RSS

البحر في الأدب العربي(2)

17 فبراير

 :
الباب الثالث

 

 

 

البحر في الحديث الشريف

 

 

 
 

 

ورد ذكر البحر في الكثير من الأحاديث الشريفة في معرض الإرشاد والموعظة والترغيب في عمل البر كما جاء في بعضها أحكام وتشريعات، ففي الحديث الآتي ينهى رسول الله {صلى الله عليه وسلَّم} عن ركوب البحر لغير ضرورة ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص {رضي الله عنهما} قال ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ{صلى الله عليه وسلم}:((لاَ يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ بَحْرًا إِلاَّ غَازِيًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجًّا فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ وَتَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ وَلاَ يُشْتَرَى مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فِي ضَغْطَةٍ)).(1) فقد حدّد {عليه الصلاة والسلام } المجالات التي يُسْتَحَبُّ فيها ركوب البحر وهي الجهاد في سبيل الله ، والحجّ والعمرة إلى بيت الله ، لأن الرسول الكريم ما أحبَّ لأمَّته المخاطرة بحياتهم في مغامرات غير مضمونة العواقب ، لذلك نهى عن ركوب البحر فيما لا طائل منه ،كما نهى في هذا الحديث أن يستغل المسلم ضائقة أخيه المسام وحاجته الماسة فيشتري منه متاعه بثمن بخس كما أن كشف الرسول الأعظم ، في هذا الحديث ، عن حقيقة علمية أثبتها البحث العلمي بعد قرون ، ألا وهي أنّه ثمّة نار تحت مياه البحر . نعم في باطن الأرض نار ملتهبة وحمم بركانية، عبارة عن مواد منصهرة من شدّة الحرارة. وهذه التي نشاهدها تخرج من البراكين الثائرة.
أما أن يكون تحت هذه النار بحر آخر فهذا لم يعرفه البحث العلمي الحديث بعد، إلا أن يُراد أنَّ تلك الحُممَ التي في باطن الأرض أشدُّ انصهاراً بحيث تشبه الماء .
والذي هو أقرب للذهن ، بحسب المعطيات الحالية ، أنّك لو واصلت في التقدم نحو مركز الأرض ثم تجاوزت المركز إلى الناحية الأخرى من الكرة الأرضية فإنك تجد من الطرف الآخر للكرة الأرضية بحاراً ومحيطات أخرى ، والله أعلم.(2)
لكن الرسول الكريم الذي حذر من ركوب البحر فيما لا نفع فيه جعل للمؤمن حصناً من خطر هذا البحر الذي لا يُؤمَنُ جانبُه ، فعلمنا كلمات نقولها فنأمنَ من غضب البحر ونتجنّب أخطاره.قَالَ رَسُولُ اللهِ {صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم}:((أَمَانٌ لأُمَّتِي مِنَ الْغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا الْبَحْرَ أَنْ يَقُولُوا : ((بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جميعاً قبضتُه والسموات مطويات بيمينه ))، الآيَةَ (3)
و هذه قصّةٌ وردت في الصحيحين من طرق متعدِّدةٍ عن رجلٍ مِن بني إسرائيل كان مسرفاً على نفسه ، وعندما حضرته الوفاة جمع أبناءه وقال لهم : أيَّ أبٍ كنتُ لكم ؟ فأثْنَوْا عليه خيراً ، فقال لهم : إني لم أفعل في حياتي خيراً قط ، فو الله لئن قَدِرَ اللهُ عليَّ ليُعذِّبَني عذابًا شديدًا ، فإذا متُّ فحرِّقوني وذرّوا رمادي نصفَه في البرِّ ونصفه في البحر، واخذ عليهم مَوْثِقاً بذلك ، ففعل به بَنوه ذلك لمّا ماتَ ، فأمرَ اللهُ البحرَ فجمع ما فيه ، وأمرَ البرَّ فجمع ما فيه ؛ فإذا هو قائم ، فسأله اللهُ عن ذلك فقال:ما الذي حملك على ذلك ؟ قال : يا ربّ مخافتُك ، قال النبيُّ {صلى الله عليه وسلم}:فغفر الله له.وهذه روايةُ الإمام مسلمٍ فيما رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ {رضي الله عنه} أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ {صلى الله عليه وسلم} قَالَ:((قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لاَ يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ . فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)).(4)
وهذا البحر الزاخر الذي يحتفظ برماد ذلك النادم الذي ظلم نفسه بما فرّط في حقّ الله نراه يضيق بكلمة غيبةٍ من النوعِ الذي لا يعبأ به أكثر البشر ، وفيه انتقاصٌ من قدر إنسان ، ولو كانت هذه الكلمةُ تعبّر عن صفةٍ أَوْدَعها الخالقُ {سبحانه} فيه وليست من كسبه ، كالطول أو القصر أو غير ذلك ، فعن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة الصدّيقة {رضي الله عنها} قالت:قلتُ للنبيّ{صلى الله عليه وسلم} حَسْبُك من صَفيّةَ كذا وكذا ــ تعني : قصيرة ــ فقال :((لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجتْها)).(5) إذاً، لقد مازجت هذه الكلمةُ الغيبةُ ، من الصِدِّيقةِ ابنةِ الصِدّيق {رضي الله عنهما} ماء البحر الكثير والكثير جدّاً بالسوء، فنهاها الرسولُ الكريمُ أن تعود لمثلها ، وفي ذلك تعليم لنا وتحذير من أن يقع بعضُنا في عِرض البعض الآخر ، وشبّه في حديثٍ آخرَ هذا العمل بأكلِ لحمِ الجيفةِ وما فيه من إثم عظيم.
وهذه صورةٌ أخرى للبحر في الحديث الشريف ، صورة الإنسان المؤمن الذي يخاف الله {عزَّ وجلَّ} ويؤتمن على دراهم فيحفظ الأمانة ويحملها من شاطئ إلى شاطئ ليؤديها إلى صاحبها . فعن أبي هريرة {رضي الله عنه} عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال :((كان رجلٌ يُسلِّفُ الناسَ في بني إسرائيل ، فأتاه رجلٌ فقال : يا فلان أسلفني ستَّ مئةِ دينارٍ . قال : نعم إن أتيتني بكفيلٍ . قال : اللهُ كفيلي . فقال : سبحان الله، نعم قد قبلتُ اللهَ كفيلاً ، فأعطاه ستَّ مئة دينار ، وضرَبَ له أجلاً ، فركب {الرجلُ}البحرَ بالمال ليتَّجر به ، وقدَّر اللهُ أنْ حلَّ الأجلُ وارتجَّ البحرُ بينهما ، وجعل ربُّ المال يأتي الساحلِ يسألُ عنه ، فيقول : الذين يسألهم عنه تركناه بموضع كذا وكذا ، فيقول : رَبُّ المالِ اللهمَّ أخلِفني في فلان بما أعطيتُه بك ، قال : وينطلق الذي عليه المالُ فينحت خشَبَةً ويجعل المالَ في جوفِها ثم كتبَ صحيفةً من فلان إلى فلان : إنّي دفعتُ مالك إلى كفيلي ، ثمَّ سَدَّ على فَمِ الخَشَبَةِ فرمى بها في عُرْضِ البحر ، فجعل {البحرُ}يهوي بها حتّى رمى بها إلى الساحل ، ويذهب رَبُّ المال إلى الساحل فيسألُ فيجد الخشَبَةَ فحَمَلَها فذهب بها إلى أهله ، وقال : أوقدوا بهذه فكسروها فانتثرت الدنانير والصحيفة ، فأخذها فقرأها فعرَف ، وتقدم الآخر فقال: له ربُّ المال: مالي ، فقال : قد دفعتُ مالي إلى كفيلي الموكل بي ، فقال له : أوفاني كفيلُك)) قال أبو هريرة فلقد رأيتُنا يكثر مِراؤنا ولغطُنا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بيننا أيهما آمن {أكثر أمانةً}. (6)
وفي هذه القصة التي حكاها الحديث الشريف آنفاً ما لا يخفى من بليغ الموعظة وعظيم العِبرة , من وجوب وفاء المرء بعهده وأدائه ما في ذمته من دينٍ. فإذا صدق في عهده وأخلص في نيّتِه ، وحالت بينه وبين وفائه ظروف قاهرة ، خارجة عن إرادته ، أدّى الله عنه ،كما ورد في
أحاديث أخرى لا مجال لذكرها في هذا الكتاب .
وهذا البحر الزاخر بالعجائب الفيّاض بالخيرات المؤدّي للأمانات، محبٌّ للخير يجلُّ العلمَ ويحترم العلماء ، حتى إن أسماكه وحيتانه تشارك الموجودات بالدعاء والاستغفار لطلبة العلم فيما روَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ {رضي الله عنه}قَالَ:قَالَ رَسُولُ الله {صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم}:((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَطَالِبُ الْعِلْمِ ــ أَوْ صَاحِبُ الْعِلْمِ ــ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ)).(7)
والبحر بعد ذلك طاهرٌ مطهِّرٌ عند النبيِّ الخاتم ، فقد سأله رَجُلٌ فقَالَ :
يَا رَسُولَ الله ، إِنَّا نَرْكَبُ أَرْمَاثًا فِي الْبَحْرِ ، فَنَحْمِلُ مَعَنَا الْمَاءَ لِلشفه، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِمَائِنَا عَطِشْنَا ، وَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِمَاءِ الْبَحْرِ ، كَانَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهُ شَيْءٌ ! فَقَالَ رَسُولُ الله:{صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم}:((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)).(8)
وعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيُّ {صلى الله عليه وسلم} قَالَ:((مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْبَحْرُ فَلاَ طَهَّرَهُ اللَّهُ)).(9) وهو دعاء منه {عليه الصلاة والسلام} على مَن شكَّ في هذا الحكم الشرعي الذي شرعه النبيُّ الكريم ، وفيه أيضاً نفي
لوسواس النفس والشيطان .
وقد حرص الرسول على أمته أشدَّ الحرص ، ولا غرو فهو أرحم بنا من أنفسنا ، لأنه ربما يضرُّ أحدُنا نفسه عن جهل أو تهوّرٍ وربما تأخذُه شهوات نفسِه ووساوس شيطانِه إلى ما فيه هلاكه ، أمّا رسولُ الله فهو المعصوم عن الخطأ الذي:((وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى)).(10) وهو الرحمةُ المهداةُ ، وقد وصفَه ربُّهُ بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، قال تعالى في كتابه العزيز:(( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)).(11) وقال في أيضاً:((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) (12)
وجاء ذكر البحر في حديث آخر من هديه {عليه الصلاة والسلام} مثل للحياة الاجتماعية بسفينة في البحر والمجتمع فيها كجماعة من ركّابها ، جماعة في أعلاها وجماعة في أسفلها ، ولنَستمِعْ إلى النعمان بن بشير {رضي الله عنه} يروي هذا الحديث عن سيدنا رسول الله،قال:قال رسول الله:((مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها ، كمثل قوم استهموا ، على سفينة في البحر ، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، وكان الذين في أسفلها يخرجون فيستقون الماء ويشقّون على الذين في أعلاها ، فقال الذين في أعلاها:لا ندعكم تمرون علينا فتؤذونا، فقال الذين في أسفلها : إن منعتمونا فتحنا بابا من أسفلها، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم ، نجوا جميعاً ، وإن تركوهم هلكوا جميعاً)).(13) إذاً نحن في هذه الحياة مجتمع متكافل متضامن خيره يعم الجميع وشرُّه كذلك ، فيجب على الفرد أن يراعي مصلحة الآخرين في تصرّفاته الشخصيّة ، فهو حرٌّ طالما أنّ حرّيته الشخصيّة هذه لا تتعارض مع حريات الآخرين ، ثم إنه من الواجب على المجتمع أنْ يمنع الانحراف عن الخط القويم والصراط المستقيم وإلاّ حصد السوء .
وهذا حديث آخر في نفس السياق تقريباً ، يوجب الاحتياط للأمور وعدم الزجّ بالنفس في المخاطر وتعريضها إلى المهالك ، فإنَّ الله الذي خلق هذه النفس محاسبٌ صاحبَها عن كلِّ ضرر يلحقه بها عامداً متعمّداً ، وليس من حقِّ المرء أن يقول {نفسي وأنا حرٌّ بها} .
لذلك يقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم}:((مَنْ بَاتَ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ، وَمَنْ رَمَى بِلَيْلٍ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ فِي ارْتِجَاجِهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).(14)
وَارْتِجَاجُ الْبَحْرِ هَيَجَانُهُ . والمؤمن محظور عليه أن يركب البحر حال هياجه ، وكذلك أن ينام على سطح غير مسيّج أو أن يرمي السهم ليلاً ، ومثلُ السهمِ الرصاص في عصرنا ، فهو أمر محظور في الليل إلا إذا كان الإنسان يرى ما يرميه ، لما في ذلك كله من مخاطرة بالنفس البشرية، إذ قد تؤدي هذه الأفعال إلى هلاكها ، وهي وديعةُ اللّه عندك أيها الإنسان فيجب عليك المحافظة عليها لا أن تعرضها لما يسيء إلى هذه الأمانة .
ثمّ نختم هذا الباب بجملة من الأحاديث التي بشّر بها رسول الله{صلى الله عليه وسلم} أمته بأنه سوف يركبون البحر فاتحين ، وبأنهم سوف يسيطرون عليه ، حتى يكون لهم بمثابة سرير الملك ،فعن سيدنا عمر بن الخطاب {رضي الله عنه} قال:قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}:((يظهر الإسلام حتى تخوض الخيل البحار ، وحتى يختلف التجار في البحر ..)).(15) عن أنس بن مالك قال ، قال رسول الله {صلى الله عليه و سلم} : ((يركب قومٌ من أمّتي ثَبَجَ البحر ، أو ثَبَجَ هذا البحر، هم الملوك على الأسِرَّة أو كالملوك على الأسِرَّة)) . (16)
و في حديث آخر عن الصحابيّة الجليلة أُمِّ حَرَامٍ أنّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ {صلى الله عليه وسلم} يَقُولُ:((أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ هَذَا الْبَحْرَ،قَدْ أَوْجَبُوا، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَا فِيهِمْ ؟ قَالَ: أَنْتِ فِيهِمْ ثم قَالَ:أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ،مَغْفُورٌ لَهُمْ قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ : يَا رَسُولَ اللهِ،أَنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ : لا)) . (17)
وقد رغّب {عليه الصلاة والسلام} أمَّته بركوب البحر جهاداً في سبيل الله وإعلاءً لكلمته ، جاء ذلك في أحاديث كثيرة نذكر بعضاً منها:((وغزوة في البحر خير من عشرِ غزوات في البرِّ ومَنِ اجتاز البحرَ فكأنما اجتاز الأودية كلَّها والمائدُ فيه كالمتشحِّطِ في دَمِه)).(18) فالأجر على قدْر المتاعب والمخاطر ، ولا يخفى أنَّ الغزو في البحر أعظم خطراً من البحر وأن متاعبه أشدً.
وقد فضّل {عليه الصلاة والسلام} شهادة البحر على الشهادة في البرِّ، قال:((إن شهداء البحر أفضل ُعند الله من شهداء البر)).(19) والسببُ واضح كما سلف ، ولذلك اندفع المسلمون ، ومنذ عصر الإسلام الأول وعبر القرون المتتالية حتى أواخر أيام الدولة العثمانية ، يصارعون أمواج البحار لينشروا النور والهداية في أصقاع المعمورة فوصلت زحوفهم إلى فيينا وقرعت أبواب باريس ورفعت راياتها على سوار الصين .
وعن الصحابي الجليل سلمان الفارسي {رضي الله عنه} عن النبي{صلى الله عليه وسلم} قال:((إنّ الله عز وجل يقبض أرواح شهداء البحر بيده ولا يَكِلهم إلى ملك الموت ، ومَثَلُ روحِهِ حين يخرج من صدره كمثل اللبن حين يدخل صدره)).(20)
وعن أنس بن مالك {رضي الله عنه} عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنّه قال:((من حرس ليلة على ساحل البحر كان أفضل من عبادة رجل في أهله ألف سنة السنة ثلاث مئة وستون يوماً كل يوم ألف سنة)).(21)
فهنيئاً للمجاهدين في سبيل الله الذين تجشّموا الصعاب وركبوا المخاطر وطووا البحار لينشروا نـور الإســـلام والحق والعدالـــة حاملين إلى البشريّة رسالة الله التي فيها عزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، ففازوا برضوان الله ومحبّته وجزيل عطائه .
فقد صدق الصحابة الكرام {رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم} عهدهم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} عندما قام سعد بن عبادة خطيباً باسم الأنصار {رضي الله تعالى عنهم} قُبيْل غزوة بدر إذ كان الرسول خرج بأصحابه يريد قافلة لقريش الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقد حان الوقت ليستردّوا بعضَ ما سُلب منهم ، ووصل الخبر إلى أبي سفيان فقاد القافلة بعيداً فنجت ، وخرج جيش المشركين من مكة بقيادة أبي جهل لقتال المسلمين ، وتغيرت أهداف خروجه {صلى الله عليه وسلم} فطلب المشورة من أصحابه فقام عدد من المهاجرين مفوضين الأمر إليه، ولكنّه {صلى الله عليه وسلم} كان في كلِّ مرة يقول : ((أشيروا عليَّ فقام)) زعيم الأنصار سعد بن عبادة {رضي الله عنه} فقال : ((إيانا تريد يا رسول الله ؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أنْ نُخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أنْ نَضرِبَ أكبادَها إلى بَرْك الغَمادِ لفعلنا)). (22) وبرك الغماد مكان كثير السباع شديد المخاطر يعدل في خطره البحر وربما فاقه ، فجزاهم الله تعلى عن الإسلام والمسلمين ما يليق بكرمه فقد كانوا كما وصفهم ربهم:((وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها)).(23)

مصادر الباب الثاني:

1 ــ السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص : / 18 / .

2 ــ أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر – (ج 1 / ص 75)

3 ــ إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي – (ج 1 / ص 273)

4 ــ صحيح مسلم – (ج 8 / ص 97)

5 ــ جمع الجوامع أو الجامع الكبير للإمام السيوطي(ج1 ص 16465) حديث حسن صحيح .
6 ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 21354)
7 ــ إتحاف الخيرة المهرة – (ج 1 / ص 197)
8 ــ إتحاف الخيرة المهرة – (ج 6 / ص 121)
9 ــ السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي – (ج 1 / ص 4)
10 ــ سورة النجم الآيتان : / 3و4 / .
11 ــ سورة الأحزاب ، الآية : / 6 / .
12 ــ سورة التوبة الآية : / 128 / .
13 ــ البحر الزخّار ـ مسند البزّار – (ج 8 / ص 191)
14 ــ إتحاف الخيرة المهرة – (ج 6 / ص 479)
15 ــ البحر الزخار ـ مسند البزار – (ج 1 / ص 367)
16 ــ مسند أحمد بن حنبل – (ج 3 / ص 240)
17 ــ إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي – (ج 9 / ص 484)
18 ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 16604)
19 ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 16823)
20 ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 16842)
21 ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 16678)
22ــ التبويب الموضوعي للأحاديث – (ج 1 / ص 17019)
23 ــ سورة الفتح ، الآية : / 26 / .

الباب الرابع :

البحر في النثر العربي

 

في الواقعِ لا يمكنُنا أن نَسْتَقْصيَ كلَّ ما ذكرَه العربُ عن البحرِ في نَثْرِهم منْ حكاياتٍ ورواياتٍ وخُطبٍ ومَلاحِمَ شعبيَّةٍ ، لأنّ النثْرَ كثيرٌ وكثير جدّاً، لكنّنا سنوافيك ــ عزيزي القارئ ــ من كلِّ وادٍ بزهرة ، وقد تمثّل الربيعَ زهرة ،إنَّما سنبدأ بأديب كبيرٍ من أُدباءِ العربيَّة ، ألا وهو الأديبُ الكبيرُ مصطفى صادق الرافعي ، لِمــا في ذلك مِنْ مَغْزًى عميقٍ ستلاحظُه ــ أيّها القارئ الكريمُ ــ وأنت تستعرضُ نصوصَه .
فالبحرُ ــ عند الرافعي ــ أنثى تحمل وتلد ، إنّما تَلِدُ المعانيَ للشعراءِ بينما تلدُ النساءُ البناتِ والأبناءَ ، وتلد الأرضُ النباتَ والحدائقَ الغَنّاء ، يقول : ((ويرى الشعراءُ في ساحلِكَ ما يَرون في أرضِ الربيعِ ، أنوثةً ظاهرةً تَلِدُ المعانيَ لا النّباتَ )) . (1) ليلاقي ، في نظرته هذه ، الشاعرَ الكبيرَ : حافظ إبراهيم، الذي يقول بلسان حال اللغة العربية :

أنا البحر في ساحلـــه الـدرُّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صَدفاتي ؟
والبحرُ هو الربيعُ الثاني يوحي بلونِه الأزرقِ ما يوحيه الربيعُ بلونِهِ الأخضرِ من سعادةٍ ولكنْ أرقُّ وألطفُ،يقول:((إذا احتدم الصيفُ ، جعلتَ أنتَ أيها البحرُ للزمن فصلاً جديداً يُسمّى {الربيع الثاني} ويوحي لونُك الأزرقُ إلى النفوس ما كان يوحيه لونُ الربيــــعِ الأخضرُ إلاّ أنَّه أرقَّ وألطفَ)).(2)
أما العُشّاقُ فإنّهم يسمعون صدىً لتأوُّهاتِهم في أنسامِ البحرِ اللطيفةِ، يقول:((ويُحسُّ العُشّاقُ عندك ما يُحِسّونَه في الربيعِ:أن الهَواءَ يَتأوّهُ..! وبالربيعين الأخضرِ والأزرقِ ينفتحُ بابان للعَالَمِ السِّحْرِيِّ العَجيبِ)).(3)
هكذا،إذاً،نظر الرافعيُّ إلى البحرِ،فهو إنسانٌ رَهيفُ الحِسِّ ، متعاطفٌ مع العشّاق،يَرِقُّ لعذاباتِهم،ويتعذّبُ لآلامِهم،ويُشاركُهم تَأوُّهاِتهم كما يُشاركُ الربيع بإضفاءِ السّحرِ والجَمالِ والبَهْجةِ على الكونِ ليَسْعَدَ الإنسانُ ، ويُشاركُ السماءَ في رسمِ صورةٍ سِحْريَّةٍ تَطوفُ بخيالِ الإنسانِ ، وتَسبحُ به في عَوالِمَ تَسرحُ بالقلبِ وتَخْلُبُ اللُّبَّ:((ما أجملَ الأرضَ على حاشيةِ الأزرقيْن البحرِ والسماءِ ، يَكادُ الجالسُ هنا يَظُنُّ نفسَه مَرسوماً في صُورةٍ إلهيَّةٍ)).(4)
ثمَّ إنَّ البحرَ عنـده عــينُ الكرةِ الأرضيّـةِ التي تبكي بها أسىً وحُزناً على مصيرِها الذي ستؤولُ إليه يوماً ما ، عندما يَحينُ حِينُها ، يقول :
(( وقفتُ يوماً على شاطئِ البحرِ،فخُيِّلَ إليَّ أنّهُ عيْنٌ تَبكي بِها الكُرةُ الأرضيَّةُ بكاءً على قَدَرِها)). (5)
والبحرُ ، في نظرِه ، جَبّارُ الحياةِ ، تتجلّى فيه صفاتُ القوَّةُ والشِّدَّةُ والعُنْفُ في أجْلى مَظاهِرِها ، كما يتجلّى فيه اللّينُ في أبهى تَجَلياتِه ، فهو إذاً جامعُ الضِدّيْنِ ، ومَظهرُ المُتناقضيْن ، في هذا الجانبِ ، لكنّه حين يَصِفُه بالقَداسَةِ،وسَعَةِ الرّوحِ،ونقاءِ المادّةِ،لا يَذكُرُ أضدادَها يقول:((كنْ مثلي جَبّارَ الحياةِ،مُجْتَمِعاً مِن أَلْيَـنِ اللّـينِ وأَعنفِ القُوَّةِ، كنْ مِثلي قِدِّيسَ الحيــاةِ ، واسعَ الروحِ ، نظيفَ المـــادّةِ ، مستعيناً لواحدةٍ بواحدةٍ)). (6)
كما يَرى أنّ البحرَ دائمَ التَّجَدُّدِ ، دائمَ الحركةِ ، حتى لا ييأسَ وحتّى لا تَفْسُـدَ مياهُه، فهو لذلك يدعو الإنسانَ ليقتديَ بالبحرِ ، فيكونَ دائمَ الحركةِ ، يسعى إلى تجديدِ نفسِه حتى لا يتسرَّبَ إليها اليأسُ،وحتّى لا يتغلغلَ فيها الوّهْنُ فيُفِسدَها،يقول:((وأعرف للبحر في نفسي كلاماً ، فهو يوحي إليَّ أنْ تَجَدَّدْ في آمال ِقلبِكَ كأمواجي لِكيْلا تَمَلَّ فتيْأسَ ، وتحرّكْ..تحرّكْ في نَزَعاتِ نفسِكَ كتياري لئلاّ تَـرْكُدَ فَتفْسُدَ، وتَوَسَّعْ، تَوَسَّعْ في مَعاني حياتِك كأعماقي لئلا تَمتلئَ فتتعكَّرَ،وتَبَحَّرْ تَبَحَّرْ في جَـوِّكَ الحُرِّ كرِياحي لِئلاّ تَسْكُنَ فتَهْمَدَ)). (7) ويَقْصِدُ بالتَبَحُّرِ ــ هنا ــ
التوسُّعَ .
وثمّةَ حوارٌ شيّقٌ بديعٌ في كتابِ جواهرِ الأدَبِ أجراه مؤلِّفُهُ على لسانِ كلٍّ من البرِّ والبحرِ يتحدّث فيه كلٌّ منهما عن خصائصِه ومزاياه ومزايا صاحبِه وما خصّهما اللهُ به، وما أبدع فيهما من عجائبِ الخَلقِ وغرائبِه ، يقول على لسان البرِّ:((يا صاحب الدَرِّ ومَعْدِنَ الدُرِّ ، أَطرقتَ رياضي ومزّقتَ جسوري وأحواضي، وأغرقتَ جُثّتي ، ودخلتَ جَنَّتي ، وتلاطمت أمواجُك على وجنتي ، وأكلت جَزائري وجُروفي ، وأهلكت مرعى فَصيلي وخَروفي ، وأهزلتَ ثوري وحَمَلي ، وفَرسي وجَملي ، وأَجريْتَ سُفُنَك على أرضٍ لم تجرِ عليها ، ولم تُمِلْ طَرْفَ غُرابِها إليها ، وغَرَستَ أوتادَها على أوتادِ الأرض ، وعَرَّسْتَ في مواطِنِ النَّفْلِ والفرض ، وجعلتَ مَجرى مراكِبِك في مجرى مراكبي ، ومشى حُوتُك على بطنِه في سعدِ أخبيةِ مَضاربي ، وغاص ملاحُك في ديار فرحي ، وهاجرتَ من القُرى إلى أمِّ القِرى ، وحَمَّلتَ فلاحي أثقالَه على القِرى ، وقد تلقيْتُك من الجنادِلِ بصَدْري ، وحَمَلتُك إلى بَرزَخِكَ على ظهري ، وقبَّلتُ أمواجَك بثغري ، وخَلَقتُ مقياسي فرَحاً بقدومِك إلى مِصري ، وقد حيَّرتَ وعدّلتَ وفعلتَ فلعلَك . تَغيضُ ولا يكون ذهابُك عن ذهابِ بغيض ، أو تُفارق هذه الفجاجَ وتختلط بالبحرِ العَجّاجِ ، وإنْ لم تفعلْ شَكَوْناك إلى مَن أنزَلَك من السماءِ ، وأنعمَ بك علينا من خزائنِ الماء ؟

إذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تُغِثْ
عِبــــاداً فمولاهمُ يُغيثُ ويرحــمُ
وإن صدرتْ منهم ذنوبٌ عظيمةٌ
فعفو الذي أجراك يا بحرُ أعظمُ
نَمُـــــــدُّ إليــــه أيدياً لـم نَمُدَّهـــــا
إلى غيرِهِ واللهُ بالحـــــــــــــالِ أَعلَمُ
ثم قال على لسان البحر: يا بَرُّ يا ذا البِرِّ ، أهكذا تُخاطِبُ ضيفَك وهو يُخصِبُ شتاءك وصيفك ؟! وقد ساقني اللهُ إلى أرضِكَ الجُزُرِ ومَعْدِنِ الدَرِّ والخَزْرِ لأُبْهِجَ زرعَها وخيْلَها ، وأُخرجَ أَبَّها ونخيلَها، وأُكرِمَ ساكنَك، وأُنزِلَ البَرَكَةَ في أماكنِك ، وأُثبِتَ لك في قلبِ أهلِكَ أحكامَ المحبَّةِ ، وأُنْبِتَ بك لهم في كلِّ سُنبلةٍ مئةَ حبَّةٍ ، وأُحْييكَ حياةً طيِّبةً يبتهجُ بها عمرُك الجديدُ ، وتتلو {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى}. (8) ألسنةُ العبيدِ ، وأُطهِّرُك من الأوساخ ، وأحمِلُ إليك الإبليز فأُطيّبُك به من عَرَقِ السِباخ ، وأنا هديَّةُ اللهِ إلى مِصرِك ، ومَلِكُ عَصرِك القائمُ بنصرِك ، ولولا بركاتي عليك ومسيري في كلِّ مَسْرى إليك ، لكنتَ وادياً غيرَ ذي زرعٍ وصادياً غيرَ ذي ضَرْعٍ .

سَرَيْتُ ، أنا ماءَ الحيــاة ، فلا أَذًى
إذا ما حَفِظتَ الصحْبَ فالمالُ هيّنُ
فكن خَضِراً يا برُّ واعْـلَـــــــمْ بأنّـني
إلى طينِك الظمــــــآنِ بالرِيِّ أُحْسِنُ
وأَسعى إليــــه مِن بـــلادٍ بعيــــــدةٍ
وأُحْسِنَ أَجْـــري بالتي هي أحسَنُ
إذا طاف طُوفــــاني بمِقياسُكَ الذي
يُسِرُّ بإتْيــانِ الوفــــــــــــــــــاءِ ويُعلنُ
فقُـمْ وتَلَقّـــــــاهُ ببسطتِــــــــــك الـــتي
لروضها فضــــــلٌ على الروض بيّنُ
ولَعَمْري لقد تَلَطَّفَ {البرُّ} في عتابِه وأحْسَنَ ، ودَفَعَ{البحرُ} في جوابِه بالتي هي أَحسنُ ، وقد اصْطَلَحا ، وهُما بحمدِ اللهِ أَخَوانِ مُتضافران على عِمارةِ بلادِهِ ونَشْرِ الثروةِ ونُمُوِّ الخيرات بين عبادِه ، فاللّهُ تعالى يُخصِبُ مَرْعاهما ويَحرُسُهما ويَرْعاهُما.(9)
وركبَ ابنُ مُكانس البحر فكَتَبَ إلى والده يصف البحرَ ومخاطرَه وسفنَه ومخاطرَ هذه المغامرة وتمنّيه بانتهائها ، لا سيما وقد أخذ العطش منه كلَّ مأخذ، ولا ألذَّ من الماء على الظمأ فكيف إذا كان يرى الماء من حوله لكن هذا الماء لا يبلُّ ليلاً ولا يروي ظمأً ، يقول مستعملاً لغة العروضيين :((..يا مولانا وأَبُثُّك ما لاقيتَ مِن أهوالِ البحرِ وأُحدِّثُ عنه ولا حرج ، فكم وَقَعَ المملوكُ من أعاريضه في زُحافٍ تَقطعُ منه القلبَ لَمّا دَخَلَ إلى دوائرِ تلك اللُّجَجِ ، وشاهدتُ منه سلطاناً جائراً يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً، ونَظَرْتُ إلى الجَواري الحِسان ، وقد رَمَتْ أُزُرَ قُلوعِها وهي بين يديه ــ لقلَّةِ رجالها ــ تُسبى، فتحقّقتُ أنَّ رأيَ مَن جاء يَسعى في الفُلْكِ غيرُ صائبٍ،واستصوبْتُ ــ هنا ــ رأيَ مَن جاء يمشي وهو راكبٌ، وزاد الظمأُ بالمملوكِ وقد اتّخذَ في البحرِ سبيلَه ،وكم قُلتُ من شدَّةِ الظمأ: يا تُرى ــ قبلَ الحُفرةِ ــ أَطْوي مِن البحرِ هذه الشُقَّةَ الطويلة ؟

وهل أُباكِرُ بحرَ النيلِ مُنْشرِحاً وأَشربُ الحلوَ مِن أَكوابِ مَلاّحِ
بحرٌ تلاطمت علينا أمواجُهُ حتّى مِتْنا مِن الخوفِ ، وحَمَلْنا على نَعْشِ الغُرابِ، وقامت {واواتُ} دوائرِهِ مقامَ {مع} ، فنَصِبْنا للغَرَقِ لما استوت المياهُ والأخشابُ ، وقارن العبدُ ، فيه ، سوداءَ اسْترقَّتْ مَواليَها وهي جاريةٌ ، وغَشِيَهم منها،في اليَمِّ ، ما غَشِيَهم، فهل أتاك حديثُ الغاشيَةِ واقَعَها الريحُ فحَمَلَتْ بِنا، ودخلها الماءُ فجاءها المخاضُ ، وانشقَّ قلبُها لِفَقْدِ رجالِها ، وجَرى ما جَرى على ذلك القلبِ ففاضَ ، وتَوَشَّحَتْ بالسَوادِ في هذا المأْتَمِ ، وسارَتْ على البَحرِ وهي مَثَلٌ ، وكم سُمِعَ فيها للمَغارِبَةِ على ذلك التَوْشيحِ زَجَلٌ بِرَجّ مائي ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عد من المصبرين في التابوت تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأن بياضها سواد وتمشي مع الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود وتتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء وكم تطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين وتتصابى إذا هبت الصبا وهي ابنة مائة وثمانين وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال وتدعي براءة الذمة وكم أغرقت لهم من أموال هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج وكم وجلت القلوب لما صار الأهداب مجاذيفها على مقلة البحر اختلاج وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد ولقد رأيتها بعد ذلك التعاظم وقد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد)).(10)
أمّا صاحب كتاب {الله يتجلّى في عصر العلم} فقد نحا في نظرته إلى البحر منحىً آخر ، منحى الاعتبار بما في البحر من جمال وعجائب دالّة على عظيم قدرة الخالق {سبحانه} وبديع خلقه ، وما يتركه ذلك في نفس الإنسان دهشة ممزوجة بالسعادة والمُتعة والعَجْزِ عن إدراكِ كُنْهِ ذلك كلِّهِ، فكيف يستطيع هذا الإنسانُ أن يُدرِك الذاتَ الإلهيّةَ التي أبدعت هذه الموجودات ؟ يقول :((..انظر إلى النغم الموسيقي الرائع كم يثير في الأسماع من بهجة ورضا ، وكم يحرك في النفس من عواطف وأحاسيس.. إنّك لو ذهبتَ تطلُبُه بفكرك في طبقات الأثير ، تَرُدُّ كلَّ ذبذبةٍ فيه إلى ضوابطَ من الفَنِّ ، وقواعدَ من العِلم ، لأعْيَتْكَ مَذاهِبُه ، ولانتهى بك المطافُ إلى غيرِ طائل .. ، ثمَّ انْظرْ إلى البحرِ في سَعَتِه وامتدادِه.. كم تأخُذُ صفحتُه الرقراقةُ المتموِّجةُ من نفسِك ، وكم تبلُغُ عَظَمَتُه وروعتُه من قلبك حين تَملأُ عينَيْكَ منه ، وتُرَدِّدُ النظرَ فيه ، ثمَّ انْظُرْ كيف بك إذا ألقيتَ بنفسِكَ في عُبابِه ، ورَميْتَ بها في ثَبَجِهِ.. مَنْ أنتَ ؟ وما تكون ؟
فكيف بهذا الخالقِ العظيمِ ؟ نَرْمي بعقولِنا القاصرةِ وأفكارِنا المحدودةِ في عَوالِمَ لا نهايةَ لها ، نُريدُها أنْ تُحيطَ به وتُخضعَ حقيقتَه لما تَخضعُ له حقائقُ الأشياءِ في عالمنا المحدود؟
لماذا لا نَقفُ من هذا الخالقِ العظيمِ موقفَنا من النغمِ الموسيقي نَلْتَذُّ بسماعِه، أو البحر نَتملَّى جمالَه؟ ولم نَعْدِلْ عن هذا إلى مسابقةِ النَغَمِ في مَسْراهُ، أو مُطاوَلَةِ البحرِ في عَظَمَتِهِ ؟ ذلك هو الضلالُ البعيد.
وإنّ حركاتِ السَمَكِ ، وتَمَوُّجاتِ حشائشِ البحرِ في نُعومَةٍ تحت
سطحِهِ ، لَتَملأُ نفسَ الإنسانِ بشعورٍ مِنَ الانْسجامِ يَستجيبُ إلى تَشَوُّقِهِ.
وقد تَقعُدُ روحُ الإنسانِ هادئةً فوق شاطئ جزيرةٍ مَرجانيَّةٍ ، ويُغنّي لها البحرُ المُتلاطِمُ.الحكمةُ تُوجِبُ أنْ يَتوسَّطَ هذا الفنُّ بين الإصابَةِ والخطأِ حتى لا يُستَغنى عن اللِّياذِ باللهِ أَبَداً ، ولا يقعُ اليأسُ مِن قِبَلِهِ أبداً؛ وعلى هذا سَخَّرَ اللهُ الإنسانَ وقَيَّضَهُ وخيَّرَهُ في هذا الأمرِ وفوَّضَه ؛ ومَنَعَ من الثِقةِ والطُمأْنينَةِ إلاّ في معرفتِه وتوحيدِه وتقديسِهِ وتَمجيدِهِ ، والرُجوعِ إليْه ؛ انظرْ إلى حديثِ الطِبِّ ، فإنَّ عندَه الصِناعةُ تَوَسَّطَتِ الصَوابَ والخطأ ، لتكونَ الحكمةُ ساريةً فيها ، وليكون اللُّطفُ معهوداً بها ؛ لأنَّ الطِبَّ كما يَبْرَأُ به العليلُ ، قد يَهْلِكُ معَه العليلُ ، فانظرْ إلى حديثِ البحرِ ورُكوبِ البأسِ المُتَيَقَّنِ فيه ، وجَوْبِ الطولِ والعَرضِ وإصابَةِ الرِّبحِ ، وطَلَبِ العِلمِ ، كيف توسَّطَ بين السلامةِ والعَطَبِ، والنَجاةِ والهَلَكَةِ، فلو استمرتِ السلامةُ حتى لا يُوجد مَن يَغرقُ ويَهْلِكُ ، لَكان في ذلك مَفْسَدَةٌ عامّةٌ ؛ ولو استمرَّتْ الهَلَكَةُ حتى لا يُوجد مَن يَسلَمُ ويَنجو، لَكان في ذلك مَفْسَدةٌ عامَّةٌ ؛ فالحِكمَةُ إذاً ما تَوَسَّطَ هذا الأمرَ حتى يَشكرَ اللهَ من ينجو،ويُسلِّمَ نفسَه للّهِ مَن يَهْلِكُ)).(11)
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب {رضي الله تعالى عنهما}
يصف له البحر فقال:((.. يا أمير المؤمنين البحرُ خَلْقٌ عظيمٌ يَركبُهُ خلقٌ صغيرٌ ، دودٌ على عُودٍ)). (12)
وهذا مما يؤكِّدُ حقيقةَ ما ذهبنا إليه من أنَّ العرب لم يكونوا أُمَّةَ بحرٍ ولم تكن لهم خبرةٌ به و لا تجارب مهمَّة معه ، وبالتالي ، يفسّر رهبتهم منه وخوفهم من عواقب ركوب ظهره والإبحار فيه .
وقد بقيت هذه النظرة إلى البحر هي الغالبة حتى ما بعد عصر الفتوحات حيث ركب العرب المسلمون البحر فاتحين أجزاءً من جنوب القارة الأوربيّة ناشرين فيها العدالة ونور العلم والهداية ، فهاهو الصاحب بن عباد يأخذ يقول:

إذا أدنـــاك سلطــــانٌ فـــــزده من التعظيم واصحبـــــهُ وارقبْ
فما السلطانُ إلا البحرُ عظماً وقربُ البحر محـذورُ العواقبْ
(13)
وهو في ذلك إنّما يعمل بمقولة:((البحر لا جواز له، والملك لا صديق له والعافية لا ثمن لها)).(14)
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:((مُخَالَطَةُ الأَشْرَارِ عَلَى خَطَرٍ،وَالصَّبْرُ عَلَى صُحْبَتِهِمْ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ ، الَّذِي مَنْ سَلِمَ مِنْهُ بِبَدَنِهِ مِنْ التَّلَفِ فِيهِ ، لَمْ يَسْلَمْ بِقَلْبِهِ مِنْ الْحَذَرِ مِنْهُ )).(15) وهو دليلٌ آخر على النظرة السلبية إلى البحر عند العرب ، فهو شرّيرٌ مخيف .
أمّا في أخبار الظرفاء والمتماجنين فإنَّنا نرى البحر يتحوّل إلى قصعةٍ كبيرة من المرق في وليمة دعا إليها الهُدهدُ نبيَّ الله سليمان {عليه السلامُ} ومعه جيشُه ، والذبيحةُ جراده، حين جاء الهدهد إلى سليمان فقال: ((أريد أن تكون في ضيافتي ، فقال سليمان : أنا وحدي ؟ فقال : لا ! بل أنت والعسكر ، في يوم كذا ، على جزيرة كذا ؛ فلمّا كان ذلك اليوم ، جاء سليمان وعسكره ، فطار الهدهد ، فصاد جرادةً ، فخنقها، ورمى بها في البحر ، وقال : كلوا ، فمن لم ينل من اللّحم نال من المرقة ؛ فضحك سليمان من ذلك وجنوده حولاً كاملاً . (16)
وفي هذا البحر من الأمم أكثر مما في البرِّ بكثير وفي الإنسان من جميع هذا الخلق الذي فيه قد اختُصِرَ العالَمُ الأكبر ، ولذلك كان أكمل خلق اللهِ وبذلك استحقّّ أن يكونَ خليفتَهُ في أرضِهِ ، كما رُوِيَ عن سيِّدِنا عُمرَ بنِ الخَطّابِ {رضي الله عنه} أنّه قال:((خلق اللهُ تعالى أَلفَ أُمَّةٍ وعشرين أُمَّةٍ ، منها ستُمئةٍ في البحر وأربعُمائةٍ وعشرون في البرِّ ، وفي الإنسان مِنْ كُلِّ خَلْقٍ، فلذلك سَخَّرَ اللهُ له جميعَ الخَلْقِ ، واستُجمِعت له جميعُ اللّذّات،وعمِل بيدِه جميعَ الآلاتِ وله النُطْقُ والضَحِكُ والبُكاءُ والفِكرةُ والفِطنةُ ، واختراعاتُ الأشياءِ ، واستنباطُ جميعِ العلوم ، واستخراجُ المعادن ، وعليه وقَعَ الأمرُ والنهيُ ، والوعدُ والوعيدُ ، والنعيمُ والعذابُ ، وإيّاهُ خاطَبَ ، وله قَرَّبَ . وخَلَقَ اللهُ تعالى إسرافيلَ {عليه السلام} على صورةِ الإنسان، وهو أقربُ الملائكةِ إليه وفي الحديث:((لا تَضْرِبوا الوجوهَ فإنّها على صورةِ إسرافيل)).وآياتُ اللهِ تعالى أكثرُ مِنْ أنْ تُحصَرَ { فتبارك الله أحسن الخالقين}. ))(17)
ولِحُورِ البحر نصيبٌ وافرٌ من الأدب العربي فقد حكى القَزويني عن بعضِ البَحريين أنَّ الريحَ ألقتهم على جزيرةٍ ذاتِ أشجارٍ وأنهارٍ ، فأقاموا بهامُدَّةً ، وكانوا إذا جاء الليلُ يَسمعون بها هَمْهَمَةً وأصواتاً وضَحِكاً ولَعِباً ، فخرج مِن المَراكِبِ جماعةٌ وكَمَنوا في جانبِ البحرِ ، فلمّا جاء الليلُ خَرَج بناتُ الماءِ على عادتِهِنَّ ، فوَثَبوا عليهِنَّ ، فأخَذوا منهُنَّ اثنتينِ فتزوَّجَ بهما شخصان ، فأمّا أَحدُهُما فوثق بصاحبتِهِ فأطْلَقَها فوثَبَتْ في البَحْرِ ،وأمّا الآخرُ فبقي مع صاحبته زماناً ، وهو يَحرُسُها ، حتى ولَدت له ولداً كأنَّه القَمَرُ ، فلمّا طاب الهواءُ ورَكِبوا البحرَ ووثق بها فأطْلَقَها ، فأغْفَلَتْهُ وألْقَتْ نفسَها في البحرِ فتأسَّفَ عليها تأَسُّفاً عظيماً ، فلمّا كان بعدَ أيّامٍ ظَهَرتْ من البحرِ ودَنَتْ من المراكِبِ وألقتْ لصاحبِها صَدَفاً فيه دُرٌّ وجَوهَرٌ فباعَه وصار من التُجّار .
ونظيرُ هذه الحكايةِ ما ذكره ابنُ زولاقٍ في تاريخِه أنَّ رَجُلاً من الأَندلس، من الجزيرة الخضراء ، صاد جاريةً منهُنَّ حسناءَ الوجهِ ، سوداءَ الشَعْرَ ، حمراءَ الخدّيْن ، نجلاءَ العيْنيْنِ كأنَّها البدرُ ليلةَ التَمامِ ، كاملةَ الأوصافِ ، فأقامت عندَه سنين ، وأحبَّها حُبّاً شديداً ، وأَوْلَدَها ولداً ذَكَراً وبَلَغَ مِن العمرِ أربعَ سنين ، ثمَّ إنَّه أرادَ السفرَ فاصْطحَبَها معه ووَثق بها، فلمّا توسّطت البحرَ أخذتْ وَلَدَها ، وألقتْ نفسَها في البحر ، فكاد أنْ يُلْقي نفسَه خلفَها حسرةً عليها ، فلم يُمَكِّنُه أهلُ المَركَب من ذلك، فلما كان بعد ثلاثةِ أيّامٍ ظَهَرتْ له وألقتْ له صَدَفاً كثيراً فيه دُرٌّ ، ثمَّ سلَّمتْ عليه وتركَتْه، فكان ذلك آخرَ العهدِ بها فتبارَكَ اللهُ ما أكثرَ عجائبِ خَلْقِه.(18)وتبارك اللهُ ما أخصب خيال هؤلاء ، وإن كنتُ منهم حيث أقول:

يا عروس البحر غني هللّي واسبحي في النورِ قَرِّي أَعيُنــا
أنا والبحرُ وليلي ها هنـــــــا وصبـايـــــــا الشعر تحنو بالمنى

وما أظنُّ هؤلاء موجودات إلاّ في أخيلة الشعراء والأدباء ، وإلاّ فما لحور البحر هؤلاء قد هجرنَنا منذ تلك العصور ؟
وأمّا في أصل البحار وما فيها من ماء وعددها وصفات كلٍّ منها وما فيها من عجيب خلق الله ، فقد روي عن سيدنا عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ {رضي الله تعالى عنهما} أنّه قال:((لمّا أراد اللهُ تعالى أن يخلُق الماءَ خلقَ ياقوتَةً خضراءَ لا يَعلَمُ طولَها وعرضَها إلاّ اللهُ {سبحانه وتعالى} ثمّ نَظَرَ إليها بعينِ الهيْبةِ فذابتْ وصارت ماءً ، فاضْطَرَبَ الماءُ فخَلَقَ الريحَ ووضعَ عليها الماءَ ، ثمّ خَلَقَ العرشَ ووضعَه على متنِ الماءِ ، وعليه قولُه تعالى: {وكان عرشه على الماء}.
ثم قال :واعلمْ أنّ بحرَ الظُلُماتِ لا يَدخلُه شمسٌ ولا قمرٌ ، وإنّ بحرَ الهندِ خليجٌ منْه ، وبحرُ اللاذقيّةِ خليجٌ منه ، وبحرُ الصينِ خليجٌ منه ، وبحرُ الرومِ خليجٌ منه ، وبحرُ فارسَ خليجٌ منه ، وكلُّ هذه البحارِ التي ذكرتُها أصلُها من البحرِ الأسودِ الذي يُقال له البحرُ المحيطُ ، وأمّا بحرُ الخَزرِ وبحرُ خُوارِزْمَ وبحرُ أَرمينيّةَ والبحرُ الذي عندَ مدينةِ النحاسِ وغيرُ ذلك من البحارِ الصِغارِ فهي منقطعَةٌ عن البحر الأسودِ ، ولذلك ليس فيها جَزْرٌ ولا مَدٌّ ، وقيلَ سُئل النبيُّ عن الجَزْرِ والمَدِّ فقال : هو مَلَكٌ عالٍ قائمٌ بين البحرينِ إنْ وَضَعَ رِجلَه في البَحرِ حَصَلَ لَهُ المَدُّ وإذا رَفَعَها حَصَلَ له الجَزْرُ ، قيلَ إنّما سُمّيَ البحرُ الأسودُ لأنَّ ماءه فيه رأيَ العين كالحِبْرِ الأسودِ ، فإن أَخَذَ منه الإنسانُ في يدِهِ شيئاً رآه أبيضاً صافياً إلاّ أَنَّهُ أَمَرُّ مِن الصَبْرِ مالحٌ شديدُ المُلوحَةِ ، فإذا صار ذلك الماءُ في بحرِ الرومِ تَراهُ أخضرَ كالزِنْجار ِ، واللهُ تعالى يَعلمُ لأيِّ شيءٍ ذلك ، وكذلك يُرى في بحرِ الهِنْدِ خليجٌ أحمرُ كالدَمِ ، وبحرٌ أصفرُ كالذَهَبِ ، وخليجٌ أبيضُ كاللّبَنِ ، تتغيَّرُ هذه الألوانُ في هذه المواضِعِ والماءُ في نفسُه أبيضُ صافٍ ، وقيلَ إن تَغَيُّرَ الماءِ بلونِ الأرضِ . (19)
وأمّا ما يَخْرُجُ مِن البحرِ من السَمَكِ وغيرِهِ ، فهذه جملة من المشاهدات والقَصص التي تحوي من العجائب الشيء الكثير ، ونحن ننقلها كما رواها أصحابها،إذ غنيٌّ عن البيان أنّنا لا نتحرى الحقيقة العلميّة ــ هناــ وليس هذا من مهمّتنا،فيما نرمي إليه،إنّما نحن نتحدّث عن أثر البحر في أدب العرب ، شعرهم ونثرهم ، وحسب.
من ذلك ما رُوِيَ عن جابِرٍ بنِ عبدِ اللهِ {رضيَ اللهُ تعالى عنهما} قالَ : ((بَعَثَنا رسولُ اللهِ إلى ساحلِ البحرِ وأمَّرَ علينا أبا عُبيدةَ {رضي الله تعالى عنه} نتلَقّى عيرَ قريشٍ ، وزَوّدَنا جُراباً مِن تَمرٍ لم يَجِدْ لنا غيرَهُ فكان أبو عُبيدةَ يُعطينا تمرةً تمرةً نَمُصُّها ، ثمَّ نَشْربُ عليها الماءَ فتكفينا يومَنا إلى الليل ، فأشرفْنا على ساحلِ البحرِ ، فرأينا شيئاً كهيئةِ الكَثيبِ الضَخْمِ فأتيناهُ فإذا هو دابَّةٌ من دَوابِّ البحرِ تُدْعى العَنْبَرَ ، فأقمْنا شهراً نأكلُ منها ونحن ثلاثُمئةٍ حتّى سَمِنّا ، ولقد رأيْتُنا نغترفُ من الدُهنِ الذي في وَقْبِ عينَيْها بالقِلالِ ونقطعُ منه القِطعةَ كالثورِ ، ولقد أَخذَ مِنّا أبو عُبيدةَ ثلاثةَ عَشَرَ رجلاً فأقعدهم في وَقْبِ عيْنِها،وأَخَذَ ضِلْعاً من أضلاعِها فأقامها ثمّ رَحَلَ أعظمُ بعيرٍ معنا فمَرّ من تحتِها وتَزَوّدْنا من لحمِها،فلمّا قَدِمْنا المدينةَ ذَكَرْنا لرسولِ اللهِ ذلك فقال:هو رزقٌ أخرجَه اللهُ لكم فهل معكم شيءٌ من لحمها؟فتُطعِمونا؟فأرسلْنا له منه فأكلَه ))
وقيل يَخرُجُ من البحرِ سَمَكَةٌ عظيمةٌ فتتبعُها سَمَكةٌ أُخرى أعظمُ منها لتأكلَها فتَهرُبُ منها إلى مَجْمَعِ البحريْن فتَتْبَعُها فتَضيقُ عليها مجمعُ البحرين لعِظَمِها وكِبَرِها ، فترجِعُ إلى البحرِ الأسودِ،وعرضُ مَجمَعِ البحرين مئةُ فرسخٍ،فتبارك اللهُ ربُّ العالمين.
و هذه طائفة من أخبار البحر وردت عن رجل له مع البحر علاقات متينة وتجارب كثيرة ــ فيما يبدو ــ ذكرها في كتابه المسمّى بـ {تُحفةِ الألباب} فيها الكثيرُ الكثير من الطريف والغريب في آن ، قال : ((ركِبتُ في سفينةٍ مع جماعةٍ فدخَلْنا إلى مَجمَعِ البحرين ، فخَرَجتْ سمكةٌ عظيمةٌ مثلُ الجَبَلِ العظيمِ ، فصاحتْ صيحةً عظيمةً لم أَسمَعْ قَطُّ بأَهْوَلَ منها ولا بأَقوى ، فكادَ قلبي يَنخلِعُ وسَقَطْتُ على وجهي ، أنا وغيري ، ثمَّ ألقتْ السمكةُ نفسَها في البحرِ فاضطربَ البحرُ اضطراباً شديداً ، وعَظُمتْ أمواجُه، وخِفْنا الغَرَقَ فنجّانا اللهُ تعالى بفضلِهِ ، وسَمِعْتُ الملاّحين يقولون : هذه سَمَكَةٌ تُعْرَفُ بالبَغْلِ .
وقال:ورأيتُ في البحرِ سَمَكَةً كالجبلِ العظيمِ ومِن رأسِها إلى ذَنَبِها عِظامٌ سُودٌ كأسنانِ المِنشارِ ، كلُّ عَظْمٍ أطولُ من ذراعين ، وكان بينَنا وبينَها في البحرِ أكثرُ من فرسخٍ ، فسمعتُ الملاّحين يقولون : هذه السَمَكَةُ تُعرَفُ بالمِنشارِ ، إذا صادفتْ أسفلَ السفينةِ قَصَمَتْها نصفين ، ولقد سَمِعتُ مَن يقول أنّ جماعةً ركِبوا سفينةً في البحرِ ، فأرسوا على جزيرةٍ فخرجوا إلى تلك الجزيرةِ فغَسَلوا ثيابَهم واستراحوا ، ثمّ أَوْقَدوا ناراً ليَطبخوا فتحرّكتْ الجزيرةُ وطَلَبَتِ البحرَ وإذا بِها سمكةٌ ، فسبحانَ القادرِ على كلِّ شيءٍ، لا إلهَ إلاّ هو ولا معبودَ سِواه ، وقيلَ إنّ في البحرِ سمكةٌ تُعرَفُ بالمَنارةِ لِطولِها يُقالُ إنّها تَخرُجُ مِنَ البحرِ إلى جانبِ السفينةِ فتُلْقي نفسَها عليها فتُحطِّمُها وتُهلِكُ مَن فيها ، فإذا أَحَسَّ بِها أهلُ السفينةِ صاحوا وكبَّروا وضَجُّوا وضَرَبوا الطُبولَ ونَقَروا الطُسوتَ والسُطولَ والأخشابَ لأنّها إذا سمِعتْ تلك الأصواتَ ربّما صَرَفَها اللهُ تعالى عنهم بفضلِه ورحمتِهِ )) . وقال الشيخُ عبدُ اللهِ ، صاحبُ تُحفَةِ الألبابِ ، نفسُه : (( كنتُ يوماً في البحرِ على صخرةٍ فإذا أنا بِذَنَبِ حيَّةٍ صفراءَ مُنَقَّطةٍ بسوادٍ طُولُها مِقدارُ باعٍ فطَلَبتْ أنْ تَقبِضَ على رِجْلي فتباعَدْتُ عنها ، فأَخْرَجتْ رأسَها كأنّه رأسُ أرنبٍ مِن تحتِ تلك الصخرةِ، فَسَلَلْتُ خِنْجَراً كبيراً كان معي فطَعَنْتُ بِهِ رأسَها فغارَ فيه فلم أَقْدِرْ على خلاصِهِ منها ، فأَمسكْتُ نِصابَه بيديَّ جميعاً وجعلتُ أَجُرُّهُ حتّى أَلْصَقْتُها ببابِ الجُحْرِ ، فتركتْ الجُحْرَ وخَرَجتْ من تحتِ الصخرةِ فإذا هي خمسُ حيّاتٍ في رأسٍ واحدٍ ، فتعجَّبتُ من ذلك وسألتُ مَن كان هناك عن اسْمِ هذه الحيَّةِ فقال : هذه تُعرَفُ بأُمِّ الحيّاتِ ، وذَكروا أَنّها تَقْبِضُ على الآدَميِّ في الماءِ فتُمْسِكُهُ حتّى يَموتَ وتَأْكُلُهُ ، وأَنَّها تَعْظُمُ حتّى تَكونَ كلُّ حَيَّةٍ أكثرَ مِن عشرين ذِراعاً وأن تَقلِبَ الزوارقَ وتأكلَ مَن قَدَرتْ عليه مِن أصحابِها ، وأنَّ جِلْدَها أَرَقُّ مِن جِلدِ البَصَلِ ، ولا يُؤثِّرُ فيها الحديدُ شيئاً )) .
وقال:(( ورأيتُ مرّةً في البحرِ صخرةً عليها شيءٌ كثيرٌ مِن النارِنجِ
الأحمرِ الطَرِيِّ الذي كأنَّهُ قُطِعَ من شجرةٍ ، فقلتُ في نفسي هذا قد وَقَعَ مِن بعضِ السُفُنِ ، فذهبتُ إليهِ فقَبَضْتُ منه نارنجةً فإذا هي مُلْتصِقةٌ بالحَجَرِ فجَذَبْتُها فإذا هي حيوانٌ يتحرّكُ ويَضرِبُ في يدي ، فلَفَفْتُ يَدي بِكُمِّ ثوبي وقَبَضْتُ عليه وعَصرتُه فخرج مِن فِيهِ مياهٌ كثيرةٌ ، وضَمُرَ فلم أَقدِرْ أَنْ أقلَعَه من مكانه ، فتركتُه عَجزاً عنه ، وهو من عجائب خلقِ اللهِ تعالى ، وليس له عينٌ ولا جارحةٌ إلاّ الفَمَ ، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلمُ لأيِّ شيءٍ يَصلُحُ ذلك المخلوق )).
ثمّ قال:((ولقد رأيتُ يوماً على جانبِ البحر عُنقودَ عنبٍ أسودَ كبيرِ الحَبِّ أخضرَ العُرجونِ كأنّما قُطِفَ مِن كَرْمِهِ ، فأخذتُه ، وكان ذلك في أيامِ الشِتاءِ ، وليس في تلك الأرضِ التي كنتُ فيها عِنَبٌ ، فرُمْتُ أنْ آكلَ منه، فقبضتُ على حَبّةٍ منه وجَذَبْتُها فلم أَقْدِرْ أنْ أَقلَعَها مِن العُنقودِ حتى كأنّها من الحديدِ قوّةً وصَلابةً ، فجذبْتُها جَذْبةً أقوى من الأولى فانقشرتْ قشرةٌ من تلك الحبَّةِ كقِشْرِ العِنَبِ وفي داخلِها عجمٌ كعجمِ العِنَبِ ، فسألتُ عن ذلك فقيل لي : هذا من عِنَبِ البحرِ ورائحتُه كرائحةِ السَمَكِ)) .
وفي البحرِ ، أيضاً ، حيوانٌ رأسُه يُشبِه رأسَ العِجلِ وله أنيابٌ
كأنياب السِباعِ ، وجِلدُه له شعر كشعرِ العِجلِ ، وله عُنُقٌ وصَدرٌ وبطنٌ ، وله رجلان كرجلِ الضِفدَعِ ، وليس له يَدان ، يُعرَفُ بالسَمَكِ اليهوديِّ ، وذلك أنّه إذا غابتِ الشمسُ ليلةَ السَبْتِ يخرُج من البحرِ ويُلقي نفسَه في البرِّ ، ولا يتحرّكُ ، ولا يأكُلُ ولو قُتِلَ ، ولا يَدخُلُ البحرَ حتّى تَغيبُ الشمسُ ليلةَ الأحَدِ ، فحينئذٍ يدخل البحرَ ولا تَلحقُهُ السُفُنُ لخِفّتِه وقوّتِه ، وجِلدُه يُتَّخَذُ منه نعلٌ لصاحِبِ النَقْرَسِ فلا يَجِدُ لهُ أَلَماً ما دام ذلك الجِلدُ عليه، وهو من العَجائبِ . وقيل إنّ في بحرِ الرومِ سمكاً طويلاً طولُ السمكةِ مئةُ ذِراعٍ وأكثرُ ، وله أنيابٌ كأنيابِ الفيل تُؤخَذُ وتُباعُ في بلادِ الروم ، وتُحمَلُ إلى سائرِ البلاد ، وهي أحسنُ وأقوى من أنيابِ الفيل ، وإذا شُقَّ النابُ منها تَظهَرُ فيه نُقوش عجيبةٌ ، ويُسمّونَه الجوهَرُ، ويَتّخذون منه نُصُباً للسَكاكين ، وهو مع قوّتِه وحُسْنِ لونِهِ ثقيلُ الوزنِ كالرَصاصِ .
وفي البحرِ أيضاً سمكٌ يُسمّى الرَعّادُ إذا دَخَلَ في شَبَكةٍ فكلُّ مَن جَرَّ تلك الشبكةَ ، أو وَضَعَ يدَه عليها أو على حبلٍ من حِبالِها، تأخذُهُ الرَعْدَةُ حتى لا يَمْلُكَ من نفسِه شيئاً ، كما يَرتعِدُ صاحبُ الحُمّى ، فإذا رفع يدَه زالت عنْه الرَعْدَةُ ، فإن أعادها عادت إليه الرّعدةُ ، وهذا أيضاً
من العجائب، فسبحان اللهِ جَلّتْ قُدرَتُه.
وقال صاحبُ تُحفةِ الألباب ،حدّثني الشيخ ُأبو العبّاسِ الحِجازيُّ قال:حدّثني رجلٌ يُعرَف بالهارونيّ مِن وَلَدِ هارونَ الرشيد أنّه ركِبِ سفينةً في بحرِ الهِندِ فرأى طاووساً قد خرجَ من البحرِ أَحسن من طاووسِ البرّ وأجمل ألواناً، قال : فكَبَّرَ بالحَسَنَةِ فجعل يَسبَحُ ويَنظُرُ إلى نفسِه ويَنشُرُ أجنحتَه وينظُرُ إلى ذَنَبِه ساعةً من الزمن ثمّ غاص في البحر، وفي البحرِ دابّةٌ يُقالُ لها الدلفين تُنجي الغريقَ لأنّها تَدنو منه حتّى تَضَعُ يدَه على ظهرِها فيستعين بالاتّكاءِ عليها ويتعلّقُ بها فتَسبَحُ به حتّى يُنجيه اللهُ بقدرتِهِ ، فسبحان مَن دَبَّرَ هذا التدبيرَ اللّطيفَ وأَحكَمَ هذه الحِكْمةِ البالغةِ.
والسمكُ ــ كمايروي صاحب تحفة الألباب هذه ــ يملُك ذائقةً فنيّة حيث يحب سماع الغناء والموسيقا ، ولا نستغرب ذلك إذ ثبت بالتجربة العلميّة أنَّ البقر مثلاً يزداد حليبُها إذا ما وضعوا لها موسيقا معيّنة كما أنَّ الإبل تزداد سرعتها بالحداء ، وفي القصص أنّ الحيّةَ أيضاً تخرج من جُحرها لسماع عزف الراعي ، فلا غرابة ، إذاً، إذا كان السمك من هذه الحيوانات الراقية ، كما يدّعي صاحبُنا ، حيث يقول : ((وزَعموا أنّ السمَكَ يتَّجِه نحو الغناءِ والصوتِ الحَسَن ويصبو لسَماعه و قيل إنّ بعضَ الصيادين يَحفرون في البحرِ حفائرَ ثم يَجلِسون فيَضرِبون بالمَعازِفِ وآلاتِ الطَرَبِ فيَجتمِعُ السمكُ ويقعُ في تلك الحفائرِ ، وقيل إنّ الدِلفينَ وأنواع السمك إذا سمعتْ صوتَ الرعدِ هرَبتْ إلى قَعرِ البحر، وقيل إن خيلَ البحرِ توجَدُ بنيلِ مِصْرَ وهي في صفةِ خيلِ البَرّ ِ، وقيل إنّها تأكُلُ التماسيحَ ، وربّما خرجت فرَعَتِ الزرعَ ، وإذا رأى أهلُ مِصْرَ أثرَ حوافرِها حَكَموا أنَّ ماءَ النيلِ ينتهي في طُلوعِه إلى ذلك المكان ، وقيل إنّ في البحرِ المحيطِ شيئاً يتراءى كالحُصون، فيرتفعُ على وجهِ الماءِ ، ويظهر منه صورٌ كثيرةٌ ويَغيبُ )).
ومن عجيبِ ما حُكي أنّ في البحر جزيرةٌ فيها ثلاثُ مدنٍ عامرةٍ، وهي كثيرةُ الأمطارِ وأهلُها يحصُدون زرعَها قبلَ جَفافِهِ لقِلَّةِ طُلوعِ الشمسِ عندَهم ، ويَجعلونَه في بيتٍ ويُوقِدون حولَه النيران حتّى يَجِفّ .
وعجائب البحر لا تحصى ولا يمكن حصرها في الأدب العربي حيث يتضافر في نسجها الخيال مع الواقع وتمتزج الخرافة بالحقيقة . يُقال إنّ الإسكندرَ لمّا سارَ إلى بحرِ الظُلُمات مَرَّ بجزيرةٍ فيها أُمَّةٌ رؤوسهم مثل رؤوسِ الكِلابِ يخرُج من أفواهِهم مثلُ لهبِ النارِ وخَرَجوا إلى مراكبه وحاربوه ثم تخلص منهم وسار فرأى صوراً متلوِّنةً بألوانٍ شتّى، وسمَكاً طولُه مئةَ ذراعٍ وأكثر وأقل،فسبحان الله تعالى ما أكثر عجائب خلقه. (20)
وأمّا عن جُزُرِ البحار فقد ورد في الأدب العربيُّ الكثير في وصفها ووصف سكانها وما خلق الله فيها من الغرائب والعجائب .
يقال إنّ الاسكندر مَرَّ في بعضِ الجزائرِ على قَصْرٍ مصنوعٍ من البِلّوْر ِ على قلعة مُحْكَمةِ البِناءِ وحولَها قناديلُ لا تُطفَأُ .
ومِن جزائرِ البحرِ جزيرةُ القمر {وهي اليوم إحدى دول الجامعة العربية} ويُقال إنَّ بها شجراً طولُ الشجرة منها مئتا ذراعٍ ودَوْرُ ساقِها مئةٌ وعشرون ذراعاً ، وبها طوائفُ من السودان عَرايا الأبدان يَلتحِفون بِوَرَقِ الشجرِ ، وهو ورقٌ يشبه ورقَ الموزِ لكنّه أسمكُ وأعرضُ وأَنعمُ ، ويُقالُ إنّ هذه الجزيرةَ بالقربِ من نيلِ مِصرَ ، وإنّ هذه الأمّة التي بها يتمذهبون بمذهب الإمام الشافعيِّ {رضي الله تعالى عنه} وهم في غايةِ اللّطافةِ من الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالقُربِ منهم مَعْدِنُ الذهبِ والياقوتِ، وبها الفِيَلَةُ البيضُ وحيواناتٌ مختلفةُ الأشكالِ من الوحوشِ وغيرِها ، وبها العُودُ القُماريُّ والآبنوس والطواويس ، وبها مُدُنٌ كثيرةٌ .
ومنها جزيرةُ الواق خلف جبلٍ يُقال له اصْطَفْيون ، داخلَ البحر الجنوبيِّ ، ويُقال إنّ هذه الجزيرةَ كانت ملكتُها امرأةً ، وإنّ بعضَ المسافرين وصلَ إليها ودخلها ورأى هذه الملكة وهي جالسةً على سريرٍ وعلى رأسِها تاجٌ من ذهب ، وحولَها أربعُمِئةِ وَصيفةٍ كلُّهُنَّ أبكارٌ ، وفي هذه الجزيرةِ من العجائبِ شجرٌ يُشبِهُ شجرَ الجوزِ وخِيارَ الشَنبرِ ويحمِلُ حملاً كهيئةِ الإنسان، فإذا انتهى سُمِعَ له تَصويتٌ يُفهَمُ مِن {واق واق} ثم يَسقُط ، وهذه الجزيرةُ كثيرةُ الذهبِ حتّى قيلَ إن سَلاسِلَ خِيمهم ومقاوِدَ كلابِهم وأطواقَها من الذهب .
ومنها جزيرةُ الصين ، يُقال إنّ فيها ثلاثُمئة مدينةٍ ونَيِّفاً ، سوى القُرى والأطراف ، وأبوابُها اثنا عشرَ باباً ، وهي جبالٌ في البحر ، بين كلِّ جبلين فُرْجَةٌ وهذه الجبالُ تَمُرُّ بها المراكبُ مسيرةَ سبعةِ أيّامٍ ، وإذا جاوزت السفينةُ الأبوابَ سارت في ماءٍ عذْبٍ حتى تصلَ إلى الموضِعِ الذي تُريدُه، وفيها من الأوديَةُ والأشجارُ والأنهارُ ما لا يمكن وصفُه ، فتبارك اللهُ ربُّ العالمين .
وقيل إنّ الاسكندر لما فَرَغَ من بناءِ سَدِّهِ حَمَدَ اللهَ تعالى وأثنى عليه ثمّ نامَ وإذا بحيوانٍ عظيمٍ صَعِدَ من البحرِ إلى أعلى وسَدَّ الأُفُقَ ، فظَنَّ مَن حولَ المَلِكِ أنَّه يُريدُ ابتلاعَهم ففزِعوا ، فانتبَه الاسكندرُ فقال:ما لَكم؟فقالوا له : انظر ما حَلَّ بِنا ، فقال: ما كان اللهُ لِيَأخُذَ نفساً قبلَ انقضاءِ أجَلِها ، وقد مَنَعَني مِن العَدُوِّ فلا يُسَلِّطُ عليَّ حَيَواناً من البحرِ ، قال : فإذا بالحيوان قد دَنا من الملِكِ وقال أيُّها المَلِكُ أنا حَيَوانٌ من هذا البحرِ ، وقد رأيتُ هذا السَدَّ بُنيَ وخَرِبَ سبعَ مَرّاتٍ ، ولم يَزِدْ على ذلك ، ثمَّ غاب في البحر ، فتبارك مَن له المُلكُ العظيمُ ، لا إله إلاّ هو العزيزُ الحكيمُ .
وقيل إن في جزيرة النسناس باليمن مدينةٌ بين جبلين وليس لها ماء يدخل فيها إلا من المطر وطولها نحو ستةِ فراسخٍ ، وهي حَصينةٌ ذاتُ كُرومٍ ونخيلٍ وأشجارٍ وغيرِ ذلك، وإذا أرادَ إنسانٌ الدخولَ إليها حثا أحدُهم في وجهه التراب ، فإن أبى إلاّ الدخولَ خُنِقَ أو صُرِع ، وقيلَ إنّها معمورةٌ بالجانّ، وقيل بخلقٍ من النسناس ،ويقال إنّهم من بقايا قومِ عادٍ الذين أهلَكَهمُ اللهُ بالريحِ العَقيمِ ، وكلُّ واحدٍ منهم شِقُّ إنسانٍ ، ونُقِلَ عن بعضِ المسافرين أنَّه قال : بينما نحن سائرون إذ أقبل علينا الليلُ فبِتنا بوادٍ فلمّا أصبحَ الصباحُ سمعنا قائلاً يقولُ مِن الشَجَرَةِ : يا أبا بُجيرٍ ، الصبحُ قد أَسفَرَ، والليلُ قد أَدْبَرَ ، والقَنّاصُ قد حَضَرَ ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، قال : فلمّا ارتفعَ النهارُ أرسلْنا كلبين كانا مَعَنا نحو الشجرةِ فسمعتُ صوتاً يقول: ناشدتُكَ ، قال : فقلتُ لرفيقي دعْهُما ، قال : فلمّا وَثِقا بِنا نَزَلا هاربين فتبعَهُما الكلبان ، وجَدّا في الجَرْيِ ، فامسكا شَخصاً منهما قال : فأدركناه وهو يقول :

الويلُ لي ممّــــا به دهـاني دهري من الهمــوم والأحزان
قفـــــــا قليلا أيها الكلبـان إلى متى إليَّ تجـــــــــــــــــــــريان
قال:فأخذناهُ ورَجَعْنا فذَبَحَه رفيقي وشَواهُ فعِفْتُه ولم آكلْ منه شيئاً، فتبارَك اللهُ ما أكثرَ عجائبِ خلقِهِ ، لا إله إلا هو ولا معبودَ سواه .
(21)
والبحر مخيفٌ حتى في المنام بحيث يجعل الرجل يبول في فراشه على ذمّة الأبشيهي صاحب كتاب المستطرف من كلِّ فَنٍّ مستظرف حيث روى أنّ امرأةً رفعت إلى القاضي تبغي أن يفرّق بينها وبين زوجها ، وزعمتْ أنّه يَبولُ في الفراشِ كلَّ ليلةٍ ، فقال الرجلُ للقاضي:يا سيدي لا تَعْجَلْ عليَّ حتّى أَقُصَّ عليك قِصَّتي ، إنّي أرى في مَنامي كأنّي في جزيرةٍ في البحرِ وفيها قصرٌ عالٍ، وفوق القَصْرِ قُبَّةٌ عاليةٌٌ ، وفوق القُبَّةِ جَمَلٌ وأنا على ظهرِ الجملِ ، وإنّ الجملَ يُطأطئ برأسِه ليَشرَبَ من البحرِ ، فإذا رأيتُ ذلك بُلْتُ مِن شِدَّةِ الخوفِ ، فلمّا سَمِعَ القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه ، وقال يا هذه أنا قد أخذني البَولُ من هَوْلِه فكيف بِمن يَرى الأمرَ عَياناً ؟ (22) ثمَّة معركة بين البحر والطيور افتعلها عبد الله بنُ المقفَّع لغرض في نفس يعقوب، وقد عرف ابنُ المقفّع ببراعته في إجراء الحكمة على ألسنة الحيوانات في كتابه المسمّى بـ {كليلة ودِمْنة} وقد أوجب علينا تلقُّفَ هذه الحِكَمِ منبّهاً إلى خطرها في البداية حيث قال:((يجب على قارئ هذا الكتاب أن يُديمَ النظرَ فيه من غير ضجرٍ ، ويلتمسَ جواهرَ معانيه ، ولا يَظنُّ أنَّ نتيجةَ الإخبارِ عن حيلةِ بهيمتين ، أو محاورةِ سَبُعٍ لثورٍ:فيَنصرفُ بذلك عن الغرضِ المقصود . ويكونُ مثَلُه مثلَ الصيّادِ الذي كان في بعض الخِلجانِ يَصيدُ فيه السمكَ في زورقٍ فرأى ذات يومٍ في أرضِ الماءِ صَدَفةً تتلألأُ حُسْناً ، فتوهَّمَها جوهراً له قيمةٌ ، وكان قد ألقى شَبَكتَه في البحر ، فاشتملت على سَمَكةٍ كانت قُوتَ يومِه ، فخلاّها وقَذَفَ بنفسِه في الماءِ ليأخذَ الصَدَفَةَ ، فلمّا أخرجَها وجدَها فارغةً لا شيءَ فيها مما ظنَّ . فندم على تركِ ما في يدِه للطمعِ ، وتأسَّفَ على ما فاته ، فلمّا كان اليومُ الثاني تنحّى عن ذلك المكان ، وألقى شبكتَه ، فأصاب حوتاً صغيراً ، ورأى ــ أيضاً ــ صَدَفةً سَنيَّةً، فلم يلتفتْ إليها ، وساءَ ظنُّه بها ، فتركها . فاجتاز بها بعضُ الصيادين فأخذها ، فوجدَ فيها دُرّةً تُساوي أموالاً.
وكذلك الجُهّالُ إذا أَغفَلوا أمرَ التفكيرِ في هذا الكتاب ، وتَركوا الوقوفَ على أسرارِ مَعانيه ، وأخذوا بظاهره )) .
ثم يَسْرُدُ لنا حكايةَ الطيطوى ووكيلَ البحرِ ليخلص بنا في النهاية إلى حكمةٍ مفادُها ألاّ يغترَّ المرءُ بقوَّته إذا آنسَ الضعفَّ في خصمه فربّما كان ذلك في غير صالحه ، ثمّ يضمِّن إثناء الحكايةِ حكمةً أخرى سيلاحظها القارئ من غير شكٍّ، يقول : وقد قيل: لا تَحْقِرَنَّ العدوَّ الضعيفَ المَهينَ ، ولا سيّما إذا كان ذا حيلةٍ ويَقدِرُ على الأَعوان ؛ فكيف بالأسدِ على جَراءتِه وشِدَّتِه ؟ فإنّ مَنْ حَقَّرَ عدوَّه لضَعْفِه أصابَه ما أصابَ وكيلَ البحرِ مِن الطَيْطَوى ، قال شَترَبَةُ: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة: زعموا أن طائراً من طيور البحر يقال له الطيطوى كان وطنه على ساحل البحر، ومعه زوجةٌ له، فلما جاء أوان تفريخها قالت الأنثى للذكر: لو التمسنا مكاناً حريزاً نفرخ فيه : فإني أخشى من وكيل البحر إذا مد الماء أن يذهب بفراخنا. فقال لها: أفرخي مكانك: فإنه موافق لنا؛ والماء والزهر منا قريبٌ. قالت له: يا غافل ليحسن نظرك: فإن أخاف وكيل البحر أن يذهب بفراخنا. فقال لها أفرخي مكانك: فإنه لا يفعل ذلك فقالت له: ما أشد تعنُّتَك ! أَمَا تَذْكُرُ وَعيدَه وتهديدَه إيّاك؟ أَلا تَعرِفُ نفسَك وقَدْرَكَ ؟ فأَبى أن يُطيعَها. فلمّا أكثرتْ عليه ولم يَسمعْ قولَها ، قالت له: إنّ مَن لم يسمعْ قولَ الناصِحِ يُصِبْه ما أصاب السُلحفاةَ حين لم تَسمَعْ قولَ البطَّتين . قال الذَكَرُ: وكيف كان ذلك ؟ قالت الأنثى: زَعَموا أنّ غديراً كان عندَه عُشْبٌ ، وكان فيه بطّتانِ وكان في الغديرِ سلحفاةٌ، بينها وبين البطّتين مودّةٌ وصداقةٌ . فاتّفَقَ أنْ غِيضَ ذلك الماءُ ؛ فجاءت البَطّتان لِوداعِ السُلحفاة ، وقالتا : السلامُ عليكِ فإنّنا ذاهبتان عن هذا المكان لأجل نُقصانِ الماءِ عنه . فقالت : إنّما يبين نُقصانُ الماءُ على مثلي : فإنّي كالسفينةِ لا أقدِرُ على العيشِ إلاّ بالماءِ . فأمّا أنتما فتَقْدِران على العيش حيث كنتما . فاذْهبا بي معكما . قالتا لها : نعم. قالت : كيف السبيل إلى حملي ؟ قالتا: نأخُذُ بطَرَفيّ عُودٍ ، وتتعلّقين بوِسطِه ؛ ونَطير بكِ في الجو. وإياك، إذا سمعتِ الناسَ يتّكلّمون ، أنْ تَنْطِقي . ثم أخذَتاها فطارتا بها في الجوِّ . فقال الناسُ: عجبٌ: سلحفاة بين بطّتين ، قد حملتاها. فلمّا سمعت ذلك قالت : فَقَأ اللهُ أعينَكم أيّها الناس ، فلمّا فتحت فاها بالنُطقِ وقعتْ على الأرض فماتت . قال الذَكَرُ: قد سمِعتُ مقالتََك؛ فلا تَخافي وكيلَ البحر. فلمّا مَدَّ الماءُ ذهبَ بفِراخِها . فقالت الأنثى : قد عَرَفْتُ في بدءِ الأمرِ أنّ هذا كائنٌ . قال الذكر: سوف أنتقم منه . ثمّ مَضى إلى جماعة الطيرِ فقال لهنَّ: إنّكنّ أَخَواتي وثِقاتي:فأعنَّني قلْنَ: ما تُريدُ أنْ نَفعل ؟ قال: تجتمِعْنَ وتذهبنَ معي إلى سائر الطير ، فنشكو إليهنَّ ما لقيتُ من وَكيلِ البحرِ؛ ونقولُ لهُنَّ: إنّكنّ طيرٌ مثلُنا : فأعنَّنا. فقالت له جماعةُ الطير: إنَّ العنقاءَ هي سيّدتُنا ومَلِكَتُنا: فاذهب بنا إليها حتّى نصيحَ بها ، فتظهر لنا؛ فنشكو إليها ما نالَكَ من وكيلِ البحرِ؛ ونسألُها أنْ تنتقمَ لنا بقوَّةِ مُلْكِها. ثم إنّهنّ ذهبنَ إليها مع الطيطوى، فاستغثنَها؛ وصِحْنَ بها؛ فتراءت لهنّ فأخبرْنَها بقِصَّتِهِنَّ؛ وسألنَها أن تَسيرَ معهُنَّ إلى مُحاربةِ وكيلِ البحر، فأجابَتْهُنَّ إلى ذلك. فلمّا علِم وكيلُ البحر أنَّ العنقاءَ قد قصدتْه في جماعةِ الطيرِ خاف من مُحاربةِ مَلِكٍ لا طاقةَ له به. فردَّ فِراخَ الطيطوى؛ وصالحَه فرَجَعَتْ العنقاءُ عنه . (23)
وما دمنا في حديث الحكمة والعبرة ، وما دمنا نتحدّث عن البحر فإليك ــ عزيزي القارئ هذه الحكاية .
يروى أنّ سلطانَ صِقلّيةَ أَرِقَ ذاتَ ليلةٍ ومُنِعَ النومَ ، فأرسلَ إلى قائد البحرِ وقال له : أَنْفِذِ الآنَ مَرْكَباً إلى أفريقيّةَ يأتوني بأخبارِها ، فعَمَدَ القائدُ إلى مقدّمِ مَركَبٍ وأرسلَه ، فلمّا أصبحوا إذا بالمركب في مَوضِعِه كأنّه لم يَبرحْ ، فقال الملكُ لقائدِ البحر: أليس قد فعلتَ ما أمرتُك به ؟ قال نعم قد امتثلتُ أمرَكَ وأَنْفَذْتُ مَركَباً فرَجِعَ بعدَ ساعةٍ وسيحدِّثُك مُقَدَّمُ المركبِ ، فأمَرَ بإحضارِه ، فجاء ومعَهُ رجلٌ فقال له الملكُ : ما منعكَ أنْ تَذهَبَ حيث أُمِرْتَ ؟ قال: ذهبتُ بالمَركبِ فبينما أنا في جوفِ الليلِ والرجالُ يُجَدِّفون إذا بصوتٍ يقولُ يا أللهُ يا أللهُ ، يا غِياثَ المستغيثين ، يُكرِّرُها مِراراً ، فلمّا استقرَّ صوتُه في أسماعِنا ناديناه مِراراً لبّيْكَ لبيك ، وهو يُنادي يا أللهُ يا ألله يا غِياثَ المستغيثين ، فجَدَّفْنا بالمَرْكَبِ نحو الصوتِ فلَقينا هذا الرجلَ غريقاً في آخرِ رَمَقٍ مِن الحياةِ فطَلَعْنا بِه المَرْكَبَ ، وسألناه عن حالِه فقال : كنّا مُقلِعين من أفريقيّةَ فغرِقَتْ سفينتُنا منذُ أيّامٍ وأَشرَفْتُ على الموتِ ، وما زِلتُ أصيحُ حتّى أتاني الغوثُ من ناحيتِكم ، فسبحان من أَسْهَرَ سُلطاناً وأرَّقَهُ في قصرِهِ لغريقٍ في البحر حتّى استخرَجَه من تلك الظُلُماتِ الثلاثِ ، ظلمة الليلِ وظلمةُ البحرِ وظُلمةُ الوَحْدةِ،فسبحانَه لا إلهَ غيرُه ولا معبودَ سِواه. (24)
وما دمنا في حديث العِظة والعِبرة ، لا بأس أن نسوق هذه الحكاية التي رواها الأبشيهيُّ عن ذي النون المصريِّ {رحمه الله} خاصّة وأنّ لها علاقة بالبحر ومفرداته ، قال: قال ذو النون المصري : بينما أنا في بعض سياحتي إذ مررت بشاطئ البحر فرأيت عقربا أسود قد أقبل إلى أن جاء إلى شاطئ البحر فظننت أنه يشرب فقُمت لأنظرَ فإذا بضفدَعٍ قد خرجَ من الماءِ وأتاه فحَمَلَه على ظهرِهِ وذهبَ به إلى ذلك الجانبِ.قال ذو النون : فائتزرت بمئزري وعُمْتُ خلفَه، حتى إذا صَعِدَ من ذلك الجانِبِ صَعِدْتُ وسرت وراءه ، فما زال حتى جاء إلى شجرةٍ فوجدتُ تحتَها غُلاماً نائماً من شِدّةِ السُكْرِ قد أَقبَلَ عليه تِنّينٌ عظيمٌ، قال: فلَصَقتِ العقربُ برأسِ التِنّين ولَسَعَتْه فقتَلَتْه، ثمَّ رَجَعَتْ إلى ظَهْرِ الضِفْدَعِ فعَبَرَ بها إلى الماءِ،وسار بِها إلى المكان الذي جاءت منه ، قال ذو النون: فتعجّبتُ من ذلك وأنشدتُ :

يا راقداً والجليلُ يحفظُــــــهُ من كلِّ سوءٍ يكون في الظُلُمِ
كيف تَنامُ العُيونُ عن مَلِكٍ يأتيكَ منــه فوائــــدُ النِّعَـــــــمِ
ثم أيقظتُ الغلامَ وأخبرتُه بذلك ، قال : فلمّا سَمِعَ ذلك قال : أُشهِدُكَ على أنّي قد تبتُ عن هذه الخَصلَةِ،ثمّ جَرّيْنا ذلك التِنّينَ ورميناُه في البحر،ولبِسَ ذلك الغلامُ مُسْحاً وساحَ إلى أنْ ماتَ{رحمةُ اللهِ تعالى عليه}
(25)
ونحن لا نرى في هذه القصّة شيئاً من الغرابة فالله جلَّ شأنه يقول في كتابه العزيز:((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)).(26) صدق الله العظيم .

مصادر الباب الرابع:

1 ــ وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي: ج1ص46 .2
2 ــ المصــــــدر نفســــه: ص 47 .
3 ــ المصــــــدر نفســــه: ص 51 .
4 ــ أورق الورد لمصطفى صادق الرافعي : ص 72 .
5 ــ نفس المصدر : ص 72 .
6 ــ نفس المصدر : ص221 .
7ــ نفس المصدر : ص 221 .
8 ــ سورة البقرة ، الآية : / 73/ .
9 ــ جواهر الأدب – (ج 1 / ص 201 ــ 203)
10 ــ خزانة الأدب وغاية الأرب – (ج 1 / ص 48 ــ 52)
11 ــ الله يتجلى في عصر العلم – (ج 1 / ص 7)
12 ــ الإمتاع والمؤانسة – (ج 1 / ص 44ــ 45)
13 ــ التذكرة الحمدونية – (ج 2 / ص 29)
14 ــ التذكرة السعدية – (ج 1 / ص 40)
15 ــ أدب الدنيا والدين – (ج 1 / ص 209)
16 ــ أخبار الظراف والمتماجنين – (ج 1 / ص 47)
17 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 275 ــ 276)
18 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 279 ــ 280)
20 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 294)
21 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 289 ــ295 )
22 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 517 ــ 518)
23 ــ كليلة ودمنة – (ج 1 / ص 19)
24 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 161)
25 ــ المستطرف – (ج 2 / ص 254 ــ 255)
26 ــ سورة الرعد الآية : /11/

الباب الخامس
 

البحرُ في الشعر الجاهلي والإسلامي

 

رأينا أنه من المناسب أن نجمع بين العصرين الجاهلي والإسلامي فيما يخص ذكر البحر في الشعر العربي نظراً لعدم حصول تطور كبير في نظرة الشعراء إلى البحر خلال هذه الحقبة من الزمن والتي امتدت حتى ما بعد نهاية العصر العباسي ، اللهم إلاّ عند شعراء الأندلس ولذلك
سنخصّهم بفصل مستقل لأنه كانت لهم تجارب غنيّة مع البحر فتميّز شعرهم عن شعر إخوانهم في المشرق العربي فيما يخص البحر نظراً لعمق هذه التجارب .
فمن المعلومِ أنّ حياةَ الصحراءِ بما فيها مِن إبِلٍ وخيولٍ وأغنام ، وما في الصحراءِ من واحاتٍ وسرابٍ ومَفاوزَ وكُثبانٍ ، كانت الطاغيةَ على تفكيرِ أهلِها وشعرِهم ، هذا بالإضافةِ إلى ما تتطلَّبُه هذه الحياةُ البدويَّـةُ ــ في الغالبِ ــ من خِيَمٍ وأعمدةٍ وأثافيَّ ، وما في هذه الحياةِ من تنقُّلٍ وتَرْحالٍ ، طلباً للمَرعى ، ثمّ إنّ الجَدْبَ والقَحْطَ دفعـا بالعربيِّ إلى الغَزوِ للسيطرةِ على المراعي وسلبِ مـالِ الآخرين ، فنشأتْ حياةٌ غلَب عليهـا الحزنُ ولوعــةُ الفراقِ ، وقــد ظهر ذلك كلُّه في شعرِهم وأدبِهم ، أمّا البحرُ فلم تَكن لهم معَه تجاربُ غنيّةٌ لأنّه كان استثنـاءً في حياتهم ، لذلك فإنّ المطّلعَ على الأدبِ العربيِّ بعامَّةٍ والشعرِ منه خاصةً ، لا يَكاد يسمعُ إلاّ وصفَ مفرداتِ هذه الحياةِ وتداعياتها ، من وَداعٍ وفراقٍ ووقوفٍ على الأطلالِ ، من أثافيَّ وأمكِنةِ الخيامِ وبقايا كان العربيُّ يقفُ عليها ليَبكيَ حِبّاً له ، كان قد أقامَ عليها مُـدّةً من الزمنِ ، ثم ما لَبِثَ أنْ تَرَكَها طَلَباً للكَلأِ ليَرعى ماشيتَه ، وربّما جَدَّ في إثْرِهم مُقْتَفِياً آثارَ إبِلِهم وأَغنامِهم .
أمّا البحرُ فلم يَذكُرْه العربيُّ إلاّ لِماماً ، حتى الذين ساكَنوا البحرَ كطَرَفَةَ ابنِ العبدِ ، فإنّ البحرَ لم يحظَ مِن شعرِه إلاّ بالنَّذرِ اليسيرِ ، ذلك لأنَّ حياةَ البداوةِ كانت الغالبةُ على العربيِّ ، فكانت مُفرداتُها هي الطاغيةَ في ثَقافتِه ، أمّا البحرُ ومفرداتُه فقد غابت عن كتاباتِه ، أو كادت ، الأمرُ الذي حملَ الشاعرَ مُصْعَبَ بنَ محمدٍ الزُّبيْريِّ الملقبَ بأبي العَرَبِ على الحُكْمِ بأنّ البَرَّ للعربِ والبحرَ للرومِ يقول:

لا تَعْجَبَنَّ لِرأسي كيف شــــابَ أَسىً
واعْجَبْ لأَسْوَدِ عيني كيف لم يَشِبِ
البحرُ للرّومِ لا تَجْري السفينُ به
إلاّ على غُــــــرَرٍ ، والبَـرُّ للعَرَبِ (1)
وقد اقترن البحر ــ عند من ذكره ــ بالرعب والخوف والغموض والظلام والإبهام ، يقول امرؤ القيس في معلَّقتــه الشهيرة :

وليلٍ كمَوجِ البحرِ أرخى سُدولَـهُ
عليَّ بأنــــــــواع الهُمُوم ليبتلي (2)
إذاً فالبحر مَجْلَبَةٌ للهمّ والغَمِّ والحزنِ والرعبِ والتتابُعِ اللاّمتناهي كالليلِ الذي تتوالى طوائفُه مضيِّقةً الخِناقَ على الشاعرِ ، فقد شبهه بالليلَ في ظلمته الطاغية التي تحول بين البصر ورؤية الأشياء،فتحُولُ ــ بالتالي ــ بين المرء وبين ما حوله فتُثير في نفسه الرعب والخوف والهلع لأنّ الإنسان ــ بطبيعته ــ يخاف المجهول الغامض ، تماماً كما هو حال البحر في اتساعه وفي موجه الطاغي الذي يثير في نفس الإنسان المخاوف ويعرّضه للمهالك . والملاحَظُ أنّه لــم يخصّ البحرَ مِن مُعلَّقتِهِ الطويلةِ إلاّ ببيتٍ واحدٍ ، فقط.كما جاء في الأمالي لأبي علي القالي الأبيات الآتية :

ألا هل للهمومِ من انْفِـراجِ وهل لي من ركوبِ البحر ناجِ

أكُـلَّ عشيّـةٍ زوراءُ تَهـــوي بنــــا في مُظلم الغمــرات ســاج

كأنَّ قـواذفَ التيــــار منهـا نِعَـــاجٌ تَرْتَمينَ إلى نِعــــــــــاجِ
يشُــقُّ المــاءَ كَلْكَلُهـا مُلِحّاً علَى سَحٍّ من المِلْحِ الأُجاجِ(3)
فالشاعر هنا يقرن الهموم التي تُلمّ بالمرء فلا تفارقه أبداً حتى يصلَ إلى حافّة اليأس فيظن أنْ لا انفراج لها ، ويشبهها بأخطار البحر المحدقة براكبه ، حتى إنّه ليستسلم إلى قدره ويوقن بدنوّ حتفه ، ويجزم الشاعر أن لا نجاة لراكب البحر ، مستخدماً أسلوب الاستفهام الإنكاري ((وهل لي من ركوب البحر ناج))؟
ثم يقول بأن هذه الهموم تأتيه كلَّ ليلة فكأنما سفينة زوراء تلقي به في لُجَّة بحر مظلم مخيفٍ عاتي الموج ، ويشبّه هذا الموج الذي تقذف به السفينة يمنة ويسرة أثناء سيرها بأفواج النعاج التي يرتمي بعضها فوق بعض، وهو تشبيه في غاية الدقّة والروعة ما أظن أنَّ أحداً سبقه إليه أبدا.
وقيل لبحّار: ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه. حتّى إنَّ شاعراً ساكَنَ البحرَ وعايَشَه ، كطرفة بن العبد ، فإن رؤيته للبحر كانت محدودة جداً ، لم تتعد وصف السفينة وصفاً خارجياً سطحياً ، حيث شبه الراحلة التي مضت بمن يحب تنهب الأرض ويتطاير من حولها الرمل لشدَّةِ سُرعتها شبهها بالسفينة التي تشق عباب البحر بحيزومها ، فيتطاير الزبد من حولها ومن خلفها ، فتقسم البحر كما يقسم المُفايلُ الرملَ أو الترابَ بيـــده ليرى فيما إذا كان الأمرُ الذي سوف يُقدم عليه خيراً أو شراً ، يقول طرفة :

كأنَّ حُـــدوجَ المالكيّـة غُــــــدوةً خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
عَدوليَّة أو من سفينِ ابنِ يامنٍ يجور بها المَلاَّحُ طوراً ويهتـدي
يشقُّ حَبابَ الماءِ حيزومُها بها كمَــــا قسَّم التُرْبَ المُفايلُ باليَدِ
وأتلَع نهّـاضٌ إذا صَعَّدتْ بــــه كسُكّــان بُوصيِّ بدجلةَ مُصْعِدِ
(4)
فالشاعرُ ، هنا ، ألِفَ البحرَ ووعى حركةَ السفن فيه ، وأجاد المقارنة بينه وبين الصحراء ، لكن البحر لم يحظَ منه بكبير اهتمام , وإنّما بقي استثناء في حياته حيث لم نرَه ينفذ إلى أعماق البحر ، ولم يحـاول أن يكتشف كنهَهُ وأسراره وما أودع الله فيـــه من عجائب ، كما أنه لم يحاول أن يستلهم البحر كما رأينا عند الرافعي أو كما سنرى عند غيره فيما سيأتي وبنــاء على ذلك ، فإننا لا نستطيع اعتبار هذه المتفرقــات ((أدب بحر بحق)) لأنّ حياةَ العرب آنـــذاك ما كانت لتسمَحَ بنشوء مثل هكذا أدب ، حيث لا يمكن لشاعر ألِفَ حياةَ الصحراء وتَشَرَّبها ، أن يكتب قصيدةً بَحريّة ، وهذا شـاعرٌ كبير من شعراء العرب في الجاهلية ، وهو عمرو بن كلثوم لا يذكر البحر إلاّ ببيت واحد أيضاً في معرض هجائه الملك عَمْرو بن هنـد وتهديدِه ، مُفــــاخراً بشجاعـــةِ قومِــــه ووَفْــرَةِ عددِهم حيث يقول :

ألا لا يجهلنْ أَحَـــدٌ علينــــا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
مَــلأْنا البَرَّ حتّى ضـاق عنّـــا وظهرَ البحرِ نَمْلَؤُهُ سفينــــا (5)
وقد شاع في هذا العصر تشبيه بعض الشعراء ممدوحيهم بالبحر في سخاء أيديهم وسعة صدورهم وأحلامهم ، من ذلك قول الشاعر العبّاسي الكبير ابن الرومي :

هُو البحر إلا أنَّ في جَنباته رُغاء المَطايا لا نقيق العَلاجمُ (6)

فإن ممدوحه وإن كان يشبه البحر في جوده إلاّ أنه يمتاز عنه بأنّ حماه كثير رغاء المطايا {الإبل} التي تحمل قاصديه ممن يلتمسون رفده، بينما يكثر حول البحر نقيق الضفادع {العلاجم}فقد صيّره بحراً على صفةٍ يُعدَمُها البحرُ لأنّ المطايا لا تَحُطُّ على البحار، فدلَّ على كرَمِ مَنْ حُطَّ إليه المطايا، إذ كان مقصوداً مرجوّاً لخيْر. وللمتنبي في كافور الإقشيدي قوله :

قواصدَ كافورٍ تَـوارِكَ غيره ومن قَصَدَ البحرَ اسْتَقَلَّ السَواقيا (7)
فالناس إنما يقصدون كافوراً فقط لما عنده من خير وفير ، ويزهدون فيما سواه ، لأن كافوراً هو البحر الذي يعطي الكثير ، بينما غيره قليل الوفر شحيح العطاء كالساقية ، وكيف يترك الناس البحر ويقصدون الساقية ؟! أمّا نجم الدين أفندي الأنصاري فإن ممدوحه من صنف آخر من الرجال صنف العلماء والعاملين والأولياء الصالحين ، ومع ذلك فهو في نظر الشاعر بحر إنما بحر علم وتقوى وليس بحر مالٍ وجدوى . يقول في مدح رسالة للبديعي كتبها عن ابن الحسين المتنبي ، فكانت عنده بمنزلة الدرّ من البحر ، فإذا قرأتها واطّلعتَ على مباحث هذا العالم العلاّمة ، ووقفتَ على سَعَةِ مداه وعظيم علمه ، علمت لماذا يشبَّه البحرُ بالعلماء . يقول :

رســالــةُ مَولانا البـديعـيّ رَوْضــــــــــــةٌ
تَنَزَّه فيهـــــــا السَّمْعُ والطَّرْفُ والفكرُ
أبانتْ مزايا ابنِ الحسـين التي بهـــــــــا
على شعراء الدّهر قَـدَّمَـــــــــهُ الشعْـرُ
وأسْـكَـرَتِ الأَلبـــــــــــــابَ حتّى كـأَنّـمـــــا
أَحاديثُهــــــــا المُستَحْسَنـاتُ بهـا خَسْرُ
ولا بِــــدْعَ أَنْ أَبْــــــــــدَى البَـديعي دُرَّهُ
إذ البحرُ منـــــــــــهُ دائمــاً يُخْرُجُ الدُرُّ
فكيف ومَن صِيغَتْ لَهُ العَــــــــلَمُ الذي
على مــــا بـــــــه الدهرُ الضنينُ سَخا الدَّهْرُ
أتاهــــــا ولَيْــــلُ الظُلْمُ مُــلْقٍ رواقــــــــَهُ
فلمّـــــا رأتْــــــهُ مُقبِــــــلا سَطَــعَ الفجْــرُ
إمـــــامٌ كَسَـا الشهبــــــاءَ ساطـعُ عدلِـــه
بَهـاءً علَى مَرِّ الـزَّمــــــــان لــــه الذكْـرُ
بمــــــــاذا يُجادُ القولُ في مــَدْحِ عـــالِم
بــــكل فــمٍ في كُــلِّ أرضٍ لَــــهْ شُـكْـــرُ
جَــــــــوادُ إذا ضَــنّ الجـواد بما لِـــــــــهِ
ولو لم يجُدْ أغنــــاكَ عن بَذْلهِ البِشْـرُ
إذا مـــــــا تصَــدَّى للعـلـــوم مُبَــاحِثـــــا
عَلِمْـتَ لمــــاذَا يشبــهُ العــــــالِـــمَ البحْـرُ
فيا واحـدَ الدُّنيـــا الذي جُمِعَت لـــه الْــ
ــمعـــالي كمــــا الأيامُ يَجمعُها الشهْرُ
ويا بــــنَ الحُســـــــــــــــــامِ والَّـــــذي بــــــه
بشَهْبائنــــا،مُذ حَلَّهـا ، حَصَـلَ الفخْـرُ
(8)
وقد رأينا أنّه عندما شبّه الرسالة بالروضة أتى بما يستتبع ذلك من متعة البصر بالنظر إلى جمال خضرتها وألوان أزهارها ، ومتعة السمع بأصوات الأطيار ومتعة الفكر بالتفكر بجمال خلق الله وعظيم قدرته وبديع صنعه ، ولما شبه العالم بالبحر أتى بما يستتبع ذلك من درر ، فبحر الماء يخرج هذه الأحجار الكريمة والعالم البحر يخرج المباحث والعلوم .
وجاء الإسلام ، فشجع أتباعه على ركوب البحر جهاداً في سبيل الله وإعلاءً لكلمته ــ كما سبق أن بينا في الباب السابق عندما تكلّمنا عن البحر في الحديث الشريف ــ كما حثّهم على استِكْناهِ عالم البحار ، للوقوف على عظمة الله في خلقه ، وللانتفاع بما أودع الله في البحر من نعم ،قال تعالى : (( .. وسخّر لكـــم الفُلك لتجريَ في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار)) . (9) وقال سبحانه: (( ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيمَــاً )). (10)
وقد كانت للعربي ، بعد ذلك ، تجارب كثيرة مع البحار ، فقد ركبها فاتحاً مُجاهداً في سبيل الله ، ناشراً دين المحبة والسلام والعدالة والمساواة، كما حمل عليها بضائعه شرقاً وغرباً متاجراً ناشراً لدين الله بحسن أخلاقه وصدق معاملته ، حتى كان من دخلوا في الإسلام ، على أيدي التجار من المسلمين ، أضعــاف مـن آمنوا على أيدي الفاتحين ، لا سيّما في جنوب شرق آسيا ، تلك التي لم يطأها فاتح أبداً. وقد بدأت بواكير هذه العلاقة في عهد الخليفة الراشد الثاني ، عمر بن الخطاب عندما أمر بنفي الصحابي اللشاعر الفارس أبي مِحْجَنٍ الثقفيُّ {رضي الله عنهما} إلى جزيرةِ في البحر ، يُقال لها حَضَوْضَى ،لمّا كَثُرَ شربُه الخمرَ ، وأقام عمرُ بنُ الخطاب عليه الحَدَّ مِراراً وهو لا ينتهي وبعثَ معَه حَرَسِيّاً يُقالُ له ابنَ جَهْراءَ ، يعاونه عليه رجلٌ آخر ، وحذّره من أن يصلَ إلى يَدِ أبي مِحجنٍ أيُّ سلاحٍ ، لأنَّ أميرَ المؤمنين يَعلمُ بأنَّه لا قِبَلَ لابنِ جهراءَ بأبي مِحْجَنٍ فقد كان {رضي اللهُ عنه} من شعراءِ العربيّةِ وفرسانِ العربِ المعدودين ، لكنّ أبا محجنٍ كان قد احتاط لنفسِهِ وخبّأ سيفاً في كيس الدقيق فلمّا وصلوا إلى ساحل البحر أخرج أبو محجنٍ سيفَه ، فهَرَبَ الحارسان ، ولَحِقَ بقومه من بني ثقيف الذين كانوا يحاربون الفُرسَ تحت راية القائد الفذ الصحابيِّ الجليل سَعْدٍ بنِ أبي وقَّاصَ {رضي الله عنه} على جبهة العراق ، وكتب سعد إلى أمير المؤمنين يعلمه بوصول أبي محجنٍ إليه ، فأمره أميرُ المؤمنين بحبسه ، فلمّا احتدم القتال في القادسية حتى وصلوا الليلَ بالنهار ، وتعالت الأصوات ، بكى أبو محجنٍ فرقت له زوجُ سعد ، وحلّت وثاقه بعد أن أعطاها موثقاً من الله أن يعود إلى قيده إن هو لم يقتل في سبيل الله ، وأعطته فرس سعد ، فركبها وانطلق كالسهم إلى المعركة ، ورأته إحدى النسوة ، فظنّتْهُ قد هَرَبَ من المعركة ، فقالت :

مَنْ فارسٌ كَرِهَ النِزالَ يُعـيرُني سيفً إذا نَـزَلوا بمَـرجِ الصُفَّرِ
فأجابها :
إنَّ الرجالَ على الجِيادِ مَبيتُهم فَدَعي السُيوفَ لأهلِها وتعطَّري
واقتحم مقدّمةَ جيش العدوِّ حتى خرج من المؤخَّرةِ ، والتفَّ على الميمنةِ حتّى خرجَ من الميسَرَةِ فزعزع صفوفَ العدوِّ ودبت فيها الفوضى وانتشر الهَلَعُ، وكان الفجر قد بشَّر فعاد إلى قيده ، وكانت ليلةً قَمْراءَ ، كان فيها القائدُ سعدٌ يُراقبُ المعركةَ من بُرجٍ له بسببِ وعْكةٍ صِحيّةٍ ألمّتْ به يومها ، فقال : الطعنُ طعنُ أبي محجنٍ والضَبْرُ ضَبْرُ البَلْقاءِ {اسم فرس سعد} ولولا أنّي تركتُ أبا محجنٍ في القيدِ والبلقاءَ في الاسطبلِ لقلتُ : هي البلقاءُ وهو أبو محجنٍ ، وانجلى غبارُ المعركةِ بنصرِ المسلمين ، وعاد سعدٌ إلى مَرجِ الصفّر {المكان الذي كان جيش المسلمين يعسكرُ فيه} فوجد البلقاءَ أمام معلفها ، ووجدَ أبا محجن في قيدِهِ ، وحدّث زوجَه في أمر ذلك الفارس المجهول الذي غيّر مجرى المعركةِ ، فأنبأته ما كان من أمر أبي محجنٍ ، ففك قيدَه وأطلق سراحَه قائلاً : لك علينا ألاّ نجلدَك عليها {الخمرة} بعد اليوم فقال أبو محجنٍ : وأنت لك عليَّ ألاّ أذوقَها بعد اليوم .
لقد كان هذا استطراداً مفيداً {في رأينا} أمّا ما يخصّ ذكر البحر في شعر أبي محجن في هذه القصة فقد جاء من خلال حديثه عن هَرَبِهِ منِ ابنِ جَهْراءَ الذي كان أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب {رضي الله عنه} قد أوكل إليه أمر اصطحاب أبي محجن إلى جزيرة في البحر وحبسه فيها ، يقول أبو محجن {رضي الله عنه}:

الحَمْــدُ للهِ نَجّـــاني وخَلّصني
من ابن جَهْراءَ والبُوصِيُّ قد حُبِسَا
من يَجشَمِ البَحْرَ والبُوصِيُّ مَرْكبُــــه
إلى حَضَوْضَى فبئْس المَرْكبُ الْتَمســـــا
أبلـــغْ لَـــدَيْـك أبا حَفْصٍ مُغَلْغَلــــــــــةً
عبدَ الإِله إذا مــا غــــارَ أو جَلَسَـــــــــا
أغشَى الهِيــــاجَ وتَغْشاني مُضـاعَفـــــةٌ
من الحَدِيد إذا مـا بعضُهـم خَنَسَــــا
أَنِّي أَكُـــرُّ على الأُولى إذا فَــزِعــــــــوا
يوماً وأَحبِسُ تحتَ الرّايةِ الفَرَسَـــــــا
(11)
وفي هذه القصيدة يحمد الشاعرُ اللهَ أن نجّاه من أسرِ ابنِ جهراء ومن المركب الذي كان سيذهب به إلى الجزيرة التي أمر الخليفة بحبسه فيها ، ويذكّر أميرَ المؤمنين ببلائه في المعارك ، ملمّحاً إلى أنّ حبسَ فارسٍ مثله ، وإقصاؤه عن نصرة جيش المسلمين كان من الخطأ .
ثم كان للعرب بعد ذلك بعض من تجارب في خلافة سيدنا : عثمان بن عفّان {رضي الله عنه} حين وجه بغزو الروم والاستعداد لملاقاتهم في البحر وتم ذلك انطلاقاً من بلاد الشام على يد واليها الصحابيِّ الجليل:معاوية بن سفيان {رضي الله عنه} بمعركة ذات السواري بين العرب المسلمين والروم في البحر المتوسط فكان النصر حليف المسلمين وتشتت جيش الروم في البحر وانهزم كما انهزم في البر ، وكان الصدى الأول للعلاقة مع البحر في الشعر العربي ، فقد كان معاوية يُغزي اليمن في البحرِ وتميماً في البرِّ فقال النجاشي وهو شاعرُ اليمن :

ألا أيّها النـــــــــــــاسُ الذيـن تجمّعوا
بـ {ـعكّـا}أُناسٌ أنتُــــــــــــمُ أم أَباعِرُ
أيَترُكَ قيْسـاً آمنين بدارِهـــــــــــــــــم
ونَركَــبُ ظَهرَ البحرِ والبحرُ زاخرُ
فــو اللّــهِ مـا أَدري وإنّي لَســـــــــائلٌ
أهمدان تحمي ضيمَهـــــا أم يُحابِر
أم الشرف الأعلى من أولاد حمْيرٍ
بَنـو مــالكٍ أنْ تُسْتَمَــرَّ المَــرائــــــــــرُ
فرَجَعَ القومُ جميعاً عن وجهِهم ، فبلغ ذلك معاويةَ فسكَّن منهم وقال: أنا أُغزيكم في البحرِ لأنّه أرفَقُ من الخيلِ وأَقَلُّ مَؤنَةً ، وأنا أُعاقبُكم في البَرَّ والبَحرِ ففعلَ ذلك . (12)
وغزا بعضُ الأعراب البحر من ناحية صُور وكان الوالي الذي أغزاه هو الأسود بن بلال بن أبي بُردة ، فلما رأى أهوالَ البحر كاد عَقلُه أن يزول ثمَّ تماسك وقال:

أقولُ وقد ولَّى السَّفينُ مُلجِّجاً
وقد بَعُدتْ بَعْدَ التَّقرُّبِ صُــــورُ
وقد عصفتْ ريحٌ وللمَوج هِزَّةٌ
وللبحر من تحت السَّفين هديرُ
ألا ليـت أجري والعطاءَ معاً لهم
وحظِّي قُتودٌ في الزّمــام وكُورُ
فللّهِ رأيٌ قادني لسفينـــــــــــــــةٍ
وأخضَرَ مَوَّارِ السَّـــرابِ يَمورُ
ترَى متنَه سهلاً إذا الرِّيحُ أقلعتْ
وإنْ عصفتْ فالسَّهلُ منه وعورُ
فيا بنَ بلالٍ للضَّــــلال دعوتَني
وما كانَ مثلي في الضَّـلالِ يســيرُ
لئنْ وقعتْ رِجلايَ في الأرضِ مرَّةً
وكانَ بأصحــــاب السَّفــين كرورُ
وسُــلّمـت مـن موجٍ كأن مُتـونَه
حِراءٌ بدت أركانُــــــهُ وثَبـــــيرُ
ليعترضنَّ اسمي لدى العَرضِ خِلفةً
وذلك إنْ كانَ الإيابُ يســــيرُ
(13)
وهكذا نرى أن العربي قد ركب البحر على مضضٍ ، لأنه ما زال يخشاه، وإنّ تلك الصورة المخيفة التي استولت على لب العربي وتغلغلت في ثنايا ثقافته منذ نشأته لم تتغيّر بعد مع توقه الشديد إلى الجهاد في سيبل الله إعلاءً لكلمته ونصرة لدينه ، ومع حبه القوي للشهادة في سبيل الله .
وكما برع الشاعر العربي في وصف البحر وأهواله ، كذلك برع في وصف السفن التي رآها أو ركبها ، وفيما يأتي استعراض سريع لأحسن ما قاله شعراء هذه الحقبة من شعر في وصف السفن والمراكب ، يقول المَرْيَمِىِّ:

لمْ نزَلْ مُشفِقِين مُذْ قِيلَ سارتْ بك دُهْــمٌ قَلِيلَـــةُ الأَوْضــــاحِ
كلُّ مَبْطُوحَـةٍ خَلَتْ مِن شَـوًى عَبْلٍ ومِن حافرٍ أَقَبَّ وقَاحِ
أَصْلُها البَرُّ وهي ساكنةٌ في البَحْــــــــــــــــــــرِ سُــكْنَى إقَامـــــةٍ لا بَرَاحِ
هيَ في المَاءِ وهْـي صِفْرٌ من الما ءِ سِوى نَضْحِ مَوْجِهَا النَضَّاحِ
وإذا أُوقِــرَتْ فَــــــــــذاتُ وَقَارٍ وإذا أُخْلِيَتْ فَـذَاتُ مَـــــــراح
وإذا ما انْثنـتْ ولم يَسمَحِ الها دِي ثَنَاهُ الحادِي إلى الإِجماحِ
وتَرَاهـا في اللُّــجِّ ذاتَ جنَـــاحَيْــــــــــــــنِ وإنْ لــم تَكـنْ بـذَات جَنَــاحِ
مِـن مَطَــايَا لا يَغْتَـديـن ولا يَسْــــــــــــــأَمْـنَ كَــدَّ البُكُـورِ بَعْدَ الرَّوَاحِ
مُنْشَآتٍ من الجَوَارِي اللَّـوَاتي لَسْنَ في صَنْعةِ الجَوَارِي المِلاَحِ
تالِـــداتٍ مُـــولَّـــدَاتٍ بـــلا حِـــــــــــــــــلّ نِكــاحٍ ولا حَـــرَامِ سِفَـــــاحِ
لا مِنَ البِيضِ بلْ مِن السُّودِ ألْوَا ناً ذَوَاتِ الأَلْــــــــــواحِ لا الأَرْوَاحِ
جــارِيَاتٍ مع الـرِّياح وطَوْراً كـاسِرَاتٍ بالجَرْيِ حَدّ الـرِّيَـاحِ
ســــارياتٍ لا يَشتكـين سُرَى اللَّيــــــــــلِ ولا يـرتَقِبْـنَ ضَـوْءَ الصّبــاحِ
ســــاكِنَاتٍ لا خُضُوعَ سُـكُونٍ جامحـاتٍ لا اعْـــترامَ جِمَـــاحِ
سابِحَاتٍ في كُلِّ طامٍ عَمِيقٍ يتَّقِيـــــــهِ مُقَحَّمُوا السُّبّـــــــــاحِ
لا يَخَفْنَ الغِمَارَ يُقْذَفْنَ فيها ويَخَفْـنَ المُـــرُورَ بالضَحْضــاحِ
إنْ صَدَمْنَ الحَصَى عَطِبْن ولا يَعْـــــطَبْـنَ إمَّـا صَدَمْنَ حَدَّ الرِّمَاحِ
ما رأى الناسُ من قُصُورٍ على الما ءِ سِـــــــواهَا تَمُـرُّ مَـــرَّ القِدَاحِ
يَتَسَبْسَبْـنَ كالأَســاوِدِ في الخِــــــــــــــــــــــــفَّــةِ لا في مَقَادِرِ الأَشبــاحِ
وإذَا مــا تَقَــابَلَـــتْ قُلـــتَ سُـودٌ مِـن كِبَــاشٍ تَقَــابلَـتْ للِنِّطـاحِ
شُرْعُها البِيضُ كالغَمَامَاتِ في الصَّيْـف ضِحَاحاً منهـا وغيرُ ضِحَاحِ
كــم مُــدِلٍّ بالمـــالِ والنَّفْسِ حَيْـــرانَ فقـيرٍ فيها إلى المَـــــــــــــــلاّحِ
هـــو فَسْــلٌ وربّمــا كافَــحَ الفَسْــــــــــــــــلُ وُجُوهَ الرَّدَى أشدَّ كِفَاحِ
قائِــــــدٌ جُنْــــدُهُ لَهُـــــــــمْ أَدَواتٌ نَفْعُهَا ثَمَّ فَوْقَ نَفْـــعِ السِلاحِ
فإذا البَحْــرُ صــالَ صــالُـوا عليــه بمَوَاضٍ تَمْضيِ بغَيْرِ جِرَاحِ
يُكْثِـرُون الصِّيـاحَ حتى كأنَّ السُّفْنَ تَجْرِى مِن خَوْفِ ذَاك الصِّيَاحِ
(14)
فقد أشفق الشاعر من اعتلاء صهوة هذه الخيول الدهم التي ليس لها قوائم ممتلئة ولا حوافر صلبة ، وهذه الخيول أو المراكب مقيمة في البحر لا تبرحه وإن كان أصلها من البر وهي خالية من الماء بالرغم من وجودها الدائم فيه ، وقورة هادئة إذا حملت الأثقال ، مرحة كثيرة الحركة إذا كانت خفيفة الحمولة ، إذا حاول هاديها (صدرها) الرجوع حمله الحادي (الربان) يتابع سيره إلى الأمام ، إذا أبصرتها في البحر حسبتها طائراً ذا جناحين وهي ليست كذلك إذ لا جناح لها ، وهذا المطايا لا تغتدي (تنطلق في الغداة) لأنها متواصلة السير تصل الرواح بالغدو ، وهذه الجواري في البحر ليست من صنع الجواري الحسان من النساء ولم تولد من زواج حلال ولا من زنى حرام ، وإن أمهاتها ليست من البيض الحسان الحرائر وإنما من السود الإمـاء الجواري ، قوامها الألواح لا الأرواح ــ وفي هذه القصيدة الكثير من البديع والزخارف اللفظية من جناس وطباق وغير ذلك ــ وهذه السفن تراها تجري مع الرياح حيناً وتسبقها حيناً آخر وهي في جريها جادة السُرى لا تتعب من سير الليل ، ولا تنتظر طلوع الفجر لتستريح كما هي عادة السُراة في الليل ، وإذا سكنت فليس سكوناًً تاماً ، وإذا جمحت فجماحها ليس شديداً فهي معتدلة إذا جمحت ، متحركة حركة خفيفة إذا وقفت ، وتسبح فلا تخشى الأعماق ولا تتجنبها ، لكنها تخاف الماء القليل الضحضاح وتتجنبه بخلاف السابحين المهرة الأشداء الذين يخشون الأعماق ويتجنبونها ويفضلون الأماكن قليلة العمق ، وهذه السفن عجيب أمرها إذ إن تتحمل الرماح ولا تتأثر إذا اصطدمت بها ، وتتأثر إذا اصطدمت بالحصى بالغ الأثر فتعطب ، وعجيب أمرها أيضاً إذ تسير بسرعة السهم بالرغم من كونها ضخمة كالقصور ، وتسير سيراً ليناً كالأسود الرشيقة بالرغم من ضخامة جسمها ، فإذا تقابلت هذه السفن بدت وكأنها كباش ضمة سوداء اللون برزت إلى الساح في معركة نطاح ، و أشرعتها البيضاء تبدو وكأنها غمامات الصيف سواء أكانت متأنية (ضاحية) أو مسرعة (غير ضاحية) لأن غمام الصيف إنما يكون أبيض اللون لأنه غير ماطر بينما يكون في الشتاء داكناً لأنه مثقل بقطرات المطر، والركب في هذه السفن مهما كان قوياً ذا جاه ومال وسطوة لا بد من أن يكون لين الجانب سهل العريكة تجاه الملاح قد وضع مصيره في يد الملاح وملكه أمره عندما ركب السفينة ، وهذا الملاح ضعيف عاجزٌ {فَسْلٌ ، أو سافل} لكنه هنا قائد همام ، وقد يقاوم الضعيف العاجز أشدّ المقاومة ويكافح أيما كفاح إذا ما دهم الخطرُ وعربد الموج ، وإن جنود هذا القائد بيدهم أدوات بسيطة لكنها هنا أنفع من السلاح وأجدى ، فإذا زمجر البحر وهاجمتهم أمواجه قابلوه بأسلحتهم الماضية فصارعوه وغالبوه ، فانتصروا عليه دون أن تترك أسلحتهم فيه أثراً من دم أو جراح وتراهم يصيحون ويصرخون فتسرع السفن في سيرها وكأنها تأتمر بأمرهم وتخاف صياحهم فتخضع مخافة هذا الصياح .
وقصيدة المريمي هذه من أحسن القصائد وهي أجودها على في هذا الباب ، ألا ترى إلى بديع صورها وعميق معانيها ومتين سبكها ؟ فهي لوحة بديعة ، لا ترقى إليها أنفس اللوحات الفنيّة وما أظن {الجوكندا} بقادرة على منافستها بجمالها وعمق أحاسيسها ودقة تعابيرها.
وهذه قصيدة بديعة أيضاً لعليّ بن جبلة في وصف السفينة وإن كانت دون قصيدة المريمي من الناجية الفنية ، يقول :

ومُغْلَولِبِ الآذىّ يَسْمُو لمـــــــــــدِّه غَوَارِبُ فيها المَوتُ بالمَوْتِ يَرْتَمِى
كأنَّ اعتلاجَ الماءِ في حَجَراتِهــــــا تَرَاطُنُ عُجْــــمٍ رَجَّعتْ بالتَّطَمَطُمِ
مَطَوْنَا على أَقْرَابِهِ جَرْمَقِيَّــــــــــةً بَعِيدَاتِ قُرْبَى مِن جَدِيلٍ وشَدْقَمِ
من الدُّهْـــــــم لم تُنتَجْ لأُمٍّ ولا أبٍ ولا تَشتِكي أَيْنَ السُّرَى والتَّجَشُّـــمِ
مُوَكَّدةُ الأَسْماعِ لا يَستحِثُّهَــــــــــا بزَجْرٍ ولا يَرْتَاحُهـــــــــــا بالتَّرنُّمِ
إذَا ما المطَايَا قُوِّمتْ مِن رُؤُوسهـا فأَذْنَابُهَا منها هُـــــــــــدىً للِتَّقَوُّمِ
تَسِير إذَاسَارَت بأرْوَاحِ غيرِهــــــــا مُركَّبَــــةً في غَيْر لحْــــمٍ ولا دَمِ
يُسَابِق لَحْظَ العَيْنِ أفْتَرُ سَيْرِهَـــا ولا تُقْتَفَى آثَارُهَـــــــا بالتَّرَسُّــــم
نَوَاجٍ إذاكَفْكَفْنَ ذَرْعَ بَطِيحــــــةٍ رَدَدْنَ شَبَــا آذِيِّهَـــــــــا المُتَعجّمِ
بأجْنِحَةٍ قَدْ رُكِّبتْ في رُؤوسِهَــــا مُرَنَّقَــةٍ كالمَضْرَحِىِّ المُــــــدَوِّمِ
يَمُرُّ هُوِىَّ الرِّيح تَحْسبَ شَقَّهــــا بحَيْزُومِهَا في الماءِ مُنْسَابَ أرْقَمِ
تَرَامى بها الأمواجُ وهي تَصُكُّهـــا برَأْسٍ يُفَرِّى هامَةَ المَوْج صِـلْدِمِ
كأنَّا وقدْ دَارَتء بنا الرّيحُ تَحتَها مَتَايِيــهُ في دَاجٍ مـن اللّيلِ مُظلِم
(15)
يقول الشاعر إنّ هذا البحر الهائج الصاخب يتصدى له في اندفاعه ومده سفن سوداء كأنها الغربان {غوارب} تضرب الموت بالموت فإذا ضربها الموج سمعت له صوتاً مبهماً كأنه رطم الأعاجم ، وهذه القارب هي {جرمقية، نسبة إلى الجرامقة} وليست قريبة من جَديلٍ وشَدقَم {وهما فرسان للملك النعمان بن المنذر} وهي دهم ليس لها أب ولا أمّ وليست بذات إحساس فهي لا تشكو التعب ولا طول السفر ، ولا يؤثر فيها الزجر فتسرع ولا تطرب لجميل صوت فتهدأ ، وهذه السفن {المطايا} تقاد بأرسان في أذنابها بينما غيرها من المطايا تقاد بأرسان في رقابها ورؤوسها ، إذا سارت فإنّما تسير بأرواح غيرها لا بروحها ، لأنها ليست من لحم ودم وأبطأ سيرها يسبق البصر فكيف بها إذا أسرعت ؟ ولا تستطيع العين أن تقتفي آثارها بالرسوم كما هي العادة باقتفاء الآثار فإذا هاج البحر وأرغى وأزبد تكون النجاة بكفكفة أشرعتها تلك التي تنبسط في أعاليها كأجنحة النسر طويل الجناحين {المُضرحيّ} حين يحلق {يُدوِّم} صافاً {مرنّقاً} جناحيه في الفضاء ، يندفع هذا المركب في البحر بسرعة كما تهوي الريح فيشق بحيزومه (مقدمته) الماء فيبدو كما لو أنّ ثعباناً {أرقما} يتلوى في سيره ، ويتقاذفها الموج فتلطم رأسه برأس صلب {صلدم} فتهشمه ، فإذا عصفت بها الريح من تحتها تدور بنا فكأنما ضللنا في ليل مظلم، وهكذا نرى الإنسان قديماً في معارك مستمرة مع البحر وحرب سجال لا انتهاء لها ، حتى يستطيع الإنسان بمخترعاته أن يروض البحر ويؤنسنه فتختلف نظرته إليه ويختلف الخطاب ويعذب الشعر كما رأينا في نثر المنفلوطي وكما سنرى في الشعر الحديث إن شاء الله .
ولأبي نواس،الحسن بن هانئٍ في وصف السفين نصيب حيث يقول :

بُنِيَتْ علَى قَدْرٍ ولاَءَمَ بينَها طَبَقـان مـن قِـيرٍ ومـن ألْــواحِ
فكأنَّهَا والماءُ يَنْطَـحُ صَـدْرَها والخَيْـزُرانـــــــةُ في يَـدِ المَـلاّحِ
جَونٌ من العِقْبَانِ تَبْتدِرُ الدُّجَا تَهْوِى بصَوْتٍ واصْطفاقِ جَنَاحِ
(16)
يقول أبو نواس في وصف السفينة أنها قد بنيت بدقة وحسب مخطط مرسوم وهي عبارة عن ألواح من الخشب مطلية بالقطران ليمنع تسرب الماء إليها ، فإذا نظرت إليها حين يضرب صدرها الموج ويمسك الملاح بالمجداف ليوجهها ويسير بها حسبتها عقاباً أسود اللون {جَون} يطير في الليل وينقض رافعاً صوته مصفقاً بجناحيه . أما قيس بن الجهم فيقول :

أُجالِـــدُ صَفَّهم ولقد أرَاني على زَوْرَاءَ تَســــجُدُ للرّياحِ
إذا قَطعَتْ برَاكِبها خَلِيجاً تّذكَّرَ ما عليه مـــن جُنَـــاح
ونَحْنُ على جوانِبِهَا قُعُودٌ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبلِ القِمَاحِ
(17)
يقول: أنا اليوم أُجالِدُ صَفَّهم، ولقد كنت على حالٍ غير هذه. حيث ركبت زوراء تسجد للرّياح يعنى السفينة تطيع الرِّيح حيث مالت بها ، فإذا سارت تذكّر راكبها ذنوبه خوفاً أن يدركه الغرق. ويصف الراكبين على متنها بالخوف مشبهاً لهم بالإبل التي تقف رافعة رؤوسها {قامحة} خافضة طرفها {ذليلة} . وقال أبو الشيص يصف سفينة ركبها قاطعاً على ظهرها البحر :

وبحر يحار الطرف فيه قطعتـــــــهُ
بمهنوءةٍ في غير عَرٍّ ولا حَـــــــرَبْ
مُقيلةٍ لا تشتكي الأيـــــــــن والوجــا
ولا تشتكي عضَّ النُسوع ولا الدَأَبْ
يشقُّ حبابَ الماء سُرعةُ جريهــــــــا
إذا ما تفرّى عن مناكبهــــــا الحبَبْ
إذا اعتلجت والريح في بطن لجــــةٍ
رأيت عجاج الموت من خوفها يثبْ
ترامى بها الخُلجانُ من كل جانبٍ
إلى متن مُغبرِّ المسافة مُنجَذِبْ (18)
يقول أبو الشيص أنه قطع بحراً عظيماً واسعاً مترامي الأطراف على ظهر سفينة مطلية بالقطران ، في غير ضيق ولا عداوة ، ولم تكن هذه السفينة لتشتكي من ألم في حوافرها لطول السير أو من جروح في جسدها من تأثير الحبال ، كغيرها من المطايا رغم مواصلتها السير ، وهي في سيرها هذا تشق الماء لسرعتها ، وترى الموج يثب من حولها عند اشتداد الريح خوفاً منها ، وهي مديمة السير الإبحار لاتكاد ترسو في خليج حتى يقذف بها إلى غيره على ظهر بحر واسع لا ترك سواحله . وقال أحمد بن أبي طاهر يصف السفينة التي أقلته في رحلته إلى ممدوحه :

إلى أبي أحمـــــدٍ أعملتُ راحـــــــلتي
لا تشتكي الأين من حلٍّ ولا رَحَـلِ
تسري بمُلتطم الأمـــواج تحسَبُــــــــــــه
من هولــــه جبـلاً يعلو علَى جبــــلِ
كأن راكبها إذْ جــــــــــــــدَّ مُرْتحـــــــلاً
بالســـــير منها مقيمٌ غــــــــــيرُ مرتحلِ
لجامُهـــــــا في يـــــــــد النوتيِّ من دُبُرٍ
مُقـــــــــوّمٌ زَيْغَهــــا والميْـــلَ من قُبـــلِ
ما زال سائقهــــــــــا يجري علَى مهلٍ
جرياً يفوتُ اجتهــــــادَ الخيل والإبلِ
حتَّى تناهت إلى حيثُ انتهى شرف
الدُّنيا وأشرفَ باغيها علَى الأمل(19)
فالسفينة {الراحلة} التي ركبها الشاعر إلى ممدوحه {أبي أحمد} سلسة مطيعة صبور تتوجه حيث وجهت وتتوقف حيث أوقفت ، وتمضي غير عابئة بالموج المعالي من حولها كالجبال ، والركب فيها المبحر بها في غاية الراحة والاستقرار وكأنه مقيم في بيته ، وهذه الراحلة ذات مقود إنما في ذيلها ، وهذا المقود في يد قائدها {النوتي} يوجه مقدمتها حيث شاء ، فيضبط وجهتها ويردها إلى طريقها إذا ما ضلّت الطريق ، وبالرغم من سيرها الوئيد الهادئ فهي أسرع من الخيل والإبل، وما فتئ يسير حتى بلغ شرف الدنيا بوصوله إلى الممدوح {أبي أحمد} فأشرف على أمله واقترب من تحقيقه وبلوغ مراده. وله أيضاً :

مخضرمة الجنبين صادقــــة السُّرى
يُراقب فيها الركب من لا يراقبُـــــــهْ
تكادُ نفوسُ القوم تجري بجريهـــــــا
إذا غالبت من موجهــــا ما تغالبُــــه
تصفُّ حُبابَ الماءِ عن جنباتهــــــــــا
إذا البحر جاشت بالسفين غواربـــه
(20)
أ ما ابن الرومي فقد قال يصف السفينة ركبها قاصداً ممدوحه أيضاً :

أ1ــ إليك ركبْنـا بطنَ جوفاءَ جَـوْنـــــــةٍ
تَخايَلُ في دِرْعٍ من القـــــــــــــــــــارِ فاحِــمِ
ب1ــ تُـواهِقُ أشبـاهـــــــــــــــاً لهــــــــا ونَظـائراً
مُلَمَّعــــةً بالرَدْعِ سُفْـعَ المـــــــــــــــــــــــــــــــَلاطِـمِ
ج1ــ إذا هي قيست بالنُسورِ تشــابهت
بأجنحــــــةٍ خفّـــــاقــــــةٍ وخـــــــــــــــراطِمِ
د1ــ تَطـير عـلى أقفـائهـــا وظهــورهـا
بمصطخب التيّــارِ جَــمِّ الزَمـــــــــــــــازِمِ
هـ1ــ إذا أعْجَلَتْ لم يُسْتَرَثْ طـيرانُهــــا
وإن أَمْهَلَتْ زُفَّـتْ زفيفَ النَعـــــائــــمِ
و1ــ وإن أيقنتْ أن سوف تقطعُ زاخراً
إلى زاخـــرٍ بالغـــارقـــــــــــات التوائــم
ز1ــ هـــو البحرُ لا ينفــــــكُّ في جنباتِــــهِ
رُغــاءُ المطايا لا نَئيــمُ العَـــــــــلاجِــمِ
(21)
فهو قد ركب إلى ممدوحه سفينةً واسعة البطن سوداء اللون {جونة} تتباها وتختال بدرع من القار {الإسفلت} الأسود ، الذي ترتديه، وتسير متبخترة ، مباهية لِداتها وقد برزن جميعاً بخدود سوداء اللون {سُفع الملاطم} ملطخات بالطيب ، هي تشبه النسر، فشراعها كجناحيه، ومقدَّمتُها كمنقاره ، وهي كالنسر الذي يتقلب في السماء فيطير على ظهره أحياناً ، فهي تجري مسرعةً تميل أحياناً وتعتدل أحياناً أخرى في نهرٍ غزير المياه مزمجر التيار مختلط الأصوات ، إن أسرعت تكادُ تطير ، وإن تمهلت تهادت في مشيتها كالنعامة ، وهي في جميع الأحوال متيقنةً بأنها سوف تقطع نهراً زاخراً بالخيرات والكنوز إلى مثله غنى وجوداً ، لكنّ جنبات هذا النهر {الذي يسميه الشاعر بحراً ربما لغزارة مياهه} تعجّ بنقيق الضفادع {نئيم العلاجم} بينما جنبات البحر الآخر {ممدوحه} تعجُّ بالمطايا التي يمتطيها قاصدو بِرِّه ونواله .
وللبُحتريِّ في وصف مركبٍ لأحمدَ ابنِ دينارَ بن عبد الله ، والي البحر ــ وقد غزا على مركبه الروم ــ قصيدة من عيون الشعر العربي ، وكيف لا وهو المشتَهَرُ بالوصف ، يقول :
أ2ــ ولمّـــا تولّى البحرَ ، والجودُ صِنْوُهُ
غـدا البحرُ من أخـــــــــلاقـــــه بـين أبحُـرِ
ب2ــ غدونَ على الميمون صُبْحاً،وإنَّمـــا
غـدا المركبُ المــــــــــأمـونُ تحـت المُظفَّـرِ
ج2ــ إذا زمجرَ النُوتيُّ فوق عَـــــــــلاتِهِ
رأيتَ خطيبــــــــــــــــــــــاً في ذُؤابــةِ مِنْبَرِ

د 2ــ يُغْضونَ دون الإشتيــــامِ عُيونَهــم
وقوفَ السِمَـــــــــــــــــــاطِ للعظيمِ المُؤَمَّرِ
هـ2ــ إذا عَصَفت فيه الجنوبُ اعتلى له
جَنـاحــا عُقابٍ في السَمَـــــــــاءِ مُهَجِّرِ
و2ــ إذا مـا انْكَفـا في هَبْـوةِ المــــاء خِلْتَــهُ
تلَفَّـــــع في أثنــــــــــــــــاءِ بُـرْدٍ مُحَبَّرِ
ز2 ــ كأنَّ ضجيجَ المـــاء بين رمــــاحِهم
إذا اختلفتْ تَرْجيعُ عَوْدٍ مُجَرْجِرِ (22)
يصف البحتريُّ المركبَ الذي امتطاه ممدوحُه وغزا عليه الرومَ وصفاً دقيقاً رائعاً ، إذ يشبِّهُ رُبّانَ السفينةِ بالخطيب يعتلي المنبرَ لتنتظم أمامَهُ الصفوفُ مقـدِّمةً آيات الطاعة ، والاحترام منصتةً إليه ، فإذا هبّت عليها ريحُ الجنوب رفعَ شراعه فبدا عُقاباً يبسط جناحُيه في السمَـاءِ وقت الظهيرةِ، مذكّراً لنا بصريع الغواني وابن الرومي ، حيث شبَّهَ كلٌّ منهما السفينة بالطير الجارح {النسر أو العُقاب} كما يشبه زَبَدَ الماءِ بالبُرْدِ المزيّن المطرَّزِ تتلفّع به كصبيّةٍ ساحرة الجمال ، ويشبِّه صوت الموج بصوت الجمل المُسِنِّ {العَوْد}.
ونلحظ في القصائد السالفة الذكر قوَّةَ ارتباط الشاعر العربي ببيئته الصحراوية ، يظهر ذلك من المفردات التي استعملها في الحديث عن البحر والسفن ، وتشبهها بأشياء ومخلوقات اعتاد أن يراها في بيئته ومحيطه ، ((الجمل، العَوْدُ ، القَرْهَبُ ، القنّة ، النسر ، العُقاب ، الوعثاء، المدبّ ،النعائم ، العلاجم … الخ )) وهي جميعُها من مفردات الحياة الصحراوية التي ألفها العربي طويلاً، وما زالت موجودة في موروثهِ الثقافي، فقد ظلَّ العربيُّ ، حتى أواخرِ العصرِ العباسيِّ ، قليلَ الاهتمامِ بالبحرِ، ولم يتغلغلْ البحرُ في أعمــاقِ نفسِه ليَظهرَ أثرُ ذلك في شعرِه ونثرِه ، اللهمَّ إلاّ عَـرَبَ الأندلسِ الذين عَبَروا إلى البَرِّ الأندلسيِّ عَبْرَ البحرِ ، وكانت علاقتُهم به وتَجاربُهم معه أَغنى من إخوانِهم المَشرقيّينَ ، كما سنرى ذلك مفصّلاً عند دراستِنا أدبَهم فيما يأتي . وقول المَرْيَمِيِّ: أحسنُ ما قيل في السُّفُن والمَراكِب ، إلا إن مفردات الحياة الصحراوية، بقي لها حضورها القوي ، حيث زاوج الشعراء المسلمون بينها وبين البحر عند تناولهم وصف البحر والسفن ، بيد أنهم لم يتجاوزوا الصورة والشكل، ولم ينفذوا إلى أعماق مكنوناته ليكتشفوا أسراره ، من ذلك قول الشاعر العباسي مسلم بن الوليد الخزرجي واصفاً البحر والسفن :

1 ــ ومُلتَطِمِ الأمواجِ يَرْمي عُبابُهُ
بِجَرْجَــــرَةِ الآذيِّ للعِبْرِ فالعِبْرِ
2 ــ مُطَعَّمَـــةٌ حِيتـانُهُ ما يُغِبُّها
مآ كِلُ زادٍ من غريقٍ ومن كَسْرِ
3 ــ إذا اعْتَنَقتْ فيه الجنوبُ تكفّأتْ
جواريهِ أو أقامت مع الريحِ لا تجري
4 ــ كـأنَّ مَدَبَّ الموجِ في جَنَبــاتِها
مَدَبَّ الصَّبا بين الوِعاثِ من العُفْرِ
5 ــ أَطَلَّتْ بمِجْدَافَيْـن يَعْتَوِرَانِها
وقَوَّمَها كَبْـحُ اللِّجَـــــامِ منَ الدُّبْـرِ
6 ــ كشفت أَهاويلُ الدُّجاعن مَهولةٍ
بجاريةٍ محْمُولةٍ حــــــــاملٍ بِكْـرِ
7 ــ لَطَمَت بخديْها الحَبابَ فأصبحتْ
مَوْقوفةَ الدَأْياتِ مَرْقومةَ النَحْرِ
8 ــ إذا أَقْبلت راعتْ بِقُنَّـــــةِ قرْهَبٍ
وإنْ أَدْبَرتْ راقتْ بقادِمَتَيْ نَسْــرِ
9 ــ كَأَنَّ الصَّبَا تَحْكِى بها حِينَ واجَهَـتْ
نَسِيمَ الصَّبَا،مَشْىَ العَرُوسِ إِلى الخِدْرِ
10 ــ تَجـافى بهـا النُـوتيُّ حتى كأنَّمــــــا
يَسـيرُ من الإشفـاقِ في جَبَــــلٍ وَعْـــرِ
11 ــ فحـامَـتْ قليـلاً ثُمَّ مرَّتْ كأنَّهــــــا
عُقـــــابٌ تَـدَلّتْ من هــواءٍ على وَكْـرِ
12 ــ ركبْنـا إليــــهِ البحرَ في مُؤْخَراتِهِ
فأَوْفَـتْ بِنــا من بعـدِ بحــرٍ إلى بحـرِ
(23)
لقد اكتفينا بهذا القدر من قصيد صريع الغواني ((مسلم بن الوليد )) خشية الإطالة ، سيّمَا وأن معظم عباراتها بحاجة إلى شرح ، فهي مما قلَ استعماله في الوقت الحاضر ، وإن كانت تشتمل على وصـفٍ دقيقٍ للسفنِ وأحوال البحر، وغالب الظنِّ أنَّـه كان إنّمـا يَصف النهرَ ، نهرَ الفرات، أو دجلة ، لا البحرَ ، لسببين أولهما بُعدُه عن البحر وقربُهُ من هذين النهرين ، ثانيهما ذكرُهُ {العِبْـرَ} وهي حافّة النهر ، لكن الأمر يختلط علينا فلا نعرف أيهما يقصد ، النهر أم البحر ؟ فالعِبرُ ضفّةُ النهر ، كما تقدّم ، لكنّ هذا النهرَ متلاطمُ الأمواجٍ {الآذي} ولموجه {جرجرة} صوت قويٌ يبعث في النفس الرهبة ، ثمّ هو كثير الركاب كثير الغرقى إذ تجد حيتانه فيها رزقاً وفيراً ، حيث تهبُّ عليه ريحٌ جنوبيّة عاتية فتقلب بعض الجواري على ظهره، وبعضها الآخر يلزم السكون ويتوقف عن الإبحار إيثاراً للسلامة ، أمّا إذا هبت {الصَبا} الشرقيّة اللطيفة فإنّها تترك سطحه جَعداً مثنّى وكأنّه سهلٌ رمليٌ واسعٌ أحمر الرملُ ، إذا هبت الريحُ تركت عليه ثنياتٍ لطيفة ، وتجاعيدَ بديعة المنظر ، وكأنه ثوبٌ من القطيفة .
ثمّ يعود بنا إلى منظرٍ مخيفٍ ، يثير في النفسِ الرهبة والرعبَ فيفجؤنا بـ {الأهاويل} جمع هول و {مهولة} عظيمة ليصف لنا تلك السفينة العظيمة التي تمخضت عنها أهوال الليل وهذه السفينة التي حملها هذا النهرُ{أو البحر} منتفخة البطن {حامل} لكثرة ما فيها من ركاب وبضائع بالرغم من كونها بكر لم تتزوج بعدُ .
وتجري هذه السفينة مسرعة فتلطم زبد الماء فيختلط البياض بالسواد على أضلاعها ، أو فِقارِ عنقها {دأياتها} فتصبح {موقوفة} ويبدو رقمها واضحاً على عنقها {نحرها} فهي مخيفة وهي مقبلة لأنها عظيمةُ المقدَّمة تبدو لمن رآها كرأس ثور كبير عظيم الرأس {قُنّةُ قرهب} لكن منظرها رائع وهي مدبرة، فإذا نظرت إليها مدبرة حسبتها نَسراً يطير بجناحيه ، وجناحا السفينة هما الشراعان أو المجدافان .
ثمَّ يصف قيادة الربان {النوتيّ} لها بأنّها شاقة ، وقائدها يقظ حذر في سيره بها كمن يسير في شعب وعر المسلك ، وهي حين يميل بها الربان إلى المرفأ تشبه الطير الجارح الذي يهوي على وكره من كبد السماء بسرعة خاطفة كلُّ ذلك ليصل إلى غرضه في مدح ممدوحه ، البحر الثاني في خطره وثمين كنوزه ووفرة عطائه .
وهذه بُلغة فيما جاء في الشعر من صفات المراكب والبحار، ولم نَمِلْ في
ذلك إلى الإطالة لئلاّ يَضيقُ البابُ عمّا يُحتاج إليه وإلى ذِكرِهِ من صفاتِ المَفاوزِ ، لأنَّ شِعرَ العربِ بصفاتِ البوادي والقِفارِ أحذقَ منهم بوَصْفِ البحارِ والسَفائن إذْ بالفَلَواتِ يُولَدون ، وفي طُرُقِها يَسلُكون .
أما الشعرُ الصوفيُّ فلا نَرى فيه عظيم فائدةً لإغناء بحثنا هذا، لأنهم لم يذكروهُ إلاّ لماماً، وإذا وَرَدَ ذكره في شِعرِهم كان رَمْزاً ، ليس إلاّ فهو عند {السُهْرَورديِّ} مثلاً مَجْمَعُ دموعهم، يُبحِرون فيه على مَتْنِ سُفُنِهم، وشوقُهم هو الرُّبّانُ والملاّحُ ، أمّا هدفهم ووِجهةُ سفرِهم فهي الحضرة الإلهيَّةُ يقول:
ركبوا على سُفُـنِ الوفا ودُموعُهم بحـرٌ وشِـــدَّةُ شوقِهـم مَلاّحُ
هي خمرة الحبِّ القديم ومنتهى غرض النديم فنعم ذاك الراح
وكذاك نوحٌ في السفينة أَسكرت وله بذلك رنّـــــــــــــــــةٌ ونياحُ *

* النياح شدة العظم وصلابته (24)

أمّا الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه اللهُ ، فإنّ البحرَ عنده هو الحضرةُ الإلهيةُ التي يحبُّ ، وإنَّه لا يفتر يتحدَّثُ عنها ، فهو طوراً يذكر ذاتها {الماء} موحّداً مسبّحاً ممجِّداً وطوراً يتغزلُ بمجاليها ومظاهرِها في الوجود {الموج} يقولُ :

هو البحرُ عنه لا يزولُ كلامُنا فعن موجِهِ طوراً وطوراً عن الماءِ
(25)
فهو سبحانَهْ وتعالى البحر الذي استوعب الكون بما فيه من مخلوقات ، والمخلوقات جميعها منه ، صادرةٌ عنه ، كما هو حال الموج مع الماء ، والشيخ النابلسيُّ مغرم بربّه محبٌّ لذاتِهِ ولكلِّ ما خلقه وصدر عنه ، فشعره عن الله حيناً ( الماء) الذي هو الأصل ، وحيناً عن خلقه {الموج} الصادر عنه والتابع له ، ونلاحظ الاختلافَ بيِّناً بينهم وبين الشعراء الذين سلَف ذكرُهم ، إنْ فيما يتعلّق بالمضمون أو المفردات المستخدمة . ثمَّ يؤكّدُ هذا المعنى مرَّةً أُخرى فيقول في قصيدة ثانيـــة ، يقولُ:

والكائنـاتُ بأمــــرِهِ موجٌ على صفحاتِ ماءِ (26)

وإليك عزيزي القارئ مقارنة بين عدد من التشبيهات بالبحر لعدد من الشعراء .قال البحتري:

بقومي جميعاً لا أُحاشي ولا أُكْني أبو جعفرٍ تِرْبُ العُلا وحَيَــــــــــا المُزْنِ
سحابٌ إذا أعطى شِهابٌ إذا سَطا لهُ عزَّةُ الهنديّ في هِـــــــــــــــــزَّةِ الغُصنِ
لشهرِ ربيــــــــعٍ منه ما لا يَفِي بهِ جــــــــزاءٌ ولو كنَّا بأضعافهِ نُثْــــــــــــني
غداةَ غدا مِنْ سِجنِهِ البحرُ مطلقاً وما خِلْتُ أنَّ البحرَ يُسْجَنُ في السِجْنِ
وليستْ لهُ ـ إلاَّ السماحُ ـ جِنــــــاية إذا أُخِـــــذَ الجاني ببعضِ الذي يَجني
تَقَلْقَلَ منهُ في الحديدِ عَزيمـــــــــةٌ يَكِلُّ الحـــــــــديدُ عن جوانبها الخُشْنِ
فما فَلَّ ريبُ الدَّهرِمن ذلك الشَبـا ولا زَعْــــــــــزعَ المكروهُ من ذلك الرُكْنِ
تجلَّى لنا من سِجنِهِ وهو خـــارجٌ كما ذُرَّ قِرْنُ الشَّمس مِن خَلَلِ الدُّجْنِ
(27)
يشبِّه البحتريُّ ممدوحه بالغيث المنسجم بعدما فدّاه بقومه جميعاً ، فهو سحابٌ في عطائه وشهابٌ صاعقٌ في أخذه إذا ظفر بعدوِّه ،وهو ــ أيضاً شجرة مثمرة تتساقط ثـماراً لذيذةً شهيّةً على من هزَّ أغصانَها كما أنّ له عزّةُ السيف ولا يخفى ما في عزّة وهزّة من البديع {جناس} الذي أتى عفوَ الخاطر ، ولا ريب ، فهو البحتريُّ الشاعر العبّاسيُّ الكبير .
وممدوحُه {أبو جعفرٍ} هذا أفاض من سجنِه بالخيرات كما يلقي موج البحر بالدرر ، فكيف يسجن البحر ؟ إنّه العجبُ العُجاب ، أيعاقب السخيُّ على سخائه ، لأنَّ أبا جعفر لا جنايةَ له سوى جوده وسماحة نفسه .
ثمَّ إنَّ ممدوحه أمضى عزيمة وأقسى في الخطوب من قيود الحديد التي يَرسِف فيها .
وهذه صورةٌ أخرى بديعةٌ لأبي جعفر ، فهو يضيء للناس من سجنه كما تشقّ الشمسُ حجبُ الغيوم الداكنة لتطلَّ على الأرض ناشرة الحياةَ والدفء.قال المتنبي:

أبْحرٌ يَضرّ المعْتفين وَطَعْمُه زعاقٌ كبحرٍ لا يَضُرُّ وَيَنْفعُ؟ (28)

إذا كان ضرر المعتفين في البحر هو الغرق والمصائب بالأموال ، فبإزاء هذا نيلُ الرغائب من نفيس المتاجر وثـمين الجواهر وقطع المسافات المتباعدات في أقلّ مدّة وإن كان ضررُه أنَّ طعمُه زعاق فلا يضرك ، ذلك وقد قصُر لفظُه عن إيضاح معناه . أما قوله :

ولَيس كبحر الماء يَنشقُّ قَعْرُهُ إلى حيثُ يُفني الماءَ حوتٌ وضَفدعُ
(29)
فإن فيه حشوٌ غثّ وهو قوله {بحر الماء} ولا معنى له . وأما قوله:

فخاضَ بالسَّيفِ بحْر الموت خَلْفَهمُ وكانَ مِنْهُ إلى الكَعْبينِ زاخـرُهُ(30)

فإن فيه جمال وإجادة ، حيث قال {بحر الموت} فأين من هذا قوله السابق {بحر الماء} وبالرغم من أنّ الفارس الذي يمدحه المتنبي قد خاض لج هذا البحر ومخر أعماقه وفل موجه بسيفه فإن هذا البحر لم يتجاوز كعبيه . وقال أيضاً :

ولا جَلَسَ البحرُ المحيطُ لقاصدٍ ومن تَحْتِه فرش ومن فَوقهِ سَقْفُ
(31)
هذا لفظ هجين غير حلو ولا رصين ، وليس البحر مما يعبّر عنه بالجلوس ، وأين هذا من قول ابن الرومي:

هو البحر إِلا أنّ في جَنباتِهِ رغاءُ المطايا لا نَقيقُ العَلاجِمُ (32)

فالذي مدحه ابن الرومي يشبه البحر في جوده ، ويخالفه في موجوده، فدلّ على مخالفتِه صفةَ البحرِ بكرَمٍ يُفيد ، لا يوجد في البحر ، فهو أرجحُ قولاً، وإذا اسْتحسَن مستحسنٌ للبحر الجلوسَ ، فليَستحسِنْ قولَ البحتري في محبوس:

غداةَ غدا من سِجنِه البحرُ مطلَقاً وما خِلْتُ أنَّ البحْرَ يَخطُرُ في سِجْنِ
(33)
فهو أحسن وأجمل . وجميل قول المتنبي:
تُهاب سُيوفُ الهند وهيَ حدائدٌ فكيف إذا كانت نـزاريـــــةً عُرْبا
ويُرهبُ نابُ الليثِ والليثُ وحدَهُ فكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا
ويُخشى عُباب البحرِ وهو مكانَه فكيف بمنْ يغْشى البلادَ إذا عَبّا
(34)
فالسيوف التي تصنع من الحديد تبعث في نفوس الناس الرهبة فكيف بالسيوف العربية النزارية ، ويقصد بذالك ممدوحه سيف الدولة ، والناس تخشى الليثَ عندما يكون وحيداً فما بالك إذا كان بصحبة جيش من الليوث ، ويقصد جيشه ، كما يخشى الناس البحر وهو لا يبرح مكانه فما بالك بالبحر الذي يتنقل ويمتد ليغشى الناس وهم آمنين في بيوتهم ويهاجمهم في عقر دارهم ؟ لا شك في أن سيف الدولة أحق بالخشية من البحر ، وكما ترى فإنّ معنى هذه الأبيات الثلاثة واحدٌ، وإن اختلفت المعارضُ وتعدَّدت الأمثلة . وقال المتنبي أيضاً:

لم نعتقد بك من مُزنٍ سوى لثِقٍ ولا من البحرِ غيرَ الريحِ والسُفُنِ
ولا مـن اللَّيـثِ إِلاّ قُبْحَ منظرهِ ومن سِواهُ سوى ما ليس بالحَسَنِ
(35)
وهذا غير مستحسن من لأن {اللثق} من مفاتح المزن أما السفن فليست من مفاتح البحر ، وكان ينبغي أن يقول : ولا من البحر غيرَ الجَوْرِ والغَرقِ {فيأتي بمفاتح البحر كما أتى بمفاتح المزن والليث ليعتدل الكلام وتستقيم الأقسام} . وللمريميِّ قوله :

بحره يغمر القريب وإنْ كان بعيداً روّى ثراه السحابُ (36)

فقد جعل ممدوحه يقذف للقريب بأنْفَسَ ما عنده وللبعيدِ بأنفعَ ما فيه، لأن السحاب مضدره البحر أيضاً ،كما هو معلوم ، أما أصلُ هذا المعنى وفاتحُهُ فهو صريع الغواني ، مسلمٌ ابن الوليد ، في قولِه :

هو البحر يغشى سُـرّة الأرض ويُدرك أطرافَ البلاد سَوِاحلُهْ (37)
وأما قول المتنبي:
إِلى لَيْثِ حربٍ يُلْحِمُ اللَّيثَ سيفُهُ وبحْرِ ندىً في جُوده يغْرقُ البَحْرُ
(38)
فقد أخذه من البحتري الذي يقول:
إِذا قُرِنَ البحرُ الخضم بأنْعُم الـ ـخليفة كاد البحْـرُ فيهِـنَّ يَغْرَقُ
(39)
وقد أختصر أبو الطيب هذا المعنى في عجز بيتٍ شغلَ صدرَه بمعنى آخر ، وشتان ما بين قوله :{يغرق البحر} وبين قول البحتري {يكاد البحر يغرق} وهذه مبالغة هو بها أمدح من قول مَن البحتري . وكذلك قول أبي تمام:

وقَدْ عَلِمَ القِرْنُ المُساوي أَنَّهُ سَيَغْرقُ في البحرِ الذي أنْتَ خَائِضُ
(40)
هو أحسن من قول المتنبي السابق:

فخاضَ بالسَّيفِ بحْر الموت خَلْفَهمُ وكانَ مِنْــهُ إلى الكَعْبـينِ زاخـرُهُ
(41)

ولم يُفِدْ أبا الطيب بأنْ خبّر عن ممدوحه بخوضِ بحرِ الموتِ خلفهم ، وبأن بحر الموت لم يجاوز الخائض زاخره ، فأبو تمام ذكر أنه خاض ما غرق فيه مساويه ، ولم يخبر أبو الطيب بذلك فقد رجح كلام أبي تمام وأستحق المعنى.
وقال الشاعر الكبير أبو تمام الطائي مشبّهاً ممدوحه بالبحر ، ومشبِّهاً تتابع عطائه بالموج الذي لا يتوقفُ أبداً ، و في رأينا لم يوفّقْ شاعر أبداً إلى ما وفّق إليه أبو تمامٍ في مدح أحدٍ بالسخاء والجود وذلك في قوله :

هو البحر من أيِّ النواحي أتيتهُ فَلُجّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُهْ
تعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حتّى لَوَ أنّـــهُ ثَناهــــــــا لقبضٍ لم تُطِعْهُ أَنامِلُـهْ
ولو أنَّ ما في كفِّهِ غـيرُ نفسِهِ لَجادَ بهـا فلْيَتَّقِ اللّهَ سائلُهْ (42)

ونختم هذا الباب بالأبيات الرائعة لأبي صخر الهذلي ، يقول :

تكاد يدي تَنْدى إذا ما لمستُهــــــــا ويَنبُتُ في أطـــــرافِهـــا الوَرَقُ النَضْرُ
وإنّي لَتَعْروني لِذكراكِ هِـــــــــــــزَّةٌ كما انتفضَ العُصفـــــــورُ بلَّلَهُ القَطْرُ
تمنّيتُ من حبّي{عُليّةَ}أننــــــــــــا على رَمَــــثٍ في البحر ليس لنا وَفْرُ
على دائمٍ لا يَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَـــــــه ومن دونِنا الأهوالُ واللُّججُ الخُضْرُ
فنقضيَ هَمَّ النفسِ في غيرِ رُقْبـــــةٍ ويُغرِقُ مَــــن نَخشى نَميمَتَه البحرُ
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلمــــــا انقضى ما بيننا سكن الدهر
(43)

شرح بعض المفردات الواردة في هذا الباب:

1 ــ جرجرة الآذيِّ : صوتُ الموج ، والِعبْرُ: ضفة النهر.
2 ــ يُغِبُّها : ينقطعُ عنها.
3 ــ اعتنقت:عانقت والتزمت ، وتَكَفّأت : انقلبت.
4 ــ المَدَبُّ :مكانُ الدبيب ، والوِعاث : السهلُ ومن الرمل ما ظهرت فيــه آثـــارُ الأقدام ، والعُفْرُ: الرملُ الأحمر.
5 ــ الأهاويل : جمعُ هول ، والمَهولة : فيها هولٌ ، وهو الخوف وهي محمولة من قبل الماء ، حامل للبشر في جوفها ، بِكرٌ : لم تتزوج بعدُ .
6 ــ موقوفة الدَأيات : الدأيات جمع دأية وهي أضلاع الكتف أو خرز الفقار أو العُنُق ، والتوقيفُ :بياضٌ في سواد .
7 ــ قُنَّةُ قَرْهبٍ أي رأس ثورٍ عظيمٍ مسنّ ، راقت : أَعجَبتْ ، وقادمتي النسر هنا: الشراعان أو المجدافان .
8 ــ النُوتيُّ : الملاّحُ .
9 ــ حامت : استدارت .
10 ــ مؤخَّرة الرحل : خلافُ قادمتِه ، المرادُ بالبحر الأول نهر الفرات وبالبحر الثاني الممدوح .
——————————————–
أ1 ــ الجونة : سوداء اللون .
ب1 ــ تواهق : تباري ، والملمَّعة : أي التي فيها لُمَعٌ : أي بُقَعٌ، والردعُ: اللطخُ بالطِيب ، والسُفْعُ السود ، والملاطم الخدود.
ج1 ــ الخراطمُ:جمعُ خرطومٍ ، وهو الأنف.
د1 ــ الزمازم : الأصوات.
هـ1 ــ لم يستَرث : لم يُستبطأْ ، النعائم: جمعُ نعامة .
و1 ــ الغارقات التوائم : المُتشابكُ من اللؤلؤ .
ز1 ــ نئيمُ العَلاجِم : نقيقُ الضفادع
================================================== ======
ج2 ــ السِـمَــاطُ : الصفُّ من الرجال .
د2 ــ المُهَجِّر:الذي يسير وقت الهاجرة ، أي الحَرّ .
هـ2 ــ انكفأ : مال ، والهَبوةُ : الغبارُ لكنَّها هنا عُبابُ الماء .
و2 ــ البُردُ المُحَبَّر : الرداء المزيّن .
ز2 ــ العَوْدُ : الجملُ المُسِنُّ ، والجَرْجَرَةُ : صوتُ الجملِ يتردّدُ في حَنْجَرَتهِ .

مصادر الباب الخامس

1 ــ نكث الهيمان في نكت العميان لأبي الحسن ابن سيد1 : ج1 ص86
2 ــ ديوان امرئ القيس: ج1 ص5
3 ــ الأمالي لأبي علي القالي: (ج 1/ ص 70)
4 ــ ديوان طرفة بن العبد : ص 19 .
5 ــ ديوان عمرو بن كلثوم : ص 91 .
6 ــ المنصف للسارق والمسروق منه – (ج 1 / ص 42) ــ سورة إبراهيم :الآية 32
7 ــ الصبح المنبي عن حيثية المتنبي – (ج 1 / ص 123)
8 ــ الأشباه والنظائر : ج1ص97
9 ــ سورة إبراهيم الآية : 32
10 ــ سورة الإسراء: الآية ، 66 .
11 ــ الأغاني – (ج 19 / ص 3)
12 ــ ديوان مسلم بن الوليد: ص 103 و الشعر والشعراء لابن قتيبة- (ج 1/ص 182)
13 ــ خزانة الأدب – (ج 3 / ص 67 ــ 68)
14ــ الأنوار ومحاسن الأشعار للشمشاطي- (ج 1 / ص 77)
15 ــ الأنوار ومحاسن الأشعار – (ج 1 / ص 79)
16 ــ الكامل في اللغة والأدب للمبرّد ج3 ص 106
17 ــ الشعر والشعراء لابن قتيبة ج1 ص 52
18 ـــ الزهرة : ج 1 ص 207
19 ــ نفس المصدر السابق
20 ــ نفس المصدر السابق
21 ــ ديوان ابن الرومي : ج1 ص 4149 .
22 ــ ديوان البحتري ،ص 377 ، ج1، دار الكتب العلميّة ، بيروت ــ لبنان .
23 ــ الأنوار ومحاسن الأشعار : ج 1 ص 77 .
23 ــ نفس المصدر السابق .
24 ــ المرأة في الغزل الصوفي للمؤلف : ص391
25 ــ ديوان الحقائق ومجموع الرقائق للشيخ عبد الغني النابلسي: ص/21-22 / .
26 ــ نفس المصدر السابق .
27 ــ المنتحل – (ج 1 / ص 73)
28 ــ المنصف للسارق والمسروق منه – (ج 1 / ص 42)
29 ــ نفس المصدر السابق
30 ــ نفس المصدر السابق ص50
31 ــ المنصف للسارق والمسروق منه – (ج 1 / ص 91)
32 ــ ديوان ابن الرومي : ج1 ص 4149 .
33 ــ المنصف للسارق والمسروق : ج1 ص 91
34 ــ يتيمة الدهر : ج1 ص 57
35 ــ المنصنف للسارق والمسروق :ج 1 ص 130
36 ــ نفس المصدر السابق ص94
37 ــ نفس المصدر السابق : ص 94
38 ــ نفس المصدر السابق ص 67
39 ــ نفس المصدر السابق
40 ــ نفس المصدر السابق ص 50
41 ــ نفس المصدر السابق ص50
42 ــ المحاسن والأضداد للجاحظ : ج 1 ص 54
43 ــ الأمالي لأبي علي القالي : ج1 ص 70

 

About these ads
 

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: