصفاتِهِ جَمُلَ الجمالُ وعَمَّ، وبذاِتهِ كمُلَ الكمالُ فَتَمَّ، لاحَتْ محَاسِنُـهُ على صَفَحاتِ خُدودِ الصِفاتِ واستقامتْ بِقَيُّوميَّةِ أحديَّتِهِ قُدودُ الذاتِ .. كما يَشاءُ ظَهَرَ في كلِّ ذاتٍ بكلِّ خَلْقٍ)). (3)

وفي كتابه المسمّى {نسيم السحر} يقول الجيليُّ ـ رضي الله عنه ـ : ((ألا ترى أنَّ الحقَّ ـ سبحانَهُ وتَعالى ـ لمّا أَرادَ ظُهورَهُ مِن عِلْمِهِ بالعَيْنِ، خَلَقَ العالمَ َوصَوَّرَهُ على صُورَتِهِ في حَضْرَةِ الأَيْنِ، ثُمَّ تجلّى على العالم بأسمائه وصِفاتِهِ فَعَرَفَهُ كلُّ ذي سَمْعٍ وعَيْنٍ، فالمَعْرِفَةُ نتيجةُ التَناكُحِ المَعْنَوِيِّ، أَيْ دُخولِ حُكْم الأَسْماءِ الإلهيَّةِ والصِفاتِ الرَ بّانيَّةِ في حقائقِ العالَمِ، فكانَ العالَمُ مخلوقاً مِنْهُ كما خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ آدمَ)).

ثم يقولُ في ذاتِ الموضوعِ والمَعنى شِعْراً نَقْتَطٍفُ منه هذيْن البيْتَيْن:

تَلوينُ هَذا الحُسْنِ في وَجَناتِـــهِ                       أَبَداً ولا تَلوينَ في طَلَعـاتِــــــهِ

فإذا تَرَكَّبَ حُسْنُ طَلْعَـــةِ شادنٍ                      مِنْ كلِّ حُسْنٍ فهو واحدُ ذاتِــــهِ (4)

فالحُسنُ إذاً، كما يرى السيّدُ الجِيليُّ، مَصْدَرُهُ واحدٌ وإنْ تَعَدَّدتْ مظاهرُه، فالجميلُ واحدٌ، وهو الحقُّ ـ جلَّ شأنُهُ ـ ولكنَّ تجليّاتِهُ متعدِّدةٌ، وكذلك مَظاهرُهُ، فلو قُدِّرَ لجميلٍ أنْ تجتَمعَ فيه كلُّ مظاهرِ الحُسْنِ والجمالِ، لكان هذا الجميلُ هُوَ اللهُ الواحدُ ذاتُه بلا شكٍّ ولا ريبٍ، لأنّه سيكون عندها كاملاً ولا كاملَ سوى الحقِّ ـ جلّ وعلا ـ . وكما سيتجلّى ـ سبحانه ـ على عبادِهِ في الآخرةِ بصورٍ مختلفةٍ ـ كما ورد في صحيح مسلم عن سيدِنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ فإنَّه يتجلى لقلوبِ عبادِهِ المؤمنين في الدنيا بصورٍ مختلفةٍ، كما ينبغي لذاتِه، مِن غيرِ تشبيهٍ ولا تكييفٍ. والعارفون يرونَه في الدنيا في جميعِ الصورِ والتجليّاتِ ـ رؤيا قلبية ـ ، في حين يحجب عنها أهلُ الحجاب، ـ لأنَّ قلوبهم مشغولة بغيره فكيف تراه؟ ـ ألم يَرَه سيّدُنا موسى ـ عليه السلام ـ في الجبل لمّا تجلى له في الجبلِ فصَعِق موسى لعظمة تجلّيه ـ سبحانه ـ؟ ولكنّ المؤمنين الذين سيُنعِمُ اللهُ عليهم برؤيتِه في الجنّة ـ بالبصيرة والبصر ـ ، سوف يؤتَوْن في الآخرةِ طاقةَ احتمالِ مشاهدةِ هذه العَظَمَةِ، متجلّياً عليهم بجماله ـ جعلنا اللهُ منهم ـ أمّا في الدنيا فإنَّ الأبصارَ مهيئةٌ لمشاهدة المخلوقاتِ وحسب، ولذلك فلا سبيلَ إلى مشاهدتِه إلاّ في المظاهرِ الماديّةِ لهذه التجلّيات. يقول الشيخ إبراهيم الدسوقي ـ رضي الله عنه ـ :

سقانيَ محبوبي بكأسِ المحبَّـــــةِ                        فتِهتُ على العُشّاقِ سُكراً بخلوتي

ولاح لنا نورُ الجَلالةِ ؛ لو أَضـا                         لِشُمِّ الجبالِ الراسيـــــــاتِ لَدُكَّتِ

وكنتُ أنا الساقي لمن كان حاضراً                       أَطوفُ عليهم كرَّةً بعـــــــدَ كَرَّةِ

تجلّى ليَ المحبـوبُ في كلِّ وُجْهَةٍ                       فشاهدْتُـــهُ في كلِّ مَعنًى وصُـورةِ  (5)

وكلُّ ما في الوجود هو مظاهرُ لتجلّياتِ الذاتِ الإلهيّةِ.يقولُ ربُّنا ـ جلَّ في عُلاه ـ : ((ولله المشرق والمغربُ فأينما تُولّوا فثَمَّ وجهُ اللهِ إنّ اللهَ واسعٌ عليم)). (6) فمن أنت أيُّها الإنسانُ لتغتر َّبنفسِكَ فترى لكَ، أو لغيرك من الموجودات، وجوداً مستقلاًّ عنه؟ فا ستمعْ إلى ربِّك: ((الذي خلقك فسوّاك  فعَدَلَكَ، في أيِّ صورةٍ ما شاءَ ركَّبَكَ)). (7) واشْهَدْهُ في جميعِ مظاهرِه واحداً أَحَداً لا نِدَّ له ولا شريكَ له في وجودِه، يقول أحدُ العارفين:

إياك تشْهدَ غيرَه ودعِ العَنـــــا                          لا أنت في هـذا الوجود ولا أنا

إنَّ الوجودَ هو الحقيقيُّ الذي                            كنّا به وبِهِ نعودُ إلى الفَنــــــا

واستمعْ إليه يُذَكِّرُكَ بمبدأِ خلقِكَ وحقيقةِ نفسِكَ ، إذ يقولُ في محكمِ كتابِه العزيز: ((هل أتى على الإنسانِ حينٌ منَ الدهرِ لم يكن شيئاً مذكوراً  * إنّا خَلَقْنا الإنسانَ مِنْ نُطفةٍ ، أَمْشاجٍ نَبْتليه فجعلناه سميعاً بصيراً *)) . (8)

ولم يَدَعْكَ ربُّك بعد أنْ خَلقك هكذا، بل إنّه ـ سبحانه وتعالى ـ يُمِدُّكَ بالحياة  في الأنفاسِ واللّحظات: ((كُلاًّ نُمِدُّ هؤلاءِ وهؤلاءِ من عطاءِ ربِّكَ، وما كان عطاءُ ربِّكَ محظوراً)). (9)

ولا أنت ببعيدٍ عنه، ولا هو عنك بغافل: ((ولقد خلَقنا الإنسانَ ونعلمُ ما توسوسُ به نفسُهُ ونحنُ أقربُ إليه من حَبْلِ الوريد)). (10)

وهو معيدُك ومحاسبك يوم القيامة، وقد أقام عليك الحجّةَ والشهود: ((إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قَعيد * ما يَلْفِظُ مِن قولٍ إلاّ لديْه رقيبٌ عَتيد * وجاءت سكرةُ الموت بالحقِّ، ذلك ما كنتَ من تحَيد* )). (11)

إذاً أين هو منكَ وأين أنتَ منه، إذا كان أقربَ إليكَ مِن حَبْلِ وريدِك، ويعلمُ ما تُحدِّثُكَ به نفسُك؟ فاحذرْ أنْ تغتر َّبنفسك فتعصيَه، وإنَّ مِن أعظمِ الذنبِ وأفظعِ المعصيَةِ أنْ تَرى لنفسِكَ أيَّ وجودٍ مستقلٍ عنه، أو لغيرِك من المخلوقات ومالك من عملِك إلاَّ النيَّةُ أو الاختيارُ أو التوجُّه، الذي إنّما عليه تُحاسَبُ.

يقولُ الرسولُ الكريم ـ عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم ـ : ((إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ وإنّما لكلِّ امْرئٍ ما نَوى …)). (12)  فأنت ليس لك من العملِ إلاّ النيَّةُ فقط، لأنَّ العملَ مخلوقٌ من خلقِ اللهِ، مثلُك: ((واللهُ خَلَقكم وما تَعملون)). (13) وكلُّ ما في الكونَ مِن خلقِ الله وتدبـيرِهِ ـ جلَّ شأنه ـ فإيّاكَ ثمَّ إيّاكَ أنْ تَرى لكَ، أو لغيرك من الخلقِ، أيَّ وجودٍ معه، فهو من الشِرْكُ: ((إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ به ويَغفِرُ ما دون ذلكَ لمن يشاء)). (14)

ولنُقرِّبَ إلى أفهامِنا هذه المسألةَ، في تَعدُّدِ المظاهرِ لِذاتٍ واحدةٍ نَضرِبُ المثالَ الآتي ـ ولله المثلُ الأعلى ـ : إذْ إنَّ التَيّارَ الكَهربائيَّ يَسْري في الأَسْلاكِ فيَظهرُ بمظاهرَ مخـتلفةٍ، متنوعةٍ بتنوُّعِ الأجسامِ التي يظهرُ فيها، فيَكون في المِصباحِ نُوراً مُتوهِّجاً بلونٍ أَبيضَ، أو أخضر، أو أحمرَ، أو أصفرَ، أو أزرقَ، أو غيرَ ذلك، بحسَب لونِ الزُجاجةِ. ويسري في التلفازِ، فيكونُ لهُ مَظهرٌ مختلفٌ آخر, من صوتٍ وصورةٍ، أمّا في المذْياع، فيكونُ صَوْتاً وحسْب، فإذا سَرى في آلةٍ أُخرى: مِكْنَسَةٍ، أو غَسّالةٍ، أو مِروحَةٍ، أو مِدْفأةٍ، ظَهَرَ هذا التيّارُ بما يُناسبُ الآلةَ التي سَرى فيها، حيث يكون حركةً أو حرارةً أو … وهَكذا، والتيّارُ واحد .

وكذلك الشمسُ تُرْسِلُ أشِعَّتَها فتَرْفعُ من درجةِ حرارةِ الأرضِ باعثةً فيها الدفءَ والخِصْبَ والحياةَ، فتُنبتُ الزرعَ، وتُحرِّكُ الهواءَ، وتُساهمُ في تَكوين غِذاءِ النباتاتِ، وتقتلُ الكثيرَ مِن الجراثيمِ والحشراتِ والبكترياتِ، وتبثُّ الحياةَ في مخلوقاتٍ أُخرى بِمشيئتِهِ وقدرته ـ سبحانَه ـ وتَسْقُطُ أَشعّتُها على سطحِ الماءِ، في المحيطاتِ والبِحارِ، فتُبخِّرُ منهُ ما شاءَ ربُّها لتَتَشَكّلَ الغيومُ التي تتساقطُ على الأرضِ قَطراتٍ تحيي مَواتَها، وهي قبلَ هذا وبعدَه مصدرُ الضوءِ في النَّهار، وفي الليلِ حيث تَنْعَكِسُ أَشِعَّتُها على سَطْحِ القَمرِ فيكونُ لها ضوءٌ آخر مختلفٌ عن ضوءِ النهارِ.

كلُّ هذهِ المظاهِرِ وغيرُها كثيرٌ، يَصْعُبُ حَصْرُهُ، لِجُرْمٍ واحدٍ هو الشَمْسُ، مَظاهرُ وفوائدُ لا يُحصيها إلاّ خالقُها ـ جَلَّ وعَلا ـ الذي خلَقَ الخلائقَ وقَدَّرَ الأقدار.

وهذه كلُّها أَمثلةٌ لتقريبِ المسألةِ وتَبْسيطِها للأذهان، ولكنْ شَتّانَ ما بين الخلقِ والخالقِ الذي ليس كَمِثلِهِ شيءٌ، إنّما هي من الملموسِ المحسوسِ الذي يمكنُ للعقل إدراكُهُ واستيعابُه وفهمُه، فنحن نُعاين ذلك ونلمَسُهُ ونُحِسُّ به كلَّ يومِ .

وهذه المظاهرُ هي في الخلقِ عاريةٌ مُستَرَدّةٌ، ليُعْرَفَ اللهُ، فالجميلُ منها ليَدُلَّ على الجَميلِ، وما فيها من مَظاهرِ القوَّةِ ليَدُلَّ على القويِّ، وسمعُها يَدُلُّ على السَميعِ، وكذلك بَِصرُها، وقُدرتُها، وعلمُها، وسائرُ صفاتِها ومَظاهِرِها، فلولا الجمالُ الظاهرُ المجازيُّ ما عَرَفْنا الجمالَ المطلقَ الأبديَّ الأزليَّ، ولولا هذا البصرُ الحادثُ ما عُرِفَ كيف يكون الإبصارُ ، وهكذا…

تَصوّرْ أنَّ أحداً مّا حَدَّثَ الناسَ عن جهازِ الحاسوبِ أو التلفازِ قبلَ ألفِ عامٍ ـ مثلاً ـ مَنْ مِنَ الخلقِ كان يمكنُ له إدراكُ هذه الآلةِ المُعْجِزةِ؟ فأنّى للعقلِ البشريِّ ـ إذاً ـ أنْ يُدرِكَ ذاتَ الحقِّ الذي ليس كمثلِه شيءٌ ؟!

لذلك، كان لا بدَّ من مخلوقاتٍ حِسيَّةٍ تظهرُ فيها صفاتُ الذاتِ الإلهيَّة، فـ ((خلقَ اللُه آدم على صورتِه..)). (15) وأهَّلهُ لمعرفتِه: ((وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدون)) . (16) ويعبدون: أي يَعرِفون، كما قال عددٌ من المفسِّرين منهم عبدُ الله بنُ عبّاس، والإمامُ سفيان الثوريّ ـ رضي الله عنهم ـ إذِ المعرفةُ أَعْلى درجاتِ العِبادةِ. فقد جاءَ عن الحبيب المصطفى ـ صلّى الله عليه وسلَّم ـ أنّه قال: ((تَفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سبعين عاماً)). (17) أَيْ ما يعدلُ عُمرَ ابنِ آدمَ كلَّهُ يَقضيه في العبادة. وأخرجه الديلمي مرفوعاً عن أنس أنه ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قال: ((تفكّرُ ساعةٍ في اختلافِ الليلِ والنهارِ خيرٌ من عبادةِ ثمانين سنةً )). (18)

وسئل ـ عليه الصلاة والسلام ـ : أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ؟ قال: ((العلْمُ بالله)) قيلَ: يا رسُولَ الله سَأَلْتُاكَ عن العملِ؟ فقال: ((العلمُ بالله))، ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((إذا حَصَلَ العلمُ بالله كَفَى قلِيلُ العَملِ)) أو كما قال. (19)

وكان أبو الدرداء ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول: ((تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ)). (20) وإنَّ المخلوقاتِ جميعَها تَعْرِفُ اللهَ بالفطرةِ، لقوله ـ سبحانَه ـ : ((وإنْ مِنْ شيءٍ إلاّ يُسبِّحُ بحمدِهِ ولكنْ لا تَفقهون تسبيحَهم)). (21) إلاّ ابنَ آدمَ، فإنَّ اشْتِغالَ عقلِه وحواسِّه بالمحسوسات، يُبْعِدُه عن فِطرته ((التـي فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها)). (22) ولذلك كان بحاجةٍ إلى النظرِ والاسْتِدلالِ ليعرِفَ الصانِعَ ـ سبحانَه ـ بِصَنعتِه، قال ـ جلَّ من قائلٍ ـ : ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبِهم، ويتفكَّرون في خلقِ السموات والأرض، ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقِنا عذابَ النار )). (23) وقال: ((أَفَلا يَنظُرونَ إلى الإبِلِ كيف خُلِقَتْ * وإلى السمـاءِ كيف رُفِعَتْ * وإلى الجِبالِ كيف نُصِبَتْ * وإلى الأَرضِ كيف سُطِحَتْ)). (24)

ثمّ ليأخذْ نفسَهُ بالرياضةِ والذِكْرِ ليعودَ إلى فِطرتِهِ، وبِذلك يحقِّقُ سببَ وجوده والحكمةَ مِنْ خلقِه فيَفْضُلُ جميعَ المخلوقاتِ، ويجزى على ذلك الجَزاءَ الأوْفى، فقد جاء في الحديثِ القُدسيِّ: ((كنتُ كَنزاً مخْفيّاً، فأحبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ، فخلقتُ الخلقَ وتعرَّفتُ إليهم، فعَرَفوني)). (25) وهذه المظاهرُ ستؤدي وظيفتَها، وسَتَزولُ، ولكنَّ اللهَ باقٍ لا يَحولُ ولا يزول، يقول الجِيليُّ:

كلُّ ما في عَوَالِمي من جَمادٍ                         ونَباتٍ وذاتِ روحٍ مُعــاري

صُوَرٌ لي تَعَرَّضتْ وإذا مــا                        أَزَلْتُها لا أَزولُ وهي جَواري (26)

والصوفيَّةُ يُدْرِكونَ هذا كلَّه، ويُبصرونَهُ، لكنّهم يُبصرون الظاهرَ في هذهِ المَظاهرِ، فلا يَقفونَ عندَها، ولا يُحْجَبون بها، فوظيفتُها أَنْ تَدُلهَّم على ربِّهم وتُوصِلَهم إلى الحقِّ وحَسْب، وهم في ذلك إنمّا يتّبعون الرسولَ ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ الذي يقول: ((لم أنظرْ قَطُّ إلى شيءٍ إلاّ أبصرتُ اللهَ فيه)) أو ((.. إلا رأيتُ اللهَ أقربَ إليَّ منه)). (27)

ويقتدون بصحابتِهِ الكرام ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ فهاهو  أبو بكرٍ الصِدّيقُ ـ رضي الله عنه ـ يقول: ((ما رأيتُ شيئاً قطُّ إلاّ رأيتُ اللهَ قبلَهُ)).(28) وسُئلَ بِمَ عَرَفْتَ ربَّك؟ فأجاب: ((عَرَفْتُ رَبِّي بِرَبّي، ولولا ربّي ما عَرَفْتُ ربّي)). (29)

وأمّا الفاروقُ عمرُ بنُ الخطّابِ ـ رضي الله عنه ـ فإنّه يقول: ((ما رأيتُ شيئاً إلاّ رَأيتُ اللهَ فيه)). (30)

وأمّا سيّدُنا عُثمانُ ابنُ عفّانَ، ذو النورين ـ رضي اللهُ عنه ـ فيقول: ((ما رأيتُ شيئاً قَطُّ إلاّ رأيتُ اللهَ بعدَهُ)). (31)

وسُئلَ سيّدُنا عليٌّ ـ كرَّم الله وجهَه ـ بمَ عَرَفتَ ربَّك؟ فقال: ((عَرَفْتُ ربّي بما عَرَّفَني به نفسي، لا يُدْرَكُ بالحواسِّ ولا يُقاسُ بالناسِ، قريبٌ في بُعْدِه، بعيدٌ في قُرْبِهِ، فوق كلِّ شيءٍ ولا يُقالُ تحتَهُ شيءٌ، فسبحان مَنْ هو هكذا ولا هكذا غيرُه)). (32)

وبناءً على ذلك يقول ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ في إحدى حِكَمـهِ: ((فمن رأى الكونَ ولم يشهدْهُ فيه، أو عندَهُ، أو قبلَهُ، أو بعدَهُ فقد أَعْوَزَهُ وُجـودُ الأَنوارِ، وحُجِبَتْ عنه المعارفُ بِسُحُبِ الآثارِ)).(33)

ويقول الإمامُ الجِيليُّ :

اِجْنِ الثمارَ فإنّمــــــــــا                    غُرِستْ لكي تجَنيهــا

واشربْ من الثغرِ المُدا                    مَ فَخَمْرُ فيها.. فيهــــا

وأدِرْ  كؤوسَكَ راشـــداً                   رغمَ الذي يَطويهــــــا

أَبْدَتْ محَاسنَها سُعــــ                      ــادُ فلا تكنْ مُخْفيهــا

ودَعِ اغْتِرارَك بالسِــوى                   ليسَ السِوى يَدْريهـا

وكُلِ اللُّبابةَ وارْمِ بالــــ                   ـقِشْرَةِ الذي يُبْديهــا

ثمَّ فصّلَ الشيخُ الجيليُّ، في ذلك ،وبيّنَ مصدَرَه ومرجِعَه فقال: ((والاسمُ الظاهرُ في المرتًـبَةِ الرحمانيّةِ هو الرحمنُ، وهو اسمٌ يَرْجِعُ إلى أسمائِه الذاتيَّة وأَوصافِهِ النَفْسيَّةِ، وهي سبعةٌ: الحياةُ، والعلمُ، والقُدْرَةُ، والإرادةُ، والكلامُ، والسمعُ، والبصرُ، والأسماء الذاتيّة كالأحديّةِ والواحديّةِ والصَمَديّةِ والعظمةِ والقُدّوسيّةِ وأَمثـالهِا، ولا يكونُ ذلك إلاّ ـ واختصاصُ هذه المرتبةِ بهذا الاسمِ ـ للرحمةِ الشاملةِ لكلِّ المراتِبِ الخَلْقيَّةِ، فصارتِ الرحمةُ عامَّةً في جميعِ الموجوداتِ، مِن الحضرةِ الرحمانيَّةِ، فأوّلُ رحمةٍ رَحِمَ اللهُ بها الموجوداتِ أَنْ أَوْجَدَ العالَمَ مِنْ نفسِه، قال تعالى: ((وسخّرَ لكم ما في السمواتِ وما في الأرضِ جميعاً مِنْهُ)). (34)  ولهذا سَرَى ظُهورُهُ في الموجوداتِ فظَهَرَ كمالُهُ في كلِّ جُزءٍ وفَردٍ مِن أَفرادِ وأَجزاءِ العالَمِ، ولم يتعدّدْ بتعدُّدِ مَظاهِرِهِ، بل هو واحدٌ في جميعِ تلك المظاهرِ، أَحَدٌ على ما تَقْتَضيهِ ذاتُهُ الكريمةُ في نفسِها … وسِرُّ هذا السَريانِ أَنْ خَلَقَ العالَمَ من نفسِه، وهو لا يَتَجَزّأُ فكلُّ شيءٍ مِن العالَمِ هو بكمالِهِ، واسمُ الخَليقةِ على ذلك الشيءِ بحُكْمِ العارِيَةِ … فمَثَلُ العالَمِ  مَثَلُ الثَلجِ، والحَقُّ ـ سُبْحانَه وتَعالى ـ الماءُ الذي هو أصلُ هذا الثلجِ فاسْمُ تِلْكَ الثَلْجَةِ على ذلك المُنْعَقِدِ مُعارٌ، واسْمُ المائيَّة عليهِ حَقيقةٌ)).(35)ثمَّ يقولُ في ذلك المعنى نظماً:

ما أنتَ إلاّ واحـدُ الحُسْنِ الــــــذي                                تمَّ الكَمَالُ لهُ بِلا نُقصــــــــــــــانِ

فلئن بَطنْتَ وإنْ ظَهَرْتَ فأنــتَ في                                ما تَسْتَحِقُّ مِن العُلا السُبْحاني (36)

وله في نفس المعنى نظمٌ آخر، يقول:

تجلّيتَ في الأشياءِ حين خَلَقْتَهـــا                                  فهاهي مِيطَتْ عنكَ فيها البَراقِــعُ

وما الخلقُ في التِمْثالِ إلاّ كَثَلْجَــةٍ                                 وأَنْتَ بها الماءُ الذي هو نافــــعُ

ولكن بِذَوْبِ الثلجِ يُرْفَعُ حُكْمُـــــهُ                                 ويُوضَعُ حُكْمُ الماءِ والأَمرُ واقـعُ

تجمَّعتِ الأضدادُ في واحدِ البَهــا                                  وفيهِ تَلاشَتْ وهو عَنْهُنَّ سَاطِــعُ

محاسنُ مَن أنشــــــــاه ذلك كلّه                                  فوحّدْ ولا تُشركْ بهِ فهو واسِــــعُ

وأَطْلِقْ عِنانَ الحَقِّ في كلِّ ما تَرى                               فتلكَ تجليّاتُ مَنْ هو صانــــعُ  (37)

أمّا ابنُ الفارِضِ ـ رحمه الله ـ فإنَّه يقولُ في تائيَّتِهِ الكبرى من ديوانه، مُؤكِّداً هذا المعنى، ولكن بأسلوبٍ آخرَ:

وسِرُّ جمالٍ منكَ، كلُّ مَلاحـــــــــــــةٍ                           بِــــــــــــــــــهِ ظَهرَتْ للعالَمينَ فَتَمَّتِ

جَلَتْ في تجلّيها الوُجـــــــودَ لناظِري                           ففي كلِّ مَرْئيٍّ أَراها بِرُؤيَـــــــــــــــة

وطاحَ وُجودي في شُهودي وبِنْتُ عن                          وُجودِ شُهودي ماحِيـــــــــاً غيرَ مُثْبِتِ

وصَرّحْ بإطلاقِ الجَمــــــــالِ ولا تَقُلْ                        بِتَقْييــدِهِ مَيْلاً لِزُخْرُفِ زِينَـــــــــــــــــةِ

 فكلُّ مليحٍ حُسنُهُ من حُسْنِهــــــــــا                           مُعارٌ لها، بل حُسْنُ كلِّ مليحَـــــــةِ

بهــــا قيسُ لُبْنى هامَ بلْ كلُّ عاشقٍ                             كَمَجْنــــــــــونِ ليلى أَوْ كُثَيِّرِ عَزَّةِ

وتَظهرُ للعُشّـــــــاق في كلِّ مَظْهرٍ                            من اللَّبْسِ في أَشكالِ حُسْنٍ بَديعـةِ

ففي مَرَّةٍ قَيْساً وأُخـرى بُثَيْنَــــــــــةً                            وآوِنَة تُدْعى بِعَزَّةَ عَــــــــــــــزَّتِ

وما ذاك إلاّ أنْ بَدَتْ بمظاهـــــــــرٍ                           فَظَنّوا سِواها وهي فيهــــا تجَلَّتِ

وما القومُ غيري في هواها وإنمّـــا                           ظَهرَتْ لهم للَّبْسِ في كلِّ هيئــــةِ

بَدَتْ باحتجابٍ واخْتَفَتْ بمظاهــــرٍ                           على صِبَـغِ التَلوينِ في كلِّ بَرْزَةِ (38)

يشير إلى ظهور هذا الجمال المطلق وسَريانِه في كلِّ التعيينات الجميلة، مع بقائه هو على ما هو عليه من الإطلاق، وهذا الذوقُ هو الذي يكشف، لمن تحقّقَ به، أنَّ الوجودَ الواحدَ المطلقَ قد تَعَشَّقَ ذاتَه، وسرى في عين العاشقِ وعين المعشوق، فهو لُبْنى وبثينةٌ وعَزَّةٌ، وهو قيسٌ وكثيِّرٌ وجميلٌ . وأنشدوا في هذا المعنى أيضاً :

اللهُ اللهُ .. لا عقلٌ يُصـــــــوِّرُهُ                            والكونُ يُثْبِتُهُ في سائرِ الصُوَرِ

والشرعُ يُطلقُهُ وقتـاً ويَحْصُـرُهُ                            والوهْمُ يَعبُدُه في صورةِ البَشَرِ (39)

 وأنشدوا أيضاً في نفس هذا المعنى:

فمَا تَرى عينُ ذي عينٍ سِوى عَدَمٍ                            فَصَـــــــحَّ أَنَّ الوُجودَ المُدْرَكَ اللهُ

وما يَرى اللهَ غيرُ اللهِ فاعتَبِـــــروا                         قَوْلي لِيُعْلَمَ مَنْحاهُ ومَغْـــــــــزاهُ (40)

وكان أبو يزيدٍ البَسْطاميُّ ـ رضي الله عنه ـ يقول: ((الحقُّ عَيْنُ ما ظَهَرَ ، وليس ما ظَهَرَ عَيْنُ الحقِّ)). (41) وقد شبَّهَ أبو الحسنِ الشاذليُّ ـ رضي الله عنه ـ الخلقَ بالينابيب التي تَبْدو لِعَيْنِكَ صاعدةً هابطةً في حَرَكَةٍ دائبةٍ، إذا ما نظرتَ إلى نافِذَةٍ تدخلُ أشعّةُ الشمسِ منها، يقول: ((إياك أنْ تَشهدَ معَ اللهِ خلقّاً ، وإنْ كان لا بُدَّ من شهودكِ لهم ، فاشْهَدْهم كالينابيبِ التي في كُوَّةِ الشَمْسِ ، تَراهم مُتحرّكين صاعدين وهابطين ، وإذا قَبَضْتَ عليهم لم تجدْهم ، مَشهودون في الشُهودِ مفقودون في الوُجود)). (42) ولنا في هذا المعنى:

راودتُ قلبي على السلوانِ فاعتــذرا                       وقال:مـا حيلتي إذْ لم أكُنْ حَجَـــــرا؟

قلبٌ أنا للهوى والعشقِ أوجَــــــدَهُ                         ربُّ الجمَالِ الذي قد أَبْدعَ الصُوَرا

مَن لَوّن الحُسْنَ إغْـراءً لعاشقِـــــهِ؟                       مَنْ ألْهَبَ القلبَ أمْ مَنْ أَطْلَقَ البَصَرا

مَن رَعْرَعَ الوَرْدَ مَزْهُوّاً بوجنتِــــــهِ؟                    أمْ مَن أَعارَ الدُجا مِن حُسْنِهِ قَمَـرا؟ (43)

وفي هذا المعنى يقول العلاّمة أحمد حيدر: ((إنَّ الصِفاتِ الإبداعيَّةَ هي مَظاهرُ أفعالِ اللهِ، ولا قِوامَ لها إلا بموجدِها)). (44)

وأقوالُ السادةِ الصوفيَّةِ في ذلك أكثر من أن تُحصى، شعراً كانت أو نثراً، إذ إنَّ مهمّةَ التصوفِ الأولى هي تدريبُ النفس على رؤية الحقِّ ـ تبارك وتعالى ـ واحداً في وجوده، وإزالةُ جميعِ الحُجُبِ عن عين البصيرة لشهودِ وحدانيّتِهِ ـ جلَّ في علاه ـ يقولُ الإمام الغزالي ـ رضي الله عنه ـ بعد أن سرد حكاية هجره عملَه في المدرسة النظامية ببغداد، والتخفّي والاعتكاف مدّة عامين في مئذنة العروس في الجامع الأمويِّ بدمشق، وكان يدعو بهذا الدعاء ((اللهم عرّفنـي إليكَ ودلّنـي على من يدلُّنـي عليك)) يقول: ((فلمّا علِمَ الله ـ تبارك وتعالى ـ صدقي دلّنـي على شيخي يوسف النسّاج، فما زال يصقل مِرآةَ قلبـي حتّى رأيتُ اللهَ ـ تبارك وتعالى ـ في المنام، فقال لي يا أبا حامد دَعْ شواغلك واصحبْ قوماً جعلتُهم في أرضي محلُّ نظري، فقلتُ: بِعِزّتك إلاّ أذقتنـي بردَ حُسْنِ الظنِّ بهم، فقال: ((قد فَعَلتُ)). (45) فلما استيقظتُ قَصصتُ رؤياي هذه على شيخي يوسف النسّاج فقال لي: ((يا أبا حامد هذه ألواحُنا في البداية..)).

والقصّة بكامل تفاصيلها موجودة في كتابه المسمّى {المنقذ من الضلال}. وهذه هي ثمرةُ التصوّف وغايته، وهذه هي وظيفةُ الشيخ: أن يسير بك حتى يزجّ بك في أنوار الحضرة الربّانيّة، ثم يقول لك: ((ها أنت وربّك)) فإذا أصبحت ترى الله متجلّياً في كلِّ شيءٍ حسّاً وشهوداً فقد وصلتَ وكَمُلَ إيمانُك .

يقول أبو يزيدٍ البسطاميّ ـ رضي الله عنه ـ : ((لـو أنَّ العرشَ وما حواهُ مليون مرَّةٍ في زاويةٍ من زوايا قلب العارف، ما أحسَّ به)) . (46) وكيف يحِسُّ بمخلوق قلب وسع الخالق العظيم ؟!

يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: ((لم يَسعْنـي أرضي ولا سمائي، ووسعنـي قلب عبدي المؤمن اللّين الوادع)). (47)

يقول الجنيد ـ رضي الله عنه ـ : ((إنَّ المُحْدَثَ إذا قُرنَ بالقديمِ لم يبق له أَثَرٌوقلبٌ يَسَعُ القديمَ كيف يُحِسُّ بالمُحْدَثِ موجوداً ؟!)). (48)

ويقول أبو الحسن الشاذلي ـ رضي الله عنه ـ : ((إنّا لننظر إلى الله ببصائر الإيمان ، فأغنانا ذلك عن الدليل والبرهان))، ويقول أيضاً: ((إنّا لا نرى أحداً من الخلق، هل في الوجود أحدٌ سوى الملك الحقّ؟)). (49)

وثمّةَ مقامٌ يسمّيه العارفون مقامَ جمعِ الجمعِ، يَفنى فيه العبدُ بحضرة ربِّه فناءً كلِّيّاً، فإذا نظرَ فإلى ربّهِ, وإذا سمعَ فإنّما يسمَعُ ربَّهُ وإذا تحرك فبه وهكذا .

يقولُ الشيخُ الأكبرُ ـ قدّس اللهُ سِرَّه ـ : ((واعلمْ أنَّ كلَّ حُبٍّ لا يحكمُ على صاحبِهِ بحيثُ أنْ يُصِمَّهُ عن كلِّ مسموعٍ، سِوى ما يَسمَعُ من كلامِ محبوبِهِ، ويُعْميهِ عن كلِّ مَنْظورٍ، سوى وَجْهِ محبوبِهِ، ويُخرسُهُ عن كلِّ كلامٍ إلاّ عن ذكرِ محبوبِهِ وذكرِ مَن يُحِبُّ محبوبُهُ، ويُخْـتَمُ على قلبِهِ فلا يَدخُلُ فيهِ سوى حُبِّ محبوبهِ، وَيرْمي قُفْلَهُ على خِزانَةِ خَيالِهِ فلا يَتَخَيَّلُ سوى صورةِ محبوبِهِ، إمّا عن رؤْيةٍ تَقَدَّمتْهُ، وإمّا عن وصْفٍ يُنشئُ مِنْهُ الخيالُ صورةً، فيكونُ كما قيلَ:

خيالُكَ في عيني وذكرُ ك في فَمِي                            ومَثْواكَ في قلبي فأيـــــــن تغيبُ ؟

فبه يسمَعُ ولهُ يسمَعُ، وبه يبصرُ ولهُ يبصِرُ، وبه يتكلَّمُ ولهُ يتكلّم …)) ويتابعُ الشيخُ: ((ولقد بلغَ بي قوَّةُ الخيالِ أنْ كان حُبّي يُجَسِّدُ لي محبوبي من خارجٍ لعيني كما كان يتجسَّدُ جبريلُ لرسولِ الله ـ صلّى اللهُ عليه وسلَّم ـ فلا أقدِرُ أنْظُرَ إليه، ويخاطبني وأُصغي إليهِ وأفهمُ عنهُ، وقد تركني أيّاماً لا أُسيغُ طعاماً، كلَّما قُدِّمتْ لي المائدةُ يَقِفُ على حَرْفِها وينظرُ إليَّ ويقولُ لي بلسانٍ أسمعُهُ بأُذنيَّ: تأكُلُ وأنتَ تُشاهدُني ؟! فأمتنعُ مِن الطعامِ ولا أجدُ جوعاً وأمتلئُ منهُ، وقد سمنتُ وعَبَلْتُ من نظري إليه، فقامَ لي مقامَ الغذاءِ، وكان أصحابي وأهلُ بيتي يتعجَّبون من سِمَني مع عدم الغذاءِ، لأنّي كنتُ أبقى الأيامَ الكثيرةَ لا أذوقُ ذَواقاً، ولا أجِدُ جوعاً ولا عطَشاً، لكنَّه كان لا يبرَحُ نُصْبَ عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسُكوني ...)) ثم يضيفُ: ((واعلم أنَّه لا يستغرقُ الحُبُّ المُحِبَّ كلّهُ إلاّ إذا كان محبوبَهُ الحقُّ تعالى)) . (50)

وقد سمعتُ من شيخِنا، العارفِ بالله، المرشدِ الكاملِ، الشيخ عبد الرحمن الشاغوري ـ رحمه الله تعالى ـ : أنَّ هذه الحالُ من السُكْرِ، أو البُهْتِ دامتْ على الشيخِ الأكبرِ ـ قُدِّس سِرُّه ـ ذات مرَّةٍ ستَّةَ أشهُرٍ، ولمّا أَفاقَ مِنْ سُكْرِهِ سأل مَنْ حولَه إنْ كانوا قد لاحظوا تَغَيُّراً في سلوكِهِ خلالَ هذه الفترة ، فقالوا: لاشيءَ سوى أنّهم كانوا ينظرون في عينيْه فيرونهما جامدتين لا تتحرَّكان، وقد كان يقوم بأعمالهِ وواجباتِه المعتادة على أكملِ وجْهٍ، وذلك لأنّه كان قد حفِظَ اللهَ في صَحْوِهِ فحفِظَهُ في سُكْرِهِ .

وإلى هذا الركنِ الركين استندتُ حينما قلتُ :

قلبي لِعِزِّكَ يخشَــــــعُ                                     ولكَ الجَوارحُ تَخْضَـعُ

يا مَن وَعَتْهُ مَسامِعي                                      في كلِّ صَوْتٍ  يُسْمَعُ

يا مَنْ رأَتْـهُ بَصيـــرتي                                    في كلِّ نُورٍ يَسْطــــعُ

في الشمْسِ إمّا أَشرَقتْ                                   والبدرِ إمّــــــــــا يَطْلعُ

في كلِّ وَجْهٍ مُشْــــرقٍ                                  نَضِــرٍ تَجَلّى المُبْــــدِعُ

في الزَهرِ يَبْسِـم للنَـدى                                 وأَريجُهُ يَتَضــــــــــوَّعُ

في كلِّ غُصْــــنٍ مُزْهِرٍ                               فوق الرُبا يَترعْــــــــرعُ

في الطَيرِ يَغْدو جائعـاً                                ويَــــــروحُ إمّا يَشْبَــــعُ

فَتَــراهُ يَشْـدو داعيـاً                                فوق الغُصونِ يُرَجِّــــــعُ

كلٌّ دَرى تَسْبيحَـــهُ                                 ولِربِّـهِ يَتَضَـــــرَّعُ (51)

وقلتُ أيضاً في ذات المشهد :

في كلِّ نَفْحَةِ عِطْــرِ                                  في كلِّ نَسْمَـةِ فَجْرِ

في كلِّ وَجْنَةِ زَهْــرٍ                                 في كلِّ بَسمَةِ بَـــدْرِ

في كلِّ لحنٍ أَثـــيرٍ                                 وكلِّ وجْهٍ أَغَــــــرِّ

منْكَ الجَمَالُ تَجَلّى                                ومهدُ حسْنِكَ صَـدْري

                                  ****

في الطيرِ إنْ راح يَشدو                                في الغصنِ يَحْنو عَلَيْهِ

في الوَرْدِ إنْ ماس يزهو                                في القلبِ يَهفو إليْـهِ

في النهْرِ والمـاءُ يجري                                 والخيرُ في راحَتيْـــــهِ

منــكَ الجَمَالُ تَجَـلّى               ومَهْدُ حُسْنِكَ صَـدْري (52)

قال ابنُ عجيبة ـ أحسنَ الله إليه ـ : ((جمعُ الجمعِ وهو غايةُ المعرفةِ، فأوّلُ المعرفةِ دِلالةُ الصُنعةِ على الصانِعِ ووسَطُها دِلالةُ الصانعِ على الصنعةِ، وغايتُها تلاشي كلِّ ما دون الحقِّ {كلُّ مَنْ عليها فان * ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجلالِ والإكرامِ })) . (53)

       وقال في البحر المديد: ((وللعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمِن حيث الوحدة والقِدم تتصاغر الأكوان في عزّةِ الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها . ثم قال: ومِن حيث الجمع باشَرَ نورُ الصفةِ نورَ العقلِ، ونورُ الصفةِ قائمٌ بالذات، فيتجلّى بنورِه لفعلِه من ذاته وصفاتِه، ثم يتجلّى من الفعلِ، فترى جميعَ الوجوهِ مرآةَ وجودِه، وهو ظاهر لكل شيءٍ، من كل شيءٍ للعمومِ بالفعلِ، وللخصوصِ بالاسمِ والنَعتِ، ولخصوصِ الخصوصِ بالصفةِ، وللقائمين بمشاهدةِ ذاتِه بالذات، فهو تعالى منزّهٌ عن البيْنونةِ والحلولِ والافتراقِ والاجتماعِ، وإنما هو ذوقُ العِشْقِ، ولا يعلم تأويلَه إلاّ العاشقون .

       وحاصل كلامه: أنّك إن نظرت إلى لوحدةِ لم يبقَ مَن تَحْصُلُ معه المَعيَّةُ؛ إذْ لا شيءَ معَه، وإنْ نظرتَ من حيثُ الجمعِ والفَرْقِ أُثْبِتَ الفرقُ في عينِ الجمعِ فتَحصلُ المَعِيَّةُ منه له جمْعاً، ومنْه لأَثرِهِ فَرْقاً، ولا فرقَ حقيقةً، فافهم، ولا يفهم هذا إلاّ أهلُ العشقِ الكاملِ، وهم أهلُ الفناء)) . (54) كما قال ابنُ الفارض :

فلم تَهْوَني ما لم تكن فيََّ فانيـــاً                                           ولم تَفْنَ ما لم تجْتَلِ فيكَ صورتي  (55)

وللشيخ عبد الغني النابلسي ـ رحمه الله تعالى ـ في هذا المعنى :

ظهر الوُجـودُ بسائرِ الأشيـــــاءِ                                                  متجلِّياً جَهْراً بغير خَفـــــــــاءِ

والكلُّ فيه هــــــالكٌ قد قال إلاّ                                                   وجهَهُ الباقي عظيم بَقـــــــــاءِ

واعلم بأنّك لا ترى منه سوى                                                    ما أنتَ رائيـهِ مِـنَ الأشيـــــــاءِ

إذْ أنت شيءٌ هـالكٌ في نُــورِهِ                                                   والنورُ يحرُقُ حلَّةَ الظَلْمَــــــاءِ

والفيءُ يكشفُ أَنَّ ثمةَ شاخصاً                                                    متحكِّمــــاً فيهِ بغيرِ مِـــراءِ (56)

إذاً هم ينظرون إلى الخلق بعين الحقِّ، ولولا إثباتُ الحقّ للخلق بخطابِهِ لهم ما ثَبُتَ عندَهم وجودُ الخلقِ البَتَّةَ، فعِلّةُ العِللِ عندَهم رؤيةُ الخلق. يقول الشَشْتُري ـ رحمه الله تعالى ـ :

طهّرِ العينَ بالمدامعِ سَكْبــــــــاً                                                من شهودِ السِّوى تَزُلْ كلُّ عِلَّهْ

وهنا ثمة ملاحظة يجدر بنا أن نذكرها، حيث درج الناس في تلك العصور على إدخال {ألـ} التعريف على {سوى و غير } وهو مالم يجزه أهل اللغة، حيث لم يُسمَع من العرب في عصور الاحتجاج إدخالها على أدوات الجرّ. ويقول آخر:

والمَرْءُ غفلتُهُ عن ربِّه                               جَلَّ, مِن أدْهى المُصيباتِ

ويقولُ ابن الفارض ـ رحمه الله تعالى ـ:

إذا أنعمتْ نُعْـــــــــــــــمٌ عليَّ بنظرةٍ                        فلا أسعدتْ سُعدى ولا أجملتْ جُمْلُ

وقد صدئت عيني برُؤيةِ غيرِهــــــــا                        ولَثْمُ جُفوني تُرْبَها للصَدى يجلو (57)

يقول الغوث أبو مَدين {قدَّس اللهُ سرِّه}:

وفي السرِّ أسرارٌ دِقاقٌ لطيفةٌ                                 تُراق دِمانا جَهرةً لو بِها بُحْنا

أَمّا الإمامُ السُهْرَوَرْديّ فيقول (رحمه الله):

بالسرِّ إن باحوا تُباحُ دماؤهم                                  وكذا دماءُ البائحينَ تُبــــــــاحُ

     وما أجمل قول نزار قبّاني الذي لم يستطع البوح باسمِ مَن يُحب صراحةً فباح به رمْزاً بصورٍ لا أبدعَ ولا أجملَ، يقول:

لا تَسْألوني ما اسمُهُ حبيبـي                                    أخشى عليكم ضَوْعَةَ الطيوب

واللهِ لو بُحْتُ بأيِّ حَــــــرْفٍ                                  تَكَدَّسَ اللّيلَكُ في الـــــدُروبِ

ترونهُ في ضِحْـكةِ الســــواقي                                وفي عَطاءِ الديمــــةِ السَكوبِ

في الليلِ في تَنفُّس المَراعي                                   وفي غِناءِ كلِّ عَنــــدليبِ (58)

وهذه الأسرار هي أسرارُ الذاتِ وأنوارُ الصفات التـي تجَلّى الحقُّ بها في مَظْاهرِ الأَكْوان .

وفي هذا المقام قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه، كما سلف أنْ أوردَنا ـ : ((ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيتُ الله قبلَه)) أمّا أهلُ الحجابِ، من أهلِ الدليلِ والبرهانِ، فإنّهم يشهدون الكونَ ولا يشهدون المكوِّنَ، لأنّهم إنّما يستدلّون على وجودِهِ بوجودِ خلقِهِ، فقد حُجِبوا عن شموسِ المعارفِ بغيومِ الآثارِ، لكنْ لا بُدَّ للحسناء من نِقاب. يقول سيّدي أبو العبّاس المرسي ـ رضي الله عنه ـ :

وما احتجبَتْ إلاّ بِرفعِ حِجابِها                              ومِنْ عَجَبٍ أنَّ الظُهورَ تَسَتُّرُ

يقول أميرُ المؤمنينَ عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ : ((الحمدُ للهِ المتجلّي لخلقِه بخلقِه)) . (59) لأنَّ ذاتَ الحقِّ ـ جلَّ وعلا ـ لا يمكنُ إدراكُها, فعقلُنا لا يُدرك إلاّ ما تعطيهِ إيّاهُ حَواسُّهُ التـي لا تُحِسُّ إلاّ بالمادةِ المخلوقةِ، واللهُ  ـ سُبْحانَهُ ـ ليس بمادَّةٍ ليُدرَكَ، ولذلك كان لا بدَّ من أَنْ يَظهرَ لنا في ما صَنَعَ، لأنَّ الصنعةَ تَدُلُّ عل الصانِعِ، وبها يُعرَفُ، ونحنُ لا يمكنُ أَنْ نَـتَعَرَّفَ على روحِ إنسانٍ إلاّ مِن خلالِ جسدِه الذي هو مَظهرُهذه الروح، فكيفَ بخالقِها ؟ ويَقول أيضاً ـ رضي الله عنه وكرّم وجهه ـ : ((بها تَجلّى صانعُها للعُقول وبها امْتَنَع عن نظر العيون)) . (60)

فإن ظَهَرَ الصُوَريُّ فالمَعْنويُّ مُظْهِرٌ له، وإن ظهرَ المَعْنويُّ فالصُوَريُّ مَظْهَرٌ له . لذلك فإذا تَغَزَّلَ شُعراءُ المتصوِّفَةِ بالجمَال فهم يُمَجِّدونَ اللهَ في جميلِ خَلْقِهِ، وهم بَعيدونَ عن كلِّ مَقْصِدٍ مُخالِفٍ للشرعِ الحَنيفِ، يقولُ الشيخ أمين الجندي ـ رحمهُ اللهُ ـ :

أَميلُ إلى شكلِ المَليــحِ إذا بدا                                       يلوحُ بخَدٍّ قـــــدْ شَجاني تَوَرُّدُهُ

وما مَقصِدي فِعْلُ القبيحِ وإنَّمــا                                      أَرَدْتُ بِذا تَسبيحَ من هو مُوجِدُهُ

وما أنا في ذا الفعلِ باغٍ وإنّمــا                                      أُشـاهدُ صُنعَ اللهِ ثمَّ أوحِّدُهُ (61)

والجمالُ الإلهيُّ له مَعانٍ وهي الأسماءُ والصفاتُ الإلهيَّةُ، ولَهُ صورةٌ، وهي تجليّاتُ تلك المعاني فيما يَقع عليه المحسوسُ، أوِ المَعقولُ، فالمحسوسُ كما في قولِهِ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ : ((رأيتُ ربّي في أحسنِ صورةٍ)) . (62) وفي إحدى الروايات زاد {شابّاً أمرداً} . والمعقول كالحديث القدسي: ((أنا عندَ ظنِّ عبدي المؤمنِ فلْيَظُنَّ بي ما يشاء)). (63)

يقول محمّد الراشد: ((فحينما يصرخ الصوفيُّ: لا موجودَ إلاّ الله يعني ما تَعنيه الفيزياءُ والرياضيّاتُ الحديثةُ، من كون العالم كحقيقة، مجرّدُ وَهْمٍ أو شيءٍ منْ هذا القبيل)). ثمَّ يُضيف: ((تُرى ما هي الطاقة ؟ الطاقة تُشكِّل الكون كلّه .. باعتبار كلِّ شيءٍ قابلٌ للتحوُّلِ إلى طاقة، والعكسُ صحيحٌ بالضرورةِ .. تُرى هل الطاقةُ ذلك الإشعاعُ أوْ التجلّي الإلهي أي ذلك الصدورُ للذاتِ الإلهيَّة؟)). (64)

وفي الختام لا بدّ من أنْ أُنَبِّهَ إلى أمرٍ غاية في الأهميّة، وهو أنّ كلّ الذين درسوا الشعر الصوفي وغزل المتصوفة، قد اتخذوا التأويل منهجاً لفهم تَغَزُّلِ شعراءِ السادةِ الصوفيَّةِ بالمرأَةِ، فعوَّلوا ـ أحياناً ـ على رُموزٍ ما أظنُّها خَطَرَتْ ببالِ هؤلاءِ الشُعراء وهم يبدعون قصائدهم معبرين عن مواجدهم، ومترجمين أشواقهم، وأحوالهم، التـي مرّوا بها وهم يرتقون في مدارج الكمال .

فالأمر بسيطٌ جداً لا يحتاج منّا كلَّ هذا التعقيد، لأنّ الصوفيَّ الحَقَّ إنّما يَنظرُ إلى المخلوقاتِ ـ جميعاً ـ على أَنّها صُنعَةُ الخالقِ ـ سبحانه ـ الذي أبدعَها لتكونَ مظاهرَ تَجلّيهِ، وسبيلَ معرفتِهِ، لأنّه يَستحيلُ على الحادثِ العاجزِ أَنْ يَعرِفَ حقيقةَ القديمِ المُطلَقِ ((لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدركُ الأبصارَ وهو اللطيفُ الخبير)) .  (65)

فاقتضتِ الحكمةُ أنْ يَتَجلّى القديمُ في الحادثِ، والمطلقُ في المحدودِ، لتَظهَرَ عليه صِفاتُهُ ـ جلَّ وعلا ـ إنّما بشكلٍ مَجازيٍّ . فأنْتَ تُوصَفُ بالعِلْمِ ، والعِلْمُ من صِفاتِهِ ـ تبارك وتعالى ـ كما أنّكَ تُوصَفُ بالقُدْرَةِ والإرادةِ والحياةِ والسمعِ والرحمةِ والجَمالِ والجَلالِ .. وكلُّها صفاتُهُ ـ جَلَّ في عُلاهُ ـ لكن أين صِفاتُك الحادثةُ الفانيَةُ المحدودةُ من مِثالاً ومَظهراً لصفاتِهِ فالكَوْنُ ـ كلُّ الكونِ ـ والمخلوقاتُ ـ جميعُ المخلوقاتِ ـ قائمةٌ بقَيوميَّتِهِ، ظاهرةٌ فيها صفاتُهُ، ساريةٌ فيها أسماؤهُ وأفعالُهُ، فبها نَعرِفُهُ، وتلك هي الغايةُ من خلقِنا: ((وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا ليَعْبُدون )) . (66) {إلاّ ليعرفون} ـ كما تقدم بيانه ـ والمعرفةُ قِمَّةُ العِبادةِ لأنَّ العبادةَ بدونِها جِسْمٌ لا روحَ فيه.

جاء في الحديثِ القُدسيِّ :((كنتُ كنزاً مَخْفِيّاً فأحببتُ أنْ أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ وتعرَّفْتُ إليهم فبي عَرَفوني)) . (67) لذلك أقسم إمام الطائفتن الجنيد ـ قدس سرُّه ـ بأنه: ((ما عرف الله إلا الله)) . (68) لأنّ العارفَ به ـ سبحانه ـ إنّما هو السِرُّ الإلهيُّ الذي أَوْدَعَهُ في خلقِهِ ، فما {عَرَفَ اللهَ إلاّ اللهُ}.

أمّا الذاتُ الإلهيَّةُ فمِنَ المُستحيلِ إدْراكُها . ألم تَرَ إلى سيدِنا موسى ـ عليه السلام ـ عندما طَلَبَ النَظَرَ إليه ـ سبحانَه ـ كيف أُجيبَ بـ {لن تراني} . (69) وَوُجِّهَ إلى الجبلِ ليَنْظُرَ إليهِ حيثُ ظَهَرَ عليهِ التَجَلّي الإلهيِّ. قال في عرائس البيان: كان موسى ـ عليه السلام ـ في بداية حاله في مقام العشق والمحبّة، وكان أكثر أحوال مكاشفته في مقام الالتباس، فلما كان بدءُ كشفِه جعل ـ تعالى ـ الشجرةَ والنارَ مرآةً فعليّةً، فتجلى بجلاله وجماله من ذاته لموسى، وأوقعه في رسوم الإنسانيّة حتى لا يفزع ويدنو من النار والشجرة، ثم ناداه فيها بعد أن كاشف له مشاهدةَ جلالِه، ولولا ذلك لفني موسى في أوّل سَطوات عظمتِه وعزّتِه .

وهكذا نَرى الحقَّ ـ جلّ وعلا ـ يُرْشِدُنا إلى ما باسْتِطاعَتِنا إدراكُهُ للنَنظُرَ فيه فَنُدرِكَ عَظَمَةَ الخالقِ بعظمةِ صُنْعِهِ، فنتعرّفَ عليه، بها لأنَّ عَظَمةَ الصنعةِ خيرُ دليلٍ على عظمةِ الصانع :((أفَلا يَنظرون إلى الإبِلِ كيف خُلِقَتْ، وإلى السَمَاءِ كيف رُفِعَتْ، وإلى الجبالِ كيف نُصِبَتْ، وإلى الأرضِ كيف سُطِحَتْ)).(70)

كما وصف ـ سبحانه ـ عبادَهُ وخاصَّتَهُ مِنْ خَلْقِه في مُحكَمِ كتابِهِ بقولِهِ: ((الذين يَذْكرون اللهَ قِياماً وقُعوداً وعلى جُنوبِهمْ ويَتَفَكّرون في خَلقِ السَمَواتِ والأرضِ، ربَّنا ما خلَقتَ هذا باطلاً سبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النار)). (71) ولم يَقُلْ ويَتفكرون في خالقِ السمواتِ والأرضِ، لأنَّ عقولَنا مَجالهُا الحِسّيُّ المَلموسُ ، ويَستحيلُ عليها مَعرِفةُ المُطلَقِ الذي تَستحيلُ الإحاطةُ به، وإنّما نَعرفُهُ مِن صِفاتِهِ وأفعالِهِ، الظاهرُ في خَلْقِهِ ظِلُّها ومِثالُها .

والمرأةُ هي إحْدى هذه المَجالي، بلْ أكثرُها جَذْباً، لأنّها السالبُ لموجِبِهم، وتلكَ هي العلاقةُ التي قام عليها الوجودُ كلُّهُ {سالبٌ ومُوجِبٌ}. فالذي يشدّ الكواكبَ والأجرامَ السَـمَاوِيَّةَ ـ بعضَها إلى بعضِها الآخر ـ هي الشُحناتُ السالِبَةُ والمُوجِبَةُ، والسالبُ والمُوجبُ، أَوِ المُذَكّرُ والمُؤنّثُ، هو سِرُّ استمرارِ الحياةِ في الكائنات الحيَّةِ جميعاً، حتّى الذرّةُ ـ أصغرُ المَوْجوداتِ ـ فالسالبُ والمُوجِبُ سِرُّ وُجودِها وأساسُ حياتِها, والدمارُ والخرابُ إنّما يكون باختلالِ هذه العلاقةِ الجاذبيّةِ وبتدميرِها .

بعدُ، لا بُدَّ لنا من التَنْبيهِ إلى الفرقِ الأساسيِّ بين غَزَلِ الصوفيّينَ وغَزَلِ غيرِهم، وهذا الفارقُ هو نَفْسُهُ الذي ما بين نَظرةِ كلٍّ منهم إلى الوُجودِ . فالصُوفيُّ يَنظُرُ إلى المَوْجوداتِ على أنّها مَظْهَرُ تَجليّاتِ الحقِّ ـ سبحانه ـ فتكون سبيلَهُ إلى التعرُّفِ بخالقِهِ، أوْ هَمْزةَ الوصْلِ بينه وبين خالقِه ـ جَلَّ سَناؤهُ ـ بينمَا يَقفُ غيرُهُ عندَ هذه المَظاهرِ، ثمَّ إنّهُ ثمَّة حدودٌ شَرعيّةٌ يَلتزم بها، ويَقِفُ عندها بينمَا قد يَتعدّاها غيرُهُ)).  (72)

وقبل أن نختم هذا الباب نحب أن نعود إلى حديث: {خلق الله آدم على صورته} لنقف على ما جاء في سفر التكوين من التوراة الحاليّة حيث جاء فيه: ((وقال الله: لنصنع الإنسانَ على صورتنا كمثالنا، وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء والبهائم، وجميع وحوش الأرض، و جميع الحيوانات التي تدب على الأرض، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى)) . (73)

يقول مفسرو التوراة إنّ المقصودَ بكونِ الإنسانِ خُلِقَ على صورةِ اللهِ هو ما يتميّز به الإنسانُ عن الجمادات والنباتات والحيوانات بالعقلِ الكاملِ والقدرةِ على النطق والتعبيرِ عما يريدُ وبالإرادةِ والاختيارِ الحرِّ وبالاستطاعةِ والقدرةِ فضلاً عن السمعِ والبصرِ والحياةِ والإدراكِ والعِلْمِ الخ .. أي أنّ هناك تشابهاً عاماً بين صورةِ اللهِ في صفاتِهِ والإنسانِ، لذا قال ـ سبحانه ـ أنه {خلق الإنسانَ على صورتِه}، وبتعبيرٍ آخرَ أنّ اللهَ شاء أنْ يخلُق مخلوقاً تنعكسُ وتتجلى فيه ومضةٌ من صفاتِه ـ تعالى ـ مِن العقلِ والإرادةِ والاختيارِ والحياةِ والعلمِ والمعرفةِ والكلامِ والقدرةِ والسمعِ والبصرِ )) . (74)

وبذلك نكون قد جلونا الحقيقة وأمطنا اللثام عن نظرة السادة الصوفيين إلى الوجود ككلّ على أنّه، بما فيه المرأة، مرآة لتجلّيات الذات الإلهيّة الكاملة بجميع أسمائها وصفاتها وحضراتها، فهم إنّما ينظرون إلى الخلق بعين الحق ولذلك كان البون شاسعاً بينهم وبين سواهم من المحجوبين عن الحقِّ بالخلق، فهم في خلافٍ دائم مستحكم لا نهاية له إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويفصل، بينهم وسيعلم هؤلاء المحجوبون الحقيقة عندما يزول عنهم الحجاب في أوّل برزخٍ من برازخ الآخرة عند حضور ملك الموت حيث ترفع الحجب، يقول ـ جلَّ من قائل ـ : ((لقد كنت في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليومَ حديد)) .  (75) وعندها تنتهي العداوات والخصومات إنما لا ينفع التراجع عن المواقف ولات حين مندم .

                                                                مصادر الباب الثاني :

1 ــ سورة الحديد الآية/3/ .

2 ــ إيقاظ إيقاظ الهمم  شرح الحكم لابن عجيبة ص/49/ .

3 ــ الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ج1،ط3 ص403

4 ــ نسيم السحر ص37 .

5 ــ شرح القصيدة العينية ص48 .

6 ــ سورة البقرة ، الآية : / 115 / .

7 ــ سورة الانفطار الآية /7/ .

8 ــ الآيتان / 1و2/ من سورة الدهر .

9 ــ الآية /20/ من سورة الإسراء .

10 ــ الآية / 16/ من سورة /ق / .

11 ــ الآية / 17ـ 20/ من سورة /ق/.

12 ــ أخرجه الشيخان عن سيدنا عمرَ ابن الخطاب{رضي الله عنه}.

13 ــ سورة الصافّات الآية/ 96/ .

14 ــ سورة النساء الآية/48/ .

15 ــ أخرجه البخاري عن أبي هريرة .

16 ــ سورة الذاريات الآية ، / 56 / .

17 ــ الدر المنثور (ج 2 / ص 410)

18 ــ المصدر السابق ص / 410/

19 ــ البحر المديد ص /265 /

20 ــ نزهة الفضلاء1/160

21 ــ الإسراء الآية / 44 /

22 ــ سورة الروم الآية/30 / .

23 ــ سورة آل عمران، الآية / 191 / .

24 ــ سورة الغاشية الآيات / 17، 18 ، 19 / .

25 ــ تفسير روح البيان،ص/146/وتفسير روح المعاني كذلك.

26 ــ الإنسان الكامل ج1ص40 .

27 ــ كتاب وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي للأستاذ محمّد الراشد ص/30/.

28 ــ نظرية الحب والاتحاد في التصوف الإسلامي ص/25/ .

29 ــ كتاب حلّ الرموز  للإمام  العز بن عبد السلام ص /50/.

30 ــ نظرية الحبّ والاتحاد في التصوف الإ سلامي ص/25/ .

31 ــ المصدر السابق .

32 ــ كتاب حلّ الرموز للإمام العِزِّ بن عبد السلام ص/ 51/ .

33 ــ إيقاظ الهمم في شرح الحكم ص/ 5/.

34 ــ سورة الجاثية الآية: /13/ .

 35 ــ الإنسان الكامل ج1 ص45 ـ 46 .

36 ــ الإنسان الكامل ج 1ـ ص 5 .

37 ــ نفس المصدر  ج1ـ ص/90/ .

38 ــ ديوان ابن الفارض .

39 ــ طريق الوصول إلى الولاية للإمام الشعراني ص/481/  .

40 ــ المصدر السابق ص483ـ484 .

41 ــ المصدر السابق ص484.

42 ــ المصدر السابق ص491-492 .

43 ــ ديوان تأملات للمؤلف .

44 ــ التكوين والتجلي ، ص29 .

45 ــ المنقذ من الضلال للإمام الغزالي .

46 ــ رؤية على العينيّة للسيد أحمد الهاشمي ، ص 44 .

47 ــ رواه الإمام أحمد في الزهد ، عن وهب بن منبِّه .

48 ــ رؤية على العينيّة للسيد أحمد الهاشمي ، ص 44 .

49 ــ المدرسة الشاذلية الحديثة للدكتور عبد الحليم محمود ص95 .

50 ــ الفتوحات المكيّة ج2ص325 .

51 ــ ديوان تأمّلات للمؤلف .

52 ــ  من ديوان عبير الوحي للمؤلف .

53 ــ إيقاظُ الهمم في شرح الحكم ج 1/35 .

54 ــ البحر المديد ــ (ج 7 / ص 468)

55 ــ ديوان ابن الفارض

56 ــ ديوان الحقائق ومجموع الرقائق ص/21-22 / .

57 ــ  ديوان ابن الفارض .

58 ــ روائع الغزل لإميل ناصيف ، ص / 41 / .

59 ــ نهج البلاغة مؤسسة الأعلمي بيروت لبنان ج1 ص/206/ .

60 ــ المصدر السابق ص37 .

61 ــ ديوان الشيخ أمين الجندي ص 208 .

61 ــ عن حمّاد بن سلمة بسنده إلى ابن عباس مرفوعاً وصححه أبو زرعه62، وله عدة متابعات وشواهد ورواه الطبراني والدار قطني.

63 ــ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ج2 ص5 .

64 ــ وحدة الوجود في الفكر العربي ص/ 226/ .

65 ــ سورة الأنعام ، الآية : 103 .

66 ــ سورة الذاريات ، الآية : 56 .

67 ــ تفسير روح البيان (ج 8 / ص 225)

68 ــ كشف الظنون (ج 2 / ص 1040) والألوسي وغيرهما.

69 ــ سورة الأعراف ، الآية : 143

70 ــ سورة الغاشية ، الآيات /17ـ20/ .

71 ــ سورة آل عمران الآية: 191 .

72 ــ من مقدِمة الأعمال الكاملة للمؤلف .

73 ــ سفر التكوين [1/26 ـ 27]

74 ــ ألوهية المسيح (ج 1 / ص 123)

75 ــ سورة {ق} الآية : / 22 / .

الباب الثالث:

الحبّ عند السادة الصوفيين :

أوّلاً: معنى كلمة الحبّ في اللغة العربية:   

الحُبُّ أو الحِبُّ أو المحبَّة، لغةً: ميلُ النفسِ إلى ما تراه أو تَظُنُّهُ خيراً لها، والحبيبُ على وزنِ فَعيلٍ، يكون بمعنى محِبٍّ وبمعنى محبوبٍ . لكنَّ الدارج على ألسنة الناس والمشتهرُ أنَّ الحِبَّ ، بكسر الحاء هو المحِبُّ وهو المحبوبُ أو المُحَبُّ ، والأنثى حِبَّةٌ ومحبوبة، وهما حِبّان وحبيبان والجمعُ أحبابٌ أحِبَّةٌ وحَبَبَةٌ ، أمّا الحُبُّ: بضمِّ الحاء فهوي المصدرُ ، ويقال أَحْبَبْتُهُ وحَبَبْتُهُ .

وللحُبِّ مراتبُ فصّل فيها الثعالبـيُّ في كتابه المسمّى بـ {فقه اللّغة} على النحو الآتي :

أوَّل مَرَاتِبِ الحُبِّ الهَوَى . ثُمَّ العَلاَقَةُ: وهي الحُبُّ اللاَّزِمُ للقَلْبِ . ثُمَّ الكلَفُ : وهو شِدَّة الحُبِّ . ثُمَّ العشْقُ : وهو اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنِ المِقْدَارِ الذي اسْمُهُ الحُبُّ . ثُمَّ الشَعَفُ وهو إحْرَاقُ الحُبِّ القلْبَ مَعَ لَذَةٍ يَجِدُها، وَكَذَلِكَ اللَّوْعَةُ واللاَّعِجُ ، فإنّ تِلْكَ حُرْقَةُ الهَوَى وهذا هوَ الهَوَى المُحْرِقُ . ثمَّ الشَّغَفُ: وهُوَ أنْ يَبْلُغَ الحُبُّ شَغافَ القَلْبِ وهي جِلْدَةٌ دُوْنَهُ وقد قُرِئَتَا جَمِيعاً {شَعَفَهَا حُبّاً} وَشَغَفَهَا . ثُمّ الجَوَى : وَهَو الهَوَى البَاطِنُ . ثُمَّ التَّيْمُ : وهُوَ أنْ يَسْتَعْبِدَهُ الحُبُّ، ومِنْهُ سُمِّي تَيْمُ اللّهِ أي عَبْدُ اللهّ، ومِنْهُ رَجُلٌ مُتَيّمٌ . ثُمَّ التَّبْلُ: وهُوَ أنْ يُسْقِمَهُ الهَوَى، وَمِنْهُ رَجُلٌ مَتْبُولٌ. ثُمَ التّدْلِيهُ: وهُوَ ذَهَابُ العَقْلِ مِنَ الهَوَى، ومِنْهُ رَجُلٌ مُدَلَّهٌ. ثُمَّ الهُيُومُ {أو الهُيام}: وهُوَ أنْ يَذْهَبَ عَلَى وَجْهِهِ لِغَلَبَةِ الهَوَى عَلَيهِ، ومِنْهُ رَجُل هَائِم {وهيْمانٌ} .(1)

أمّا إبراهيم اليازجي فقد قسَّمها في كتابه {نجعة الرائد} قائلاً: وأوّلُ مراتِبِ الحُبِّ الهوى: وهو ميلُ النفسِ، ثم العلاقةٌ: وهي الحُبُّ اللازمُ للقلب، ثم الكَلَفُ: وهو شِدَّةُ الحُبِّ، ثم العِشْقُ: وهو إعجابُ المُحِبِّ بمحبوبه أو إفراطُ الحُبِّ، ثم الشَغَفُ: وهو أنْ يَلْذَعَ الحُبُّ شَغافَ القلبِ أيْ غِلافَه، ثم الجَوى: وهو الحُرْقَةُ وشِدَّةُ الوَجْدِ، ثم التَتَيُّمُ: وهو أنْ يَستعبِدَه الحُبُّ، ثم التَبْلُ: وهو أنْ يُسْقِمَه الهوى، ثم التَدَلُّهُ  {أو الَدَلَهُ}: وهو ذَهابُ العقل من الهوى، ثم الهُيامُ وهو أن يَذهبَ على وجهه لِغَلَبَةِ الهوى عليه . (2) وأَذْكُرُ أنَّ شيخَنا العارفَ بالله المرحوم الشيخ عبد القادر عيسى قد زاد على هذه المراتب مرتبتين اثنتين هما:

1 ـ الخُلّة: وهي مرتبةُ سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال الله في كتابه العزيز: ((واتّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً)) . (3)  وهي أيضاً مرتبةُ سيّدنا أبي بكر الصدّيق ـ رضي اللهُ عنه ـ لما جاء في الصحيحين أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قال: ((لو كنت متّخذاً من أهل الأرضِ خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)). وَفِي رواية زيادة (وَإِنّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرّحْمَن) فإنّ الخُلَّة هي كمالُ الحبِّ والنبـيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ محبته تابعةٌ لمحبّةِ الله ، فأبو بكرٍ إذاً أحبُّهم إلى اللهِ تعالى، ولذلك كان أحبَّهم إلى رسوله. والخُلَّة تعنـي: الصديقَ ، وتطلق على الذكر والأنثى، كما تطلق على الواحد والجميع .والخِلُّ : الصديق المختصّ، والجمع أخْلال {وأَخِلَّةٌ}. (4)

والخُلَّة أخصُّ من مُطلَقِ المحبّة بحيث هي من كمالها ومن كمال الخُلَّة أنّها  لا تقبل الشراكة والمزاحمة لتخلُّلِها المحِبَّ أي تغلغُلِها فيه بحيثُ تكون في كلِّ ذرَّة من ذرّاته،والخُلّةُ بذلك تُنافي المزاحمةَ بحيث يكون المحبوب محبوباً لذاته محبّةً لا يزاحمه فيها غيرُه.

2 ــ العَبْديّة: وهي مرتبةُ سيِّدِ الخلقِ وحبيبِ الحقِّ ، محمدٍ المصطفى ـ عليه وآله الصلاةُ والسلام ـ حيثُ وُصِفَ بها في أرفعِ درجاتِ القُرْبِ يوم أُسريَ به إلى المسجد الأقصى ثمّ عُرج به إلى سدرة المنتهى ، يقول تعالى في كتابه العزيز: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُريَهُ من آياتنا إنّه هو السميعُ البصير )) . (5) ومن مفردات الحبّ :

ـ الصَّبابة : وهي رِقَّةُ الهوى والحُبِّ ، والصّبابةُ : رِقّةُ الشوقِ، والعِشقُ: رقّةُ الحُبّ، والرأفةُ: رقّةُ الرحمة. (6)

ـ والغَرامُ: الوُلوعُ والهَلاكُ والعَذابُ. والمُغْرَمُ كمُكْرَمٍ: أسيرُ الحُبِّ. (7)

ـ ورَسِيسُ الحب: ابتداءُه، ورَسَّ الهَوَى في قَلْبه والسُّقْمُ في جِسْمه رَسًّا ورَسِيسَاً وأرَسَّ ـ ثبَتَ والرَّسِيسُ ـ الشيءُ الثابِتُ. (8)

ـ والَّلوعة: حُرْقة الهَوَى، لاعَه الحُبُّ لَوْعاً ولُوُوعاً ولَوَّعه فالْتاعَ وتَلَوَّعَ، ورجُلٌ لاعٌ والأنثى لاعَةٌ . (9)

ـ والعميد أو المعمود: الشديدُ الحزن، و المشغوف عشقاً، وقيل الذي قد بلغ به الحُبُّ مبلَغاً، والأنثى: عميدةٌ ومعمودةٌ، وقلب عميد هدّه العشق وكسره(10)

ـ و الزَّمَانَةُ : الحُبُّ . (11)

ـ الوَلهُ: وهو ذَهابُ العقل، والتحيُّرُ من شِدَّةِ الوجد . ورجلٌ والِهٌ، وامرأةٌ والِهٌ ووالِهَةٌ أيضاً (12)

ـ وتَبَلَه الحُبُّ يَتْبِلُه. وأَتْبَله: أَسْقَمَه. وقِيلَ: تَبَلَه تَبْلاً: ذَهَبَ بعَقْلِه، فهو متبولٌ .

ـ والتَيْمُ: العَبْدُ، ومنه سُميَ تَيْمُ اللآتِ أي عَبْدُ اللاتِ. وتَيَّمَهُ الحُب: أي عَبَّدَهُ واسْتَعْبَدَهُ. وقيل: هو المُضَلَّلُ ، وتامَتْ فُؤادَكَ: أي عَلِقَتْه.

ـ والمألُوهُ: مفعول من المصدر وهو الإلَهَةُ، والإلَهَةُ مَصْدَرُ أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً وأُلُوهَةً إذا عَبَدَ مع الحبِّ والذلِّ والرِضا، (13) فالإله: هو المعبود مع الحبِّ والذلِ والرضا.

ـ والقَرْعَةُ: اللَوْعَةُ من الحب. (14)

ـ وَمَعدَهُ الحُب: أي وَقَذَه . (15)

ـ والبَشَاشَةُ: الحُبُّ (16)

ـ ورَمْسُ الحُب: دَفِيْنُه في القَلْبِ. (17)

ـ الحَرَضُ: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم . (18)

ثانياً: ما هو تعريف الحب:

جاء في كتاب{جامع أسرار الطب} للحكيم عبد الملك ابن زُهر القرطبـي في بيان سبب الحب قوله : ((العشق الحسي إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذي تستحسنه وتستلذّه، وذلك أنّ الروح النفساني، الذي مسكنه الدمَاغ، قريب من النور البصري الذي يحيط بالعين ومتصل بمؤخّر الدماغ، وهو الذُّكْر فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسَن، انضّم النوري البصريّ، وارتَعَد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفساني، فيقبله قبولاً حسناً، ثم يودعه الذُّكر فيوجب ذلك المحبةَ . ويُشترك أيضاً بالروح الحيواني، الذي مسكنه القَلب، لاتصاله بأفعاله في الجسد كله، فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر )) . (18) وسئل أفلاطون عن العشق فقال: ((جُنونٌ إلهيٌّ !لا محمودٌ ولا مَذموم)) . (19) وسئل عنه آخر فقال: حَرَكَةُ النفسِ الفارِغَة ِ. وقال فيلسوف ثالث: ((لم أر حقّاً أشبهَ بباطلٍ من العشق، هَزْلُهُ جِدٌّ، وجِدُّهُ هَزْلٌ، أوَّلُه لَعِبٌ وآخرُهُ عَطَبْ)):

إنَّ الهوانَ هو الهوى جَزَمَ اسمُهُ                      فإذا لَقيتَ هَوًى لقيتَ هَوانا (20)

قال الشاعر ابن الدُمَيْنَة أيضاً :

هل الحُبُّ إلاّ زفرةٌ بعد زفــرةٍ                       وحرٌّ على الأحشاءِ ليس له بَرْدُ

وفيضُ دموعِ العينِ يهمي كلَّمَـا                      بدا عَلَمٌ من أرضِكم لم يَكُنْ يَبْدو  (21)

وقال بعض الصوفية: ((الهوى محنةٌ امتحنَ الله بها خلقَه ليستدلَّ به على طاعتِهم لخالقِهم ورازقِهم )).

وقيل لبعضهم: ما العشق ؟ فقال: ((ارتياحٌ في الخُلْقةِ وفَرَحٌ يجول في الروح، وسرورٌ ينساب في أجزاءِ القُوى)) . (22)  والحبُّ تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده .وقال العَيْنـيُّ: سألتُ أَعْرابيّاً عن الهوى فقال: هو أَظْهرُ مِنْ أنْ يخفى ، وأَخْفى مِنْ أَنْ يُرى ، كامِنٌ كُمونَ النارِ  في الحَجَرِ ، إنْ قَدَحْتَه أَوْرى ، وإنْ تركتَهُ توارى . وسُئلَ يحيى بنُ مُُعاذٍ عن حقيقة الحب  فقال : الذي لا يَزيدُه البِرُّ ولا يُنقِصُه الجَفاء . (23)

والحبُّ يقتضي التذلُّلَ والخضوع لمن تحبُّ , وغايتُه وأرفعُ درجاتِه أنْ تعبُدَه ، لأنَّ العبادةَ معناها الخضوع والتذلّل مع الحُبّ . قال ابن القيّم: ((والعبادة تجمع أصلين، غايةَ الحُبِّ بغايةِ الذُلِّ والخُضوعِ ، والعَرَبُ تقول: طريقٌ معبَّدٌ أي مذلَّلٌ ، والتعبُّدُ التذلُّلُ والخضوعُ ، فمَن أحببتَه ولم تَكن خاضعاً له لم تكن عابداً له ، ومَن خضعتَ له بلا محبَّةٍ لم تكن عابداً له حتى تكون محبّاً خاضعا ً)) . وقال أيضاً:(( العبادة هي الحُبُّ مع الذُلِّ ؛ فكلُّ مَن ذَلَلْتَ له وأطعتَه وأحببتَه ، دون الله ، فأنت عابدٌ له )) ، وقال ابن تيمية: (( فالإله الذي يألهه القلبَ بكمالِ الحُبِّ والتعظيمِ والإجلالِ والإكرامِ والخوفِ والرجاءِ ونحوِ ذلك  ، وهذه العبادة هي التـي يحبُّها اللهُ ويرضاها ، وبها وصف المصطَفَيْن من عِبادِه وبها بعثَ رسلَه )) . (24)

والحبّ ؛ هو ثمرة العلم بجمالِ الربّ وكماله وإنعامه وإحسانه ؛ لأنّ القلوب مجبولة على محبّة الكمال ، وعلى محبّة من أحسن إليها . والمحبّة الَّتـي يثمرها العلم بهاتين الصّفتين أكمل أنواع الحبّ القلبي ؛ وهي محبّة التألّه الَّتـي إذا استقرّت في القلب أورثت أهلها كمالَ الاتّباع والإيثار ، وموافقة الربّ في محبوباته ومكروهاته ظاهرًا وباطنًا. يقول العلاّمة الألوسي مقسّماً المحبّةَ إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: محبّةُ العوامّ ، وهي مطالعةُ المنَّةِ من رؤيةِ إحسان المحسن (( جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها )) وهو حبٌّ يتغيّر ، وهو لمتابعيِّ الأعمال الذين يطلُبون أجراً على ما يعملون ، وفيه يقول أبو الطيب :

وما أنا بالباغي على الحبِّ رِشْوةً       ضعيفُ هوًى يُرجى عليه ثواب

القسم الثاني : محبة الخواصّ المُتَّبعين للأخلاق الذين يحبونَه إجْلالاً وإعظاماً ولأنَّه أهلٌ لذلك ، وإلى هذا القسم أشار ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:(( نعم العبدُ صهيبٌ ، لو لم يخَفِ اللهَ لم يَعْصِه )) ، وقالتْ رابعة العدويّةُ ـ رحمها الله تعالى ـ :

أُحبُّك حُبّين:حُبُّ الهوى                        وحُبٌّ لأنّك أهلٌ لِذاكا

وهذا الحبُّ لا يتغيّر إلى الأبد لبقاء الجمال والجلال إلى السرمد .

القسم الثالث : محبّةُ خواصّ الخواصّ المتَّبعين للأحوال،وهي الناشئةُ من الجَذْبةِ الإلهيّة في مكامن (( كنتُ كنزاً مخفيّاً..)) وأهل هذه المحبّةِ همُ المستعدّون لكمالِ المعرفة ، وحقيقتُها أنْ يفنى المُحبُّ بسطوتِها فيبقى بلا هو ، وربمّا بقي صاحبُها حيرانَ سكران لا هو حيٌّ فيُرجى ولا ميّتٌ فيُبكى ، وفي مثل ذلك قيل:

يقولون إنّ الحُبَّ كالنار في الحشا      ألا كذَبوا فالنارُ تَذْكو وتَخمـــــد

وما هو إلاّ جَـــذوةٌ مسّ عودهــا       ندًى فهي لا تذكو ولا تتوقَّـــــد

ويكفي في شرحُ الحُبِّ لفظُه ، فإنه حاء وباء ، والحاء من حروف الحلق والباء شفوية ، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الهوى ما لم يستولِ على قلبِه ولسانِه وباطنِه وظاهرِه وسرِّه وعَلَنِه لا يُقالُ له: حب ، وشرحُ ذاك يطول ، وهذه محبّةُ العبد لربّه ، وأمّا محبّة ربّه سبحانه له فمختلفة أيضاً ، وإن صَدَرتْ من محلٍّ واحدٍ فتعلّقت بالعوامّ من حيثُ الرحمة، فكأنَّه قيل لهم: اتبعوني بالأعمال الصالحة يخصّكم الله تعالى برحمتِه ، وتعلّقت بالخَواصّ من حيث الفضلُ فكأنّه قِيل لهم: اتّبعوني بمكارم الأخلاق يخصّكم بتجلي صفاتِ الجمال ، وتعلقت بخواصِّ الخواصّ من حيث الجذبةُ فكأنّه قيل لهم: اتّبعوني ببذل الوجودِ يخصّكم بجذبِهِ لكم إلى نفسِه ، وهناك يرتفع البَوْن من البيْن ، ويظهر الصبح لذي عينين والقطرةُ من هذه المحبَّةِ تُغْنـي عن الغدير .

وحُبُّ الله واجبٌ شرعيٌّ وحقيقة واقعة وليس مجرّد دعاوى وعواطف لا حقيقة لها في الواقع ، كما يتوهّمه المغرورون ، أو مجرّد محبّة عقليّة تعنـي إيثار ما يقتضي العقل السّليم رَجَحانَه ، كما يَزعُم الجَهْميّةُ ، نُفاةُ المحبّةِ ؛ إذِ الربُّ عندَهم لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ ؛ لأنّ المحبّةَ لا تَكون إلاّ لمِناسبةٍ بين الجانبين ، ولا مناسبة بين القديم والمُحْدَث !

ومن حكمته ـ تعالى ـ أنْ فطر عباده على أنْ يكون جلالُ المحبوب وجمالُه أعظمَ دواعي الحُبِّ في قلوبهم ، فالقلب يحبُّ كلَّ جميلٍ ، ويتعلَّق بكلِّ جليلٍ ، ومن هنا تعلَّقت القلوب بربِّها لعظمتِه ، وكمالِ أوصافهِ ، وجلالِهِ وجمالِهِ .

وقد كذَّبَ القرآنُ الكريم مقالتَهم في نُصوصٍ كثيرةٍ كقولِه ـ تعالى ـ : ))يا أيُّها الذين آمنوا مَنْ يرتدَّ منكم عن دينِه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )) . (25) وقوله:(( إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )). (26)

والحقّ خلاف ما عليه هؤلاء وهؤلاء ؛فإنّ محبّة الله ـ تعالى ـ تملأ القلب ، وتستتبع آثارها الظّاهرة والباطنة ؛ التزامًا بالشّرع ، واتّباعًا لأحكامِهِ وتقديمًا له على كلّ محبوبٍ ، قال تعالى:(( قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويغفر لكم ذنوبكم ..)) . (27) ، وقال: (( قُلْ إنْ كَانَ آباؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) . (28) والحُبُّ هذا الذي {يُعمي ويُصمّ }كما قال النبـيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(( حُبُّكَ الشيءَ يُعمي ويُصِمُّ )) . (29) والذي قيل فيه:

أصمّنـي الحُبُّ إلاّ عن تســــــامره                       فمن رأى حُبَّ حِبٍّ يورث الصَمَما

وكفَّ طَرْفي إلاّ عن رعايتِــــــــــه                      والحُبُّ يُعمي وفيه القتلُ إنْ كُتِما   (30)

والحُبُّ ، بعد ذلك ، هو هذه العلاقة {التجاذبيّةُ} التـي تَسري في الوجودِ فتَبُثُّ فيه الحياةَ ، وهذه العلاقةُ هي سببُ وجودِهِ واستمرارِهِ ، من النجومِ والكواكبِ وبقيَّةِ الأجرامِ السماويَّةِ ،إلى الذَرَّةِ ـ التي هي أصغرُ مَوجودٍ ـ مُروراً بالإنسانِ والحيَوانِ والنباتِ .

فمعلومٌ أنَّ الأجرامَ السمَاويَّةَ ثابتةٌ في مَداراتها بالقوّةِ الجاذبةِ التـي تعادلُ القوَّة َالنابذةَ المتولِّدةَ عن سُرعةِ الجَرْيِ في الفضاء ، ولولا هذه الجاذبيّةُ لتناثرتْ واصطدمَ بعضُها بالآخرِ فاحترقتْ وتفتّتتْ .

ومعلومٌ أيضاً أنَّ في الذَرَّةِ شُحَناً سالبةً وأُخرى موجِبَةً ، ولكلٍّ منها مَسارُهُ ودائرتُهُ ، وإنَّ بقاءها قائمٌ على هذه المعادلةِ التي إذا اختلّتْ دُمِّرَتِ الذرّةُ ودَمَّرتْ ما حولهَا .

أمَّا الكائناتُ الحيَّةُ ، من إنسانٍ وحَيَوانٍ ونَباتٍ ، فإنّ وجودَها جميعاً، قائمٌ على تلك العلاقةِ الحُبِّيَّةِ التَجاذُبِيَّةِ بين طرفَيْها ، المذكّرِ والمؤنّثِ ، وهي إنْ لم تكن مضبوطةً بقواعدَ ونُظُمٍ ، أيضاً ، اختلّت ، وإذا اختلت دمّرت المجتمع الإنسانيّ ، فأصبح أقرب إلى البهيميّة ، ولذلك فإنّ الشرع الحنيف، وضع لها نظاماً ضابطاً فيه مصلحةُ المجتمع وخيره.

فالحُبُّ ، إذاً ، هو الذي يحافظُ على بقاءِ هذا الوجودِ ، وعلى استمراريَّتِهِ ولنا في هذا المعنى :

فالحُبِّ بالكونِ قَـــــوّامٌ وأنهُرُنا                     بحارُهُ وبِنـــــــا الأكوانُ تحتفلُ

ما ضَرَّنا أنْ تَعامى عن شريعتِنـا                   قومٌ؟ فقد كُذِّبتْ من قبلِنا الرُسُلُ (31)

والإنسان بلا حُبٍّ ليس بموجودٍ ذا قيمةٍ ،بالغاً ما بلغ،ولا شأنَ لهُ ـ في نَظَرِ القدّيس بولس الرسول ـ يقول: (( لو تكلّمتُ بلغات الناسِ والملائكةِ ولا مَحَبَّة عندي فما أنا إلاّ نُحاسٌ يَطِنُّ أو صنجٌ يَرِنّ ، ولو وهَبَنـي الله النبوّةَ وكنتُ عارفاً كلَّ سِرٍّ وكلَّ عِلْمٍ ولي الإيمانُ الكاملُ أنقُلُ به الجبالَ ، ولا مَحَبَّةَ عندي فما أنا بشيءٍ )) . (32)

والحبُّ عند الشيخ الشاذلي ـ رضي الله عنه ـ هو أنْ تحِبَّ اللهَ وأنْ تحبَّ مَن أحببتَه لوجْهِ اللهِ على أنَّه خَلقٌ من خلقِه ، يقول: (( مَن أحَبَّ اللهَ ، وأَحَبَّ لِلهِ فقد تمَّتْ وِلايتُهُ بالحُبّ )) . (33) يقول العلامة الألوسي في تفسيره: إن جميع الموجودات تشترك في نوع من الخير لا تكاد تفيء عنه وهو العشق فقد برهن ابن سينا على سريان قوة العشق في كلِّ واحدٍ من الهويات .

والحكماء المتألِّهون قد حكموا بسريان نور العشق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتها ولولا ذلك ما دار الفَلَكُ ولا استنار الحَلَكُ ، فسبحانه من إله قاهر وهو الأول والآخر .

والحُبُّ هو السببُ الذي من أجله كان هذا الوجودُ ، يقول الشيخُ الجيلي: (( الحُبُّ أوّلُ تَوَجُّهٍ مِنَ الحَقِّ لوُجودِ العالمَ )) . (34)  وذلك لِما جاء في الحديث القدسيِّ: (( كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أنْ أُعرفَ ..)) . (35) {الحديث} ويضيف الجيليُّ أيضاً ، في كتابه المسمّى بـ {نسيم السَحَر}:

الحُبُّ أَوَّلُ ذا الـوُجودِ المُطلَقِ                         والحُبُّ أخرجكم لخلقٍ مُرْتَقِ

بالحُبِّ كان الاِبْتِـــدا لِوُجودِنا                         وبهِ الخِتــــامُ لمن دَرى بتحقُّقِ

لولا مَقامُ الحُبِّ أَعلى رُتبـــــةً                       ما كان اِسْمُ حبيبِهِ العبدَ التقي

فالحُبُّ عِلّـــةُ  كلِّ أمرٍ ظــاهرٍ                     والحُبُّ شيمَـــةُ كلِّ عبدٍ مُتّقي

ليت شعري: هل علمتَ لِمَ أَحَبَّ المعبودُ ظهورَ هذا الوجود ؟ أحبَّهُ لأنَّهُ أوجدَهُ نُسخةَ جمالِه وجلالِه ، فكان بوجودِ العالمَ ِظُهورُ كمالِه ، فأراد شُهودَ باطنِ صورةِ نفسِهِ في ظاهر ِالحِسِّ المجعولِ مِرآةً لقدسِهِ ، ومَظهراً لهيبَتِهِ وأُنْسِهِ ، فنَفْسُهُ المحبوبَةُ المَشهودةُ ، ومَلاحَتُهُ المطلوبَةُ الموجودةُ ، وكذالك محبَّةُ آدم لحواءَ لكوِنها خُلقتْ من ضِلْعِهِ شخصاً مستوياً ، فالمحبوبُ له إذاً ، نَفْسُهُ والمَرغوبُ إليه حُسنُه ، والمُشاهِدُ له حِسُّهُ). (36)

يقول الأب جورج رحمة تعقيباً على الحديث السابق:(( كنتُ كنزاً مخفيّاً …)) برواية قريبة وبنفس المعنى: (( يا لَلْعَجَب !! اللهُ في حاجةٍ إلى الإنسان ، لا كضرورةٍ داخليَّةٍ أو خارجيَّةٍ تَدْفعُهُ إلى خلقِهِ ، بل كرغبةٍ صافيةٍ وإرادةٍ رشيدةٍ ليُشرِكَ في غِبطَتِهِ الإنسانَ الذي خلقَهُ على صورتِهِ كمثالِهِ )) . (37)

ولذلك فإنَّ الحبَّ إنّما يستغرق الوجودَ كلَّ الوجود بما فيه ، ومن فيه، وهذا الحبُّ هو سببُ استمرار هذا الوجود ، وهو سببُ ازدهارِهِ ، كما كان سببَ وجودِه . وفي هذا المعنى أقول:

أنا روحٌ تضُمُّ الكونَ حبّاً                                     وتُطلِقُهُ فيزدهرُ الوجودُ

والمحبَّةُ عند الجُنَيْدِ ـ رضي الله عنه ـ :(( دخولُ صفاتِ المحبوبِ على البَدَلِ من صفاتِ المحبِّ )) . (38) وسُئل يوماً عن المحبَّةِ فأطرقَ رأسَهُ ودَمعتْ عيناهُ فأجاب:(( عبدٌ ذاهبٌ عن نفسِه ، متَّصلٌ بذكرِ ربِّهِ ، أحرقَ قلبَه أَنوارُ هَيبتِهِ ، وصفاءُ شُرْبهِ من كأسِ وِدِّهِ ، وانْكِشفَ لهُ الجبّارُ عن أَستارِ غيبِهِ ، فإنْ تكلّم فبالله ، وإنْ نَطقَ فعن اللهِ ، وإن تحرَّك فبأمرِ اللهِ ، فهو باللهِ وللهِ ومع الله )) . (39) أمّا ذو النون المصريُّ ـ رحمه الله تعالى ـ فإنَّه يقول:(( إنّ للهِ عباداً مَـــلأَ قلوبَهــم من فيضِ محضِ محبَّتِهِ ، وفَسَح أَرواحَهم بالشوقِ إلى رؤيته )) . (40)

ويقول الأستاذُ محمّدُ الراشد: (( إنّه الحبُّ ، فبِالحُبِّ الإلهيِّ وحدِهِ يحيا الصوفـيُّ ، لذلك كان هاجسَهُ الأبَديَّ السعيُ الحثيثُ إلى مَعرفةِ مَنْ يحبُّ )) . (41)

يقول السيد أحمد بن محمد ديركي الهاشمي في مَعْرِض شَرْحِهِ القصيدةَ العينيّةَ للشيخ عبد الغنـي النابلسيِّ ـ رحمه الله ـ :(( الحبُّ تفاعلٌ بين الأسماء الشريفةِ الحسنى والذات المقدَّسةِ عن الأفهام والتصاوير ، وأصلُ الحبِّ إشعاعٌ مبثوثٌ من الذات وهي {الحبيب} فالحبيبُ هو الاسم الأعظم الذي يبحث عنه كلُّ العلماءِ والعُبّادِ .

وليس الاسمُ مجرَّدَ لفظٍ فقط  ، بل تفاعلٌ بين قطبين، والقطبان موجودان في كلِّ شيء ، فما إنْ يتمُّ التفاعلُ حتّى يظهَرَ الحقُّ ويَبْطُــلَ الفاني. ولا يتمُّ التفاعلُ سوى بحبَّ النقيضين وإرجاعهما لأصلٍ واحدٍ انبعثا منه ، وهو {الحبيب} فسِرُّه سارٍ في كلِّ الأجساد والأرواح والأشباح والأشياء من الذرَّة إلى المجرّة ، بل هو ذاته كلُّ هذا ، فلا موجودَ سواهُ ، ولا إله إلاّ الله .. وكلُّ شيءٍ قد أخذ من الحبيب ما قد أعطاه له الحبيب ، لذا تباينت أفهام كلٍّ من المخلوقات ، الواحد منهم عن الآخر ، ففهِمَ كلُّ مخلوقٍ الحُبَّ خلافَ الذي فهِمَهُ الآخرُ ، وتلك عموميَّةٌ على كلِّ الخلقِ والأشياءِ… :     

1 ـ فالسالبُ يَطلُبُ الموجِبَ لاستكمال الدائرةِ الكاملة .

2 ـ والذكرُ يطلُبُ الأنثى ليستكملَ نقصَهُ ونقصَها بكمالهما معاً .

3 ـ والصانعُ يطلُبُ المصنوعَ لأنَّه جِزءٌ منهُ ، أو من فكرِه أو جُهْدِه .

4 ـ والروحُ تطلُبُ النفسَ لتقومَ بها في عالم الظهور .

5 ـ والنفسُ تطلُبُ الهوى لاستكمالِ صراعِ البقاءِ والظهورِ والنسلِ .

6 ـ والهوى يطلُبُ الطيّباتِ يُزيِّنُ بها ذاته )) . (42)

ولا محبَّة بغيرِ معرفةٍ تامّةٍ بمن تُحبّ ، فكلَّمَا عَرَفَ المُحِبُّ محبوبَه كلَّما ازدادت محبَّتُه له ، وإنّما تكونُ المحبَّةُ على قدَرِ المعرفةِ . يقول الإمام الغزاليُّ:(( وأصل الحب لا ينفكُّ عنه مؤمن لأنّه لا ينفكّ عن أصل المعرفة … اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابها )) . (43)

ثمَّ إنَّ هذه المحبَّةَ هي قَدّرٌ على العبدِ ، فالقلوبُ بين أُصبعين من أصابعِ الرحمنِ يُقَلِّبُها كيف يشاءُ ، كما نَصَّ الحديثُ الشريفُ:(( إنَّ القلوبَ بين أُصبعين من أصابع الرحمن يُقَلِّبُها كيف يَشاء )) . (44)  وفي هذا المعنى أقول:

فالحُسْنُ مًظْهَـــرُهُ والقـلبُ في يَدِهِ                                والحُبُّ قِسْمَتُهُ، مَنْ يَغْلِبُ القَدَرا؟

روحٌ تُحِبُّ ، وروحٌ يُسْتَهامُ بهــا                                والروحُ واحدةٌ ، فاسْتعمِلِ النظَـرا (45)

فالمحبُّ هو الروحُ ، لأنُّه لا يُتَصَوَّرُ حُبٌّ مِن مَيْتٍ البتَّةَ ، والمحبوبُ هو الروحُ أيضاً ، لأنَّ الموت ينهي هذه العلاقةَ ، فالمرءُ مهما بلغَ في حبِّ محبوبه لا يَستطيع أنْ يبيتَ معه ليلةً واحدةً  وهو جُثَّةً هامِدةً لا روحَ فيها .

 إذاً فالحبُّ للروح لا للجسدِ ، والمحبُّ كذلك هو الروحُ وليس الجسدُ، والروحُ في الكونِ واحدةٌ ، فمن المحبُّ ، إذاً ، ومن المحبوبُ ؟ سؤالٌ يحتاجُ إلى نظرٍ .يقول الأستاذُ محمدُ الراشد:(( ومِن هنا كان الحُبُّ السَرْمَدِيُّ هو الفناءُ في اللهِ، إلى درجةٍ يمتلِكُ اللهُ فيها ذاتَ الصوفيِّ ليُعيدَ لَهُ ذاتَهُ، بحَسَبِ مَوقِفِ الجُنيدِ، وهذا الإحساسُ لا يمتلكُهُ الصوفيُّ إلاّ عَبْرَ الوَجْدِ المُتعالي ، دُخولاً في حالاتِ الانْخِطافِ الرُّوحيِّ والانْفتاحِ على الكونِ ، رُقْيّاً إلى المحبوبِ الأسْمى)) (46)

فلا بدَّ من العشق في طريق الحقّ ليصل الطالب إلى السر المطلق و ((مجرد الأمنية مَنيّة ، والسفينة لا تجرى على اليبس )) كما قالت السيدة رابعة العدويّة ـ رضي الله عنها ـ والحبَّ على ثلاثةِ أقسام:

     ــ الأوّلُ إلهيٌّ: وهو حبُّهُ ـ تعالى ـ إيّانا لنفسِهِ وحُـبُّهُ إيّانا لنا ، فأمّا حُبُّهُ ـ سبحانه ـ إيّانا لنفسِهِ ، فحتّى نعبُدَه ونَعرِفَه، قال ـ تعالى ـ في كتابِه العزيز:

     (( وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلاّ ليعبدون )) . (47) ـ الآية ـ والعبادةُ طاعة ، والطاعة لا تكون إلا بعد معرفة  ولا تكمُلُ ألاّ بالمحبّة ، ويقول اللهُ تعالى في الحديث القدسيِّ:(( كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أُعرفَ.. )) . (48) أي ليصير الإنسان مظهراً للصفات الكماليّة الإلهية . أي: فخلقت الخلق ليكونَ مرآةً أشاهِدُ فيها جمالي . فما خَلَقَنا اللهُ إلاّ لنفسِهِ لنعبُدَه ونعرِفَه، وأَمّا حبُّهُ لنا فبما مَنَّ علينا من نِعْمَتـيِّ الإيجادِ والإمدادِ وما عرَّفنا إيّاه ، ممّا فيه مصالِحُنا وسعادتُنا في الدنيا والآخرة .

      ــ الثاني روحاني: وهو أنْ يكونَ هَمَّ المحبِّ رضا محبوبه  ذاهلاً عن رَغَباتِ نفسِه ومَصْلَحتِها ، ومنه حبُّ السيّدةِ رابعةَ العدويّة ـ رضي الله عنها ـ التـي تقول:

أحببتُك حبّين حُبَّ الهوى                                                    وحبّاً لأنَّك أهلٌ لذاكــــا

وتقول أيضاً:(( والله ما عَبَدْتُكَ حُبّاً بجنَّتك ولا خوفاً من نارِك ولكنْ عَبَدْتُكَ لأنّكَ تستحقُّ العبادة )) . (49) ذلك لأنَّها استغرقتْ في حبَّها للحقِّ، ـ جلَّ وعلا ـ وشهودِ عَظَمَتِه فلم تَشْهَدْ سِواه ، ولم تلتفتْ إلى ثوابٍ ولا إلى عقابٍ ، لأنَّ الإحساسَ بلَذَّةِ شهودِهِ ـ سبحانَهُ ـ حَجَبَها عن كلِّ إحساسٍ ، وفي مثلِ هذا قال سلطانُ العاشقين ، عمرُ بنِ الفارض ـ رضي اللهُ عنه ـ:

ليس سُؤْلي من الجِنانِ نَعيماً                                             غيرَ أَنّي أُحِبُّها لأراكــــــا

فإنَّ همَّهُ الوحيدَ هو رؤيةُ محبوبِه ، فهو يحبُّ بحبّهِ كلَّ ما يَخصُّهُ ، أو يُشبِههُ في شيءٍ ، أَو يَلوذُ بِهِ ، أو يَصْدُرُ عنه ، وعلى ذلك أفئدةُ سائرِ المحبّين المخلصين عُشّاقِ الحضرةِ الإلهيّة .

فالحبُّ إذا استولى على قلبِ المحبِّ طهّرَهُ من أيِّ وُجودٍ لغيرِ المحبوبِ، لأنَّ نارَ حُبِّهِ  تُنقّي القلبَ وتصفِّيهِ من كلِّ الأدْرانِ والشوائبِ ، كما تَصهَرُ النارُ الذَهَبَ فتُحْرِقُ الشوائبَ وتُنظِّفُهُ من الخَبَثِ ، ثم إنّ للحبِّ من الأحوالِ والأحكام ما ليس للعقلِ ، بلْ إنَّ العقلَ لا يَقبلُ الكثيرَ من أحوالِ المحبّين ، ولا يوافِقُ عليها . يقولُ أبو العبّاسِ الكَسّاد ـ رحمه اللهُ ـ : ((الحُبُّ أَمْلَكُ للنفسِ من العقول )) . (50) وقالوا لا خيرَ في حُبٍّ يُدَبَّرُ بالعقل ، من ذلك ما وقعَ لنا ذاتَ ليلةٍ، حيثُ رأيتُ مجموعةً من الكلابِ مقبلةً من حَيِّ مَنْ أُحِبُّ ، فأَبصرتُ فيها جمالاً أَخّاذاً وشَعرتُ نحوَها بحبٍّ لم أعهدْهُ مِن قبلُ ، فأطْعَمْتُها وسَقَيْتُها ، وقلتُ في ذلك:

أحببتُ في حبِّها أقوامَهـــــا النُجَبا                            ومَن لأَقوامِها قــــــــد كان مُنْتَسِبا

حتّى الكلابُ إذا مَـرَّتْ بحيِّهِــــمُ                              فإنَّ حُبّي لها ـ يا صاحِ ـ قد وَجَبـا

وقـد كَرِهْتُ الأُولى لم تَهْوَ فاتنتي                             حتّى ولو كَرِهَتْ أقــواميَ العَرَبا

أحببتُ في حبِّها الأحجارَ وا عَجَبي                           وذُقتُ في عِشقِها الأهوالَ والعَجَا

فاليومُ إنْ حَدَّثتْني فيـــهِ كانَ لهُ                               ما لليـالي التي تَقْديسُها طُلِبــــا  (51)

وقد سبقنـي إلى ذلك الكثيرُ الكثير من العشاق حيث قال أحدهم:

أحب بني القوام طرّاً لحبِّهـــا                               ومن أجلها أحببت أخوالهَا كَلْبا  (52)

أمّا قيس بن ذَريحٍ فيقول :

وداعٍ إذْ نحـن بالخيف من مِنًى                               فهيّـج أشجانَ الفؤادِ وما يَدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنّمــــا                             هاج بليلى طائراً كان في صَدري (53)

ومثلُ هذا كثيرٌ في سِيَرِ العاشقين ، ورحم الله الشيخ عيسى البيانوني الذي كان يختم كلّ خماسيّةٍ من خماسيّاته بقوله: (( جنوني في محبَّتكم فنون)) لأنّ الجنونَ فنونٌ ، يقول:

جمالُكُمُ لقدْ مَلأ الوُجــــــودا                                  فهامَ العارفونَ بهِ شهودا

وعقلي غاب مَن لي أنْ يعودا                               تَناهَبَـهُ التَوَلُّهُ والشُجونُ

                                جنوني في محبَّتكم فُنونُ

غدوتُ بفضلِكم لكُمُ جليســا                                  وقُمْتُ لأهلِ وِدِّكُمُ رئيسـا

لموتى حُبِّكمُ قد صِرتُ عيسى                               فإحياءُ القلوبِ بكم يهونُ

                               جنوني في محبَّتِكم فُنونُ

يقول ابن عربي واصفاً المحبّة المفرطة:(( فإنّها تذهب بالعقول وتُورثُ النُحولَ ، والفكر َالدائمَ ، والهمَّ اللاّزمَ ، والقلقَ ، والأَرَقَ ، والشوقَ ، والاشتياقَ ، والسُهادَ ، وتَغَيُّرَ الحالِ ، وكُسوفَ البالِ ، والوَلَهَ ، والبَلَهَ)). (54)

ويَذكر أمراً في الحبِّ غايةً في الطرافة ، وهو استشرافُ النفوس للحبِّ ، وهو أنْ تَشعُرَ بحالِةِ حُبٍّ شديدٍ دون محبوبٍ مُعيَّنٍ ، ثمَّ تراهُ بعد ذلك فتعرِفُ أنَّ هذا هو المحبوبُ الذي شُغفتَ بهِ قبلَ أنْ تَراهُ ، وهذا الحالُ مِن استشرافِ النفسِ الأمورَ قبلَ حُصُولها في الواقع ، فكثيراً ما يشعرُ الإنسانُ بحالٍ من القبضِ دونما سببٍ  حاضر ، ثمَّ يقع له ما يَكرهُ ، فيعرفُ أنَّهُ سببُ حالِ القَبْضِ الذي شَعَرَ بهِ ، ويقع مثلُ ذلك في حال البَسْطِ ، حيثُ تَسْتَشْرِفُ نفسُكَ الأمرَ قبل حُصولِهِ ، فتَفرحُ وتَنْبَسِطُ دونما سببٍ ظاهرٍ ، في حينِهِ ، إنّما يَقَعُ بعد ، وذلك لاسْتشرافِ النفسِ الأمورَ مِنْ قبلِ تكوينِها في تَعَلُّقِ الحواسِّ الظاهرةِ ، وهي مُقَدِّماتُ التكوين ، ويُشبِهُ ذلك أخذَ الميثاقِ على الذُريَّةِ بأنَّهُ ـ سبحانه ـ ربُّنا ، فلم يَقْدِرْ أحَدٌ على إنكارِهِ بعدَ ذلك ، فتجِدُ في فِطرةِ كلِّ إنسانٍ افتقاراً لموجودٍ يَسْتَنِدُ إليه وهو اللهُ ، ولا يشعرْ به . ولهذا قال:(( يا أيُّها الناسُ أنتمُ الفقراءُ إلى الله ..)) . (55) يقولُ لهم ذلك الافتقارُ الذي تجدونَهُ في أنفُسِكم مُتَعَلَّقُهُ اللهُ ، لا غيرُهُ ولكنْ لا تَعرفونَه ، يقول:

عُلِّقتُ بمن أهـواهُ عشـرينَ حِجَّــــــةً                              ولم أدرِ مَنْ أهوى ولم أعرفِ الصبْرا

ولا نظَرتْ عيني إلى حُسْنِ وجهِهــا                               ولا سمعتْ أُذنايَ قطُّ لها ذِكــــــــرا

إلى أن تراءى البرقُ من جانبِ الحِمى                             فنَعَّمَني يومـاً وعَـذَّبني دَهْـــــرا (56)

ويعتبر الشيخ الأكبرُ هذه الحالةَ ألطف ما يكون من المحبّة ، وهي أسما وألطف من حُبِّ الحُبِّ وهو الشغلُ بالحُبِّ عن مُتعلّقِهِ ، كما حصلَ لمجنون ليلى حين أعرضَ عنها شغلاً بحبِّها ، وقد سبق ذكرُها.

وهذا ما قد يبدوا غريباً مُسْتَهْجَناً في زمنٍ طَغَتْ فيه المادةُ ، ونَدَرَ فيه إخلاصُ المحبين ، حتى الحُبُّ الماديُّ الشهوانيُّ ـ وهو القسم الثالث ـ فقد قلَّ وجودُه ، في زمنٍ عُبِدَ فيهِ الدولارُ إلهاً من دون اللهِ ، فهو عندهم اليومَ الهدفُ المنشودُ والغايةُ القصوى ، وإليه يتوجَّه الاهتمام وبه تتعلَّق القلوب، وإذا أحبَّ امرأةً فإنما يحبُّها حبَّ البهائمِ ليروّي غريزتَه ويُطفئَ نارَ شهْوته وحَسبُ ، فإذا قضى منها وطره ، شغل عنها بمعبوده {المال} وإذا أحبَّ رجلاً فلأنَّهُ ذو مالٍ أو جاهٍ ليفيد من مالِهِ أو جاهِهِ ، فإذا انتهتْ حاجتُه إلى ما عنده انتهى حُبُّهُ ، وربمّا انقلبَ الحبُّ بغضاءَ وكراهيةً ، وقد حذَّرَ الرسولُ الكريمُ من هذا الوباء ورغَّبَ بالحبِّ الخالي من المنافع ، المترفِّعِ عن البهيميّةِ فقال: ((…وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلاَّ لله )) . (57) كما جاء في الحديث القُدْسيِّ الذي رواه الرسولُ الكريمُ عن ربِّ العزّة ، فقال: (( المتحابّون في جلالي لهم منابرٌ مِنْ نورٍ يَغْبِطُهم النَبيّون والشُهَداء )) . (58) وقرَّر بأنَّه من السبعة الذين سيظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاّ ظلُّه:(( ورجلان تحابّا في الله ، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه )) . (59)

فما بالكَ إذا حدَّثتهم عن الحبِّ الإلهي وأحوالِ هؤلاءِ العاشقين ، فأنت كمن يتحدّثُ بلغةٍ غير مفهومةٍ أو كأنّكَ تتحدَّثُ بالألغاز والطلاسم أو  تقرأ قصيدةً حَـداثيَّـةً لشاعرٍ مُحدِث .

وهذا ابنُ  الفارض ، سلطانُ العاشقين ـ رحمه الله ـ يُبيّنُ لنا أَخطارَ المحبَّة وينبّه إلى أَضرارِها وما تسبِّبه للمحبِّ من أمراض وأسقام ، ومع ذلك فهو ينصحنا بأن نحبَّ وبأنّ نخالفَه ، قائلاً :

هُوَ الحُبّ فاسلمْ بالحشا ما الهَوَى سَهْلُ                                     فَما اختارَهُ مُضْنًى بـــــــــهِ ، ولهُ عَقْلُ

وعِشْ خالياً فالحبُّ راحتُهُ عنـــــــــــاً                                      وأوّلُهُ سُقْمٌ ، وآخِرُهُ قَتْــــــــــــــــــــلُ

ولكنْ لديَّ الموتُ فيه صبابــــــــــــــةً                                      حَياةٌ لمَن أهوَى ، عليّ بها الفَضْــــــلُ

نصحتُكَ علماً بالهوى والَّـــــــذي أرَى                                     مُخالفتي اخترْ لنفسكَ ما يحلـــــــــــــو

فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيداً ، فَمُتْ بـــــهِ                                       شَهيداً ، وإلاّ فالغرامُ لَهُ أهْــــــــــــــلُ

فَمَنْ لم يَمُتْ في حُبّهِ لم يَعِشْ بـــــــهِ ،                                      ودونَاجتِناءَالنّحلِ ما جنتِ النّحـــــــــلُ

تمسّكْ بأذيالِ الهوى واخلعْ الحيـــــــــا                                      وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جلُّـــــــــــوا

وقلْ لقتيلِ الحبِّ وفَّيتَ حقَّــــــــــــــــهُ                                       وللمدَّعي هيهاتَ مالكحلُ الكحــــــــلُ

تعرّضَ قومٌ للغرامِ ، وأعرضـــــــــوا ،                                      بجانبهمْ عنْ صحّتي فيهِ واعتلُّـــــــوا

رَضُوا بالأماني ، وَابتُلوا بحُظوظِهِــــم ،                                     وخاضوا بحارَالحبّ،دعوَى،فما ابتلّوا  (60)

والمحبّون ، برأي الشيخ الأكبر ، على نوعين : طائفةٌ منّا نظرتْ إلى المثال الذي هو في خيالها من ذلك الموجودِ الذي يظهرُ محبوبُه فيه ، ويُعاينُ وجودَ محبِوبِه ، وهو الاتصالُ به في خيالِهِ ، فيُشاهدُهُ متّصلاً به اتّصالَ لُطفٍ أَلطفَ منه في عينِه ، في الوُجودِ الخارجِ ، وهو الذي اشْتغل به قيْسٌ المجنونُ عن ليلى حين جاءتْهُ من خارجٍ فقال لها:{إليْكِ عَنّي} لِئلاّ تَحْجُبُه كثافةُ المحسوسِ منها عنْ لُطفِ هذه المُشاهدةِ الخَياليَّةِ ، فإنّها أَلْطَفُ منها في عينِها وأَجملُ ، وهذا المحَبَّةُ ، وصاحبُ هذا النَعْتِ لا يَزالُ مُنَعَّماً ، لا يشكو الفِراقَ .. فإنَّ مِثْلَ هذا في المحبّين عزيزٌ لِغَلَبَةِ الكَثافَةِ عليهم .

وسببُ ذلك عندنا أَنـَّهُ مَن اسْتفرغَ في حُبِّ المعاني المجرّدةِ عن الموادِّ فغايتُهُ ـ إذا كَثَّفها ـ أَنْ يُنْزِلهَا إلى الخَيالِ ، ولا يَنْزِلُ بها أَكْثَرَ ، فمَن كان أكثفَ حالِهِ الخيالُ فما ظنُّك بلطافتهِ في المَعاني؟ والذي هذا حالُهُ يمكنُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ فإنَّ غايتَهُ في حُبِّهِ إيّاهُ ـ إذا لم  يجرِّدْهُ عن التشبيهِ ـ أَنْ يُنزِلَهُ إلى الخَيالِ، وهو قولُهُ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ـ :{اِعْبُدْ رَبَّكَ كأنَّكَ تَراهُ} فإذا أَحببْنا ـ ونحن بهذه الصفةِ ـ  مَوْجُوداً ، فإنّما نُحِبُّ ظُهورَ مَحْبوبِنا فيهِ ، مِن المحسوساتِ {عالمَ ِالكثافةِ} ونُلَطِّفُهُ ، بأنْ نَرْفَعَهُ إلى الخَيالِ، لنكسوَهُ حُسْناً فوقَ حُسْنِهِ ، ونَجْعَلَهُ في حَضْرةٍ لا يمكنُهُ الهجرُ مَعَها ولا الانْـتِقالُ عنْها فلا يَزالُ في اتِّصالٍ دائم:

ما لمجنون عامرٍ في هـــــــواه                                      غير شكوى الابتعادِ والاغْتِرابِ

وأنا ضِـــــدَّه فـــــــإنَّ حبيبي                                        في خيـالي فلم أَزَلْ في اقتراب (61)

ولي في هـذه الحالِ من لَطافةِ الخيالِ ، حيث يكون المحبُّ أبعد  ما يكون عن الكَثافَةِ ، فلا يَضيقُ به أحدٌ ، بل لا يَشْعُرُ أحدٌ بوجوده  البتّةَ ، غيرُ سُلطانِ عِشْقِهِ ، وفيضِ مشاعِرِه ، ونقاءِ حِسِّه ، وطُهْرِ طَويَّتِه ِ، وطِيبِ أُنْسِهِ ، أَقول:

أُسافرُ والخَيـالُ سفينُ روحي                                         أطيرُ بِهِ إلى مرسى الأمــــانِ

إذا مـا النفسُ ساورَهـــا مرامٌ                                         ظَفِرْتُ به ولم أبرحْ مَكــاني

فلا كفٌّ تُشـيرُ له فيَــــــأتي                                          ولا أَحتاجُ تحريكَ اللِّســانِ

وإنْ أحببتُ حِبّاً ليس يَـدري                                           بحُبّي،أو إذا خِـلٌّ جفــاني

رحلتُ إليه أو حَمَلَتْـــه كفّي                                          فنلتُ مُرادَ نفسي في ثَــوان

لطيفٌ لا يُشاهدني رقيـــبٌ                                           سريعُ الخطوِ إنْ أُطْلِقْ عِناني

خفيٌّ عن عذولي ليس يدري                                          بسـرّي غـيرُ ربّي مَـنْ بَراني (62)

وقد سمعتُ شيخَنا العارف بالله الكبير ، الشيخ عبد الرحمن الشاغوري ـ رحمه الله تعالى ـ يُردِّدُ ، أكثر من مرّة ، عبارةً للإمامِ : الحارثِ الُمحاسبيِّ ـ رحمة الله عليه ـ فيقول: (( ما قادك مثلُ الوَهْمِ )) ، لِذلك فنحن نُلَطّفُ المحبوبَ فنَرفَعُهُ منْ عالَمِ الحِسِّ إلى عالَمِ الخيالِ بل ربّما لم نَرَهُ بعـينِ الحِسِّ البتّةَ، فنحبُّهُ ونعشقُهُ ونجالسُهُ ونسامرُه فنتلَّذذُ بوصالِهِ ، فنُروّي جوارحَنا ونُرهف حِسَّنا ومشاعرَنا ، ونسمو بأنفُسِنا وعواطفِنا ، وهو {أي المحبوب} لا يدري بنا أبداً ، ولا غايةَ لنا من ذلك سوى أنْ تَرِقَّ قلوبُنا وتسموَ أرواحُنا بالحبِّ الذي هو غذاؤها، ومبرِّرُ وجودِها ، وهل في ذلك من محظورٍ ؟ وهل على الخيالِ من رقيبٍ أو حسيب ؟ وفي ذلك أقول:

إن كان حبُّك يا فريدةُ حُلْمـــــا                                  فلْيُمْسِـكِ اللهُ الصبــاحَ لَديْـــــه

أو كان تقبيلي خيـالَك جُرْمــــا                                  فلْيُغْلِقـوا كلَّ الدُروبِ إليـــــــه

أو كان عشقُكِ في فؤادي سَهْمَــا                                فلْتنطبقْ كلُّ الضلـوعِ عليْــــــهِ

مَن كان قلبـي في يديْـهِ رهينـةً                                   فعواطفي ومشـاعري بيديـــــهِ (63)

فأنا ما نظرتُ فريدةَ ، هذه ، أبـداً ، ولا اجتمعت بها مطلَقاً ، ولا خاطبتُها إلاّ في خيالي ، وهل في ذلك من حرج ؟ وهل عليَّ من بأس ؟ ومن ذلك ما رُويَ عن عاشقِ أمِّ عمرٍو: فقد حُكي عن الجاحظ أنه قال ألفت كتاباً في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفُّل ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك ، فدخلت يوماً مدينةً فوجدت فيها معلماً في هيئة حسنة فسلمت عليه فردّ عليّ أحسنَ ردِّ ورحّب بي ، فجلست عنده وباحثتُه في القرآن فإذا هو ماهرٌ فيه ثم فاتحتُه في الفقه والنحو وعِلم المعقول وأشعارِ العربِ فإذا هو كامل الآداب ، فقلت: هذا والله مما يُقوّي عزمي على تقطيع الكتاب ، قال فكنتُ أختلف إليه وأزوره ، فجئتُ يوماً لزيارته فإذا بالكُتّاب مغلق ولم أجدْه ، فسألت عنه فقيل مات له ميّت فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء ، فذهبت إلى بيته وطرقتُ الباب ،فخرجت إلي جارية وقالت ما تريد؟ قلت: سيّدَك فدخلت وخرجت وقالت: باسم الله ، فدخلت إليه وإذا به جالس ، فقلت: عظّم الله أجرَك ، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة،  كلُّ نفس ذائقةُ الموت ، فعليك بالصبر ، ثم قلت له: هذا الذي توفي ولدُك؟ قال: لا ، قلت: فوالدُك ؟ قال: لا قلتُ فأخوك ؟ قال: لا ، قلت: فزوجتُك؟ قال: لا ، فقلت: وما هو منك ؟ قال: حبيبتـي ، فقلت في نفسي هذه أوّلُ المناحس ، فقلت : سبحان الله ، النساءُ كثيرٌ وستجدُ غيرَها ، فقال: أتظنُّ أنّي رأيتُها ؟ قلتُ وهذه منحسة ثانية ، ثمّ قلت: وكيف عشقت من لم ترَ ؟ فقال: اعلم أنّي كنتُ جالساً في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلاً عليه بُرْدٌ وهو يقول:

يا أُمَّ عَمْرٍو جزاكِ اللهُ مكرُمةً                                               رُدِّي عليَّ فؤادي أينما كانا

لا تأخذين فؤادي تلعبين بِــــهِ                                               فكيف يلعب بالإنســان إنسانا*

فقلت في نفسي لولا أنّ أمَّ عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتُها فلما كان منذ يومين مرَّ ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

لقد ذهب الحمارُ بأمِّ عَمْرٍو                                                 فلا رجعت ولا رجَـعَ الحمارُ

فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها وأغلقت المكتب وجلست في الدار ، فقلت: يا هذا إنّي كنت ألّفتُ كتاباً في نوادركم ـ معشر المعلمين ـ وكنتُ حين صاحبتُك عزمت على تقطيعه ، والآن قد قوّيتَ عزمي على إبقائه وأوّل ما أبدأ أبدأ بك إن شاء الله تعالى . (64) وظنُّنا بأنَّ هذا المعلِّم من أولئك العُشّاق الذين نتحدَّثُ عنهم ، عشّاق الروح لا عُشّاق الجسد ، غير أَنّ الجاحظ لا درايةَ له بهذه الأحوال ، وإلاّ لما كان صنّفَ ذلك العاشق ، الذي سَبَقَ أنْ شهِدَ له برجاحة العقلِ وسَعَةِ العلم ، في المجانين ، نعم قد يأخذُ الحبُّ القلبَ فيطيش العقلُ فيتكلم اللسان كلامَ مَن جُنَّ أو خُمِرَ أو غلى دمُه أو أُغشى عليه وإذا كان مثلُ هذا العالم النبيهِ مجنوناً ، فمن العاقلُ إذاً ؟

* نقلت البيت كما هو في المصدر رغم ما فيه من خطأ

ولقد ذكر ابن حزمٍ في كتابه الشهير {طوق الحمامة} هذا النوع من العشق بقوله:(( من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة)) . (65) لكنَّ الناسَ يطلقون هذه الصفةَ ـ أحياناً ـ على كلِّ مَن خالفَ طبعُه طباعَهم، وأتى بما لم يعتادوا عليه ، ولا يستطيعونه ، ويكفي هؤلاء شرَفاً أنَّ سيد العقلاءِ محمَّداً بن عبد الله ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ قد أطلق عليهِ كُفّارُ قريشٍ هذه الصفةَ: (( وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذِكرُ إنّكَ لمجنون )) . (65) مكرر لأنّهُ إنّما أتى بما لم يأتِ بهِ بشرٌ ، وكذلك الشعراءُ المبدعون الذين يبدعون ما لا يستطيعهُ عامّةُ الناسِ ، فإنَّ الناسَ غالباً ما يصمونَهم بالجنون ، وكثيراً ما يصف الناسُ الزهّادَ والعبّادَ الذين يبلغون في زهدهم وعبادتهم وتضحيتهم في سبيلِ الله ، ما لم يَبلغْهُ أكثرُ الناسِ ، كثيراً ما يتهمونهم بالجنونِ ، ولذلك جاء في الحديث الشريف: (( أكثِروا ذكرَ اللهِ  حتى يقولوا مجنونٌ )) . (66) والذكر علامة الحبّ فمن أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره . يقول أحد المحبّين  :

عجبت لمن يقول ذكـرت ربي                                         وهــل أنسى فأذكر من نسيت

أموت إذا ذكرتك ثم أحيـــــا                                           ولــــولا ماءُ وصـلِك ما حَييتُ

 فأحيا بالمنى وأمــــوت شوقاً                                          فكم أحيــــا عليك وكم أموتُ

 شربت الحب كأساً بعد كأسٍ                                           فمــــا نَفِـدَ الشراب وما رويتُ (67)

وفي هذه الحالةِ يَتَعَشَّقُ المحبُّ روح َمحبوبِهِ وربّما أَلبَسَها مِنَ حُلَلِ الجمال وعباءات الكمالِ والصِفاتِ المُثلى ما لا تَتّصِفُ بِهِ في الواقعِ ، ورُبَّما اكْتَشَفَ أنّ محبوبَهُ بعيدٌ كلَّ البُعدِ عن هذه الصفات التي صوّرَها لهُ خيالُهُ ، وفي ذلك أقول:

راحت تُقَطِّفُ أطيـــافاً من الغَلَسِ                                          وَلْهى ، تُلَمْلِمُ أشتاتاً لِمُنْــــدَرِسِ

حَرَّى فؤادٍ وما عهدي بــــه كَلِفاً                                           بلْ كِدْتُ أَحْسَبُهُ ثَلْجاً من القَرَسِ

عتْبى عليَّ!فلا والحُبِّ ما خُلُقي                                            هَجْرُ الحبيبِ ولا وِدّي بمُنْعَـكِسِ

هذا الغرامُ فكوني طوعَ شِرعتِـــهِ                                          أو فاستعدّي لثأرِ الحُبِّ واحترسي

إنّي اصطنعتُكِ من وهمي مقدَّسـةً                                            إني غسلْتُك يا سُعدى من الدَنَسِ

إنّي جعلتُك في محراب صومعتي                                           طُهراً يُلازمُ خَفْقَ القـلبِ كالنفسِ

عتْبى عليَّ وكنتِ الهَمَّ يَسْحقني؟                                            ها قد بَرِئْتُ من الأوهامِ والرَجَسِ (68)

وقد حدَّثتنـي فتاةٌ ، يوماً ، أنَّها تحبُّ الأدبَ والأُدباء كثيراً ، لكنَّها تُحُبَطُ كلَّ ما اقتربت من أديبٍ ، أو عَرَفتْ واحداً منهم عن كثَبٍ ، لأنَّهُا لا تجدُه كما كانت تتصوَّرُ ، فأجبتُها بأنَّ الذي في خيالها هو من عالم المثالِ لا عالَمِ الواقع ، من عالم الروح لا عالم البشر.وفي الحب الروحي يقول الشيخ الأكبر في فتوحاته:

أحببتُ ذاتيَ حُبَّ الواحدِ الثاني                                        والحُبُّ مـنّي طبيعيٌّ ورُوحاني

والحُبُّ منـهُ إلهيٌّ أَتَـتـْك بِــــهِ                                        ألفــاظُ نُورِ هُدًى في نَصِّ قُرآنِ

فغايةُ الحُبِّ في الإنسانِ وَصْلَتُـهُ                                        رُوحاً بِروحٍ وجِثْمانا بجِثمـانِ

إنْ لم أُصَوِّرْهُ لم تَعلِمْ بمن كَلِفَتْ                                        نَفْسي وتَصويرُهُ رَدٌّ لِبُرْهــانِ  (69)

المهمُّ أنْ يرقَّ قلبُ الإنسانِ ، ويَرْهُفَ حسُّهُ ، فيتغلَّبُ عالَمُ لطافتِهِ على عالَمِ كثافتِهِ ، ويعرُجَ خيالُهُ بِروحِهِ في عوالمِ الحُبِّ ويترقّى في مدارجِ الشوق والوجد . والحبُّ مقدَّرٌ على الإنسان ليس بيده جلبُه ولا دفعُه لما جاء في الحديث الشريف عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنّه قال: (( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف )) . (70) وقالوا بأنّ الأرواح عندما خلقها الله في عالَم الذَرّ ِ، كان منها المتقابلُ ومنها المُتدابرُ ، فما تقابَلَ في عالم الذَرِّ تآلف في الدنيا ، وما تدابر هناك تجافى هنا ، واستناداً إلى هذا الحديث الشريف والحديث الآخر الذي يقول فيه المصطفى ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ : (( القلوبَ بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاءُ )) . (71) قلت :

فالحسنُ مظهرُه والقلبُ في يدِهِ                                   والحبُّ قسمتُه،من يغلب القَدَرا؟

وفي ذلك يقول بَكر بن البطّاح:

وعلى القلوب من القلوب دلائلٌ                                    بالودِّ قبلَ تشاهد الأشبـــــــاحِ (72)

ثمّ يقول الشيخ الأكبر ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ : (( اِعْلم ، وفَّقَكَ اللهُ ، أَنَّ الحُبَّ مَقامٌ إلهيٌّ فإنّه وصَفَ به نفسَه وتَسمّى بالودودِ ، وفي الخبرِ  ، بالمحبِّ ومما أوحى الله به إلى موسى ـ عليه السلام ـ في التوراةِ: يا ابنَ آدم إنّي ، وحقّي ، لك محبٌّ ، فبِحَقّي عليك كنْ لي محبّاً {73} )) . (74)

وكثيرة هي الآيات القرآنيَّةُ التـي تتحدَّث عن الحبِّ ، إنْ كان بين المولى وعبيده ، أو بين الخلق بعضهم للبعض ، يقولُ ـ جلَّ وعلا ـ :

ــ (( يا أيّها الذين آمنوا مَن يرتدّ منكم عن دينِه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبُّهم ويحبّونَه )) . (75) ويقول أيضاً:

ــ (( يحب التوابين ويحب المتطهرين )) . (76) و:

ــ (( يحب المتوكلين )) . (77) و:

ــ (( يحب المحسنين )) . (78) و:

ــ (( يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص )) . (79) و: ــ (( يحب الصابرين )) . ( 80 )

رويَ بأنَّ نبـيَّ اللهِ سيّدنا داوودَ ـ عليه السلامُ ـ بكى حتى ذهَبَ بصرُه فردَّه اللهُ عليه ، ثمَّ بكى حتى ذهبَ بصرُهُ ، فردّه اللهُ عليه ثانيةً ، ثم بكى حتى ذهب بصرُهُ ، ثمَّ ردَّه اللهُ عليهِ ، ثمَّ قال له: ما يبكيكَ يا داوودُ ؟ فأجابه سيدُنا داوود:وعِزَّتكَ ما يبكينـي إلاّ حبُّك،فقال له الحقُّ ـ عَزَّ وجلَّ ـ: يا داوودُ إبكِ ما شئتَ فليس لهذا الداءِ من دواءٍ إلاّ البكاءْ . وفي ذلكَ أقول:

يقضي المحبُّ ولا يُقضى لهُ وّطَرٌ                            إلا الدموعَ وغيرَ الدمــعِ ما عَرَفا

إنَّ الغرامَ سمـــــاءٌ دونها سُحُبٌ                               فيها الحياةُ لقلبٍ في الهوى نزَفا (81)

ولا مطمع لنا في حبِّنا أنْ نجتنـي غيرَهُ ، ولا يوجد في الحبِّ أعزبُ من البكاء ، ومن ذاق عرفَ . وقد قال بعض المحبّين ـ رضي اللهُ عنهم ـ:

هم علّموني البُكا ما كنتُ أعلمــــــــهُ                             يا ليتَهم علِّموني كيف أبتســـــمُ

هم أرضعوني لِبانَ الحبِّ من صغري                             حتّى إذا علقتْ روحي بهم فَطَمُوا

وللمجنون قوله :

أَحِنُّ إلى لَيْلَى وإنْ شَطَّتِ النّوَى                                   بليلى كمــــا حنَّ اليراعُ المُنَشّبُ

يقولون ليلى عذبتك بحبهــــــا                                      ألا حبَّــذا ذاك الحبيبُ المعذِّبُ  (82)

وقال آخر:

شكى المحبّون الصبابـــةَ ، ليتني                                    تحملت ما يلقون من بينهم وحدي

وكانت لنفسي لذّةُ الحُبِّ كلُّهـــــا                                      فلم يلْقَها قبلي محبٌّ ولا بَعـــدي (83)

وقال آخر:

دَعِ الحِبَّ يُصلى بالأذى من حبيبِهِ                                     فكلُّ أذًى ممـــــــــن تحبُّ سُرورُ

تُرابُ قَطيعِ الشاملي عينُ ذئبِهـــا                                     إذا ما تـــــــــــــلا آثارَهنَّ ذَرورُ (84)

أمّا المتنبـي فإنَّه يعتبر السهادَ في الحبِّ رُقاداً ، ويَعُدُّ فضلاتِ ما يرعاه سِربُ غزلان من يحب ورداً يقول :

سهادٌ أتانا منكِ في العين عندنا                                         رقادٌ ، وقُلامٌ رعى سِربُكم وَرْدُ  (85)

كما يشبِّه الحبَّ بالشَهد وضناه بالسُمِّ الكامنَ في الشهد ، فهو ما يكاد يتلذّذ بالشهد حتى يموتَ بالسُمِّ ، قال:

ضنًى في الهوى كالسُّمِّ في الشُهدِ كامِناً                               لَذَذْتُ به ، جهــلاً ، وفي لَذّتي حَتْف  (86)

وقد كان سيِّدُنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ كثيرَ التأوُّهِِ ، قال اللهُ تعالى في كتابه العزيزِ: (( إنَّ إبراهيمَ لأوّاهٌ حليم )) . (87) فقد كان أبو الأنبياء ، سيدُنا إبراهيم ـ عليه السلامُ ـ كثيرَ التأَوُّهِ من شدَّة حبِّه لربه ـ تباركت أسماؤه وما كان حبُّ سيدنا يعقوب لسيّدنا يوسفَ ـ عليهما السلامُ ـ ذاك الحبّ الذي أذهب بَصَرَهُ ، حبَّ والدٍ لولده ، وحسبْ ، فقد كان له أحدَ عشرَ ولداً سوى يوسف ،ولم يَكْلَفْ بأحدٍ منهم كَلَفهُ بيوسفَ ـ عليهما السلام ـ  وإنّما أحبَّ يوسفَ لما ظَهَرَ فيه من التجلّي الإلهي دون غيره، ولو أنّهُ أحبَّهُ هذا الحبَّ لشخصه ، لخالف تعاليم مولاه ، فنحن مأمورون بأن يكون اللهُ أحبَّ إلينا من أهلِنا وأنفُسِنا، وأنْ لا نحبَّ ونكرَهَ إلاّ للهِ وباللهِ ، وقد سَلَفَ بيانُ ذلك ، وهو معروفٌ عند كلِّ ذي علم .

ليس هذا فحسب بل إنَّ حبَّ رسوله ـ صلى الله عليه وسلَم ـ يجب أنْ يفوق كلَّ حبَّ ، فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ :(( لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله  والناس أجمعين )) . (88)

قال ـ تعالى ـ :(( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ )) . (89) فصارت محبتهم لله ولدينه، فأحبوا من أحبه الله ، وأبغضوا ما أبغضه الله ، وفي الحديث:(( وهل الدين إلا الحب والبغض )) ولهذا وجب أن يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب إلى العبد (( ..من نفسه وولده ووالده والناس أجمعينر )) . (90)

وقد ربطَ الله ـ سبحانهُ وتعالى ـ محبَّته لعبده بحبِّ رسولِهِ ـ صل الله عليه وسلَّم ـ وباتّباعِهِ وطاعتِه:(( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) . (91)

ثمّ إنّ اللهَ ـ سبحانَه ـ حَبَّبَ إلينا أَشياءَ ، منها بالتَزيينِ ، ومنها مُطْلَقةً ، فقال ممتنّاً علينا:(( ولكنَّ الله حبَّبَ إليكمُ الإيمانَ وزيَّنَهُ في قلوبكم)) . (92)

وقال:(( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ..)) . (93)  وقال في حقِّ الزوجين: ((..وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )) . (94) وفي الخبر:((وَجَبَتْ محَبَّتـي للمُتَحابين فيَّ )) . (95)

وروى الإمام أحمد في مسنده عن البراء بن عازب مرفوعاً:(( أوثق عرى الإيمان الحب في الله ، والبغض في الله )) . (96)

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(( يقول الله تعالى : مَنْ عادى لي وَلِيّاً فقد آذَنْتُهُ بالحرب ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدٌ بشيءٍ أَحَب إليَّ  مِنْ أَداءِ ما افْتَرَضْتُهُ عليه، ولا يَزالُ عبدي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحِبَّهُ ، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ ، وبصرَهُ  الذي يُبصرُ بِهِ ، ويَدَهُ التي يَبطِشُ بها ، ورِجْلَهُ التي يمشي بها ، وإنْ سألنـي لأعْطيَنَّهُ، ولئن اسْتعاذَني لأعيذنَّهُ )) . (97) فإذا امتلأ قلبُ العبدِ من معرفة الله، وغُمِرَ بمحبتِه وخشيتِه وإجلاله ومراقبته ، سرت المحبَة في أجزائه فلم يبق فيه عرقٌ ولا مِفصلٌ إلاّ وقد دخله الحُبُّ، وأنساه حبُّ ربِّه ذكرَ غيرِه ، فانشغل بحبّه عن حبِّ مَن سواه وبذكره عن ذكر من سواه ، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه ، والرهبة منه ، والتوكُّلِ عليه ، والإنابة إليه ، والسكون إليه ، والتذلّل والانكسار بين يديه،وصارت له أسماءُ ربّه وصفاتُه مشهداً لقلبِه ، فحينئذ يكون اللهُ ـ سبحانه ـ سمعَه الذي يسمع به وبصرَه الذي يُبصر به ويدَه التـي يبطش بها ورجلَه التـي يمشى بها ، فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى .

وروى البخاري في كتاب التوحيد عن أبي هريرة ـ رضي اللَّه عنه ـ قال: قال رسول اللَّه ـ صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم ـ :(( إن اللَّه تباركَ وتعالى إذا أَحبَّ عبداً نادى: يا جبريل ! إنّ اللَّهَ يحِبّ فلاناً فأَحبّه ، فيحِبّه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماءِ: إِن اللَّه يحِبّ فلاناً فأَحِبوه ، فيحِبه أَهلُ السماء ويوضع له القَبول في الأَرض )) . (98) وفي هذا الحديث إثبات صفة الحبِّ لله ـ سبحانه وتعالى ـ وصفة الكلام له ـ سبحانه ـ ، والمرادُ بالقبول في هذا الحديث: قبول القلوب له بالمحبّةِ والميلِ إليهِ والرِّضا عنه.ويؤخذ منه أنَّ محبّةَ قلوب الناسِ علامةُ محبَّةِ اللَّه .

وللشيخ الأكبر ـ قُدِّسَ سِرُّه الشريف ـ قولٌ لطيفٌ في بيان سببِ خلقِ اللهِ آدمَ على صورتِهِ ، يقول:(( .. فاعلمْ أَنَّ العالمَ َخلقَهُ اللهُ في غاية ِالإحْكامِ والإتقانِ ..فأخبر أنَّهُ تعالى ، خلق آدم على صورته ، والإنسانُ مجموعُ العالم ، ولم يكن عِلمُهُ  تعالى بالعالمَ ِإلاّ عِلْمَهُ بنَفسِهِ ، إذ لم يكنْ في الوُجودِ إلاّ هو ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ على صورتِهِ ، فلمّا أَظهرَهُ في عَيْنِهِ كان مَجْلاهُ ، فما رَأى فيه إلاّ جمالَه ، فأحَبَّ الجمالَ ، فالعالمُ جمالُ اللهِ ، فهو الجميلُ المحبُّ للجمال، فمن أحبَّ العالَمَ بهذا النَظَرِ ، فقد أحبَّهُ بحبِّ اللهِ ، وما أَحَبَّ إلاّ جمالَ اللهِ ، فإنَّ جمالَ الصنْعَةِ لا يُضاف إليها ، وإنَّما يُضافُ إلى صانِعِها ، فجمالُ العالم جمالُ الله )) . ( 99)

ولذلك فهو  يحبُّ كلَّ صورةٍ ظَهَرَ فيها محبوبُهُ ، حتى وإنْ كانتْ على غيرِ مِلَّتِهِ ودينِهِ ، و في أيِّ ثوبٍ ظهرتْ وإنْ كان ثوبَ الكفرِ أو الشِرْكِ ، فهو يحبُّ ما داخِلَ الثوبِ ، وإنْ كَرِهَ الثوبَ بذمِّ اللهِ لهُ ، وهذه دقيقةٌ لا يُدْرِكُها إلاُّ أهلُ البَصائِرِ . يقول الشيخُ الأكبرُ  ـ رضي الله عنه ـ :

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صُـورةٍ                                 فَمَرْعى لغِزلانٍ وديرٌ لِرُهبـــــانِ

وبيتٌ لأَوثانٍ وكعبـــــةُ طائفٍ                                   وأَلواحُ تَوراةٍ ومُصحفُ قُــــرآنِ

أدينُ بدين الحُبِّ أنّى تَوَجَّهتْ                                      ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيمــاني (100)

فنظرُهُ إلى هذه  المظاهر بعين الحقيقةِ لا يتعارض مع معاملتها بمقتضى الشريعة ، وإنْ أحبّها جميعاً على أنَّها مظاهرُ تجلّياتِ محبوبِه ، فهو يَتعاملُ معها كما يأمر فيها خالقُها ، محبوبُه فيُحِلُّ ما أحلَّ فيها ويُحَرِّمُ ما حَرَّمَ . والمحبُّ الصادقُ ـ أيضاً ـ هو الذي يذوب في محبوبه بالكليّة حتى تَنْطَبِعَ فيه صورةُ محبوبِه ، يقول الحَلاّج :

أنا مَنْ أَهْوى ومَن أَهوى أنا                                      حـــــن روحان حَلَلْنا بَدَنا

فإذا أَبْصرْتَنـي أَبْصرتَــــــهُ                                      وإذا أَبْصَرْتَهُ أَبصرتَنـــــــا  (101)

وقد أنكرَ ذَوو العقولِ المتَحَجِّرةِ عليه وعلى أَمثاله من العاشقين واتّهموهم بالقولِ بالحلول والاتحاد مع ذات الحقِّ ـ جلَّ وعلا ـ وهم من ذلك بَراءٌ، إنّما قد ذابت  ذواتُهم في عشق محبوبهم حتى لم يبقَ لها وجودٌ في حِسِّهم أَبَداً . وقد سمعتُ من شيخِنا العارفِ باللهِ ، الشيخ عبد الرحمن الشاغوري ـ رحمهُ الله ـ عبارةً طالمَا رَدَّدها عن أشياخِه ـ رضي الله عنهم ـ وهي:(( إذا اقْتَرَنَ الحادثُ بالقديمِ بقيَ القديمُ وفنـيَ الحادث )) . وفي ذلك يقولُ أحدهم :

أَرى رَسْمَها عندي يُعوِّضُ عن رَسْمي                                        فمَـــــا بالُهم في الحَيِّ يَدعونني باسْمي !

فهل بعد ضوءِ الشمسِ يَبدو لَكَ الدُجا                                         وهل ـ عندَها ـ يَبقى على الأُفْقِ مِنْ نَجْمِ؟

إذا ما دعا الداعي بـ (عَلْوَةَ) فاستَجبْ                                          ولكنْ إذا أفنَتْكَ عنك على عَلْـــــــــــــم

فلم تبقَ لولا أنْ بَقيتَ بها لهــــــــــا                                             فأنت إذا حقّقْتَ من عالَمِ الوهــــــــــــمِ

وقد نسيَ هؤلاءِ المعترضون الجَهَلةُ ـ هدانا اللهُ وإياهم لما يُحبُّ ويرضى ـ

قولَهُ تعالى في الحديث القدسيِّ الذي تقدم ذكره (.. فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَه الذي يسمع به ، وبَصَرَهُ  الذي يُبصِرُ به ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها ورجلَه التي يمشي بها..) .

وهذا هو مَقامُ العِشقِ الذي يُفَصِّلُ فيه الشيخُ محي الدين بن عربي ـ رحمه الله ـ حيث يقول: (( فإذا عَمَّ الإنسانَ بجُمْلتهِ وأَعْماهُ عن كلِّ شيءٍ سوى محبوبِه وسَرتْ تلك الحقيةُ في جميعِ أجزاءِ بَدَنِهِ وقُواهُ وروحِه ، وجَرَتْ فيه مجرى الدَمِ في عُروقِه ولَحْمِه، وغَمَرتْ جميعَ مَفاصِلِهِ فاتّصلتْ بوُجودِهِ  وعانقتْ جميعَ أجزائهِ جسماً وروحاً ، ولم يبقَ فيه مُتَّسعٌ لغيرِه ، وصار نُطْقُهُ به وسَماعُه منه ، ونظرُه في كلِّ شيءٍ إليه ، ورآه في كلِّ صورةٍ  ، وما يَرى شيئاً إلاّ ويقولُ هو هذا ، حينذٍ يُسمّى ذلك الحُبُّ عِشْقاً كما حُكيَ عن {زُليْخا} أنّها افتَصَدَتْ ، فوقعَ الدَمُ في الأرضِ ، فانْكتبَ به يوسُفُ يوسف في مواضِعَ كثيرةٍ حيثُ سَقَطَ الدَمُ ، لجرَيانِ ذِكْرِ اسمهِ مجرى الدَمِ في عُروقِها كلِّها ، وهكذا حُكِيَ عن الحَلاّجِ لمّا قُطعتْ أطرافُه ، انْكتبَ بِدَمِهِ في الأرضِ اللهُ الله، حيث وَقَعَ )) . ولِذلك قال ـ رحمـَهُ الله تعالى ـ :

ما قُدَّ لي عُضْوٌ ولا مِفصلٌ                                        إلاَّ وفيــه لكم ذِكـــــــرُ   (102)

وقيل لما قُدِّمَ الحلاّج لتُقطّع أطرافُه ، قطعت اليد اليمنى أولاً فضحك ،  ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكاً بليغاً ، فخاف أن يصفرّ وجهُه من نزف الدم ، فأكبَّ بوجهه على الدم السائل ، ولطخ وجهَه بدمِهِ وأنشأ يقول:

الله يعلم أنَّ الروحَ قـــد تلفـتْ                                      شوقاً إليكَ ولكنّي أمنّيهـــــــــا

ونظرةٌ منك يا سُــؤْلي ويا أملي                                   أشهى إليَّ من الدنيا وما فيهـــا

يا قومُ إنّي غريبٌ في ديارِكــمُ                                      سلَّمتُ روحي إليكم فاحكموا فيها

ما أُسلم النفسَ للأسقام تتلفهـا                                      إلاّ لعلمي بأنَّ الوصل يحييهـــــا

نفس المحبِّ على الآلام صابرة                                    لعلَّ مُسقمَها يوماً يُداويهــــــــــا  (103)

ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا مولاي إنّي غريبٌ في عبادِك وذكرُك أغربُ منّي ، والغريبُ يألفُ الغريبَ ، ثم ناداه رجلٌ وقال: يا شيخُ ما العشق ؟ قال: ظاهرُه ما تَرى وباطنُه دَقَّ عن الورى .

قال الجنيد: قالت النار يا رب لو لم أُطعْكَ هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني ؟ قال: نعم كنت أسلّط عليك ناري الكبرى قالت:وهل نارٌ أعظم مني ؟ قال نعم نار محبتي أُسكنها قلوبَ أوليائي المؤمنين ، كذا في فتح القريب . (104) وأشدُّ ما يخشى المحبُّ هجرَ الحبيب ، قيل لبعض الصوفيّة: لمَ تصفرُّ الشمس عند الغروب ؟ فقال:خوفاً من الفراق وبه ألم .

وفي هذا الباب كم يُستعذَبُ قولُ المتنبي مخاطباً الأمير سيفَ الدولة الحمداني الذي ضربه بالمحبرة فشجَّ رأسِه:

يا مَنْ يَعِز ُّعلينا أنْ نُفارقَهــم                                                   وجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكم عَدَمُ

إنْ كان سَرَّكمُ ما قال حاسدُنا                                                  فمـا لجُرحٍ إذا أرضــاكُمُ ألـــمُ  (105)

أمّا أبو فراس الحمدانيُّ فيقول ، مخاطباً ابن عمه سيف الدولة الحمدانيِّ أيضاً ، ولكن لسببٍ آخر ، وهو أنَّ سيفَ الدولة قد تباطأ في افتداءه من أسره:

وَقد كنتُ أخشَى الهجرَ والشملُ جامعٌ                              و في كلِّ يومٍ لُقيةٌ وخطـــــــــــــــــابُ

فكيفَ وفيمـــــــا بيننا ملكُ قيصــــرٍ                               وَللبَحْرِ حَوْلي زَخْرَةٌ وَعُبَـــــــــــــــــابُ

أمنْ بعدِ بذلِ النفسِ فيما تريــــــــدهُ                                  أُثَابُ بِمُرّ العَتْبِ حِـينَ أُثَــــــــــابُ ؟

فَلَيْتَكَ تَحْلُو ، وَالحَيَــــــاةُ مَرِيــرَةٌ ،                                وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَــــــــــــــابُ

وَلَيْتَ الّذي بَيْنـي وَبَيْنَكَ عَامـــــــرٌ                               و بينـي وبينَ العالمينَ خــــــــــــــرابُ

إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيّـــــــنٌ                             وكلُّ الذي فوق التراب تُـــــــــــــــرابُ    (106)

وكثيراً ما تمثّل السادةُ الصوفيّون بأبيات أبي فراس هذه ولا سيّما الثلاث الأخيرة منها حتى ظُنَّت لواحدٍ منهم ، إنّما هم يوجّهون كاف الخطاب فيها إلى محبوبهم ـ سبحانه ـ. وما أحسن قول الشاعر :

والله ما شَطَّتْ نَوى ظاعِنٍ                                           إلاّ عن العـــينِ إلى القَلبِ  (107)

 أمّا البحتري فيقول:

إنْ جــرى بينَنا وبينكِ هجرٌ                                          وتنـاءت منّا ومنك الديـــارُ

فالغليلُ الذي عَهِـدْتِ مقيمٌ                                            والدموعُ التي عَهِـدْتِ غِـزارُ  (108)

ويقول الأستاذُ الرئيس {ابن سينا}في الفراق والخوف من ألم الوداع :

لا تَركننَّ إلى الـــــــــــوَدا ………… …………………………..ع وإن سَكَنْتَ إلى العِنـــــاقِ

فالشمسُ عندَ غُروبِهـــــــا                                               تَصْفَرُّ من خوفِ الفِـــــــــراقِ (109)

ويقولُ الأحوص :

إذا قلتُ إني مشتفٍ بلقائها                                                وحُمَّ التَلاقي بيننا زادني وجدا  (110)

والمحبُّ الحقُّ هو الذي تنتفي كلُّ إرادةٍ له ويستسلم كلّيّاً لإرادة محبوبه  وهو الذي لا يسألُه شيئاً وليس له أيُّ مطلبٍ حتى ولو كان هذا المطلب هو صل المحبوب فقد ماتت نفسُ وماتت معها حظوظُ وشهواتها ، يقول ابنُ عطاء الله السكندريِّ * ـ رضي الله عنه ـ في هذا المقام:

وكنت قديمـاً أطلب الوصـــلَ منهمُ                                       فلمّـــا أتاني العلم وارتفع الجهلُ

تبيّنتُ أنّ العبــــدَ لا طلبٌ لــــــه                                       فإنْ قرّبوا فضلٌ وإنْ بَعّدوا عـــدلُ

وإن أظهروا لم يظهروا غيرَ وصفِهم                                     وإن سَتَروا فالسَترُ من أجلِهم يحلو  (111)

* وقد نسبت هذه الأبيات للإمام الغزالي أيضاً وكما أنَّ الحبَّ سببُ الوجودِ وبه استمرارُهُ ـ كما سَبَقَ أَنْ بَيَّنّا ـ فإنَّ المحبّينَ هُم صَفْوةُ الناسِ من خلقه ، وهم أنبلُهم صفاتٍ وأَرَقُّهم مَشاعرَ ، وهم أَعلى الناسِ في مراتب الإنسانيَّة . يقول الإمامُ الغزاليُّ ـ رضي اللهُ عنه ـ : (( المحبّةُ هي الغايةُ القُصْوى مِن المقامات والذُرْوةُ العُلْيا من الدَرجاتِ )) .  (112)

والحبُّ هو روح الإسلام كما يقول شيخنا الشيخ: عبد القادر عيسى ـ رحمه الله تعالى ـ:(( والحقيقة أن الإسلام أعمال وتكاليف وأحكام ، وروحُه المحبّةُ ، والأعمالُ بلا محبّة أشباحٌ لا حياةَ فيها )) . (113)

والحبُّ يسري في الوجودِ ويعمُّ جميعَ الكائناتِ ، على تعدّدها واختلافِ مَراتبها ، فهي لم تكن لتوجد لولا الحبُّ ، فالحبُّ الإلهيُّ علَّةُ خلق الله لها ، لأنّه عندما {أحبَّ} أن يُعرَفَ خَلَقها ، وظهرَ في صُورِها ، وهو يحنُّ إلى رجوع هذه الصورِ  إليهِ ، وهي أيضاً دائمةُ الحنين إلى رجوعها إلى خالقها ومُصوِّرها ، فحُبُّ اللهِ الظهورَ الكامنَ فيه باسمِه الظاهرِ يولِّدُ هذا الحنين الدائم إلى هذه الصورِ التـي هي مجلا الظهور ، والخلائقُ يكمُنُ فيها حبُّ الانطلاق نحو المطلقِ والتحرُّرِ من أسرِ هذه الصورِ ، لتعود إلى أصلها ، ولتحقيقِ هذه الرغبةِ لا بدَّ لها من الفناءِ في الحقِّ ـ جلَّ وعلا ـ ولذلك فنحنُ أمامَ دائرةٍ مغلقةٍ مركزُها الحقُّ ـ تبارك وتعالى ـ ونصفُ قُطرِها حُبٌّ و افْتراقٌ ، والنصفُ الآخَرُ حُبٌّ وتَلاق ، ومحيطُها مالا يُحصيهِ إلاّ اللهُ مِن صُوَرِ المَوجوداتِ .

بعد كلِّ ما تقدَّم عن الحبِّ ، حبِّ الله لعبادِهِ وحبِّهم له ، فيما وَرَدَ من آياتٍ وأحاديثَ وأقوالِ عدد من العلماء ، لا بُدّ من الإشارة إلى ما وَقَعَ فيه صديقُنا الباحثُ والشاعرُ الكبيرُ الأستاذ: رفيق المعلوف من خطأ في سِفْرِه: {النفسُ العربية} حيث نفى وجودَ مصطلحِ المحبَّةِ بين اللهِ وعبادِهِ في الديانتين الإسلاميّةِ واليهوديّة كونَ اسمِ {حبيبٍ} ليس من أسماءِ الله الحسنى التـي ورَدَت في الدين الإسلامي حيث قال: (( وتبقى {محبَّةُ اللهِ} باعتبارِهِ مصدرَ الحياةِ والموتِ والكمالِ والقوّةِ والخلودِ الخ… {رهبانيّة متصوِّفةً} دعا إلى مثلِها السلوكُ المسيحيُّ ، لكنّها دَخَلَتْ على الساميّين من العُمقِ الآسيويِّ البوذيِّ والمناسِك الهنديّةِ ، ولم تعمِّرْ في الدِيارِ الساميّةِ طويلاً ..)) ويتابع في الحاشية: (( قلَّما عثرنا على تسمية {حبيب} عند قُدماء العرب العاربة والمستعربة في الجاهليّة والإسلام ، خلافاً لتسميات أخرى من الصفات الحسنى التي اقترنت باسم الله ، وقد اختصَّ المسيحيّون العرب وحدهم بهذه التسمية التي يكثر ورودها في الإنجيل وعلى أنَّ الحديث المنسوب إلى محمد يقول: (( الخلق كلُّهم عيالُ اللهِ وأقربهم إلى الله أحبُّهم لعياله )) ، ورغم أنَّ هنالك أحاديث نبويّة أُخرى تمتدحُ محبِّة الله، فإنَّ المحبّةَ اقتصرت في الإسلام على الإنسان الأقرب الأدنى ، ولم ترقَ إلى عرش الله الأعظم الأعلى )) . (114)

وفي ما تقدم من بحثنا هذا جلاءُ الحقيقةِ ، لكنّ العجبَ العُجابَ أنْ يقع باحثٌ منصف رزينٌ مثقّف يحفظ القرآن الكريم والكثير من أحاديث رسول الله محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما يقول في مقدمة ديوانه: {حداء وادي الشجن} في مثل ما وقع فيه صديقُنا العزيز ، إنّما لكلِّ جواد كبوة ولكلِّ صارم نبوة ، فالدين كلُّه واحدٌ لأنّ مصدرَ الدين واحدٌ . وهو الخالقُ العظيمُ ـ تبارك وتعالى ـ وإنّما اختلفت بعض الأحكام الشرعيّة بين رسالة وأخرى ومن زمن إلى آخر ، ومن مجتمع إلى مجتمع ، مراعاةً لمصالحِ الناسِ المختلفةِ باختلافِ الأزمانِ والمجتمعاتِ وحَسْب .

أمّا الحديثُ الذي قصدَه أستاذُنا الجليلُ فإنّ نصّه كما رواه البزّار وغيرُه هو الآتي: قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ : (( الخلق كلُّهم عيالُ الله وأحبُّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله )) . الأمر الذي اقتضى التصحيح .

                                                                              مصادر الباب الثالث:

1 ــ  فقه اللغة للثعالبـي (ج 1 / ص 647)

2 ــ  نجعة الرائد لإبراهيم اليازجي – (ج 1 / ص 179)

3 ــ  سورة النساء ، الآية : / 125 / .

4 ــ المحيط الأعظم – (ج 4 / ص 516)

 5 ــ  سورة الإسراء والمعراج ، الآية : / 1 / .

6 ــ المزهر في علوم اللغة – (ج 1 / ص 337) .

7 ــ القاموس المحيط – (ج 1 / ص 1475)

8 ــ المخصص لابن سيده – (ج 1 / ص 379)

9 ــ المخصّص لابن سيده – (ج 1 / ص 378)

10 ــ كتاب العين ، 2/ 58/.

11 ــ المحكم والمحيط الأعظم – (ج 9 / ص 67)

12 ــ الصحاح في اللغة – (ج 2 / ص 294)

13 ــ المحيط في اللغة – (ج 2 / ص 384)

14 ــ المحيط في اللغة – (ج 1 / ص 19)

15 ــ المحيط في اللغة (ج 1 / ص 79)

16 ــ المحيط في اللغة (ج 2 / ص 153)

17 ــ المحيط في اللغة (ج 2 / ص 261)

18 ــ الكشف والبيان (ج 5 / ص 248)

19 ــ التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية (ج 3/ ص 226)

20 ــ لباب الآداب لأسامة بن منقذ (ج1/ص70)

21 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/346/

22 ــ نفس المصدر السابق  (ج 1 / ص 345)

23 ــ محاضرة الأدباء،ج1ص/345/

24 ــ محاضرات الأدباء  (ج 1 / ص 345)

25 ــ الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج5ص168

26 ــ سورة المائدة ، الآية :/54/

27 ــ سورة البقرة ، الآية : /222/.

28 ــ سورة  آل عمران ، الآية :/31/

29 ــ سورة  التّوبة ، الآية :/24/.

30 ــ جمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي (ج 1/ص 11650)

31 ــ التعرّف لمذهب أهل التصوّف ج1ص/110/

32 ــ ديوان عبير الروح للمؤلّف .

33 ــ من رسالة القدّيس بولس الأولى إلى الكورنثيين الفصل الثالث

34 ــ المدرسة الشاذلية الحديثة ص 142.

35 ــ نسيم السحر ص/38/ .

36 ــ نفس المصدر ص38 .

37 ــ نفس المصدر

38 ــ الحب المطوّر ، الكتاب الثامن من سلسلة دراسات فلسفيّة ولاهوتيّة ، ص71.

39 ــ اللُّمَع ص86 ،

40 ــ مدارج السالكين ج3ص11

41 ــ الفتوحات المكيّة ج2ص338

42 ــ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي ص12

43 ــ رؤية على القصيدة العينيَّة ص:45 ـ47 .

44 ــ إحياء علوم الدين (ج 4 / ص 316 ــ 319)

45 ــ رواه الإمام مسلم في صحيحه ، و أحمد في مسنده ، والترمذي في سننه.

46 ــ ديوان تأمُّلات للمؤلّف .

47 ــ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي ص 12

48 ــ سورة الذاريات ، الآية / 56 / .

49 ــ إشارات الإعجاز لبديع الزمان سعيد النّورسي ـ (ج 1 / ص 20)

كما أورده العلامة الألوسي في تفسيره وكثير من المفسرين وأفرد الشيخ الأكبر له كتاباً لشرح معناه .

50 ــ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي ص25 .

51 ــ الفتوحات المكية ج2 ص338 .

52 ــ ديوان عبير الروح للمؤلّف .

53 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/351 / .

54 ــ المصدر السابق .

55 ــ الفتوحات المكيةج2 ص 237.

56 ــ سورة فاطر الآية : / 15 / .

57 ــ الفتوحات المكيةج2 ص 324

58 ــ رواه الإمام مسلم في صحيحه عن معاذ رضي الله عنه ، ورواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

59 ــ رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه

60 ــ الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (ج 3 / ص 72)

61 ــ ديوان ابن الفارض ص / 78 / .

62 ــ الفتوحات المكية ج2 ص / 337 / .

63 ــ ديوان عبير الخيال للمؤلف .

64 ــ ديوان عبير الروح للمؤلف .

65 ــ المستطرف للأبشيهي – (ج 2 / ص 520)

66 ــ في الألفة والألاف – (ج 1 / ص 117)

66 ـ {مكرر} ــ سورة الحجر ، الآية / 6 / .

67 ــ المستدرك على الصحيحين للحاكم ، ج 1 ، ص / 677 /

68 ــ الرسالة القشيريّة ج1ص / 38 / .

69 ــ ديوان الأجفان الدامية للمؤلف .

70 ــ الفتوحات ج2ص / 320  / .

71 ــ رواه البخاري في الأدب المفرد ج1/ص309 ح899

72 ــ رواه الإمام مسلم في صحيحه ، و أحمد في مسنده ، والترمذي في سننه.

73 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/351 / .

74 ــ تفسير الشعراويج1 ص / 3993 / . وقال حديث قدسي .

75 ــ الفتوحات المكية ج2 ، ص / 322 / .

76 ــ سورة المائدة ، آية / 54 / .

77 ــ سورة البقرة ، آية / 222 / .

78 ــ سورة آل عمران ، الآية / 159 / .

79 ــ سورة البقرة آية / 195 / .

80 ــ سورة الصفّ الآية / 4 / .

81 ــ سورة آل عمران الآية / 146 / .

82 ــ ديوان الأجفان الدامية للمؤلف .

83 ــ ديوان مجنون ليلى – (ج 1 / ص 11)

84 ــ  شرح ديوان الحماسة للمرزوقي- (ج 1 / ص 389)

85 ــ محاضرات الأدباء (ج 1 / ص 348)

86 ــ المصدر السابق .

87 ــ المصدر السابق .

88 ــ سورة التوبة ، الآية / 114 / .

89 ــ رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه .

90 ــ سورة البقرة آية: 165.

91 ــ كتاب الإيمان والرد على أهل البدع (ج 1 / ص 6)

92 ــ سورة آل عمران الآية 31 .

93 ــ سورة الحجرات الآية 7 .

94 ــ سورة آل عمران الآية 14 .

95 ــ سورة الروم الآية 21 .

96 ــ رواه الإمام مسلم في صحيحه والإمام مالك في الموطأ بسند صحيح.

97 ــ مسند الإمام أحمد : ج4/286/

98 ــ أخرجه البخاري في كتاب الرقائق ، باب التواضع .

99 ــ صحيح البخاري كتاب التوحيد (13 / 461) (رقم : 7485)

100 ــ الفتوحات المكيّة ، ج2 ، ص : 345 .

101 ــ ترجمان الأشواق ص44 .

102 ــ نظرية الحب.. للأستاذ محمد الراشد ص192 .

103 ــ الفتوحات المكية  ج2 ص 337 .

104 ــ تفسير حقي – (ج 1 / ص 170)

105 ــ نفس المصدر ص85

106 ــ ديوان المتنبـي ج1ص127

107 ــ ديوان أبي فراس الحمداني – (ج 1 / ص 46)

108 ــ محاضرة الأدباء ج1ص351

109 ــ الزهرة ج1ص140

110 ــ محاضرة الأدباء ج1ص355

111 ــ ديوان الأحوص ج1ص180

112 ــ مرآة الجنان وعبرة اليقظان – (ج 2 / ص 236)

113 ــ إحياء علوم الدين ج13ص2570 .

114 ــ حقائق عن التصوف  ص403 .

115 ــ النفس العربية ، ص 39 .

                                                                        الباب الرابع:

                                                                  نظرة الصوفيين إلى المرأة :

       ينظرُ السادةُ الصوفيّون إلى المرأةِ كما نظرَ إليْها الإسلامُ الحنيف ، وكيف لا وهم أشدُّ الناسِ تمسُّكاً به والتزاماً بتعاليمِهِ ، ظاهراً وباطناً ؟. فهي عندَهم الأمُّ والأُختُ والزوجُ والبنت .. الخ وهي نصفُ المجتمعِ الفاعلُ في بِناءِ الأُسْرةِ والمجتمعِ ، وهي بعضُ الرجلِ الذي لا غِنى له عنه البتَّةَ ، ولذلك فهو دائمُ الحنينِ إليها لأنها أمّهُ التـي وَلَدتْه ، وفي أحشائها تكوَّن، وفي حِجْرها تربّى ، وفي كنفها نَشَأ وتَرعرعَ . غمرتُه بعطفِها وحنانها ، وحَجَبتْ عنه الأذى وغَذَتْه بلِبانَ صَدْرِها ، وعَلَّمتْه وأَعَدَّتْه لِيَشُقَّ طريقَهُ في الحياةِ ، وفي ذلك أَقول:

منكِ ابْتُديتُ وأُسكِنْتُ الحَشا وعلى                                دقّاتِ قلبِكِ غَنّى للجَمَال فَمِ (1)

      وهي معشوقـتُهُ ومَصدرُ وَحْيِهِ وإلهامِهِ ، وبها يَكونُ التجلّي الأكملُ للجمالِ ، الجمال الذي قال فيه سُقراط:(( سبب الجمال حبّ النفع )) . (2) وقال فيه أفلاطون:(( الجمال أمرٌ إلهيٌّ أزليٌّ موجودٌ فِي عالم العقل غير قابل للتغير ، قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلمّا نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت شيئاً على مِثال ما عهِدته في العوالم العقلية وهي عالم المِثال مَالت إليه لأنّه مألوفها من قبل هبوطها )) . (3) وذهب الطبائعيون إلى أنّ الجمال شيء ينشأ عندنا عن الإحساسِ بالحواس .

      فالجمالُ مَوجودٌ في الطبيعةِ كلِّها ، لكنَّهُ في المرأةِ أَجْلى وأَوضح وأكمل ، لأنَّ الإنسانَ أكملُ المخلوقاتِ ، وهو بُغيةُ اللهِ مِنَ الخلقِ ، ففيه التَجَلّي الأكملُ وإليْهِ التوجُّهُ الأتمّ ، وإذا كانت تجليّاتُ الجَلالِ مُتوجِّهةً إلى الرجلِ ، فإنَّ التجليّاتِ الجَمَاليّة ، في المرأةِ أتمُّ وأَعَمُّ ، وبها تعذُبُ الحياةُ وتُذلَّلُ صعابُها ويحلو مُرُّ ها ، ولي مِن الشِعرِ في هذا المعنى أيضاً الآتي :

بكِ توَّجَ اللهُ الجَمـالَ ،بِكِ انْجلى                                          حُسْنُ القديمِ بروعــــةِ التَلْوينِ

بك صارت الدُنيا أَحَبَّ لمُهجتي                                          من جَنَّةِ المأْوى مَــــراحِ العِـينِ

أشقى وما أحلى الشقاءَ مع الهوى                                        إنْ  كان منكِ ،مِنَ المنى يُدْنيني

حَوّاءُ مـا أَدْنا إلى نَفْسي ومـــــــا                                         أَنْدى على قلبي نِـداءَ التـــــينِ

بك جمَّلَ الله الوجودَ ولو خـــلا                                          من مُغْرِياتِكِ ما اشتهتْهُ عُيوني

وهي بعد ذلك متمِّمتي فهي ظاهرُ {كُن} وأَنا باطنُها:

أنا كافُ{كُنْ}والنونُ أنت فمن أنا؟                                      من أنتِ؟يا كَنزَ النَـدى المكونِ  (4)

 إذاً فهي نصفُ الكون وأنا نصفُهُ الآخرُ  قبلَ أنْ يُظهِرَ اللهُ هذه الموجودات إلى حَيِّزِ الوجود ، أرأيتَ إذا أردتَ أَنْ تَبنـي بيتاً ـ مهما كان هذا البيتُ صغيراً وبسيطاً ـ فإنّكَ تُكلِّفُ مكتباً هندسيّاً لِيُعِدَّ لك مخطّطاً تفصيليّاً لهذا المنزلِ يبيّنُ كلَّ صغيرة وكبيرةٍ فيه ، من غرفة للاستقبالِ وأخرى للجلوس وأخرى للطعام …إلخ  حتى مكان صنبورِ المياه يكون محدّداً على ذلك المخطّط، وإذا لم تكلِّف مكتباً مـتَخصّصاً بذلك ، لبساطة البناءِ ، فإنَّ ذلك كلَّه يكون حاضراً في ذهنك ـ على الأقلِّ ـ قبل أنْ تباشرَ العمل في البناء ، مع وضوحٍ تامٍّ في الغايةِ والقصدِ من هذا البناء ، فكيفَ إذا كان  البناءُ هو هذا الكونُ العظيمُ ؟ وكيف إذا كان بانيه ومهندسُهُ ومصمّمُهُ ومُبْرِزُهُ إلى حَيِّز ِالوُجودِ هو الإلهُ العظيم؟ أفيُعْقَلُ أنْ يُباشِرَ البناءَ هكذا اعتباطاً ، دون وضوحٍ في القصدِ والرؤية ؟ حاشا للهِ ، تعالى اللهُ عن ذلك علوّاً كبيراً .

     وطالما أنّ الهدفَ من خلقِ الكونِ أنْ يوجدَ فيه من يعرفُ الله ، للحديث الذي سبق إيراده: (( كنتُ كنزاً مَخفيّاً فأحببتُ أنْ أُعرف ..)) . (5) وللآية الكريمـة التي سبق أن استشهدنا بها أيضاً: (( وما خلقتُ الإنسَ والجنَّ إلاّ ليعبُدون )) . (6) وطالما أنَّ الموجود الوحيدَ المؤهَّلَ لهذه المعرفةِ هو الإنسانُ ، بما ميّزه اللهُ به مِن نِعمةِ العقلِ ، وهو الذي أهَّلَه لحملِ  الأمانةِ التـي عرضها اللهُ ـ سبحان ـ على السموات والأرضِ والجبالِ فأبَيْنَ أنْ يحمِلْنَها وحملَها الإنسانُ ، أمانة خِلافَةِ اللهِ في الأرض ، ولذلك فإنَّ كلَّ مخلوقٍ في هذا الوجودِ إنّما وُجِدَ لخِدمةِ هذه الغايةِ ولتحقيق ِهذا الهدفِ ، وبالتالي من أجلِ هذا الإنسانِ الذي هو الرجُلُ والمرأةُ . إذاً فالرجلُ كان حاضراً دائماً في كاف {كن} والمرأةُ كانت حاضرةً في نونِها ولذلك أتابعُ فأقول :

أنا شَطْرُ هذا الكون قبلَ وُجودِهِ                                                   والشّطْرُ أنتِ،وأنتِ ماءُ مَعيني (7)

ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره .

ولا سُكون للرجلِ ولا سَكينةَ إلاّ بها ومعها ، ولا وصلَ لهُ ولا عُروجَ إلاّ بها . يقو الأستاذُ محمّد الراشد: (( اعتَبَرَ ابنُ عربي أَنَّ أتمَّ شُهودٍ للحقِّ وأكملَهُ  يَتِمُّ في المرأةِ )) . (8)

       أقولُ:ذلك لأنَّ الرجلَ يُشاهِدُ الحقَّ في نفسِهِ ، وحَظُّهُ أَوْفَرُ مِن التجليّاتِ الجلاليَّة ، ويُشاهِدُهُ ، في المَرأةِ أيضاً ، ولها الحظُّ الأوفى من التجليّاتِ الجماليّةِ , وبذلك يكون شهودُ الحقِّ فيها أكملَ من سواها. ونظرةُ الصوفيِّ إلى المرأةِ نظرةُ قداسةٍ لأنَّ الحُبَّ مقدَّسٌ عندَه ، لذلك فهي عنده محبوبةٌ محترمةٌ مقدَّرةٌ .

      يذكرُ الشيخُ محي الدين ـ رضي الله عنه ـ في مقدّمة ديوانِهِ {ترجمان الأشواق} أنّه عندما نَزَلَ مَكَّةَ المكرَّمَةَ عام/598/ للهجرة النبويّة الشريفة ، لقيَ فيها العالِمَ  الإمامَ زاهرَ بنَ رُستُمٍ الأصفهانيَّ ، وأختَهُ شيخةَ الحجازِ ، فسمِع عليه كتابَ الترمذي ـ رحمه الله ـ وأجازَهُ به ، وطلب أن يسمعَ مِن أُختِه فاعْتذَرَتْ لمرَضِها وكِبَرِ سِنِّها ، وطلبتْ من أَخيها أَنْ يكتبَ للشيخِ محي الدين إجازةً عنها ، فكتب له ، وكان للعالِمِ الأصفهانيِّ بِنْتٌ عالِمَةٌ أيضاً ، يَصِفُها الشيخُ بقولِه (( بِنتٌ عذراءُ ، طَفيلَةٌ هيفاءُ ، تُقَيِّدُ النَظَرَ ، وتُزيّنُ المَحاضِرَ والمُحاضِرَ ، وتُحَيِّرُ المَناظِرُ.. ، من العابداتِ العالِماتِ السايحاتِ الزاهدات.. ، شَيْخَةُ الحرمين ..ساحرةُ الطُرْفِ عِراقيَّةُ الظَرفِ ، إِنْ أَسْهَبَتْ أَتْعَبَتْ ، وإنْ أَوْجَزَتْ أَعْجَزَتْ ، وإنْ أَفْصَحَتْ أَوْضَحَتْ  … ولولا النفوسُ الضَعيفةُ السَريعَةُ الأمْراضِ ، السيّئةُ الأغراضِ ، لأَخَذْتُ في شرحِ ما أَوْدَعَ اللهُ تعالى في خَلْقِها مِن الحُسْنِ ، وفي خُلُقِها الذي هُو رَوْضَةُ المُزْنِ شمسٌ بين العلماءِ ، رَوْضَةٌ بين الأُدَباءِ ، ..يَتيمةُ دَهرِها ، كريمةُ عَصرِها ..وبيتُها مِن العينِ السوادُ ومِن الصَدْرِ الفؤادُ . أَشْرَقَتْ بها تُهامةْ ، وفتّحَ الروضُ ، لمجاوَرَتِها ، أَكْمامَهْ ، فنَمتْ أعرافُ المعارِفِ ، بما تحملُه من الرقائقِ واللّطائفِ . فراعيْنا بصُحْبَتِها كريمَ ذاِتها معَ ما انْضـافَ إلى ذلك من صحبةِ العَمَّةِ والوالدِ ، فقلّدْناها مِن نَظْمِنا في هذا الكتابِ أَحْسَنَ القلائدِ بلسانِ النَسيبِ الرائقِ وعباراتِ الغَزَلِ اللائقِ ، ولم أَبلُغْ في ذلك بعضَ ما تجدُه ُالنفسُ ، ويُثيرُهُ الأُنْسُ ، من كريمِ وِدِّها ، وقديمِ عهدِها ، ولَطافَةِ مَعْناها ، وطَهارَةِ مَغْناها ، إذْ هي السؤالُ والمأمول ، والعذراءُ البتولُ ولكنْ نَظَمْنا فيها بعضَ خواطِرِ الاشتياقِ من تلك الذَخائرِ الأَعلاقِ ، فأعربَتُ عن نَفْسٍ تَوّاقَةٍ ، ونَـبَّهتُ على ما عندنا ِمن العلاقةِ ، اهْتِماماً بالأمرِ القديمِ ، وإيثاراً لمجلِسِها الكريم ، فكلُّ اسْمٍ أَذْكُرُهُ في هذا الجُزْءِ فعَنْها أُكَنِّي ، وكلُّ دارٍ أَنْدُبُها فدارَها أَعْنـي ، ولم أزَلْ فيما نَظَمْتُهُ في هـذا الجزْءِ على الإيماءِ إلى الوارداتِ الإلهيَّة ، والتنَزُّلاتِ الروحانيّة ، والمناسباتِ العُلْويَّة ، جَرْياً على طريقتِنا المُثلى ، فإنَّ الآخرةَ خيرٌ لنا من الأولى ، ولِعِلْمِها ـ رضي الله عنها ـ بما أُشيرُ إليه .. واللهُ يَعْصِمُ قارئَ هذا الديوان من سَبْقِ خاطرِهِ إلى ما لا يليقُ بالنُفوسِ الأبيَّةِ ، والهِمَمِ العَلِيَّةِ ، المتعلِّقةِ بالأمورِ السَماويَّة )) . (9) وقد قلتُ في قصيدة عنوانُها {حانةُ الروح} منبِّهاً إلى مكانة المرأةِ في الوجود ومكانتها في نفس الرجل:

يا حانَةَ الروحِ في صَحْوي وفي حُلُمِـي                                        أَنْخابُ عِشقِك تَسْري نَشْـوةً بِدَمي

لا تَسْأَليني الهوى ما خافقي بيـــــــدي                                         قلبي على وردَتَيْ تُفّاحتَيْــــكِ رُمي

لم يُبقِ لحظُــكِ منّي غيــــرَ مُسْتَلَبٍ                                           إلاّ على رَوْضِكِ الفَتَّانِ لم يَهِـــــــمِ

مَن أنتِ ؟ صانِعَتي من لهفـــةٍ ورُؤى                                        مَنْ أنتِ يا لوحيَ المحفوظَ.يا قَلَمِي

سِرٌّ مِن اللهِ حَلَّ الطــيـنَ فارتَعَشــتْ                                          أَوْصـالُهُ وسَرى الإحســـاسُ في الأَدَمِ

حَبّاتُ تُرْبٍ بماءِ اللطـفِ قد جُبِلـتْ                                            للحُبِّ ، للحُزنِ ، للأشــــــواقِ  للألم

فيها انطوى سِرُّ هذا الكونِ واختُصِرتْ                                       كلُّ العوالِمِ مِن نُورٍ ومِن ظُلَــــــــــمِ

حتى استَحَقَّت سُجودَ العـالمَــينَ بمـا                                          أَبْــــدى بها اللهُ مِن عِلمٍ ومِن حِكَمِ

أنتِ الخليفةُ ، فالنَّعْمَاءُ قد كَمُـلَـــتْ                                            والعقــــلُ أعظَـمُ ما أُوتيتِ مِن نِعَمِ

في جِسمِكِ البَضِّ أخْفى اللهُ قُدرَتَـــهُ                                         فَقَدَّرَ الخلقَ والتَكوينَ في الرَّحِــــــــم

وأَبدعَ النَهدَ ، وافْتَنَّ الإلـهُ بـــــــهِ                                          فأَودَعَ اللَّبنَ المَعســـــــولَ في الحَلَـمِ

في كلِّ عِطفٍ تَبَدَّى حُسنُ صَنعتـــهِ                                         وازَّخرَفَتْ جَنّةٌ مخْمُورةُ النَّسَـــــــمِ

يا نَبْعَـةَ الخلـقِ ، جَلَّ اللهُ مُبْدِعُها                                            يا آيةً صاغَهــــــا الرحمنُ مِن عَدَمٍ

منكِ ابْتُدِيتُ وأُسكِنْتُ الحَشـا وعلى                                          دَقَّاتِ قلبِكِ غَنَّى للجَمَـــــــالِ فَمِي

أنتِ الحَنــانُ وقـــد أُرْضِعْتُــهُ لَبَناً                                           العطفُ واللطُّفُ مِن مَكْنـــونِكِ الرَّخِمِ

ديباجُ صَـدرِكِ مَهْـدي ما أَحَبَّ وما                                           أَهْنـــــا وما أَسْعـدَ الأَحْــلامَ إِنْ أَنَمِ

قد كُنْتِ في جَنّـةِ الأَرواحِ سَوْسَنَتي                                           فوَّاحَـــــــةَ العِطْرِ فيها سَـكرةُ القِدَمِ

ثُمَّ افْتَرَقْنا ، تُرى يا حُبُّ تجَمَعُنـا؟                                            وا لَهْفَ نفسي وهل تحَيا بها رِمَمي؟  (10)

قلْ لي ، بر بِّكَ ، هل سمعتَ شعراً أو نَثراً أو فكراً يفي المرأةَ حقَّها ، مثل ما تقدّم ؟ وهل نظر أحدٌ إلى حقيقتِها كما نَظَرَ إليها الصوفيّون؟ وهل أَنْصَفَها نظامٌ أو دينٌ كما أَنْصفها الدينُ الإسلامي الحنيف ؟ أولم يأمر الله ـ سبحانه ـ في قرآنه العظيم بحسن معاملتهن إذ يقول فيما يتعلق بحسن معاشرة المرأة الزوج:     (( .. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَـــــلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً )) . (11) والمعاشرة بالمعروف تعني حسن الخلق مع العيال فيما ساءك ، وقال: ابن المبارك :(( العشرة الصحيحة ، ما لا يورثك الندم عاجلاً ولا آجلاً )) . (12) (فإن كرهتموهن فاصبروا فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) إمّا ولدًا صالحًا أو عاقبة حسنة في الدين. قال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ :(( إن الرجل يستخير الله فيُخارُ له فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خُيِرَ له )) .  (13)

       وحكي أنّ أبا الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ تزوج امرأة فدخل عليها فوجدها سوداء ، فبقي متفكرًا ولم يقربها ، فقالت له: هل استخرت ربك ؟  فقال: نعم ، فقالت: أتَتَّهمُ ربك ، فدخل بها ، فحملت بالإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ صاحب المذهب المعروف ، فأيُّ خير كان !

       وقد جعل الرسولُ الكريم ـ عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم ـ حسن معاملة المرأة من مكارم الأخلاق وسوء معاملتها دليلاً على اللؤم وسوء الخلق حيث قال: (( النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلاّ كريم، وما أهانهن إلاّ لئيم ))  . (14) كما جعل مقياس القرب منه يوم القيامة هو لطف الرجل بأهل بيته ، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( أقربكم منـي مجالساً يوم القيامة ، ألطفكم بأهله )) . (15)

       وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة  ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( لا يَفْرك مؤمنٌ مَؤمنة ـ أي: لا يُبْغِضها ـ إنْ سَخِطَ منها خُلقَا رضي منها آخر )) . (16)  وقد قيل: غيّبَ عنك العواقب ؛ لئلا تسكن إلى مألوف، ولا تفرَّ من مكروه .

        وكان لسيّدنا الحسن بن عليٍّ زوجٌ من بني تَيْم صعبة المراس ـ يقال أنّ هذا كان شأن نساء بني تيم ـ فطلَّقها وله منها بنت ، فتزوّجها أخوه الحسين (( رضي الله عنه وعنهم جميعاً )) ليكفلَها وابنتَها ، فتحمّل منها الكثيرَ حتى إنّها ربّما حملت منه ووضعت وهي لا تكلمُه ، كما تقول ابنتُه السيدة سُكينة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ إذاً يقول الحقّ ـ جلّ جلاله ـ آمراً الرجال بمعاشرة النساء {بالمعروف} بأن يلاطفوهن في المقال ويجمُلوا معهن في الفعال ، ويتزيّنوا لهنّ كما يتزيّنَّ لهم ،ليكونوا بمعاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة، وفرح العشق حيث أنهم مخصّوصون بالتمكين والاستقامة والولاية ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلاّ بالمستأنس بالله ، كالنبـي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال ، حيث أخبر ـ عليه الصلاة والسلام ـ  عن كمال مقام أُنْسِه بالله ورؤيته لجمال مشاهدته فقال: (( حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثَلاث: الطيب ، والنساء ، وجُعلت قُرَّة عيني في الصلاة ))  . (17)

       قال ذو  النون المصري: (( المستأنس بالله يستأنس بكلِّ شيءٍ مليحٍ ووجه صبيح ، وبكلّ صوت طيّبٍ وبكلِّ رائحةٍ طيّبةٍ )) . (18)

       وجاء في تفسير حقي في معرض الكلام حول هذا الحديث (( حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث: الطيبُ والنساء وجعلت قرّةُ عينـي في الصلاة )) قوله : ((فهذا العشق والمحبّة إنمّا يكون لأصحاب النفوس القدسيّة وهم يطالعون في كلَّ شيءٍ ما لا يطالعه غيرهم )) . (19)

      ونحن في ذلك كلِّه إنّما نقتدي بسيِّدِنا رسولِ اللهِ ـ عليه وآله الصلاة والسلام ـ ونَشْرَبُ مِن مَعينِه الثَرِّ الصافي العذبِ . فقولُه:((حُبِّبَ إليَّ النِساءُ )) إشارةٌ إلى الذاتِ ، ولا خَفاءَ ، لأنَّ المرأة َمخلوقةٌ من ضِلْعِ الرجلِ ، وضِلعُهُ ذاتُهُ بلا خُلْفٍ ، وبلا جُحْدانٍ ، والذات محبوبةٌ بالطبعِ لكلِّ واحدٍ ، تأسيساً، بمحبّةِ الواحدِ الأَحَدِ ، ولِذلك صَحَّ لمحمّدٍ ـ صلى الله عليه وسلّم ـ استيعابُ الكَمَالاتِ مِن سائرِ الجهاتِ ، ففاز بكمالاتِ الوُجودِ الخَلْقيِّ ، فإنْ كنتَ مُؤمناً فأنتَ منهُ لقولِه ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ : (( أنا من الله والمؤمنون منـي )) . (20)  فلا تخرجْ عنْهُ . اِطْلُبْ مَطلوبَهُ ، وارْغَبْ مَرْغوبَـهُ ، وأَحْبِبْ محبوبَهُ ، تَشْربْ مَشْروبَـه: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حَسَنَةٌ لمن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخرَ وذكر اللهَ كثيراً ..{21} )) . (22)

       يقول الأستاذ : محمد الراشد في كتابه ، نظريَّةُ الحبِّ والاتّحاد في التصوّف الإسلامي: (( لكنّما معظم المتصوِّفة كانوا يُسْقِطون عِشْقَهم الأبديَّ هذا على الأنثى الرمزِ .. لا الأنْـثى الواقعِ ، الأنثى التي دخلتَ محرابَ القداسةِ والطُهرِ والتَعالي )) . (23)

     ولمولانا جلال الدين الرومي في مَثْنَويّاتهِ قولٌ كريمٌ في المرأة يُبينُ عن نظرتِهُ إلى المرأَةِ ، ويُظهرُ تعظيمَه لمكانتِها وهو مندرجٌ في هذا الإطار ، يقولُ:

المرأةُ شعاعٌ من النورِ الأقــــدسِ

وليستْ بغرضٍ للرغبَــةِ الجِنْسيَّةِ

لذا يجبُ أن يُقالَ هي خـالقـةٌ   (24)

     وكذلك ابنُ الفارضِ ـ رحمه الله ـ  فقد غَدا عندَه الجمالُ البَشريّ المتَجسِّدُ في المرأةِ بمثابةِ تَعيينٍ للإلهيِّ ، يقول في تائيّته :

وصرّحْ بإطلاقِ الجمالِ ولا تَقُلْ                                                    بتقييــدِه ميْلاً لزخرُفِ زينـــةِ

فكلُّ مليحٍ حسنُه من جمالهـا                                                         مُعارٌ لها بل حُسنُ كلِّ مليحة     (25)

       فالكلُّ يَعْشَقُ المرأةَ على أنّها رمزُ الأنوثةِ ، لكنَّ الصوفيَّ لا يقفُ عندَ الصورةَ ، كما هو حـالُ غيرِهِ ، وإنّما يَتعـدّاهُ إلى الروح والمعنى ، فمن ذلك قولي:

أَبحرتُ في عينيكِ أَسْتَجْلي الذي                                                   خلفَ الجفون ورَفَّـةِ الأجفـــانِ

فكشفتُ أسراراً وجُبْتُ عوالمــــاً                                                   جَلَّت عن الأسمــــــاء والألوانِ   (26)

       فنحن إنّما نتعشّق الجمالَ المطلق ، حيثما لاح هذا الجمال، متعالين على التعيينات الجزئيَّة ، والصُورِ الحسيَّة، حيث لم نَرَ في ليلى وعَزَّةَ وسعادَ وبثينَةَ وغيرِهن سوى مَن نحبُّ  لأنَّ المحبوبَ هو المتجلي في هذه الصورِ جميعاً . وهنا نجدُ أنْ لا بأسَ بالتذكيرِ بأنَّ ابنَ الفارضِ كان يَعشقُ امرأةً ، قيل إنَّ اسمَها وِصالٌ ، فكانت السببَ في تعلُّقِه بالحقِّ ـ جَلَّ وعَلا ـ فقد أوصلَهُ حبُّهُ القويُّ لها إلى التجريدِ وحُبِّ المطلقِ المتَجلي فيها وفي سواها ، ويُقالُ بأنّه أَجابها عندما طلبتْه لنفسِها : يا وِصال لقد كنتِ سببَ الاتصالِ ، فلا تكوني سَبَبَ الانفصالِ، شَأنُه في ذلك شأنُ المجنون {قيسٍ ابنِ المُلَوَّحِ} كما مرَّ مَعَنا ، عندما جاءته ليلى وهو يصيح ليلى .. ليلى …ويأخذُ الجليدَ فيضعُه على قلبهِ فيذوبَ الجليدُ من شدَّةِ حرارةِ فؤادِهِ ، فسلّمت عليه ، وهو على تلك الحال وقالت له: أنا مطلوبُكَ أنا بُغيتُك أنا محبوبُكَ ، أنا قُرَّةُ عينِكَ .. أنا ليلى ، فالتفت إليها وقال : إليك عنّي فإنَّ حبَّـــك شغلنـي عنك. ولذلك اعتُبِرَ شهيداً ، لما أخرج الخطيب  عن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنّ سيّدَنا رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( من عشق فعف ثمَّ ماتَ مات شهيداً )) . (27)

      وروى الديلميّ عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ  أنّه قال: (( خيار أمّتـي الذين يعفّون إذا آتاهم الله من البلاء شيئاً ، قالوا وأيّ بلاء ؟ قال هو العشق )) . (28)

       وقد كان للسلف الصالح نظرة عطفٍ إلى أهل العشق ، من ذلك ما رواه الخرائطي في اعتلال القلوب قال: مرّ أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ في خلافته بطريق من طرق المدينة ، فإذا بجاريةٍ تطحن وهي تقول:

وهويته من قبل قطع تمائمي                                                          متمايساً مثل القضيب الناعم

وكأن نورَ البدرِ سُنّـةَ وجهِـهِ                                                          يُومي ويُصعد في ذُؤابةِ هاشم

      فدق عليها الباب فخرجت إليه ، فقال: ويلك حرة أو مملوكة ؟ قالت: مملوكة يا خليفة رسول الله ، قال: فمن تهوين فبكت وقالت: يا خليفة رسول الله إلاّ انصرفتَ عنّي بحقِّ القبر ، قال: (( لا وحقِّهِ لا أَريم {أي لا أتحوّل} أو تُعلِمينَني )) قالت:

وأنا التي لعب الغرامُ بقلبهـــا                                                  فبكت لحبِّ محمدٍ بنِ القاسِمِ

      فبعث أبو بكرٍ إلى مولاها ، فاشتراها منه ، وبعث بها إلى محمدٍ بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب .ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ . (29)

       أرأيت إلى نظرة الإسلام إلى العشق ورحمتهم بالعشّاق ؟ ومن ذلك أيضاً أنّ الشيخُ عبد العزيز الدباغ ـ رحمه الله ـ يقول عند ذِكرِهِ قيساً بنَ الملوَّح ، مجنون ليلى رضي اللهُ عنه ، لأنَّه يعتبره شهيداً بناء على الحديث الشريف السالف الذكر: (( من عشق فعف ثمَّ ماتَ مات شهيداً )) .

بينما كان حبُّ  كُثيِّرٍ لعَزّةَ أقلَّ شأناً وأدنى منزلةً لأنّهُ ما بلغ مرتبةَ قيسٍ في صِدقِه وإخلاصِه . فقد حدَّث يحيى بنُ أَكثَمَ أنَّ كُثيّراً اجتمع مع عَزّةَ فتنكّرت له متنقبةً وقالت: من أنتَ ؟ قال: كُثيّرٌ . فقالت: وهل تركتْ عَزّةُ فيك نصيباً لغيرها ؟ فقال: لو أَنَّ عَزّةَ كانت أَمَةً لي لجعلتُها لك. فكشفت البُرقُعَ وقالت: أهذا أيضاً كَذِبُ الوُشاة ؟ . (30)

وليس النساء بأقلَّ من الرجال في العشق لكنَّ طبيعة المرأة تمنعها من البوح ، فهي دائماً تحب أن تكون مطلوبة لا طالبة ، وهو ما تقتضيه طبيعتها، الأمر الذي يزيد في شغف الرجل بها وشوقه إليها وجموحه، ومن عشق النساء للرجال ما كان من حبّ السيدة زُليخا العنيف لسيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ وسنوردها مفصَّلة في الفصل الخامس الخاص بقصص المحبّين إن شاء الله تعالى . ولقد كان لصلة ابن حزم بالنساء منذ الطفولة حتى الصبا ، عن طريق المعاشرة والثقافة ، أثر كبير في ذوقه وشخصيته ويظهر ذلك في رأيه في النساء العاشقات وأوصافهن يقول:

      (( كنّا نظن أنّ العشق في ذوات الحركة والحدّة من النساء أكثر ، فوجدنا الأمر بخلاف ذلك  ، وهو في الساكنةِ الحركاتِ أكثرَ ما لم يكن ذلك السكونُ بَلَهاً )) . (31) وقد سئل عن صَباحة الصُور وأنواعِها فقال:

      الحلاوة: رقّة المحاسن ولطف الحركات وخفّة الإشارات وقبول النفس لأعراض الصور وإن لم تكن ثم صفات ظاهرة ويقول أيضاً:

      القوام: جمال كل صفة على حدّتها ورُبَّ جميلِ الصفات على إنفراد كلِّ صفة منها بارد الطلعة غير مليح ولا حسن ولا رائع ولا حلو.

       الروعة:بهاء الأعضاء الظاهرة {مع جمال فيها} وهي أيضًا الفراهة والعنق .

       الحسن : هو الشيء ليس له في اللغة اسم يعبر به عنه ولكنه محسوس في النفوس باتّفاق كل مَن رآه وهو بُرْدٌ مكسوٌّ على الوجه وإشراقٌ يستميل القلوب نحوه فتجتمع الآراء على استحسانه ، وإن لم تكن هناك صفات جميلة فكل من رآه راقه واستحسنَه وقبِله حتى إذا تأمّلتَ الصفات إفراداً لم تَرَ طائلاً وكأنه شيء في نفس المرئي تجده نفس الرائي وهذا أجل مراتب الصَباحة .

      ثم تختلف الأهواء بعد هذا فمن مفضِّلٍ للروعة ، ومن مُفضِّلٍ للحلاوة . وما وجدنا أحداً قطُّ يفضِّلُ القوامَ المنفرد . الملاحة: اجتماع شيء بشيء مما ذكرنا )) . (32)

       وعن سفيان بن زياد قال قلت لامرأة من بني عُذرة ـ وقد رأيت بها هوى غالباً حتى خِفتُ عليها الموت ـ ما بال العشق يقتلكم معاشرَ عُذرة من بين أحياء العرب ؟

قالت: (( إنّ فينا جمالاً وتعفّفاً ، فالجمال يحملنا على العفاف ، والعفافُ يورثنا رقَّةَ القلوب ، والعشقُ يُفنـي آجالنا ، وإنّا نَرى محاجرَ لا تَرونَها ))  . (33)

      وعن الأصمعي أنه قال: (( لقد أكثر الناس في العشق فما سمعت أوجز ولا أجمل من قول بعض نساء العرب ، وسئلت عن العشق فقالت: ذل وجنون)) . (34)

وفي الحديث الشريف: (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين ، أسلَبَ لعقول ذوي الألباب منكن )) . ( 35 )

حضر عند المأمون يوماً يحيى بن أكثم ، وثمُامة بن أشرس ، فقال المأمون ليحيى: خبرني عن حدّ العشق فقال: يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقاً . فقال ثمُامة: اسكت يا يحيى ، فإنمّا عليك أن تجيب في مسألة من الفقه ، وهذه صناعتنا . فقال المأمون: أجب يا ثمامة . فقال: يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة أثقبت لمحنورٍ ساطعٍ تستضيء به بواطنُ العقل فتهتزُّ  لإشراقه طبائع الحياة ، ويتصور من ذلك اللّمحِ نورٌ حاضرٌ بالنفس متّصل بجوهرها فيسمى عشقاَ . (36) ولابن حزم في كلام في دُرُج المحبة وهي عنده خمسة ، أولها:    

      الاستحسان: وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه وهذا يدخل في باب التصادق . ثم: الإعجاب به: وهو رغبة الناظر في المنظور إليه . وفي قربه . ثم: الألفة: وهي الوحشة إليه إذا غاب . ثم: الكَلَف: وهو غلبة شغل البال به وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق . ثم: الشغف: وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك إلى المرض أو إلى التوسوس أو إلى الموت وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلاً . (37)

      وحبُّ النساءِ فريضةٌ عند ابنِ عربي ـ رحمه الله ـ وله في ذلك حجةٌ تقوم على دليلٍ قويٍّ فلْنَسْتَمِعْ إليه يقول:

      (( وأَمّا النِسوانُ فنظرُ العارفين فيهنَّ ، وفي أَخْذِ الأَرْفاقِ منهنَّ ، وحنينُ العارفين إليهنَّ حنينُ الكُلِّ إلى جُزئهِ ، كاسْتيحاشِ المنازلَ لساكنيها التي بهم حياتُها ، ولأنَّ المكانَ الذي في الرجلِ ، الذي استُخرجتْ منه المرأةُ عَمَّرَهُ اللهُ بالميلِ إليها ، فحنينُه إلى المرأةِ حنينَ الكبيرِ وحُنُوَّه على الصغيرِ .. ولأنهنَّ محلُّ التكوين لصورةِ الكمالِ، فحبُّهنَّ فريضةٌ ، اقتداءً به ـ عليه الصلاة والسلام ـ ..))  وبعدَ ذكرِه ِحديثَ: (( حُبِّبَ إليَّ النساءُ والطيبُ وجُعِلتْ قُرَّةُ عينـي في الصلاة..)) يقول (( وهل حُبِّبَ إليه ما يُبعِدُه عن ربّه ؟ لا واللهِ ، بَلْ حُبِّبَ إليهِ ما يُقَرِّبُه مِن ربِّه )) . (38)

      ولقد عَرَفت السيدةُ عائشةُ أمُّ المؤمنين ـ رضي اللهُ عنها ـ ما أَخَذَ النِساءُ مِن قلبِ رسول الله ـ صلى اللهُ عليه وسلّم ـ حين خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَهُ ، فأرادَ اللهُ تعالى جبرهنَّ وإيثارَهُنَّ في الوقت ، ومراعاتهن وإنْ كان بخلافِ مُرادِ رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ فقال: (( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً )) . (39)  فأَبْقى على ملك اليمين رحمةً به ـ صلى الله عليه وسلّم ـ لمِا جَعَلَ في قلبِه مِنْ حُبِّ النساءِ ، وهَذِهِ أَشَقُّ آيةٍ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ فقالتْ عائشةُ ـ رضي الله عنها ـ: (( ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ قلبَ نَبيِّهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلّم ـ واللهِ ، ما ماتَ حتّى أَحَلَّ لهُ النساءَ )) . فمن عَرَفَ قَدْرَ النساءِ وسِرَّهُنَّ لم يَزْهَدْ بحبِّهِنَّ ، بل مِنْ كَمالِ العارِفِ حُبُّهُنَّ ، فإنّه ميراثٌ نبويٌّ وحُبٌّ إلهي )) . (40)

وحبُّ المرأة ينقّي النفسَ من رعوناتها ويُخفِّف من عَنجَهيَّتها، ويلطّف الطبعَ ، ويهذِّب السلوك ، ويعلّم الكَياسةَ والظَرْفَ ، ويدلّ على مكارم الأخلاق . وفيما يأتي بعضُ الآراء التـي عرضها صاحب كتاب{تزيين الأسواق في أخبار العشاق} فيما يتعلّق بهذا الباب:

شكا معلمُ سعيد بن مسلمة ولدَه إليه فقال: إنه مشتغل بالعشق . فقال: (( دعْه فإنّه يلطّف وينظّف ويظرّف )) . (41)

وكان أحدهم يبعث أحداثَ أهلِهِ إلى شيخٍ يعلمهم الحكمةَ فقال لهم يوماً: هل فيكم عاشق ؟ قالوا: لا . قال: (( اعشقوا وإيّاكم والحرام ، فالعشق يُفصّح الفتى ويذَكّى ، ويسخّي البخيل ويبعث على التنظيف وتحسين الملبس )) ، فلما انصرفوا قال لهم أبوهم: ما استفدتم اليوم ؟ قالوا: كذا وكذا . قال: نعم . وإنّما أخذه مما روي أنّ كسرى{بهرام جور} كان له ابنٌ أهّلَه للمُلك بعدَه ، وكان ساقطَ الهمَّةِ رديءَ النفْسِ سيءَ الخُلُقِ ، فغمَّه ذلك كسرى ووكّل به مَنْ يُعلّمُه ويؤدِّبه ، فلم يكن يتعلم ، فقال معلّمُه: كنّا نرجوه على حالٍ فحدث منه ما أيأسَنا وهو أنّه عشق بنتَ المَرْزُبان فقال: الآن رَجَوْتُ فلاحَه ، ثمّ دعا أبا الجارية فقال: إنّي مستسر ٌّإليك سرّاً فلا يَعْدُوَنَّك، اِعلم أنّ ابْني عشِق ابنتَك وأريدُ أنْ أزوِّجَها منه ، فمُرْها بأنْ تُطْمِعَه مِن غيرِ أنْ يراها ، فإذا استحكم طمَعُهُ فيها أَعْلَمَتْهُ أنّها راغبةٌ عنْه لقلَّةِ أَدَبِهِ، ثمّ قال للمعلم : خوِّفْهُ بي وشَجِّعْهُ على مراسلةِ المرأةِ ، ففعلت المرأةُ ما أُمِرَتْ به فقال الغلامُ في نفسِه: أنا أَجتهد في تحصيلِ ما أصِلُ إليها به ، فأخذَ في التَأَدُّب وتعلّمَ الشجاعةَ . ثم قال أبوه للمؤدِّب: شجِّعْهُ على أنْ يَرفعَ أمرَها ويَسْألَني أنْ أُزوِّجَها منه ، ففعل فزَوَّجَها من ابنِه ، وقال: لا تَزْدَريَنَّ بها في مراسلتِها إليك فإنّي كنتُ أمرتُها بذلك ، وإنَّ مَن صار سبباً لعقلِكِ فهو أعظمُ الناسِ بركةً عليك . قال العَرْجيُّ:

تجشُّمُ المـــــــــــرءِ هولاً                                                  في الهــــــــــــوى كرمُ

وقال آخر:

لا عار في الحبِّ إنَّ الحُبَّ مَكْرُمةٌ                                        لكنّـه ربمّـا أَزْرى بذي الخَطرِ    (42)

وقيل: لو لم يكن في العشق إلا أنّه يشجّع الجبانَ ، ويُصفّي الأذهانَ ويبعثُ حَزْمَ العاجزِ  لَكفاهُ شَرَفاً . قال في ذلك أحدُ الشعراء:

الحبُّ شجّعَ قلبَ كلِّ فَروقَةٍ                                                   والحبُّ حَمّلَ عاجزاً فأَطاقا  (43)

وإليك بعض ما ورد في ذمّ من لا يعشق وكَدَرِ حياتِه. قال المَرْزُباني : سئل أبو نوفل هل يسلم أحدٌ من العشق ؟ فقال: نعم الجِلْفُ الجافي الذي ليس له فضلٌ ولا عندَه فهم ، فأمّا مَن في طبعِه أدْنى ظَرفٍ أو معه دَماثةُ أهلِ الحجاز وظَرْفُ أهلِ العراق فهيهات .

وقال آخر: لا يخلو أحدٌ من صَبْوةٍ إلاّ أنْ يكون جافيَ الخِلقة ناقصاً أو منقوصَ الهمّة ، أو على خلافِ تركيبِ الاعتدال . (44)

واعلم بأنّ العشقَ يَحسُنُ بأهلِ العفّة والوفاء، ويقبحُ بأهل العهر والخَنى وقال أعرابي: مَن لا يَعشقُ فهو رديءُ التركيب جافي الطبعِ كَزُّ المَعاطفِ. وكان ابنُ أبي مُلَيْكةٍ يُؤذّنُ يوماً فسمِع غناءً فطرِب فقال:

إذا أنت لم تطرب ولم تدْرِ ما الهوى                               فكن حجراً من يابسِ الصخرِ جَلْمَــدا  (45)

وقال أيضاً:

مَن عاش في الدنيـــــــا بغيرِ حبيبِ                                   فحياتُه فيهـا حيــــــــــــاةُ غريبِ

ما تَنْظُرُ العينــــــــــانُ أحسنَ مَنْظراً                                  مِن طالبٍ إلْفــــاً ومِـن مطلـوبِ

ما كان في حُورِ الجِنــــــــــان لآدمٍ                                   لو لم تَكُنْ حوّاءُ مِنْ مَرْغـــــوبِ

قد كان في الفردوس يشكو وحشــــةً                                    فيهـــــا ، ولم يأنسْ بغيرِ حبيبِ    (46 )

وقال العباس بن الأحنف مخاطباً مَن يَعُدُّ الحبَّ ذنْباً بأنَّه يَعُدُّ الحبَّ طاعةً يَدّخرُها لآخرته :

أستغفرُ اللهَ إلاّ مـِـن محبَّتِكــم                                               فإنّها حسنـــــــــاتي يوم ألقاه

فإن زعمتَ بأنّ الحُبَّ معصيةٌ                                              فالحبُّ أحسنُ ما يُعصى به الله (47)

وجاء في تفسير حقي الآتي : واعلم أنَّ أسبابَ المغفرةِ كثيرةٌ أعظمُها العشقُ والمحبَّةُ فانَّ الله تعالى إنمّا خلق الإنسَ والجِنَّ للعبادة المُوصِلَةِ إلى المعرفة الإلهيَّةِ والجَذْبةِ الرَبّانيَّة . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( جَذْبةٌ من جذبات الحقّ توازي عملَ الثقلين )) . (48) ولي في ذلك :

سقيتُ السُهْـــدَ كوباً بعدَ كوب                                                وما أقسى السُهادَ على القلوبِ

أفيضي ما استطعتِ الكوبَ إنّي                                              لَعَمْرُك مـا سَكِرْتُ ببنتِ كوبِ

أتوبُ ! وهل يُعَدُّ الحُبُّ ذنبـاً؟                                                  فإنْ شئتِ المَتــــابَ ألا فتوبي

غرامُكِ يا مَليحــــةُ ألفُ ذنبٍ                                                  تلاحقني …ومـا أحلى ذنوبي (49)

وقيل بـأنّ ذنوبَ العشاق ذنوبُ اضطرارٍ  لا اختيار ، ومن كان كذلك لم يستحق عقوبة . وقال عبد الله بن جُنْدُبٍ: خرجتُ فرأيتُ فُسّاقاً فيهنَّ امرأةٌ كأنّها منحوتةٌ من فِضَّةٍ فتمثّلتُ بقول قيسٍ بنِ ذَريح:

خذوا بدمي إن مِتُّ  كلَّ خريدةٍ                                             مريضةِ جَفنِ العينِ والطرفُ فاترُ

فقالت المرأة : يا بنَ جُندبٍ إنّ قتيلَنا لا يُودى وأسيرَنا لا يُفدى . (50)

وقال ابن العباس: قتيلُ الهوى هَدْرٌ ولا عَقْلَ ولا قوَد . {أي لا دِيَةَ له ولا ثأر} . (51)

 وعن الجنيد ـ رضي الله عنه ـ قال أَنفذَ ني السِريُّ في حاجةٍ فلمّا قضيتُها دَفَعَ إليَّ رُقعةً وقال: قد أَجَزْتُك هذه الرُقعة ففتحتُها فإذا فيها:

ولمّا شَــــكَوْتُ الحُبَّ قالت: كَذَبْتَني                                 ألستُ أرى منكَ العِظام كواسيـــا؟

وما الحُبُّ حتّى يَلصَقَ بالجِلْدِ الحشا                                وتخرسَ حتّى لا تجيبَ المُنــــاديا

وتَضعُفَ حتّى لا يُبقي لك الهـــوى                                سوى مقلـةٍ تَبكي بها وتُناجيـــــــا   (52)

وسلطانُ المحبِّةِ أقوى سلطان ، وتاجُ الجمال أعزُّ التيجان، ومُلكُه هو الأبقى بينما عرشُ المُلوكِ كثيرُ الطامعين والأعداء و الأخصام ، بينما عرشُ الجمال مسيجٌ بأرواح المحبّين وقلوب العاشقين وأفئدة النسّاك والمتعبّدين . وفي ذلك أقول:

عرشُ الجمالِ أعزُّ عرشٍ في الدُنا                                          والملْكُ ـ إلاّ ما مَلَكتِ ـ مُهــانُ

ولكُلِّ مَلْكٍ في الورى أعـــــداؤهُ؛                                           تبّاً لملْكٍ ليس فيــــه أمــــــانُ

أمّا الجمـــالُ ففي القلوبِ متوَّجٌ                                              ومسيَّجٌ بالعاشقـين مُصـــــــانُ

والناسُ فيـــــه مَــذاهبٌ فمنعَّـمٌ                                              ومعــذَّبٌ متلهِّفٌ حَـــــــــــرّانُ

ومتيّـــــمٌ يرجو الوصــالَ ويتَّقي                                           هَجْرَ الحبيبِ،وللهوى أشجــانُ

وبِــهِ يرى النُسّاكُ مجلا رَبِّهـــم                                             فبِهِ تجلّى المبـــدعُ الرحمــــــن  (53)

قيل بأنّه كان للخليفة العبّاسي هارون الرشيد ـ رحمه اللهُ ـ ثلاثُ جوارٍ اشتدَّ شَغَفُه بهنّ فقال:

مَلَكَ الثلاثُ الآنساتُ عِنــاني                                              وحَلَلْنَ مــــن قلبي بكلِّ مكانِ

مالي تُطاوعُني البريّةُ  كلُّهــــا                                           وأطيعُهنَّ وهُــنَّ في عِصيــاني

ما ذاك إلاّ أنَّ سلطـــانَ الهوى                                           وبـه قَوِينَ ، أَعـزُّ مِن سُلطاني  (54)

وقال عروة :

وكم من كريمٍ قد أضرَّ به الهوى                                            فعوَّدَه ما لم يَكنْ يَتعَـــــــــوَّدُ

أمّا كُثيّرُ عزَّة فيقول:

ضَعائفُ يقتلْنَ الرجالَ بلا دَمٍ                                               فيا عَجَباً للقاتلات الضعائفِ

وللخيزارزي في نفس الموضوع:

ولربّ عبدٍ في الهوى                                                        يَسْتَعْبِدُ الحُرَّ المطاعا

أمّا عن عذاب الهوى وما يلاقيه العشّاق من لوعةالفراق وألَمِ السهدِ ولواعِجِ الغرام والأسقام . فقد قيل لرجل: إنّ ابنَك قد عشق . فقال: لقد عذَّب قلبَه وأبكى عينَه وأطال سَقَمَه . وقال ابنُ الروميِّ:

أَهْوى الهوى كلَّ ذي لُبٍّ فلستُ أَرى                                    إلاّ صحيحاً له أفعـــالُ مجنونِ

ومِن لازِمِ المحبّة الصادقةِ الإخلاصُ فيها ، وعلامتُه دوامُ ذكر ِالمحبوبةِ والنظرُ إليها على أنّها الأجملُ والأكملُ من بين نساء الأرض حتى ولو كان للناس فيها رأيٌ آخر . يقول المجنون :

وقالوا عنكِ سوداءُ حبشيّـــــــةٌ                                             ولولا سوادُ المسكِ ما انْباع غاليا

أمّا أبو تمّام فيقول في ثبات القلب على حبِّه الأول مهما رأت عيناه من حسن:

نَقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى                                         ما الحُبُّ إلاّ للحبيـــــــبِ الأوّلِ

كم منزلٍ في الأرض يألفُــــه الفتى                                      وحنينُه أبــــــــــــــداً لأوّلِ منـزل !

وقد نقضَه ديكُ الجنّ ، الحمصيُّ فقال:

نقل فؤادك حيثُ شئتَ فلن ترى                                           كهوًى جديـــــدٍ أو كوصلٍ مُقْبِلِ

وقد قلتُ في هذا الموضوع إنّما كان لي رأيٌ مختلفٌ باختلاف النظرةِ إلى الحبِّ:

يا غيمةَ الصيفِ:حَسْبي منكِ مُكْتَسَبا                                      مَرُّ الظلالِ على قلبٍ قد التَهَبـــــا

مَن قال ـ يَحْسَبُ أنَّ الأمــرَ في يَدِهِ ـ                                    لا يعشقُ القلْبُ إلاَّ واحداً ..كَذَبــــا

ما سُمِّيَ القلبُ إلاّ مِــن تَقَـلُّبِــــــــه                                      فلْيَسْألِ القلبَ عــن بَلْواهُ مَنْ رَغِبـــا

في كلِّ سانحـــــةٍ يُجْلى الجمالُ لنا                                       في قَدِّ ذي هَيَفٍ سبحان مَـن وَهَبــــا

يُلْقي إلى القلبِ من أهــــدابه شَركاً                                      هلْ يعشق القلبُ إلاّ الأغيدَ الرَطِبــا ؟ (55)

ذلك لأنّنـي أعشق الجمال المطلق المتجلّي في كلِّ وجهٍ وصورة ولا أعبدُ مخلوقاً بعينه كائناً من كان . أمّا ابنُ أبي طاهر فيقول:

عدِمتُ فؤادي من فؤادٍ،فما أشقى                                         وأكثرَ مَن يَهوى وأعظــمَ ما يلقى

فلو كان يهوى واحداً لعذرتُـــــهُ                                          ولكنّه مـن جهلِه يعشقُ الخلقـــا

ثمــــانون لي في كلِّ يومٍ أُحِبُّهم                                           ومــا في فؤادي واحدٌ منهمُ يبقى

وما أحسن ما قال أبو العتاهية في التفاني بالإخلاص:

ولي فؤادٌ إذا طال العــــذابُ به                                             هام اشتياقاً إلى لُقيــا معَــــذِّبِه

يفديك بالنفس صَبٌّ لو يكون له                                              أعزُّ مـن نفسِه شيءٌ فَـــداك به

ولابن ميّادةَ في انشغاله بمن يحب من حسن القول :

فما مسَّ جنبـي الأرضَ إلاّ ذكرتُها                                            وإلاّ وجدتُ ريحَها في ثيابيـا

 وللبحتريّ في نفس الموضوع :

كاسٌ تذكّرني الحبيبَ بلونِها                                                     وبشمِّها وبطعمِها وحَبابِهــــا

 ولعاشقٍ آخر قوله :

أريد لأنسى ذكرها فكأنمّا                                                         تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ سبيلِ

أمّا جميلُ بثينة فيقول في استحضار محبوبته باستمرارٍ :

وإنّي لأستحييكِ حتّى كأنمّا                                                  عليَّ بظهرِ الغيبِ منكِ رقيبُ

 وفي نفس المعنى يقولُ أشجع:

ويمنعني من لذَّة العيش أنّني                                                 أخاف إذا قارفتُ لهواً ترانيا

أمّا مجنون بنـي عامرٍ،فإنَّ ليلاه تشغَلُه حتّى في صلاته حيث لا يدري كم صلى ، يقول:

أصلي فما أدري إذا ما ذكرتُها                                               اثنتين صلّيتُ الضُحى أم ثمانيا

ومثلُه الخبزارزي ، بل هو أكثر انشغالاً بمن يحب في صلاته ، يقول :

أَلِفْتُ هواك حتى صرتُ أَهْذي                                              بذكركِ في الركوع وفي السجودِ

ويقول آخر :

وإنّي لَتَعْروني لذكراكِ هِزّةٌ                                                  لها بين جِلدي والعظامِ دبيبُ

وهو من جيد الشعر في تصوير عمق مشاعر الحبِّ ، لكن الأجودَ منه قولُ أبي الشيص حيث أجمع الأدباء على تفضيله، وهو قولُه:

وقَفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي                                        متأَخَّرٌ عنـــــــــه ولا متقــــــدَّمُ

أَجِدُ المَلامَـــــــةَ في هواكِ لذيـــذةً                                         حبّـــــاً لــــذكرِكِ فلْيَلُمْنـي اللُّوَّم

أشبهتِ أعـــــدائي فصِـرْتُ أُحبّهم                                          إذ كان حظّي منكِ حظّي منهــــمُ

وأَهَنْتِنـي فأهنتُ نفسي صـــــاغراً                                          ما مَن يهــــــون عليكِ ممـن يَكْرُمُ  (56)

أمّا ما أوجبه الله من حقوق للمرأة فحدّث ولا حرج ، سواءً أ كانت أمّا أو زوجاً أو رحماً . أوَ لم يوجب اللحقُّ ـ سبحانه ـ طاعتها ـ والأب ـ وجعل ترتيب طاعتها بعد طاعته مباشرةً بقوله:(( وَقَضَى رَبُّكَ أََلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً )) . (57)

      و عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء رجلٌ إلى النبـي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله ، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتـي ؟ قال:(( أمُّك ))قال: ثم مَنْ ؟ قال:(( أمُّك ))،قال: ثم مَنْ ؟ قال:(( أمُّك ))، قال: ثم مَنْ ؟ قال: (أبُوك) . وفي رواية قال: (( أمَّك ، ثم أمك ، ثم أباك ، ثم أدناكَ أدناك )) . (58) وعن أنس قال: قال رسول الله:(( من أحب أن يبسط له في رزقه ، ويُنسأ له في أثره ، فلْيَصِلْ رحمَه )) . (59)

ثانياً: من وصلها وصله الله . كما في حديث:(( من وصلنـي وصله الله )) . ثالثاً : من أسباب دخول الجنة . عن أبي أيوب أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلنـي الجنة ويباعدني من النار ، فقال النبـيّ:((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصل الرحم )) . (60)

كما جعل النبـيُّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ السعي على العيال من أفضل العمل وأجره من أعظم الأجر ، قال: (( وَمَنْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِمَّنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ ، وَمَنْ ضَيَّعَ أَهْلَهُ ، وَقَطَعَ رَحِمَهُ حَرَمَهُ الله حُسْنَ الْجَزَاءِ يَوْمَ يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَصَيَّرَهُ مَعَ الْهَالِكِينَ )) . (61)

وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ )) . (62)

وعنه أيضاً قال: قال النبـي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : (( إذا أنفق الرجلُ على أهله نفقةً و هو يحتسبها فهي له صدقة )) . (63)

      وجاء الوعيد على من ضيّع مَن يعول ، فقد جاء في صحيح مسلم (( كفى بالمرء إثـماً أن يحبس عمّن يملك قوتَه )) وجاء في رواية الترمذي (( كفى بالمرء إثـمـــاً أن يُضيّعَ مَن يَقوت )) .

وتربية ثلاث بنات أو أخوات تربية حسنة ورعايتهن تكسب صاحبها جوار النبي الكريم في جنات عدن يوم القيامة ، يقول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيما رواه كل من الإمام أحمد وأبو يعلى عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: (( مَن كان له ثلاثُ بنات أو ثلاثُ أخَوات فاتّقى اللهَ وقامَ عليهِنَّ ، كان معي في الجنَّة كهذا ، وأشار بأصابعه الأربع )) . (64)

وانظر إلى رحمة النبـي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالمرأة وتلطفه بها إذ نهى الرجل المسافر عن الدخول على عياله ليلاً فيفاجئها بعودته من السفر ، وأمره بأن ينتظر طلوع الفجر ليدخل بيته حيث تكون زوجه قد استيقظت واستعدّت للقائه . فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال: (( لا تطرقوا النساء ليلا) يعنـي إذا قدم أحدكم من سفر لا يأتي أهله إلاّ نهاراً )) . (65) بل لقد عدّ الرحمة المهداة ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ لَهْوَ الرجلِ مع زوجه وملاعبتَها ومداعبتَها طاعةً يؤجر المرءُ عليها فقد روى الإمام الطبراني في المعجم الكبير عن جابر الأنصاري أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :(( كل شيء ليس من ذكر الله عزَّ و جل فهو لَهْوٌ أو سهوٌ إلا أربعَ خصالٍ ، مشيُ الرجلِ بين الغرضين وتأديبُه فرسَه وملاعبةُ أهله وتعلُّم السباحة )) . (66) بل علّمنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ حسن معاشرتها في أمرٍ دقيق جدّاً من العلاقة الزوجيّة يغفل عنه الكثير من الرجال حيث يقضي وطره منها ويروي غريزته دون الاكتراث بزوجه وحاجاتها الجنسية ، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ـ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ـ : (( إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا ، ثُمَّ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ ، فَلاَ يَعْجَلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا )) . (67)

ثم إنَّ اللّذةُ في الحبِّ ـ بحدِّ ذاتها ـ مطلبٌ شرعي بحدودِهِ ، سواءً أكان ذلك في النظر إلى الجميل ، أو في التلذّذ بسماع الأصوات الحسنة ، أو في غير ذلك من الجمالات المعنويّة ، أو كان ذلك في المأكل أو المشربِ أو المنكح ، قال تعالى: ((..كلوا من طيّبات ما رزقناكم )) . (68) وقال: (( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )) . (69) وفي النهي عن ترك هذه الطيبات ، أو تحريمها قال: (( قُلْ مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق )) . (70) فمن هذا الذي يحرّم ما أحلَّ الله ! ولا يجرؤ على ذلك إلاّ زنديق ملحد ، وأما زهد بعض الحكماء بالمرأة كأبي العلاء المعريِّ وغيره ممن أوتوا طرف الحكمة وسلبوا منها أطرافاً فلا يُلتفت إليه لأن فساده ظاهر، فهو مخالف لحكمة الله في خلقه ، ولو أنَّ الناس أخذوا برأيه وتأسّوا به وعملوا بقوله:

هذا جناه أبي عليّ                                                                     وما جنيت على أحد

لَعُدِمَتْ الحياةُ ، وهذا متعلق باعتقاد الحكماء فإنهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى العالم جناية عليه لأنّه يعرّضه للحوادث والآفات والله تعالى أعلم بأمرِه ومراده وهو أحكم الحاكمين .

أمّا الكُمَّلُ من الرجال فإنهم لا يزهدون بالمرأة ولا يخالفون حكمة الخالق كما سبق أن بيّنا ، وقد قلت في قصيدةٍ ألقيتها على قبر أبي العلاء :

شيخَ المَعَرَّةِ ـ عَفْوَ المَجْدِ ـ لي عَتَبٌ                                                 يا من مَخَـرْتَ بحارَ  العِلْـمِ بَحّــــارا

ماذا لَوَ نَّـك خُضْتَ الحُبَّ تجرُبــةً                                                   أوْ غُصْتَ فيـهِ فبَحْرُ الحُبِّ ما بحّارا

فالدُرُّ يَبرُقُ ، والمَرْجانُ ، داخـلَــهُ                                                   واللؤلؤُ الصَرْدُ في الأعْماقِ بَهّـارا

مـــاذا لَوَ نَّكَ ذُقْتَ الراحَ مـن شَـفـَةٍ                                                   لميـــاءَ تَسْـكُبُهُ في النَفْسِ إِعْصارا

أوْ لـــــو ظَــفِـرْتَ بـأُملودٍ يُـنَمْـنِمُـهُ                                                  آذارُ ، يَجْلو به وَرْداً ونُــــــــوّارا

أوْ لو حظيتَ ، من الدنيا بزينَتِهـــا                                                   طِفــلٌ يرِّدُ حتّى يُسْعِدَ الــــــــــدارا

ما كنتَ تنفُرُ من حوّاءَ محْترِســـــاً                                                   بلْ كنتَ تَرْكَبُ دون الوصلِ أخطارا

هـذا الكَمَالُ الذي جاء النبيُّ بِــــــهِ                                                  والشِرْعةُ الحقُّ مهمَـــا سُقْتَ أعـذارا

حـــوّاءُ نبعُ الحنانِ الثَرِّ ما وُجِدَتْ                                                   إلاّ لِـتَمْـلأ هذي الأرضَ أزهــــــــارا

لو لا أبوكَ اجتَنى من غُصْنِهـا رُطَباً                                                ما حُزْتَ هذا العُلا والمجْدَ أدْهــارا

جِئنا لِنَعْمُرَ هذي الأرضَ ، نمْـلأَهـا                                                  حُبّاً ونَغْمُـرَها عِطْـــــــراً وأَنْـوارا  (71)

 وحديث الرهط الّثلاثة الذي رواه سيدنا أنس ـ رضي الله عنه ـ فقال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى أزواج النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلمّا أُخْبِروا بها كأنّهم تَقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد غَفَرَ اللهُ ما تَقَدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ، فقال أحدهم: أمّا أنا  فأصلي الليلَ أبداً وقال الآخر أنا أصومُ الدهرَ فلا أُفطر ، وقال الثالث:  أنا أعتزلُ النساء ولا أتزوّجُ أبداً ، فجاء النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (( أنتم قلتم كذا وكذا ، أما إنّي أخشاكم لله ـ عزّ وجَلّ ـ وأتقاكم له لكنّي أصومُ وأفطر ، وأُصلّي وأرقد ، وأتزوّج النساء ، فمن رغب عن سُنَّتـي فليس منّي )) . (72)

وهنا نعودُ ونُذَكِّرُ بأنَّ حُبَّ الشاعرِ العارفِ الصوفيِّ للمرأةِ وتغزُّلُهُ بجمالها، لأنَّ فيها أكمَلَ مَظاهرِ الجمالِ الإلهيِّ ، وذلك لأنهُ يستحيلُ على المخلوقِ أن يتصوّر الخالقَ ـ سبحانه ـ هذا من جهةٍ ، ومن جهة ثانيةٍ فلأنّه لا يستغرقُ الحُبُّ المحبَّ ويسيطرُ عليه ، سيطرةً تامةً إلاَّ إذا كان محبوبه من جنسِهِ ، عند ذلك يقابلُه بذاته كُلِّها ، فما في المحبِ جُزْءٌ إلاّ وفي المحبوبِ ما يماثلُهُ ، فلا تبقى في المحبِّ فضلةً لغيرِ من يحبب  فيهيمُ به جملةً ، ظاهرُه بظاهرِ معشوقهِ وباطنُه بباطنه ، لكنه إذا أحَبَّ مخلوقاً من غير جنسِه كأنْ يحِبَّ وردةً ، على سبيل المثالِ ، فإنّهُ يُحِبُّها بما يقابلُها من ذاته فقط ، وتبقى فيه فضلةٌ لسِواها، ولذلكَ لم نَسْمَعْ أنَّ أَحَداً أحبَّ من غير جنسِهِ واستغرقَ الحبُّ كلِّيَتَهُ وسيطرَ عليه سيطرةً تامَّةً، ويستحيلُ ذلك لما تقَدَّمَ، أَلا تَرى أَنَّ اللهَ ـ تباركَ وتعالى ـ تَسَمّى بالظاهِرِ والباطنِ فاسْتَغْرَقَتْ مَحَبَّتُهُ عبدَه ، فاستقبلَ الحضرةَ الإلهيَّةَ بذاته كُلِّها ، فظهرت فيه جميع أسمائها فتخلَّقَ بأخلاقها ، كما أمرهُ الرسولُ الأكرم ـ صلى الله عليه وسلّم ـ حيثُ قال : ((تَخَلَّقوا بأخلاقِ اللهِ تعالى )) . (73 )  وهذا ما لا يستطيعُهُ المرءُ إلاّ إذا تَغَلْغَلَ حبُّ الحقِّ ـ سبحانه ـ كلَّ ذرّاتِهِ.

          وأَمّا حُبُّ الرجُلِ للرجلُ ، أو حبُّ المرأةِ للمرأة ، فإنُّهُ حبٌّ ناقصٌ أيضاً لأنَّ الرجلَ لايتمّمُ الرجلَ ولأنَّ المرأةَ لا تتمِّمُ المرأةَ ، أمّا حبُّ الرجلِ للمرأةِ فلأنها جزءٌ منه انفصلَ عنه ، فهو في حنينٍ دائمٍ إليه ، وكذلك المرأةُ فهي دائمةُ الحنين للرجوعِ إلى أصلِها الذي انفصلتْ عنه ، وهذا كلُّه شيءٌ ، والتعاملُ معها بمقتضى الشرعِ ، شيءٌ آخرُ ، وهو ما يميِّز الصوفيَّ من غيرِهِ ، فالصوفيُّ يَنظرُ إلى المرأةِ على أَنّها رُوحٌ لطيفةٌ خصَّها اللهُ بأكملٍ مجالي الجمالَ، حسيِّهِ ومعنويِّهِ ، فيقدِّرُها ويحترمها ، ويُحبُّها ، ويتغزَّل بها، ومهما يكن مقصودُه سماه بأسماءَ مؤنَّسةٍ ، يقول أحدهم:

أُكنّي باسْمِ الغانيــــــــــــاتِ مموِّهـــاً                                          عن اسمك كي لا يَعْلَمَ الناسُ من أهوى

ويقولُ آخر :

إنْ قلتُ بهنـدٍ  أوْ أَسمــا                                                                  فمُرادي مَشْهَدُكَ الأسمـا

وبمحضِ صفاتك و الأسما                                                               يزدادُ فؤادي توحيـــــدا

لأنَّ اسمَ الأنثى بحدِّ ذاته يثير في نفسه الشجون والإلهام وقد قلتُ في ذلك:

مادام شَوقي إِليْها نَبْضَ قافيَتي                                                     فالجَمْرُ في كَبِدي والخَمْرُ في قَلَمِي (74)

بل وكلُّ ما هو خاصُّ بالأنثى ، يجذب الرجلَ إليه ويثير أحاسيسه ويُهيجُ عواطفَه ومشاعرَه ، أقول في قصيدة عبير الحياة:

أشياؤكِ الأنْثى تُثـيرُ شجوني                                                          وتنامُ بينَ جوانحي وجفوني

حُلُمَـاً تَقَرُّ بِهِ العيونُ ويكتَوي                                                         مِنْهُ الفُـؤادُ على شُواظِ أَتونِ

لَيْمُونُك السحريُّ علَّمَني الهوى                                                       يا روعــةَ التكويرِ والتكويـنِ

وعبيرُ كِ النِسْوِيُّ يٌغويني فمَا                                                        أَنْدى الشذا يا زهرةَ الليمونِ

ينْثالُ من جيدٍ لطيفٍ مُتْرَفٍ                                                          يَغْتالُني .. وشميمُهُ يُحْييني

أنا آدمُ التُفّـاحِ يا كَرْمَ المُنى                                                           وروائحُ التُفّاحِ تَسْتَهْـوينـي

أنتِ الألَذُّ المشتهى أنتِ الهنا                                                         وجَناكِ سِرُّ مَلاحِمي وفُنوني  (75)

لكنّ الصوفيَّ وَقّافٌ في ذلك كلِّه عند حدودِ اللهِ ، في تعامُلِه مع المرأةِ ، وهي ، عنده ،كالأزهار فما كان منها في حديقته ، تصرف بها كما يحلو لَهُ بحدود الشرع وعلى ما تقتضيه اللَّياقةُ والأدب ، وأمّا في الحدائق العامَّةِ ، أو حدائقِ الجيرانِ ، فإنَّه يحبُّه ويَسْتمتعُ بعبيره وبمنظرِه من بعيدٍ ، دون أن تمتدَّ له يده ، أمّا غيرُهُ ، فإنَّه في الغالب ، يَنْظرُ إلى المرأةِ نظرةً حِسيَّة وحسب ، لأنَّه لا يرى فيها إلاَّ شهوتهَ ومَحطّ رغباته ، ويتعاملُ معها على هذا الأساس ، ولا يقيِّدُ سلوكَه ، في الغالب الأعمِّ ، ضابطٌ من شَرْعٍ أو نِظام ، لذلك يَفْسُدُ الحُبُّ ، وتَفْسُدُ معه العلاقاتُ الاجتماعيَّةُ والأسَرِيَّةُ .

وإذا كانت هذه هي نظرةُ الصوفيِّ إلى المرأة ، وهذا هو حبُّه لها ودافعُ التغزُّل بها على أنّها صنعةُ اللهِ العظيمِ ومظهرُ جمالِ وجههِ الكريم فهل في ذلك ما يحظُرُهُ الشرعُ أو يَستَهْجِنُهُ العُرْفُ ، وليس فيه ما يَحِطُّ من قَدْرِ صاحبِهِ، بل على العكس من ذلك تماماً ، إنّه الواجبُ الشرعيُّ ، كما سَبق بيانُه ، في رأيِ الشيخ الأكبر، وعند أولياءِ الله وكبارِ العارفين به، وهو من الرجولةِ والفروسيَّة التي وجدناها عند كبارِ أبطالِ العربِ والعالم وفرسانِه، عند الجميع ، وقبل ذلك وبعده، بل الأهمُّ من ذلك جميعاً ، حبُّ أكملِ الرجال وسيّدهم ، على الإطلاق ، محمّد ابن عبد الله ـ عليه وعلى آله أفضل الصلواتُ وأزكى السلام ـ بتحبيبهنّ إلى ذاته الشريفة , تكميلاً لشخصِهِ الكريم، وهكذا كانتْ سيرةُ أصحابِه وأهلِ بيه من بعده ـ رضوانُ الله عليهم أجمعين ـ وهو مشهورٌ معلومٌ لكلِّ ذي عقل وعلم ، ففي سيرهم وأخبارهم وعدد أزواجهم ما ينبِّه الغافل ويُرشدُ الضالّ وعليه ، فلا حَرَجَ أَنْ يَتَغَزَّلَ الشاعرُ الصوفيُّ بالمرأةِ ، على أَنَّها مَظْهَرٌ التجلّي الإلهيِّ الأكملُ على الوجودِ باسمِه {الجميل}وبذلك لا نكون مضطرّين إلى أنْ نَعْتَسِفَ التأويلَ لهؤلاءِ الشعراءِ ، من باب حسْنِ الظنِّ بهم لأنّه ليس ثَمَّةَ ذنبٌ اقْتَرفوهُ لنَستُرَهُ لهم،كما أنَّه ليس عيباً منهم ولا نقصاً فيهم ، بل هو مِنْ أتمِّ التَمامِ وأكملِ الكمال.

مصادر الباب الرابع:

1 ــ ديوان عبير الروح للمؤلِّف

2 ــ التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية (ج 3 / ص 226)

3 ــ المصدر السابق

4 ــ ديوان عبير الخيال للمؤلف

5 ــ المستدرك على الصحيحين للحاكم ، ج 1 ، ص / 677  /

6 ــ سورة الحجر ، الآية / 6 / .

7 ــ ديوان عبير الخيال للمؤلف.

8 ــ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي من الغزالي إلى ابن عربي ، ص223

9 ــ ترجمان الأشواق ص7 ـ 9

10 ــ ديوان عبير الروح للمؤلف

11 ــ سورة النساء الآية : / 19/ .

12 ــ البحر المديد  (ج 2 / ص 34)

13 ــ المصدر السابق

14 ــ المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام(ج 14/ص 337)

15 ــ المصدر السابق

16 ــ الجمع بين الصحيحين ( البُخاري ومسلم) ج 3ص241

17 ــ جمع الجوامع للسيوطي ج1 ص11642

18 ــ البحر المديد (ج 2 / ص  35)

19 ــ تفسير حقي /ج 6 / ص 282/

20 ــ تفسير روح البيان ج4 ص125

21 ــ سورة الأحزاب الآية : / 21 /

22 ــ  نسيم السحر  للشيخ عبد الكريم الجيلي ص39-40.

23 ــ نظرية الحب والاتحاد في التصوّف الإسلامي ص38-39

24 ــ المصدر السابق

25 ــ ديوان ابن الفارض

26 ــ  ديوان عبير الخيال للمؤلّف .

27 ــ جامع الأحاديث (ج 12 / ص 323)

28 ــ روضة المحبين (ج 1 / ص 177)

29 ــ الأخلاق والسير لابن حزم الأندلسي (ج 1 / ص 120 ــ 122)

30 ــ محاضرات الأدباء (ج 1 / ص 350)

31 ــ الأخلاق والسير لابن حزم الأندلسي (ج 1 / ص 120 ــ 122)

32 ــ المصدر السابق

33 ــ ذم الهوى (ج 1 / ص 228)

34 ــ ذم الهوى (ج 1 / ص 292)

35 ــ بهجة المَجالس وأُنس المُجالس (ج 1 / ص 172)

36 ــ المصدر السابق

37 ــ بهجة المَجالس وأنس المُجالس (ج 1 / ص 121)

38 ــ الفتوحات المكيّة ج2ص190دار صادر  .

39 ــ سورة الأحزاب الآية : /52/

40 ــ الفتوحات المكيّة ج2ص190دار صادر  .

41 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/346 /.

42 ــ المصدر السابق

43 ــ المصدر السابق

44 ــ الموشى (ج 1 / ص 33)

45 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/346 /.

46 ــ المصدر السابق

47 ــ تفسير حقي (ج 6 / ص 421)

48 ــ المصدر السابق

49 ــ  ديوان عبير الخيال للمؤلّف .

50 ــ محاضرة الأدباء ، ج1ص348

51 ــ المصدر السابق

52 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق (ج 1 / ص 20)

53 ــ ديوان عبير الروح للمؤلف .

54 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/346 /.

55 ــ ديوان عبير الروح للمؤلف .

56 ــ محاضرة الأدباء ج1ص/346 /.

57 ــ سورة الإسراء الآية : / 23 / .

58 ــ أحاديث مختارة من الصحيحين (ج 1 / ص 63)

59 ــ متفق عليه

60 ــ متفق عليه

61 ــ إتحاف الخيرة المهرة(ج 2/ص 301)

62 ــ الآحاد والمثاني (ج 3 / ص 488)

63 ــ المعجم الكبير (ج 17 / ص 195)

64 ــ جمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي(ج 1/ص 24201)

65 ــ المستدرك على الصحيحين للحاكم .

66 ــ المعجم الكبير للطبراني ج2ص 193.

67 ــ إتحاف الخيرة المهرة – (ج 4 / ص 60)

68 ــ سورة البقرة ,الآية : 57 .

69 ــ سورة الأعراف ، الآية :7.

70 ــ سورة النساء ، الآية ،3.

71 ــ  الأعمال الكاملة للمؤلّف

72 ــ رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما .

73 ــ الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي :ج1ص208

74 ــ حقائق عن التصوّف  ص/518/

75 ــ ديوان عبير الخيال للمؤلف

                                               

                                                             الباب الخامس

                                                           من أخبار العشاق

تميّز العرب من بين الأمم الأخرى بما سمّي بالحبِّ العذري ، وهو الحبّ العفيف النظيف الذي لم تكن فيه علاقة جنسيّة بين العاشقين ، إنّما اقتصر على العلاقة الروحية والعواطف والمشاعر الإنسانية ، وقد انتهى معظم قصصه بالسقم أو الجنون وبالموت أحياناً ، وذلك لما اتصف به العربي ـ في الغالب ـ من مروءة وعفّة ونَجْدة ، إلى آخر ما هنالك من مكارم الأخلاق في جاهليّتهم ، يتجلى ذلك في قول عنترة العبسيِّ:

ما سمتُ أُنثى نفسَها في مـــوطنٍ                               حتَّى أوفِّي مهرَها مولاهـــــــــا

وأَغُضُّ طَرْفي إنْ بدتْ لي جارَتي                             حتَّى يواري جارتي مأواهـــــــا  (1)

          ثم جاء الإسلام فأكّد هذه المكارم وتمّمها كما قال ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ فيما رواه البيهقي في سننه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ : (( إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارمَ الأخلاق )) . (2) فهذب العلاقة بين الجنسين ووضع لها حدوداً ونظاماً بحيث يحفظ على المجتمع قيمه ويحافظ على سلامة النسل وصحة النسب ، لما يترتب على ذلك من حقوق ماديّة وأدبية، ويمتّن الروابط الأسريّة ، فقضى بذلك على العلاقات غير الشرعية بين الجنسين ، مما أدى إلى تأجّج العواطف والتهاب  المشاعرفي حالات كثيرة ما تيسرت فيها للعاشقين علاقة مشروعة لأسباب اجتماعية واقتصادية ، في بعض الحيان ، وفيما يأتي بعض من قصص هؤلاء العشّاق والمحبّين أُورِدُها من مصادرِها في زمان طغت فيه المادة ، وتراجعت القيم الروحيّة ، وخبت المشاعر الإنسانيّة ، وأصبح الإنسان أشبه بالآلة يتحرك بدوافع ماديّة وغريزيّة بحتة . وكأنّ الآلة التـي يستخدمها ، أو يعمل عليها قد طبعتْه بطابَعها حتى بدا وكأنّه جزء منها ، أو شقيقٌ توءمٌ لها شبيه بها ، وقد أخذت في كثير من الأحيان دور عقله ناهيك عن أحاسيسه ومشاعره ، حتى بسطاء الناس وأهل الحرف البسيطة ، كالبقالين وبائعي الخضراوات والجزّارين والخبّازين تراهم يستعملون الآلة الحاسبة إذا باعك (2) كيلو غرام من الخيار بسعر ليرة واحدة للكيلو غرام ، فما بالُكَ بالحِرَفِ والمِهَنِ العِلْميَّةِ الأكثر تَطوّراً ؟ وهو أمرٌ في غاية الخطورةِ ، إذ من المعروف بأنّ العضو الذي لا يعمل يَضعُفُ ويَضمُر ، وكلُّ توجُّهاتِ الحضارة الماديّةِ الغربيّة الحديثة تُركِّزُ على مَكننةِ الإنسانِ وتحويله إلى آلة تستجيب للأوامر ، وتمشي وتتحرك بموجب نظام مُعَدٍّ لها كآلة الحاسوب ، وتُهمل مشاعرَه وإنسانيّته.

من ذلك التركيزُ على رياضة الجسم لاسيما الكُرة التي أمسك بها يوماً{هرتزل} زعيم الصهيونيّة العالمية ، وقال: لأشغلنّ بكِ العالَم ، ووجّه بعدها أجهزة الإعلام في العالم ، والتي يسيطر الصهاينة على معظمها ، إلى الاهتمام بالكُرة وتوجيه الأنظار إليها ، فاستقطبت أجيالَ الشباب في طولِ الكُرةِ الأرضيّة وعَرضِها ، واستحوذتْ على عقولهم واهتماماتهم وتفكيرهم وشَغَلَتهم عمّا يَحوكُه الصهاينةُ ، ويدبّرونَه لحكم العالَم والسيطرة على مقدَّراته، وكان ذلك على حساب رياضات العقل والقلب والروح والمشاعر والأحاسيس، حتى الفن الموسيقيّ الذي يعتبر من رياضات الأحاسيس وتذوّق الجمال المعنويّ لم يسلم من تخريبهم وعبثهم ، فقد أصبحت موسيقا هذا العصر صاخبةً أساسُها الإيقاعات التـي تحرِّكُ جسم المستمع فقط ، دون عقله وأحاسيسِه ، فقد أصبحت كلماتُ الأغاني فارغة من كلِّ مضامين الجَمال ومعانيه التي تنمي الذوق الجمالي .

والحبُّ المقدّس أصبح شهوة بهيميّة وحسبْ ، بعيداً عن المشاعر السامية التي عَرَفها أسلافُنا وتذوَّقوا كؤسَها وهاموا بنشوتها ، فسمت بهم إلى عوالم الطُهر والعِفّةِ والكمال .

لذلك حَرَصْتُ على إيراد طائفةٍ من قصص الحب  المفعمة بالمشاعر الإنسانيّة والعاطفة الجيّاشة ، لمناسبتها لموضوع هذا الكتاب ، من جهة ، ولعلّي أذكّر الإنسانَ المعاصر بهذه الرقائق واللطائف التـي تغذي المشاعر وتوقظ  الأحاسيس الإنسانية . وتقوّي القلب والروح ، وإليك بعض هذه القصص :

      قال المُفَضَّلُ الضَبّـي: عَشق كاملُ بنُ الوَضينِ أسماءَ بنتَ عبدِ اللهِ بنِ هشامٍ ابنة عمّه ، فلم يزلْ به العشقُ حتى صار كالشيء البالي ، فشكا أبوه إلى أبيها ما نزل به ليزوجها منه ، ولمّا علم كامل بن الوضين ، قال : وإذاً تَسْمَعُ أسماءُ كلامي؟ قيل: نعم ، فشَهَق شهقةً وقضي مكانَه ، فقيل لها: مات بغُصّةِ شَجَنِهِ قالت: والله لأموتنَّ بمثلِها ، ولقد كنتُ على زيارتِه قادرةً ، فمَنعنـي منها قُبْحُ ذِكرِ الرِيبةِ، ومرضتْ ، فلمّا اشتدّ بها المرض قالت: لأَشْفقِ نسائها عليها: صوِّري لي مثالَه ؛ فإنّي أُحبُّ أنْ أزورَه قبْلَ موتي ، ففعلت ، فلمّا وصلتِ الصُورَةُ اعْتَنَقتْها وشَهقتْ فقَضَتْ ، فطَلَبَ أبو الفتى إلى أبيها أنْ يدفنَها بالقرب من قبرِ ابنِه ففعل ، وكتب على قبريْهِما:

بنفسي هما لم يمتّعا بهواهما                                            على الدهر حتى غيّبا في المقابرِ

أقاما على غير التزاور برهـةً                                          فلمّــا أُصيبا قُرّبا بالتـــــــزاورِ

فيا حُسْنَ قبرٍ زارَ قبراً يُحبّه                                             ويا زورةً جاءت بريْب المَقــادرِ (3)

كان ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ يوماً جالساً بفِناء الكعبةِ إذ وُضع بين يديه شخصٌ قد حملوه إلى الكعبة يستشفعون له ، فكشف عنه ، فأنشد الفتى السقيم:

بِنا مِنْ جَوى الأحزانِ والحُبِّ لوعةٌ                                      تكاد لهـا نفسُ الشفيقِ تذوبُ

ولكنّ ما أبقى حُشاشــــــةَ ما ترى                                      على ما ترى عودٌ هناك صَليبُ

فرأى ابنُ عباس رَسْماً عافياً وحِسّاً خافياً وجسماً بالياً فمكث ابنُ عبّاس أربعين يوماً لا يَسأل اللهَ ، بعد صلاته ، إلاّ المُعافاةَ من العشق .

وأخرج ابنُ عساكر في الأمالي أنّ هذا المذكور عُذري ، وقال السُيوطي في شرح الشواهد بأنَّ اسْمَه عُروةُ بنُ قيس ، وأنّه وَلُِعَ بجاريةٍ من العرب ، فزوَّجوهُ بها بشفاعةِ الحسينِ بنِ عليٍّ ـ رضي الله عنهما ـ فأقام معها مدّةً وكانت أُمُّه تُقسم عليه أنْ يفارقَها ، وهو يقولُ لها: أخاف تلافَ نفسي ، فلمَ ترْضَ فلمّا كان يومُ حَرٍّ شديدٍ وقَفَتْ حافيةً على الرملِ وأقسمتْ لا تَزولُ أو يُفارقَ عُروةُ الجاريةَ ، ففارقها رفقاً بأُمِّه فجَعَلَ يزدادُ به الوجْدُ حتى امتنع من الطعامِ والشراب ، وعاود أهلَها فأبوْا عليه، فأقام أيّاماً وحُمِل ـ كما ذُكر ـ  إلى الكعبة فلم يُغْنِ عنه ، فلمّا عادوا به توفي في الطريق . (4)

        كانت هذه قصة عشق بين شاب وابنةِ عمّه انتهت بموت العاشقين ، ولم تكن نهاية القصة الثانية بأحسن من الأولى ، أمّا القصّة الآتية فهي قصّة امرأة عشقت الذات الإلهيّة وقد افضى بها العشقُ إلى الموت أيضاً .

      يقول ذو النون المصري: بينما أنا أسير على جانب البحر في الليل ، إذا أنا بجارية عليها أطمارُ شَعرٍ وهي ناحلةٌ ذابلةٌ ، فدنوتُ منها لسماعِ ما تقول، وإذا هي متّصلةُ الأحزانِ بالأشجان ، وقد عَصَفتْ الرياحُ ، واضطربتْ الأمواج ، وظهرتِ الحيتان ، فصَرَختْ وسقطتْ على الأرض ، ثم أفاقت وهي تقول: سيّدي لك تقرّب المتقرّبون في الخَلواتِ، ولِعَظَمَتِك سَبّحت الحيتانُ في البحار الزاخرات ، ولجلالِ قُدْسِكَ تصافَقَتْ الأمواجُ المتلاطمات، أنت الذي سَجَدَ لك سوادُ الليلِ ، وضوءُ النهار ، والفَلَكُ الدَوّارُ ، والبحرُ الزَخّارُ ، والقمرُ النَوّارُ ، والنجمُ الزهّارُ ، وكلُّ شيءٍ عندك بمقدار ، لأنّك العَليُّ القهّار وأنشدت:

أحبُّك حبّيـــــن حُبَّ الوداد                                       وحُبّــــــاً لأنك أهل لذاكا

فأمّــــا الذي هو حُبُّ الهوى                                    فحب شغلت به عن سواكا

وأما الذي أنت أهـــلٌ لـــــه                                    فكشفك للحجب حتى أراكا

فما الحمــد في ذا ولا ذاك لي                                 ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

{هذه الأبيات لرابعة العدوية ـ كما هو معروف ـ وقد سبق إن ورددت في هذا الكتاب}. ثم شهقت شهقةً فارقت الدنيا فوَقَفتُ متعجّباً وإذا بنسوةٍ على أحسن ما يكون من الحالات قد أقبلن فحملْنَها ثم غِبنَ وأقبلنَ بها وقد جُهّزتْ فقدّمْنَنـي للصلاة وهنَّ ورائي فلمّا فرَغتُ مَضَينَ بها . ( 5)

وهذه قصة ثانية في الحب الإلهي تنتهي بموت العاشق أيضاً ، فقد جاء في كتاب تزيين الأسواق في أخبار العشّاق ما يأتي: أخبرنا أبو الطيب ـ  وكان صوفيّاً من أهل سُرَّ مَنْ رأى ، وهي مدينةٌ بالعراق ـ قال: حضرْنا يوماً  مجلساً ومعنا رجل صوفيٌّ يُقال له أبو الفتح فقرأ قارئ: (( أوَ لم نُعمرْكم ما يتذكّر فيه مَن تذكّر )) فقال الرجل: بلى وخرَّ مغشياً عليه فلم يفق إلى أن ذهب النهار ، ثم مضى فبلغنـي بعد أيام أنه حضر بالكرخ مجلساً فأنْشدت فيه جاريةٌ الأبيات المنسوبة إلى عبد الصمد المغربي الإشبيلي المعروف:

يا بديعَ الدَلِّ والغَنَـــــجِ                                                لكَ سُلطانٌ على المُهَــــــجِ

إنَّ بيتاً أنتَ ساكنُــــــه                                                غـيرُ محتاجٍ إلى السُـــــرُجِ

وجهُكَ المعشوقُ حُجَّتُنــا                                               يوم يأتي النــاسُ بالحُجَجِ

فاعتراه اضطراب شديد ، وأقبل يقول للصَبيّة ، كيف قلتِ: فلمّا بلغتْ البيتَ الأخيرَ خرَّ ميْتاً . وأخرج في الأمالي عن عبد المؤمن القصّة إلاّ أَنَّ البيتَ الأخير {وجهك المأمول حجتنا} . قلتُ ولعلّ الذي مات من سماعه الرجل هو هذا لأنّ العارفين إذا سمعوا ما يدل على صاحب البقاء كان أكثر أخذاً من نفوسهم ولا شكّ في أنّ المأمولَ أبلغ . (6)

وفيما يأتي قصّة أُخرى عن الشاعر العاشق المعروف بجميل بثينة ، وهي من القصص الشهيرة في الأدب العربي: فعن ابن عيّاش قال: لقيتُ عجوزاً من بنـي عُذرة فقلت لها: هل تروين شيئاً عن جميلٍ ومحبوبتِه قالت: نعم كنت يوماً وبثينة قد انفردت تبرُم غزْلاً ، والعرب قد اعتزلت الطريق خوف المارة إلى الشام ، وإذا برجل قد أقبل إلينا فاستثبتناه فإذا هو جميل ، فقلت له: قد عرَّضْتَنا ونفسَك شرّاً ، فمن أين جئت ؟ قال: من هذه الهضبة ولي بها ثلاثةً أنتظر الفُرصة لأُحدِثَ بكم عهداً ، فإنّي ذاهبٌ إلى مصر فحدَّثنا ساعة وهو لا يتماسك فجئتُه بقدح فيه تمر فنال منه يسيراً ثم ودّع ومضى فلم نَلبثْ أنْ جاء أهلُ الحيِّ ومما قال:

أرى كل معشوقين غيري وغيرها                                      يلدان في الدنيـــا ويغتبطـــــان

وأمشي وتمشي في البلاد كأننـــا                                      أسيران للأعداء مرتَهَنـــــــــان

أصلي فأبكي في الصلاة لذكرهــا                                     ليَ الويلُ ممـا يكتب الملكــــان

ضَمِنتُ لها أن لا أهيم بغيرهـــا                                        وقد وثقت مني بغير ضمـــــان

ألا يا عباد اللّه قومــوا لتسمعوا                                       خصومةَ معشوقين يختصمـــان

وفي كل عام يستجدّان مــــــرة                                       عتاباً وهّجْراً ثم يصطلحـــــان

يعيشان في الدنيا غريبين أينمـا                                       أقاما وفي الأعـــــوام يلتقيــان

وعن سهل الساعدي قال: قال لي رجل هل تعود جميلاً فإنه مريض ، فدخلنا عليه فإذا هو يجود بنفسه ، فنظر إليّ وقال: ما تقول في رجل لم يَزْنِ، قطُّ  ، ولم يَشربْ خمراً ، ولم يسفك دماً ، ويشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول الله ، منذ خمسين سنة ؟. قلتُ: مَن هذا ؟ فإني أظنُّه ناجٍ، قال: أنا ، قلت: عجيب منك تُشبَّبُ ببثينةَ هذه المُدّةَ وأنتَ كذلك ؟ . قال: أنا في آخر يوم من الدنيا لا نالتْنـي شفاعةُ (محمّد) إن كنتُ وضعتُ يدي عليها بريبَة ، وأكثرُ ما كان منّـي أنْ أُسْنِدَ يدَها إلى فُؤادي أستريحُ ساعةً، ثمّ أُغميَ عليه فلمّا أفاق أنشد:

صـَرَحَ النَعْيُّ وما كَنى بجميلِ                                             وثَــوى بمصـرَ ثُواءَ غيرِ قَفُولِ

قُومي بثيــــةُ فاندُبي بعويلِ                                                 وابكي خليلَك دون كلِّ خليلِ

ولما حضرته الوفاة قال: من ينعاني إلى بثينة ؟ قال رجل: أنا فأعطاه حُلَّتَه فراح حتى جاء الحيَّ فأنشد:

بكر النعي وما كني بجميـل                                              وثوى بمصر ثواء غير قفـول

بكر النعيُّ بفارسٍ ذي هِمّــة                                              بطلٍ ـ إذا حُمّ اللقاءُ ـ مُذيلِ

فسمعته بثينة فخرجت مكشوفة تقول:

وإنّ سلوّي عن جميلَ لساعـــــــــةٍ                                      من الدهر لا حانت ولا حان حينُها

سواءٌ علينا يا جميـلَ بنَ مَعْمـــــــرٍ                                       إذا مِتَّ بأساءُ الحياة ولينُهـــــــــا

ثم قالت للناعي: يا هذا إن كنت صادقاً فقد قتلتنـي، وإن كنت كاذباً فقد فضحتَنـي ، فقلت: لها والله إني لصادق وأخرجتُ الحُلّةَ ، فلمّا رأتها صرختْ وصَكَّتْ وجهَها وأقبلَ النساءُ يبكينَ معها حتى خرّتْ مَغْشِيّاً عليها ، ثمّ أفاقتْ وأنشدتْ {وإن سلوي} البيتين ، فلم أسمع منها غيرَهما حتّى قَضَتْ . (7)

وهذه قصَّةُ حُبٍّ أُخرى من قَصص الحُبِّ التي تناقلتْها كتب الأدب العربي ، وهي من القصص المشهورة التي تداولها الناس في مجالسهم قروناً طويلة ، إذ  أَحَبَّ قيس بنُ ذَريح ، ويتّصلُ نسَبُه ببكر بن عبد مَناة عُذْريّ من خزاعة ، كان ينزل بظاهِرِ المدينة ، وهو رضيعُ الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم ـ وسببُ علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبيّة أنّه ذهب في بعض حاجاته فمرّ ببنـي كعب ، وقد احتدم الحَرُّ فاستسقى الماء من خيمة منهم ، فبرزت إليه امرأة مديدةُ القامة بهيّةُ الطلعة عذبةُ الكلام ، سهلة المنطق ، فناولته الماء ، فلمّا صدر قالت له: ألا تَبَرّدُ عندنا ؟ وقد تمكّنت من فؤادِه فقال: نعم ، فمهدت له وِطاءً واستحضرت ما يحتاج إليه وإنّ أباها جاء . فلمّا وجَدَه رحّب به ، ونَحَرَ له جَزوراً ، وأقام عندهم بياضَ اليوم ، ثم انصرف وهو أشغف الناس بها ، فجعل يكتم ذلك ، إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار ، وشاع ذلك عنه ، ثم إنّه مَرّ بها ثانيةً ، فنَزل عندهم ، وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من حبّها ، فوجد عندها أضعافَ ما عنده ، فانصرف وقد علم كلُّ واحدٍ ما عند الآخر من حب .

ثم مضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له: دعْ هذه وتزوّجْ بإحدى بناتِ عمّك، فغُمَّ منه ، وجاء إلى أمّه فكان منها ما كان من أبيه ، فتركهما ، وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصّة ، فرثى لحاله ، والتزم له أن يكفيه هذا الشأن .فمضى معه إلى أبي لبنى ، فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة ، وقال: يا بن رسول الله لو أرسلتَ لَكُفيتَ ، بيد أنّ هذا من أبيه أَليقُ كما هو عند العرب ، فشكره ، ومضى إلى أبي قيس ، فجاء إليه حافياً على حرِّ الرمل ، ومرّغ وجهَه على أقدامه ، ومضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى .

ونقل الجلال السيوطي أنّ الحسين أدّى المهرَ من عنده ، ولمّا تزوَّجها أقام مدّة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الإقبال ، وفنون المحبّة، وكان قيس على أبلغ ما يكون من أنواع البِرّ بأمّه ، فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك  ، فحسّنت لأبيه التفريق بينهما ، فقالت له يوماً: لو زوجتَه بمن تحمل لتجيء بولدٍ لكان أبقى لنسبك وأحفظ لبيتك ومالك ، ثم إنهما عرضا على قيس ، ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وبقي يمانعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه ألا يُظلّه سقف أو يطلّق قيس لبنى . فكان إذا اشتدّ الهجير يجيئه فيظله بردائه ويصطلي هو الحَرَّ  حتى يجيء الفيء ، فيدخل إلى لبنى فيتعانقا ويتباكيا وهي تقول له لا تفعل فتهلِك  ، إلى أن طلقها ، فلمّا أزمعت الرحيل ، بعد العِدّة ، جاء فسأل الجارية عن أمرهم فقالت: سلْ لبنى فأتى إليها فمنعه أهلُها وقالوا: غداً ترحل إلى ديارنا فسقط مغشياً عليه، فلمّا أفاق أنشد:

وإنّي لَمُفْنٍ دمعَ عينيَ بالبُـــــكا                           حذارَ الذي قد كان أو هو كائنُ

وقالوا غداً أو بعـــــد ذاك بليلةٍ                          فراق حبيب لم يَبِنْ وهو بائـــنُ

وما كنت أخشى أن تكون منيتي                         بكفيك إلاّ أنّ مـــــا حان حائن

وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها ، فلما غابت رجع يقبل أثر بعيرها ، فَلِيـمَ على ذلك فأنشد:

وما أحببت أرضكـــم ولـــكن                           أقبّل إثر مــــن وطىء الترابا

لقد لاقيـت من كلفي بلبــنى                              بلاءً ما أُسيـغُ له الشــــرابا

إذا نادى المنادي باسمِ لبنى                             عَييتُ فلا أُطيقُ له جـــوابا

وأرسلت إليه يوماً أمُّه بناتٍ يَعِبْنَ لبنى عنده ويُلّهينَه بالتعرض إلى وصلِهِنَّ فأنشد:

يَقَرُّ لعيني قربُها ويزيــــــــدني                          بها عجباً من كان عندي يعيبها

وكم قائل قد قال تُبْ فعصيتُــــه                        وتلك ـ لعمري ـ توبةٌ لا أتوبُهــا

ولما اشتدَّ شوقُه وزاد غرامُه أفضى به الحالُ إلى مرضٍ ألزمه الوِسادَ واختلالَ العقلِ واشتغالَ البالِ ، فلام الناسُ أباه على سوءِ فعلِه فجَزِعَ وندم وجعل يتلطّف به ، فأرسل له طبيباً وقَيْناتٍ يسألون عن حالِه ويلهّونه فلما أطالوا عليه أنشد:

عند قيس من حبِّ لبنى ولبنى                                  داء قيس والحب صعب شديـد

فإذا عادني العوائــــــد يومــاً                                 قالت العينُ لا أرى مَن أُريـــد

ليـت لبنى تعودني ثــم أقضي                                  أنها لا تعود فيمن يعــــــــود

ويح قيس لقد تضمن منهـــــــا                                  داءَ خبْل فالقلبُ منه عمـيــــد

فقال له الطبيب مُذْ كَمْ هذه العِلّة بك ومُذْ كَمْ وجدتَ بهذه المرأة ما وجدت ؟ فقال:

تعلق روحي روحها قبل خلقنا                                   وليس إذا متنا بمنفصمِ العَقْـدِ

فزاد كمـــا زدنا وأصبح نامي                                    وليس إذا متنا بمنصرم المهـد

ولكنّـه باقٍ على كل حــادثٍ                                   وزائرتي في ظلمةِ القبرِ واللحد

فقال إنما يسليك عنها تَذَكُّرُ ما فيها من المساوئ والمعايب ، وما تَعافُه النفس ، فقال:

إذا عِبْتُها شبهتُها البدرَ طالعــــــاً                               وحسبُك من عيبٍ لها شَبَهُ البــدر

لقد فَضُلتْ لبنى على الناس مثل ما                             على ألفِ شهرٍ فضُلت ليلةُ القــدر

إذا ما شئتَ شبراً من الأرضِ أَرجفتْ                           من البَهْرِ حتى ما تَزيـد على شِــــبر

لها كفل يرتج منهـــــــــا إذا مشت                             ومـتنٌ كغُصْنِ البان منضمِـر الخصر

وإنّ أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنّبُه ويلومه ، فلمّا لم يُفِدْ ذلك عَرَضَ عليه الزواج فأنشد:

لقد خفتُ أن لا تقنعَ النفسُ بعدها                                   بشيء من الدنيـــا وإن كان مُقنِعا

وأزجرُ عنها النفسَ إنْ حِيلَ دونَها                                 وتأبى إليها النفسُ إلاّ تَطَلُّعـــــــا

فلما آيسَ منه استشار قومه في دائه ، فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بتصفّح أحياءِ العرب ، فلعلّ أنْ تقع عينُه على امرأةٍ تستميل عقله ، فاقسَموا عليه أنْ يفعل ففعل، وإنّه اتّفق أنْ نَزل بحيٍّ من فَزارةَ فرأى جاريةً قد حَسَرتْ عن وجهِها بُرقُعَ خَزٍّ ، وهي كالبدر حُسْناً وبهجةً ، فسأل عن اسمِها فقالت: لبنى ، فسقط مغشيًّاً عليه ، فارتاعتْ منه ، ونَضَحَتْ وجهَهُ بالماءِ ، وقالت: إن لم تكن قيساً فمجنون . ( 8)

أمّا قصّةُ مجنون بنـي عامر قيس بن الملوّح وهيامه بابنة عمه ليلى العامرية، فقد كانت الأشهر في قصص العشّاق عند العرب حتى غدت مضرب الأمثال وشعره فيها أعذب الشعر ، وكان وما زال قيس هذا علماً على العشاق، فإذا ما أطلقت لفظة {المجنون}ولم تسمّه فُهِمَ أنّكَ تَعنيه دون غيره ممن ذهب العشق بلبّهم ، وقد كثرت أحداث هذه القصة ، حتى أصبحت ملحمةً من الملاحم ، واختلط الصحيح فيها بالخرافي ، والواقعيُّ بالملفّق والمختلق ، كقصة جُحا في البَلَه ، وقصّة عنترة في البطولة ، وأشعب في حبّ الطعام وتصيّد موائده وولائمه …

وإليك ـ عزيز القارئ ـ بعضَ هذه الأحداث لأنّ جميعها يحتاج إلى سِفر بل إلى أسفار  ، ومن ذلك  ما جاء في تسريح الناظر عن الأمالي قال: اجتمع إلى المجنون عِزْوةٌ من قومه ممن كان ينادمُه حال صِحّتِه وقد ذهبوا به حين بنى الثقفيُّ بليلى ، فعزموا على أن يسافروا به متنزّهين في أحياء العرب ليذهب ما به ، فساروا وهو معهم ، تُعاودُه الصِحّةُ دوراً والجنونُ دوراً ، وهم يَرِدون كلَّ متنزّهٍ، ويعرضون عليه ، من بنات العرب ، كلَّ مَن أُجمِعَ على حُسْنِها ، وأنهم غفلوا عنه ليلةً ، ثمّ افتقدوه ، فرأوْه قد ذهب ، فركب ابنُ عمٍّ له في طلبه ، فرآه عنده مَشْرَعَةٍ وبين يديه ظَبيةٌ لا حَراكَ بِه وهو يمسحُ عنها الترابَ ويُقبّلُها ويَبكي . وزاد في نزهةِ المشتاق أنّه كان ينشد:

أيا شِبهَ ليلى لا تخافين إنني                                                 لكِ اليومَ مِن وحْشِيَّـةٍ لَصديقُ

ودخلوا عليه فحادثوه في السلو ، فزاد في الهيام ، ولمّا عُوفيَ جعلَ يُعاود موضعَها ويتمرّغ في التراب ويبكي إلى الليلِ ، وعَزَمَ على التَوَحُّشِ والخُروج ، فراجعه ابنُ عمٍّ له في ذلك  ، فكان يعزم عليه أنْ لايفعل ويُشاغِلُهُ إلى أنْ بلغه أنَّ ليلى دخلت إلى جارةٍ لها فنَضَتْ أثوابَها واغتسلتْ ، ونظرت إلى نفسها وقالت: ويحَ ابنِ الملوّحِ لقد عَلِقَ بي عظيماً على غيرِ استحقاقٍ فأُنْشِدُكِ  اللهَ أَصادقٌ هو في وصْفي أم كاذب ؟ فقالت: بل صادق ، ثم خَرَجتْ من عندها ، وعادت لأخذِ سواكٍ نَسِيتْه ، فلمّا صار في يدِها قالت: سقى الله من أعطانيه، فقالت لها جارتها: ومَن أعطاكيه ؟ قالت: قيسٌ ، فخرج هائماً وأنشد:

جرى السيلُ فاستبكاني السيل إذ جرى                                وفاضت له من مقلتـيَّ غَـــــــــروبُ

وما ذاك إلا حين أيقنتُ أنّــــــــــــــه                                  يكون بوادٍ أنتِ منـــــــــــــــه قريبُ

يكون أُجاجــــــــاً دونَكم فــإذا انتهى                                   إليكم تَلَقّى طيبَكـــــــــــــــم فيطيبُ

فيا ساكنـي أكنافَ نخلــــــــــة كلُّكـم                                   إلى القلب من أجـلِ الحبيب حبيب

أظل غريب الدار في أرض عـامر                                    إلى كلِّ مهجـــور هنــــاك غريبُ

وإنّ الكثيبَ الفَـردَ من أيمنِ الحِمى                                    إليّ ، وإنْ لم آتِــهِ ، لحبيــــــبُ

ولا خيرَ في الدنيــا إذا أنتَ لم تَزُرْ                                    حبيبــــــاً ولم يَطْرُقْ إليك حبيبُ

ثم انساب منهم ، وكانت هذه سياحتُه الكاملة، فجعل يقتاتُ بعشبِ البرِّ ، حتى طالت أظفارُه وغطّاه شعرُه ، فألِفَتْهُ الوحوشُ ، فكان يَرِدُ الماءَ معها ، ثم يهيم على وجهه حتى يقع بالشام ، فيرى أقواماً وأرضاً يُنكِرُها فيقول: أين جبلُ توباد من بني عامر ؟ وهو جبلٌ كان يرعى هو وليلى عنده الغنم ، فيقولون له: أينَ أنتَ من توبادَ ، ويعرضون عليه الثيابَ والطعامَ فيأبى ويقولُ: دِلّوني عليه ، فيرحمونه ويقولون له: اتّبع نجمَ كذا يوصِلُك إليه ، فيمضي حتى يقع باليمن ، فيكون له مثلُ ذلك  إلى أن يَظفَرَ أحياناً بالجبل فيُنشِدُ حين ينظره:

وأَجْهَشْتُ للتوباد حين رأيتُـــــه                                       وكبّر للرحمــــــن حيــــن رآني

وأَذريتُ دمعَ العين لما عرفتـــــه                                      ونادى بأعلى صوته فدعـــــاني

فقلتُ:له قد كان حولَك جيــرة                                          وعهدي بذاك الصرم منذ زمـــان

وقلت له: أين الذين عهدتُهــــم                                         بقربك في حفظٍ وطيبِ أمـــــان؟

فقال مضوا واستودعوني ديارهـم                                      ومن ذا الذي يبقى على الحِدثان

وإني لأبكي اليومَ من حَذَري غَداً                                      فراقَـكَ والحيّـان مؤتَلِفـــــــــان

سِجالاً وتَهتاناً ووبْلاً وديمـــــــة                                         وسَحّاً وتِسجالاً ، وتنهَمِــــــلان

وعن فتى من قيس قال: لمّا أُخِذَ المجنونُ إلى مَكَّةَ للاستشفاء ، مررت يوماً وإذا أنا بجماعةٍ قد تعلّقوا بشخصٍ متغيّرِ اللّونِ ناحلِ البَدَنِ ، وقد همَّ أن يُلقي نفسَه من جبلٍ ، فسألتُ عنه ، فإذا هو المجنون ، خرج ليتنسَّم صَبا نجدٍ فقلت: علامَ تحبِسونه ؟ قالوا: نخاف أن يجنـي على نفسِه ، ولو تقدَّمتَ إليه فأخبرتَه أنّك من نجدٍ أَسكنتَ روعَه ، ففعلتُ ، فجعل يسألنـي عن موضعٍ موضعٍ منها ويبكي أحرَّ بكاءٍ ، ثم أنشد:

ذكّرتُ ليلى والسنين الخواليــــــــا                                       وأيامَ لا أَعدى على الدهر عاديــا

ويومٍ كظِلِّ الرّمـــحِ قصَّرتُ ظِلَّـه                                        بليلى فلهّـاني وما كنتُ لاهيـــــــا

فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمّــــةٍ                                         إذا جئتكم بالليل لم أدرِ ماهيــــا

وقد يجمع اللّه الشتيتين بعدمـــــــا                                        يظنـان كلَّ الظنِّ أنْ لا تلاقيــــا

وعهدي بليلى وهي ذات مؤصَّـدٍ                                         تردُّ علينـــــا بالعشيِّ المواشيــا

فشبَّ بنو ليلى وشَبَّ بنو ابنِهــــا                                         وأعلاقُ ليلى في فؤادي كما هيـا

إذا ما جلسنا مجلســـــاً نستلــذُّه                                          تواشَوْا بنا حتى أَمَلَّ مكانيــــــا

خليلي لا واللّه لا أملك الــــــذي                                         قضى اللّه في ليلى ولا ما قضى لِيا

قضاها لغيري وابتلاني بحبهــــــا                                       فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيــــــا

وخبرتماني أن تيمــــــــاء منــزل                                       لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا

فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت                                      فما للنوى ترمي بليلى المراميـــــــا

فلو أن واش باليمامــــــــة داره                                          وداري بأعلى حضرموت أتى نيـــا

وماذا لهم ـ لا أحسن اللّه حالهم ـ                                          من الحظ في تصريمِ ليلى حباليـا

فيا رب سوَّ الحُبَّ بينـي وبينهــا                                           يكون كَفافاً لا عليّ ولا ليـــــــا

فما طلع النجمُ الذي يُهتـدى بــه                                            ولا الصبحُ إلاّ هيّجا ذكرها ليا

ولا سرت ميلاً من دمشق ولا بدا                                         سُهيلٌ لأهلِ الشام إلاّ بدا ليــــا

ولا سُمّيتْ عندي لهـا من سَميّةٍ                                           من الناس إلاّ بَلَّ دمعي ردائيـا

ولا هبّت الريح الجنوب لأرضها                                          من الليل إلاّ بتُّ للريح جانيــــــا

فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادهـا                                             عليّ فلن تحموا عليّ القوافيـا

فاشهد عنـد اللّه إني أحبُّهــــــا                                              فهذا لها عندي فما عندها ليـا؟

قضى اللّه بالمعروف منها لغيرنا                                           وبالشوق منـي والغـرام قضى ليا

وإن الذي أمّـــــلتُ يا أمَّ ملك                                               أشاب فــؤادي واستهـان فؤاديا

أعُدُّ الليالي ليلةً بعـــــدَ ليـلةٍ                                              وقد عشت دهراً لا أعُدُّ اللياليا

وأخرج من بين البيوت لعلني                                              أحدث عنك النفس بالليل خاليـــا

أراني إذا صلّيتُ يممـت نحوهـا                                          بوجهي وإن كان المصلي ورائيا

وما بي إشــراكٌ ولكنّ حبّهــا                                            وعِظَمَ الجوى أعيى الطبيبَ المداويا

أُحِبُّ من الأسمـاء ما وافق اسمها                                        وأشبهه أو كان منه مُدانيــــــــا

وإنّي لأستحييك أن تَعْرِضَ المنى                                       بوصلك أو أن تعرضي في المنى لِيا

إذا ما استطال الدهر يا أمَّ مـالك                                         فشأنُ المنايا القاضيــات وشأنيـا

وإنّي لأستغشي ومـا بي نعسةٌ                                           لعلّ خيالاً منك يلقي خياليــا

هي السحر إلاّ أنّ للسحر رُقْيـة                                           وإنيَ لا ألقي لها، الدهرَ ،راقيا

ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا                                         علينا فقد أمسى هوانا يمانيــــا

ألا يا حمامَيْ بطنِ نعمانَ*هجتُما                                         عليّ الهوى لمّـــا تغنَّيْتُما لِيـــا

وأبكيْتُمـاني وسْـطَ صحبي ولم أكن                                      أبالي دموعَ العين لو كنتُ خاليــــا

ويا أيها القُمْريَّتــــان تجــــــاذبا                                          بلَحْنَيْــكُمــا ثم اسْجِعا علانيــــا

فإنْ أنتمـــــا استطرَبْتُمــا أو أردتُما                                      لَحاقاً بأطـــــلال الغَضى فاتْبَعانيا

خليليّ إنْ ضَنُّوا بليلى فقــــــــرِّبا                                       إليّ النعشَ والأكفانَ واستغفِرا لِيا (9)

* نعمان  اسم وادٍ في ديار بني عامر

تلك كانت أشهر قصص الحب في الأدب العربي وأكثرها تأثيراً وجاذبيّةً، وهذه قصة أخرى من قصص الحب  التي سارت بها الركبان وتناقلتها الأجيال عبر التاريخ ، قصّةُ عُروة وعفراء ـ والعفراء من النساء لغةً: هي البيضاءُ خالصة البياض ـ فقد جاء في تسريح النواظر عن سبب عشقِه لها، هو أنّ أباه توفي ولعروة من العمر أربع سنين وكفلَه أبو عفراء ، فترعرعا جميعاً، فكان يألفُها وتألفُه . فلمّا بلغ عروةُ الحُلُمَ ، سأل عمَّه تزويجه منها ، فوعدَه ذلك ثم أخرجه إلى الشام بِعِيرٍ له . وجاء ابنُ أخِ له يقال له أُثالة بن سعيد بن مالك يريد الحج ، فنزل بعمِّه هصر {أبو عفراء}فبينما هو جالس يوماً تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرةً عن وجهها ومعصميْها ، تحمل أدواة سَمنٍ وعليها إزارُ خَزٍّ أخضر .

فلما رآها وقعت من قلبه بمكانةٍ عظيمةٍ ، فخطبَها من عمِّه ، فزوّجَه بها . ثمّ إنّ عُرْوةَ أقبل مع العِيرِ ، وقد حمل أُثالةُ عفراءَ على جملٍ أحمر ، فعَرَفها من بعيد ، وأخبره أصحابه ، فلمّا التقيا وعَرَفَ الأمرَ بُهِتَ لا يحرّر جواباً حتى افترق القوم ، فأنشد:

وإني لتعروني لذكراك رِعْـــــــــدةٌ

لهـــــا بين جلدي والعظام دبيب

فمـا هو إلاّ أنْ رآهــــا فجـــــــــأةً

فأُبْهِتَ حتّى مـــــــا يكادُ يجيب

فقلت لعَرّاف اليمــامــــــــةِ داوِني

فإنـّــــــــــك إنْ أبرأْتَنـي لطبيب

فمــــــا بيَ من حُمّى ولا مَسِّ جِنّةٍ

ولكنّ عمّي الحمــــيريَّ كَـــــــذوب

عشيّةَ لا عفــراء منك بعيـــــــــدةٌ

فتسلو ولا عفــــــــراء منك قريب

بنا من جوى الأحزان والبعدِ لوعــةٌ

تكـــاد له نفسُ الشفيق تـــــذوب

ولكنّمـــــــا أبقى حُشاشــــةَ مِقْوَلٍ

على ما به عودٌ هنـــــــاك صليب

وما عجبي موتُ المحبّين في الهوى

ولكنّ بقـــــــــاء العاشقين عجيب

وقيل إنه لم ينشد في ذلك الموقف سوى البيتين الأولين ، وأما قوله: فقلت لعراف اليمامة … إلى قوله وما عفراء منك قريب . فإنّه أنشدَه حين أُتيَ به إلى الطبيب ، وسببُ ذلك أنّه حين وصل الحيّ أخذه الهذَيان والقلقُ ، وأقام أياماً لا يتناول قوتاً ، حتى شَفّت عظامُه ، ولم يخبِرْ بسرِّه أحداً ، وأنّه حُمِلَ ليلةً إلى فضاء ليتنزّه به ، فسمِع رجلاً يقول لوالدِه على أي ناقةٍ حملتَ الشعب ، يَعنـي قُرَب الماء ، فقال: على العفراء ، فأُغْميَ عليه ساعة ثم قام مخبولاً ، وكان باليمامة عَرّافٌ يعنـي كاهناً له قرين من الجِنّ ، يُعَرِّفُه الأخبارَ ودواءَ بعضِ الأدواء ، فحملوه إليه فلما رآه ، أخذ يعالجه بأنواع العلاج والرُقى والصب عليه ، وأصل ذلك أن العرب كانت إذا تخيّلت بشخص سحراً جعلت على رأسه طبقاً فيه ماء ، ثم أذابت الرصاص وسكبتْه في ذلك الماء ودفنته في فضاء من الأرض ، فيزول عن الشخص ما به ، وإنّ الكاهن فعل بعروة ذلك مراراً فلما يُنجع ، فأخبرهم أنّ ما به ليس إلاّ من العشق .

وقيل أنشده حين حُمِل إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ليدعو له بمكّة ، ولما آيس من الشفاء تمرَّض بين أهله زماناً ، حتى شاع انتحالُه في العرب ، وأصبح مثلاً . وإنّ ابن أبي عتيق مَرَّ به فرأى أمّه تلاطفُ غلاماً كالخيال ، فسألها عن شأنه ، فقالت: هو عُروة فسألها نضوَ الغطاء عنه ، فلمّا شاهده عجب من حاله ، ثم استنشده فأنشد جعلت لعراف اليمامة … ، الأبيات ، ولمّا علم الضجر من أهله ، قال لهم احتمِلوني إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء .

فلما حلَّ بها ، وجعل يسارق عفراءَ النظر في مَظانِّ مرورِها ، عاودتْه

الصحة . فأقام كذلك إلى أن لقيَه شخصٌ من عُذْرةَ فسلم عليه . فلمّا أمسى دخل على زوج عفراء ، فقال له متى قدم هذا الكلبُ عليكم ، فقد فضحَكم بكثْرة ما يتشبّب بكم ، فقال: مَن ؟ قال عروة: قال أنت أحقُّ بما وصفتَه به، والله ما علمتُ بقدومِه ، وكان زوجُ عفراءَ موصوفاً بالسيادة ومحاسن الأخلاق في قومه . فلمّا أصبح جعل يتصفَّح الأمكنةَ حتى لقيَ عُروة فعاتبه وأقسم بالمحرمات أنّه لا ينزل إلاّ عندَه فوعدَه ذلك ، فذهب مطمئناً وإنَّ عُروة عزم أنْ لا يَبيتَ الليلَ في هذا المكان ، وقد علم به ، فخرج فعاوده المرض فتوفي بوادي القُرى، دون منازل قومه .

قال ابنُ العاص استعملني عمر ـ رضي الله عنه ـ في جباية صدقات العذريين ، فبينما أنا يوماً بإزاء بيت إذ نظرت امرأة عند كَسْرِ البيت وإلى جانبها شخص لم تَبْقَ إلاّ رسومُه ، فجلستُ أنظر إليه ، فتموّج ساعةً ثم خفق خفقةً وفارق الحياة ، فقلت لها: مَن الرجل ؟ قالت: عُروة . فقلت: كأنّه قضى ؟ فقالت: نعم ، ولمّا بلغ عفراءَ وفاتُه قالت لزوجها: قد تعلم ما بينك وبينـي وبين الرجل من الرَحِم ، وما عندَه من الوجد ، وإنّ ذلك على الحَسَنِ الجميل ، فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغنـي أنّه قضى ، قال ذلك إليك ، فخرجت حتى أتت قبرَه فتمرّغت عليه ، وبكت طويلاً ، ثم أنشدت :

ألا أيُّها الركبُ المحِثّون ويحَكم          بحقٍّ نعيتـم عُـــروةَ بنَ حِزام

فإنْ كان حقاً مـا تقولون فاعلموا          بأنْ قـــد نعيتم بدرَ كل ظلام

فلا لقي الفتيـانُ بعدك راحــةً            ولا رَجَعـوا مِن غيبـــةٍ بسلام

ولا وَضَعت أُنْثى تمامــاً بمثلِه             ولا فَرِحت من بعدِه بغــــلام

ولا بَلَغْتُم حيثُ وُجِّهتـــمْ لـه             وغَصصتُمُ لَذّاتِ كلِّ طَعـــــام

                                                                 (10)

وهذه قصّةُ حبٍّ أخرى من قصص الحب عند العرب ، إلاّ أنّ المبادرَ بالحبِّ هذه المرةَ هي الفتاةُ وليس الفتى ، كما سلف ، فقد حكى صاحبُ النُزهة ، قال نشأ ببنـي حَرّانَ شابٌّ لبعضِ التُجار يُدْعى واصفاً ، وكان كامل الحُسن والظَرفِ واللَّطافةِ والعِفَّة ، وكان له ابنةُ عمٍّ تسمّى لطيفة ، وكانت على أرفعِ ما يكون من مراتبِ الجمالِ ومحاسِنِ الأخلاق والخصال . فتوفّي أبوها وتركها صغيرةً فكفِلَها عمُّها حتّى بلغت ، فكانت تنظر إلى ابنِ عمِّها فيُعجبُها إلى أنْ تمَكّن حبُّه منها ، فمرِضت وهي تكتُم أمرَها .

وكانت امرأةُ عمّها فطِنَةٌ مجرِّبةٌ للأمور ، فامتحنَتْها فوجدتْها تغيب عن

حِسِّها أحيانا ً. فإذا دخلَ الغُلامُ صَحَتْ والْتَمَستْ ما تأْكُلُ فأخبرت أباه ، فقال: يا لها نِعمةً ، ثمّ زوجَه منها فأوقع الله حبَّها في قلبِهِ فأقاما على أحسنِ حالٍ مدّةً، وهو يأمرُها أنْ تكون دائماً متزيِّنةً متطيِّبةً ، ويقول لها: لا أُحِبُّ أنْ أَراكِ إلاّ كذا ، فلم يزالا على ذلك حتى ضَعُفَ الشابُّ ومات ، فحزِنت عليه وفقدت عقلَها ، فكانت تتزيَّن بأنواعِ زينتِها ، كما كانت تفعل في حياته ، وتمضي وتمكُث على قبرِه باكيةً إلى الغروب .

قال الأصمعيُّ: مررتُ أنا وصاحبٌ ليَ بالجبّانةِ فرأيتُها على تلك الحالة فقلنا لها علامَ هذا الحزنُ الطويلُ ؟ فأنشدت:

فإنْ تسألاني فيــمَ حُزني فإنّني         رهينةُ هذا القبر يا فَتَيــــــــان

وإنّي لأستحييه والتُرْبُ بينَنـــا         كما كنتُ أستحييه حين يراني

فعجبنا منها ، ثم جلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشدت:

يا صاحبَ القبرِ مَنْ كان يُؤنِسِني       وكان يكثـــــرُ في الدنيا مُوالاتي

قد زُرْتُ قبرَك في حُلْيٍ وفي حُلَلٍ        كأنّني لستُ مِن أهلِ المصيبـات

لزمتُ ما كنتَ تهوى أَنْ تَراه وما       قد كنتَ تألَفُه من كلِّ هيـــآتي

فمَنْ رآني رأى عَبْرى مُولّهَـــــةً       مشهورةَ الزِيِّ تبكي بين أمواتِ

                                                                   (11)

وهذه قصّةٌ أخرى من قصص الحب العفيف النظيف انتهت بموت العاشقين .

 قيل إنّه كان في بني عُذرةَ فتى ظريف يهوى محادثة النساء ، فعلِق جاريةً فأضْنَتْه حتى لَزِمَ الوِسادَ ، وسئلتْ في أمره فامتنعتْ حتى إذا بلغ الموتَ ، جاءته فحين رآها أنشد:

أريتِكِ إنْ مرّتْ عليكِ جَنـــــازتي    تَمُرُّ على أيدٍ طِوالٍ وشُــــــــــرَّعِ

أمـــا تتبعين النعشَ حتّى تُسلِّمي     على رمسِ ميتٍ في الحفيرةِ مُودَعِ

فحلفت أنها لم تعلم أنّه بلَغَ به الحُبُّ إلى هذه الحال، وأخذت تستعطفه ، فتمثّل بقول بِشْرٍ بنِ حَضْرَمٍ الكِلاعي:

أتت وحياضُ الموتِ بيني وبينَهـــــا

وجادت بوصلٍ حين لا يَنفع الوصلُ

ثم أُغشيَ عليه وانكبَّت تقبِّله ، فإذا هو مَيِّتٌ فلم تَمْكُثْ بعدَهُ إلاّ قليلاً ثمّ ماتت . (12)

وهذا شيخٌ لم يُمتْه الحبُّ إلا أنّه بلغ نهاية شوط الحياة ، ولم يزل يحمل حبَّه في قلبه .

قال بعضهم: رأيت في بنـي عُذْرَةَ شيخاً فقلت: هل بقي من حبِّك بقيّةٌ؟ فقال:

كأنَّ قَطاةً عُلِّقت بجناحهــــا              على كبدي من شدَّةِ الخفقان

وأنشد للمجنون:

كأن القلبَ ليلةَ قيل يُغدى                   بليلى العامريّــــةِ أو يُراحُ

قطــاةٌ غرَّهـا شَرَكٌ فباتتْ                    تجُاذبُهُ وقد عَلِقَ الجنـاحُ

                                                                  (13)

وهذه عاشقة تناجي الله عزَّ وجلَّ في موسم الحج وهي بمزدلفة شاكيةً إليه ما تعانيه من حُرقة الوجد وألم الهجر ، ويُطلبُ منها أن تسأل اللهَ العافية والتوبة من العشق فلا تفعل لأنها لا تعتبره ذنبا ً، فعن العبديّ، قال: إني لَبِمُزْدَلِفَةَ بين النائمِ واليقظانِ إذْ سمعتُ بكاءً حَرِقاً وغناءً عالياً . فاتّبعتُ الصوتَ فإذا أنا بجاريةٍ كأنّها الشمسُ حسناً ومَعها عجوزٌ . فلَطِئتُ بالأرضِ لأمتّع عينيَّ بحسنِها ، فسمعتُها تقول:

دعوتُك يا مــــــولاي سراً وجهـــــرةً

دعاءَ ضعيفِ القلبِ عن مَحْمَلِ الحُبِّ

بُليتُ بقاسي القلبِ لا يَعرف الهــوى

وأَقْتَلِ خلقِ اللهِ للهـــــــــائمِ الصبِّ

إن كنتَ لم تقضِ المودَّةَ بينَنــــــــــا

فلا تُخْلِ مِن حُبٍّ له أبــــــداً قلبي

رضيتُ بهذا مـــــا حَييتُ فإنْ أَمُتْ

فحسبي مَعاداً في المَعــادِ به حسبي

قال: وجعلتْ تردّد هذه الأبيات وتبكي ، فقمت إليها وقلت: بنفسيَ مَن أنتِ؟مع هذا الوجه وهذا الجمال يمَتنعُ عليك مَن تُريدين؟ قالت:نعم والله إنه يفعل تصبُّراً وفي قلبِه أكثرُ ممّا في قلبي ، قلتُ: فإلى كم البكاءُ ؟ قالت: أبداً أو يصيرَ الدمعُ دَمَاً وتَتلفُ نفسي غمّاً . فقلتُ: إنّ هذه آخرُ ليلةٍ من ليالي الحجِّ ، فلو سألتِ الله تعالى التوبةَ ممّا أنتِ فيهِ رَجَوْتُ أنْ يَذهبَ حبُّه من قلبك  ، قالت: يا هذا ، عليك بنفسك في طلب رغبتك  ، فإني قد قدّمتُ رغبتـي إلى من ليس يجهلُ بُغيتـي وحوّلتْ وجهَها عني ، وأقبلتْ على بكائها وشعرِها . (14)

وهذه قصّةٌ أخرى من قصص الحب لم يمت بطلها ، هذه المرّةُ ، إنّما كان له شأن مع الخليفة الأمويِّ الأوّل ، الصحابي الجليل معاويةَ بنِ أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ .

حكى أبو الفرج ، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزيِّ في كتابه المترجَمِ بذمِّ الهوى ، بسندٍ رفعَهُ إلى هشام بنِ عُروَةَ ، قال: أَذِنَ مُعاويةُ بنُ أبي سفيانَ يوماً للناس ، فكان فيمن دخل عليه فتًى من بنـي عُذرةَ . فلمّا أخذ الناسُ مجالسَهم ، قام الفتى العُذريُّ بين السِماطين فأنشأ يقول:

مُعاويَ ، يا ذا الفضلِ والحلمِ والعقلِ

وذا البرِّ والإحســـان والجود والبذل

أتيتُك لمـّـــا ضاق في الأرض مَسْكني

وأنكرتُ ممّــا قــد أُصِبْتُ به عقــلي

ففـــــــرَّجْ ـ كلاك الله ـ عنِّي فإنني

لَقيتُ الذي لم يَلْقَهُ أحــــــــــدٌ قبلي

وخُذْ لي ـ هَداك الله ـ حقِّي مِن الذي

رماني بسهمٍ كان أهونَـــــــــــه قتلي

وكنتُ أُرجّي عَــــــــدلَه حين أتيتُـه

فأكثر تردادي مــــــع الحبسِ والكَبْلِ

سبــاني سُعدى وانبرى لخُصومتــي

وجــارَ ولم يَعدِلْ وغــــــاصبنـي أهلي

فطلَّقتُهـــــا مِنْ جَهْدِ ما قد أصابني

فهــــــذا أميرَ المؤمنين من العــــدلِ ؟

فقال معاويةُ ـ رضي الله عنه ـ : ادْنُ بارك الله عليك ، ما خَطبُك ؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، إننـي رجل من بنـي عُذرةَ ، تزوجتُ ابنةَ عمٍّ لي . وكانت لي صَرمةٌ من الإبِلِ وشُويهاتٌ ، فأنفقتُ ذلك عليها ، فلمّا أصابتني نائبةُ الزمان وحادثاتُ الدهر ، رغِبَ عني أبوها .

وكانت جاريةً فيها الحياءُ والكرمُ ، فكرهتْ مخالفةَ أبيها . فأتيت عاملَك مروانَ بنَ الحكمِ مُسْتَصْرِخاً به راجياً لنُصرتِهِ . فذكرتُ له قصّتي ، فأحضرَ أباها وسألَه عن قضيّتي . وكان قد بلغه جمالهُا ، فدفع لأبيها عَشَرةَ آلافِ درهمٍ ، وقال له: هذه لك وزوّجني بها وأنا أضمن خلاصَها من هذا الأعرابيّ ، فرَغِبَ أبوها في البذلِ فصار الأميرُ لي خصماً وعليّ منكَراً ، فانتهرني ، وأمرَ بي إلى السجنِ ، وأرسل إليّ أنْ أُطلِّقَها فلم أَفعلْ . فحبَسَنـي وضيَّق عليّ وعذَّبنـي بأنواع العذاب ، فلمّا أصابنـي مَسُّ الحديدِ وألمُ العذابِ ولم أجدْ بُدّاً عن ذلك ، طلقتُها . فما استكملتْ عدَّتها حتّى تزوَّج بها . فلما دخلَ بها أرسلَ إليّ فأطلقني . وقد أتيتُك يا أميرَ المؤمنين مُستجيراً بك ، وأنت غياثُ المكروب ، وسند المسلوب . فهل من فرج ؟ وبكى وقال في بكائه:

في القـــلب منِّي نارُ                                والنارُ فيها اسْتِعــارُ

والجسم منِّي نحيلٌ                                 واللونُ فيـه اصفـرارُ

والعينُ تبكي بِشَجْوٍ                                 فدمعُها مِـــــــدرارُ

والحبُّ داء عســيرٌ                                 فيـه الطَّبيبُ يَحـارُ

حُمِّلت منه عظيمــاً                                 فمـــا عليه اصطبارُ

فليس ليلي ليـــــلٌ                                 ولا نهــــاري نهارُ

فرقَّ له معاويةُ وكتب إلى ابنِ الحكم كتاباً غليظاً ، وكتب في آخره :

رَكِبْتَ أمــراً عظيماً لستُ أعرفــه

أستغفر الله من جَوْرِ امـرئٍ زاني

قد كُنت تُشبــه صُوفياً له كُتـبٌ

من الفــــرائض أو آيات فرقـانِ

حتَّى أتانا الفتى العذريُّ منتحباً        يشكو إليّ بحقٍّ غيرِ بُهتــــــانِ

أُعطي الإله عهوداً لا أخيس بها        أو لا فبرِّئتُ من دينٍ وإيمــــانِ

إن أنت راجعتني فيما كتبت به        لأجعلنَّك لحماً بين عُقبــــــانِ

طلِّق سُعادُ ، وجهزهـــا معجَّلةً        مع الكُميتِ ومع نصرِ بنِ ذُبيانِ

فما سمعتُ كما بُلِّغْتُ من عجب        ولا فِعالُكَ ـ حَقّاً فعلَ ـ إنســانِ

ثم طوى الكتابَ ودَفَعَه إلى الكُميتِ ونصرٍ بنِ ذُبيانَ وقال: اِذهبا به إليه .قال: فلمّا وَرَدَ كتابُ معاويةَ على ابنِ الحكمِ وقرأه تَنَفَّسَ الصُعَداءَ وقال: وَدِدْتُ أنَّ أميرَ المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنةً ثمّ عَرَضني على السيفِ وجعلَ يؤامِرُ نفسَه في طلاقِها فلا يَقدِر .

فلما أزعجه الوفدُ طلَّقها وأسْلَمها إليهما . فلمّا رآها الوفدُ على هذه الصورةِ العظيمةِ وما اشتملت عليه من الجمال المُفرِطِ ، قالوا: لاتصلح هذه إلا لأمير المؤمنين .

وكَتَبَ ابنُ الحكم كتاباً لأمير المؤمنين معاويةَ ، ودفعه إليهما مع الجارية . فكان مما كتب فيه يقول:

لا تَحْنَثَنَّ أميرَ المؤمنــــــين فقـــــد

أوفي بعهــدِك في رفقٍ وإحســـــــانِ

وما ركبت حرامــــاً حين أعجبنــي

فكيف سُمِّيت باسم الخائن الزاني ؟

أُعْــذرْ فإنّك لو أَبْصَرْتَهـــــا لَجَـرَتْ

منك الأمــاني على تمثـــال إنســانِ

وسوف تأتيك شمسٌ ليس يَعْدِلهُــــا

عند البريَّة من إنْسٍ ومِنْ جــــــــانِ

حوراء يقصُرُ عنها الوصفُ إنْ وُصفتْ

أقول ذلك في سِــــــــــــرٍّ وإعــــلانِ

فلما ورد الكتابُ على معاوية وقرأه ، قال: لقد أحسن في الطاعة ، ولكن أطنب في ذكر الجارية ولئن كانت أُعطيتْ حسنَ النَّغمة مع هذا الوصف الحَسَنِ فهي أكملُ البريّة ، فأمر بإحضارها ، فلما مَـثُـلَت بين يديه، استنطقها فإذا هي أحسنُ الناس كلاماً وأكملُهم شكلاً ودَلالاً . فقال ممازحاً: يا أعرابيّ ، هذه سُعدى ولكن هل لك عنها من سلوةٍ بأفضلِ الرغبة ؟ قال: نعم إذا فرَّقتَ بين رأسي وجسدي . فقال: أُعوِّضُك عنها يا أعرابيّ بثلاثِ جوارٍ ومع كلِّ واحدةٍ ألفُ دينار ، وأَقسِم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويُعينُك على صحبتهنّ . فشهَقَ شهقةً ظنّ معاويةُ أنّه مات . فقال له: ما بالك يا أعرابيّ ؟ قال: أَشَرُّ بالٍ وأسوأُ حالٍ ، استجرتُ بعدلِك مِن جَورِ ابنِ الحَكَمِ فعِندَ مَنْ أَستجيرُ من جَوْرِك ؟ ثم أنشأ يقول :

لا تجعلَنّيَ والأمثالُ تُضرَبُ بي        كالمستغيث من الرَّمضـاء بالنارِ

أُرْدُدْ سُعادَ على حيرانَ مكتئبٍ         يُمسي ويصبــح في همٍّ وتَذكارِ

قـــــــــد شفَّه قلقٌ ما مثله قلقٌ         وأُسْعِرَ القلبُ منْهُ أيَّ إسْعـــارِ

كيف السُّلوُّ وقد هام الفؤاد بها          وأصبح القلب عنها غير صبّارِ؟

قال: فقال معاوية: يا أعرابيّ ، أنت مقرٌّ بأنّك طلقتَها ومروانُ مقِرٌّ بأنّه طلّقها ، ونحن نخيّرها فإنْ اختارتْك أَعدْناها إليك بعَقْدٍ جديدٍ ، وإن اختارت سِواك زوّجناه بها . ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين ، يا سُعدى؟ أيّهم أحبُّ إليك ، أميرُ المؤمنين في عزِّه وشَرَفِه وسُلطانِه وما تَصيرين إليه عندَه ، أو مروانُ بنُ الحكم في عَسَفِهِ وجَوْرِه ، أو هذا الأعرابيُّ في فَقْرِهِ وسوءِ حالِه ؟ فأنشأت تقول :

هـــذا ، وإن كان في فقرٍ وإضرارِ       أعزُّ عندي من قومي ومن جاري

وصـاحبِ التَّاج أو مــروان عاملِه       وكلِّ ذي درهمٍ عندي ودينــــارِ

      ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين ، ما أنا بخاذلتِه لحادثةِ الزمان ولا لغدر الأيام ، وإنّ لي معه صحبةٌ لا تُنسى ومحبةٌ لا تَبلى ، والله إنّي لأحقُّ مَن صَبَرَ مَعَه على الضرّاءِ كما تَنَعَّمتُ معه في السرَّاءَ ، فعَجِبَ كلُّ من كان حاضراً . فأمرَ له بها ثم أعادها له بعقد جديد ، وأمر لهما بألف دينار . فأخذها وانصرف يقول:

خلُّوا عن الطريق للأعــــرابي            ألم تَرِقُّوا ، ويحَكم ، ممّا بي؟

قال: فضحك معاويةُ وأمر بها فأُدخلت في قُصورِهِ حتى انقضتْ عُدَّتُها من ابنِ الحَكَم ثمّ أمرَ برفعِها إلى الأعرابي . (15)

وكان لعاشق آخر حكاية أخرى مع عبد الملك بن مروان بعد أن أصبح أميراً للمؤمنين ، فتى أخذ منه العشق لبّه ، وأرهف أحاسيسَه وقلبَه حتى إنّه ليُغمى عليه بصوت حسنٍ ومعنًى رقيق ، وقد بلغ حتفَه برِقّةِ قلبِه ورَهافةِ حسِّه . ذلك ما رُوي عن أبي ريحانةٍ (أحدِ حجّابِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ)  أنّه قال: كان عبدُ الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوساً عامّاً للناس: فبينما هو جالسٌ في مستشرَفٍ له وقد أُدخلت عليه القُصَصُ ، إذ وقعتْ في يده قُصَّة غير مترجمة . فيها : إنْ رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريتَه فلانة بأن تُغنّيَنـي ثلاثةَ أصواتٍ ثم يُنْفِذ فيَّ ما شاء من حُكْمِهِ ، فَعَل . فاسْتشاطَ من ذلك غَضباً وغَيظاً وقال: يا رَباحُ عليّ بصاحبِ هذه القُصّةِ فخرج الناسُ جميعاً فأُدْخِلَ عليه غلامٌ  من أحسن الفتيان ، فقال له عبد الملك : يا غلام ، هذه قصّتك ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ، قال: وما الذي غرّك منّي ؟ والله لأمثِّلَنَّ بِكَ ولأَرْدَعَنَّ بك نظراءك من أهل الجسارة ، ثم قال: عليّ بالجارية فجيء بها كأنها فُلْقَةُ قمرٍ وبيدِها عُودُها ووُضع لها كرسيّ ، فجلست ، فقال عبد الملك: مُرْها يا غُلام فقال لها : يا جارية ، غنّينـي بشعر قيسٍ بنِ ذَريح:

لقد كنتَ حِبَّ النفس ، لو دام وُدِّنا

ولكنّمــا الدنيا مَتاعُ غُــــــــــــرورِ

وكنَّـا جميعاً قبل أنْ يَظهر الهـــوى

بأنعمَ حـالَيْ غِبْطــــةٍ وســــــــــــرورِ

فما بـــــرِح الواشون حتَّى بدت لنا

بُطونُ الهوى مقــلـــــــــــوبةً لظهورِ

فغنّت . فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقاً ، ثم قال له عبد الملك : مُرْها تُغَـنِّكَ الصوتَ الثاني فقال ، غنّيني بشعر جميل:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلــــــةً

بوادي القُـرى إني إذاً لسعيـــــــدُ

إذا قلتُ: مــا بي يا بثينة قاتــلي

من الحُبِّ قالت: ثابتٌ ويَـــــزيدُ

وإن قلت رُدِّي بعض عقلي أَعِشْ به

مع الناس قالت: ذاك منك بعيـدُ

فلا أنا مَردودٌ بمـــــــا جئتُ طالباً

ولا حِبُّها ـ فيمـا يُبيدُ ـ يَبيــــــدُ

يموت الهوى منِّي إذا ما لقيتهــــــا

ويحيا إذا فارقتُهــــــا فيعــــــــودُ

فغنّت الجارية . فسقط الغلام مغشياً عليه ساعة . ثم أفاق ، فقال له عبد الملك : مرها فلتغنك الصوت الثالث فقال يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوّح :

وفي الجيرة الغادين من بطن وَجْرةٍ       غـــزالٌ غضيضُ المقلتين ربيبُ

فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى       ولكنَّ مَن تنـــــأين عنه غريبُ

فغنّته الجارية ، فطرح نفسه من المستشرف ، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض . فقال عبد الملك : ويحه لقد عجّل على نفسه ، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل. وأمر بإخراج الجارية عن قصره ، فأخرجت . ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب ، لا يعرف إلا أنّه منذ ثلاث ينادي في الأسواق ، ويدُه على رأسه:

غداً يكثر الباكون منّا ومنكم               وتزداد داري من دياركمُ بُعدا

                                                                  (16)

وهذه قصة في العشق والبطولة والفروسيّة ، يرويها واحد من فرسان العرب المعدودين الصحابيُّ الجليل عَمرو بن معدَ يكرِبَ الزبيدي لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ .

روى عن الشعبـيُّ قال: دخل عمرو بن معد يكرب على الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب ، فقال له: يا عمرو أخبرني عن أشدِّ مَن لَقيتَ ، فقال: نعم يا أميرَ المؤمنين:

خرجت مرّة أريدُ الغارة . فبينما أنا أسير إذا أنا بفرسٍ مشدودٍ ورمحٍ مركوزٍ ، وإذا رجلٌ جالسٌ ، وهو كأعظم ما يكون من الرجالِ خَلْقاً ، وهو مُحْتَبٍ بسيفٍ . فقلتُ له: خذْ حِذْرَك فإنّي قاتلُك ، فقال: ومَن أنت ؟ قلت: أنا عمرُو بنِ مَعْدِ يَكرِبَ ، فشهق شهقةً فمات . فهذا أجبنُ مَنْ رأيتُ يا أمير المؤمنين .

وخرجتُ يوماً حتى انتهيتُ إلى حيّ . فإذا أنا بفرس مشدودٍ ورمحٍ مركوزٍ ، وإذا صاحبُه في وَهْدَةٍ يقضي حاجةً . فقلتُ: خُذْ حِذْرَك فإنّي قاتلُك، قال: مَن أنت ؟ قلتُ: أنا عمرو بن معد يكرب ، قال: أبا ثور ، ما أنصفتَنـي ، أنتَ على ظهرِ فرسِك ، وأنا في بئر ، فأعطِنـي عهداً أنّك لا تقتُلَنـي حتى أركبَ فرسي وآخذَ حِذْري ، فأعطيتُه عهداً أنْ لا أقتلَه حتى يركب فرسَه ويأخذ حِذْرَه . فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه وجلس . فقلت له: ما هذا ؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك ، فإن نكثتَ عهدَك فأنتَ أعلم  فتركـتُه ومضيت .

فهذا يا أمير المؤمنين أَحْيَلُ مَنْ رأيت ، ثم إنّي خرجتُ يوماً آخرَ حتى انتهيتُ إلى موضع كنت أقطع فيه . فلم أرَ أحداً فأجريتُ فرسي يميناً وشمالاً فظهر لي فارس . فلما دنا منـي إذا هو غلامٌ قد أقبل من نحو اليمامة . فلمّا قرُب منّـي سلَّم فرددتُ عليه وقلت: مَن الفتى ؟ قال: أنا الحارث بن سعد فارس الشهباء ، فقلت له: خُذْ حِذْرَك ، فإني قاتلُك فقال: الويلُ لكَ مَن أنت ؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب ، قال: الحقير الذليل؟ والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارُك ، فتصاغرتْ نفسي إليّ وعظُم عندي ما استقبلنـي . فقلت له: خُذْ حِذْرَكَ ، فو الله لا ينصرف إلاّ أحدُنا ، قال: اغْربْ ، ثكلتكَ أمُّك فإنّي من أهل بيت ما نكِلْنا عن فارس قطّ ، فقلت: هو الذي تسمع ، قال: اختر لنفسك ، إمّا أنْ تَطرُدَ لي، وإمّا أنْ أَطرُدَ لك ، فاغتنمتُها منه ، فقلت: اِطرُدْ لي ، فأطْرَدَ وحملتُ عليه ، حتى إذا قلتُ إنّي وضعتُ الرمحَ بين كتفيه ، إذ هو قد صار حِزاماً لفرسِه { أي التفّّ على بطنها }، ثم اتّبعنـي فقرع بالقناةِ رأسي وقال: يا عمرو ، خُذْها إليك واحدة ، فو الله لولا أنّي أَكرهُ قتلَ مثلَك لقتلتُك  فتصاغرت إليّ نفسي ، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحبَّ إليّ مما رأيت ، فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدُنا ، فقال: اختر لنفسك فقلت: اطردْ لي ، فأطرد لي . فظننت أني قد تمكنت منه واتّبعتُه حتى إذا ظننتُ أنّي قد وضعتُ الرمح بين كتفيه ، فإذا هو قد صار لَبياً لفرسه {أي التفّ حول عنقها} ، ثم اتّْبَعني فقرع رأسي بالقناة وقال: يا عمرو ، خذها إليك اثنتين ، فتصاغرت إليّ نفسي فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال: اختر لنفسك ، فقلت: اطرد لي ، فأطرد حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض ، فأخطأتُه ومضيت ، فاستوى على فرسِه واتّبعني فقرع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو ، خذها إليك ثالثة ، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك ، فقلت له: اقتلنـي ، فإن الموتَ أحبُّ إليّ ممّا أرى بنفسي وأن تسمع فتيانُ العرب بهذا ، فقال: يا عمرو إنمــــــا العفو ثلاث ، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك ، وأنشأ يقول:

وكَّدْتُ أغلاظاً من الأيمــــــــانِ         إن عدتَ يا عَمْرُو إلى الطِّعـــانِ

لتُوجَرَنَّ لَهَبَ السِّنـــــــــــــان         أو، لا ،فلستُ مِن بني شيبانِ

فلما قال هذا ، كرهت الموت ، وهِبْتُه هيبةً شديدةً ، وقلت: إنّ لي إليك حاجة ، قال: وما هي ؟ قلتُ: أكون لك صاحباً ـ ورضيتُ بذلك يا أمير المؤمنين ـ قال: لستَ مِن أصحابي ، فكان ذلك والله أشدَّ عليَّ وأعظم مما صَنَع . فلم أزلْ أطلبُ نهايةً إليه حتى قال: ويحك ، وهل تدري أين أريد ؟ قلتُ: لا ،قال: أريد الموت عياناً ، فقلت: رضيتُ بالموت معك ، فقال: امضي بنا ، فسرنا جميع يومنا وليلتِنا حتى جنَّنا الليلُ وذهب شطرُه . فورَدْنا على حيٍّ من أحياء العرب ، فقال لي: يا عمرو في هذا الحيِّ الموت ، ثم أومأ إلى قُبّةٍ في الحيِّ فقال: وفي تلك القُبّة الموتُ الأحمر ، فإمّا أنْ تمسك عليّ فرسي فأنزل فأتي بحاجتي، وإمّا أن أمسك عليك فرسُك فتنزل فتأتيني بحاجتي ، فقلت: لا ، بل انزل أنت ، فأنت أعرف بموضع حاجتك  ، فرمى إليّ بعِنان الفرس ونزل ، فرضيتُ لنفسي ـ يا أمير المؤمنين ـ أن أكون له سائساً .

ثم مضى حتى دخل القبّة فاستخرج منها جاريةً لم تَرَ عيناي قطُّ مثلها حسناً وجمالاً ، فحملها على ناقةٍ ، ثم قال: يا عمرو ، قلت: لبيك ، قال: إمّا أنْ تحميَني وأقودُ أنا ، وإما أن أحميَك وتقود أنت ، قلت: بل تحمينـي أنت ، وأقود أنا ، فرمى إليّ بزمام الناقة ، وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتى أصبحنا ، فقال لي: يا عمرو ، قلت: لبيك ، ما تشاء ؟ قال: التفتْ فانظُرْ هل ترى أحداً ؟ قال: فالتفت ، فقلت: أرى جمالاً ، قال: أَغِذّ السيرَ ، ثم قال لي: يا عمرو ، قلت: لبيك ، قال: انظر ، فإن كان القوم قليلاً فالجَلَدُ والقُوَّةُ والموت ، وإن كانوا كثيراً فليسوا بشيء ، قال: فالتفتُّ ، فقلتُ : همْ أربعةٌ أو خمسةٌ ، قال: أَغِذَّ السير ، ففعلت ، وسمعَ وقعَ الخيل ، فقال لي: يا عمرو ، قلتُ: لبّيك قال: كن عن يمين الطريق ، وقِفْ وحوّلْ وجوهَ دوابّنا إلى الطريق ، ففعلت، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارِها . ودنا القوم منّا ، فإذا هم ثلاثة نَفَرٍ فيهم شيخ وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان ، فسلموا فرَدَدْنا السلام ، ووقفوا عن يسار الطريق . فقال الشيخ: خَلِّ عن الجارية يا ابن أخي ، فقال: ما كنت لأخلّيَها ، ولا لهذا أخذتُها ، فقال: لأَصغرِ ابنَيْه: اخرجْ إليه ، فخرج وهو يجرّ رِمحَه ، وحمل عليه الحارثُ وهو يقول:

من دون ما ترجوه خضبُ الذابلِ

من فارسٍ مستلئمٍ مقـــــــــاتلِ {مستلئم :أي لابس عُدّةَ الحرب }

ينمي إلى شيبـــــان خيرِ وائـلِ

ما كان سيرى نحوها بباطــــلِ

ثم شدَّ عليه فطعنه طعنةً دقَّ منها صُلبَه ، فسقط ميتاً . فقال الشيخ

لابنه الآخر: اخرج إليه يا بنـيَّ ، فلا خير في الحياة على الذُلِّ ، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول:

لقد رأيت كيف كانت طعنتي

والطعنُ للقِــرن الشديد همَّتي

والموت خيرٌ من فـراق خلّتي

فقتلتي اليوم ولا مَذلَّـتـــــي

      ثم شدّ عليه فطعنه طعنةً سقط منها ميتاً . فقال له الشيخ: خلِّ عن الظعينة يا ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت ، قال: ما كنتُ لأخلِّيها ولا هذا قصدتُ ، فقال له الشيخ: اختر يا ابن أخي ، فإن شئتَ طاردتُك ، وإن شئتَ نازلتُك ، فاغتنمها الفتى ونزل . ونزل الشيخ وهو يقول:

ما أرتجي بعدَ فناءِ عُمـري ؟

سأجعل السِّنتين مثلَ الشهرِ

شيخٌ يحامي دون بيضِ الخِدرِ

إن استباح البِيضُ قصمَ الظَّهرِ

سوف ترى كيف يكون صـبري

فأقبل الحارث وهو يقول :

بعد ارتحالي وطويل سَفْري

وقد ظفرتُ وشفيتُ صَـدري

والموتُ خيرٌ من لِباسِ الغدرِ

والعارَ أُهديه لحيِّ بكرِ

ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي ، إن شئت نازلتك ، وإنْ بقيتْ فيك قوةٌ ضربتنـي ، وإن شئتَ فاضربْني ، فإن بقيتْ فيَّ قوةٌ ضربتُك ، فاغتَنمَها الفتى فقال: أنا أبدؤك قال: هات ، فرفعَ الحارثُ السيفَ ، فلما نظر الشيخ أنّه قد أهوى به إلى رأسه ، ضرب بطنَ الحارثِ ضربةً فَقَدَّ مِعاه ، ووقعتْ ضربةُ الحارثِ في رأس الشيخ . فسقطا ميّتين . فأخذتُ ، يا أميرَ المؤمنين ، أربعةَ أفراسٍ وأربعةَ أسيافٍ ، ثم أقبلتُ إلى الناقةِ فعقدتُ أعنّةَ الأفراسِ بعضَها إلى بعض وجعلتُ أَقودُها . فقالت الجارية: يا عمرو ، إلى أين ؟ ولستَ لي بصاحب ، ولستَ كمن رأيت ، ولو كنتَ صاحبـي لسلكتَ سبيلَهم فقلت: اسكتـي ، قالت: فإن كنتَ صادقاً فأعطني سيفاً ورمحاً ، فإن غلبتنـي فأنا لك وإن غلبتُك قتلتُك ، فقلت لها: ما أنا بمعطيك ذلك ، وقد عَرَفْتُ أصلَك وجُرأةَ قومِك وشجاعتَهم ، فَرَمَتْ بنفسها عن البعير وهي تقول:

أ بعـدما شيخي وبعد إخوتي

أطلب عيشاً بعدَهمْ في لَذَّةِ ؟

هلاّ تكون قبـل ذا منيَّتي ؟

وأَهْوَتْ إلى الرُّمح فكادت تنتزعه من يدي . فلما رأيتُ ذلك خفتُ إنْ هي ظفرت بي أنْ تقتلني ، فقتلتُها . فهذا أشدُّ ما رأيتُه يا أمير المؤمنين . فقال: عمر بن الخطاب: صدقتَ يا عمرو . (18)

ومنهم هذا العاشق الذي لم يعرف اسمه والذي قتل الأسدُ حبيبتَه ، وهي في طريقها إليه ، فما كان منه إلاّ أن مات ودفن إلى جانبها بعد أن ثأر لها من الأسد ، وقصّتُه كما رواها جَبَلةُ بنُ الأسود ، قال: خرجتُ في طلب ضالةٍ لي ، فوقعتُ على راعٍ عنده غنم يرعاها ، وقد اتخذ بيتاً في كهف هناك، فسألتُه القِرى فرحّب بي وأنزلنـي ، ثم جاء بشاةٍ فذبحها ، وجعل يشوي ويقدّم إليَّ ويحادثنـي حتى اكتفيتُ . فلمّا جَنَّ الليلُ إذا بفتاة كأحسنِ ما يكون من النساء قد أقبلت إليه ، فجلسا يتحادثان حتى طلَعَ الفجر، فمضتْ وسألتُه الذهاب فأبى ، وقال الضيافة ثلاث فأقمت ، فلما جاء الليلُ رأيته يقوم ويقعد متضجراً ثم أنشد:

ما بال (ميّة) لا تأتي كعادتهـــا       أعاجها طرب أم صُدّهــــا شُغُلُ

لكنّ قلبي عنكم ليس يَشْغَلُــــــهُ       حتى الممات وما لي غيركم أملُ

لو تعلمين الذي بي من فراقكــم        لمَا اعتذرتِ ولا طابتْ لكِ العِلَلُ

نفسي فداؤك قد أحْلَلْتِ بي سَقَماً         تكاد من حَرِّهِ الأعضــــاءُ تنفصـلُ

لو أنَّ غاديةً منــــه على جبـــلٍ         لمَادَ و انْهـَدَّ مِن أركانِهِ الجــبـــلُ

فسألته عن شأنه فقال: هذه ابنة عمي وأنا أحبّها فخطبتُها من عمّي فأبى عليَّ لفَقري وزوَّجها من رجلٍ ، وقد حمَلَها إلى هذا الحيِّ فخرجتُ عن مالي ، وعمِلتُ راعياً لهم ، فهي تأتيني على غفلة من زوجها ، فأنظر إليها ونتحادث ليس غيرَه ، والآن قد قلقت لفوات ميعادها ، وفي الطريق أسدٌ قد كَسَرَ ، وأخاف أن يكون أصابها ، فعلى رِسْلِك حتى أعودَ ، وأخذ السيف ومضى قليلاً ، ثم عاد يحملها وقد أصابها الأسدُ ، فطرحَها ثم غاب ورَجَع يجُرُّ الأسدَ مقتولاً ، فطرحه ، وانكبَّ يقبِّلُها ويبكي ، ثمّ قال: لي أسألك بالذمّة إلا ما دفنتني وإياها في هذا الثوب ، وكتبتَ على القبر هذا الشعر ، فإنّي لا بقاءَ لي بعدَها ، ثم انكبَّ عليها فإذا هو ميْتٌ .

وقيل انكبَّ على السيف فخرج من ظهره . وفي رواية ونمنا إلى الصباح فوجدتُه ميتاً فلففتُهما ودفنتُهما وكتبتُ على القبر الشعر الذي أوصى به وهو:

كنّا على ظهرِها والدهرُ في مَهَلٍ          والعيشُ يجمعنا والدارُ والوطـنُ

ففرّق الدهرُ بالتصريفِ إلْفَتَنـــا           فاليوم يجمعُنا في بطنِها الكفنُ

ثم فرّقتُ الغنمَ ومَضَيْتُ إلى عمّه فأخبرتُه بذلك فكاد أن يقضي أسفاً، على عدم الجمع بينهما . (19)

وهذا ابن ملك المناذرة يهوى ابنة عمّه ويحول أبوها بينهما حتى يكون هذا العشق سبباً لهلاكهما ، وهو عمرٌو بنِ كعبٍ بنِ النعمانَ ابنِ المنذرِ بنِ ماءِ السماءِ ، ملكِ العربِ المشهور ، قال ابنُ عساكر: وكان من فرسانِ العربِ وحماتِها وكرمائِها وشجعانِها ، وإنَّ جَدَّهُ النعمانَ صاحبَ الخُوَرْنقِ (اسم قصر بناه النعمان كان على غاية من الجمال والعظمة) هو الذي كفِلَه حين مات أبوه وهو صغير ، فلمّا زهد النعمان في الملك ، كما هو مشهور ، ضاع أمرُ الغلام . فأخذه عمُّه أبو النِجاد ، فلما بلغ عنده وكان له بنتٌ تُعرف بالعَقيلة ، وهي من أجملِ نساءِ العرب وأعلمِهنَّ بالأدبِ وأحوالِ العرب ، أياماً ووقائعَ ، فعَلِقت نفسُ عمرٍو  بها ، واشتّد وُلوعُهُ وزادَ غرامُه ، وخطبَها إلى عمّه فطلب منه مهْراً يَعْجِزُ عنه ، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى (اِبرويزَ)  بنِ كسرى ، لِما كان بين جدودهما من الوصلة .

فلما ذهب في الطريق مرَّ بعرّافٍ ، فبات عنده فاستعلم منه الأمرَ ، فأخبره أنّه ساعٍ فيما لا يُدْرِك ، فعاد فوجدَ عمّه قد زوّج العقيلةَ لفَزاريٍّ ، فهام على وجهه إلى اليمامة ، فلما بنى بها الفَزاريّ ـ وكان عندها من العشق لعمرو أضعافُ ما عنده لها ـ فكانت تَشُدُّ الفَزاريَّ إذا جَنَّ الليلُ إلى كَسْرِ البيتِ وتَبيتُ في الخِدْر ، فإذا أصبحَ الصبحُ تُطْلِقُهُ فيَسْتَحيي أنْ يخبرَ العربَ بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلةً .

فلمّا كَثُرَ توبيخُ العربِ له واختلافُ ظُنونِهم به ، خرج لا يَدري أين ذهب ، وأقامت العقيلة ببيتِ أبيها لا تتناول إلاّ الأقلَّ مما يمُسك الرمقَ ، ودأبُها البُكاء على عمرو وهو كذلك ، ولم يمكنْهما الاجتماعُ . قال الغِربابيّ في {عجيب الاتّفاق في تطابق أحوال القيامة} فمرض عمرٌو  مرضاً كاد أن يأتي على نفسِهِ ، فكان لا يُرى إلاّ شاخصاً إلى السماء ، متمسّكاً بسببٍ قد عَلَّقَه بيديْه من العِشاءِ إلى الصباح وهو ينشد:

إذا جَنَّ ليلي فاضت العينُ أَدْمُعـــــاً

على الخَدِّ كالغُـدران أو كالسحائب

أَوَدُّ طُلوعَ الفجرِ والليــــــــــلُ قائلٌ

لــقد شُدَّتِ الأفـــلاكُ بعد الكواكبِ

فمــــا أسفي إلاّ على ذوبِ مهجتي

ولم أَدْرِ يومــــاً كيف حالُ الحبائبِ

فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقُه فوجدَه غاصّاً بالضحِكِ مستبشراً فسأله فقال:

لقد حدثتنـي النفسُ أنْ سوف نلتقي

ويُبْدَلَ بعد بَيْنِنــا بتــــــــــــداني

فقد آن للــدهرِ الخَـــــــؤون بانّـــهُ

لتأليف مـا قــــد كان يلتئمــــــان

ثم شهق شهقةً فاضت نَفْسُهُ فيها ، قال الغربابي فضبط اليوم الذي مات فيه فوجد موتُ عقيلةٍ في ذلك اليوم أيضاً . (20)

وأخرج المصنِّفُ عن ابنِ دريدٍ عن الفرزدق ، قال: خرجتُ في طلبِ غلامٍ آبِقٍ ، فلمّا صِرْتُ على ماءٍ لبني حنيفةَ جاءت السماءُ بالأمطارِ فلجأتُ إلى بيتٍ مِن جَريدِ النخلِ فيه جاريةٌ سوداءُ ، فأنزلتني فلم أَلبَثْ إلاّ ريثما أخذتُ الراحةَ وقد دخلتْ لي جاريةٌ كأنّها القمرُ ، فحيّتْ ثمّ قالت: ممن الرجلُ ؟ قلتُ: تميميٌّ . قالت: من أيّها قبيلةٍ ؟ قلت: مِن نَهْشَل بنِ غالبٍ، فقالت: إذاً أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنا          بيـتاً دعائمُــــــهُ أعَزُّ وأطولُ

بيتـاً زُرارةُ مُحْتَبٍ بفِنائـــــهِ         ومُجاشِعٌ وأبو الفوارس نَهْشَلُ

قلت: نعم ، قالت: قد هَدَمَهُ جريرٌ بقوله:

أخزى الذي سَمَكَ السماءَ مُجاشعاً

وأحــلَّ بيتَك بالحضيضِ الأوْهَــدِ

قال: فأعجبتني ، فلمّا رأت ذلك في عيني قالت: أين تَؤمُّ ؟ قلتُ: اليَمامةَ ، فتنفّست الصُعَداءَ ثمَّ قالت:

تَذَكَّرتُ اليمامـــةَ إنّ ذكري                بهــــا أهلَ المروءةِ والكرامَهْ

ألا فاسقِ المليكَ أجَشَّ جَوْناً                تجودُ بصحةٍ تلك اليمــامَـهْ

أُحَيي بالسلامِ أبا نجيــــدٍ                فأهلٌ للتَحيّــةِ والسلامَـــــهْ

قال: فأنِسْتُ بها فقلت: أَذاتُ خِدرٍ أمْ ذاتُ بَعْلٍ؟ فقالت:

إذا رَقَدَ النيــــامُ فإنّ عَمْـراً                  تُؤرِّقُهُ الهمومُ إلى الصبــاحِ

تُقَطِّعُ قلبَــه الذكرى وقلبي                   فلا هو بالخَليِّ ولا بِصـاح

سقى اللّه اليمامـةَ دارَ قومٍ                    بها عَمْرٌو يحِنُّ إلى الرَّواح

فقلت لها: مَن عَمرو؟ فأنشدت:

إذا رقد النيــــامُ فإنّ عَمْراً                       هو القمرُ المنـيرُ المستنيــــرُ

وما لي في التَبَعُّلِ من بَراحٍ                        وإنْ رُدَّ التَبَعُّلُ لي أسيـــرُ

ثم سكتت كأنّها تسمع كلاماً ، ثمّ أنشأتْ تقول:

يُخيّلُ لي أبا كعبَ بنَ عَمرٍو               بأنّك قد حُمِلْتَ على ســريرِ

فإن يــكُ هكذا يا عمرُو إني                مبكرةٌ عليـك إلى القبــــــورِ

ثم شهقت شهقة فماتت . (21)

قال الأخفش ، سعيد بن مَسعدة ، خرجتُ في طلب ضالّةٍ لي ، فوقفت على هذا البيت ، أو قال نَزَلنا على ماءٍ لِطيءٍ فإذا أنا بخيمةٍ منفردةٍ فقصدتُها، وأخرج الحكايةَ في نديمِ المسامرةِ عن أبي عمرٍو بنِ العَلاءِ عن تميميٍّ، فأسنَدَها إلى الأصمعيِّ ، وأخرج الدقّاقُ عن الأسديِّ أنّ المباشِرَ للحِكايةِ هو الأصمعيُّ ، وعلى كِلا التقديرين ، فمَحلُ الاتِّفاقِ أنّ الرجلَ حين انتهى إلى البيتِ ، رأى عجوزاً عليها بقيّةٌ من جمالٍ ساهيةً متفكِّرةً ، وفي كَسْرِ البيت شخصٌ كالخَيالِ مُسَجًّى ، عليْه قطيفةٌ . قال: فسألتُها عنه ، فقالت: هو ولدي وشأنُه كذا .. وأعادت القصّةَ ثم قالت: هل لك أن تَعِظَهُ ؟ فوعظتُه وزَهَّدتُه حتى قلتُ له: أنّها امرأةٌ كغيرِها ، ألا تَرى كيف يَقول كُثَيّرٌ؟:

هل وصـــلُ عَزَّةَ إلاّ وصلُ غانيةٍ        في وصلِ غانيةٍ مِنْ وَصْلِها خلفُ

فقال: هو مائقٌ (يعني أحمق) وأنا وامِقٌ {يعني صادق الألفة} فلستُ كهوَ  إنمّا أنا كأخي تميمٍ (يعنـي جميلَ بثينةٍ) حيث يقول:

ألا لا يَضيرُ الحُبُّ ما كان ظاهراً        ولكنَّ ما أخفى الفــــؤادُ يَضـيرُ

ألا قاتَلَ اللّهُ الهوى كيف قادني        كمــــا قِـيدَ مغلولَ اليدين أسيرُ

ثم أنشد:

ألا ما للمليحـةِ لا تعـــــــود            أبخلٌ بالمليحةِ أمْ صُـــــدود؟

مرضتُ فعــادني عُـوّادُ قـومي           فما لَكِ لم تُرَيْ فيمن يَعـــود؟

فقَدْتُكِ بينَهمْ فبكيتُ شوقــــاً            وفَقْدُ الإلْفِ يا أملي شديــــدُ

فلو كنتِ المريضةَ،لا تـــكوني            لَعُدْتُكُمُ ولو كَثُرَ الوعيــــــــدُ

ولا استبطأت غيرك فاعلميــه            وحولي من ذوي رَحِمي عديدُ

ثم فاضت نفسُه فجزعتُ ، فقالت العجوز: لا تخَفْ فقد استراحَ مما كان فيه ، ولكن إنْ أحببتَ كمالَ الصنيعةِ فانْعَهُ إلى الأبياتِ ، ففعلتُ ، فخرجت جاريةٌ عليها أَثَرُ العُرْسِ وهي أجملُ مَن رأيتُ فتخطَّتْ رقابَ الناسِ حتّى وقفتْ عليه فقبّلتْه وأنشدت:

عَداني أن أزورك يا مُنــــايا              مَعاشِـــــرُ كلهم واشٍ حَسودُ

أذاعوا ما علمتَ من الدواهي               وعـــــابونا وما فيهم رشيـدُ

فأمّــا إذْ حَلَلْتَ ببطنِ أَرْضٍ                وقصـرُ الناسِ كلِّهمُ اللُّحــودُ

فلا بقيتْ ليَ الدنيا فُواقاً*                 ولا لهمُ ولا أثَري عـديــــدُ

* فَواقُ الناقة وفُواقُها : هو الوقتُ مابين الحَلْبَتْين

ثم خرّت ميتةً ، فخرج شيخٌ وهو يقول: لئن لم أجمعْ بينَكما حيّين ، لأجمعنّ بينكما ميّتين ، ودفنَهما في قبر واحد . (22)

ومن هذه القصص الشهيرة قصة ليلى الأخيلية وعاشقها توبة الخفاجي، وهي طويلة نروي منها ما كان بين ليلى والحجاج لما فيها من فائدة نتوخّاها . فقد جاء في الأمالي لأبي عليٍّ القالي ، أنّ ليلى الأخيليّةَ دخلتْ على الحجّاج يوماً ، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسَه حتّى ظُنَّ أنّ ذقنَه قد أصاب الأرضَ ، فجاءت حتى قعدت بين يديه ، يقول الراوي: فنظرتُ فإذا امرأةٌ ، قد أَسَنَّتْ، حسنةُ الخَلْقِ ومَعَها جاريتان لها ، وإذا هي ليلى الأخيليّة ، فسألها الحجاجُ عن نَسَبِها فانتسبت له ؛ فقال لها:

      يا ليلى ، ما أتى بك ؟ فقالت: إخلافُ النجوم ، وقلةُ الغيوم ؛ وكَلَبُ البرد ، وشدّةُ الجَهْد ، وكنتَ لنا ، بعدَ الله،  الرِفْدَ . فقال لها: صِفي لنا الفِجاج ؛ فقالت: الفجاجُ مغبرَّةٌ، والأرضُ مُقْشَعِرّةٌ ؛ والمَبْركُ معتلٌّ ، وذو العيال مُخْتَلٌّ ، والهالكُ للقِلّ ؛ والناس مُسنتون ، رحمةَ الله يرجون ؛ وأصابَتْنا سُنون مُجْحِفَةٌ مبلِطةٌ ، لم تدع لنا هَبْعاً ، ولا ربعاً ولا عافطةً ولا نافطةً ؛ أذهبت الأموالَ ، ومزّقت الرجال وأهلكت العِيالَ ؛ ثم قالت: إني قلت في الأميرِ قولا ؛ قال: هاتي ؛ فأنشأت تقول:

أَحجّاجُ لا يَقلُلْ سلاحُكَ إنَّها الـــــ

ــمـنايا بكفِّ الله حيث تراهـــــا

إذا هبط الحجّاجُ أرضــــاً مريضــــةً

       تتبّع أقصى دائها فشفاهـــــــــــــا

شفاها من الداء العضال الذي بهــــا

غُلامٌ إذا هزَّ القنـــاةَ سقاهــــــــــا

سقاها فروّاها بشربِ سِجالِــــــــــه

دماءَ رجالٍ حيث مال حَثاهــــــــا

إذا سمــــع الحجّاج زرَّ كتيبــــــــةٍ

أَعَدَّ لهـــــــا قبل النزول قِراهـــــا

أعَدَّ لهـــــــا مسمومـةً فارسيّــــــــة

بأيدي رجــــال يحبسون صراهـــــا

فمـــــا وَلَدَ الأبكارُ والعُونُ مثلـــــــه

ببحر ولا أرضٍ يجفُّ ثراهـــــــــــا

فلما قالت هذا البيت قال الحجاج: قاتلها الله ! والله ما أصاب صفتي شاعرٌ مذ دخلتُ العراقَ غيرُها ، ثمّ التفت إلى عنبسة فقال: والله إني لأُعِدُّ للأمر عسى ألا يكون أبداً ؛ ثم التفت إليها فقال: حسبُك ؛ قالت: إني قد قلت أكثر من هذا قال: حسبك ! ويحك حسبك ! ثم قال: يا غلام ، اذهب إلى فلان فقل له: اقطع لسانها ؛ فذهب بها فقال له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها ؛ قال: فأمر بإحضار الحَجّام ، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمُّك ! أما سمعتَ ما قاله؟ إنّما أمرك أن تقطع لساني بالصِلَة ؛ فبعث إليه يستثبته؛ فاستشاط الحجاج غضباً ، وهم بقطع لسانه وقال: ارْدُدْها ، فلمّا دخلت عليه قالت: كاد وأمانةَ الله يقطع مِقْولي ، ثم أنشأت تقول:

حجّاج أنت ا لذي ما فوقه أحـــــــدُ

إلا الخليفةُ والمستغفَرُ الصَمَــــــــــدُ

حجّاجٌ أنتَ شِهابُ الحربِ إنْ لقحَتْ

وأنت للناس نورٌ في الدُجا يَقِــــــــدُ

ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير ، إلا أنّا لم نَرَ قَطُّ أفصحَ لساناً ، ولا أحسنَ محاورةً ، ولا أملَحَ وجهاً ، ولا أَرْصَنَ شِعراً منها ! فقال: هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة الخَفاجيُّ من حبها ! ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعضَ ما قال فيك توبة ؛ قالت: نعم أيها الأمير ، هو الذي يقول:

وهل تبكيَنْ ليلى إذا متُّ قبلهــا     وقام على قبري النساء النوائـــــحُ

كما لو أصاب الموتُ ليلى بكيتُها     وجاد لها دمعٌ من العين سافــــحُ

وأُغبَطُ من ليلى بما لا أَنالُـــــــه     بلى كل ما قرّت به العين طائـــح

ولو أنَّ ليلى الأخيليّــــةَ سلّمت     عليَّ ودوني جندل وصفائـــــــــح

لسلّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقــا      إليها صدى من جانب القبر صائـح

فقال: زيدينا من شعره يا ليلى ؛ قالت: هو الذى يقول:

حمامــــــــةَ بطنِ الواديين ترنّمي

سقاك من الغُرِّ الغوادي مَطيرُهـــا

أَبيني لنـا لا زال ريشُك ناعمـــــاً

ولا زلت في خضراءَ غضٍّ نَضيرُهـا

أبيني لنـــــا لا زال ليلى تبرقعت

فقد رابني منها الغداة سفورهـــــا

وقد رابني منها صدودٌ رأيتُـــــــه

وإعراضها عن حاجتي وسرورهــا

وأُشرفُ بالقُورِ اليَفـــــــــاع لعلّني

أرى نار ليلى أو يراني بصيرهـــا

يقول رجالٌ لا يَضيركَ نأيُهـــــــا

بلى كل ما شفَّ النفوسَ يَضيرهــا

بلى قد يَضيرُ العينَ أنْ تُكثرَ البُكا

ويمنع منها نومها وسرورهــــــــا

وقد زعمت ليلى بأني فاجــــــــر

لنفسي تُقاها أو عليها فجورهــــا

فقال الحجاج: يا ليلى ، ما الذي رآه من سفورك؟ فقالت: أيها الأمير، كان يُلِمُّ بي كثيراً ، فأرسلَ إليَّ يوماً إنّي آتيك  ؛ وفطِنَ الحيُّ فأرصدوا له ؛ فلمّا أتاني سَفَرْتُ عن وجهي ؛ فعلمَ أنَّ ذلك لشرٍّ ، فلم يَزِدْ على التسليم والرجوع  فقال: لله درك ! فهل رأيتِ منه شيئاً تكرهينَه ؟ فقالت: لا والله الذي أسأله أنْ يُصلِحَك ، غير أنّه قال مرّة قولاً ظننتُ أنّه قد خضع لبعض الأمر ، فأنشأت تقول:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تَبُحْ بها           فليس إليها ما حييت سبيــل

لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونَه          وأنت لأُخرى صاحبٌ وحليـلُ

فلا والله الذى أسأله أن يصلحك ، ما رأيت منه شيئاً حتى فرّق الموت بيني وبينه ؛ قال: ثم مَهْ ! قالت: ثم لم يلبث أن خرج فى غزاة له فأوصى ابن عم له: إذا أتيت الحاضر من بنى عبادة فناد بأعلى صوتك :

عفا الله عنها هل أبيتن ليلــــةً         من الدهر لا يسري إليَّ خيالُها

وأنا أقول:

وعنه عفا ربى وأحسن حالـــه          فعزّتْ علينا حاجةٌ لا ينالُهـــا

قال: ثم مَهْ ! قالت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه ؛ فقال: أنشدينا بعض مراثيك فيه ؛ فأنشدت:

لتبْكِ عليه من خَفاجَةَ نِسْوةٌ                   بماء شؤونِ العَبْرَةِ المتحَدِّرِ

ثمّ قال لها: فأنشدينا، فأنشدتْه:

كأنَّ فتى الفتيان توبــةَ لم يُنخْ        قلائصَ يَفْحَصْنَ الحَصى بالكراكر

فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي ـ وكان من جلساء الحجاج ـ من الذي تقول هذه هذا فيه ؟ فو الله إني لأظنُّها كاذبة ؛ فنظرت إليه ثم قالت: أيها الأمير ، إن هذا القائل لو رأى توبةَ لَسَرَّهُ ألاّ تكون فى داره عذراءُ إلاّ هي حاملٌ منه ؛ فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنتِ عنه غنياً ، ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطي ؛ قالت: أعطِ فمثلُك أعطى فأحسن ؛ قال: لك عشرون ؛ قالت: زد فمثلُك زاد فأجمل ؛ قال: لك أربعون ؛ قالت: زِدْ فمثلُك زاد فأكمل ؛ قال: لك ثمانون ؛ قالت: زد فمثلك زاد فتمم ؛ قال: لك مئة ، واعلمي أنّها غَنَم ؛ قالت: معاذ الله أيها الأمير ! أنت أجود جوداً ، وأمجدُ مجداً ، وأورى زَنْداً ، مِن أنْ تجعلَها غَنَماً ؛ قال: فما هي ويحَك يا ليلى ؟ قالت: مئةٌ من الإبلِ برعاتِه ؛ فأمر لها بها ، ثم قال: ألك حاجةٌ بعدَها ؟ قالت: تَدفع إليَّ النابغةَ الجَعديِّ قال: قد فعلت ، وقد كانت تهجوه ويهجوها ؛ فبلغ النابغةَ ذلك  ، فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك ؛ فاتّبعتْه إلى الشام ؛ فهرب إلى قتيبةَ بنِ مسلم بخُراسان ، فاتبعتْه على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فمات بقَوْمس .

وحكي: أنّه لما مات توبةُ ومضى على ذلك زمان وتزوجت محبوبتُه ليلى الأخيليّة ، مرت مع زوجها يوماً بقبر توبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله:

ولو أنّ ليلى الأخيليّةَ سلّمـــت           عليّ ودوني جَندلٌ وصفائــــح

لسلّمت تسليمَ البشاشةِ أوْ زَقا        إليها صَدًى مِن جانِبِ القبرِ صائحُ

فسلّمتْ عليه فنَدَّتْ هامَةٌ من ناحية قبرِهِ وصَرَخَتْ ، فنفرَ جملُها وسقطت فاندقَّ عُنُقُها فماتت فدُفِنت بجانبه. (23)

شرح بعض مفردات ليلى الأخيلية:

قوله القُور: أكوم التراب ، اليفاعُ المرتفعة . زَرَّ الشيءَ : جمعَه جمعاً شديدا ً. يَزُرُّ الكتائب بالسيف:  يشلها  ، قولها: إخلاف النجوم ، تريد: أخلفت النجوم التي يكون بها المطر فلم تأت بمطر . وكَلَبُ البَرْدِ: شِدَّتُه ، والرفد: المعونة، والرِفدةُ العطيّة ، ويقال: رفدته من الرفد وأرفدته إذا أعنته على ذلك، الفجاج :جمع فج، والفج ، كل سعةٍ بين نشازين،. وقولها: والمبرك معتل، أرادت الإبل فأقامت المبرك مكانها لعلم المخاطب إيجازاً واختصاراً ، كما قالوا: نهارُه صائم وليلُه قائم . وقولُها: وذو العِيالِ مختلّ، أي محتاج ، والخلة الحاجة . وقولها: والهالك للقِل،ّ أي من أجل القلة. وقولها: مسنتون، أى مقحطون، والسَنَة: القحط ، ومجحفة: قاشرة . وقولها: مبلطة، أى ملزقة بالبلاط، والبلاط: الأرض الملساء ، وهو الهالك الذي لا يجد شيئاً. والهيع: ما نتج في الصيف. والربع: ما نتج في الربيع. وقولها: ولا عافطة ولا نافطة، أي لم تدع لنا ضائنة ولا ماعزة، والعافطة، الضائنة: والعفط: الضرط، يقال: عفطت تعفط عفطاً إذا ضرطت، فهى عافطة. والنافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يقال: نفطت تنفط إذا عطست، فهي نافطة. القلاص : جمع قَلوص ، وهي الناقة الفتية طويلةُ القائم ، وهي أسرع الإبل . يفحصن : يَقْلِبْنَ . الكراكر الجماعات ، واحدتها كركرة .

وإتماماً للفائدة نختم هذا الباب بقصّةٍ قرآنيةٍ تدور أحداثها في قصر ملك مصر بين زوجه زُليخا ونبي الله يوسف بن يعقوب ـ عليهما السلام ـ وهي قصّةٌ مليئة بالعبر إضافة للتشويق والجذب .

حكيَ أنّ زُلَيْخا كانت من أجملِ النِساءِ ، وكانت بنتَ سلطانِ المَغْرب واسمُه طَيْموس فرأتْ ذات ليلةٍ في المنام غُلاماً على أحسنِ ما يكون من الحُسنِ والجمالِ ، فسألتُه عن اسمِه فقال: أنا عزيزُ مِصْرَ ، فلمّا استيقظتْ افتتنت بما رأت ، وأدّى ذلك إلى تَغيُّرِ حالها ، ولكنّها كتمت حالَها عن الناس دهراً .

      وكان قد خطبها عددٌ من الملوكِ فأبت إلاّ عزيزَ مصر ، فجَهَّزَها أبوها بما لا يحصى من العبيد والجواري والأموال وأرسلها إلى مصر ، فاستقبلَها العزيزُ بجمعٍ كثيرٍ في زينةٍ عظيمةٍ ، فلمّا رأتْه زُليخا فوجئت أنّه ليس الذي

رأتْه في المنامِ وأسقِطَ في يدها فأخذَتْ تبكى وتتحسّرُ على ما فات من المطلوب.

      ونزلت زُليخا في دارِ العزيزِ ، وكان العزيزُ عِنِّيناً لا يقدر على المواقعة فبقيت زُليخا بِكراً .

      ثمّ كان ما كان من حسدِ إخوةِ يوسُف وإلقائه في الجبِّ والتقاطِه من قِبَلِ أحدِ التُجّارِ وعرضه للبيع كعبدٍ رقيق في سوق النخاسة في مصر ، فلما رأتْه زُلَيْخا ، امرأةُ العزيز علمت بأنّه هو الذي رأته في منامها ، وطلَبَتْ من زوجها أنْ يَشْتريَه .

رُوي أنّ يوسُف كان يأوي إلى بُستانٍ في قصرِ زُليخا يَعبُد الله فيه ، وكان قد قَسَّمَ نهارَه ثلاثةَ أقسامٍ: ثًلُثاً لصلواتِهِ وثُلُثاً يَبكى فيه وثلثاً يُسبِّح اللهَ فيه ويَذْكُرُه ، فلمّا بَلَغَ مبلغَ الرجال جعلتْ زُليخا تُراودُه عن نفسِه وهو يهرُبُ منها إلى البستان ، فلمّا طال عليها الصدُّ ، ونارُ العِشقِ تتأجّجُ في صدرِها قرّرت أنْ تَبنى لهُ بيتاً مُزيَّناً بكلِّ ما تَقدر عليه من الزينة والطيب ليكون وسيلةً إلى صُحْبَةِ يوسف واستدْعَتْ مزيّنين فزيّنوه بكلِّ ما يمكن من الزينة ولما فرغ الصُنّاع والفنانون دَعَتْ العزيزَ فدخل القصرَ فأُعجب بَه غاية الإعجاب لكونه على أسلوبٍ عجيبٍ فريد ، واقترح عليها تسْميّتَه بيتَ السُرور ، ثم خرج فتزيّنت ولبست أحسن ما عندها ، وكانت بيضاءَ حسناءَ بين عينيها خالٌ يتلألأُ حُسْناً ولها أربع ذَوائبَ قد نظمتَها بالدر والياقوت وأرسلتْها على صدرِها ، وجاءوا بيوسف ، فلمّا دخل عليها في القسم الأوَّلِ من البيت غافلتْه وأَغلقتْ الأبوابَ وراودتْه عن نفسه بكل ما أوتيت من فتنة وحيلة ، ثم أدخلته في القسم الذي يليه فاغلقتْه أيضاً وراودته بكل ما يمكن فلم يستجب لها ، ودفعها لبعدها عنه ، إلى أن انتهيا إلى القسم السابع فاغلقته أيضاً وفعلت به كما فعلت في الأقسام السابقة وذلك قولُه تعالى ((وغلّقتِ الأبوابَ)) عليها وعليه وكانت سبعة أبواب ، ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل الدالّةِ على الكثرة (( وقالت:هَيْتَ لك )) وهَيْتَ: اسمُ فعلٍ معناه أَقْبلْ وبادِرْ . وفي قراءةٍ هِئْتُ لك أي تهيّأتُ لك ، واللامُ للبيانِ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ ، أي لك أقول هَيْتَ .

      و عن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان يوسف إذا تبسّم رأيتَ النورَ في ضواحكه ، وإذا تكلّم رأيتَ شعاع النور في كلِمه . فقالت له: يا يوسف إنّما صنعتُ هذا البيتَ المزيََّن من أجلك . فقال يوسف: يا زُليْخا إنّما دعوتِِني إلى حرام وحسبي ما فعل بي أولادُ يعقوب ، ألبسوني قميصَ الذُلِّ والحزنِ . يا زُليخا إني أخشى أنْ يصبح هذا البيتُ الذي سمّيْتِهِ بيتَ السرورِ أخشى أن يصبح بيتَ الأحزان والثُبورِ وبُقعةً من بِقاع جهنّم . فقالت زُليخا: يا يوسف ما أَجملَ عينيك . قال: هما أوّلُ ما يسيلُ إلى الأرضِ مِن جَسدي بعد الموت . قالت: ما أبهى وجهك . قال: هو للتراب . قالت: ما أَحسن شعرك . قال: هو أول ما ينتثرُ من جَسدي . قالت: إنّ فراش الحرير مبسوطٌ قمْ فاقضِ مني وطرَك . قال: إذاً يَذهب نصيبي من الجنة . قالت: إنَّ طَرْفي سكران في محبّتك ، فارفع طرفَك ومتِّعه بحسنـي وجمالي . قال: صاحبُك أحقُّ بحسنِك وجمالِك منّي ، قالت: هيتَ لك (( قال: معاذ الله )) و{معاذ} هو من جملة المصادر التـي ينصبُها العرب بأفعالٍ مُضْمَرةٍ ولا يُظهرونها ، كقولهم: سبحانَ اللهِ وغفرانَكَ اللهمَّ وعونَك {معاذ}أي أعوذ بالله مَعاذاً مما تَدعونَنـي إليه من عصيانٍ وخيانةٍ ثمّ علّل الامتناع بقوله ((إنّه)) أي العزيز ((ربي)) أي سيّدي الذي اشتراني (( أحسن مثواي )) أي أحسن تعهدي ورعايتـي وحيث أكرمنـي فما جزاؤه أن أسيء إليه بالخيانة في حرَمِهِ (( إنّه لا يفلح الظالمون)) . (( ولقد همت به )) الهمّ عقْدُ القلبِ على فعلٍ ، خيراً كان أوشرّاً ، أي همّت بمخالطتِه ومجامعتِه ، وعزمت عزماً جازماً على ذلك ، ولعلّها بادرت بأفعالٍ  من مثلِ بَسْطِ يَدِها إليه أو محاولةِ المعانقةِ وغيرِ ذلك مما اضطرّه إلى الهربِ نحو الباب (( وهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربّه )) أقول وبالله التوفيق وعليه السداد والتصويب ، لولا حرفُ امتناعٍ لوجود ، أي امتنع عن الهَمِّ بها لوُجودِ البرهان مسْبَقاً ، والبرهان هو الوحي الذي نزل عليه في الجب أوَ لم يقل: (( وأوحينا إليه لتنبّئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون )) وقد صِيغت الآيةُ (( وهمَّ بها لولا…)) في غايةٍ الإتقان وناصع البيان للدلالة على عظيم الفتنة وشدّة الإغراء ، فهي سيّدتهُ أوّلاً ومن عادة العبدِ المملوك أنْ يحرص على إرضاءِ سيِّدِهِ ومالِكِهِ أو سيّدَتِهِ طمَعاً بالحُظوةِ عندها ، وهما ـ ثانياً ـ في بيتٍ واحدٍ منفرديْن وراء سبعةِ أبوابٍ بعيدين عن أعين الواشين والرقباءِ ، بحيثُ لا يمكنُ لمخلوقٍ أنْ يطلع على ما يكون بينَهما ، في جوٍّ تأججت فيه العاطفة والتهب فيه القلب بالشوق وهو أمرٌ في غاية من الفتنة والإغراء ، فهي قبل ذلك وبعده امرأةٌ حسناء في منتهى الزينة والروعة والجمال ، وهو في ريعان الشباب وذروة ثورة الغريزة ، كلّ هذه المعاني ـ بما فيها من فتنة وإغواء وإغراء ـ اختصرته الآية الكريمة ((وهمَّ بها لولا .. )) فتنة لا يمكن الإفلات من شركها إلاّ لمن عصمه الله ، فهو لو لم يكن قد رأى برهان ربّه {الوحي} مسبقاً لكان همَّ بها ، وإنّما عُبّر عنه بالهمّ لمجرد وقوعه في صُحبة همِّها في الذكر بطريق المشاكلة لا لِشُبْهةٍ به ولقد أشير إلى تباينهما بأنّه لم يَقُلْ ولقد همّا بالمخالطة ، أو هَمَّ كلٌّ منهما بالآخر ، وإنّما فُصِل بين همها وهمه لاتفاقهما في اللفظ واختلافهما في المضمون واللهُ أعلم .

      وقيل (( وهمّ بها )) أي هَمَّ للطبيعةِ القاضية بذلك لكنَّه قَمَعَ مُقتضاها ولم يُطعْ حُكْمَها ومؤدّاها ، لأنَّ عدم حصول مقتضى الطبيعة نُقصان ، بل الكمالُ أنْ توجد الطبيعة البشريّة ولكن لا يطاع حكمُها معَ قوّة الهيجان غايةِ التَوَقان ، فيترقّى بذلك الإنسانُ ويَنالُ المراتبَ العالية عندَ الرحمن . ألا ترى أنّ العِنّين لا يُمْدَحُ عند تَرْكِ الجِماع ؟ ولا المتعفِّفُ عند الفقد ؟ .

       قال الشافعيُّ ـ رضي الله عنه ـ أربعةٌ لا يَعبَأُ اللهُ بهم يوم القيامة: زُهْدُ خَصِيٍّ ، وتقوى جنديٍّ ، وأمانةُ امرأةٍ ، وعبادةُ صَبـيٍّ ، و هو محمولٌ على الغالب ـ كما في المقاصد الحَسَنة .

      وجاء في الخبر أنّه ليس من نبـي إلاّ وقد أخطأ أو هَمَّ بخطيئة ـ غيرَ يحيى بنِ زكريا ـ ولكنّهم كانوا معصومين عن الفواحش . فمن نَسَبَ إلى الأنبياء الفواحش كالعزمِ على الزِنا ونحوِه ، الذي يقوله بعضُهم في يوسُفَ كُفْرٌ لأنّه شتمٌ لهم وانتقاص من قدْرهم .

       ((كذلك))  الكاف منصوب المحل وذلك إشارة إلى الإراءة المدلول عليها بقوله تعالى (( لولا أن رأى برهان ربه )) أي مثل ذلك التبصير والتعريف عرّفناه برهاناً من قبل (( لنصرف عنه السوءَ )) أي خيانة السيّدِ (( والفحشاء )) والزنا لأنّه مفرطٌ في القبح . وفيه آيةٌ بيّنةٌ وحِجّة قاطعة على أنّه لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجّهَ إليها قلبُه قطّ ، وإلاّ لما قيل لِنَصرف عنه السوء والفحشاء وإنمّا توجّه إليه ذلك من خارجٍ فصرفَهُ تعالى عنه بما فيه من موجبات العفّة والعصمة كما في الإرشاد (( إنّه من عبادنا المخلَصين ))

الذين أخلصهم الله لطاعة بأنْ عصَمَهم مما هو قادحٌ فيها .

وفيه دليل على أنّ الشيطان لم يجِدْ إلى إغوائه سبيلاً . ألا ترى إلى قوله:{ فبعزتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادَك منهم المُخلَصين

قال في بحر العلوم واعلم أنّه تعالى شهد ببراءته من الذنب ومدحه بأنّه من المحسنين وأنّه من عباده من المخلَصين ، فوجب علينا أن لا نتوقف في نزاهته وطهارة ذيله وعفّتِه في مواقع العِثار .

حكي عن علي بن الحسن ـ رضي الله عنهما ـ أنّه كان في البيت صنمٌ فقامت زُليْخا وسترتْه بثوبٍ فقال: لها يوسُُف: ِلَم فعلتِ هذا ؟ قالت: استحيَيْتُ منه أن يراني على المعصية ، فقال يوسف: أتستحين ممن لا يَسمع ولا يُبْصرُ ولا يَفقَه؟ وإنّما الأحقُّ أنْ أستحيي من ربي الذي خلقنـي فأحسن خَلْقي .

      (( واسْتَبَقا الباب )) بحذفِ حرْفِ الجّرِّ ، أي{تسابقا إلى الباب}  الذي هو المخرج من الدار ، يوسف للفِرار  ، وهي لتمنعَه من فتحه والخروج (( وقَدَّتْ قميصَه من دُبُرٍ )) أي جذبته من خلفِهِ فانشقَّ القميصُ طولاً نصفين، وهو القَدُّ أمّا الشَقُّ عرضاً فهو القَطُّ (( وألفيا )) وجدا (( سيِّدَها )) زوجها  لأن المرأة ــ في العادة ــ كانت تقول لزوجها سيِّدي ، ولم يقلْ سيدَهما لأنّ مُلْكَه يوسُفَ لم يَصِحَّ ، فلم يكن له سيِّداً على الحقيقة (( لدى الباب)) مقبلاً ليدخل ، و قيل كان جالساً مع ابنِ عمٍّ لزُليخا يقال له يمليخا.

روي عن كعب الأحبار ـ رضي الله عنه ـ أنّه لمّا هرب يوسف جعل فراشُ القُفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب .

       (( قالت )) منزِّهةً نفسَها (( ما جزاءُ مَن أراد بأهلِك سوءاً )) من زِنًى ونحوِه ، وما نافية أي ليس جزاؤه (( إلاّ أن يُسجن أو عذابٌ أليم )) إلاّ السجنُ أو العذاب الأليم ، مثل الضرب بالسوط ونحوِه ، و { إلاّ } استفهاميّة أيْ : أيُّ شيءٍ جزاؤه غير ذلك ؟ كما تقول مَن في الدار إلاّ زيدٌ ؟.

      قال العزيز: مَن أراد بأهلي سوءاً ؟ قالت: زُليخا كنتُ نائمةً في الفراش فجاء هذا الغلامُ العِبرانيُّ وكشف عنّـي ثيابي وراودني عن نفسي ، فالتفتَ العزيزُ إليه وقال: يا غلام أهذا جزائي منك حيثُ أحسنتُ إليك وأنت تحزنـنـي ؟ وكأنّّه قيل فماذا قال يوسف حينئذ ؟

       فقيل (( قال )) دفاعاً عن نفسه وتنزيهاً لعِرضِه (( هي راودتنـي عن

نفسي )) طلبتنـي للمواقعة والمعاشرة . فقال العزيز: لا أقبل قولك إلاّ ببرهان، وفي روايةٍ نظر العزيزُ إلى ظاهر قولِ زُليْخا وتَظلُّمِها فأمرَ أنْ يُسجن يوسُفُ . وعند ذلك دعا يوسفُ اللهَ بإنزال براءته . وكان لزُليخا خالٌ له ابنٌ في المهد  عمره ثلاثةُ أشهرٍ ، أو أربعةٌ ، أو ستّةٌ ، على اختلافِ الروايات ، فهبط جبريل إلى ذلك الطفل وأجلسَه في مهدِه وقال له : اشهد ببراءة يوسُف ، فقام الطفل من المهد وجعل يسعى حتى قام بين يدي العزيز ، وكان في حِجرِ أمِّه كما قال الله تعالى (( وشهِدَ شاهدٌ مِنْ أهلِها )) أي ابنُ خالِها الذي كان صبيّاً في المهدِ وإنّما ألقى الله الشهادةَ على لسان من هو من أهلها ليكون أوجبَ للحجّة عليها وأوثقَ لبراءةِ يوسف وأنفى للتهمة عنه .

       ــ وليست هي المرّةُ الأولى التـي يتكلّم فيها طفل في مهده بإذن الله ، فالله الذي أنطق الكبار وأخرس بعضهم قادر على أن يُنطق الصغارَ وحتى الجمادَ إن شاء ، وقد فعل فخرق العادة إظهاراً لحقٍّ أو إنفاذاً لحكمةٍ يعلمُها، سبحانه ، فقد تكلَّم في المهد ــ فيما نعلم ــ جماعةٌ . منهم شاهد يوسف هذا . ومنهم نبيُّنا محمد {صلى الله عليه وسلم} فإنّه تكلّم في المهد في أوائل ولادته، وكان أوّل كلامه أنْ قال : (( الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً )) ( 22 ) كما روى الواقدي والبيهقي وغيرُهما كثير ومن الذين تكلَّموا في المهد سيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ وقد نصَّ على ذلك القرآنُ الكريم في سورة مريم بقوله ـ سبحانه ـ (( فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتَك سريّاً (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) )) ثم (( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) )) . ومنهم مريم والدة عيسى ـ عليهما السلام ـ ومنهم يحيى ـ عليه السلام ـ . ومنهم إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ فانّه لمّا سقط على الأرض استوى قائماً على قدميه وقال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد ، الحمد لله الذي هدانا لهذا.

ومنهم نوح ـ عليه السلام ـ فانّه تكلّم عُقيْبَ ولادته حيث ولدته أمّه في غارٍ خوفاً على نفسها وعليه ، فلمّا وضعتْه وأرادت الانصراف قالت:وا نُوحاه فقال: لا تخافي أحداً عليّ يا أمّاه فإنّ الذي خلقنـي يحفظني .

ومنهم موسى ـ عليه السلام ـ فإنّه لمّا وضعتْه أمّه استوى قاعداً وقال: يا أمّاه لا تخافي ، أي مِن فرعون إنّ الله معنا .

ثمَّ إنَّ سيدنا يوسف ـ عليه السلام ـ تكلم في بطن أمّه فقال: أنا المفقود والمغيّب عن وجه أبي زماناً طويلاً فأخبرت أمُّه والدَه بذلك فقال لها: اكتمي أمرك .

ومنهم مبارك اليمامة ؛ قال بعضُ الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دخلتُ داراً بمكة فرأيتُ فيها رسولَ الله وسمعتُ منه عَجَباً ، جاءه رجلٌ بصبـيٍّ يوم ولادته وقد لفّه في خُرقةٍ فقال النبـيُّ ـ عليه السلام ـ : {يا غلام مَنْ أنا؟} قال: الغلام بلسان طَلْقٍ أنت رسولُ الله ، قال:{صدقتَ بارك اللهُ فيك}  (23) ثمّ إنّ الغلام لم يتكلم بعدها بشيء آخر في طفولته فكنّا نسمّيه مبارك اليمامة ، وكانت هذه القصة في حَجَّة الوداع .

      ومنهم جريج الراهب فقد روى الحكيم الترمذي عن أبي هُريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( إن جُريجاً الراهب كان متعبداً في صومعة زمن بني إسرائيل ، وكان له أمٌّ تأتيه فتقول: يا جريج فتقطع صلاتَه فيكلّمها ، فأتتْه يوماً فجعلت تُنادى يا جريج ، فجعل لا يكلمها ولا يقطع صلاتَه ويقول يا ربِّ أمّي أمي وصلاتي فلا يكلّمها ، فلمّا رأتِ العجوزُ ذلك خرجت وقالت اللهمّ إنْ كان جريجٌ يسمع كلامي ولا يكلّمني فلا تُمِتْهُ حتى ينظرَ في أعينِ المومِسات ، وكانت راعيةٌ وراعِ يأويان إلى ديرِه فواقعََها الراعي فحمَلتْ . وكان أهلُ القرية يُعْظِمون الزنا إعظاماً شديداً فلمّا ولدت أخذها أهل القريةِ فقالوا: ممن فقالت: من جُريج الراهبْ نِزل فوقع بي فحملت ، فأتاه قومه فنادوه يا جريج فجعل يقول يا رب قومي وصلاتي ، وجعل لا يكلمهم ، فلما رأوا ذلك ضربوا صومعته بالفؤوس فلما رأى ذلك نزل إليهم فقال: مالكم؟ قالوا: ذكرت هذه أنّها ولدت منك فضحك ثمّ صلى رَكعتين ثمّ وضعَ يدَه على رأسِ المولودِ فقال مَن أبوك قال الراعي الذي كان يأوي معها إلى ديرِك ، فلمّا رأى قومُه ذلك جَزِعوا مما صنعوا به وقالوا: دعْنا نَبْني صومعتَك من ذهبٍ وفضّةٍ قال: لا أعيدوها على ما كانت . قال له قومُه: ولِمَ ضحكت ونحن نريدُ بك ما نريد من القتل والشتم؟ قال: ذكرتُ دعوةَ والدتي ألاّ أموتَ حتى أَنظُرَ في أعين المومسات . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي نفسي بيده لو دعت الله أنْ يخزيه لأخزاه ، ولكنَّها دعت أنْ ينظر فنظر )) . (26 )

ومنهم غلام الأخدود وَالأُخْدُودُ حُفْرَةٌ فِي الأَرْضِ . وَأَصْحَابُ الأُخْدُودِ هُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ يَهُودِ اليَمَنِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدِينِ المَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الارْتِدَادِ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَفَرُوا حُفْرَةً فِي الأَرْضِ {أُخْدُوداً} أَضَرَمُوا فِيهَا نَاراً عَظِيمَةً ، وَوَقَفُوا بِالمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّارِ ، فَمَنْ قَبِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الارْتِدَادَ عَنْ دِينِهِ أَطْلَقُوهُ ، وَمَنْ رَفَضَ أَلْقَوْهُ فِي النَّارِ ، حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّهِ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ . (27)

ومنهم ما ذكره الشيخ محيى الدين بن عربي ، ـ قدِّس سِرُّه ـ قال: قلتُ لبنتـي زينب مرّةً وهي في سِنّ الرضاعة ـ وكان عمرها قريباً من سنة ـ ما تقولين في الرجل يجامع حليلَتَه ولم يُنزل ؟ فقالت: عليه الغِسلُ فتعجّبَ الحاضرون من ذلك ، ثمّ إنّي فارقتُ تلك البِنت وغبتُ عنها سنةً في مكّة، وكنتُ أذِنتُ لوالدتها بالحج ، وجاءت مع الحج الشامي ، فلمّا خرجتُ لمُلاقاتها رأتنـي من فوق الجمل وهى تَرضع ، فقالت: قبل أن تراني أمّها ، هذا أبي وضحكت ورمت نفسَها إليَّ  ـ كما جاء في إنسان العيون ـ .

إذاً قال الشاهد: (( إنْ كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ )) .{إنْ} الشرطية التـي هي للاستقبال جمع بينها وبين {كان} التـي هي للماضي لأنّ المعنى أنْ يُعلم أنّ قميصَه قد قُدَّ من قِبَلٍ ، أي مِن أمام ، فالشرطُ ، وإنْ كان ماضياً بحسب اللفظ ،  لكنّه مضارع في التأويل ، من حيث أنّه ثبت به صدق يوسف وبطل قوله ، (( فصدقت )) أي فقد صدقت زليخا في قولها (( وهو من الكاذبين )) في قوله لأنّه إذ طلبها دفعته عن نفسها فشقت قميصه من الأمام  أو أسرع خلفَها ليدركَها فتعثّر بذيلِه فشُق جيبُه (( وإن كان قميصُه قُدَّ من دُبُرٍ)) من خلف ((فكَذَبت )) في قولها (( وهو من الصادقين ))  لأنّه يدل على أنّها تَبِعَتْهُ فجَذَبتْ ثوبَه فقدَّتْه (( وإنْ كان قميصُه قُدَّ من دُبُرٍ فكَذَبت )) زليخا بأنّها متبوعة (( وهو من الصادقين )) يعنى يوسف صادق في أنّ زليخا هي التـي راودته عن نفسه واتّبَعتْه وأنّه متبوع (( فلمّا رأى )) العزيز (( قميصَه قُدَّ مِن دُبُرٍ )) وعلم براءة يوسف وصِدْقَه (( قال إنّه )) أي الأمر الذي وقع فيه التَشاجر (( مِن كيدِكُنَّ )) من جنس حيلتِكنّ ومكرِكُنَّ ، أيّتُها النساءُ ، لا من غيرِكُنَّ فخجِلت زُليْخا ، وتعميمُ الخطاب يفيد التنبيه على أنّ ذلك خلُقٌ لهنَّ عَريقٌ (( إنَّ كيدَكنَّ عظيم )) فإنّه أَلصَقُ وأعلَقُ بالقلب وأشدُّ تأثيراً في النفس أي من كيدِ الرجال ، فعظُمَ كيدُ النِساءِ ، على هذا ، بالنسبة إلى كيد الرجال ، ولأنَّ الشيطانَ يوسوسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يواجِهْنَ به الرجال فالعِظَمُ بالنسبة إلى كيدِ الشيطان .

قال العزيز (( يوسف أعرض عن هذا )) الأمر وعن التحدث به واكتمْه حتى لا يشيع فيعيروننـي (( واستغفري )) أنت يا زُليخا (( لذنبك )) الذي صدَرَ عنك وثَبُت عليك (( إنك كنتِ من الخاطئين )) من جملة القوم الذين تعمدوا الخطيئة والذنب ، يقال خَطِئَ إذا أذنب عمداً وجاء اللفظ بالتذكير لتغليب الذكور على الإناث وفى الحديث:(( كلُّ ابنِ آدم خطّاء وخيرُ الخطّائين التوّابون )) ( 28 )  وكان العزيز رجلاً حليماً فاكتفى بهذا القدْر  من العقوبة .

(( وقال نسوةٌ في المدينة )) نسوة: أي جماعة من النساء ـ وكنَّ خمساً ـ وهنّ: امرأة الخبّاز ، وامرأة الساقي ، وامرأة صاحب الدوابّ ، وامرأة صاحب السِجن ، وامرأة الحاجب ، (( امرأة العزيز )) ـ والعزيز بلسان العرب الملك ـ والمرادُ به قِطفير ، وقد صرّحن باسمها مضافةً إلى العزيز مبالغة بالتشنيع لأنّ النفوس إلى سماع أخبار ذوي المناصب وما يجرى لهم أكثر تشوُّقاً (( تراود فتاها )) أي تطالب غلامها بمواقعته لها ، وتحتال في ذلك وتخادعُه ((عن نفسه )) . والفتى من الناس: الشاب ، وتُطلق على تَبَعِ الملوك وإنْ كان شيخاً ، فيقال فتاه أو غلامُه ، وهو المراد هنا ، وفى الحديث الشريف: (( لا يقولُ أحدُكم عبدي وأَمتـي ، كلُكم عبيد الله وكلُّ نسائكم إماءُ الله ، ولكن لِيَقلْ غٌلامي وجاريتـي وفتاي وفتاتي )).و إنّما كرِه النبـي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يقول السيدُ عبدي لأنّ فيه تعظيماً لنفسه ولأنّ العبدَ والعبودية في الحقيقة إنما هي لله وحده . وقيل إنما يُكره إذا قاله على سبيل التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه ، وإلاّ فقد جاء القرآن به ، قال الله تعالى (( والصالحين من عبادِكم وإمائكم )) . (( قد شغفها حبّاً )) وهو بيانٌ لاختلال أحوالها القلبيّة ، {شغفها}: خبرٌ ثانٍ ، و{حبّاً}: تمييز منقول من الفاعلية ، أي شقَّ حبُّه شغافَ قلبِها حتى وصل إلى فؤادِها. والشِغاف: حجابُ القلب ، وقُرئ شَعَفها بالعين المهملة ، يُقال شَعَفَه الحُبُّ: أحرق قلبَه كما في الصحاح .

ــ قال العطار في منطق الطير: وعشق زُليخا وإنْ كان عشقاً مجازيّاً لكن لمّا كان تحقّقُها به حقيقةً وصِدقاً ، جَذَبها إلى المقصود وآلَ الأمرُ من المجاز إلى الحقيقة لأنَه قَنْطَرَتُها ــ

(( إنّا لنرها )) أي نعلمُها علماً مضاهياً للمشاهدة والعيان فيما صنعت من المراودة والمحبّة المفرطة (( في ضلالٍ )) في خطأٍ وبُعدٍ عن طريق الرشد والصواب (( مبين )) واضحٍ لا يخفى ــ كونه ضلالاً ــ على أحدٍ ، أو مُظهرٍ لأمرها فيما بين الناس ، و لم يقلْن إنها لفي ضلالٍ مبينٍ إشعاراً بأنّ ذلك الحكم غير صادر عنهنّ مجازفةً بل عن علم ورأي ، مع التلويح بأنّهنّ متنزهات عن مثل ما هي عليه ، ولذا ابتلاهنَّ الله ُـ تعالى ـ بما رَمَيْنَها به لأنّّه ما عيّرَ أحدٌ أخاه بذنبٍ إلاّ ارتكبه قبل أنْ يموت . وهذه ـ أعنـي ملامةَ الخلق ـ علامة كمالِ المحبّة ونتيجتُه عند زُليخا لأنَّ اللهَ ـ تعالى ـ إذا اصطفى عبداً لجنابِه رفعَ محبَّتَه الذاتية من قلوبِ الأغيارِ غِيرةً منه عليه ، ولذا ترى أربابَ الأَحوالِ وأصحابَ الكُشوفِ مذكورين ــ غالباً ــ  بلسان الذَمِّ والتعيير ، إذْ هم قَدْ تجاوزوا حَدَّ الجمهور فكانوا كالمِسْكِ بين الدِماءِ ، فكما أنّ المسكَ خرج بذلك الوصف الزائدِ عن كونه من جنسِ الدم ، فكذا العُشّاق خرجوا ــ بما هم عليه من الحالة الجمعيّة الكماليّة ــ عن كونِهم من جِنسِ العباد ذوي الفَرْقِ والنقص ، والجنس إلى الجنس يميلُ لا إلى خلافِهِ .

(( فلما سمعتْ بمكرِهِنَّ )) باعتبارهِنَّ وسوءِ قولِهِنَّ ، وقولُهن امرأةُ العزيز عشقت عبدَها الكنعانيَّ ،وهو مَقَتَها ، وتسميتُه مكْراً لكونِه خِفْيَةً منها كمكرِ الماكِر وإن كان ظاهراً لغيرِها (( أَرسلت إليهِنّ )) تَدعوهُنَّ للضيافَةِ إكراماً لهنّ ومكراً بِهِنَّ ولتُعْذَرَ في يوسف لعِلمِها أنَّهُنَّ إذا رأينَهُ دُهِشْنَ به وافتُتِنَّ .

وقيل إنّها دَعَتْ أربعين امرأةً ، منهنّ الخمسُ المذكورات ((وأعْتَدَتْ )) أي أحضرت وهيّأت وأعدّت (( لهنَّ متّكًأ )) أي ما يتكئنَ عليه من النَمارِقِ والوسائدِ وغيرِها ، عند الطعام والشراب كعادة المترفّهين ،ولذلك نُهي عن الأكلِ بالشمالِ أو متّكئاً .

وقرئ مُتّكاً ، وهو الأتْرُجّ {نوع من الفاكهة}  أو الزُماوَرْد ــ بالضم ــ {وهو طعامٌ من البيض واللحم} {معرّب} ، (( وآتت كلَّ واحدةٍ منهنّ )) بعد الجلوس والاتّكاء (( سكّيناً )) لتستعملَه في قطع ما يقدّم بين أيديهن وقُرِّبَ إليهنّ من اللحوم والفواكه ونحوها ، وقصدت بتلك الهيئة ،وهي قعودُهُنّ متكئاتٍ والسكاكينُ في أيديهِنّ ويُبْهتْنَ عند رؤيته ويُشغَلْنَ عن نفوسهنّ وما في أيديهِنَّ ، أن يقطعْنَها لأنّ المتكئ إذا بُهِتَ بشيءٍ وقع بهتُه على يده .

روي أنها اتخذت لهنّ ضيافةً عظيمةً من ألوان الأطعمة وأنواع الأشربة بحيث لا توصف .

(( وقالت )) ليوسف وهُنَّ مشغولاتٍ بمعالجة السكاكين وإعمالِها بما في

أيديهنَّ من الفواكه وغيرها (( اخْرُجْ عليهنّ )) أي ابرزْ لهنّ ، فرأيْنَهُ (( فلمّا رأينَه  أكبرْنَهٌ )) أعظمْنَه وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائق وجمالَه الرائق ،  فإنّ فضلَ جمالِه على جمالِ كلِّ جميلٍ كان كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وسيأتي مزيدٌ من البيان في هذا الشأن إن شاء الله .(( وقطّعْنَ أيديَهُنّ )) أي جرحْنَها بالسكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهج الاختيار والاعتياد والإرادة ، والمدهوش لا يدرك ما يفعل ، ولم تقطع زُليخا يديها لأنَّ حالَها انتهت إلى التمكين فى المحبّةِ كأهلِ النهاياتِ ، أمّا حال النِسْوةِ فكانت في مقامِ التلوين ، كأهل البدايات ، فلكلِّ مقامٍ تلوّنٌ وتمكينٌ ، وبدايةٌ ونهايةٌ .

قال القاشاني خرج يوسف بغتةً على النِسوة فقطّعنَ أيديهنّ لما أصابهنّ من الحيرة في شهود جماله والغيبة عن أوصافِهِنَّ كما قيل:

غابت صفاتُ القاطعات أكفَّها               في شاهدٍ هو في البريّة أبدعُ

ولا شك في أنَّ زُليخا كانت أبلغ في محبّتِهِ منهنَّ لكنها لم تَغِبْ عن التمييز بشهود جمالِه لتمكُّن حالِ الشُهود في قلبِها .

وقال في شرح الحكم العطائيّة: (( ما تجده القلوب من الهموم والأحزان ــ يعنـي عند فقدان مرادِها وتشويشِ معتادِها ــ فلأجلِ ما مُنعتْ من وُجودِ العِيان، إذ لو عاينت جمالَ الفاعلِ جَمُلَ عليها أَلَمُ البُعد ، كما اتّفق في قصّةِ النِسْوةِ اللاتي قطّعْنَ أيديهن )) .

      (( وقلن حاش لله )) وأصله {حاشا} فحذفت الألف الأخيرة تخفيفاً ، وهو حرف جرِّ يفيد معنى التنزيه ، في باب الاستثناء تقول أساء القوم حاشا زيدٍ فوُضع موضعَ التنزيه والبراءة ،ومعناه تنزيه الله وبراءة الله واللام الداخلة على لفظ الجلالة {الله} لبيان المبرَّأ والمنزّه ، كما في قولنا سقياً لك والدليل على وضعه موضع المصدر قراءةُ أبي السمّاك حاشاً لله بالتنوين (( ما هذا بشراً )) أي ليس آدميّاً مثلَنا ،لأنَّ هذا الجمالَ غيرُ معهود في البشر (( إنْ )) نافية بمعنى ما ((هذا إلاّ ملكٌ كريم))  يعنـي على ربه حيث اعْتَقَدْنَ أنّه مَلَكٌ لا بشرٌ وقَصَرْنَه على المَلَكيّ مع عِلمِهِنَّ بأنّه بشرٌ لأنّه ثَبُتَ في النفوس أنْ لا أكملَ ولا أحسَن خلْقاً من المَلَك وإن لم يرينَ ملََكاً قطُّ أعنـي رَكز في العقول أن لاحيَّ أحسن من المَلَكِ ، كما ركز فيها أنْ لا أَقبح من الشيطان ، ولذلك لا يزال يشبَّهُ بهما كلُّ مُتناهٍ في الحسنِ أو القُبح وغرضُهنّ وصفُهُ بأقصى مَراتِبِ الحُسْنِ والجمال .

قيل بأنّه مِن لُطفِ اللهِ بنا عدمُ رؤيَتِنا للملائكة على الصورة التـي خُلِقوا عليها لأنّهم خُلقوا على أحسنِ صورةٍ ، فلو كنّا نراهم لطارتْ أعيُنُنا وأرواحُنا لحُسْنِ صُوَرِهم ولِذا ابتُدئ رسولُ الله بالرؤيا {الحلم}تأنيساً لَهُ إذْ إنَّ القُوى البَشريَّةَ لا تتحمَّلُ رُؤيةَ المَلَكِ فجأةً ، وقد رأى ـ صلى الله عليه وسلم ـ جبريلَ في أوائلِ البِعثةِ على صورتِهِ الأصليَّةِ فخرَّ مَغْشِيّاً عليه فنزَلَ إليْه في صورةِ الآدميين {كما في إنسان العيون}.

قالوا كان يوسف إذا سار في أزقّةِ مصرَ يُرى تَلألُؤُ وجهِهِ كما يُرى نورُ الشمسِ من السماءِ عليها وكان يشبه آدمَ يومَ خلَقَه ربُّه ، وكانت أمُّه{راحيلُ} وجَدّتُه {سارةُ}جميلتين جدّاً .

وفي الحديث الشريف (( ما بَعَثَ اللهُ نبيّاً إلاّ حَسَنَ الوجهِ حَسَنَ الصوتِ وكان نبيُّكم أحسنَهم وجهاً وأحسنَهم صوتاً )) وجاء في وصفِ بعض الصحابةِ لسيِّدِنا رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلّم ـ أنَّ نورَ وجهِهِ كان يتلألأ في جُدُرِ الأَزِقَّةِ التـي كان يمشي فيها .

والظاهر أنّ بعضَ الأنبياء مفضلٌ على بعضٍ في بعضِ الأمور ، وأنَّ الحُسْنَ بمعنى بياضِ البشرةِ مختصٌّ بيوسفَ وأنّ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أسمرَ اللونِ لكنْ مع الملاحة التامّةِ ، وهو لا يُنافي الحُسْنَ . يقول الله ُتعالى في محكم كتابه العزيز: (( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ .. )) . (29) قال ابن الفارض في حقِّ سيدنا رسول الله:

لو أسمعوا يعقوب ذكرَ مَلاحــةٍ         في وجهه نسي الجمالَ اليوسفي

وعلى تفنُّنِ واصفيـــــه بحُسْنِهِ          يفنى الزمانُ وفيه ما لم يوصَفِ

      وعن ابنِ عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( قال لي جبريل: إن أردتَ أنْ تَنْظُرَ من أهلِ الأرضِ شبيهاً بيوسُف فانْظرْ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ )) . وجاء في الخبر أيضاً: (( هو  أشبهُ الناسِ بجدِّك إبراهيم وأبيك محمد )) . وكانت رقيّة بنتُ رسولِ الله ،زوجةُ عثمان ـ رضي الله عنهما ـ ذاتَ جمالٍ بارعٍ أيضاً ومن ثم كانت النساءُ تُغنّيهما بقولهنّ :

أحسنُ شيءٍ يَرى إنسانُ                       رُقيّةٌ وبَعْلُها عُثمـــــــانُ

وجاء في حقِّ رُومان ــ بضمِّ الراءِ وفتحِها ــ  أمِّ السيّدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ  (( مَن أراد أن ينظُر إلى امرأةٍ من الحُورِ العِين فلينظرْ إلى رومان )) وفيه بيانُ حسنِها وكونِها من أهلِ الجنّةِ كما لا يخفى .

(( قالت فذلكن )) {كنّ} للنسوة ، و{ذا} ليوسف ،ولم تقل هذا ــ مع أنّه كان حاضراً ــ رفعاً لمنزلتِهِ في الحُسْن ، واسمُ الإشارة مبتدأ والاسمُ الموصول {الذي}خبرُه وهو (( الذي لُمْتُنَّنـي فيه )) في شأنه ، فالآن عَلِمتُنّ مَن هو  ، فما قولُكُنَّ فينا ولومُكُنَّ إلاّ ظلْمٌ لنا وتجنٍ علينا .

يا لائمي في الهوى العذريِّ معذِرةً     منّي إليك ، ولو أنصفتَ لم تلـــمِ

وعند ذلك بكت الملائكة رحمةً له وهبط إليه جبريل فقال له: يا يوسف إنّ ربَّك يقرئك السلام ويقول لك اصبرْ فإنّ الصبرَ مفتاحُ الفرج وعاقبتُه محمودة.

وكانت النساء الحاضرات قد نَصَحْنَهُ بطاعتها وخوّفْنَهُ من مُخالفتِها ودعونَه إلى أنفسهنّ ــ كما ذُكر ــ وخَيَّرْنَهُ بين ذلك وبين السجن , فقال:((ربّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعونَنـي إليه )) ولو قال ربّ العافيةُ أَحَبُّ إليَّ لعافاه الله ولكن لما نجا بِدينِه لم يُبالِ ما أَصابَه في الله ولِيَقْضي اللهُ أمراً كان مفعولاً .

عن سيدِنا معاذٍ ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النبـيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع رجلاً يقول: اللهم إنّي أسألك الصبرَ فقال: (( سألت البلاءَ فاسْألِ العافية )) .(( وإلاّ )) وإنْ لم  (( تَصْرِفْ عنّي كيدَهُنَّ أَصْبُ إليْهِنَّ )) أَمِلْ إلى جانبهن على ما تَقْتَضيه الطبيعةُ وحُكْمُ الشهوةِ أي مَيْلاً اختياريّاً قَصْدِيّاً ، وهو خلق النبيين ـ عليهم السلام ـ حيث يظهرون الضعف والحاجة الدائمة لحفظ

الله وعنايته (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ..)).

وهذا منه ـ عليه السلامُ ـ فَزَعٌ إلى ألطافِ اللهِ جَرْياً على سَنَنِ الأنبياءِ والصالحينَ في النَجاةِ مِن الشُرورِ باللُّجوءِ  إلى جنابِ اللهِ ، وسلبِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ عن أنفسهم ، ومبالغةً منه في استدعاءِ لُطفِ اللهِ  لصرْفِ كيدِهِنَّ أظهرَ أنْ لا طاقةَ له بالمُدافعةِ ، كقول المُستغيثِ أدْرِكْنـي وإلاّ هَلَكْتُ، لأنّه يَطلُب الإجبارَ واللجوءَ إلى العِصمَةِ والعِفَّةِ ، وفي نفسِه داعيةٌ تدعوه إلى هواهن .

والصَبْوَةُ الميْلُ إلى الهوى ، ومنْه ريحُ الصَبا ، سمّيَت بذلك لأنَّ النفوسَ تصبو إليها لطِيبِها ورَوْحِها ، أو لأنَّ المعتاد في بلادِنا هو أنَّ الرياحَ تَهُبُّ من جهةِ الغربِ ، وتلك تَهُبُّ كسلى من جهةِ الشرقِ أواخرَ الليلِ ، فكأنمّا ذهبتْ نَهاراً ورَجَعَتْ ليلاً ، فصَبا أصلُها صَبأَ أي رَجَعَ ، يقال صَبَأَ فلانٌ عن دينه إي رَجَعَ عنه بعد إيمان .

(( وأَكُنْ من الجاهلين )) أي الذين لا يعملون بما يعلمون لأنَّ مَنْ لم يعملْ بعلمِه فهو الجاهلُ . (( فاستجابَ له ربُّهُ )) دعاءَهُ الذي تضمَّنَهُ قولُهُ: (( وإلاّ تَصْرِفْ عنّـي كيدَهُنَّ الخ..)) فيه استدعاءٌ لصرفِ كيدِهِنَّ ، والاستجابةُ تتعدّى إلى الدُعاءِ بنفسِها ، نحو استجاب الله تعالى دعاءه ، وإلى الداعي باللاّمِ ، ويحذِفُ الدعاءُ إذا تعدّى إلى الداعي ، في الغالب ، فيُقال استجاب له و قلّ أ ن يقال استجاب له دعاءه ــ كما في بحر العلوم ــ ((فصرفَ عنه كيدَهُنَّ )) حَسْبَ دعائه وثبّته على العِصمَةِ والعِفَّةِ حتّى وطَّنَ نفسَهُ على قَسْوَةِ السِجْنِ ومحنتِهِ،واختارها على لَذّةِ المَعصيَةِ (( إنّهُ هو السميعُ)) لدُعاءِ المتضرّعين إليه ((العليمُ )) بأحوالهم وما يُصلِحُهم .

وعن الشيخ أبي بكرٍ الدقّاق ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ قال بقيت بمكة عشرين سنة وكنت أشتهي اللّبنَ فغَلَبتْنـي نفسي فخرجتُ إلى عُسْفان ـ وهو موضِعٌ على مرحلتين من مكّةَ ـ فاستَضفتُ حيّاً من أحياءِ العرب فوقعت عينـي على جاريةٍ حسناءَ أخذت بقلبـي ، فقالت: يا شيخ لو كنتَ صادقاً لَذَهَبَتْ عنك شهوةُ اللّبن فرَجَعْتُ إلى مكة وطُفْتُ بالبيتِ فرأيْتُ في منامي يوسف الصِدّيق ـ عليه السلام ـ فقلتُ له : يا نبـيَّ اللهِ أقَرَّ اللهُ عينَك بسلامَتِكَ من زُليخا فقال :يا مُباركُ بلْ أَقَرَّ اللهُ عينَكَ بسلامتِك من العَصفانيّة،ثم تَلا يوسف {ولمنْ خافَ مقامَ ربِّهِ جنّتان } ، وأنشَدوا :

وأنتَ إذا أرسلتَ طرفَك رائــداً          لقلبِك يوماً أتعبتْــــكَ المَنـاظرُ

رأيتَ الذي لا كُلَّهُ أنتَ قــادرٌ           عليه ولا عن بعضِهِ أنتَ صابرُ

قال بعضُهم لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وإنمّا يمكن الخروج عن

النفس بالله ، وقال الشيخ أبو تُراب النَخْشَبـيُّ ــ قدس سره ــ مَن شغل

مشغولاً بالله عن الله أدركه المقتُ في الوقتِ فليس للعِصمَةِ شيءٌ يُعادلها.

(( ثم بدا لهم )) ، أي ظهر للعزيز وأصحابِه المتصدّين للحَلِّ والعقدِ ، رأيٌ و{ ثمَّ } تدلُّ على تغيُّر رأيِهم في حقِّه (( مِن بعدِ ما رأَوا الآياتِ )) أي الشواهدَ على براءةِ يوسُفَ ، كشهادةِ الصَبـيِّ وقَدِّ القميصِ وغيرِهما ((لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حين )) {حتى} جارّة بمعنى إلى ، أي إلى حين انقطاع قالة الناس وهذا بادي الرأي عند العزيز وخواصّه وأما عندها فحتى يُذَلِّلَهُ السِجْنُ ويسخّرَه لها ، ويحسَبُ النّاسُ أنّه المجرمُ ، فلَبِثَ في السِجْنِ خمسَ سنين أو سبعَ سنين، والمشهور أنّه لَبِثَ اثنتـيْ عَشْرَةَ سنةٍ ، كما سيأتي عند قوله ـ تعالى ـ (( فلبث في السجن بضعَ سِنين )) و لا دِلالة في الآيةِ على تعيين مدّةِ حبسِه وإنمّا القدْرُ المعلومُ أنّه بقي محبوساً مدّةً طويلةً لقوله ـ تعالى ـ  (( وادّكَرَ بعدَ أُمّةٍ )) والحين عند أهل اللّغة وقتٌ من الزمان غيرُ محدودٍ ، ويقع على القصير منه والطويل ، وأما عند الفقهاء فلو حلَف والله لا أكلّم فلاناً حيناً أو زماناً بلا نيّةٍ على شيءٍ من الوقت فهو محمولٌ على نِصْفِ سنة ، وإذا انعقدت نيّتُه على شيء معيّن من الوقت فهو محمول على ما نوى . وفى الآية محذوفٌ ، والتقدير لمّا تغيّر رأيُهم في حقِّه ورأَوا حبسَه حبسوهُ ، وحُذف لدلالة قولِه: (( ودخل معه السجنَ فتيان )) وذلك أنّ زوج المرأة قد ظهر له براءةُ يوسف فلا جَرَمَ ، واحتالت المرأةُ في طريقٍ آخر ، فقالت لزوجها: هذا العبدُ العبرانيّ فضحنـي في الناس لأنّه قال: هي راودتْنـي عن نفسي ، وأنا لا أقدِرُ على إظهارِ عُذْري فرأيي أنّ الأصحَّ حبسُه لينقطع عند الناس ذكرُ هذا الحديث .

وكان العزيز مِطواعاً لها وجَمَلاً ذَلولاً زِمامُه في يَدِها ، فاغترّ بقولِها ونسيَ ما عايَن من الآيات وعَمِلَ برأيِها وأَلحقَ بهِ ما أَوعدته به .

وكان في السجن أناسٌ قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم ، فجعل يقول: أبشِروا واصبروا تؤجروا ، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهَك وما أحسن خلقك ، لقد بورك في جوارك فمن أنت يا فتى ؟ قال: أنا يوسف بن صفيِّ الله يعقوب ، بن ذبيح الله إسحاق ، بن خليل الله إبراهيم ، ـ عليهم السلام ـ فقال له عاملُ السجن لو استطعتُ خلّيتُ سبيلَك ولكنّي أُحسِن جوارَك فكن في أيِّ بيوت السجن شئت ، وروي أنّ الفتيين قالا له: إنّا لَنُحبُّك من حين رأيناك فقال: أُناشدكما بالله أن لا تحبّاني فو الله ما أحبّني أحدٌ قطُّ إلاّ دخل عليّ من حبّه بَلاءٌ ، فلقد أحبّني أبي فكاد لي إخوتي وألقوني في الجُبّ ، ثمّ أحبّتني زوجة صاحبي فدخل علىّ من حبّها بلاءٌ عظيم فلا تحبّاني بارك الله فيكما .

قال بعضُهم ابتلي يوسف بالعبودية والسجن ليرحم المماليك والمسجونين

إذا صار خليفةً وملكاً في الأرض ، وابتُلي بجفاءِ الأقارب والحُسّاد ليعتاد

الاحتمال من القريب والبعيد ، وابتُلي بالغربة ليرحم الغرباء .

      وكان للعزيز ثلاثة سجون سجن العذاب وسجن القتل وسجن العافية ((ودخل معه السجن فتيان )) أي دخل يوسف السجن واتّفق أن أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك الأكبر ريّان بن الوليد ، أحدهما ساقيه واسمه أبروها والآخر خبّازه واسمه غالب . لأن جماعة من أهل مِصْرَ أغروهما ليسُمّا الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم إلى ذلك ، ثم إنّ الساقي نَكَل وتراجع عن خيانة الملك أمّا الخبّاز فقد سمّ الخبزَ ، فلمّا حَضَر الطعامُ قال الساقي لا تأكلُ منه أيها الملك فإنّ الخبزَ مسموم ، فجُرّبَ بدابّةٍ فهلَكَتْ ، فأمرَ بحبسِهما فاتّفق أنْ دخلا السجن معه (( قال أحدهما )) وهو الساقي (( إنّي أراني )) في المنام كأني في بستان فإذا أنا بثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب ، فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتُها فيه وسقيتُ الملك فشربَه وذلك قوله تعالى (( أعصر خمراً )) أيْ عِنَباً ، سماه بما يؤول إليه لكونِه المقصودَ من العصر (( وقال الآخر )) وهو الخبّازُ (( إني أراني )) كأنّي في مطبخ الملك ((أحمل فوق رأسي خبّزاً )) وفوق بمعنى على ، أي على رأسه ومثله قولُه سبحانه (( فاضربوا فوق الأعناق )) وهذا الخبزُ (( تأكلُ الطيرُ منه )) قال: إنني أرى أني أحمل ثلاث سلال بعضها فوق بعض فيها الخبز وألوان من الأطعمة والفاكهة ، وأرى سباع الطير تأكلُ منها ، واختُلف في أنهما هل رأيا رؤيا أو لم يريا شيئاً لكنهما أرادا اختبار  يوسف لأنّه لما دخل السجن قال لمن فيه إني أُعبِّرُ الأحلام ، وقيل رأى أحدُهما وهو الناجي وكَذَبَ الآخر (( نبئنا بتأويله )) أي أخبرنا بتفسير ما ذُكر من الرؤيتين ، وما يؤول إليه أمرُهما ، وعبارة كلِّ واحدٍ منهما ، نبئني بتأويلِه مستفسراً لما رآه وصيغةُ المتكلم مع الغير واقعةٌ في الحكاية دون المحْكي على طريقة قوله تعالى (( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات )) فإنهم لم يخاطَبوا بذلك دُفعةً واحدة ، بل خُوطِب كلٌّ منهم في زمانِه بصيغةٍ مفردةٍ خاصّةٍ به (( إنا نراك )) يجوز أن يكون من الرؤية بالعين ويجوزُ أن يكون من الرؤية بالقلب (( من المحسنين )) الذين يجيدون تعبير الرؤيا لمّا رأياه يقصُّ عليه بعضُ أهلِ السجنِ رؤياه فيؤوِّلُها له تأويلاً حسناً ويقع الأمرُ على ما عبّر به ، أو أنهما قصدا بــ (( من المحسنين)) إحسانَه إلى أهلِ السجن ، أي فأحسِنْ إلينا بكشف غُمّتنا إنْ كنتَ قادراً على ذلك .

(( قال )) يوسف ، داعياً الفتيين إلى التوحيد الذي هو أولى بهما وأوجب عليهما ، مما سألا ، ومرشداً لهما إلى الإيمان مزيّناً ذلك لهما قبل أن يُسعفهُما ، كما هي طريقة الأنبياء والعلماء الصالحين في الهداية والإرشاد والشفقة على الخلق ، فقدّم ما هو معجزة من الإخبار بالغيب ليدلهّما على صِدْقِه في الدّعوة والتعبير (( لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه )) تطعمانه في مقامكما هذا حسب عادتكما المطّردة (( إلاّ نبأتُكما بتأويله )) استثناء أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلاّ نبأتُكما به بأن بيّنت لكما ماهيّتَه من أي جنس هو ومقدارِه وكيفيّتهِ من اللون والطعم وسائرِ أحواله ، وإطلاقُ التأويل بالنظر إلى ما رُؤي في المنام وشبيه له (( قبل أنْ يأتيكما )) قبل أن يصل إليكما ، وكان يخبر بما غاب مثل عيسى ـ عليه السلام ـ إذ قال (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم  )) . (( ذلكما )) أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات أيها الفَتَيان (( مما علمنـي ربي )) بالوحي والإلهام وليس من قبيل التكهُّن والتنجيم ، وذلك أنه لمّا نبأهما بما يأتيهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ووصفه لهما ، وكان يقول اليوم يأتيكما طعامٌ صفته كيت وكيت ، وكم تأكلان فيجدان كما أخبرهما ، قالا هذا من فعل العرّافين والكُهّان فمن أين لك هذا العلم فقال ما أنا بكاهن وإنما ذلك العلم مما علّمنـي ربي ، وفيه دلالة على أنّ له علوماً جمّة وما سمعناه قطعة من جملتها وشعبة من دوحتها وكأنه قيل لماذا علمك ربك تلك العلوم البديعة فقال: (( إنّي )) أي لأني ((تركتُ ملَّة قوم )) أيِّ قومٍ سواءً أكان من قومِ مصرَ أو غيره (( لا يؤمنون بالله )) والمراد بتركها الامتناع عنها رأساً لا تركها بعد ملامستها وإنما عبر عنه بذلك لكونه أدخل بحسب الظاهر في اقتدائهما به ـ عليه السلام ـ (( وهم بالآخرة )) وما فيها من الجزاء (( هم كافرون )) على الخصوص دون غيرهم لإفراطهم في الكفر . (( واتّبعتُ ملّة آبائي إبراهيم واسحق ويعقوب )) عرّف بشرف نسبه وأنّه من أهل بيتِ النبوّة لتتقوّى رغبتُهما في الاستماع منه والوثوق به ، وكان فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمراً معروفاً مشهوراً في الدنيا فإذا ظهر أنه ولدهم عظّموه ونظروا إليه بعين الإجلال وأخذوا منه ولذلك جازَ للعالم إذا جهلت منزلته في العلم أن يصف نفسَه ويُعلِمَ الناسَ بفضلِهِ ، كأن يذكر شهاداته وأساتذته الذين أخذ عنهم وتربّى على أيديهم وتخرّج بهم إلى آخر ما هنالك ، حتى يُعرَفَ فيُقتبس منه وينتفع به في الدين ، وفي الحديث الشريف : (( إنَّ اللهَ يَسأل الرجلَ عن فضلِ علِمه كما يُسألُ عن فضل مالِه)). وقدَّم ذكر ترك ملة الكفرة على ذكر اتّباعِه لملّة آبائه لأنّ التخلية متقدمة على التحلية . (( ما كان )) أي ما صَحّ وما استقام ، فضلاً عن الوقوع (( لنا )) معاشر الأنبياء ، لقوّةِ نفوسنا ووفرة علومنا (( أنْ نُشرِكَ بالله من شيء )) أيّ شيء كان ، من مَلَكٍ أو جِنّيٍ أو إنسيٍّ فضلاً عن الجماد الذي لا يضر ولا ينفع (( ذلك )) التوحيد المدلول عليه بقوله ما كان لنا.. إلخ  ناشئ (( من فضل الله علينا )) بالوحي (( وعلى الناس )) كافة بوساطتنا وأرسالنا لإرشادهم إذ وجود القائد للأعمى رحمةٌ به من الله تعالى أيّة رحمة (( ولكن أكثر الناس )) المبعوث إليهم (( لا يشكرون )) هذا فيعرضون عنه ولا ينتهون ولمّا كان الأنبياء وكُمَّلُ الأولياء وسائط بين الله وخلقِه لَزِمَ شكرُهم تأكيداً على العبوديَة وقياماً بحقِّ الحكمةِ الإلهيّة .

(( يا صاحبـَيِ السجن )) الإضافة بمعنى في أي يا صاحبـَيَّ في السجن، لمّا ذكر ما هو عليه من الدين القويم ، تلطّفَ في حُسْنِ الاسْتِدْلالِ على فساد ما عليه قومُ الفَتيين من عبادةِ الأصنامِ ، فناداهما باسْمِ الصُحبةِ في المكان الشاقِّ الذي تُخلَصُ فيه المودّةُ وتُمْحَضُ فيه النَصيحةُ (( أأربابٌ متفرِّقون )) استفهام استنكاريٌّ ، أربابٌ متفرّقون من صغيرٍ وكبيرٍ ووسط (( خيرٌ )) لكما (( أم الله)) المعبودُ بالحقِّ (( الواحد )) المنفرد بالأُلوهيَّةِ (( القهار )) الغالب الذي لا يُغالبُه أحد . وفيه إشارة إلى أنَّ اللهَ يَقْهَرُ بوَحدَتِهِ الكَثْرَةَ ، وأنَّ الدنيا والهوى والشيطانَ وإنْ كان لها خيريَّةٌ بحسَبِ زعمِ أهلِها لكنَّها شرٌّ محضٌ عند الله تعالى لكونِها مضلَّةً عن طريقِ طلبٍ من أعلى المطالبِ وأشرفِ المقاصد (( ما تعبدون )) الخطاب لهما ولمن على دينِهِما (( من دونه )) أي من دون الله شيئاً (( إلاّ أسماءً )) مجرّدةً لا مسمًّى لها في الواقع لأنَّ ما ليس فيه مِصداقيّةٌ فإطلاقُ الاسمِ عليه لا وجودَ له أصلاً ، فكانت عبادتُهم لتلك الأسماءِ فقط (( سمّيْتُموها )) جعلتم لها أسماءً (( أنتم وآباؤكم )) بمحض جهلِكم وضلالتِكم (( ما أنزل الله بها )) أي بتلك التَسمية المستتبِعة للعبادة (( من سلطان )) من حُجَّةٍ تدلُّ على صحّتِها (( إنِ الحكم )) في أمرِ العبادة المتفرِّعةِ على تلك التسمية (( إلا لله )) لأنّه المستحِقُّ لها بالذات إذ هو الواجب بالذات الموجد للكلِّ والمالكُ لأمرِهم ، فكأنّه قيل فما هو حكمُ اللهِ في هذا الشأن فقال (( أمَرَ )) على ألسنةِ الأنبياء (( أنْ لا تعبُدوا )) أي بأن لا تعبدوا (( إلا إيّاه))  الذي دلّت عليه الحُجَجُ (( ذلك )) تخصيصُه ـ تعالى ـ بالعبادة هو ((الدين القيِّمُ )) أي الثابت أو المستقيم وهو دين الإسلام الذي لا عِوَجَ فيه وأنتم لا تميّزون الثابتَ من غيرِه ، ولا المِعْوَجَّ من القويم ، قال تعالى { إنَّ الدين عند الله الإسلام } وهو باعتبار الأصول واحدٌ ، وباعتبارِ الفُروعِ مختلفٌ ، ولا تَقدَحُ الكثرةُ العارضةُ بحسَبِ الشرائعِ المبنيَّة على استعدادات الأمم ، في وَحدتِه (( ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) فيخبطون في جهالتهم .

(( يا صاحبـيِّ السجنِ ، أمّا أحدُ كُما )) وهو ساقي الملك ، ولم يُعيّنْهُ لدلالة التعبير عليه (( فيسقى ربَّه )) سيده (( خمراً )) كما كان يسقيه من قبل رويَ أنّه ـ عليه السلامُ ـ قال له: أمّا ما رأيت من الكَرْمةِ وحسنِها فهو الملكُ وحُسْنُ حالِك عندَه ، أو قال له: ما أحسنَ ما رأيتَ ، أمّا القُضبانُ الثلاثةُ فثلاثةُ أيّامٍ تمضيها في السجن ، ثمَّ يوجّه الملك إليْك عند انقضائهن فيَرُدُّك إلى عملِك فتصير كما كنتَ بل أحسن (( وأمّا الآخَرُ )) وهو الخبّازُ ((فيُصلَبُ )) بعد ثلاثةِ أيامٍ وهو ما تدل عليه السلالُ الثلاث  حيث يوجّه الملكُ إليك عند انقضائهِنَّ فيَصلبُك فتأكُلُ الطيرُ من رأسِك (( قُضي الأمرُ )) فُرِغَ منه وأُتِمَّ الحكم ، (( الذي فيه تستفتيان )) تطلبان فتواه وتأويله .

وكان كما عبر يوسف حيث أخرج الملكُ الساقي وردَّه إلى مكانه وخلع عليه وأحسن إليه لما تبين إخلاصه وأمانته ، وأُخْرِج الخبّازُ ونُزعت عنه ثيابُه وجُلِد بالسياط حتى مات لخيانته وصُلب على قارعة الطريق وأقبلت طيور سوداء اللون فأكلت من رأسه ، وهو أوّلُ مَن استعمل الصلبَ .

(( وقال )) يوسف (( للذي ظَنَّ أنّهُ ناجٍ منهما )) وثق وعلم لأنّ الظنَّ من الأضداد يكون شكاً ويكون يقيناً ، فالتعبيرُ بالوحي كما يُنبئ عنه قوله ((قُضي الأمرُ )) إذ لو بنى جوابه على التعبير لما قال قضيَ لأنّ التعبير على الظنّ والقضاء هو الإلزام الجازم والحكم القاطع الذي لا يصِحُّ بناؤه على الظنّ (( اذكرني عند ربك )) أي سيّدِك وقلْ له في السجن غلامٌ محبوسٌ ظلماً وقد طال حبسُه لعلّه يرحمنـي ويخلّصنـي من هذه الورطة (( فأنساه الشيطان )) بوسوستِه وإلقائه في قلبه اشتغالاً يعوقُه عن التذكُّر  ، وإلا فالإنساء ، في الحقيقة ـ لله تعالى ـ والفاء للسببيّة فإنّ توصيتَه ـ عليه السلام ـ المتضمِّنة الاستعانة بغيرِهِ تعالى كانت باعثة لمِا ذُكر من النسيان ـ ذكرَ ربِّه ـ أي أُنسي الساقي  ذكر يوسف ـ عليه السلام ـ عند الملك ،والإضافة لأدنى ملابسة. فالظاهر أنْ يقال ذكرَه لرَبّه على إضافة المصدر إلى مفعولٍ لأنَّ الشائعَ في إضافتِه أنْ يُضافَ إلى الفاعل أو إلى المفعول به الصريح ، إلاّ أنّه أضيفَ إلى غير الصريح للمُلابسة ، وفي يقال بأنّ زُليخا سألتِ العزيزَ أنْ يُخرِج يوسف من السجنِ فلم يفعلْ وأنساهم الله أمرَ يوسف فلم يَذكرونه (( فلبث )) بسبب ذلك النسيان (( في السجن بضعَ سنين )) نَصبٌ على ظرفِ الزمان أي  سبعَ سنين بعد الخمسِ ، لما رُوي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنّه قال: (( رحم اللهُ أخي يوسف لو لم يقلْ اذكُرْني عند ربِّك لما لبث في السجن سبعاً بعدَ الخمس )) .

قيل لبث يوسف في السجن اثنتـي عشْرَةَ سنةً بعدد حروف (( اذكرني عند ربك )) فصاحِباه اللّذان دَخلا معه السِجنَ بقيا محبوسين فيه خمس سنين ثم رأيا رؤياهما قبل انقضاء تلك المدة بثلاثة أيام ، والاستعانة بغير الله في كشف الشدائد وإن كانت جائزةً  لكنها لا تليق بمنصب الأنبياء الذين هم أفضلُ الخلق وأهلُ الترقّي فهي من باب ترك الأَوْلى والأفضل ، ولا شكَّ في أنّ الأنبياء يُعاتَبون على الصغائرِ معاتبةَ غيرِهم على الكبائر  .

وحكي بأنَّ جبريل دخل على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين إنَّ اللهَ كرّمنـي بك وبآبائك ، وهو يقرئك السلام ويقول لك:  أما استحييْتَ منّي إذ استعنتَ بغيري ؟ وعزّتي لألبِثنّك في السِجنِ بِضْعَ سنين ، قال: يا جبريل ، وهو عني راضٍ ؟ قال: نعم ، قال يوسف: إذاً لا أبالي . وكان الواجبُ عليه أنْ يقتديَ بجدِّه إبراهيم في تركِ الاستعانةِ بغير الله حيث أن قال لجبريل وقد جاء يعرض عليه المساعدة لمّا أُلقي في النار  فقال له: أمّا إليك فلا ، قال فسَلْ ربّك قال حسبي مِن سؤالي علمُه بحالي .

وعن مالكٍ بنِ دينارٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: لمّا قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك ، قال الله تعالى: يا يوسف اتخذتَ من دوني وكيلاً ؟ لأطيلنَّ حبسَك فبَكى يوسف وقال: يا ربّ قسا  قلبـي من كَثرةِ الأحزان والبلوى فقلتُ كلمةً ولن أعود لمثلها أبداً .

(( وقال الملكُ )) ملكُ مصرَ وهو الريّانُ بنُ الوليد (( إني أرى )) أي في المنام (( سبعَ بقراتٍ )) جمع بقرة (( سِمانٍ )) جمعُ سمينة وهو نعتٌ لبقرات (( يأكلهن سبعٌ عِجاف )) أي سبعُ بقراتٍ عِجاف جمعُ عجفاء ، والقياس عُجْف لأنّ أفعل وفعلاء لا يجمع على فِعال لكنّه حُمِلَ على نقيضِه ، وهو سِمان والعُجْفُ الهُزال والأعجف المهزول .

      رُوي أنّه لمّا قَرُبَ خُروجُ يوسف من السِجنِ جَعَلَ اللهُ لذلك سبباً لا يخطُرُ بالبال ، وذلك أنَّ الملِكَ الأكبرَ كان يتّخذ في كلِّ سنةٍ عيداً على شاطئ النيل ويحشُرُ الناسَ إليه فيُطعمُهم أطيبَ الطعام ويَسقيهم ألَذَّ الشرابِ وهو جالس على سريرِه ينظرُ إليهم ، فرأى ليلةَ الجمعة في مَنامِه سبعَ بقراتٍ سِمانٍ خرجْنَ من نهرٍ يابسٍ أو من البحرِ وخرج عَقِبَهنَّ سبعُ بقراتٍ مهازيل في غاية الهزال ، فابتلعت العِجافُ السِمانَ فدَخَلْنَ في بطونهنَّ فلم يَرَ منهُنَّ شيئاً (( وسبعَ )) وأرى سبعَ (( سُنبلات )) جمعُ سُنبلةٍ (( خُضْرٍ )) جمعُ خضراءَ ، نعتٌ لسُنبلاتٍ (( وأُخَرَ )) أي سبعاً أخَرَ (( يابساتٍ )) قد أدركتِ الحصادَ والْتَوَتْ على الخُضْرِ حتى غَلَبْنَ عليها وإنّما استُغنـيَ عن بيان حالِها بما قُصَّ من حال البقراتِ ، فلمّا استيقظَ من منامه أدرك بفطرته أنَّ هذه الرؤيا صورةُ شرٍّ عظيمٍ يقع في المملكة ، إلاّ إنّه لم يعرف كيفيّة الحال فيه ، فرغِب في تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه ، فجمع أعيانَ مملكتِه من العلماء والحكماء وقال لهم: (( يا أيُّها الملأ )) هو خطابٌ للأشراف من العلماء والحكماء ، أو للسحرة والكَهَنة والمنجّمين وغيرِهم (( أفتوني في رؤياي )) هذه أي عبّروها وبيّنوا حكمَها وما يَؤولُ إليه من العاقبة (( إنْ كنتم للرؤيا تَعبُرون )) أي تعلمون عبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصورِ الخياليّةِ المُشاهَدَةِ في المنامِ إلى ما هي صور أمثلةٍ لها من الأمورِ الآفاقيّة والأنفُسيّةِ الواقعة في الخارج ، فالتعبيرُ والعِبارةُ الجَوازُ من صورةِ ما رأى إلى صورة ما يكون في الواقع ، واللامُ للبيانِ، وكأنَه لما قيل (( كنتم تعبرون )) قيل لأي شيءٍ ؟ فقال: للرؤيا .

والرؤيا تطلب التعبير لأن المعاني تظهر في الصورة الحسية مُنَزّلةً على المرتبة الخياليّة . ولذا قال ملكُ مصر (( أفتوني في رؤياي إنْ كنتم للرؤيا تعبرون )) . (( قالوا )) استئناف بياني ، فكأنّه قيل فماذا قال الملأ  للملك ؟ فقيل قالوا: هي (( أضغاثُ أحلام )) تخاليطها أو أباطيلها أو أكاذيبها ، من حديث نفسٍ أو وِسْوَسَةِ شيطانٍ ، فإنّ الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان ورؤيا مما حدّث المرءُ نفسَه . والأضغاثُ جمعُ ضِغْثٍ ، قال في القاموس: الضِغثُ قبضةُ حشيشٍ مختلِطٍ رَطبُها بيابسها وأضغاثُ الأحلام لا يصحّ تأويلُها لاختلاطها .

والأحلام جمعُ حُلْمٍ ، وهو الرؤيا الكاذبة لا حقيقة لها ، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ الرؤيا من الله والحُلْمُ من الشيطان .

(( وما نحن بتأويل الأحلام )) المنامات الباطلة التي لا أصلَ لها ((بعالمين )) وإنمّا التأويلُ للمنامات الصادقة ، ويجوز أنْ يكون ذلك اعترافاً منهم بقصورِ علمِهم وأنّهم ليسوا بنحاريرَ في تأويل الأحلام مع أنّ لها تأويلٌ فكأنهم قالوا: هذه الرؤيا مختلِطة من أشياء كثيرة والانتقال فيها من الأمور المخَـيَّلةِ إلى الحقائق العقليّةِ الروحانيّة ليس بسهل وما نحن بمتبحرين في علم التعبير حتى نهتدي إلى تعبير مثلِها ، ويدلُّ على قُصورِهم قولُ الملك (( إنْ كنتم للرؤيا تعبرون )) فإنّه واثقاً من علمهم بذلك  لَبَتَّ القول بالإفتاء ولم يعلّقه بالشرط . وليكون ذلك سبباً لخلاص يوسف من الحبس وظهور ِكمالِه ((وقال الذي نجا منهما )) وهو الساقي (( وادَّكَرَ )) أصلُه إذْتَكَرِ فقُلِبتْ التاء دالاً والذال دالاً وأُدْغِمت ، والمعنى تذكر الساقي يوسفَ وما قالَه (( بعد أُمَّةٍ))  أي مدَّةٍ طويلةٍ حاصلة من اجتماع الأيام الكثيرة وهي سبع سنين كما أنَّ الأمَّةَ إنمّا تحصُل من اجتماع جمعٍ عظيمٍ من الأفراد ، فالمدة طويلةٌ كأنّها أمّةٌ من الأيام والساعات ، وجملةُ (( وادَّكر )) بعد أمّةٍ حالٌ من الموصول (( الذي )) (( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ )) فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فاعتذر إليه وقال: يا (( يوسفُ أيّها الصديق )) البليغ في الصدق ، وإنمّا وصفَه بذلك لأنّه جرّب أحوالَه وعَرَف صدقَه في تأويلِ رؤياه ورؤيا صاحبِهِ (( أفتِنا في سبعِ بقراتٍ سمانٍ يأكلُهُنَّ سبعٌ عِجافٌ وسَبعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابساتٍ )) أي في رؤيا الملك ، ففي قولِه أفتِنا مع أنَّ المستفتـي واحدٌ إشعارٌ بأنَّ الرؤيا ليست له بل لغيره وأنّه في ذلك سفيرٌ ولم يغيّرْ لفظَ الملك ، إذ قد يكون بعض عبارات الرؤيا متعلقٌ باللَّفظِ (( لَعَلّي أرجِع إلى الناس لَعلّهم يعلمون )) قال يوسف في التأويل (( قال تزرعون سبع سنين دَأَباً )) مصدرُ دَأَبَ في العمل إذا جَدَّ فيه وتعِبَ ونصبه على الحال من فاعل تزرعون بمعنى دائبين مستمرين على الزراعة ، والحرث تهيئةُ الأرضِ وإلقاءُ البذور والزرع مراعاتها وإنباتها ، ولهذا قال ـ سبحانه ـ :{ أفرأيتُم ما تحرثون ءأنتم تزرعونَه أم نحن الزارعون } فاثبت لنا الحرثَ ونفى عنا الزرع فالزرعُ أعَمُّ وأهمّ ، فأخبرهم يوسف أنهم يواظبون سبع سنين على الزراعة ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخِصْبُ الذي هو البقراتُ السِمانُ في التأويل ، ودلَّهم في تضاعيف ذلك على أمرٍ نافعٍ لهم فقال (( فما حصدتم فذروه في سُنْبُلِهِ )) أي اتركوه فيه ولا تذروه كيلاً يأكلُهُ السوسُ ــ كما هو شأن غلال مصر ونواحيها ــ ولعلّه استدلّ على ذلك بالسُنبلاتِ الخُضْرِ وإنّما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتاداً منهم ذلك  ((إلا قليلاً مما تأكلون )) في تلك السنين فأنتم تدرسون وقت حاجتكم إليه . وفيه إرشادٌ منه ـ عليه السلام ـ لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصارِ على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوماً من قوله ، قال تزرعون سبع سنين وبعد إتمام ما أمرهم به شرع في بيان بقية التأويل التـي تظهر منها حكمة الأمر المذكور  قال (( ثمَّ يأتي من بعد ذلك )) أي من بعد السنين المذكورات وهو عطف على تزرعون (( سبعٌ شِدادٌ )) جمع شديدة أي سبع سنين صعبة على الناس لأنّ الجوعَ أشدُّ من الأسرِ والقتل (( يأكلْنَ ما قدَّمتم لهُنَّ )) أي يأكلن ما ادَّخرتم من الحبوب المتروكة في سنابلها . وفيه تنبيه على أنَّ أمرَه بذلك كان لوقتِ الضرورة وإسناد الأكل إليهنَّ مع أنّه حال الناس فيهن مجاز واللام في لهنَّ ترشيحٌ لذلك فكأنَّ ما ادُّخِرَ في السنابل من الحبوب شيء قد هُيّئَ وقُدِّمَ لهنَّ كالذي يُقدَّم للنازِلِ وإلاّ فهو في الحقيقة مقدَّمٌ للناس فيهِنَّ ((إلاّ قليلاً مما تُحصنون )) تحرزون وتدَّخرون للبَذْرِ (( ثمَّ يأتي من بعدِ ذلك )) أي من بعد السنين الموصوفة بما ذكر من الشدة وأكل الغِلال المدَّخرة (( عامٌ فيه يغاث الناسُ )) من الغيث أي يُمطَرون فيكون بناؤه من ثلاثيٍّ وألِفُه مقلوبةٌ من الياء يُقال غاثنا الله من الغيث وبابُه باع ، ويجوز أنْ يكون من الغوْثُ أي يُنقَذون من الشِدَّة فيكون بِناؤه من رُباعيٍّ ، تقول أغاثنا من الغوث فالألفُ مقلوبةٌ من الواو (( وفيه يَعصرون )) أي ما شأنه أنْ يُعصرَ ، من عنبٍ وقصبٍ وزيتونٍ وسمسم ونحوِها من الفواكه .

(( وقال الَملِكُ )) أي ملكُ مصرَ الأكبرُ وهو الريّان (( ائتوني به )) أي بيوسف وذلك لأنّ الساقي لمّا رَجَعَ بتعبيرِ الرؤيا من عند يوسف إلى الملِك وفي محضرِه الأشرافُ أُعجِبَ بتعبيرِه وعَلِمَ أنّ له عِلماً وفضلاً فأراد أن يُكرِمَه ويقرِّبَه ويَستمِعَ التعبير المذكور من فمِه بالذات . وأتى رسولُ الملك وقال إنَّ الملكَ يدعوك فأبى أنْ يخرج معه (( قال )) للرسول (( اِرجِعْ إلى ربِّك )) أي سيِّدِك (( فاسْألْه ما بالُ النِسْوةِ اللاّتي قطَّعْنَ أيديَهُنَّ )) في مجلس زُليخا ، كما سبق مفصلاً ، ولم يذكر سيِّدَتَه تأدُّباً ومراعاةً لحقِّها واحترازاً من مكرِها ، حيث اعتقدَها مقيمةً في عُدْوة العَداوةِ ، وأمّا النِسْوَةُ فقد كان يَطمَعُ في صَدْعِهِنَّ بالحقِّ وشهادتِهِنَّ بإقرارِها أمامهنَّ بأنّّها هي التـي راودتْه عن نفسِه فاستعصم.

قال العلماءُ إنّما أبى يوسف ـ عليه السلام ـ أنْ يخرجَ من السِجْنِ إلاّ بعد أنْ يتفحّص الملكُ حالَه معَ النِسْوَةِ لتنكشفَ حقيقةُ الحالِ عندَه ، لا سيّما عند العزيزِ ، وليُعلَمَ أنَّه سُجِنَ ظُلْماً فلا يَقدِر الحاسدُ على تقبيح أمرِه ، وليَظهرَ كمالُ عقلِه وصبرِه ووقارِه ، فإنّ مَن بقي في السجن ثِنْتى عشْرةَ سنةً إذا طلبه الملكُ وأمرَ بإخراجه ولم يُبادرْ  إلى الخروج وصبرَ إلى أن تتبين براءتُه من الخيانة في حقِّ العزيز وأهله ، دَلَّ ذلك على براءته من جميع أنواع التُهَم، وعلى أنَّ كلَّ ما قيل فيه كان كَذِباً وبُهتانا ، وفيه دليلٌ على أنَّه يَنبغي أنْ يجتهد في نفي التهمة ويتّقي مواضِعَها ، وفي الحديث الشريف ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخرِ فلا يَقَعَنَّ مواقِعَ التُهَم )) وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذات مرّةٍ  للمارّين به في مُعتَكَفِهِ وكان عندَه بعضُ نسائِهِ (( هي فلانة )) نفياً للتهمة .

      وروي عن النبـي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ أنّه استحسن حزمَ يوسف وصبرَه حيث دعا الملك فلم يبادر إلى الخروج  فقال: (( لقد عَجِبت من يوسف وكرمِه وصبرِه ــ يغفر الله له ــ حين سئل عن البقرات العِجافِ والسِّمانِ ولو كنت مكانَه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ، ولقد عجبت حين أتاه الرسول فقال ارجِعْ إلى ربِّك ـ الآية ـ ولو كنت مكانه ولبثتُ في السِجن ما لبث لأسرعت الإجابة ، وبادرتُهم البابَ وما ابتغيت العذر ، إنّه كان حليماً ذا أناةٍ )) والحِلمُ ــ بكسرِ الحاء ــ تأخيرُ مكافأةِ الظالمِ . والأناةُ ــ على وزنِ القناةِ ــ التأنّي وترك العَجَلة .

      وهذا ليس إخباراً عن نبيّنا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتضجُّره وقلَّةِ صبرِه، بل فيه دِلالة على مدحِ صبرِ يوسف بترك الاستعجال بالخروج ليزول عن قلب الملك ما كان متّهماً به من الفاحشة ، ولا يُنظر إليه بعين الشك والريبة ، وهو من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على سبيل التواضع فلم يكن مستعجلاً أبداً في الأمور ، والتواضع لا يصغِّرُ كبيراً ولا يَضَعُ رفيعاً ، بل يوجب لصاحبِه فضلاً ويورثُه جَلالاً وقدراً (( إنّ ربّي )) إنّ الله (( بكيدهن عليم )) وفيه استشهادٌ بعلم الله على أنَهنّ كدْنه وأنّه بريء من التهمة ،كأنّه قيل فلما حضرن (( قال )) الملك لهنّ (( ما خطبكنَّ )) أي ما شأنُكُنّ العظيم (( إذ راودْتُنَّ )) ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّهُنَّ جميعاً قد راودْنَه وليس امرأةُ العزيز فقط ولا يُعدَلُ عن ذلك إلاّ بدليل ، والمُراودةُ المطالِبةَ (( يوسفَ عن نفسِه )) هل وجدْتُنّ منه ميْلاً إليكن ؟ (( قلنَ حاش لله )) أصله حاشا بالألف وحذفت للتخفيف وهو في الأصل حرفٌ وُضٍع هنا موضع المصدر ، أي التنزيه واللام لبيان من يُبرّأ وينزّه ، وقد سبق الحديث في ذلك (( ما علِمْنا عليه من سوءٍ )) من ذنبٍ ولا خيانة هذا ما كان من أمر النسوة ، أمّا زُليخا فقد تطوعت بدورها لتدلي بشهادتها مبرّئة يوسُف ومعترفةً بذنبها ، أقولُ تطوِّعت  لأن يوسف ـ عليه السلام ـ لم يطلبها للشهادة إنما قال (( اِرجِعْ إلى ربِّك فاسْألْه ما بالُ النِسْوةِ اللاّتي قطَّعْنَ أيديَهُنَّ )) وزُليخا ليست منهنَّ فهي لم تقطّع يديها ، لكنّها بعد أنْ زال عنها صلَفُ السلطة وكبرياؤها وعانت طويلاً من لواعج الشوق وألم الفراق وفعلت بها السنين فعلَها وقد رأت من يوسف الاحترام إذ جنّبها الشهادة ولم يتهمها مباشرة بالرغم ما قاسى في السجن ظلماً، أضف إلى ذلك شعوراً بالذنب فقد دفعها ذلك كلُّه إلى قولها (( الآن )) أرادت بالآن زمان تكلُّمها بهاذ الكلام لا زمان شهادتهن (( حَصحص الحقُّ )) أي وَضُحَ وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس (( أنا راودتُه عن نفسِه وإنّه لمن الصادقين )) أي في قوله هي راودتنـي عن نفسي . (( ذلك )) من كلام يوم يوسف أي طلب البراءة ، أو ذلك التشبث بظهور البراءة (( ليعلم )) أي العزيز (( أني لم أخنْه )) في حرمه لأّنّ المعصيةَ خيانة (( بالغيب )) بظَهْرِ الغيب وهو حال من الفاعل ، أي لم أخنْه وأنا غائب عنه ، أو مِن المفعول أي وهو غائب عنّي خفيٌّ عن عينـي أو ظَرف أي بمكان الغيب وراءَ الأستارِ والأبوابِ المغلقة (( وأنّ الله )) أي ولْيعلمْ أنَّ اللهَ (( لا يهدى كيدَ الخائنين )) أي لا يُنْفِذَه ولا يُسَدِّدُه بل يُبطِلُه ويُزهقَه كما لم يُسدِّدْ كيدَ امرأتِه حتّى أقرّتْ بخيانة أمانةِ زوجِها وسمّى فعلَ الخائنِ كيداً لأنَّ شأنه أنْ يفعل بطريق الاحتيال والتلبيس فمعنى هداية الكيدِ إتمامُه وجعلُه مؤدّياً إلى ما قصد به . وفيه تعريضٌ بامرأةِ العزيزِ في خيانتِها أمانتَه وبنفس العزيز في خيانةِ أمانةِ اللهِ حين ساعدَها على حبس يوسف بعد ما رأوا آيات نزاهتِه ، ويجوز أنْ يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنّه لو كان خائناً لمّا هَدى اللهُ أمرَه وأحسنَ عاقبتَه . وفيه إشارةٌ إلى أنّ اللهَ تعالى يوصل عبادَه الصادقين بعد الغَمّ إلى السرور ويخرجهم من الظلمات إلى النور . (( وما أبرِّئ نفسي)) من كلام يوسف ـ عليه السلام ـ أي لا أنزِّهُها عن السوء ولا أشهد لها بالبراءة الكليّة،قالَه تواضعاً لله ـ تعالى ـ وهضماً لنفسِه الكريمة لا تزكيةً لها وعجباً بحالتها في الأمانة ومن هذا القبيل قوله: ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (( أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فَخْرَ لي )) أو تحدثاً بنعمةِ اللهِ تعالى عليه في توفيقه وعصمتِه ، أي لا أنزِّهُها عن السوء من حيث هي ولا أُسنِدُ هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعِها بدون توفيقٍ من الله تعالى (( إنَّ النفسَ )) اللام للجنسِ أي جميع النفوس التـي من جملتِها نفسي في حَدِّ ذاتِها (( لأمّارةٌ بالسوء )) تأمُرُ بالقبائحِ والمعاصي لأنّها أشَدُّ استِلْذاذاً بالباطلِ والشهواتِ وأميل إلى أنواع المنكرات ولولا ذلك لما صارت نفوسُ أكثرِ الخلق مُسَخَّرةً لشهواتِهم في استنباطِ الحِيَلِ لقضاءِ الشهوةِ ، ومن هنا وجب القولُ بأنَّ كلَّ مَن كان أوفرَ عقلاً وأجَلَّ قدْراً عند الله كان أبصرَ بعيوبِ نفسِه ومَن كان أبصر بعيوبها كان أعظم اتّهاماً لنفسِهِ وأقلَّ إعجاباً (( إلاّ ما رحمَ ربي )) من النفوس التـي يعصِمُها من الوقوع في المهالك ، ومن جملتِها نفسي ونفوسُ سائر الأنبياء ونفوسُ الملائكة أمّا الملائكةُ فإنّه لم تُرَكّبْ فيهم الشهوة ، وأمّا الأنبياء فهم وإنْ ركِّبت فيهم لكنهم محفوظون بتأييدِ الله تعالى معصومون.

      وفيه إشارةٌ إلى أنّ النفسَ من حيث هي كالبهائم والاستثناءُ من النفس أو من الضمير المستتر في {أمّارة} كأنّه قيل إنَّ النفسَ لأمّارةٌ بالسوء إلاّ نفساً رحمها ربي فإنّها لا تأمر بالسوء أو  بمعنى الوقت أي هي أمّارةٌ بالسوءِ في كلِّ وقتٍ إلاّ وقتَ رحمةِ ربّي وعصمتَه لها ، ودَلَّ على عمومِ الأوقات صيغةُ المبالغةِ في {أمّارة} يقال في اللُّغة أَمَرَتِ النفسُ بشيءٍ فهي آمرةٌ ، وإذا أكثرتِ الأمرَ فهي أمّارةٌ (( إنَّ ربي غفورٌ )) عظيمُ المغفرةِ لما يَعتري النفوسَ بموجِبِ طِباعِها (( رحيمٌ )) مُبالغةً في الرحمة لها بعصمتِها من الجريان بمقتضى ذلك.

      حُكيَ إنَّ زُليخا بعد ما توفي قطفير انقطعت عن كلِّ شيءٍ وسكنت في خرابةٍ من خرابات مِصرَ سنين كثيرةً ، وكانت لها جواهرُ كثيرةٌ جُمعت في زمان زوجِها فإذا سمعت مِن واحدٍ خبرَ يوسُف أو اسمُه بذلت منها محبّةً له حتّى نَفَدتْ ولم يَبْقَ لها شيءٌ وقال بعضُهم أصاب زُليخا ما أصابَ الناسَ مِن الضُرِّ والجوعِ في أيامِ القحط فباعت حُلِيَّها وحُلَلَها وجميعَ ما كانت تملُكُه ، وذهبت نعمتُها وبَـكَتْ بُـكاءَ الشوقِ ليُوسُفَ وهَرِمت ثمّ لمّا غيّرَها الجُهدُ ، واشتدَّ حالُها بمقاساةِ شدائدِ الخُلوة في تلك الخرابة ، اتخذت لنفسِها بيتاً من القَصَبِ على قارعةِ الطريق التـي هي ممرُّ يوسُف ، وكان يوسُفُ يركب في بعضِ الأحيان ولَه فرَسٌ يُسمَعُ صهيلَه على ميلين ولا يَصهَل إلاّ وقتَ الركوبِ فيعلَمُ الناسُ أنّه قد ركب فتقِف زُليْخا على قارعةِ الطريق ، فإذا مَرَّ بها يوسف تُناديه بأعلى صوتها فلا يَسمع لكثرة اختلاطِ الأصوات فأقبلت يوماً على صنمِها الذي كانت تعبُدُه ولا تفارقُه ، وقالت: له تَبّاً لك ولمن يَسجُدُ لك، أَما تَرْحَمُ كِبَري وعَمايَ وفَقري وضَعْفي في قُوايَ فأنا اليومَ كافرةٌ بِكَ فآمنتُ بربِّ يوسُف وصارت تَذكُرُ اللهَ تعالى صباحاً ومساءً ، فرَكِبَ يوسف يوماً بعد ذلك فلمّا صهَلَ فرسُه علِم الناسُ أنّه ركب فاجتمعوا لمطالعةِ جمالِه ورؤيةِ احتشامِه فسمِعت زُليخا الصهيلَ فخرجت من بيتِ القصبِ فلمّا مَرَّ بها يوسُف نادت بأعلى صوتِها سبحان من جعلَ الملوكَ عبيداً بالمعصية ، وجعلَ العبيدَ ملوكاً بالطاعة ، فأمرَ اللهُ تعالى الريحَ فألقت كلامَها في مسامع يوسف فأثّرَ فيه فبكى ، ثمَّ التفتَ فرآها فقال لغلامِه: اقضِ لهذه المرأةِ حاجتَها ، فقال لها: ما حاجتُك؟ قالت: إنّ حاجتـي لا يَقضيها إلاّ يوسف ، فحملَها إلى دار يوسف ، فلمّا رَجَعَ يوسف إلى قصرهِ  نَزَعَ ثيابَ المُلكِ ولبِسَ مُدرَّعةً من الشعرِ ، وجلس في بيتِ عبادتِه يَذكُر اللهَ تعالى فقالوا له : هذه العجوزُ  قالت إنَّها زَعَمت إنَّ حاجتَها لا يقضيها غيرُك فقالَ ائتِنـي بها فأحضرَها بين يديه فسلَّمت عليه وهو مُنَكَّسُ الرأس فرَقَّ لها وَرَدَّ ـ عليها السلام ـ ، وقال لها: يا عجوزُ إنّي سمعتُ منكِ كلاماً فأعيديه فقالت: إنَي قلتُ سبحان الله من جعل العبيدَ ملوكاً بالطاعة وجعلَ الملوكَ عبيداً بالمعصية ، فقال: نِعمَ ما قلت: فما حاجتُك؟ قالت: يا يوسف ما أسرع ما نَسيتَنـي ؟ فقال: مَن أنتِ ومالي بكِ معرفةٌ ؟ قالت: أنا زُليخا ، فقال يوسف: لا إلهَ إلاّ الله ُالذي يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت ، وأنتِ بَعْدُ في الدنيا يا رأسَ الفتنةِ وأساسَ البليّةِ ، فقالت: يا يوسف أَبخِلْتَ عليَّ بحياةِ الدنيا فبكى يوسف وقال ما صنعَ حِسنُكِ وجمالُكِ ومالُكِ ؟ قالت: ذهبَ به الذي أخرجَكَ من السِجْنِ وأورثَكَ هذا المُلك ، فقال لها: ما حاجتُك قالت: أوَ تفعل: قال: نعم وحقِّ شيبةِ إبراهيم ، فقالت: حاجتي ، أن تسأل الله أن يردَّ عليَّ بصري وشبابي وجمالي فإني بكيت عليك حتى ذهب بصري ونحل جسمي وأن تتزوّجني فدعا لها يوسف فرَدّ اللهُ بصرَها وشبابَها وحسنَها وقال بعضهم كان عمرُها يومئذ تسعين سنة ثمّ سكتَ يوسف وأطرق رأسه زماناً فأتاه جبريل وقال له: يا يوسف ربُّك يُقرئكَ السلام ويقول لك لا تبخل عليها بما طلبت ــ فانظر إلى رحمة ربِّــك بهذه العاشقة ــ ونزلت عليه الملائكة تهنئة بزواجه بها وقالوا: هَنّاك الله بما أعطاك ، فهذا ما وعدك ربك وأنت في الجُبّ ، فقال يوسف: الحمدُ لله الذي أنعم عليَّ وأحسن إليّ وهو أرحم الراحمين .

      وأُرسلت زُليخا إلى بيت الخلوة فاستقبلتها الجواري بأنواع الحُليِّ والحُلل فتزينت بها فلمّا جَنَّ الليلُ ودخل يوسف عليها قال لها أليس هذا خيراً مما كنتِ تريدين ؟ فقالت: أيها الصدّيق لا تلمني فإني كنت امرأةً حسناءَ ناعمة في مُلكٍ ودنيا ، وكان زوجي عِنّيناً لا يَصل إلى النساء ، وكنتَ كما جعلك الله فى صورتِك الحَسَنةِ ، فغَلَبتني نفسي ، ثم إنّها حملت من يوسف وولدت له ابنين في بطنٍ واحد أحدُهما أفراييم والآخر ميشا ، وكانا كالشمس والقمر في الحسن والبهاء وباهى الله بحسنِهما مَلائكةَ السموات السبع، وأحبَّ يوسف زُليخا حباً شديداً ، وتحوّل عشقُ زُليخا وحبُّها الأول إليه حتى لم يبق له بدونها قرار ، وحوّل اللهُ تعالى عشقَ زُليخا المجازي إلى العشق الحقيقي ، فجعل ميلَها إلى الطاعة والعبادة ، وراودها يوسف يوماً ففرّت منه ، فتبعها وقَدَّ قميصَها من دُبُرٍ فقالت: فإنْ قَدَدتُ قميصَك من قَبْلُ فقد قَدَدْتَ قميصي الآن ، فهذا بذاك .

      وبهذه القصة الشائقة المليئة بالحكم والمواعظ نختم هذا الباب وننتقل إلى الباب الأخير من هذا الكتاب وهو عبارة عن مختارات من غزل نخبة من كبار رجال التصوف ، مع ترجمة وجيزة لكلٍّ منهم  عسى أن ينفع الله قارئي الكريم بهؤلاء المحبين الصادقين والمُخلصين المقربين فعند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمات ، والحمد لله رب العالمين .

مصادر البحث:

1 ــ منتهى الطلب من أشعار العرب – (ج 1 / ص 49)

2 ــ السنن الكبرى للبيهقي – (ج 10 / ص 191) وقال الحاكم هو صحيح على شرط مسلم

3 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 25)

4 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 24)

5 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 22)

6 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 22)

7 ـــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 33)

8 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 37 ــ 39)

9 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 47 ــ  58)

10 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 93)

11 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 94)

12ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 88)

13ــ محاضرات الأدباء – (ج 1 / ص 362)

14ــ نهاية الأرب في فنون الأدب ـ موافق للمطبوع – (ج 2 / ص 171)

15ــ نهاية الأرب في فنون الأدب ـ موافق للمطبوع – (ج 2 / ص 172ـ 176)

16ــ نهاية الأرب في فنون الأدب موافق للمطبوع – (ج 2 / ص 177 ــ 178)

17ــ نهاية الأرب في فنون الأدب موافق للمطبوع – (ج 2 / ص 178)

18 ــ نهاية الأرب في فنون الأدب موافق للمطبوع – (ج 2 / ص 190 ــ194)

19ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 89)

20 ـــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 85 )

21ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 86 )

22 ــ تزيين الأسواق في أخبار العشاق – (ج 1 / ص 84 )

23 ــ أمالي القالي – (ج 1 / ص 42)

24 ــ الخصائص الكبرى – (ج 1 / ص 92) قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري في سير الواقدي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} تكلم أوائل ما ولد وذكر ابن سبع في الخصائص إن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة وأن أول كلام تكلم به أن قال ألله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً .

25 ــ  رواه الإمام أحمد في مسنده ، جـ 3 ، ص : 198

26 ــ جامع الأحاديث – (ج 39 / ص 154)

27 ــ صحيح مسلم – (ج 8 / ص 229) وأيسر التفاسير .

28 ــ الأربعون النووية: ج1 ص 40

29 ــ سورة البقرة الآية : /253/

الباب السادس:

مختارات من الغزل الصوفي :

1 ــ الشيخ محي الدين ابن العربي

{قُدّس سرُّه}:

560 ـ 638هـ ، 1164 ـ1240 م

هو الشيخ محي الدين ابن العربي ، الحاتمي ، الطائي الأندلسي، وُلِدَ بمرسيَّةَ ، وانتقل إلى إشْبيليَّة َ، وهو في الثامنةِ من عُمرهِ ، وفيها قَرَأَ العلومَ على أئمّة أهل زمانِه .

سافر إلى مصرَ والعراق ، والحجازَ ، وجاورَ الكعبةَ المشرَّفةَ ، مدَّةً من الزمن ، وفيها ألَّفَ أشهرَ كتُبِهِ المعروفَ بالفتوحاتِ المَكيَّةِ ، كما سافرَ إلى بلاد الروم ، وكانت الشام نهايةَ مطافه ، حيث دفن فيها ، وقبره في مسجد حمل اسمه ، وهو مزار .

لقِّبَ ابنُ العربي بالشيخِ الأَكْبَرِ ، وهو إمامُ أَئمَّةِ الصوفيّةِ بلا مُنازعٍ وله العديدُ من المؤلّفات ِيبلُغُ الـ /200/ أشهرُها الفتوحاتُ المكيَّةُ ، وله ديوانٌ شِعريٌّ يُسمّى بـ ترجمان الأشواق وقد اخترنا لك ، عزيزي القارئ من شعره

الآتي:

1 ــ حقيقتي

حقيقتـي هِمْــتُ بهـــــــــــــا           وما رآهـــــــــــــــا بَصَـري

ولَوْ رآهـــــــــــــــا لَغَـــــــدا          قتيـــــلَ ذاكَ الحَـــــــــــوَرِ

فعندمـــــــــــا أبْصَرْتُهــــــــا      صِــرْتُ بِحُكْـمِ النَظَـــــــــــرِ

فَبتُّ مَسْحــــوراً بِهــــــــــــا     أَهيـــــــمُ حتّى السَحَــــــــرِ

يا حَــــــذَري من حَــــــذَري      لو كان يُغْني حَــــــــــــذَري

واللـــــهِ مــــــــــــا هَيَّمَـنـي              حُكْمُ القضـا والقَــــــــــــــدَرِ

وإنّمـــــــــــــــــــــا هَيَّمَنـي                جَمـــــــــــــــالُ ذاكَ الخَفَرِ

يا حُسْنَهـــا من ظَبْيَــــــــــــةٍ   ترعى بِـــــذاتِ الخُمُـــــــــرِ

إذا رَنَــــــــــتْ أَوْ عَطَفَـــــتْ           تَسْبـي عُقــــولَ البَشَــــــــرِ

تَفْتَـــــــــرُّ عَـنْ ظَلْــــمٍ وعَـــنْ   حَــــبِّ غَمَـــــــــــامٍ نَشِـــرِ

كأَنّمــــــــــــا أَنْفاسُهــــــــــا           أَعْرافُ مِسْــــكٍ عَطِـــــــــرِ

كأَنّهـــــــــــا شَمْسُ الضُحــى  في النُـــــورِ أَو كالقَمَــــــــــرِ

إنْ أَسْفَــــــرَتُ أَبْرَزَهـــــــــــا           نُورُ صَبـــــاحٍ مُسْفِــــــــــرِ

أَوْ أَسْــــــدَلَتْ غَـيَّـبَـهــــــــا           ظــــــــــــلامُ ذاكَ الشَعَـــــرِ

يا قَمَــــراً تَحـــــــتَ دُجَــــا       خُــــــذي فُـــــــؤادي وذَري

عيْنــــــي لكي أُبْصِرَكــــــــم          إذْ كان حَظّي نَظَــــــــــــري

الفتوحات المكية : ج2ص323 – دار صادر

2 ــ تَناوَحَتْ الأرواحُ

ألا يا حَماماتِ الأَراكـةِ والــبــــانِ

تَرَفَّقْنَ ولا تُضعِفْنَ بالشَجْوِ أَشْجانـي

أُطـارِحُهــا عندَ الأصيلِ وبالضحـى

بِحَنَّةِ مشتــــــــــــاقٍ وأنَّةِ هَيْمَـانِ

تَناوَحَت الأرواحُ في غَيْضَةِ الغَضـــا

فمَالتْ بأفنانٍ عليَّ فأفنــــــــــاني

وجاءتْ مِن الشوقِ المبرِّحِ والجَــوى

ومن طُرَفِ البـلوى ، إليَّ بأفنـــانِ

تَطوفُ بقلبي ساعـــةً بعـد ساعــةٍ

لوجْدٍ وتَبْريــــــــحٍ وتَلثُـمُ أركـاني

كَمَا طافَ خيرُ الرسلِ بالكعبة التـي

يقول دليلُ العقـلِ فيهـــا بنُقصــانِ

وقبَّلَ أحجــاراً بهـــــــا وهو ناطقٌ

وأين مَقـــــامُ البيتِ من قَدْرِ إنسانِ

فكم عَهِدَتْ أَنْ لا تحولَ وأَقْسَمَــتْ

وليس لمخضوبٍ وفاءٌ بأيمـــــــــانِ

ومن عجَبِ الأشياء ظبـيٌ مبرقَــــعٌ

يُشـــيرُ بعُنّـــــابٍ ويومي بأجفـانِ

ومَرْعاهُ ما بين الــترائبِ والحشـــا

ويا عَجَباً مِنْ روضَةٍ وسْـــــطَ نيرانِ

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صـــــــورةٍ

فَمَـرْعى لغِـزْلانٍ وديـرٌ لرُهبــــــانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبـةُ طـــــــائفٍ،

وألواحُ تَوراةٍ ومُصحفُ قـــــــــرآنِ

أَديــــنُ بديـن الحُبِّ أنّى توجّهتْ

رَكائبُهُ فالحبُّ ديني وإيمـــــــاني

لنا أُسوةٌ في بِشر هندٍ وأٌختِهــــــــا

وقيسٍ وليــــــــلى ثُمَّ ميٍّ وغَـيْلانِ

ترجمان الأشواق ص40 ـ 44

2- الشيخ عبد الغني النابلسي

(رحمه الله ):

1050-1143 هـ ، 1641-1731م

هو: عبد الغني بن إسماعيل ينتهي نسبه إلى ابن جماعة الكناني المقدسيّ النابلسيّ الدمشقيّ ، ولد في نابلس بفلسطين وتوفي في دمشق ودفن فيها ، وقبره مزار في جامع سمي باسمه ، قريباً من خامع الشيخ محي الدين ـ رحمهما الله ـ . جمع بين الطريقتين القادريّة الجيلانية والنَقشبنديّة ، له كتب كثيرة في التصوف والأدب والشعر والفن منها :

1 ـ إشارات القبول إلى حضرة الوصول .

2 ـ الحديقة النديّة .

3 ـ الفتح المكي واللّمع الملكي .

     4 ـ الفتح المدني .

5 ـ التنبيه من النوم .

6 ـ ديوان الحقائق ومجموع الرقائق .

زار مصر وغيرها من البلاد الإسلامية ، وتأثر كثيراً بشخصية الشيخ محي الدين بن العربي ـ رضي الله عنهما ـ حيث يعدُّ التلميذ النجيبَ الأولَ له .

     غلب عليه حال البسط والمشاهد الجمالية وألّف الكثير من التواشيح والقصائد الغنائية ، وفي شعره غنائيةٌ واضحة ، أسلوبه سعل التناول وشعره سلس ، متدفّق الشاعريّة ، غزير العطاء ، وله ديوان شعريٌّ ضخمٌ يسمّى {ديوان الحقائق ومجموع الرقائق} طبعه الشيخ عبد الوكيل الدروبي ـ رحمه الله ـ على نفقته ، حبّاً بالشيخ النابلسي والتماساً للثواب ، جزاه الله خير الجزاء، والشيخ عبد الوكيل الدروبي هو أحد مريديّ الشيخ محمد الهاشمي وقد كان إماماً لجامع الدرويشيّة بدمشق ـ رحمهم الله جميعاً ـ ورحمنا بهم . وإليك قارئي الكريم باقةً من شعره:

بُرَيْقُ الحَيِّ

قَمَرٌ من فوقِ غُصنِ نَقــــــــا              ينجلي سُبحـان مَنْ خَلَقـــــا

هــــــــــــذه الأكوانُ طلعتُهُ              كلُّ مَنْ قد هـــــام فيــه رَقى

يا بُريْقَ الغَوْرِ قِفْ نَفَســــــاً              قَدْ خَطِفْتَ القَلبَ والحَدَقــــا

إنْ تَجُزْ يوماً بذي سَــــــلَـمٍ              قُلْ لهم جودوا ببعضِ لِقـــــا

لي فـؤادٌ مِلْؤهُ شَــــــــــغَفٌ              وضلوعٌ حُشيتْ حُرَقــــــــــا

وعُيونٌ كلَّمــــــــــــا رَمَقَتْ               لـم يَدَعْ منها الهوى رَمَقــــا

قلْ لهم يا سعْدُ مُغرَمُكــــــم               كـم يُقاسي الدمعَ والأرَقــــا

ذابَ شـــــــوقاً في مَحَبَّتِكـم               حيـن منكم بارقٌ بَرَقــــــــا

شمسُ هذا الكونِ طالِعَـــــــةٌ              جَــذَبَتْ روحَ الذي رَمَقـــــا

ذاتُها من ذاتِ لا بِسِهـــــــا              وهُمَــا في النشْأَةِ افترَقـــــــا

وهي من أنْوارِ بهجتِهــــــــا              بالعطايا تملأ الأفُقـــــــــــا

يا نُسيْمَـــاتٍ سَـــرت سَحَراً              من شـــذاها الكونُ قد عَبَقــا

خبِّرينا عن أحِبَّتِنـــــــــــــا              وعن الأهْلينَ والرُفَقـــــــــــا

في نَواحي الشِعْبِ غانيــــــةٌ              حُسْنُها في الكونِ ما اتَّفقـــــا

كلّما لاحَتْ سَــــــجَدتُ لها              حيثُ كلِّي ذابَ وانمْحَقَــــا

وأنا الفــــــــــاني فواعَجَبي              كيف لِي منها بوصفِ بَقــــا                                                                                                                                                                                                                                                                           ديوان الحقائق ومجموع الرقائق ص/ 338/

ولهُ أيضاً القصيدة الآتية بعنوان :

عينُ الأمر

ومن أَعْجَبِ الأمرِ هذا الخَفــــا          وهذا الظهورُ لأهلِ الوَفـــــــــا

وما في الوجود سوى واحـــــدٍ           ولكن تَكَثَّرَ لمّا صفـــــــــــــــا

وأصـلُ جميـع الورى نُقطـــــةٌ          على عين أمرٍ بدت أحرُفــــــا

وتلك الحروفُ غَدَتْ كِلْمَـــــةً           فكانت مشوقَ الحشا المُدْنَفــــا

فإنْ قلتَ:لا شيءَ قلُنــا: نعـم           هو الحقُّ والشيءُ فيــهِ اختفى

وإنْ قلتَ: شـيءٌ ، نقول الذي          له الحــقُّ أثبتَ كيف انتفى ؟

وقد حال بينَكَ يا عـــــــاذلي          وبيني بأنَّكَ لن تعرِفــــــــــــا

ألم تَرَ  أَنَّ المحبّـــــــــــين لا          يَرونَ النعيمَ بغيرِ الجَفـــــــــا

ولمّا شــربتُ  كؤوسَ الهــــوى          وذُقْتُ المُدامَــةَ والقَرقَفـــــــــا

أُزيلتْ صِفاتي فلا وصْفَ لـــي          وعنّي جميعي مضى واخْتـــفى

وما أنا إلاّ هَيــولا الـــــــورى           ولمحــــــةُ نُورٍ مــن المصطفى

خليليَّ قُومـــــــــا بنا للحِمَى           عسانا نَرى الرشَـــــأَ الأهيفــا

وعُوجــــا على سفحِ ذاك اللِّوا           وإنْ جئتُما دارَ سُلَيْمَى قِفــــــا

فإني مَشـــــــوقٌ كثيرُ الجَوى           عسى الحِبُّ بالوصلِ أنْ يَعْطفا

وقُولا لمن لامَ ويْــــــــحَ الـذي           بِهِ كَــدَرٌ بين أَهلِ الصفـــــــا

ديوان الحقائق ص/ 326/

 3 ــ الإمام السُهر وردي:

{رحمه الله }

539-632هـ وفيات الأعيان ج3ص446

هو عمر بن محمد الملقب بشهاب الدين السُهروردي نسبةً إلى سُهْرَوَرْدٍ وينتهي نسبه إلى سينا أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يقول عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان:  (( كان .. شيخاً صالحاً وَرِعاً كثيرَ الاجتهادِ في العِبادةِ والرياضةِ ، وتخرّج عليه خلق كثير من الصوفيّةِ في المجاهدةِ والخُلوةِ ، ولم يكن في آخرِ عمرِهِ في عصرِهِ مثلُهُ )) وُلِدَ بسُهْرَوَرْدَ وتوفي ببغدادَ ودُفِنَ فيها ، ومِنْ شِعْرِهِ القصيدة الآتية وهي بعنوان :

حنينُ الأَرواحُ

أَبَداً تَحِنُّ إليكُـــــــــــــمُ الأرواحُ

ووِصالُـــــــــــكم رَيحْانُها والراحُ

وقلوبُ أهـــــــلِ وِدادِكم تَشتاقُكم

وإلى لـذيـذِ لقائكم تَــــــــــــرتاحُ

وا رحمةً للعاشقينَ تكلّفـــــــــــوا

سَـــتْرَ المحبَّةِ والهوى فضّــــــاحُ

بالسِــرِّ إنْ باحوا تباحُ دماؤهـــــم

وكذا دماءُ البائحـين تُبــــــــــاحُ

وإذا هُـــــمُ كتموا تحدَّثَ عنهـــمُ

عند الوُشــــــــــاةِ المِدْمَعُ السفّاحُ

وبَدتْ شَواهِدُ للسِقامِ عليهِــــــــمُ

فيهـــا لمُشْكِلِ أَمْـرِهم إيضــــــاحُ

خفضُ الجناحِ لكم وليس عليكُــمُ

للصَبِّ في خفضَ الجَناحِ جَنـــاحُ

فإلى لِقاكم نفسُــــــهُ مُـرتاحـــــةٌ

وإلى رضاكـــم طَرْفُـــــهُ طَمّـــــاحُ

عودوا بنور الوصلِ من غسق الجفا

فالهجرُ ليلٌ والوصالُ صبـــــــاحُ

وتمتّعـوا فالوقتُ طــاب لقُرْبِكـــم

راقَ الشَرابُ ورقَّتِ الأقــــــــداحُ

صَفّـاهُمُ فَصَفوا له فقلوبُهــــــــــم

في نورِهـــــا المِشـكاةُ والمِصْبــــاحُ

يا صاحِ ليس على المحبِّ مــلامةٌ

إنْ لاح في أفُقِ الوصالِ صبــــــاحُ

لا ذنبَ للعُشّاقِ إنْ غَلَبَ الهـــوى

كِتْمَـانَهـم فَنَمَــا الغرامُ فباحــــوا

واللهِ ما طلبـــوا الوقوفَ ببابِـــــهِ

حتى دُعُـــوا وأتاهــمُ المِفتــــــاحُ

لا يَطرَبونَ لغيــرِ ذكرِ حبيبِهـــــم

أَبَداً فكلُّ زمانِهم أفـــــــــــــراحُ

هاموا على بحرِ الغَرام فدمعُهــــم

مَـــــوْجٌ وشِـــــدَّةُ وَجْدِهم مَــلاّحُ

أَفناهُــــــمُ عنهم وقد كُشِفتْ لهم

حُجُبُ البَقـــــا وتَلاشَتِ الأَشْباحُ

فتشبّهوا إنْ لم تكونـوا مثلَهــــــم

إنَّ التَشَبُّــــهَ بالكـرامِ فــــــــلاحُ

 4 ـ العارف بالله الشيخ محمد الحرّاق :

{رحمه الله تعالى}:

هو أبو عبد الله محمد بن محمد الحراق بن عبد الواحد بن يحيى بن عمر بن الحسن بن الحسين الحسيني. شاعر وإمام جليل، متضلّع في علم الظاهر انتهت إليه فيه الرياسة، مشاركاً في فنونه من تفسير وحديث وفقه وفتوى ومعقول. وكان أديباً شاعراً كاد ينفرد به في عصره مع كثرة وجوده. وقد كان تلميذاً للقطب الرباني العربي الدرقاوي.كما جاء في كتاب  الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ـ (ج 3 / ص 69)

ومما جاء في أعلام الزركلي ـ (ج 7 / ص 73) قوله: وفي هذا الوباء مات شيخ الطريقة أبا عبد الله سيدي محمد الحراق التطاوني الحراق (1186 ـ 1261 هـ = 1772 ـ 1845 م ) محمد بن محمد بن عبد الواحد ابن يحيى العلمي الشاذلي الدرقاوي الشهير بالحراق: شاعر صوفي من فقهاء المغرب.وكانت وفاته بتطوان وله (ديوان العلمي مطبوع ) سلك فيه طريقة ابن الفارض، وفيه تواشيح وأزجال، و (ديوان رسائل ومنظومات ـ مخطوط) في خزانة الرباط (275 د)

مات ودفن بزاويته المشهورة بثغر تطوان بباب المقابر. وكان له بالمغرب مريدون كثر ينشدون في حلق الأذكار الكثير من أشعاره ــ لاسيّما كزاويتي الحراق وابن الريسوني ــ مثل:

أتبحث عن ليلى وفيك تجلت            وتحسبها غيرا وغيرك ليست

ومن تلامذته أبو محمد المكي من جبل مراكش و نزيل القاهرة المتوفى 1313ه له بغية المشتاق لأُصول الديانة و المعارف و الأذواق طبع في بولاق 1298ه و كان المذكور من تلامذة محمد الحراق وهو صاحب كتاب الفتوحات القدسية على شرح منظومة محمد الحراق ,{معجم المطبوعات ـ (ج 1 / ص 1063)مجلة التاريخ العربي ـ (ج 1 / ص 11926)اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ـ (ج 1 / ص 167)الموسوعة الشعرية ـ (ج 1 / ص 614)} .

ولتلميذه محمد ابن العربي الدلائي (المتوفى سنة 1285) كتاب (النور اللامع البراق في ترجمة محمد الحراق ـ مخطوط ) في خزانة الرباط (960) تقدم ذكره (2).* (هامش 1) * (1) عنوان الأريب 2: 87 والأزهرية 6: 299 وسركيس 613.(2) سلوة الانفاس 1: 342 وإتحاف المطالع ـ مخطوط .معجم المؤلفين ـ (ج 11 / ص 206) (ط) البغدادي: إيضاح المكنون 2: 519 محمد الحراق ( 1186 – 1261 ه) (1772 – 1845 م) محمد بن محمد الحراق ، الحسني ، الشاذلي ، الدرقاوي (أبو عبد الله) فقيه ، صوفي ، من أهل الطرق ، مشارك في التفسير والحديث والفقه والأدب والشعر توفي بتطوان. من آثاره: ديوان شعر . ومن شعره :

حُسْنُ العَذارى

أَماطَتْ عن مَحاسِنِها الخِمَـــارا         فغادرتِ العقولَ بهـا حُيـــارى

وبثّت في صميـمِ القلبِ شوقــــاً         توقّـــــــدَ منْـه كلُّ الجِسْمِ نارا

وألقتْ فيــه سِــرّاً ثُـمَّ قالــتْ:        أرى الإفشــاءَ منكَ اليومَ عـــارا

وهل يسْطيعُ كتْمَ السرِّ صــــبٌّ         إذا ذُكِرَ الحبيبُ إليـــهِ طـــارا

بــهِ لَعِبَ الهوى شيئـــاً فشيئاً         فلم يشعُرْ وقد خلَعَ العِــــــذارا

إلى أن صارَ غيبـاً في هواهـــــــا        يُشيرُ لغيرِهـا ولها أَشـــــــــارا

يُغالطُ في هواهـا الناسَ طُــــــرّاً         ويُلقي في عُيونِهِــمُ الغُبـــــــارا

ويسْـألُ عن مَعارِفِهـــا التِــذاذاً         فيَحْسَبُهُ الورى أنْ قد تَمـــارى

ولو فهِمُـــوا دقائقَ حُبِّ ليــلى         كفاهم في صبابتِــــــهِ اختبــارا

إذا يَبدو امْــرُؤٌ من حيِّ ليـــلى         يَذِلُّ لهُ وينكسِرُ انكســـــــــارا

ولولاهـــــــــا لما أَضْحى ذليـلاً         يُقبِّلُ ذا الجِـــدارَ وذا الجِـدارا

وما حُبُّ الديـــــارِ شَغَفْنَ قلبي         ولكنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِيـــــارا

ولمّا أنْ رأتْ ذُلّي إليهـــــــــــا         وحُبّي لم يَزِدْ إلاّ انْتِشــــــــارا

وأحسِبُ في هواها الذُلَّ عِـــــزّاً         وحَقْري في مَحَبَّتهــــا افتخـارا

أباحتْ وصلَهــــــا لكن إذا مـا         غَـدوْنا من مُدامتِها سُـــــكارى

شـــرِبناهــــا فلمّـــا أَنْ تَجَلَّتْ         نسينا من مَلاحَتِها العُقـــــــارا

وكسَّرْنا الكؤوسَ بها افْتِتـــــاناً         وهِمْنـا بالمـديـرِ بـلا مُـــــــدارا

وصـارَ السُكرُ بعد الوصلِ محْـواً          وأين السُـكرُ من حُسْنِ العَذارى

فدَعْني يا عَذولي في هواهــــــا          كفى شَغَفي بمن أَهْوى اعْتِـذارا

أَتَعْذِلُ في هــوى ليلى بجهــلٍ           لمن في حُبِّهـا بلـغَ القُصـــارى

فذا شيءٌ دقيقٌ لسـتَ تـــدري           لِدِقَّتِهِ المُشيرَ ولا المَشـــــــــارا

بِــهِ صـارَ التَعَدُّدُ ذا اتّحــــادٍ            بلا مَزْجٍ فـذا شيءٌ أَحــــــارا

فسلِّم واتركن من هام وجــــداً            وما أَبقى لصبْوتِهِ اسْــتِتــــارا

      وقد شغفت بهذه القصيدة وحفظتها منذ بدايات سلوكي ولطالما ترنمت بها في حضرة شيخنا الشيخ عبد الرحمن الشاغوري (رحمه الله) , ثم زادني بها شغفاً ما سمعتُه من الشيخ عبد الوكيل الدروبي ـ رحمه الله تعالى ـ من أن الشيخ عبد القادر القصاب مفتي دير عطية ـ رحمة الله عليه ، وكان شاعراً أيضاً ـ قال الشيخ عبد الوكيل: لما قدم المفتي الشيخ عبد القصاب على السيد الهاشمي ـ رضي الله عنه ، أخذ المنشدون في المديح والإنشاد والشيخ القصاب محافظ على هدوئه ووقاره ، فلما أنشد أحدهم قصيدة الحراق ـ أما طت عن محاسنها الخمارا .. ـ خرج المفتي القصاب عن هدوئه ، وأخذه الوجد والاضطراب ، وأسرع في مبايعة السيد الهاشمي وسلك على يديه .

5 ــ عمر ابن الفارض

{ رضي الله عنه }:

576 ـ 632هـ ،1180 ـ 1235م وفيات الأعيان لإبن خلكان ج 3 ص454

ترجمتُه: هو عمر بن علي بن مرشد ، حَمَوِيُّ الأصلِ مِصْرِيُّ النَشْأَةِ، فيها تُوُفـيَّ ، وفيها دُفِنَ ، والده شمس الدين، من كبار العلماء عصره ، انفرد بعلم الفرائض {المواريث} فلقب بالفارض، لذا أُطلِقَ على وَلَدِهِ ، عمر ، لقبُ ابن الفارض ، يقول عنه صاحب كتاب النجوم لزاهرة: ( الصالح الشاعر المشهور ، أحد البلغاء والفصحاء، وهو صاحب النظم الرائق ، والشعر الغرامي الفائق .. وشعره أشهر من أن يذكر ) النجوم الزاهرة ، ج  6 ، ص / 288/.  وقال عنه صاحب  كتاب بدائع الزهور : (.. وكان فريد عصره في علم التصوف وكان له نظمٌ فائقٌ في الغراميّات لم يسبَقْ إليه ) . بدائع الزهور ، ج  1 ، ص ،/81/ .

وقال عنه العلامةُ المناوي: (( .. الملقّب في جميع الآفاق بسلطان المحبين والعشّاق ، المنعوت بين أهل الخلاف والوِفاق ، بأنّه سيِّدُ شعراءِ عصرِهِ على الإطلاق ، له النظمُ الذي يستخِفُّ أهلَ الحُلوم )) {شذرات

الذهب لابن العماد ج 5 ، ص / 151 / .}

أقام في مكة مدّةً مِن الزمن ، وأخذ على عددٍ كبيرٍ من المشايخِ والعلماء. من شعره :

1 ــ خلوة بالحبيب

زِدْني بفَرْطِ الحُبِّ فيــــكَ تَحَيُّــرا

وارْحمْ حَشــــاً بلظى هواكَ تَسَعَّرا

وإذا ســـــــألتُكَ أنْ أراكَ حقيقـةً

فاسْمحْ ولا تجعل جَوابي لن تَـرى

يا قلبُ أنت وَعَدتَني في حبِّهــــم

صَبْراً فحــاذرْ أَنْ تَضيقَ وتَضْجَــرا

إنَّ الغـرامَ هو الحيـــــاةُ فمُتْ بـهِ

صَبّـاً فحقُّـكَ أنْ تمــوتَ وتُعْـــذَرا

قل للذين تَقَــــــــدَّموا قبلي ومـن

بَعـدي ومَن أضحى لأشجاني يرى

عَنّي خُذوا وبيَ اقْتدوا وليَ اسمْعوا

وتحدّثــــــوا بصَبابتي بين الورى

ولقد خَلَوْتُ مع الحبيب وبينَنــــا

سِرٌّ أرَقُّ من النسيـمِ إذا سَــــــرى

فدُهشـتُ بـين جَلالِــهِ وجمـالِـــهِ

وغَدا لســـــانُ الحالِ عنّي مُخْبِـرا

وأَباحَ طَرْفي نَظرةً أمَّلْتُهـــــــــــــا

فغـدوتُ مَعروفاً وكنتُ مُنَكَّـــــــرا

فأدرْ لِحاظَكَ في مَحاسنِ وجهِـــــهِ

تلقَ جميــعَ الحُسْنِ فيـــه مُصـوّرا

لو أنَّ كلَّ الحُسْنِ يكمُلُ صـــــورةً

و رآه كان مُهلِّــــــــــــلاً ومُكبِّـرا

وله أيضاً {رضي الله عنه}:

حديث القلب

قلبي يحدِّثني بأنَّـــــــــك مُتْلِفي

روحي فِداك عَــرَفتَ أَم لم تعرفِ

مالي سوى روحي وباذلُ نفسِــــهِ

في حُبِّ مَن يهـــواه ليس بمسرفِ

فلئن رضيت بها فقـــــد أسْعفتني

يا خيبـــــةَ المسعى إذا لم تُسْعِفِ

إنْ لم يكن وصلٌ لديك فعِدْ بِــــهِ

أملي ؛ وماطلْ إنْ وعَأدْتَ ولا تَفِ

فالمَطْلُ منك لديَّ إنْ عَزَّ الوفــــــا

يحلو كوصـــلٍ من حبيبٍ مُسْعِفِ

لو أنَّ روحي في يَدي ووهبْتُهـــــا

لمُبَشِّــــــــري بقـدومِكم لم أنْصِفِ

بَرِح الخفاءُ بحبِّ مَنْ لو في الدجا

سَفَرَ اللِّثامَ لقلتُ يا بَـــدرُ اختَـفِ

وإنْ اكتَفى غيري بطيف خيالِـــهِ

فأنا الذي بوصالِــــــــهِ لا أَكْتَفي

لو قال تيهاً قِفْ على جَمْرِ الغضـا

لوقفتُ ، ممتثلاً ، ولم أَتَـوقّـــفِ

أوْ كان من يرضى بخـدّي مَوْطئـاً

لَوَضعتُـــــــهُ أرضاً ولم أَسْتَنْكفِ

لا تُنكروا شَغَفي بمــا يَرضى وإنْ

هو بالوِصــــــال عليَّ لم يتعطَّفِ

مِنّي لَهُ ذُلُّ الخَضــــوعِ ومنْهُ لي

عِــــــــزِّ المَنوعِ وقوَّةُ المستضعِفِ

لو أَسمعوا{يعقوبَ} ذِكرَ مُلاحةٍ

في وجهِهِ نَسِيَ الجمَالَ اليُوسُفيّ

كلُّ البدورِ إذا تجلّى مُقْبـــــــلاً

تَـصْبــــــــو إليْهِ وكلُّ قَدٍّ أَهْيفِ

وعلى تَفَنُّن واصفيه بحُسْنِـــــــهِ

يَفْنى الزمانُ وفيـهِ ما لم يوصَـفِ

إنْ زارَ يَومــــاً يا حَشايَ تَقَطَّعي

كَلَفاً بِــهِ ، أو سارَ يا عَيْنُ اذْرُفي

وله أيضاً ـ رحمه الله ـ

خمرة الحب

شَرِبْنا على ذكـرِ الحبيبِ مُدامــــــةً

سَكِرْنا بها منْ قبلِ أنْ يُخلَقَ الكَـــرْمُ

لها البـدرُ كأسٌ وهي شمسٌ يُديرهـــا

هِـلالٌ وكم يَبْـدو إذا مُزِجَتْ نَجـــــمُ

ولولا شَـذاهـا ما اهْتَـديْتُ لِحانِهــــا

ولولا سَناهــا ما تَصَــــوَّرَهـا الوَهْـــمُ

فإنْ ذُكرَتْ في الحَيِّ أَصبَح أَهْلُــــــهُ

نَشاوى ولا عــارٌ عليهـم ولا إثْــــــمُ

وإنْ خَطَرتْ يوماً على خاطرِ امـــرئٍ

أقامتْ بِهِ الأَفراحُ وارْتَحَلَ الهَـــــــمُّ

يقولون لي صِفْهــا فأنت بوصْفِهــــا

خبيرٌ أَجَلْ عنــــدي بأوصافها علــمُ

صَفاءٌ ولا مــاءٌ ولُطْفٌ ولا هـــــــوى

ونـورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جِســــــــــمُ

تَقَــــــدّمَ كلَّ الكــائنـاتِ حديثُهـــا

قديمــــاً ولا شَكلٌ هنـاك ولا رَسْـــمُ

وقامت بهـا الأشيـاءُ ثُـمَّ لِحِكْمَــــــةٍ

بها احتجبت عن كلِّ من لا له فهـمُ

ولُطْفُ الأواني في الحقيقـــةِ تابـــعٌ

للُطفِ المعـــاني والمعـاني بهـا تَنْمُـو

وقـد وقَــــعَ التَفريقُ والكلُّ واحـــدٌ

فأرواحُنا خمرٌ وأشباحُنـــــــــا كرمُ

فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحياً

ومن لم يَمُتْ سُكْراً بها فاتـه الحزمُ

على نفسِــهِ فلْيَبْكِ من ضـــاع عمرُهُ

وليس لـــه فيهــا نصيبٌ ولا سهـمُ

6-  سيدي الشيخ عبد الرحمن الشاغوري:

{رضي الله عنه }

ترجمته: هو  سيدي وشيخي ومرشدي إلى الله ، العارف بالله ، المرشد الكامل الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن مصطفى بن عبد الرحمن عابدين ، من أهلِ بيت النبوَّة ، الحمصي، الشاغوريِّ، وُلِدَ في مدينة حمصَ عام / 1914 / م ، تربىّ يتيماً ، كفله أخوه الأكبر ، فرحل به إلى دمشق وهو ابنُ ثماني سنوات ، عمل بالنسيج ، تعلّق بمجالس الذِكرِ منذ نُعومَةِ أظفارِهِ في حمصَ عند شيخ الطريقة الرفاعيّة ، الشيخ يوسُف جندل ـ رحمه الله ـ ، ثمَّ عند شيخ الطريقة الأحمديَّة في دمشق حينها الشيخ: عمر الحمصي ـ رحمه الله ـ .

ولمّا كَبُرَ أَخَذَ الطريقةَ التِيجانيّةَ عن الشيخ: عطا الغبرة ـ رحمه الله ـ  وكان يحضُر دروسَ شيخ الشام ومحدِّثها الأكبر: الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ: علي الدقر ـ رحمهما الله ـ .

وكانت النقلةَ الكبرى في حياته معرفتُه وليَّ الشامِ وشيخَ مشايخِها

العارف بالله ، المرشد الكامل سليل بيت  النبوة  الشيخ : محمد الهاشمي ، ـ رضي الله ـ عنه الذي قال فيه: { سيدي عبد الرحمن يصلُحُ للطريقة } فأخذ عنه الطريقة الشاذلية الدرقاويّة ، ولازمَهُ ملازمةَ ظلِّهِ حوالي الثلاثين عاماً ، فاستفاد الكثيرَ من معارفِهِ وعلومِه ، وتعلم منه أصولَ الطريقةِ ، وسلك على يَديْه حتى أجازه ، وكان يقرأ العبارة في حضرة شيخِهِ في كلِّ  دروسه العامّةِ والخاصّةِ ، كما أجازَهُ كلٌّ من الشيخ سعيد الحمزاوي ، نقيبُ الأشرافِ في دمشق ، والشيخ سعيد الكردي ، خليفةُ الشيخ الهاشمي في الأردنّ ، إجازةً خطيَّةً بكلِّ ما أجازَهُ به شيخُهُ الشيخُ محمّد الهاشمي ، وأجازَهُ الشيخُ : علي البوديلمي أحدُ خلفاءُ الشيخِ أحمد بن عِليوة ، إجازةً شفهيَّةً بحضورِ لفيفٍ من كبارِ علماءِ دمشقَ ومشايِخِها في جامع الدرويشيّة بدمشق ، فكان بذلك أعلى مشايخِ الطريقة الشاذليّة سَنَداً في بلادِ الشام .

شارك في الثورةِ السورية على الاحتلال الفرنسي وهو دون العشرين من

عُمره ، وشارك رفاقَه العمالَ نضالهَم لنيلِ حقوقِهم، وانتُخبَ رئيساً لاتحادِ

عمالِ النسيجِ في دمشق ، وكان عضواً في اتحادِ نقاباتِ العمالِ في سوريَّةَ ، وعضواً في اتحاد العمالِ العرب .

عمل خطيباً في عدد من جوامع دمشق ، إضافةً إلى عمله في النسيج ، وكان ـ رضي الله عنه ـ خليَّة عملٍ بمفرده ، حيث كان يلقي الدروس العامة والخاصَّة على مريديه ومستمعي دروسِهِ ليلاً ونهاراً ، بعضُها في بيته ، وبعضُها في المساجد والبعضُ الآخرُ في بيوت إخوانه ومريديه ، وإذا وجد لديه وقتاً فارغاً وكان هناك درسٌ لأحد المشايخِ  حضره مستمعاً ، وهو في هذه السنِّ، عملاً بحديثِ سيدنا رسولِ الله ـ عليه وآلِهِ الصلاةُ والسلام ـ .

وقد أكرمنـي بمجاورته والسلوك على يديه حتى دخول الخلوة في جامع

القلبقجية بدمشق عام 1973، وكنت أحضُر معظم دروسه وقرأت عليه عدداً من الكتب ، كالفتوحات المكية والرسالة القشيرّية ، وشرح مفتاح الجنّة، في عقيدة أهل السنة وكفاية المريد في علم التوحيد ، وغيرها جزاه الله عنا خير الجزاء ، وكان من جملة ما أخـذت عنه علم المقامات الموسيقيّة ، وأصول الإنشاد ، فقد كان ـ رحمه الله ـ منشداً في حضرة شيخهِ الهاشميِّ ـ رضي الله عنه ـ كما كان شاعراً وملحناً لا تَزالُ ألحانُهُ وأشعارُهُ تُردّدُ في حِلَقِ الذكر ، ومنها الموشّح الآتي:

رفعت أستارُ البين

رُفِعتْ أستـــــارُ البـــينْ                    وانجلتْ أنوارُ العــــــــينْ

تنجلي من غــــيرِ أَيْــنْ                   فاشْهدوها يا صوفيّـــــــــهْ

دور

أنا مِــــــــرآةُ حبيبـي                      في هواهُ روحي طيبـــــــي

عن سِواهُ نفسي غيبـي             واتْرُكي الأَشْيـا الرَدِيَّـــــهْ

دور

مُذْ بدا في ذي المشاهدْ             صرتْ راكعـــــاً وساجــدْ

شــــــاكراً لهُ وحامدْ             إذ طَــواني في الهُويَّــــــهْ

دور

يا هَنــــــائي في لِـقـــــائي                 يا بقــائي في فنــــــائي

يا ضيــــائي في سمـــــائي                 يا حيـــاتي الأَبَـديّــــةْ

دور

أقبلَ الســـاقي علينـــــــا              قَــــدَّم الكــأسَ إلينــــا

فاحتسينـــــا وارتوينـــــا                 من كؤوسِ الهــاشميَّـــهْ

دور

واشْربِ الكأسَ جهـــــارا                لا ترى في الشربِ عــارا

وهِـمْ واخلـــعِ العِـــــذارا                في المعـاني الأقدسيَّـــــهْ

وله ديوان شعرٍ نفيس مطبوع يزيّنُ مكتبتي المتواضعـةَ ويباركها ، اسمُهُ {الحدائقُ النديّة في النسمات الروحانية} وهذا الموشَّح موجود فيه كاملاً لمن أراد المزيد ، وكان ـ رضي الله عنه ـ قد شرّفني بأنْ أهدى إلَّي نُسخَةً منه كتبَ عليها:{ هديّةً لأَعَزِّ الأحبابِ إليّ } بخطِّ يَدِهِ ومن شعره أيضاً:

سجود البُهت

كالشمسِ لاح لعيني مِن وَرا العَلَـــــمِ

وخاطبَ السمعَ في مُستعذَبِ النغَـــــمِ

وفي رقيـقِ نَسيــــمِ الروض لامَسَـــــهُ

                                  شعورُ وجْدي بلُقيا اللطفِ في النَسَـــمِ

وأصبَــحَ الجسمُ مبهوتاً بسجْدتِــــــهِ

                               للحُسْنِ حتّى غــــــدا في نُقطة العدمِ

هــذا الجَمَــالُ فإن كنتُ الأسيرَ لــهُ

                             أنا المليـكُ على الأغيـــــــــارِ كلِّهِـــمِ

أطويهِمُ طَيَّ فانٍ بالجَمَـــــالِ ، فإنْ

                             أَرْجِـــــعْ فإنَّ رُجوعي بالرسولِ حُمـي

مَن كان في مَشْهَدِ الإحسانِ عَبْدَ رِضاً

                           حـــاشا غــداً أنْ يُرى عبــــداً لمُنْتَــقِمِ

يا لائمِي لا تلُمْني في هــــــــواهُ إذا

            قدَّمتُ في الرقصِ أشفــــاري على قَدَمي

ديوان الحدائق الندية

7 ــ سيّدي أبو العبّاس المرسي :

 {رضي الله عنه }:

أبو العباس المرسي: أبرز تلاميذ الشاذلي ، وزوج ابنته ، وقد قدم معه من تونس إلى مصر ، وأصله من مرسية في الأندلس ، وإليها ينسب ، وبها ولد سنة 616 هـ وتوفي سنة 686 هـ. ودُفن فى الموضع الذى يحتله اليوم مسجده بالإسكندرية . {الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة . – (ج 75 / ص 2) } الراصد 1 ـ 51 ـ (ج 56 / ص 13)

ــ أبو العباس المرسي: أحمد بن عمر المرسي أبو العباس شهاب الدين، من أهل الإسكندرية ، لا يُعرف تاريخ ولادته وأهله من مرسيه بالأندلس، توفي سنة 686هـ ـ 1287م .

ــ يعد خليفة أبي الحسن الشاذلي وصار قطبًا (*) بعد موته ، حسب ما يقول الصوفية ، وله مقام كبير ومسجد باسمه في مدينة الإسكندرية .

كان الصوفي المشهور أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي يقول: (( طريقنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة , بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وهو أول الأقطاب )) {الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة . ـ ج 75 / ص 3}

كان يسمع أذان حملة العرش. هذا ما جاء في طبقات الشعراني {موسوعة الرد على الصوفية ـ ج 29 / ص 177}

ــ قال عن نفسه:(( والله لو حُجب عني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين )){ البحر المديد ـ ج 1 / ص 91}

قال الشيخ أبو العباس المرسي ـ رضي الله عنه ـ : (( لا يدخل على الله إلا من بابين ، أحدهما : الموت الحسي ، وهو الموت الطبيعي ، والآخر: الموت الذي تعنيه هذه الطائفة )) . هـ وهو موت النفوس ، فمن لم تمت نفسه لم تَحْيَى روحه . { البحر المديد ـ (ج 3 / ص 193)} . قال الشيخ أبو العباس المرسي {رضي الله عنه} : الحق الذي خلق الله به كل شيء كلمة  (( كن )) و له (( شرح الصلاة المشيشية ـ مخطوط )) رسالة. ومن شعره:

وجه ليلى

أَعِنــدك عن ليلى حــديثٌ محـــرَّرُ؟

بإيرادِهِ يحيَــــا الرَميــــــــمُ ويُنشَـرُ

فعَهْـدي بها العهـدُ القــديـــمُ وإنّني

على كلِّ حـــال في هواهــا مقصِّــــرُ

وقد كان منها الطيفُ قِدْمــاً يزورُني

ولمّا يَـزُرْ ما بالُـــــــهُ يَتَعــــــــذَّرُ ؟

وهل بخلتْ حتّى بطيفِ خيالِـهــا؟

أَمِ اعْتــلَّ حتى لا يَصِـحَّ التَصَــوُّرُ ؟

ومن وجهِ ليلى طلعةُ الشمْسِ تستضي

                           وفي الشمسِ أَبْصارُ الـورى تتحيَّـــرُ

وما احتجبتْ إلاّ برفـعِ حجابِهــــــا

ومن عَجَبٍ أنَّ الظُهــــورَ تستُّــــــرُ

 8  – محمد الصيادي المعروف بالروّاس

{رضي الله عنه}

1220 – 1287هـ

هو محمد مهدي  بهاء الدين بن علي الرفاعي الحسيني ، ولد في بلدة سوق الشيوخ ، من أعمال البصرة رحل إلى الحجاز وجاور بمكة وبالمدينة فتلقى العلوم على كبار علماء الحجاز في عصره ، ثم رحل إلى مصر حيث أكمل علومه على مشايخ الأزهر الشريف وبقي مقيما فيه ثلاثَ عشْرةَ سنةٍ ، حتى برع في كل فن وتبحر في كل علم، وحفظ كتاب الله ـ عز وجل  ـ وصحاح الست بطرقها واختلاف رواياتها وأسانيدها مع العلم بتراجم الرجال وحفظ عدداً كبيراً جدّاً من المتون والأصول والفروع في  شتى العلوم .ثم عاد إلى العراق وأخذ الطريقة الرفاعية عن الشيخ السيد إبراهيم الرفاعي . وله من المؤلفات:

1ــ بوارق الحقائق.

 2 ــ فصل الخطاب .

 3 ــ رفرف العناية .

 4 ــ طي السجل .

 5 ــ الوثيقة الكبرى .

 6 ــ الوثيقةُ الوسطى .

 7 ــ الوثيقةُ الصغرى .

 8 ــ ديوان معراج القلوب .

 9 ــ ديوان مشكاة اليقــين .

 10 ــ ديوان مَهْبِط الإلهام .

 ومن شعره نقدم لكم الباقةُ الآتية :

غريبُ الغُربا

رَوِّحينا يا نُسَيْمَاتِ الصَبــــــــا         واحمِلي للشيبِ أنفاسَ الصِّبـــا

آهِ منهم آهِ من هِجرانِهـــــــــم          كم كوى قلباً ولُبّاً أذهبــــــــا

والأَفانينُ التي في عِشقِهــــــــم          عَلَّمَتْ أهلَ الجُحودِ الأدَبـــــا

من هـــواهم لُبُّ قلبي ذائــــبٌ         إنَّما يَدري الهـــــوى مَن جَرَّبا

قال ساقيهم خُذِ الكأسَ ومُــتْ          رَشقوا فــــوق الشرابِ الحَببــا

لو بَدَتْ لي نَظرَةٌ مِن وجهِهــم          لملأتُ الكونَ فيهــــــــا طَـرَبا

أنا فيهم غائبٌ عن مَشْهَـــدي          صِرْتُ بــين القومِ فيهم عجبـا

يا سُعادُ اللهَ في قلبي بهـــــــم          قد شَقَقْتِ يا سُعادُ الحُجُبـــــا

قُطِعَتْ حيلَتُنا في حُبِّهـــــــــم         هكذا اللهُ علينا كَتَبــــــــــــــا

كيف أَنْسى بين رُ كبان الحمى         يــــومَ قالــــوا يا غريبَ الغُرَبا

أَثبتوا لي في هـــواهــــم غُربتي        إنَّ في هـــــذا من الغيبِ نَبــــا

 ديوان مشكاة اليقين للشيخ محمد مهدي الصيّادي ص34-35

وقال أيضاً ـ رضي الله عنه ـ في الصفحة 77 من ديوانه ، بعنوان :

لفتة الظبي

يا لفتــــةَ الظَبْيِ من غَربيِّ لَعْلَعَ في

وادي العقيـقِ سلبتِ القلبَ فالتفتي

وأَنْتِ يا نَسْمَـــةَ الوادي على مَهَلٍ

مُرّي الهُويْنا فَقلبُ الصَّبِّ منكِ فتي

ويلاهُ من نارِ قلبٍ أجَّ لا هِبُهـــــــا

ما بين هَبّابــــــــةٍ تَسري ومُلْتَفِتِ

نا شَدْتُكَ اللهَ يا ظبيَ البِطاحِ فَقِفْ

وبالدلالِ أجِبْ ـ وُفِّقْتَ ـ مَسْـــأَلَتي

في أيمن الجِزعِ أحبـابٌ وُلِـعْتُ بهم

حَطَطْتُ في بابهــم يا ظبيُ راحلتي

هل عندهم رحمـــةُ لي إنّنـي دَنِفٌ

هم دون أَعراضِ هذا الكونِ مشْغَلَتي

فقالَ:تقتُلُكَ البُشْـــــــرى فقلتُ لهُ

بَشِّرْ أيا ظَبْيُ واقتُلني وخُـــذْ دِيَتي

فقال: قد وَعَدوك الوَصْلَ مُتْ طَرَباً

فمِتُّ عن كونِ دُنيـــــائي وآخرتي

9- الشيخ أمــين الجندي :

{ رضي اللهُ عنه }:

1180-1257هـ

هو أمين بن خالد بن محمّد العبّاسي ، نسبة إلى العباس ـ رضي الله عنه ـ وهو عمِّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم ـ .

ولد في مدينة حمص ونشأ بها في طلب العلم ، ثم رحل إلى دمشق وقرأ على علمائها الأعلام .

أخذ الطريقة على قطب زمانه السيد الشيخ عمر اليافي ـ رضي الله عنه ـ الذي قال له: (( اذهب فأنت أشعر أهل الغرام )) فكان الشعر سجية فيه ، نظم في القصائد والموشحات والقدود والمواليا ، ولا تزال ألسنة المنشدين تلهج  بأشعاره .

توفي في حمص ودفن فيها قريباً من مرقد الصحابي الجليل خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ ومن شعره :

غنِّ لي

لاح نُورُ النورِ من خلفِ الخِبـــــا

وا نجلى المحبوبُ يَزهو عَجَبــــا

يا بروحي ذلك الوجــــــــهُ الذي

سَجَدَ الحُسْنُ لــهُ واقتربــــــــــا

بانَ لي في كلِّ شيءٍ واختفـــــــى

ثـمّ غَنّى فغَــدتْ ذاتي هَـبَـــــــا

لم يَزِغْ طَرْفي ولكن مـــــــــا دَرى

بجلالٍ أَمْ جمالٍ حُجِبـــــــــــــا

يا أُهيْلَ الحُبِّ هل من منجـــــدٍ

أمْ مجيرٍ ؟ إنَّ عقلي سُلِبــــــــــا

يا صَبا الأسحارِ إنْ جُزْتِ الحِمَى

خَبّريني عن حبيبي يا صَبـــــــا

أيُّ صَبٍّ صَبَّ مثلي مِدْمَعــــــــاً

في هواكم ثمَّ قاسى النَصَبــــــــا؟

أيُّهـا الشــادي المُفَــدّى غَـنِّ لي

باسْمِ من أَهوى ودَعْ مَنْ عَتَبـــــا

هكذا وإلاّ

ماس كالغُصْنِ في الرياضِ ومالا           فبَذَلْنا عليهِ أَرواحــاً ومـــــالا

قَمَرٌ في مَنـــازِلِ الحُسْنِ يَسْري            تستفيدُ البدورُ منـهُ الكَمَــــالا

يا عذولاً يلومني في هَـــــــواهُ            ما رأتْ عيناكَ ذاك الجَمَـــالا

إنْ تجلّى فكالغزالةِ حُسْنـــــاً            أو رَنا لحظُهُ رأيتَ الغَـــــزالا

قلْتُ لمّا بَدا وتِهتُ غرامـــــــاً            هكذا هكذا وإلاّ فـــــــــــلالا

وله أيضاً:

البابليُّ لِحاظُهُ

هَزّوا القُدودَ فأَخجلوا سُمرَ القَنــــــــا

وتقلَّدوا عِوَضَ السيوفِ الأعيُنــــــــا

وتَبادَروا للعاشقيــــــــــــن فكلُّ من

رامَ النَجاةَ لِنَفْسِــــــــــــــــهِ إلاّ أَنا

لا خيــــــــرَ في جَفْنٍ إذا لم يَكْتَحِلْ

أَرَقاً ، ولا جَسَدٍ تجافاهُ الضَنــــــــا

وأَنا المُفدِّي البابليَّ ، لِحاظُـــــــــه،

لا تستطيعُ الأُسْـــــــــدُ تَنظُرَ إذْ رَنا

لمّا انثنى في حُلّـــــــــــةٍ من سُندسٍ

قالت غصون البانِ:ما أَبْقى لنـــــا؟

أقسى عليَّ من الحديد فـــــــــؤادُهُ

ومن الحريرِ تَراه خدّاً ألينـــــــــــا

يا قلبَهُ القاسي ورِقّةَ خَصْــــــــــرِهِ

هَلاّ نقلتَ إلى هنا من هاهنــــــــــا

شَبَّهْتُهُ بالبَـــــــــــدرِ قال ظَلَمْتَني

يا عاشقي ، واللهِ ظُلْماً بيِّنـــــــــا

من أين للبــــدرِ الأتَمِّ ذوائبــــــــاً

أو مقلةً أوْ وَرْدَ خَــــــــــدٍّ يُجتَنى

البـدرُ يَنقُصُ والكَمَـــــــالُ لِطَلْعتي

فلذاك قد أصبحتُ منه أحسنــــــا

لو كان رقّــــــةُ خَصْرِهِ في قلبِـــــه

ما كان جار على المحبِّ ولا جَنى

ديوان الشيخ أمين الجندي  ص378 ــ 384

10 ـ جلال الدين الرومي:

{ رحمه الله }

 604 ـ 672هـ

هو الشيخُ: جلالُ الدين ووالده بهاء  الدين وَلد ، ينتهي نسبُ إلى سيدنا أبي بكرٍ الصديق ـ رضي الله عنه ـ وكان عالماً فاضلاً ، كما كان والده ـ رحمهما الله ـ عالماً استدعاه السلطان علاء الدين السلجوقي من دمشق إلى قونية ليدرِّسَ فيها ، وعند وفاته ، خلفه على الدرس ابنُه جلال الدين ، وكان يحضُرُ دروسَهُ كثيرٌ من الناس ، أخذ على الشيخ: حسام الدين الجلبي ونظم ديوانه المثنويَّ على ستة أجزاءَ في /26/ ألف بيت ، ثم التقى في قونية بالعارف بالله الشيخ شمس الدين التبريزي ، شيخ الطريقة المولويّة ، ونظم ديوانه { شمس تبريز } في: /33/ ألف بيت وكلُّه في الغزل الصوفي الجيّاش بالعاطفة الملتهبة ، ودفن في قونية حيث يُعتبرُ قبرُهُ مَزاراً لطلب البركة ، ومن شعره :

تجاذُبُ الأرواح

اِسْمعْنايَ مُعْرِباً عنْ شَكاتِــــــهِ         بعـد أن بات نا ئياً عن لِداتِـــهِ

أيُّ{طينٍ}فــوق النجوم تَرَقّى          أيُّ طَوْدٍ من رقصـــةِ الوجْدِ شُقّا

حـين صـار الغَرامُ للطُورِ رُوحا          مادَ سُكْراً وخَرَّ موسى طَريحـــا

شَفتـي لو تحــالفتْ مع قلبي          كنتُ أُفْشي ـ كالناي ـ نارَ حبّي

من حجابٍ لجُمْلة العشّــــاقِ           لِفَنــاءٍ أهــلُ الهـــوى وهو باقِ

فالهوى مِـن تَجاذُبِ الأرواحِ            لا تَعِشْ في الهوى كسيرَ جَناحِ

   روائع من الشعر الفارسي ت المرحوم محمد الفراتي ص3-7 الصادر عن وزارة الثقافة السورية.

ومن شعره أيضاً :

ألا يا ساقيا إنّى ظمئان ومشتـــــــاقُ

أدرْ كأساً ولا تنكر فان القوم قد ذاقوا

خذْ الدنيا وما فيها فان العشق يكفينا

لنا في العشق جنّــات وبلدان وأسواق

تفسير حقي ـ (ج 16 / ص 330)

11- سعدي الشيرازي :

{ رحمه الله }

 606- 694هـ

هو الشيخ مُشَرَّف الدين بن مُصلح الدين السَعدي ، ولد في شيراز ، ورحلَ إلى بغداد ، التي كانت تعتبر حاضرة العلم الثقافيّة حيث حضرَ دروسَ أساتذتها ـ آنذاك ـ كشهاب الدين السُهرَ وردي، وأبي الفرجِ الجوزيِّ .

وزار مكّة وشمال أفريقي والشام ، وأقام في دمشق مدّة من الزمن حيث آثرها على غيرها، ثمَّ عاد إلى مسقط رأسه ، شيراز .

ومن مؤلّفاته {كلستان } و{بُلستان } ومن شعره :

في القتل راحة

تَخِذتُكِ من دنياي للنفسِ بهجــــــةً

ولولاكِ ما الدنيا وما حُسْنُها عندي ؟

فلا تُشهري سيفاً لإتــــلاف مهجتي

فلم أكُ أخشى في هواك سوى بُعـدي

وإنّي لَمقتولٌ وفي القتلِ راحــــــــــةٌ

بساعدك الفضيِّ ،لا الصارم الهنـدي

فيا صبحَ أَهلِ العشق لُحْ لي إذا بَــدا

نهاري بلألاءٍ يلوحُ بِهِ سَعـــــــــدي

فقلبي مثلُ الشمع فارثي لحالِـــــــهِ

متى جَنّ ليلي ضاء من شدّة الوجـــد

وأنت ِكمثل الوردِ يُبْــــدي تبسُّمَــــاً

لِمَبْكَى النَدى والغيمِ والبرقِ والرعــــدِ

هبينـي إذاً يا غايـــــــةَ السؤْلِ بُلْبُلاً

يُعِنِّي على البلوى ويحيا على الوعــد

لقد نام جَنّانُ الحديقةِ آمنــــــــــــاً

كمَا زاد سَرْحَ النومِ عن جَفْنِهِ سَعـدي

فلا تخشَ يا جَنّانُ ، فالوَرْدُ مُتعــــةٌ

لعَيْنيَّ ، وأْمَنْ من بَنــاني على الوردِ

المصدر السابق ص94-96

ولهُ أيضاً:

ما حاجتـي للسروِ ؟

وما حاجتي للسروِ في الروضـــةِ التي

بها سَلْوَةُ المحزونِ ، لو خالَها مَنَّـــا

وفي كلِّ يومٍ منكِ أجملُ سَـــــــــروةٍ

تميس بهــا تيهاً ، وتهفو بها وسْنى

فيا عابدي الأَصنـــــامِ ما المُتعَةُ التي

تَرَوْنَ بما لا روحَ فيــــــهِ ولا مَعْنى؟

فإلاّ يَكُنْ بُدٌّ ، فذا الصَنَمَ اعْبُــــــدوا

فإنَّ بِهِ روحاً عَبَدْتُ بها الحُسْنــــــا

فقل للذي باللّومِ مزَّقَ جلدَنــــــــــا:

ألا اكْبَحْ جماحَ النفسِ أوْ لا، فاعذُرْنا

فمَا البحرُ من نوع البحارِ ، وإنّـــــهُ

لبحرُ الهوى فاسْتَصْرِخِ الإنسَ والجِنّا

المصدر السابق ص136 ـ 138

12 ـ حافظ الشيرازي :

{ رحمه الله}

703-791هـ

هو شمس الدين محمّد الحافظ ، الملقّب بلسان الغيب  ولد في شيراز ، وفيها دفن ، ولم يبرحْها طوالَ حياته إلاّ لماماً لفتراتٍ محدودةٍ ، حصّلَ علومه ومعارفَ على كبار علماء عصره وتأثّر بعدد منهم ، كالسنائي والسعدي ، وجلال الدين ، ومن شعره:

هَزارُ الدوح

هَزارُ الدوحِ صاح بخـير لحـنٍ            على الأسماعِ يَعــذُبُ مُستعادا

فقـــال لِوردِ بُستانٍ تبَـــــدّى            صباحاً،عن شذا عطرٍ ، ومادا

أقِلَّ من الدلالِ،فكتـــم بروضٍ            شبيهُك قد تفتـّـــح ثـــمّ بادا

أجــــابَ الوردُ:لم نأْلَمْ لِصِدْقٍ            شدوتَ بِهِ ، وإنْ كان انتقادا

ولكن أَيُّ صَبٍّ بات يُـــــدْمي            بسهم النقدِ مـن حِبٍّ فـــؤادا

إذا ما رُمْـتَ عَنْـــدَمَهـا بكأسٍ            مرصّعةٍ , لتُفقـدَكَ الرشـــادا

فثَقّبْ منـكَ بالأَهــــــدابِ دُرّاً           ويا قوتاً , وذُدْ عنـكَ الرُقـادا

وليس بناشِـــــقٍ من حي ليلى          عبيـرَ محبَّة ، يُصْبي الجمَـادا

فتىً ما لم يُعَفِّرْ منـه خَــــــدّاً           بحــانتهــــا ويمنحهـا الـوادا

فيا ساقي الحُمَيّـا ،هات كأساً           وجَنِّبْ مِسْمَعي الهَـذْرَ المُعـادا

لقد ألقتْ دمــوعي أمسِ عقلي           وصبري في الخِضَمِّ ، وما أفادا

فكيف يُطيقُ كتْـمَ الحُبِّ قلب            بِنـــارِ العشقِ , يتّقِدُ اتّقـادا؟

المصدر السابق ص 209-211

وله أيضاً بعنوان :

سُكْرُ الروح

أحضري يا صَبا عن الحِبِّ عِطْرا

                                   ينعشُ الأرواحَ واحملي منه بُشرى

وانقلي عنــــــهُ لي حديثاً طَريفـاً

               مـن فَـمٍ يَبعثُ المفـــــاتنَ سِــــحرا

ربّما تكشفُ الخفاءَ وتجــــــــــلو

               لفـؤادي من عـــــــالَمِ الغيبِ سِــرّا

إنّ روحي لِشَــمَّةٍ من شَـذا أَنْــ

                                    ـفـاسِ حِبّي ، تميــدُ تيهاً وسُـكـرا

أُشْكُرِ اللهَ يا هَــــــــــــــزارُ بأَلاّ

زلتَ تلهو على الخمَــــــائل حُرّا

طال عهدٌ شاهدتَ يا قلبُ فيـــه

                 طلعـــةَ الحِبِّ فارتقبْ منه ذكرى

المصدر السابق 259-261

13 ـ الشيخ أحمد بن عليوه :

{ رضي الله عنه }

هو القطبُ الربانيَّ العارفُ بالله الصَمَدانيُّ ، وحيدُ دهرِهِ وفريدُ عصرِهِ المشهورُ بتلقينِ الاسمِ الأعظم: أبو العباس أحمد بن مصطفى العلوي المُسْتَغانمِي وفي مقدمة ديوانه الذي طبع بنفقة الشيخ عبد الوكيل الدروبي يعرّف به الشيخ محمد الهاشمي ـ رحمهما الله ـ فيقول:

(( أستاذنا الكبير العارف بالله الشهير سيدي الشيخ أحمد بن مصطفى ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ .

ومن شعره اخترنا القصيدة الآتية ، لكثرة ما تتردد في حضرات الذكر على ألسنة المنشدين :

حيُّ ليلى

دَنَــــوتُ من حيِّ ليلى                      لمّا سمعتُ نِــداهـــــــا

يا لَـــهُ من صوت يحلو                 أودُّ لا يَتنــــــــــــاهى

قرَّبت ذاتهــــــــا منّي                  رفعت عنـي رِداهــــــا

أدهشتني تَيّهتنـــــــي                     حيّرتني في بهاهــــــــا

حتى ظننتُهـــــــا أنّي                  وكانت روحي فداهــــا

تالله مــــــا رأتْ عيني                       ولا شـــــاهدتُ سواهــا

 جُمِّعت فيها المعــــاني                    سبحان الذي أنشـاهــــا

يا واصــف الحسن عنّي                     هاك شيئاً من سناهـــــا

يا لهــــــا من نورٍ يُغني                     عن الشمسِ وضحاهــــــا

إنْ رأتْ سـواهــــا عيني                   كالليلِ إذا يغشـاهــــــــا

فاقت حُورَ الخلد حُقــــاً                     والسَـمَــا وما بنـاهـــــــا

الكلُّ لهـــــــــــــا أَوَاني                    ونفسٍ وما سَــوّاهـــــــــا

     في الختام أرجو أنْ أكون قد وفّقتُ لما فيه الفائدة ، سائلاً المولى ـ جلَّ وعلا ـ أن ينفع به وأن يقبله خالصاً لوجهه الكريم . الحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات ، الوفق لكلّخير وهو يهدي السبيل ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ثبت المراجع

1 ــ كتاب الفتوحات المكيّة للشيخ محي الدين بن العربي . بتحقيق الدكتور عثمان يحي والدكتور محمد مدكور .

2 ــ كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى .

3 ــ كتاب المدرسة الشاذليّة الحديثة ، وإمامُها أبو الحسن الشاذلي ،للدكتور عبد الحليم محمود .

4 ــ كتاب أشرف الوسائل في تحقيق المسائل للشيخ محمّ ألو الهدى الصيّادي.

5 ــ روائع من الشعر الفارسي الصادر عن وزارة الثقافة السورية

6 ــ وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن عربي للأستاذ محمد الراشد .

7 ــ نظرية الحب والاتحاد في التصوف الإسلامي للأستاذ محمد الراشد .

8 ــ كتاب اللمع لأبي نصر السراج بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود إمام الأزهر الشريف .

9 ــ صحيح الإمام مسلم بشرح الإمام النووي .

10 ــ جوهر الإمام البخاري للإمام القسطلاني .

11 ــ المعجم المفهرس لآيات القرآن الكريم .

12 ــ تفسير القرآن  الكريم للإمامين الجلالين .

13 ــ القاموس المحيط للفيروز أبادي .

14 ــ معجم مقاييس اللغة لابن فارس .

15 ــ الرسالة القشيرية للإمام عبد الرحمن القشيري .

16 ــ لواقح الأنوار القدسية للإمام الشعراني .

17 ــ نسيم السحر للإمام عبد الكريم الجيلي .

18 ــ الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للإمام عبد لكريم الجيلي .

19 ــ رسالة أنوار السلوك للشيخ عبد الغني النابلسي .

20 ــ التكوين والتجلي للعلاّمة أحمد حيدر .

21 ــ إيقاظ الهمم في شرح الحكم لإبن عجيبة .

22 ــ المضنون به على غير أهله للإمام أبو حامد الغزالي .

23 ــ إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبو حامد الغزالي.

24 ــ رؤية على العينية للسيد أحمد ديركي الهاشمي .

25 ــ كتاب حل الرموز للإمام العز بن عبد السلام .

26 ــ طريق الوصول إلى الولاية للإمام الشعراني .

27 ــ ديوان عمر بن الفارض . دراسة وتحليل الدكتور عمر موسى باشا .

28 ــ ديوان عمر اليافي ، دراسة وتحليل الدكتور عمر موسى باشا.

29 ــ ديوان مشكاة اليقين ومحجة المتقين للسيد محمد مهدي الصيادي .

30 ــ ديوان ترجمان الأشواق للشيخ محي الدين بن عربي ,

31 ــ ديون الشيخ أمين الجندي .

32 ــ نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب ، إصدار دار الأعلمي ،بيروت .

33 ــ ديوان الشيخ أحمد بن عليوة .

34 ــ تزيين الأشواق في أخبار العشاق .

35 ــ محاضرة الأدباء .

36 ــ نهاية الأرب في فنون الأدب

الفهرس

1 ـ المقدمة                                                                 5

2 ــ تمهيد                                                                9

3 ــ أبواب الكتاب                                                       13

4 ــ الباب الأول:لمحة عن التصوّف                                     15

5 ــ مصادر الباب الأول                                                 33

6 ــ الباب الثاني : نظرة السادة الصوفية إلى الكون                      35

7 ــ مصادر الباب الثاني                                                77

 8 ــ الباب الثالث : الحبّ عند السادة الصوفيين                      83

9 ــ مصادر الباب الثالث                                               151

10 ــ الباب الرابع: نظرة الصوفيين إلى المرأة                            161

11 ــ مصادر الباب الرابع                                              219

12 ــ الباب الخامس: من أخبار العشّاق .                              225

13 ــ  مصادر الباب الخامس                                           369

14 ــ الباب السادس : مختارات من الغزل الصوفي                      373

ــ الشيخ محي الدين ابن العربي                                           375

ــ الشيخ عبد الغني النابلسي                                              145

ــ الإمـــام السُهْرَ وَرْدي                                                  153

ــ الشيخ محمـــد الحرّاق                                                259

ــ عمر ابن الفارض                                                       163

ــ الشيخ عبد الرحمن الشاغوري                                            173

ــ أبو العبّــــاس المرسي                                              179

ــ محمد الصيــادي                                                    181

ــ الشيخ أمــين الجنــدي                                         187

ــ جــــلال الدين الرومي                                                195

ــ سعدي الشـــــيرازي                                           199

ــ حـــــافظ الشيرازي                                                        203

ــ الشيخ أحمـــد بن عليوه                                            209

12ــ ثبت الراجع                                                       213

مؤلفات الشاعر :

أ ــ المطبوعـة:

1 ــ تأملات : صدر عن دار الثقافة بدمشق عام 1993.

2 ــ عبير الخيال صدر عن دار الثقافة بدمشق عام 1993.

3 ــ عبير المجد صدر عن دار الكاتب العربي بدمشق عام 1994.

4 ــ عبير البراعم صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1996.

5 ــ مولد المجد صدر عن دار التراث بحلب عام 1997.

6 ــ قوافي المجد صدر عن دار بال بحلب عام 2000.

7 ــ سلسلة مدرسية لتعليم الخط العربي شعراً صدر عن دار الناشر العربي بصيدا لبنان عام 1992.

2 ــ ديوان الأجفان الدامية .

ب ــ قيد الطباعة :

              1 ــ ديوان زَحليّــات .

2 ــ المرأة في الغزل الصوفي

              ج ــ المخطوطة :

           1 ــ ديوان عبير الروح.

2 ــ سبع مسرحيات شعريّـة للأطفال والناشئة.

                3 ــ مجموعة أناشيد للأطفال والناشئة.

                4 ــ كتاب مدرسي لتعليم الحرف العربي وإتقان الخط العربي ، شعراً.

                5 ــ ديوان عبير الوحي .

                6 ــ البحر في الأدب العربي ، دراسة.

                7 ــ الشواعر بين الماضي والحاضر ، دراسة .

 

 

 

55436

About these ads
 
4 تعليقات

Posted by في 2011/07/15 in منوعات

 

4 responses to “المرأة في الغزل الصوفي

  1. hassan mohamed elarpy

    2011/07/15 at 6:10 م

    السلام عليكم
    اخى الشاعر الكبير
    حروفك الذهبية كتبت بها كلماتك النورية
    كم استمتعت بكتابك الراقى القيم الذى امتعتنى بة
    جزاك الله خير كم من المعلومات قطفتها من كلماتك العبقرية
    لك تحياتى واحترامى

     
    • abdalkaderaswad

      2011/07/15 at 7:18 م

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، شكراً لك أخي حسن العبي على كريم زيارتك وندي حرفك

       
  2. محب الدين

    2012/06/15 at 10:32 م

    لكتابك سر ، فقد طالعته كاملا بجلسة واحدة ونسخته ليكون مرجعا فجزاك الله خير ما أحسن اختيارك .

     
    • abdalkaderaswad

      2012/06/15 at 10:37 م

      السر هو ثلاحك وحبك للعلم بارككم الله سيدي وبارك بكم

       

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: